Hadithcore

Narrator · #451598

من توفي فيها من الأعيان

من توفي فيها من الأعيان

Appears in 0 hadiths

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

3 books · 189 entries

Source dossier

Source-built evidence rollup from parsed rijal entries and reviewable fact hints.

JSON
Tier
usable_source_dossier
Source entries
34
Strong identity entries
0
Chronology hints
392
Attribute hints
2
Relation hints
0
Assessment hints
15
Known assessors
0

Aqwāl al-jarḥ wa-l-taʿdīl

3 books · 189 entries · 186 full-text · 3 snippets

Verbatim quotations from classical biographical dictionaries, ordered by the author's death year. We display every report; we do not adjudicate between them.

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن - تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

full-text

· 68 entries

  • full passagepage 205, entry [62]232 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ونبدأ بالأهم فالأهم وهم هؤلاء المذكورون، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، الشيخ أحمد بن مشرف، وسعود بن محمد بن سعود وعثمان بن علي بن عيسى، أمير عنيزة عبد الله آل يحيى آل سليم، أمير الجبل متعب بن عبد الله بن رشيد.
  • full passagepage 205, entry [62]232 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ونبدأ بالأهم فالأهم وهم هؤلاء المذكورون، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، الشيخ أحمد بن مشرف، وسعود بن محمد بن سعود وعثمان بن علي بن عيسى، أمير عنيزة عبد الله آل يحيى آل سليم، أمير الجبل متعب بن عبد الله بن رشيد.
  • full passagepage 291, entry [91]3,176 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الشيخ الإمام العالم العلامة الفاضل عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي بلد ملهم ﵀ وعفا عنه، أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وتولى قضاء حريملا والمحمل للإمام فيصل بن تركي، وكان عالمًا فا
    ▸ expand full passage (3,176 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الشيخ الإمام العالم العلامة الفاضل عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي بلد ملهم ﵀ وعفا عنه، أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وتولى قضاء حريملا والمحمل للإمام فيصل بن تركي، وكان عالمًا فاضلًا متواضعًا حسن السيرة عليه آثار التواضع والعلم. وممن توفي فيها أيضًا الشقي داود بن جرجيس ونذكر شيئًا من ترجمته: هو داود بن سليمان بن جرجيس البغدادي ويسمى بداود العراقي كان له تخبيط في العقيدة، وميل إلى مذهب عباد الأصنام، وقد تظاهر بالشرك وشطر البردة وزاد الرمد عمى فقبحه الله ما أمقته وكان في بداية أمره أن قدم على الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين في مبتدأ النصف من القرن الثالث عشر ومعه شيء من كتب المذهب وجلس يتعلم العلم من الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، فلما كان بعد ذلك طلب منه إجازة في الفتيا في المذهب، فلما حاز الإجازة ذهب إلى بلده وقام بإجازة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين يتجمل بها، ثم شرع والعياذ بالله يشبه على الناس ويموه بكلام معناه استحالة وقوع الشرك في الأمة المحمدية ويزعم أن دعاء الأموات والغائبين والذبح والنذر لغير الله ليس بشرك. فلما كان بعد ذهابه بأربع سنين قدم إلى نجد، واتفق بالشيخ أبي بطين معه ورقة فيها شيء من عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية يضعها في غير مواضعها، فلما تبين للشيخ حالته باحثه أمره فوجده قد وقع في هوة الردى فدحض حجته وأبان له خطأه، فأذعن في الظاهر ووافق وانقاد، ثم إن الشيخ كتب على ورقة أربع كراسات ردًا عليها سماها بعض الإخوان من طلاب العلم الشريف [الانتصار لحزب الله الموحدين]، ثم إنه طلب بعض الإخوان من الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بيان معنى بعض أبيات في البردة وتشطيرها، فكتب الشيخ عليها قدرًا من ورقتينفاشمأز بعض الأشرار والذين في قلوبهم مرض ونفاق، واعتراض على ما كتبه بكلام قد ضمنه شركًا عظيمًا فكتب الشيخ على كلامه قدر ثلاث كراسات فرفع أولئك الأشرار رد الشيخ أبي بطين الأول والثاني إلى كبيرهم داود المذكور، مستنصرين به، فقام وقعد وجد واجتهد في جمع ما اعترض به أعداء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، فحصل على جملة منها وزاد من عنده فضائح وضعها من تلقاء نفسه، فعند ذلك رد عليه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين بكتاب سماه "تأسيس التقديس" وكان قد ألف هذا المعترض كتابًا سماه "صلح الإخوان" ويعني بالإخوان أهل التوحيد وعباد القبور والأصنام، فرد عليه الشيخ عبد اللطيف برد سماه أيضًا "بيان المحجة" ردًا على من انتصر لداود العراقي، ولقد أحسن الشيخ سليمان حيث أبان نحلة داود ورد عليه وعلى من انتصر له من الأغبياء، قال الشيخ سليمان هذه الأبيات من معرض قصيدة: جاس ابن جرجيس بغيًا من شقاوته ... خلال سنة خير الناس بالأحن وبالفواضع من زور ومن كذبٍ ... وما نحاه من التحريف للسنن وللنقول التي كان ينقلها ... عن الثقات ذوي القرمان بالحسن فحرق الأحمق الزنديق ما نقلوا ... تحريف داعية الكفر مفتتن فدم ببغداد خلد لأخلاق له ... هبينغ قيعم معبوبق النتن إلى أن قال: مخلط ليس يدري حين يكتب ما ... يهذو به كالذي في غمرة الوسن أو ذاهب العقل والنشوان من سكر ... أو كالحمار الذي يعدو بلا رسن إلى أن قال: وإنما مثل المأفون حيث طغى ... كرائدٍ أعجبته خضرة الدمن فسام في مرجها إذ خالَ من سفهٍ ... أن ليس في روضها الندى من سكن فحينما سام في روضاتها وعثى ... وخال أن قد خلت من قاطنٍ ضننتواثبت نحوه أسدٌ ضياغمة ... قد فوقوا أسهمًا بالآي والسنن فانظر إليه صريعًا في مفازتها ... يكبو على وجهه الممسوخ والذقن من ضيغمٍ باسلٍ حبر أخي ثقةٍ ... وجهبذ المعي فاضلٍ فطن عبد اللطيف الذي شاعت مناقبه ... غربًا وشرقًا ومن بصرى إلى عدن إلى آخرها.
  • full passagepage 291, entry [91]3,176 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الشيخ الإمام العالم العلامة الفاضل عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي بلد ملهم ﵀ وعفا عنه، أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وتولى قضاء حريملا والمحمل للإمام فيصل بن تركي، وكان عالمًا فا
    ▸ expand full passage (3,176 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الشيخ الإمام العالم العلامة الفاضل عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي بلد ملهم ﵀ وعفا عنه، أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وتولى قضاء حريملا والمحمل للإمام فيصل بن تركي، وكان عالمًا فاضلًا متواضعًا حسن السيرة عليه آثار التواضع والعلم. وممن توفي فيها أيضًا الشقي داود بن جرجيس ونذكر شيئًا من ترجمته: هو داود بن سليمان بن جرجيس البغدادي ويسمى بداود العراقي كان له تخبيط في العقيدة، وميل إلى مذهب عباد الأصنام، وقد تظاهر بالشرك وشطر البردة وزاد الرمد عمى فقبحه الله ما أمقته وكان في بداية أمره أن قدم على الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين في مبتدأ النصف من القرن الثالث عشر ومعه شيء من كتب المذهب وجلس يتعلم العلم من الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، فلما كان بعد ذلك طلب منه إجازة في الفتيا في المذهب، فلما حاز الإجازة ذهب إلى بلده وقام بإجازة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين يتجمل بها، ثم شرع والعياذ بالله يشبه على الناس ويموه بكلام معناه استحالة وقوع الشرك في الأمة المحمدية ويزعم أن دعاء الأموات والغائبين والذبح والنذر لغير الله ليس بشرك. فلما كان بعد ذهابه بأربع سنين قدم إلى نجد، واتفق بالشيخ أبي بطين معه ورقة فيها شيء من عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية يضعها في غير مواضعها، فلما تبين للشيخ حالته باحثه أمره فوجده قد وقع في هوة الردى فدحض حجته وأبان له خطأه، فأذعن في الظاهر ووافق وانقاد، ثم إن الشيخ كتب على ورقة أربع كراسات ردًا عليها سماها بعض الإخوان من طلاب العلم الشريف [الانتصار لحزب الله الموحدين]، ثم إنه طلب بعض الإخوان من الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بيان معنى بعض أبيات في البردة وتشطيرها، فكتب الشيخ عليها قدرًا من ورقتينفاشمأز بعض الأشرار والذين في قلوبهم مرض ونفاق، واعتراض على ما كتبه بكلام قد ضمنه شركًا عظيمًا فكتب الشيخ على كلامه قدر ثلاث كراسات فرفع أولئك الأشرار رد الشيخ أبي بطين الأول والثاني إلى كبيرهم داود المذكور، مستنصرين به، فقام وقعد وجد واجتهد في جمع ما اعترض به أعداء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، فحصل على جملة منها وزاد من عنده فضائح وضعها من تلقاء نفسه، فعند ذلك رد عليه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين بكتاب سماه "تأسيس التقديس" وكان قد ألف هذا المعترض كتابًا سماه "صلح الإخوان" ويعني بالإخوان أهل التوحيد وعباد القبور والأصنام، فرد عليه الشيخ عبد اللطيف برد سماه أيضًا "بيان المحجة" ردًا على من انتصر لداود العراقي، ولقد أحسن الشيخ سليمان حيث أبان نحلة داود ورد عليه وعلى من انتصر له من الأغبياء، قال الشيخ سليمان هذه الأبيات من معرض قصيدة: جاس ابن جرجيس بغيًا من شقاوته ... خلال سنة خير الناس بالأحن وبالفواضع من زور ومن كذبٍ ... وما نحاه من التحريف للسنن وللنقول التي كان ينقلها ... عن الثقات ذوي القرمان بالحسن فحرق الأحمق الزنديق ما نقلوا ... تحريف داعية الكفر مفتتن فدم ببغداد خلد لأخلاق له ... هبينغ قيعم معبوبق النتن إلى أن قال: مخلط ليس يدري حين يكتب ما ... يهذو به كالذي في غمرة الوسن أو ذاهب العقل والنشوان من سكر ... أو كالحمار الذي يعدو بلا رسن إلى أن قال: وإنما مثل المأفون حيث طغى ... كرائدٍ أعجبته خضرة الدمن فسام في مرجها إذ خالَ من سفهٍ ... أن ليس في روضها الندى من سكن فحينما سام في روضاتها وعثى ... وخال أن قد خلت من قاطنٍ ضننتواثبت نحوه أسدٌ ضياغمة ... قد فوقوا أسهمًا بالآي والسنن فانظر إليه صريعًا في مفازتها ... يكبو على وجهه الممسوخ والذقن من ضيغمٍ باسلٍ حبر أخي ثقةٍ ... وجهبذ المعي فاضلٍ فطن عبد اللطيف الذي شاعت مناقبه ... غربًا وشرقًا ومن بصرى إلى عدن إلى آخرها.
  • full passagepage 1129, entry [412]3,286 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان صالح بن محمد الصقعي، كان مؤدبًا للصبيان ومعلمًا للقرآن والكتابة، وهو مؤدبنا ومدرسنا، وتعلم منه خلائق كثيرون في الحساب والكتابة وفاقوا بجودة القلم وضبط القرآن وحفظه، وجعل الله في تعليمه بركة، فكل من درس عليه فإنه ينال ذكرى حسنة، ومن لم يطلب العلم منهم فلا بد أن يتفوق على ب
    ▸ expand full passage (3,286 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان صالح بن محمد الصقعي، كان مؤدبًا للصبيان ومعلمًا للقرآن والكتابة، وهو مؤدبنا ومدرسنا، وتعلم منه خلائق كثيرون في الحساب والكتابة وفاقوا بجودة القلم وضبط القرآن وحفظه، وجعل الله في تعليمه بركة، فكل من درس عليه فإنه ينال ذكرى حسنة، ومن لم يطلب العلم منهم فلا بد أن يتفوق على بني جنسه في القراءة والكتابة، وكانت مدرسته تحتوي على أربعمائة طالب. وصفة تدريسه أنه يكتب للأولاد حروف الهجاء في ألواح من الخشب، فإذا حذق الصبي الهجاء فإنه يعطى جزء عم فيشرع في الفاتحة، ثم الناس ثم الفلق ثم الإخلاص ويصعد كذلك، فإذا اجتمع الأولاد صباحًا فإنهم يأخذون جميعًا الدراسة، وبعد ساعتين يقرأ عليه اثنا عشر طالبًا، وكلما قرأ واحد فإنه يقيم معه خمسة يقرأون عليه، ومن قرأ فإنه يأتي إلى المؤدب فيجعل معه خمسة وهكذا حتى تتم الدراسة في حوالي أربع ساعات، فإذا كان بعد الظهر حضر الأولاد يمرون ما درسوا صباحًا ويخرجون قبيل العصر بدقائق ثم يامر من كان من الدرجة الثالثة أن يكتبوا لأهل الهجاء في ألواحهم، ويحضر كبار الطلاب بعد صلاة العصر في دكاكين في السوق لتعلم الكتابة والحساب، وقد وافق في زمنه حظًا وافرًا وقبولًا عند الناس فكان في بلدة بريدة محترمًا وموقرًا، وكان له صوت حسن ويمتاز ببره بوالدته، وقد امتد مرضه زمنًا يقرب من ثلاثة أشهر فالله المستعان. أما والده فهو إمام مسجد عودة الرديني زمن آل رشيد، وهو محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد المته الصقعبي يحسن جودة الخط، وله قلم جيد في الكتابة، وقد نسخ كتبًا كثيرة ومصاحف بيده لخلو زمنه من المطابع، وكان جهوري الصوت، حسن التلاوة، يصلي إمامًا في مسجده المشار إليه في ليالي رمضان، فيحضر للصلاة خلفه خلق كثير وجم غفير من الرجال والنساء، حتى ربما امتلأ المسجد.وممن توفى فيها عبد الله بن صالح بن هزاع، كان تلميذًا للأول ومؤدبًا للصبيان، قليل الشر قد اشتغل بصلاح نفسه، وكان شابًا رزينًا نشأ على العفاف والبر والصلة، فرحمة الله عليه، وكان سنه حين توفى خمسًا وعشرين سنة. وممن توفى فيها نصيان بن حمد آل نصيان، كان طالب علم، وتلميذًا للشيخ عبد العزيز العبادي، وله فهم عظيم وجودة حفظ، حتى أنه ليحفظ عن ظهر قلبه كلما رآه، وله يد في الشعر، وقد قدمنا له قصيدة رثى بها شيخه عبد العزيز، وكان يبيع ويشتري ويأكل من كسبه، وبحب أهل الدين ويألفهم ويألفونه، وهذه صفته: كان شابًا طوالًا متوقد الذهن، واعيًا سكينًا، وسنه حين وفاته ست وعشرون سنة، ومن العجائب ويجدر بنا ذكره أن صالحًا الصقعبي خرج يحمل حجرًا على عاتقه ليعلم به قبر ابن هزاع، فقال له الذي يحفر القبور، إذ ذاك علي بن عبد العزيز الحوطي: يا مطوع إنك جعلت لقبر تلميذك حجرًا واحدًا فلو جعلت حجرين كعادة الناس، فأجابه بقوله: ساخرج بآخر في الجمعة المقبلة، فمرض ومات ولم يخرج إلى المقبرة إلا محمولًا بنعشه، ففي ذلك عبرةً لمن يخشى. وممن توفى فيها براك بن منصور بن براك كان ﵀ طالب علم ضرير البصر، وقد امتد مرضه بقروح كانت في صدره ﵀ وعفى عنه، وكان محبًا لأهل الدين يميل إليهم ويحبهم، وتوفى أيضًا أناس كثيرون من الأخيار في ذلك الوقت. وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا وفاتنا أن نقدمه على غيره، صاحب السمو الملكي الأمير الباسل خالد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعود، وهذه ترجمته: هو خالد بن أخي جلالة الملك محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن، الأمير ابن الأمير الشجاع الباسل؛ كان مقدمًا موقرًا عند عمه الملك عبد العزيز، لا يزل خادمًا لعمه سامعًا مطيعًا متأدبًا مع أبيهوعمه، وله قوة نفس وشجاعة، والشبل من الأسود، وقد اختلف في سبب وفاته فقيل أنه طرد ضبيا وساق مفره سيارته فانقلبت به سيارته، وقيل كانت وفاته حينما قفل من الحج في اصطدام سيارته ولا ريب أنه توفى بحادث سيارته انقلابًا أو اصطدامًا، فالله المستعان، وكان موضع الأعجاب من والده الأمير محمد بن عبد الرحمن أديبًا مقدمًا ومحترمًا.
  • full passagepage 1129, entry [412]3,286 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان صالح بن محمد الصقعي، كان مؤدبًا للصبيان ومعلمًا للقرآن والكتابة، وهو مؤدبنا ومدرسنا، وتعلم منه خلائق كثيرون في الحساب والكتابة وفاقوا بجودة القلم وضبط القرآن وحفظه، وجعل الله في تعليمه بركة، فكل من درس عليه فإنه ينال ذكرى حسنة، ومن لم يطلب العلم منهم فلا بد أن يتفوق على ب
    ▸ expand full passage (3,286 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان صالح بن محمد الصقعي، كان مؤدبًا للصبيان ومعلمًا للقرآن والكتابة، وهو مؤدبنا ومدرسنا، وتعلم منه خلائق كثيرون في الحساب والكتابة وفاقوا بجودة القلم وضبط القرآن وحفظه، وجعل الله في تعليمه بركة، فكل من درس عليه فإنه ينال ذكرى حسنة، ومن لم يطلب العلم منهم فلا بد أن يتفوق على بني جنسه في القراءة والكتابة، وكانت مدرسته تحتوي على أربعمائة طالب. وصفة تدريسه أنه يكتب للأولاد حروف الهجاء في ألواح من الخشب، فإذا حذق الصبي الهجاء فإنه يعطى جزء عم فيشرع في الفاتحة، ثم الناس ثم الفلق ثم الإخلاص ويصعد كذلك، فإذا اجتمع الأولاد صباحًا فإنهم يأخذون جميعًا الدراسة، وبعد ساعتين يقرأ عليه اثنا عشر طالبًا، وكلما قرأ واحد فإنه يقيم معه خمسة يقرأون عليه، ومن قرأ فإنه يأتي إلى المؤدب فيجعل معه خمسة وهكذا حتى تتم الدراسة في حوالي أربع ساعات، فإذا كان بعد الظهر حضر الأولاد يمرون ما درسوا صباحًا ويخرجون قبيل العصر بدقائق ثم يامر من كان من الدرجة الثالثة أن يكتبوا لأهل الهجاء في ألواحهم، ويحضر كبار الطلاب بعد صلاة العصر في دكاكين في السوق لتعلم الكتابة والحساب، وقد وافق في زمنه حظًا وافرًا وقبولًا عند الناس فكان في بلدة بريدة محترمًا وموقرًا، وكان له صوت حسن ويمتاز ببره بوالدته، وقد امتد مرضه زمنًا يقرب من ثلاثة أشهر فالله المستعان. أما والده فهو إمام مسجد عودة الرديني زمن آل رشيد، وهو محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد المته الصقعبي يحسن جودة الخط، وله قلم جيد في الكتابة، وقد نسخ كتبًا كثيرة ومصاحف بيده لخلو زمنه من المطابع، وكان جهوري الصوت، حسن التلاوة، يصلي إمامًا في مسجده المشار إليه في ليالي رمضان، فيحضر للصلاة خلفه خلق كثير وجم غفير من الرجال والنساء، حتى ربما امتلأ المسجد.وممن توفى فيها عبد الله بن صالح بن هزاع، كان تلميذًا للأول ومؤدبًا للصبيان، قليل الشر قد اشتغل بصلاح نفسه، وكان شابًا رزينًا نشأ على العفاف والبر والصلة، فرحمة الله عليه، وكان سنه حين توفى خمسًا وعشرين سنة. وممن توفى فيها نصيان بن حمد آل نصيان، كان طالب علم، وتلميذًا للشيخ عبد العزيز العبادي، وله فهم عظيم وجودة حفظ، حتى أنه ليحفظ عن ظهر قلبه كلما رآه، وله يد في الشعر، وقد قدمنا له قصيدة رثى بها شيخه عبد العزيز، وكان يبيع ويشتري ويأكل من كسبه، وبحب أهل الدين ويألفهم ويألفونه، وهذه صفته: كان شابًا طوالًا متوقد الذهن، واعيًا سكينًا، وسنه حين وفاته ست وعشرون سنة، ومن العجائب ويجدر بنا ذكره أن صالحًا الصقعبي خرج يحمل حجرًا على عاتقه ليعلم به قبر ابن هزاع، فقال له الذي يحفر القبور، إذ ذاك علي بن عبد العزيز الحوطي: يا مطوع إنك جعلت لقبر تلميذك حجرًا واحدًا فلو جعلت حجرين كعادة الناس، فأجابه بقوله: ساخرج بآخر في الجمعة المقبلة، فمرض ومات ولم يخرج إلى المقبرة إلا محمولًا بنعشه، ففي ذلك عبرةً لمن يخشى. وممن توفى فيها براك بن منصور بن براك كان ﵀ طالب علم ضرير البصر، وقد امتد مرضه بقروح كانت في صدره ﵀ وعفى عنه، وكان محبًا لأهل الدين يميل إليهم ويحبهم، وتوفى أيضًا أناس كثيرون من الأخيار في ذلك الوقت. وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا وفاتنا أن نقدمه على غيره، صاحب السمو الملكي الأمير الباسل خالد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعود، وهذه ترجمته: هو خالد بن أخي جلالة الملك محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن، الأمير ابن الأمير الشجاع الباسل؛ كان مقدمًا موقرًا عند عمه الملك عبد العزيز، لا يزل خادمًا لعمه سامعًا مطيعًا متأدبًا مع أبيهوعمه، وله قوة نفس وشجاعة، والشبل من الأسود، وقد اختلف في سبب وفاته فقيل أنه طرد ضبيا وساق مفره سيارته فانقلبت به سيارته، وقيل كانت وفاته حينما قفل من الحج في اصطدام سيارته ولا ريب أنه توفى بحادث سيارته انقلابًا أو اصطدامًا، فالله المستعان، وكان موضع الأعجاب من والده الأمير محمد بن عبد الرحمن أديبًا مقدمًا ومحترمًا.
  • full passagepage 1148, entry [418]946 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها في ١٥ رجب توفى الشيخ الماهر عبد الله بن سليمان بن بليهد قاضي حايل ﵀، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن سليمان آل بليهد، كانت قبيلته من بني خالد يتسلسل نسبه إلى مضر بن نزار، أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وعن
    ▸ expand full passage (946 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها في ١٥ رجب توفى الشيخ الماهر عبد الله بن سليمان بن بليهد قاضي حايل ﵀، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن سليمان آل بليهد، كانت قبيلته من بني خالد يتسلسل نسبه إلى مضر بن نزار، أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعن الشيخ عبد الله بن محمد بن فداء، وجميع بين العلم والشجاعة والعقل والذكاء والبصيرة، وجدَّ واجتهد حتى بلغ شأو المفاخر، وأصبح موضع الإعجاب من أمته وحكومته، ألف مناسكه التي صدق عليها قول القائل في مدحها من أبيات فيها: قد أوضح الدين الحنيفي نهجها ... لأئمةٍ سادوا بنيل سماكها وتمسكوا بأدلة كالشمس في ... إشراقها فالسعد في إمساكها تسعى إليك هديةً من خادمٍ ... للعلم كي يحظى بحسن دراكها فأرشد بها غاوي الطريق فإنها ... شمسٌ تنير وأنت من أفلاكها وألف أيضًا رسالة نصيحة لأهل مكة وغيرها صاح بها صيحة في دعوة الناس إلى التوحيد لله بلغت الأفاق، وكانت مختصرة تبلغ نصف كراسة، وله رسالة في هذا النمط وله غير ذلك.
  • full passagepage 1148, entry [418]946 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها في ١٥ رجب توفى الشيخ الماهر عبد الله بن سليمان بن بليهد قاضي حايل ﵀، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن سليمان آل بليهد، كانت قبيلته من بني خالد يتسلسل نسبه إلى مضر بن نزار، أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وعن
    ▸ expand full passage (946 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها في ١٥ رجب توفى الشيخ الماهر عبد الله بن سليمان بن بليهد قاضي حايل ﵀، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن سليمان آل بليهد، كانت قبيلته من بني خالد يتسلسل نسبه إلى مضر بن نزار، أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعن الشيخ عبد الله بن محمد بن فداء، وجميع بين العلم والشجاعة والعقل والذكاء والبصيرة، وجدَّ واجتهد حتى بلغ شأو المفاخر، وأصبح موضع الإعجاب من أمته وحكومته، ألف مناسكه التي صدق عليها قول القائل في مدحها من أبيات فيها: قد أوضح الدين الحنيفي نهجها ... لأئمةٍ سادوا بنيل سماكها وتمسكوا بأدلة كالشمس في ... إشراقها فالسعد في إمساكها تسعى إليك هديةً من خادمٍ ... للعلم كي يحظى بحسن دراكها فأرشد بها غاوي الطريق فإنها ... شمسٌ تنير وأنت من أفلاكها وألف أيضًا رسالة نصيحة لأهل مكة وغيرها صاح بها صيحة في دعوة الناس إلى التوحيد لله بلغت الأفاق، وكانت مختصرة تبلغ نصف كراسة، وله رسالة في هذا النمط وله غير ذلك.
  • full passagepage 1170, entry [426]2,580 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم قاضي عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع ﵀ وعفا عنه، كان شيخًا كبيرًا فاضلًا ناسكًا ورعًا سكينًا، فمن روعه أنه كان إذا جلس للقضاء قد يحضر الكتاب للمراجعة ويطيب أنفس المتخاصمين ويحرص على الإصلاح، وقد يرضي أحد الخصمين بشيء من ماله، وكان في صفته أنه يخضب لحيته بالحناء
    ▸ expand full passage (2,580 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم قاضي عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع ﵀ وعفا عنه، كان شيخًا كبيرًا فاضلًا ناسكًا ورعًا سكينًا، فمن روعه أنه كان إذا جلس للقضاء قد يحضر الكتاب للمراجعة ويطيب أنفس المتخاصمين ويحرص على الإصلاح، وقد يرضي أحد الخصمين بشيء من ماله، وكان في صفته أنه يخضب لحيته بالحناء، ومربوع القامة، وبعد وفاته لبثت عنيزة أيامًا بلا قاضي. وممن توفى فيها أيضًا الشيخ حسين باسلامة الحضرمي مؤلف كتاب حياة سيد العرب، وتاريخ النهضة، وتاريخ المسجد الحرام، وتاريخ الكعبة المعظمة، وله غير ذلك، وهذه ترجمته: هو حسين بن عبد الله بن محمد بن سالم بن عمر بن عوض باسلامة آل باداس الكندي الحضرمي المكي، تقدم ذكر ولادته، وتوفى عن عمر ناهز إحدى وستينسنة، أخذ القرآن والتجويد والكتابة والإملاء والخط والحساب عن الشيخ فرج بن عبد الله سوداني، والشيخ علي المنصوري، والشيخ سليمان بن محمد فرج الغزاوي، وأكمل دراسته على الشيخ محمد الفارسي، والشيخ يوسف اليماني، وتعلم من الشيخ محمد عبيد الله أفندي علم التاريخ والجغرافيا، واتصل بالشيخ محمد شعيب المغربي فأخذ عنه علم مصطلح الحديث والتفسير والحديث وأصول الفقه، ثم بعد ذلك شرع في التأليف، فمنها ما ذكرنا ومنها الجوهر اللماع، والناسخ والمنسوخ من القرآن، وألّف كتابًا في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وكتابًا في تحريم المتعة، وكتابًا في معنى كرامة الأولياء، ونال عدة وظائف منها سكرتير مجلس الشيوخ في عهد الحسين بن علي الشريف ١٣٣٥ هـ، وانتخب عضو في الجلس التأسيسي الذي وضع للنظام الأساسي لحكومة جلالة الملك عبد العزيز ١٣٤٤ هـ ثم انتخب عضوًا في المجلس الاستشاري، بعدها بسنة ثم كان عضوًا في مجلس الشورى، ثم عين عضوًا في لجنة الحج في بدء تأسيسها، ثم كان عضوًا في مجلس الشورى، وانتخب عضوًا في مجلس المعارف وذلك في سنة ١٣٥٠ هـ، ثم انتخب عضوًا في هيئة المطالبة بأوقاف الحرمين الشريفين، وذلك في سنة ١٣٥٤ هـ، وقد استمر في هذه المجالس الثلاثة يشغل وظيفتها. وفيها حدث سعال عظيم في الصبيان الصغار وهلك بسببه عدد كثير، فنسأل الله تعالى أن يجبر المصاب ويجعلهم شفعاء لوالديهم. وفيها وقع خسف عظيم في فلسطين هلك بسببه أموال تقدر بسبعمائة طن، وسقط مائة وأربعون بيتًا، واختلف بسببه من الأنفس البشرية مائة ألف وثلاثون ألفًا، وتشققت الأرض، وجعل يفور منها دخان الكبريت. وفيها في ليلة ١٥ ذي الحجة كثر الجراد جدًا في القصيم وخرج الناس لطلبه، وكثر أذاه. وحج بالناس في تلك السنة نائب جلالة الملك ونجله فيصل بن عبد العزيز، وقد عني جلالة الملك بأمر الحجاج، فكان يبعث البرقيات تترى إلى سمو الأمير فيصل للسؤال عن الحجاج وراحتهم في كل مكان نزلوه، وذلك لشدة اهتمامه بشأنهم.وفيها زحف الجنرال الإنكليزي ويلسن والجنرال كاترو الفرنسي على سوريا فاستولوا عليها وذلك بعدما رأت انكلترا أن تبادر إلى ذلك متعاونة مع قوات فرنسا الحرة، وأعلن كاترو استقلال كل من سوريا ولبنان، فاعترفت انكلترا بهذا الاستقلال، واعترفت الدول العربية بذلك رغم وجود جيش الاحتلال الفرنسي في البلاد.
  • full passagepage 1170, entry [426]2,580 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم قاضي عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع ﵀ وعفا عنه، كان شيخًا كبيرًا فاضلًا ناسكًا ورعًا سكينًا، فمن روعه أنه كان إذا جلس للقضاء قد يحضر الكتاب للمراجعة ويطيب أنفس المتخاصمين ويحرص على الإصلاح، وقد يرضي أحد الخصمين بشيء من ماله، وكان في صفته أنه يخضب لحيته بالحناء
    ▸ expand full passage (2,580 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم قاضي عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع ﵀ وعفا عنه، كان شيخًا كبيرًا فاضلًا ناسكًا ورعًا سكينًا، فمن روعه أنه كان إذا جلس للقضاء قد يحضر الكتاب للمراجعة ويطيب أنفس المتخاصمين ويحرص على الإصلاح، وقد يرضي أحد الخصمين بشيء من ماله، وكان في صفته أنه يخضب لحيته بالحناء، ومربوع القامة، وبعد وفاته لبثت عنيزة أيامًا بلا قاضي. وممن توفى فيها أيضًا الشيخ حسين باسلامة الحضرمي مؤلف كتاب حياة سيد العرب، وتاريخ النهضة، وتاريخ المسجد الحرام، وتاريخ الكعبة المعظمة، وله غير ذلك، وهذه ترجمته: هو حسين بن عبد الله بن محمد بن سالم بن عمر بن عوض باسلامة آل باداس الكندي الحضرمي المكي، تقدم ذكر ولادته، وتوفى عن عمر ناهز إحدى وستينسنة، أخذ القرآن والتجويد والكتابة والإملاء والخط والحساب عن الشيخ فرج بن عبد الله سوداني، والشيخ علي المنصوري، والشيخ سليمان بن محمد فرج الغزاوي، وأكمل دراسته على الشيخ محمد الفارسي، والشيخ يوسف اليماني، وتعلم من الشيخ محمد عبيد الله أفندي علم التاريخ والجغرافيا، واتصل بالشيخ محمد شعيب المغربي فأخذ عنه علم مصطلح الحديث والتفسير والحديث وأصول الفقه، ثم بعد ذلك شرع في التأليف، فمنها ما ذكرنا ومنها الجوهر اللماع، والناسخ والمنسوخ من القرآن، وألّف كتابًا في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وكتابًا في تحريم المتعة، وكتابًا في معنى كرامة الأولياء، ونال عدة وظائف منها سكرتير مجلس الشيوخ في عهد الحسين بن علي الشريف ١٣٣٥ هـ، وانتخب عضو في الجلس التأسيسي الذي وضع للنظام الأساسي لحكومة جلالة الملك عبد العزيز ١٣٤٤ هـ ثم انتخب عضوًا في المجلس الاستشاري، بعدها بسنة ثم كان عضوًا في مجلس الشورى، ثم عين عضوًا في لجنة الحج في بدء تأسيسها، ثم كان عضوًا في مجلس الشورى، وانتخب عضوًا في مجلس المعارف وذلك في سنة ١٣٥٠ هـ، ثم انتخب عضوًا في هيئة المطالبة بأوقاف الحرمين الشريفين، وذلك في سنة ١٣٥٤ هـ، وقد استمر في هذه المجالس الثلاثة يشغل وظيفتها. وفيها حدث سعال عظيم في الصبيان الصغار وهلك بسببه عدد كثير، فنسأل الله تعالى أن يجبر المصاب ويجعلهم شفعاء لوالديهم. وفيها وقع خسف عظيم في فلسطين هلك بسببه أموال تقدر بسبعمائة طن، وسقط مائة وأربعون بيتًا، واختلف بسببه من الأنفس البشرية مائة ألف وثلاثون ألفًا، وتشققت الأرض، وجعل يفور منها دخان الكبريت. وفيها في ليلة ١٥ ذي الحجة كثر الجراد جدًا في القصيم وخرج الناس لطلبه، وكثر أذاه. وحج بالناس في تلك السنة نائب جلالة الملك ونجله فيصل بن عبد العزيز، وقد عني جلالة الملك بأمر الحجاج، فكان يبعث البرقيات تترى إلى سمو الأمير فيصل للسؤال عن الحجاج وراحتهم في كل مكان نزلوه، وذلك لشدة اهتمامه بشأنهم.وفيها زحف الجنرال الإنكليزي ويلسن والجنرال كاترو الفرنسي على سوريا فاستولوا عليها وذلك بعدما رأت انكلترا أن تبادر إلى ذلك متعاونة مع قوات فرنسا الحرة، وأعلن كاترو استقلال كل من سوريا ولبنان، فاعترفت انكلترا بهذا الاستقلال، واعترفت الدول العربية بذلك رغم وجود جيش الاحتلال الفرنسي في البلاد.
  • full passagepage 1175, entry [429]959 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير أخو جلالة الملك عبد العزيز وهو محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي الهمام المقدام وابن السادة الكرام، كان شجاعًا فاضلًا، وممن باشروا الفتوحات مع أخيه الملك، بل هو أحد النقباء الذين سطوا على عجلان وذويه وجرعوهم كؤوس الحمام، كان أسنّ من الملك ومأمون التقلبات، تق
    ▸ expand full passage (959 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير أخو جلالة الملك عبد العزيز وهو محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي الهمام المقدام وابن السادة الكرام، كان شجاعًا فاضلًا، وممن باشروا الفتوحات مع أخيه الملك، بل هو أحد النقباء الذين سطوا على عجلان وذويه وجرعوهم كؤوس الحمام، كان أسنّ من الملك ومأمون التقلبات، تقيًا ناسكًا مهيبًا، يسير بأوامر صاحب الجلالة أخيه، بل كان عونًا له في مهمات الأمور وعضده الأشد، وحضر معه جميع حروبه، وعاش عزيزًا ومات عظيمًا، ولما توفى صلى عليه المسلمون في سائر الأقطار بالنية، وكتب الملك كتابًا إلى سائر الرعية بأن من كان له دين على أخيه أو حق قديم أو حديث فليتقدم بحجته لقبض ماله عليه، وكان له من الأولاد خالد، وقد توفى قبله كما تقدم، وله فهد بن محمد، وكان فهد صائدًا ماهرًا، ومن أنبل آل سعود، وهذه صفة المترجم: كان ضخمًا طويلًا عليه آثار النجابة والمكارم والشجاعة والعظمة والتقدير. وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا نائب الحرم الشريف ومدير الأوقاف العام،ورئيس لجنة الصدقات في مكة المشرفة عبد الوهاب، وكانت وفاته يوم عيد الأضحى، فالله المستعان.
  • full passagepage 1175, entry [429]959 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير أخو جلالة الملك عبد العزيز وهو محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي الهمام المقدام وابن السادة الكرام، كان شجاعًا فاضلًا، وممن باشروا الفتوحات مع أخيه الملك، بل هو أحد النقباء الذين سطوا على عجلان وذويه وجرعوهم كؤوس الحمام، كان أسنّ من الملك ومأمون التقلبات، تق
    ▸ expand full passage (959 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير أخو جلالة الملك عبد العزيز وهو محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي الهمام المقدام وابن السادة الكرام، كان شجاعًا فاضلًا، وممن باشروا الفتوحات مع أخيه الملك، بل هو أحد النقباء الذين سطوا على عجلان وذويه وجرعوهم كؤوس الحمام، كان أسنّ من الملك ومأمون التقلبات، تقيًا ناسكًا مهيبًا، يسير بأوامر صاحب الجلالة أخيه، بل كان عونًا له في مهمات الأمور وعضده الأشد، وحضر معه جميع حروبه، وعاش عزيزًا ومات عظيمًا، ولما توفى صلى عليه المسلمون في سائر الأقطار بالنية، وكتب الملك كتابًا إلى سائر الرعية بأن من كان له دين على أخيه أو حق قديم أو حديث فليتقدم بحجته لقبض ماله عليه، وكان له من الأولاد خالد، وقد توفى قبله كما تقدم، وله فهد بن محمد، وكان فهد صائدًا ماهرًا، ومن أنبل آل سعود، وهذه صفة المترجم: كان ضخمًا طويلًا عليه آثار النجابة والمكارم والشجاعة والعظمة والتقدير. وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا نائب الحرم الشريف ومدير الأوقاف العام،ورئيس لجنة الصدقات في مكة المشرفة عبد الوهاب، وكانت وفاته يوم عيد الأضحى، فالله المستعان.
  • full passagepage 1256, entry [463]54 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ١٧ ذي القعدة توفى
  • full passagepage 1256, entry [463]54 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ١٧ ذي القعدة توفى
  • full passagepage 1296, entry [480]6,715 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها وفاة الشيخ عثمان بن مضيان، وهذه ترجمته: هو العاقل البصير العالم المقبل على ربه، المعرض عمن سواه، رجل الخير والدين والصلاح، الموسوم في وسم أهل الحق والنجاح عثمان بن حمد آل مضيان، وله ذوق في العلوم الدينية، وبصيرة نافذة في تمييز الطيب من الخبيث، سكينًا عاقلًا متقشفًا،
    ▸ expand full passage (6,715 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها وفاة الشيخ عثمان بن مضيان، وهذه ترجمته: هو العاقل البصير العالم المقبل على ربه، المعرض عمن سواه، رجل الخير والدين والصلاح، الموسوم في وسم أهل الحق والنجاح عثمان بن حمد آل مضيان، وله ذوق في العلوم الدينية، وبصيرة نافذة في تمييز الطيب من الخبيث، سكينًا عاقلًا متقشفًا، ضعيف البنية، وقد تعلم وتخرج على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وابن عمه محمد بن عمر بن سليم، وكان إمامًا في القرية الواقعة شرقي بريدة المعروفة بوهطان، ولبث على تلك الصفة دهرًا طويلًا، ثم إنه سكن بريدة وبضاعته العلم. وقد كان في نشأته كابد محنًا من ولاية آل رشيد وأمرائهم، لأنه كان مواليًا لأهل الدين والعدل، فصبر وما استكان، ثم إن الحكومة جعلته قاضيًا في أبي عريش سنة ١٣٥٣ هـ، فاستمر في قضاء تلك الجهة بسياسة وتسديد مبيضًا وجه صحيفته، وموضع التقدير هناك، ثم إنه طلب من الحكومة إعفاءه من قضاء تلك الجهة بصفة جوها لم يلائم صحته، فعاد إلى وطنه القصيم سنة ١٣٥٨ هـ واستقر في الموضع المسمى السباخ مؤثرًا للراحة، ثم إنه حج سنة ١٣٥٩ هـ، وبعد الحج جعل في وظيفة القضاء في موضع يدعى محائل في عسير، فاستمر في القضاء حتى مات في حال غربته.ومما جرى في حال قضاءه في أبي عريش أن بعض الأئمة الذين كانوا في معيته في أبي عريش أنكر على بعض المجامع التي تكون في أوقات الزواج هناك من اختلاط الرجال والنساء، وأزال المنكر بيده، فوافق أن ضرب امرأة بالعصا فقام أقرباؤها وبعثوا بشكاية إلى الحكومة بشأن ذلك الرجل، فبعثت الحكومة هيئة للنظر في هذه المشكلة، وقد أعظم الخصماء الأمر بأن المرأة ألقت جنينها الذي في بطنها، وبعدما وضعت الهيئة سؤالًا وجوابًا وقدمته للمحاكمة أمام القاضي عثمان المذكور أخذ المعاملة فضيلته ومزقها وأجاب الهيئة بأنه إذا كانت الحكومة قد ارتضيت هذا الإمام ووثقت به يسد هذا المقام، فما فائدة الاعتراض عليه، فانحل النزاع وقنعت الهيئة. وقد أخذ المترجم عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن محمد بن فدا ولازمه، وكنت أظن أنه تولى وظيفة في بلد نفي، وذلك في الفترة التي بين ٣٧ و ٤٥ من الهجرة النبوية. أما ولادته فإنها حوالي سنة ١٢٩١ هـ فيكون له من العمر خمس وسبعون سنة ﵀ وعفا عنه، ويعد من خيرة أهل زمانه، ورعًا وزهدًا وعفة ودينًا وعلمًا، وكان له أخلاق وحسن معاشرة، وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا يمل جليسه مجادلته، أضف إلى ذلك تواضعًا وليس عريكة، فالله المستعان. وممن توفى فيها الشاب الناسك رشيد بن عبد الله الحميضي، كان شابًا نشأ في طاعة الله وقلبه معلق بالمساجد، وما زال يدأب في طلب العلم، وله إكباب على المطالعة في الكتب الدينية ويعتكف العشر الأواخر من رمضان، وله صلاح وعبادة وحظ من قيام الليل وصيام النهار وزهد وزكاة وعفة، وقد سلم المسلمون من شره، وقد قال ﷺ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقد مات ولم يتزوج، وكان عمره اذ ذاك إحدى وثلاثون سنة، نسأل الله تعالى أن يزوجه الحور الحسان وأن يجعله من جيرانه في أعالي الجنان، وقد كان فقيرًا محتسبًا متعففًا صابرًا خاشعًا.وفيها توفى الأمير شكيب أرسلان المؤرخ صاحب التعليق والحفاوة بتاريخ حاضر العالم الإسلامي، قالت إحدى الألسن: شاء الله ولا راد لمشيئته أن يخبو نور طالما شع في ميادين الأدب والعلم والتاريخ، فأضاء سبل السالكين، وإن يخفت صوت دوى في منابر الدفاع عن العروبة فأصاخ له العالمان الشرقي والغربي، وأن يكبو سيف طالما نزل كالصاعقة في الذود عن حمى الأمة العربية الإسلامية، وذلك بانتقال صاحب العطوفة أمير البيان شكيب أرسلان إلى الدار الآخرة بعد جهاد ٨٠ عامًا قضى الكثير منها في الكتابة والتأليف والذود عن حمى العروبة، وخدمة قضيتها، فرحمة الله على أموات المسلمين. وفيها أي سنة ١٣٦٦ هـ وفاة الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد اللطيف رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن عبد اللطيف عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الرياض ١٢٨٨ هـ، وتربى في بيت والده الشيخ عبد اللطيف، وبعد وفاة والده تولاه أخوه عبد العزيز بن عبد اللطيف، وفي أول سن التميز أدخله مدرسة تحفيظ القرآن المعروفة باسم مدرسة ابن مفيريج، ودرس القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب، ودرس مبادئ العلوم الدينية على أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، ثم إنه أخذ في الدراسة على أخيه الشيخ عبد الله في الكتب المطولة كأعلام الموقعين عن رب العالمين، وإغاثة اللهفان، وأقسام القرآن لابن القيم ﵀، ودرس عليه في الأصل، والفقه وأمر الكتب، ودرس في عمدة الفقه، وتفقه ودرس في الفقه على الشيخ محمد بن محمود، والشيخ عبد الله الخرجي، والشيخ حمد بن فارس، أخذ عن الأخير علم النحو والفقه، وجدّ واجتهد ثم إنه عين قاضيًا في الهجرة المعروفة في السر، وهي بلدة ساجر عند الروقة، ولبث فيها أربع سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، ويشهد معهم عدة غزوات بأمر من ولي الأمر، بحيث لا يمكن أن يغيرواعلى أحد حتى يتحققوا خروجه عن طاعة ولي الأمر فيما يجب عليهم، كمنع زكاة أو نقض، أو اعتداء بغير حق. ثم إنه وفد على الإمام في الرياض وصادف ذلك مرض أخيه الشيخ عبد الله سنة ١٣٣٩ هـ، فتولى الخطابة عنه، ثم إنه توفى الشيخ عبد الله رحمه الله تعالى، وصدر الأمر بأن يكون خلفًا للشيخ عبد الله في التدريس في بيت الشيخ والخطابة في الجامع مستمر مدة نصف سنة، فألح أهل ساجر على الملك عبد العزيز بإعادته إليهم، فأعاده إليهم واستمر بعد عودته إليهم ثلاث سنوات، وطلب الإقالة من القضاء عندهم، ثم إنه رجع إلى الرياض عام ١٣٤٢ هـ، وعين في أخر السنة المذكورة في عروى لدى سلطان بن حميد. ولما زحف ابن سعود إلى مكة المكرمة ليثبت جيشه الزاحف إليها، كان الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف من جملة رفقته، ثم إنه أقام بعد ذلك في عروى خمس سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، حتى جرت واقعة السبلة بحيث لم يشهد أهل عروة واقعة السبلة من أجل أنه قام القيام اللائق به من بيان حقوق ولي أمر المسلمين، فكفهم عن الخروج وكانوا على بصيرة في أمر دينهم، وبعد وفاة سلطان بن حميد بن محمد بن هندي كان الأمير بعده جهجاه بن بجاد أخو سلطان بن بجاد أمير الغطغط، فاقتضت الأمور أن طلب الإقالة من عروى، وكانت السنون الماضية حافلة بأعماله ونصحه لإمام المسلمين وللمسلمين، والجهاد في سبيل الله، وقد شهد عدة مشاهد منها حصار حائل، ومنها حصار جدة، ومنها فتح البلد المعروف بالحجاز باسم بالجرشي، وسبق أن شهد واقعة البكيرية المشهورة، وشهد عدة غزوات. وأصيب بجراح، وبعد إعفاءه من عروى عين قاضيًا في الخرج وجميع قراه، ومقره في الدلم، وذلك عام ١٣٥٠ هـ، وتخلل بين إعفاءه من عروى وتولية قضاء الخرج فترة استقر فيها في الرياض، وعين إمامًا لمسجد الحلة المعروف في الرياض، ومدرسًا، ثم إنه استمر في قضاء الدلم حتى عام ١٣٥٧ هـ فطلب الإقالة واستقر في الرياض مدرسًا في مسجد الوسيط، وخطيبًا للجامع الكبير، حتى توفاه الله تعالى عن عمر يناهز الثامنة والسبعين.وكان ﵀ كريمًا عفيفًا شجاعًا سخيًا، يرق للفقير ولا يصل أحدًا منه أذى، وكل من عرفه يثني عليه ويدعو له ويذكره بخير، فالله المستعان. وفيها صدرت الإرادة الملكية الكريمة بتعيين الأمير لاي علي بك جميل مديرًا للأمن العام خلفًا للسابق مهدي بك الذي يدعونه بالمصلح، وكان مهدي قد عهد إليه صاحب الجلالة بإدارة الأمن العام، فسهر على صيانته حتى صار مضرب الأمثال وملأ رعبه قلوب المجرمين في المدن والبوادي، وحتى لم تكد تراود المجرمين نفوسهم بالإقدام على أي أمر يخالف الشرع أو يسيء الدولة، ولقد قام بوظيفته تلك بخير قيام، ولما أن كان في ذلك الوقت انحرفت صحته وطلب من صاحب الجلالة الاعتزال عن العمل حسب إرشادات الأطباء، فأمر جلالة الملك باستمرار رواتبه ومخصصاته كما هي، ولقب بوزير دولة إنعامًا عليه بهذه الرتبة، وتقديرًا لأعماله السابقة، وخلفه في هذه السنة علي بك جميل. وفي هذه الآونة عين جلالة الملك عبد الرؤوف الصبان مديرًا للأوقاف العامة، وأمينًا للعاصمة بدلًا عن الأمين السابق عباس قطان.
  • full passagepage 1296, entry [480]6,715 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها وفاة الشيخ عثمان بن مضيان، وهذه ترجمته: هو العاقل البصير العالم المقبل على ربه، المعرض عمن سواه، رجل الخير والدين والصلاح، الموسوم في وسم أهل الحق والنجاح عثمان بن حمد آل مضيان، وله ذوق في العلوم الدينية، وبصيرة نافذة في تمييز الطيب من الخبيث، سكينًا عاقلًا متقشفًا،
    ▸ expand full passage (6,715 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها وفاة الشيخ عثمان بن مضيان، وهذه ترجمته: هو العاقل البصير العالم المقبل على ربه، المعرض عمن سواه، رجل الخير والدين والصلاح، الموسوم في وسم أهل الحق والنجاح عثمان بن حمد آل مضيان، وله ذوق في العلوم الدينية، وبصيرة نافذة في تمييز الطيب من الخبيث، سكينًا عاقلًا متقشفًا، ضعيف البنية، وقد تعلم وتخرج على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وابن عمه محمد بن عمر بن سليم، وكان إمامًا في القرية الواقعة شرقي بريدة المعروفة بوهطان، ولبث على تلك الصفة دهرًا طويلًا، ثم إنه سكن بريدة وبضاعته العلم. وقد كان في نشأته كابد محنًا من ولاية آل رشيد وأمرائهم، لأنه كان مواليًا لأهل الدين والعدل، فصبر وما استكان، ثم إن الحكومة جعلته قاضيًا في أبي عريش سنة ١٣٥٣ هـ، فاستمر في قضاء تلك الجهة بسياسة وتسديد مبيضًا وجه صحيفته، وموضع التقدير هناك، ثم إنه طلب من الحكومة إعفاءه من قضاء تلك الجهة بصفة جوها لم يلائم صحته، فعاد إلى وطنه القصيم سنة ١٣٥٨ هـ واستقر في الموضع المسمى السباخ مؤثرًا للراحة، ثم إنه حج سنة ١٣٥٩ هـ، وبعد الحج جعل في وظيفة القضاء في موضع يدعى محائل في عسير، فاستمر في القضاء حتى مات في حال غربته.ومما جرى في حال قضاءه في أبي عريش أن بعض الأئمة الذين كانوا في معيته في أبي عريش أنكر على بعض المجامع التي تكون في أوقات الزواج هناك من اختلاط الرجال والنساء، وأزال المنكر بيده، فوافق أن ضرب امرأة بالعصا فقام أقرباؤها وبعثوا بشكاية إلى الحكومة بشأن ذلك الرجل، فبعثت الحكومة هيئة للنظر في هذه المشكلة، وقد أعظم الخصماء الأمر بأن المرأة ألقت جنينها الذي في بطنها، وبعدما وضعت الهيئة سؤالًا وجوابًا وقدمته للمحاكمة أمام القاضي عثمان المذكور أخذ المعاملة فضيلته ومزقها وأجاب الهيئة بأنه إذا كانت الحكومة قد ارتضيت هذا الإمام ووثقت به يسد هذا المقام، فما فائدة الاعتراض عليه، فانحل النزاع وقنعت الهيئة. وقد أخذ المترجم عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن محمد بن فدا ولازمه، وكنت أظن أنه تولى وظيفة في بلد نفي، وذلك في الفترة التي بين ٣٧ و ٤٥ من الهجرة النبوية. أما ولادته فإنها حوالي سنة ١٢٩١ هـ فيكون له من العمر خمس وسبعون سنة ﵀ وعفا عنه، ويعد من خيرة أهل زمانه، ورعًا وزهدًا وعفة ودينًا وعلمًا، وكان له أخلاق وحسن معاشرة، وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا يمل جليسه مجادلته، أضف إلى ذلك تواضعًا وليس عريكة، فالله المستعان. وممن توفى فيها الشاب الناسك رشيد بن عبد الله الحميضي، كان شابًا نشأ في طاعة الله وقلبه معلق بالمساجد، وما زال يدأب في طلب العلم، وله إكباب على المطالعة في الكتب الدينية ويعتكف العشر الأواخر من رمضان، وله صلاح وعبادة وحظ من قيام الليل وصيام النهار وزهد وزكاة وعفة، وقد سلم المسلمون من شره، وقد قال ﷺ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقد مات ولم يتزوج، وكان عمره اذ ذاك إحدى وثلاثون سنة، نسأل الله تعالى أن يزوجه الحور الحسان وأن يجعله من جيرانه في أعالي الجنان، وقد كان فقيرًا محتسبًا متعففًا صابرًا خاشعًا.وفيها توفى الأمير شكيب أرسلان المؤرخ صاحب التعليق والحفاوة بتاريخ حاضر العالم الإسلامي، قالت إحدى الألسن: شاء الله ولا راد لمشيئته أن يخبو نور طالما شع في ميادين الأدب والعلم والتاريخ، فأضاء سبل السالكين، وإن يخفت صوت دوى في منابر الدفاع عن العروبة فأصاخ له العالمان الشرقي والغربي، وأن يكبو سيف طالما نزل كالصاعقة في الذود عن حمى الأمة العربية الإسلامية، وذلك بانتقال صاحب العطوفة أمير البيان شكيب أرسلان إلى الدار الآخرة بعد جهاد ٨٠ عامًا قضى الكثير منها في الكتابة والتأليف والذود عن حمى العروبة، وخدمة قضيتها، فرحمة الله على أموات المسلمين. وفيها أي سنة ١٣٦٦ هـ وفاة الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد اللطيف رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن عبد اللطيف عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الرياض ١٢٨٨ هـ، وتربى في بيت والده الشيخ عبد اللطيف، وبعد وفاة والده تولاه أخوه عبد العزيز بن عبد اللطيف، وفي أول سن التميز أدخله مدرسة تحفيظ القرآن المعروفة باسم مدرسة ابن مفيريج، ودرس القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب، ودرس مبادئ العلوم الدينية على أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، ثم إنه أخذ في الدراسة على أخيه الشيخ عبد الله في الكتب المطولة كأعلام الموقعين عن رب العالمين، وإغاثة اللهفان، وأقسام القرآن لابن القيم ﵀، ودرس عليه في الأصل، والفقه وأمر الكتب، ودرس في عمدة الفقه، وتفقه ودرس في الفقه على الشيخ محمد بن محمود، والشيخ عبد الله الخرجي، والشيخ حمد بن فارس، أخذ عن الأخير علم النحو والفقه، وجدّ واجتهد ثم إنه عين قاضيًا في الهجرة المعروفة في السر، وهي بلدة ساجر عند الروقة، ولبث فيها أربع سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، ويشهد معهم عدة غزوات بأمر من ولي الأمر، بحيث لا يمكن أن يغيرواعلى أحد حتى يتحققوا خروجه عن طاعة ولي الأمر فيما يجب عليهم، كمنع زكاة أو نقض، أو اعتداء بغير حق. ثم إنه وفد على الإمام في الرياض وصادف ذلك مرض أخيه الشيخ عبد الله سنة ١٣٣٩ هـ، فتولى الخطابة عنه، ثم إنه توفى الشيخ عبد الله رحمه الله تعالى، وصدر الأمر بأن يكون خلفًا للشيخ عبد الله في التدريس في بيت الشيخ والخطابة في الجامع مستمر مدة نصف سنة، فألح أهل ساجر على الملك عبد العزيز بإعادته إليهم، فأعاده إليهم واستمر بعد عودته إليهم ثلاث سنوات، وطلب الإقالة من القضاء عندهم، ثم إنه رجع إلى الرياض عام ١٣٤٢ هـ، وعين في أخر السنة المذكورة في عروى لدى سلطان بن حميد. ولما زحف ابن سعود إلى مكة المكرمة ليثبت جيشه الزاحف إليها، كان الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف من جملة رفقته، ثم إنه أقام بعد ذلك في عروى خمس سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، حتى جرت واقعة السبلة بحيث لم يشهد أهل عروة واقعة السبلة من أجل أنه قام القيام اللائق به من بيان حقوق ولي أمر المسلمين، فكفهم عن الخروج وكانوا على بصيرة في أمر دينهم، وبعد وفاة سلطان بن حميد بن محمد بن هندي كان الأمير بعده جهجاه بن بجاد أخو سلطان بن بجاد أمير الغطغط، فاقتضت الأمور أن طلب الإقالة من عروى، وكانت السنون الماضية حافلة بأعماله ونصحه لإمام المسلمين وللمسلمين، والجهاد في سبيل الله، وقد شهد عدة مشاهد منها حصار حائل، ومنها حصار جدة، ومنها فتح البلد المعروف بالحجاز باسم بالجرشي، وسبق أن شهد واقعة البكيرية المشهورة، وشهد عدة غزوات. وأصيب بجراح، وبعد إعفاءه من عروى عين قاضيًا في الخرج وجميع قراه، ومقره في الدلم، وذلك عام ١٣٥٠ هـ، وتخلل بين إعفاءه من عروى وتولية قضاء الخرج فترة استقر فيها في الرياض، وعين إمامًا لمسجد الحلة المعروف في الرياض، ومدرسًا، ثم إنه استمر في قضاء الدلم حتى عام ١٣٥٧ هـ فطلب الإقالة واستقر في الرياض مدرسًا في مسجد الوسيط، وخطيبًا للجامع الكبير، حتى توفاه الله تعالى عن عمر يناهز الثامنة والسبعين.وكان ﵀ كريمًا عفيفًا شجاعًا سخيًا، يرق للفقير ولا يصل أحدًا منه أذى، وكل من عرفه يثني عليه ويدعو له ويذكره بخير، فالله المستعان. وفيها صدرت الإرادة الملكية الكريمة بتعيين الأمير لاي علي بك جميل مديرًا للأمن العام خلفًا للسابق مهدي بك الذي يدعونه بالمصلح، وكان مهدي قد عهد إليه صاحب الجلالة بإدارة الأمن العام، فسهر على صيانته حتى صار مضرب الأمثال وملأ رعبه قلوب المجرمين في المدن والبوادي، وحتى لم تكد تراود المجرمين نفوسهم بالإقدام على أي أمر يخالف الشرع أو يسيء الدولة، ولقد قام بوظيفته تلك بخير قيام، ولما أن كان في ذلك الوقت انحرفت صحته وطلب من صاحب الجلالة الاعتزال عن العمل حسب إرشادات الأطباء، فأمر جلالة الملك باستمرار رواتبه ومخصصاته كما هي، ولقب بوزير دولة إنعامًا عليه بهذه الرتبة، وتقديرًا لأعماله السابقة، وخلفه في هذه السنة علي بك جميل. وفي هذه الآونة عين جلالة الملك عبد الرؤوف الصبان مديرًا للأوقاف العامة، وأمينًا للعاصمة بدلًا عن الأمين السابق عباس قطان.
  • full passagepage 1320, entry [491]3,263 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم هؤلاء محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعثمان بن أحمد بن بشر، وفهد بن على الرشودي، ومحمد بن عبد الله بن سليم، وسنذكر لكل واحد ترجمة. فأما محمد بن عبد اللطيف فهو الشيخ الإمام العالم العلامة، أبو عبد الرحمن محمد ابن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإ
    ▸ expand full passage (3,263 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم هؤلاء محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعثمان بن أحمد بن بشر، وفهد بن على الرشودي، ومحمد بن عبد الله بن سليم، وسنذكر لكل واحد ترجمة. فأما محمد بن عبد اللطيف فهو الشيخ الإمام العالم العلامة، أبو عبد الرحمن محمد ابن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام وكاشف الأوهام، ومجدد دين الله بعدما اندرس بين الأنام محمد بن عبد الوهاب، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وغفر لهم ورحمهم وجبر المسلمين بما أصيب به من فقدهم، وكان المترجم عالمًا كبيرًا، وبدرًا منيرًا، سلفيًا له خطوة سابقة في علم التوحيد، فلله دره من كريم تضرب الأمثال بكرمه وجوده وسخائه وبذله، فكان يبذل الأموال ويضيف وينفع طلاب العلم والمحتاجين، فكان ممتازًا بالتواضع وسلامة الصدر ولين الجانب، ولما أن توفى الله أخاه عبد الله كان جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن يحترمه ويوقره ويصدره في المجالس.ولما أن عزمت الحكومة على طبع رسائل أئمة هذه الدعوة للمرة الأولى جعل الملك أمر ذلك إليه فقام بالتعهد لها، وجري بينه وبين مدير المطبعة وصاحبها محمد رشيد رضا صاحب مصر مجاوبات في شأنها، وأخذ عليه أن لا يتصرف بشيء من ألفاظها وكلماتها تعهدات، وقد برزت الرسائل المطبوعة بمطبعة المنار على أحسن ما يرام ولله الحمد، وكل ذلك بمساعي صاحب الجلالة عبد العزيز، وكم له من يد بيضاء، ومن أراد أن ينظر إلى مناقبه ويعرف فضائله فليراجع العقيدة التي جمعها وبعثها إلى رؤساء القبائل من أهل اليمن وعسير وتهامة وشهران وبني شهر وقحطان وغامد وزهران، وكافة أهل الحجاز، وذلك سنة ١٣٣٩ هـ بأمر من جلالة الملك ابن السعود، وكان لها أحسن وقع، فلذلك جعلها الشيخ سليمان من جملة رسائل الهدية السنية، وكم لهذا العالم من رسالة أشاد بها التوحيد وهدم الشرك فجزاه الله عن المسلمين خيرًا، ولما مات رثاه الشعراء والأدباء، وهذه مرثية أنشأها الأديب ابن أخيه عبد الله بن الشيخ عمر بن الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ لما توفاه الله في ٤/ ٦، وقد أثبتنا ما وجدناه منها، نسأل الله تعالى أن يرفع درجاته في دار الآخرة: على الشيخ فليبكي محبٌ مولعٌ ... بكاء حزينٍ قلبه يتصدع وينشر دمعًا من عيون غريقةٍ ... فإن قلصت ماء فبالدم تدمع وميتةٌ خير الخلق للناس كلهم ... عزاءٌ به يسلو المصاب المفجع فقد رحل الحبر الفقيه الذي به ... قواعد دين الله تتلى وترفع له همةٌ تسمو إلى هامة العلي ... تقلدها مذ كان في الحجر يرضع إمامٌ همامٌ ألمعيٌ مهذبٌ ... فقيه نبيهٌ حافظٌ متضلع مجالسه بالعلم أضحت منيرةٌ ... بها أمهات الدين تقرأ وتسمع مرابعه تبكيه من بعدما غدت ... معطلةً أرجاؤها تترجع ويبكيه أهل الدين إذ كان دأبه ... مجدًا على تبيينه فهو يصدعوحقَّ لها تبكيه إذ كان قائمًا ... بغرس علوم الدين أيضًا ويجمع أصولًا وتوحيدًا وفهمًا وكلما ... رأي حسنًا منها لها يتتبع فتلك جمادات غدونَ بفقده ... يرجعن أصواتًا لها تتنوع فيا ليتني أرويت قلبي بمجلسٍ ... فاحفظ منه الجم إذلًا أضيع فهيهات هيهات انقضت وتصرمت ... لياليه بالإحسان فالله يجمع فآهًا على العلم الشريف فإنه ... يتيمًا غدا من بعدما كان يرفع وما مثله في الجود إلا كحاتمٍ ... جميع خصال الخير والفضل مودع وصول لا رحام وإن قطعت له ... عفوٌ حليمٌ ذو تقي متخشع فيا حي يا قيوم ياسامع الدعا ... ويا من له كل الخلائق تفزع أنله الرضا وأحسن جميعًا لنا العزا ... وأسكنه جناتٌ بها يتمتع وابقٍ لنا شيخ الهدي علم الوري ... يقرر هذا الأصل لا يتضعضع وأعني به الحبر التقي محمدًا ... سلالةً من للدين شادوا ويرفعوا ويا أيها الأبناء للشيخ إنني ... أوصيكم بالعلم فيه تولعوا فمن فاته العلم الشريف فإنما بضاعته المزجاة دومًا يخدع ويا رب ثبتنا جميعًا وكن لنا ... معينًا على فهم الذي هو أنفع وصلِّ إلهي كل وقتٍ وساعةٍ ... على المصطفي من للخلائق يشفع وآلٍ كرامٍ ثم صحبٍ ومن على ... طريقتهم يقفوا وللرسل يتبع
  • full passagepage 1320, entry [491]3,263 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم هؤلاء محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعثمان بن أحمد بن بشر، وفهد بن على الرشودي، ومحمد بن عبد الله بن سليم، وسنذكر لكل واحد ترجمة. فأما محمد بن عبد اللطيف فهو الشيخ الإمام العالم العلامة، أبو عبد الرحمن محمد ابن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإ
    ▸ expand full passage (3,263 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم هؤلاء محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعثمان بن أحمد بن بشر، وفهد بن على الرشودي، ومحمد بن عبد الله بن سليم، وسنذكر لكل واحد ترجمة. فأما محمد بن عبد اللطيف فهو الشيخ الإمام العالم العلامة، أبو عبد الرحمن محمد ابن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام وكاشف الأوهام، ومجدد دين الله بعدما اندرس بين الأنام محمد بن عبد الوهاب، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وغفر لهم ورحمهم وجبر المسلمين بما أصيب به من فقدهم، وكان المترجم عالمًا كبيرًا، وبدرًا منيرًا، سلفيًا له خطوة سابقة في علم التوحيد، فلله دره من كريم تضرب الأمثال بكرمه وجوده وسخائه وبذله، فكان يبذل الأموال ويضيف وينفع طلاب العلم والمحتاجين، فكان ممتازًا بالتواضع وسلامة الصدر ولين الجانب، ولما أن توفى الله أخاه عبد الله كان جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن يحترمه ويوقره ويصدره في المجالس.ولما أن عزمت الحكومة على طبع رسائل أئمة هذه الدعوة للمرة الأولى جعل الملك أمر ذلك إليه فقام بالتعهد لها، وجري بينه وبين مدير المطبعة وصاحبها محمد رشيد رضا صاحب مصر مجاوبات في شأنها، وأخذ عليه أن لا يتصرف بشيء من ألفاظها وكلماتها تعهدات، وقد برزت الرسائل المطبوعة بمطبعة المنار على أحسن ما يرام ولله الحمد، وكل ذلك بمساعي صاحب الجلالة عبد العزيز، وكم له من يد بيضاء، ومن أراد أن ينظر إلى مناقبه ويعرف فضائله فليراجع العقيدة التي جمعها وبعثها إلى رؤساء القبائل من أهل اليمن وعسير وتهامة وشهران وبني شهر وقحطان وغامد وزهران، وكافة أهل الحجاز، وذلك سنة ١٣٣٩ هـ بأمر من جلالة الملك ابن السعود، وكان لها أحسن وقع، فلذلك جعلها الشيخ سليمان من جملة رسائل الهدية السنية، وكم لهذا العالم من رسالة أشاد بها التوحيد وهدم الشرك فجزاه الله عن المسلمين خيرًا، ولما مات رثاه الشعراء والأدباء، وهذه مرثية أنشأها الأديب ابن أخيه عبد الله بن الشيخ عمر بن الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ لما توفاه الله في ٤/ ٦، وقد أثبتنا ما وجدناه منها، نسأل الله تعالى أن يرفع درجاته في دار الآخرة: على الشيخ فليبكي محبٌ مولعٌ ... بكاء حزينٍ قلبه يتصدع وينشر دمعًا من عيون غريقةٍ ... فإن قلصت ماء فبالدم تدمع وميتةٌ خير الخلق للناس كلهم ... عزاءٌ به يسلو المصاب المفجع فقد رحل الحبر الفقيه الذي به ... قواعد دين الله تتلى وترفع له همةٌ تسمو إلى هامة العلي ... تقلدها مذ كان في الحجر يرضع إمامٌ همامٌ ألمعيٌ مهذبٌ ... فقيه نبيهٌ حافظٌ متضلع مجالسه بالعلم أضحت منيرةٌ ... بها أمهات الدين تقرأ وتسمع مرابعه تبكيه من بعدما غدت ... معطلةً أرجاؤها تترجع ويبكيه أهل الدين إذ كان دأبه ... مجدًا على تبيينه فهو يصدعوحقَّ لها تبكيه إذ كان قائمًا ... بغرس علوم الدين أيضًا ويجمع أصولًا وتوحيدًا وفهمًا وكلما ... رأي حسنًا منها لها يتتبع فتلك جمادات غدونَ بفقده ... يرجعن أصواتًا لها تتنوع فيا ليتني أرويت قلبي بمجلسٍ ... فاحفظ منه الجم إذلًا أضيع فهيهات هيهات انقضت وتصرمت ... لياليه بالإحسان فالله يجمع فآهًا على العلم الشريف فإنه ... يتيمًا غدا من بعدما كان يرفع وما مثله في الجود إلا كحاتمٍ ... جميع خصال الخير والفضل مودع وصول لا رحام وإن قطعت له ... عفوٌ حليمٌ ذو تقي متخشع فيا حي يا قيوم ياسامع الدعا ... ويا من له كل الخلائق تفزع أنله الرضا وأحسن جميعًا لنا العزا ... وأسكنه جناتٌ بها يتمتع وابقٍ لنا شيخ الهدي علم الوري ... يقرر هذا الأصل لا يتضعضع وأعني به الحبر التقي محمدًا ... سلالةً من للدين شادوا ويرفعوا ويا أيها الأبناء للشيخ إنني ... أوصيكم بالعلم فيه تولعوا فمن فاته العلم الشريف فإنما بضاعته المزجاة دومًا يخدع ويا رب ثبتنا جميعًا وكن لنا ... معينًا على فهم الذي هو أنفع وصلِّ إلهي كل وقتٍ وساعةٍ ... على المصطفي من للخلائق يشفع وآلٍ كرامٍ ثم صحبٍ ومن على ... طريقتهم يقفوا وللرسل يتبع
  • full passagepage 1337, entry [497]1,481 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ١١ ربيع الأول توفى الشيخ إبراهيم بن محمد الوهيبي التميمي من أهل شقراء، رحمة الله تعالى عليه، وكان رجلًا طيبًا، اشتهر بين قومه بالعبادة والورع، وكان مع ذلك غيورًا محبًا لدعوة التوحيد، مخلصًا لمولاه، مدافعًا عن هذا الدين الحنيف. وكانت وفاته بمكة المشرفة عن عمر يناه
    ▸ expand full passage (1,481 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ١١ ربيع الأول توفى الشيخ إبراهيم بن محمد الوهيبي التميمي من أهل شقراء، رحمة الله تعالى عليه، وكان رجلًا طيبًا، اشتهر بين قومه بالعبادة والورع، وكان مع ذلك غيورًا محبًا لدعوة التوحيد، مخلصًا لمولاه، مدافعًا عن هذا الدين الحنيف. وكانت وفاته بمكة المشرفة عن عمر يناهز السبعين عامًا قضاها في خدمة الله ومرضاته، فرحمة الله عليه، فنعزي أهل الدين بوفاته، وقد وافق موته ليلة الاثنين، وانتقل من الدار الفانية إلى الدار الباقية. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد العزيز بن صالح بن سليم، وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد العزيز بن صالح بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الله بن سليم حفيد عالم مقاطعة القصيم وعلامة تلك المقاطعة، وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة جده ﵀. وكانت وفاته في ٢٩ جمادي الآخرة، وكان رجلًا طيبًا ذكيًا سكينًا أريبًا عاقلًا، ذا دين وورع وأصل في علم التوحيد، وله قوة إدراك وسعة اطلاع على غامض المسائل، يحب الخمول والتقشف، وقد حج في صحبة عمه الشيخ عمر بن محمد بن سليم فأصيب بنكبة من الحرامية الذين يقطعون الطريق في جبال الحجاز زمن ولاية حسين الشريف على مكة المكرمة، وكان قد اختصه الشيخعمه عمر بأن جعله ككاتب صكوك في آخر عمره، فعاش بخير وتولى مهمة وظيفتين هما: إمامة مسجد في بريدة، ووظيفة التدريس في المدرسة الفيصيلية ببريدة، فقام بالإمامة في مسجد ابن عمه الشيخ محمد بن عمر بن سليم، وأخذ يعلم أبناء وطنه في علوم الفقه والتوحيد والحديث، وكان قد حصل عليهما في سنة وفاته، ثم إنه أصيب بذات الجنب وتوفاه الله تعالى في هذه السنة عن عمر يناهز الخمسين، فرحمة الله عليه، وقد قضى عمره في طاعة الله ورسوله، وطلب العلم والعبادة والصبر على ما يصيبه، فنرجوا له الغفران.
  • full passagepage 1337, entry [497]1,481 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ١١ ربيع الأول توفى الشيخ إبراهيم بن محمد الوهيبي التميمي من أهل شقراء، رحمة الله تعالى عليه، وكان رجلًا طيبًا، اشتهر بين قومه بالعبادة والورع، وكان مع ذلك غيورًا محبًا لدعوة التوحيد، مخلصًا لمولاه، مدافعًا عن هذا الدين الحنيف. وكانت وفاته بمكة المشرفة عن عمر يناه
    ▸ expand full passage (1,481 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ١١ ربيع الأول توفى الشيخ إبراهيم بن محمد الوهيبي التميمي من أهل شقراء، رحمة الله تعالى عليه، وكان رجلًا طيبًا، اشتهر بين قومه بالعبادة والورع، وكان مع ذلك غيورًا محبًا لدعوة التوحيد، مخلصًا لمولاه، مدافعًا عن هذا الدين الحنيف. وكانت وفاته بمكة المشرفة عن عمر يناهز السبعين عامًا قضاها في خدمة الله ومرضاته، فرحمة الله عليه، فنعزي أهل الدين بوفاته، وقد وافق موته ليلة الاثنين، وانتقل من الدار الفانية إلى الدار الباقية. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد العزيز بن صالح بن سليم، وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد العزيز بن صالح بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الله بن سليم حفيد عالم مقاطعة القصيم وعلامة تلك المقاطعة، وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة جده ﵀. وكانت وفاته في ٢٩ جمادي الآخرة، وكان رجلًا طيبًا ذكيًا سكينًا أريبًا عاقلًا، ذا دين وورع وأصل في علم التوحيد، وله قوة إدراك وسعة اطلاع على غامض المسائل، يحب الخمول والتقشف، وقد حج في صحبة عمه الشيخ عمر بن محمد بن سليم فأصيب بنكبة من الحرامية الذين يقطعون الطريق في جبال الحجاز زمن ولاية حسين الشريف على مكة المكرمة، وكان قد اختصه الشيخعمه عمر بأن جعله ككاتب صكوك في آخر عمره، فعاش بخير وتولى مهمة وظيفتين هما: إمامة مسجد في بريدة، ووظيفة التدريس في المدرسة الفيصيلية ببريدة، فقام بالإمامة في مسجد ابن عمه الشيخ محمد بن عمر بن سليم، وأخذ يعلم أبناء وطنه في علوم الفقه والتوحيد والحديث، وكان قد حصل عليهما في سنة وفاته، ثم إنه أصيب بذات الجنب وتوفاه الله تعالى في هذه السنة عن عمر يناهز الخمسين، فرحمة الله عليه، وقد قضى عمره في طاعة الله ورسوله، وطلب العلم والعبادة والصبر على ما يصيبه، فنرجوا له الغفران.
  • full passagepage 1345, entry [501]9,040 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير محمد الرعوجي، وهذه ترجمته: هو الهمام التقي الأمير الجواد السخي الكريم، أمير الأسياح، البطل الشجاع، ذو المناقب العلية والفضائل الجلية، أبو زيد محمد بن رعوجي بن زيد ابن محمد بن فهيد بن فهيد بن راشد بن صالح بن ناصر بن قراض بن سعود بن محمد بن جلهم بن روق، ينتهي ن
    ▸ expand full passage (9,040 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير محمد الرعوجي، وهذه ترجمته: هو الهمام التقي الأمير الجواد السخي الكريم، أمير الأسياح، البطل الشجاع، ذو المناقب العلية والفضائل الجلية، أبو زيد محمد بن رعوجي بن زيد ابن محمد بن فهيد بن فهيد بن راشد بن صالح بن ناصر بن قراض بن سعود بن محمد بن جلهم بن روق، ينتهي نسبه إلى الأساعدة من عتيبة، كان يجتمع نسب آل فهيد هؤلاء ونسب آل فوزان في راشد بن صالح، وسمي فهيد باسم أبيه لأن أباه توفي وهو حمل، فسمي باسم أبيه، فيكون فوزان وفهيد أخوين، أما والد الأسرة محمد بن فهيد فهو أمير الأسياح إذ ذاك، وكان له مماليك وخيل، =ومشهورًا بالكرم والجود، فلقد وفد عليه مرة ألف راكب، فقام بضيافتهم وإكرامهم وزودهم بالطعام عند رحيلهم، وله أربعة بنين: زيد وهو الأمير بعده، وعلى، وعبد العزيز، وعبد المحسن، فذرية زيد الرعوجي فهد وفيصل. وأما فهد بن زيد فذريته نائف وتركي وراشد. وأما فيصل بن زيد فله ابن يدعي حمد بن فيصل، وأما علي بن محمد فأرث بداحًا ومنديلًا. وأما عبد المحسن فأرث ناصرًا وعبد الله وفهيد ومحمد. وكان لنائف بن فهد راشد النايف ومنديل ومحمد وفهد وعبد الله. وكان لتركي بن فهد أيضًا ابنان فهد وراشد، وكان لراشد هذا ابن يدعى محمد الراشد. أما عبد العزيز بن محمد الفهيد فله ابن يدعى حمد، ولحمد هذا أبناء يسكنون البرقاء. وأما منديل العلي فله من البنين مشاري وفهيد ومحمد. وكان لمنديل بن نائف ابن يسمى صالح بن منديل، وكان رجلًا طيبًا مشهورًا بالرجولة، وفيه مكارم أخلاق وتقدم، كما أنه كان لفهد بن نايف ابنان عبد العزيز وتركي، وكان لراشد بن نايف أولاد منهم عبد الله وتركي وفهد ونايف، وكان لحمد ابن نايف ابن يسمى عبد العزيز، أما الذين تولو الإمارة منهم: فعبد المحسن بن محمد، وعلى بن محمد، ومنديل بن علي، وحمد بن عبد العزيز، ونائف، وتركي بن فهد بن زيد، وكان تركي مشهورًا بالكرم والجود، حتى قال فيه الشاعر: تركي كريم وبحجاجه ندي ... حكام نجد ما يلادونه (١) ذكره هوي مصر هو والحسا ... والباب عيا لا يصكونه (٢) رجعنا إلى ذكر الأمير محمد الروعجي فنقول: كان له أخ يدعى ناصر، وكانمحمد فوق ما قيل عنه كرمًا وجودًا ورجولةً، ولقد زارني في صحبة الشيخ عثمان ابن أحمد بن بشر، وكان إذ ذاك قاضيًا في بلاد الأسياح، وجاء بالأمير للسلام على وعمري يومئذٍ لا يتجاوز الحادي والعشرين، فرأيت الرجل من أفذاذ الرجال، ومن خيرة أهل زمانه، وكان عاقلًا شريفًا. ولد المترجم في سنة ١٣٠١ هـ ونشأ على العفاف والسخاء، يطعم الطعام، ويتصدق على الفقراء، ويحنو على ابن السبيل، ويساعد المحتاجين، ويحب أهل الدين، ويميل إليهم، ويمقت الشر وأهله، فأما عطفه على الفقراء والمحتاجين فحدثّ ولا حرج، وكان محترمًا في قومه وعشيرته. ونورد قصة تدل على عطفه وإحسانه، وماله من الأيادي الجميلة، فإنه لما كان في المسغبة التي وقعت في سنة ١٣٢٧ هـ ركب حصانه في إحدى الليالي من آخر الليل لحماية زرعه من السرقة فوجد أربعة من الرجال قد دخلوا في الزرع وأكلوا ما حواليهم من السنبل لما هم فيه من شدة الجوع، فلما رأي حياضًا في وسط الزرع خالية من النبات أقبل عليها يهتدي بنور القمر، فوجد أولئك البؤساء، فخجلوا لما رأوا الأمير وقالوا هذا الرعوجي فكيف نصنع؟ ووجموا وسكنت حركاتهم خوفًا منه، فلما رأهم بهذه الصفة رق لحالتهم وسكن روعهم وتكلم قائلًا: يا أولادي خذوا لأولادكم فأنتم مني في حلّ، خذوا وأكثروا، اللهم ارفع ما أنزلت بالمسلمين وارحم ضعفهم، لا بأس عليكم يا أولادي، فنزع كل واحد منهم ثوبًا من ثيابه وملأه سنبلًا وذهبوا يحملونه على رؤوسهم إلى أهاليهم، وكثيرًا ما يمنح الضيف إذا ارتحل عدل بن لأولاده، وله مناقب كثيرة. ولما مات خلفه في الإمارة ابنه زيد بن محمد. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان رجل الدين والعلم والفضل الشيخ محمد ابن مقبل رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد، ذو الصدق والمعرفة، الرزين الألمعي، محمد بن مقبل ابن على آل مقبل. كان المترجم ابن أخي الشيخ سليمان بن على بن مقبل قاضي بريدة منذ مائةستة في أيام عبد العزيز بن محمد بن عليان، ولد المترجم سنة ١٢٨١ هـ، فيكون له من العمر سنة وفاته ٨٨ سنة قضاها في طاعة الله وعبادته، فنشأ في طلب العلم، وجدَّ واجتهد، وكان يتردد إلى قرية المريدسية المشهورة في القصيم من قري بريدة للأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن حسين حيث يعلم فيها بصفته يدرس، وتخرج عليه طلاب كثيرون، فكان الشيخ محمد يعمل في فلاحته ويأكل من كسب يده، فإذا ذري زرعه في البصر والمنسي في فصل الربيع فإنه ينحدر مسافرًا من البصر إلى الريدسية لطلب العلم، وكان يصحبه زميل له يدعي رشيد آل إبراهيم بن محيميد، فيأخذون في الدراسة لدي الشيخ المذكور، فأما المترجم فإنه لا يرجع إلا إذا يبس التمر في رؤوس النخل وقت الصرام إذا حلت الشمس في برج الميزان. وأما رشيد بن إبراهيم فإنه يرجع في آخر نهار الخميس ليؤم جماعة أهل البصر في صلاة الجمعة، ثم يعود من آخر النهار. أما مشايخ المترجم: فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن سليمان العريني، وكان عالمًا من علماء القرية، غيي أنه خامل الذكر، وأخذ عن الشيخ الزاهد الورع عبد الله بن محمد فدا، وذلك في حال إقامته في المريدسية أيام آل رشيد، وناهيك به علمًا وعبادةً وزهادةً، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسين آل أبي الخيل، وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان من زملائه صالح اللهيمي وعبد العزيز بن عودة السعوي، وسليمان بن ناصر السعوي، وأخذ عن المترجم خلائق كثيرون: فمنهم الشيخ عبد العزيز بن سبيل، وآل حديثي، وأخذ عنه ابنه صالح بن محمد ابن مقبل، ودرّس في البكيرية بعدما توظف في قضائها، ودرّس في البصر، وتولى الخطابة فيها، وتخرج عليه طلاب كثيرون، وكان يحب عدم الشهرة، ولا يحب الجاه والرئاسة. ولما توفى قاضي مقاطعة القصيم الشيخ الفاضل عمر بن محمد بن سليم، رغب الأهالي وذوو الحل والعقد في أن يكون خلفًا عنه، وساروا إليه منبريدة يطلبون منه أن يجيبهم إلى ما رغبوا، فرفض وأبي ذلك، فرفعوا إلى صاحب الجلالة الملك خطابًا يطلبون منه أن يتولى قضاء المقاطعة، فبكى واعتذر بكبر سنه، ففاز بالعافية، ولما أن ولاه ابن سعود قضاء البكيرية سنة ١٣٤٧ هـ أمر وكيل مالية بريدة أن ينفذ له ثمانمائة صاع بن وألفي وزنة تمر، وألف ريال سنويًا، فأبى أن يقبلها وقال لوكيل المالية: ابقها في المالية حتى أحتاج إليها، أما اليوم فإنني بغنى عنها، وأبي أن يقبلها، وحج فعلم الملك عبد العزيز بقدومه، فبعث إليه بكسوة وأمره أن يأتي إليه للسلام عليه، فرد الكسوة وجاء صباحًا للسلام على جلالته، فقال له: نفرش لك بيتًا ونؤثثه، فأبي واعتذر بأنه هناك بيت وكل ما يشتهي، فهو عنده، فطلب منه الملك أن يبعث إليه بناقة ليشرب لبنها فقبل، غير أنه لم يتناوله بل كان يشربه أصحابه. وكان إذا سمع تلاوة القرآن أمر القاري أن يتدبره، وصلي فقرأ بأصحابه في العشاء الآخرة سورة عم والنازعات فسقط مغشيًا عليه ﵀. وممن توفى أيضًا فيها من الأعيان صالح شطا رئيس مجلس الشورى في النيابة، كانت ولادته سنة ١٣٠٢ هـ، ودرس بالمسجد الحرام، وله رحلات متفرقة بين الأقطار، عاد في أعقابها إلى بلاده، ونفي في عهد الحكم السابق، ثم عاد حين تسلسل في وظائف حكومية عالية، منها: إدارة المعارف، وآخرها رئاسة مجلس الشوري بالنيابة، وله عديد نافع من المحاضرات والتهميشات والمقالات الروائع، وكان صريحًا ومثال التضحية والإخلاص والنشاط، ويعتبره أهل الحجاز من أجلة العلماء، لذلك يلقبونه السيد صالح، ويعتبرونه علمًا من أعلام البلاد، حتى قالت إحدى الصحف: أنه كان ملئ السمع والبصر روحًا ونشاطًا وتفكيرًا وحيويةً، مما جعله محل التقدير الخاص والعام، ومحل رضاء الملك عبد العزيز وآل بيته، وإعجاب الشعب على اختلاف طبقاته. ذلك لأنه كان يعمل على ما يحقق للعروبة عزها، وللإسلام قوته، وكان أوفر ما يكون نشاطًا وصفاء ذهن في سنواته الأخيرة، بل حتى يومه الأخير.وقد روى عنه أنه لما كان في يوم الاثنين ٢٨ صفر كان على عادته يصرف أعمال المجلس ويدير جلساته، وظل حاله هكذا طول يومه، حتى إنه كان يستعد للنزول إلى جدة في ليلة الثلاثاء لإذاعة حديثه من محطة الإذاعة اللاسلكية، ولكن الموت الذي هو غاية كل مخلوق عاجله بعد أن أدى صلاة المغرب، فأصيب بسكتة قلبية، وشيعت جنازته في الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم الثلاثاء آخر صفر، وكان خروج روحه قبل أن تتم الساعة الواحدة بدقائق من الليلة المذكورة، فرحمة الله على أموات المسلمين، وإنه ليؤلمنا كثيرًا أن نفقد رجال الدين ورجال الأعمال الذين كانوا مثالًا في الإخلاص والعلم والمعرفة، فتصاب الأمة كصيبتهم، وينهدّ ركن من أركان الشعب بموته، نسأل الله تعالى أن يسدد الأحياء ويرزقهم العلم والمعرفة والبصيرة. وممن توفى فيها أمير الكويت أحمد الجابر بن مبارك بن صباح، وكان موته طبيعيًا، وهذه ترجمته: هو الأمير شيخ الكويت وحاكمها أحمد بن جابر بن مبارك آل صباح، ولد في الكويت في رأس القرن، وكان كاتبًا قارئًا متواضعًا يعالج الأمور باللين والحكمة، بعيدًا عن العنف وسفك الدماء، يميل إلى الاقتصاد، ولديه ثروة، وكان متأدبًا واسع الاطلاع، ربعة القامة، حنطي اللون، ممتلئ الجسم، كث الشعر، بهي المنظر، جذاب الملامح، يلبس الملابس العربية ويضع العقال على رأسه، ويتدثر بالعباءة، ويتمنطق بخنجر في وسطه، ويضاف إلى ذلك أنه كان يرقب سير الحركة الأدبية والعلمية والسياسية في الشرق العربي عن كثب، ويقرأ الكتب والصحف معجبًا بالمدنية الأوربية، ميالًا إليها. ولما حج للمرة الأولى في ١٣٣٦ هـ أكرم الحسين وفادته ودعته الحكومة الإنكليزية على أثر ختام الحرب العظمى، وهو ولي العهد، فسافر إلى زيارة عاصمتها لندن، وبلغها في شهر صفر ١٣٣٨ هـ وأهدى إلى ملك الإنكليز حصانًا عربيًا، وسيفًا وخنجرًا مذهبين، فقبل الإمبراطور هديته شاكرًا، كما سافر إلى مسقط والرياض وغيرها، ولما نعي له وفاة عمه سالم في شهر رجب ١٣٣٩ هـ وهو في نجدعاد إلى الكويت وتقلد زمامها، وكان هو التاسع من آل صباح الذين تتابعوا على إمارة الكويت، فأولهم الشيخ عبدِ الله بنُ صباح وهو مؤسس البيت، ثم ابنه جابر فصباح، فعبد الله، فحمد، فمبارك، فسالم، وأصلهم كانوا من ربيعة، ولقد كانت الحكومة في زمن جدهم الأعلى صباح عبارة عن بيوت صغيرة حقيرة لبني خالد، وما زالت في زيادة حتَّى عظم قدرها، ومن خصاله التي يحمد عليها أنَّه قد حافظ في كل مساء على أن يوافيه أحد شيوخ الدين فيتلو دراسًا في الفقه أو الحديث والعلوم الإسلامية، فيستمع إليه مع من يكون هناك من ضيوفه وزواره حتَّى أذان العشاء الأخيرة، ويسكن قصر دسمان الذي يقع على ثلاثة كيلوات من الكويت، وقد أثثه بكل الوسائل الجالبة للراحة، وجهزه بالأثاث الفاخر الحديث، وتد أنير بالكهرباء القوي. وكان صاحب الجلالة الملك عبدِ العزيز بنُ عبدِ الرحمن ملك المملكة العربية السعودية يعجب بأخلاقه، وقال له مرة حينما التقيا: أنا سيف مسلول بيدك، فاضرب به كما تشاء.
  • full passagepage 1345, entry [501]9,040 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير محمد الرعوجي، وهذه ترجمته: هو الهمام التقي الأمير الجواد السخي الكريم، أمير الأسياح، البطل الشجاع، ذو المناقب العلية والفضائل الجلية، أبو زيد محمد بن رعوجي بن زيد ابن محمد بن فهيد بن فهيد بن راشد بن صالح بن ناصر بن قراض بن سعود بن محمد بن جلهم بن روق، ينتهي ن
    ▸ expand full passage (9,040 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الأمير محمد الرعوجي، وهذه ترجمته: هو الهمام التقي الأمير الجواد السخي الكريم، أمير الأسياح، البطل الشجاع، ذو المناقب العلية والفضائل الجلية، أبو زيد محمد بن رعوجي بن زيد ابن محمد بن فهيد بن فهيد بن راشد بن صالح بن ناصر بن قراض بن سعود بن محمد بن جلهم بن روق، ينتهي نسبه إلى الأساعدة من عتيبة، كان يجتمع نسب آل فهيد هؤلاء ونسب آل فوزان في راشد بن صالح، وسمي فهيد باسم أبيه لأن أباه توفي وهو حمل، فسمي باسم أبيه، فيكون فوزان وفهيد أخوين، أما والد الأسرة محمد بن فهيد فهو أمير الأسياح إذ ذاك، وكان له مماليك وخيل، =ومشهورًا بالكرم والجود، فلقد وفد عليه مرة ألف راكب، فقام بضيافتهم وإكرامهم وزودهم بالطعام عند رحيلهم، وله أربعة بنين: زيد وهو الأمير بعده، وعلى، وعبد العزيز، وعبد المحسن، فذرية زيد الرعوجي فهد وفيصل. وأما فهد بن زيد فذريته نائف وتركي وراشد. وأما فيصل بن زيد فله ابن يدعي حمد بن فيصل، وأما علي بن محمد فأرث بداحًا ومنديلًا. وأما عبد المحسن فأرث ناصرًا وعبد الله وفهيد ومحمد. وكان لنائف بن فهد راشد النايف ومنديل ومحمد وفهد وعبد الله. وكان لتركي بن فهد أيضًا ابنان فهد وراشد، وكان لراشد هذا ابن يدعى محمد الراشد. أما عبد العزيز بن محمد الفهيد فله ابن يدعى حمد، ولحمد هذا أبناء يسكنون البرقاء. وأما منديل العلي فله من البنين مشاري وفهيد ومحمد. وكان لمنديل بن نائف ابن يسمى صالح بن منديل، وكان رجلًا طيبًا مشهورًا بالرجولة، وفيه مكارم أخلاق وتقدم، كما أنه كان لفهد بن نايف ابنان عبد العزيز وتركي، وكان لراشد بن نايف أولاد منهم عبد الله وتركي وفهد ونايف، وكان لحمد ابن نايف ابن يسمى عبد العزيز، أما الذين تولو الإمارة منهم: فعبد المحسن بن محمد، وعلى بن محمد، ومنديل بن علي، وحمد بن عبد العزيز، ونائف، وتركي بن فهد بن زيد، وكان تركي مشهورًا بالكرم والجود، حتى قال فيه الشاعر: تركي كريم وبحجاجه ندي ... حكام نجد ما يلادونه (١) ذكره هوي مصر هو والحسا ... والباب عيا لا يصكونه (٢) رجعنا إلى ذكر الأمير محمد الروعجي فنقول: كان له أخ يدعى ناصر، وكانمحمد فوق ما قيل عنه كرمًا وجودًا ورجولةً، ولقد زارني في صحبة الشيخ عثمان ابن أحمد بن بشر، وكان إذ ذاك قاضيًا في بلاد الأسياح، وجاء بالأمير للسلام على وعمري يومئذٍ لا يتجاوز الحادي والعشرين، فرأيت الرجل من أفذاذ الرجال، ومن خيرة أهل زمانه، وكان عاقلًا شريفًا. ولد المترجم في سنة ١٣٠١ هـ ونشأ على العفاف والسخاء، يطعم الطعام، ويتصدق على الفقراء، ويحنو على ابن السبيل، ويساعد المحتاجين، ويحب أهل الدين، ويميل إليهم، ويمقت الشر وأهله، فأما عطفه على الفقراء والمحتاجين فحدثّ ولا حرج، وكان محترمًا في قومه وعشيرته. ونورد قصة تدل على عطفه وإحسانه، وماله من الأيادي الجميلة، فإنه لما كان في المسغبة التي وقعت في سنة ١٣٢٧ هـ ركب حصانه في إحدى الليالي من آخر الليل لحماية زرعه من السرقة فوجد أربعة من الرجال قد دخلوا في الزرع وأكلوا ما حواليهم من السنبل لما هم فيه من شدة الجوع، فلما رأي حياضًا في وسط الزرع خالية من النبات أقبل عليها يهتدي بنور القمر، فوجد أولئك البؤساء، فخجلوا لما رأوا الأمير وقالوا هذا الرعوجي فكيف نصنع؟ ووجموا وسكنت حركاتهم خوفًا منه، فلما رأهم بهذه الصفة رق لحالتهم وسكن روعهم وتكلم قائلًا: يا أولادي خذوا لأولادكم فأنتم مني في حلّ، خذوا وأكثروا، اللهم ارفع ما أنزلت بالمسلمين وارحم ضعفهم، لا بأس عليكم يا أولادي، فنزع كل واحد منهم ثوبًا من ثيابه وملأه سنبلًا وذهبوا يحملونه على رؤوسهم إلى أهاليهم، وكثيرًا ما يمنح الضيف إذا ارتحل عدل بن لأولاده، وله مناقب كثيرة. ولما مات خلفه في الإمارة ابنه زيد بن محمد. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان رجل الدين والعلم والفضل الشيخ محمد ابن مقبل رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد، ذو الصدق والمعرفة، الرزين الألمعي، محمد بن مقبل ابن على آل مقبل. كان المترجم ابن أخي الشيخ سليمان بن على بن مقبل قاضي بريدة منذ مائةستة في أيام عبد العزيز بن محمد بن عليان، ولد المترجم سنة ١٢٨١ هـ، فيكون له من العمر سنة وفاته ٨٨ سنة قضاها في طاعة الله وعبادته، فنشأ في طلب العلم، وجدَّ واجتهد، وكان يتردد إلى قرية المريدسية المشهورة في القصيم من قري بريدة للأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن حسين حيث يعلم فيها بصفته يدرس، وتخرج عليه طلاب كثيرون، فكان الشيخ محمد يعمل في فلاحته ويأكل من كسب يده، فإذا ذري زرعه في البصر والمنسي في فصل الربيع فإنه ينحدر مسافرًا من البصر إلى الريدسية لطلب العلم، وكان يصحبه زميل له يدعي رشيد آل إبراهيم بن محيميد، فيأخذون في الدراسة لدي الشيخ المذكور، فأما المترجم فإنه لا يرجع إلا إذا يبس التمر في رؤوس النخل وقت الصرام إذا حلت الشمس في برج الميزان. وأما رشيد بن إبراهيم فإنه يرجع في آخر نهار الخميس ليؤم جماعة أهل البصر في صلاة الجمعة، ثم يعود من آخر النهار. أما مشايخ المترجم: فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن سليمان العريني، وكان عالمًا من علماء القرية، غيي أنه خامل الذكر، وأخذ عن الشيخ الزاهد الورع عبد الله بن محمد فدا، وذلك في حال إقامته في المريدسية أيام آل رشيد، وناهيك به علمًا وعبادةً وزهادةً، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسين آل أبي الخيل، وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان من زملائه صالح اللهيمي وعبد العزيز بن عودة السعوي، وسليمان بن ناصر السعوي، وأخذ عن المترجم خلائق كثيرون: فمنهم الشيخ عبد العزيز بن سبيل، وآل حديثي، وأخذ عنه ابنه صالح بن محمد ابن مقبل، ودرّس في البكيرية بعدما توظف في قضائها، ودرّس في البصر، وتولى الخطابة فيها، وتخرج عليه طلاب كثيرون، وكان يحب عدم الشهرة، ولا يحب الجاه والرئاسة. ولما توفى قاضي مقاطعة القصيم الشيخ الفاضل عمر بن محمد بن سليم، رغب الأهالي وذوو الحل والعقد في أن يكون خلفًا عنه، وساروا إليه منبريدة يطلبون منه أن يجيبهم إلى ما رغبوا، فرفض وأبي ذلك، فرفعوا إلى صاحب الجلالة الملك خطابًا يطلبون منه أن يتولى قضاء المقاطعة، فبكى واعتذر بكبر سنه، ففاز بالعافية، ولما أن ولاه ابن سعود قضاء البكيرية سنة ١٣٤٧ هـ أمر وكيل مالية بريدة أن ينفذ له ثمانمائة صاع بن وألفي وزنة تمر، وألف ريال سنويًا، فأبى أن يقبلها وقال لوكيل المالية: ابقها في المالية حتى أحتاج إليها، أما اليوم فإنني بغنى عنها، وأبي أن يقبلها، وحج فعلم الملك عبد العزيز بقدومه، فبعث إليه بكسوة وأمره أن يأتي إليه للسلام عليه، فرد الكسوة وجاء صباحًا للسلام على جلالته، فقال له: نفرش لك بيتًا ونؤثثه، فأبي واعتذر بأنه هناك بيت وكل ما يشتهي، فهو عنده، فطلب منه الملك أن يبعث إليه بناقة ليشرب لبنها فقبل، غير أنه لم يتناوله بل كان يشربه أصحابه. وكان إذا سمع تلاوة القرآن أمر القاري أن يتدبره، وصلي فقرأ بأصحابه في العشاء الآخرة سورة عم والنازعات فسقط مغشيًا عليه ﵀. وممن توفى أيضًا فيها من الأعيان صالح شطا رئيس مجلس الشورى في النيابة، كانت ولادته سنة ١٣٠٢ هـ، ودرس بالمسجد الحرام، وله رحلات متفرقة بين الأقطار، عاد في أعقابها إلى بلاده، ونفي في عهد الحكم السابق، ثم عاد حين تسلسل في وظائف حكومية عالية، منها: إدارة المعارف، وآخرها رئاسة مجلس الشوري بالنيابة، وله عديد نافع من المحاضرات والتهميشات والمقالات الروائع، وكان صريحًا ومثال التضحية والإخلاص والنشاط، ويعتبره أهل الحجاز من أجلة العلماء، لذلك يلقبونه السيد صالح، ويعتبرونه علمًا من أعلام البلاد، حتى قالت إحدى الصحف: أنه كان ملئ السمع والبصر روحًا ونشاطًا وتفكيرًا وحيويةً، مما جعله محل التقدير الخاص والعام، ومحل رضاء الملك عبد العزيز وآل بيته، وإعجاب الشعب على اختلاف طبقاته. ذلك لأنه كان يعمل على ما يحقق للعروبة عزها، وللإسلام قوته، وكان أوفر ما يكون نشاطًا وصفاء ذهن في سنواته الأخيرة، بل حتى يومه الأخير.وقد روى عنه أنه لما كان في يوم الاثنين ٢٨ صفر كان على عادته يصرف أعمال المجلس ويدير جلساته، وظل حاله هكذا طول يومه، حتى إنه كان يستعد للنزول إلى جدة في ليلة الثلاثاء لإذاعة حديثه من محطة الإذاعة اللاسلكية، ولكن الموت الذي هو غاية كل مخلوق عاجله بعد أن أدى صلاة المغرب، فأصيب بسكتة قلبية، وشيعت جنازته في الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم الثلاثاء آخر صفر، وكان خروج روحه قبل أن تتم الساعة الواحدة بدقائق من الليلة المذكورة، فرحمة الله على أموات المسلمين، وإنه ليؤلمنا كثيرًا أن نفقد رجال الدين ورجال الأعمال الذين كانوا مثالًا في الإخلاص والعلم والمعرفة، فتصاب الأمة كصيبتهم، وينهدّ ركن من أركان الشعب بموته، نسأل الله تعالى أن يسدد الأحياء ويرزقهم العلم والمعرفة والبصيرة. وممن توفى فيها أمير الكويت أحمد الجابر بن مبارك بن صباح، وكان موته طبيعيًا، وهذه ترجمته: هو الأمير شيخ الكويت وحاكمها أحمد بن جابر بن مبارك آل صباح، ولد في الكويت في رأس القرن، وكان كاتبًا قارئًا متواضعًا يعالج الأمور باللين والحكمة، بعيدًا عن العنف وسفك الدماء، يميل إلى الاقتصاد، ولديه ثروة، وكان متأدبًا واسع الاطلاع، ربعة القامة، حنطي اللون، ممتلئ الجسم، كث الشعر، بهي المنظر، جذاب الملامح، يلبس الملابس العربية ويضع العقال على رأسه، ويتدثر بالعباءة، ويتمنطق بخنجر في وسطه، ويضاف إلى ذلك أنه كان يرقب سير الحركة الأدبية والعلمية والسياسية في الشرق العربي عن كثب، ويقرأ الكتب والصحف معجبًا بالمدنية الأوربية، ميالًا إليها. ولما حج للمرة الأولى في ١٣٣٦ هـ أكرم الحسين وفادته ودعته الحكومة الإنكليزية على أثر ختام الحرب العظمى، وهو ولي العهد، فسافر إلى زيارة عاصمتها لندن، وبلغها في شهر صفر ١٣٣٨ هـ وأهدى إلى ملك الإنكليز حصانًا عربيًا، وسيفًا وخنجرًا مذهبين، فقبل الإمبراطور هديته شاكرًا، كما سافر إلى مسقط والرياض وغيرها، ولما نعي له وفاة عمه سالم في شهر رجب ١٣٣٩ هـ وهو في نجدعاد إلى الكويت وتقلد زمامها، وكان هو التاسع من آل صباح الذين تتابعوا على إمارة الكويت، فأولهم الشيخ عبدِ الله بنُ صباح وهو مؤسس البيت، ثم ابنه جابر فصباح، فعبد الله، فحمد، فمبارك، فسالم، وأصلهم كانوا من ربيعة، ولقد كانت الحكومة في زمن جدهم الأعلى صباح عبارة عن بيوت صغيرة حقيرة لبني خالد، وما زالت في زيادة حتَّى عظم قدرها، ومن خصاله التي يحمد عليها أنَّه قد حافظ في كل مساء على أن يوافيه أحد شيوخ الدين فيتلو دراسًا في الفقه أو الحديث والعلوم الإسلامية، فيستمع إليه مع من يكون هناك من ضيوفه وزواره حتَّى أذان العشاء الأخيرة، ويسكن قصر دسمان الذي يقع على ثلاثة كيلوات من الكويت، وقد أثثه بكل الوسائل الجالبة للراحة، وجهزه بالأثاث الفاخر الحديث، وتد أنير بالكهرباء القوي. وكان صاحب الجلالة الملك عبدِ العزيز بنُ عبدِ الرحمن ملك المملكة العربية السعودية يعجب بأخلاقه، وقال له مرة حينما التقيا: أنا سيف مسلول بيدك، فاضرب به كما تشاء.
  • full passagepage 1507, entry [585]13,835 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: الشيخ العالم القاضي عبد الرحمن بن علي بن عبد العزيز بن عودان من بني زيد من الغيهب. ولد في سنة ١٣١٤ هـ وتوفي في هذه السنة فيكون عمره إحدى وستين سنة وكانت ولادته في مدينة شقراء من الوشم وقد أصيب بالجدري وهو صغير فكف بصره أخذ عن الشيخ حمد بن فارس وعن الشيخ العالم الجل
    ▸ expand full passage (13,835 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: الشيخ العالم القاضي عبد الرحمن بن علي بن عبد العزيز بن عودان من بني زيد من الغيهب. ولد في سنة ١٣١٤ هـ وتوفي في هذه السنة فيكون عمره إحدى وستين سنة وكانت ولادته في مدينة شقراء من الوشم وقد أصيب بالجدري وهو صغير فكف بصره أخذ عن الشيخ حمد بن فارس وعن الشيخ العالم الجليل عبد الله بن عبد اللطيف وعن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وعن الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود، أخذ عنه علم الفرائض وكان رجلًا مداريًا سهل الجناب طلق المحيا رزينا سياسيًا يداعب إخوانه الذين يثق بهم ويثقون به ويمازحهم وكان مع ذلك سخيًا كريمًا جوادًا متحببًا إلى النَّاس. تولَّى القضاء في عسيلة إحدى قرى السر ثم نقل منها إلى بلدة شقراء عاصمة بلدان الوشم وجلس فيها للتدريس فأخذ عنه رجال من العلماء منهم رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرعبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين الشيخ محمد بن سليمان البصيري وعبد المجيد حسن وعبد الله بن حمد بن خربوش. ثم نقل إلى قضاء عنيزة في القصيم فاستمرَّ فيها قاضيًا من عام ١٣٦١ هـ بعدما عزل عنها الشيخ ابن حسين إلى عام ١٣٦٩ هـ. وكان موضع الإعجاب ثم أنَّه نقل منها بسبب خلاف بينه وبين بعض المدرسين المصريين فعين مدرسًا في معهد الرياض ثم نقل إلى القضاء في محكمة الرياض فاستمرَّ في القضاء حتى مرض وتوفي في هذه السنة رحمة الله عليه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ ابن سوداء وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم القاضي عبد العزيز بن عبد الله بن مسْلم بإسكان السين ويلقبونه بابن سوداء. أخذ العلم عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين وكان له ديوان شعر في ذكر الفتوحات التي جرت على يدي الملك عبد العزيز تهنئة له وشكرًا لله، فكان قارضًا للشعر ويعتبر من المحققين وكان من أهالي حريملا. وقد تولَّى قضاء قرية المسهورة ثم تولى قضاء الأرطاوية ثم تولى قضاء المجمعة وبكل حال فإنَّه يعد من رجال العلم والفضل والصلاح المنتمين إلى هذه الدعوة النجدية وديوانه موجود لكنه حتى الآن لم يطبع ﵀ وعفا عنه بمنه وكرمه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ ابن زاحم وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل القاضي عبد الله بن عبد الوهاب بن زاحم. وقد أملى على العلماء نسبه فقال: العالم العامل الكريم الحليم الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب بن عثمان به محمد بن عبد الوهاب بن زاحم. ولد ﵀ في قرية القصب من أعمال الوشم سنة ألف وثلثمائة على رأس القرن ونشأ بها وتعلم القرآن ثم رحل إلى بلدة أشيقر وكان من قبيلة البقوم المعروفة بتربه. ولمَّا أن رحل إلى أشيقر أخذ عن عالمها المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ثم ذهب إلى الرياض فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف علمالتوحيد والعقائد والحديث وغيرها وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود فقيه نجد، أخذ عنه علم الفقه وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس علم النحو وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ولازمه ملازمة في المجمعة وكان محل ثقته. ولمَّا أن كان في عام ١٣٣٦ هـ جعله الملك قاضيًا في هجرة الداهنة وبعد مضي زمن طويل يقدر بعشرين عامًا نال به موضع الإِعجاب في الانتداب في مهام الأمور نقل إلى قضاء مدينة الرياض ثم نقل إلى قضاء المدينة المنورة فكان رئيسًا لمحكمتها وكان ينشر العلم في كل بلد حله ويلقى الدروس وظهر له تلامذة كثيرون منهم الشيخ ابن أخيه عبد الله بن محمد بن زاحم، والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن فنتوخ عميد كلية الشريعة في مدينة الرياض ومنهم محمد بن إبراهيم وعبد الرحمن بن إبراهيم بن فنتوخ وما زال المترجم موضع التقدير من حكومته وأمته لما كان عليه من حسن الخلق والإِخلاص والقيام بالعمل حتى وافاه أجلهُ المحتوم في شهر رجب من هذه السنة رحمة الله عليه. وفيها وفاة الشيخ عمر الوسيدي. وهذه ترجمته: هو الشيخ العارف البصير اللوذعي العارف المنتمي إلى أهل الدين والعقيدة السلفية عمر بن صالح بن علي بن حامد الوسيدي من بني تميم. ولد في سنة ١٣٠٣ هـ فتعلم القرآن والكتابة عند كتاب لأنَّه لا يوجد إذ ذاك مدارس حكومية. ولما ترعرع في الأخذ بقراءة القرآن أخذ يطلب العلم من الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأكثر الأخذ عنه في وقت كان طلاب العلم يعيشون في فقر مدقع وما كان هناك مكافآت للطلاب وقد أخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ولكن لترادف المحن وكثرة الأحن لم يتمكن من كثرة الأخذ عنه وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخذ عن الشيخمحمد بن عبد اللطيف وكان يظهر دينه صريحًا فلا تأخذه في الله لومة لائم مع حدة في طبعه ويظهر موالاة المؤمنين وعداوة المنافقين. ثم أنَّه بعثه الشيخ عمر بن سليم إمامًا وخطيبًا ومرشدًا في قرية القرعاء فكان يدرس طلاب الحلم فيها وله إقدام في الوعظ ويغشى النَّاس في مجالسهم بالمواعظ والتذكر ثم أنَّه طلب النقلة إلى الشقة السفلى المعروفة بالسفيلي فقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعل يدرس فيها بجد ونشاط صباحًا وظهرًا وبعد صلاة المغرب والعشاء، وبذل نفسه في هذا السبيل وهناك أخذ عنه جمع غفير من سكان الشقة وكان قارعًا للشعر وقد قدمنا جملة من شعره. وله قصيدة لامية دعا فيها العلماء إلى الجد والاجتهاد وهي هذه جوابًا لقصيدة للشيخ عبد المحسن بن عبيد وردت على الأخ فهد بن عيسى فتناولها من يد الشيخ فهد بن عيسى ونظم ذلك فقال: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فإنِّي لما قدمت زائرًا للإخوان أهل القرعاء قدم على فهد بن عيسى من عبد المحسن بن عبيد منظومة مفيدة رائعة عقلًا وشرعًا فلما تأملها وجدتها تحث على طلب العلم والعمل والاجتهاد ناهية عن الكسل والغفلة والرقاد وذكرتني ما مضى لي من رغبة الطلب فضقت بذلك ذرعًا وهيجتني فضاقت مني المسالك فأبديت وبحت بما هنالك وإن كنت لست أهلًا لذلك فيا سامعها إن رأيت صوابًا فاستبشر بذلك تربح إن رأيت زلة فاسترها فإن المؤمن يستر وينصح ولا تتصف بالمنافق الذي يهتك ويفضح وهذا بعص ما تيسر في عام ١٣٥٩ هـ (١):حضرت قريضًا من شفيق موفق ... يحث على كسب العلا والفضائل ويرثى علومًا قد تدارس رسمها ... وأقفرت أطلال لها بالتكاسل قصيدة أهداها خليل لخله ... فهد بن عيسى زاكى الأصل فاضل فأكرم به خلا وأنعم به أخا ... يؤدي حقوق الخل ليس بغافل فأكرم مثواها قبولًا ومرحبًا ... وأحسن منها للقرى والتعامل فهيج أشجاني وبحت بضامري ... وأظهر مكنون الحشا والبلابل وأوقدت نيران الأسى وتجمعت ... على همومي بالضنا والشواغل عنيت به أخا الندى عبد محسن ... فتى من عبيد من كرام أماثل وذكرني بحثًا وصدقًا ورغبة ... ودرس علوم بالضحى والأصائل وأحبار صدق في القبور تفرقوا ... يحلون مناخًا في عويص المسائل يؤمهم الطلاب من كل بلدة ... أحب إليهم من قريب ونازل فوا حر قلبي ويا عظم حسرتي ... على ما مضى من سالف العمر أول فما أولًا أدركت فيه مسرة ... ولا آخرًا أقنيته في الفضائل وذلك أسباب الردى قد توفرت ... وذلك أسباب الذنوب القواتل فرانت على تلك القلوب بأسرها ... وقطعت أعراقًا لها بالمعاول وهذا لعمري من قبيل نفوسنا ... كم هو معلوم لدى كل عاقل وقد يطفئ الإنسان بالذنب نوره ... فيا نعم محمول ويا بئس حامل ولو يعمل الإنسان بالذي كان عالمًا ... لأورثه الباري جزيل الفضائل فنسأل الله الكريم بفضله ... يمن علينا بالهدى والفضائل ويمنحنا فهمًا وعلمًا وحكمة ... كذاك اجتهادًا في فنون المسائل مع العمل الزاكي لوجه مليكنا ... خلِّي من الإشراك يا ويل فاعل فإنَّ الذي بالعلم لله عامل ... يبوء في الجنات أعلى المنازل كما صرح فيه كتاب إلهنا ... وسنة من قد جاءنا بالدلائل كما أنَّ من لم يعمل به قد أهانه ... مع عابد الأوثان أخبث نازلنعوذ بالباري عما يخالف قولنا ... من الفعل أو قول فبعدًا لقائل ونستغفر أيضًا من ذنوب وزلة ... وما عمدنا والجهل يا خير قابل فيا سامع النجوى ويا قابل الدعا ... ويا خير مسؤول برغبة سائل تفضل علينا بالقبول وبالرضا ... مع الأمن من أهوال يوم الزلازل ويا رب متعنا بفاروق وقتنا ... سلالة من سليم عالمًا غير جاهل تقيًا نقيًا ناسكًا متورعًا ... حريصًا على الطاعات ليس بكاسل يقرر توحيد العبادة جهرة ... ويشره في النَّاس بين القبائل فلا يسئمن إن طال درس بمجلس ... حريصأ عليه بالضحى والأصائل كذا عابد لله نجل بليهد ... سلالة أمجاد كرام أفاضل فكم أدحض يومًا لصاحب بدعة ... إذا جاءه مدل بشبهة باطل فيرميه منكوسًا على أم رأسه ... بحجته مصحوبة بالدلائل كذلك أشياخ لنا طاب ذكرهم ... عمومًا حماهم من عظيم المهاول وأبقاهمو ربى حماة لدينه ... يذبون عن السمحاء كل باطل واصلح إلهي واليًا قد أقمته ... على المنهج الأسناء عذب المناهل وقاه إله العرش من ردى الظلم للورى ... وأعوان سوء تستشار بباطل فلا زال مصحوبًا بعز وغبطة ... وعدل وإحسان بكل القبائل ونصر لدين الله ما دام مسعدًا ... لأهل الهدى والدين قمعًا لباطل فيا سامعًا نظمي زففت خريدة ... وخودة حسن في ثياب مرافل أتت من قريب من سفيلاء شقة ... تريد لها كفوًا كريم الشمائل فأحسن إليها بالقبول ووصلها ... وستر لها من ساقطات الرذائل فإنَّ كريم النَّاس يستر ما رأى ... من العيب والنقص بحسن التغافل وأختم نظمي بالصلاة مسلمًا ... على خاتم الرسل الكرام الأفاضل محمد الهادي إلى خير شرعه ... وأفضل مبعوث وأصدق قائل وأصحابه والآل ما هبت الصبا ... وما انهلَّ ودق من سحاب هواطلوله أيضًا قصيدة من هذا النمط تحث على الجد والاجتهاد وجهها نصيحة للمشائخ والطلاب خصَّ فيها وعمَّ فقال في عام ١٣٥٨ هـ/٨/ ٧: لك الحمد اللَّهُمَّ يا ذا الفضائل ... ويا خير مأمول لكل النوائل ومن بعد حمد الله والشكر والثناء ... صلاة وتسليمًا على خير فاضل ويا راكبًا بلغ سلامي أحبتي ... خلاصة إخواني هداة القبائل وقل رافعًا بالصوت وقل لهم ... عمومًا وتخصيصًا بكل المحافل عليكم بتقوى الله ربي فإنَّها ... وصية مولانا لنا والأوائل فيا معشر الإِخوان راعوا نصيحتي ... ولا تنظروا قول العذول وغافل ويا سليمان المشعلي نلت مفخرًا ... وعلمًا على حسب الورى والأماثل فكن فيه منهومًا مفيدًا مباحثًا ... يزيد مع الإنفاق منه لباذل ولا تسئمن البحث فيه ولاتكن ... جبانًا إذا دارت فنون السائل فمن فعلك الأحجام طبعًا وإنَّما ... لك خبرة في قاطعات الدلائل ومعرفة رأجح من مرجوحها ... من المذهب المشهود عند الأفاضل خف الله وانهز فرصة متداركًا ... لما فات في باقي الليالي القلائل ويا صاحبي قل للحميدي مطوع ... لقد فقت أقرانًا لك في الفضائل فلازم على أصل سلكت ومنهجًا ... على نهج الهداة الأفاضل خصوصًا على التوحيد فاصدع مجاهرًا ... ولا تخف في الله لومة جاهل ولا بدَّ من عرض ينال مع الأذى ... فصبرًا على قول العذول وغافل ففي سورة العصر دليل مصرح ... نجاة عن الخسران يوم المهاول وراع حقوق النَّاس طرًا وقل لهم ... برفق ولين يستجيبوا لقائل ففي شرعنا درء الفساد مقدم ... على جلب إصلاح لنا والفضائل ويا عابد الله قطب أحبتي ... هو ابن رشيد عاقل كل عاقل سل الله منهما من لطيف وحكمة ... مع الحلم مقرونًا صفات الكوامل وداوم على حسن لخلق رزقته ... هو أثقل ميزان من القسط عادلويا ضالع ثم العجاجي وعمه ... علي حليف للعلى والفضائل فهبوا سراعًا من سني النوم والكرى ... بجد وتشمير وعزم لفاعل تنالوا بدًا عزًا وجاهًا ورفعة ... وأجرًا عظيمًا من جزيل الفضائل ولا تؤثر وصلًا لبيض كواعب ... ولا لذة مشروبنا والمآكل لعلَّ إله العرش يلطف بالورى ... ويظهر منكم فاضلًا بعد فاضل ويا عابدًا للمحسن انهض برغبة ... وإخوتك ما لكم من مماثل فقد خصكم ربي بخير فضيلة ... وفهم منير حاضر غير ذاهل عليكم لزوم مجلس الشيخ جهدكم ... دوامًا عليه بالضحى والأصائل تزادون علمًا مع نزول سكينة ... ورحمة تغشى لطالب العلم آمل ملائكة تأتي تحف بمجلس ... بأجنحة ما بين سبع كوامل وذكر لكم عند الإِله مليكنا ... فيا حبذا ذكر الإِله لفاعل ويا صاحبي عبد العزيز بن صالح ... تنبه هداك الله تبًا لكاسل تيقض فلا تترك دروسًا نفيسة ... مكررة يشتاقها كل عاقل فتشمر مجدًا سالكًا نحو منهج ... لجد وأعمام لك في الفضائل فقد شيدوا دينًا تناثر نظمه ... وقد جددوا من ثوبه كل سامل وقل للحميدي والحميد بن صالح ... حفيدي لحبر سابق في الفضائل فقد نلتما من واحد جلَّ ذكره ... نباهة فكر في اكتساب الفضائل وجدًا وتشميرًا كذاك وطاعة ... فمن بيت علم أنتما في القبائل فلا تطفئوا نورًا بشيء من الجفا ... وشائب محظور قبيح الفعائل تكونوا هداة للأنام عن العمى ... وقادة صدق عند فقد الدلائل كذا ابن عبيد في البدائع موطنًا ... وأمَّا جسمه يسعى لكسب المسائل وقل للخريص والسكيتي وثالث ... يبش بمن يلقاه عند التقابل عنيت به عبد العزيز بن صالح ... سلالة فوزان صافي المناهل كذا ابن رشيد والفتى بن غضية ... صديق شفيق صادق في التخاللكذا ابن حسين مع علي بن مرشد ... سكاكر لا تنساهم في الفضائل إلى أن قال متذكر حالة الأجواد الذين عاش بين أظهرهم: كمثل همام جاد نسل مشيقح ... وأبناؤه جادوا على نهج فاعل خصوصًا مع الطلاب جادوا بمالهم ... وجاه لم يحتاجهم في النوازل وقد عمروا بعض المساجد طاعة ... صلاة وتدريسًا وبذلًا لفاعل وهي طويلة بلغت أبياتها ثلاثة وسبعين بيتًا وله قصيدة بائية في آداب العلم وما ينبغي للطالب أن يتأدب به وذكر فيها آفات العلم. وقد جاوب عليها زميله الشيخ عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن ذكرنا قصيدة الشيخ عبد الرحمن في سنة وفاته، فمن أبيات قصيدة المترجم قوله في مطلعها: يقول الذي قد ضيع الوقت بالمنى ... ويبغي ارتقاء للذرى والمراتب ويبغي اقتناء للعلوم سفاهة ... وأنَّى يقتنيها بالوعود الكواذب كمثل الذي خال سرابًا بقيعة ... ويحسبه المغرور عذب الشارب تفكر في نفس له وصنيعها ... رأى إذا فيها كثير العجائب من الجهل والتفريط أيضًا مع الجفا ... ومن قلة التوفيق آت مقارب فليس من ربي أتاني مظالم ... ولكن من نفسي أتت بالمصائب فواهًا على قلب عليل مصفح ... أحاطت به الآفات من كل جانب فآفة العلم الجدال مع المراء ... وأيضًا انتصار للهوى والتغالب وقال وقيل لا يفيد حصولها ... سوى كثرة البغضا وقل التحابب وقلة آداب وضحك مجاوز ... لما قاله المختار أزكى الأطائب وأيضًا نهى عنه حديث مصحح ... ومن بعده نهى علي بن طالب وحث على كسب العلوم وصونها .... من الشوب بالضحك الكثير المعائب فإذا تعلمتم وأيضًا كضمتموا ... ففيه اعملوا حتمًا على كل طالبفإن الذي بالعلم ليس بعالم ... فأعماله فعل اليهود الأخايب وأيضًا نهى عن كثرة الضحك والمرا ... فأسبابه مذمومة في العواقب وهذا خلاف الهدي هدي محمد ... فما كان في صدق فقله وذاعب إلى أن قال مبشرًا للمتقين ومنذرًا للغافلين: فذو العلم بين أمرين إما لجنة ... وحور حسان ناعمات كواعب وأمَّا إلى نار شديد سعيرها ... وحر اللظى أيضًا وخبث المشارب فيا أيها المغرور تلعب دائمًا ... وأيضًا عن العصيان لست بتائب شرى أنك يا مغرور تعمل صالحًا ... ترى غب ذا عند غفور محاسب إلى آخرها وهي حسنة ثم أنَّه انتقل في آخر حياته إلى مدينة الرياض فكان يحضر مجالس الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ويلازمه لتذكر أحوال العلماء الماضين وكان قد تولى إذاك إمامة مسجد من مساجد الرياض ﵀. وممن توفي فيها أيضًا الشيخ خالد الفرج مؤلف أحسن القصص وهو تاريخ وجيز بناه من قصيدة رائية شرح كل جملة منها بشرح من الكلام النثر في حياة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن كان خالد الفرج من آل طراد من فخذ الناديل من قبيلة الدواسر ووالدته من أسرة آل ثنيان الغانم ولد في ١٣١٦ هـ ونشأ في الأدب فهو خالد بن محمد الفرج الدوسري شاعر طويل النفس، وهو الذي فسر ديوان حميدان الشويعر وديوان ابن ربيعة وديوان ابن لعبون وديوان ابن سبيل صاحب نفي كما أنَّه باشر طبعها وطبع دواوين آل قاضي والعوني وصحح هذه الدواوين وعلق عليها وقال عن نفسه: قد كنت قمت بطبع ديوان عبد الله بن محمد الفرج سنة ١٣٣٩ هـ فنفذت طبعته وفي نيتي إعادة طبعه إلى أن قال: وفي أوائل هذا العام ويريد به (٧١) صدر ديوان الشيخ محمد بن بليهد أحد أدباء نجد المعروفين ثم ذكر أنَّه في عام ١٣٧٠ كان بحضرة وزير المالية عبد الله بن سليمان الحمدان فجرى ذكر لهذاالوضع فرغب إليه المذكور أن يجمع شيئًا من ذلك ويذيله بما يحل غوامضه فقام بطبع هذه الدواوين وقد أتى في ضبط الكلمات العامية بما يدل على براعته في الأدب وما لديه من ذوق وولع في هذه البضاعة. وتوفي في هذه السنة أيضًا الدكتور الماهر في علاج البصر محمد بن علي الشواف وقد فاق كثيرًا من الذين يعالجون في المملكة السعودية، وقد أشرنا إلى مجيئه إلى بريدة عاصمة القصيم في سنة ١٣٦١ هـ وكان يقوم بجد واجتهاد ولا سيما إذا كان في عيادته لما يرجوه. فرحمة الله على أموات المسلمين.
  • full passagepage 1507, entry [585]13,835 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: الشيخ العالم القاضي عبد الرحمن بن علي بن عبد العزيز بن عودان من بني زيد من الغيهب. ولد في سنة ١٣١٤ هـ وتوفي في هذه السنة فيكون عمره إحدى وستين سنة وكانت ولادته في مدينة شقراء من الوشم وقد أصيب بالجدري وهو صغير فكف بصره أخذ عن الشيخ حمد بن فارس وعن الشيخ العالم الجل
    ▸ expand full passage (13,835 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: الشيخ العالم القاضي عبد الرحمن بن علي بن عبد العزيز بن عودان من بني زيد من الغيهب. ولد في سنة ١٣١٤ هـ وتوفي في هذه السنة فيكون عمره إحدى وستين سنة وكانت ولادته في مدينة شقراء من الوشم وقد أصيب بالجدري وهو صغير فكف بصره أخذ عن الشيخ حمد بن فارس وعن الشيخ العالم الجليل عبد الله بن عبد اللطيف وعن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وعن الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود، أخذ عنه علم الفرائض وكان رجلًا مداريًا سهل الجناب طلق المحيا رزينا سياسيًا يداعب إخوانه الذين يثق بهم ويثقون به ويمازحهم وكان مع ذلك سخيًا كريمًا جوادًا متحببًا إلى النَّاس. تولَّى القضاء في عسيلة إحدى قرى السر ثم نقل منها إلى بلدة شقراء عاصمة بلدان الوشم وجلس فيها للتدريس فأخذ عنه رجال من العلماء منهم رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرعبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين الشيخ محمد بن سليمان البصيري وعبد المجيد حسن وعبد الله بن حمد بن خربوش. ثم نقل إلى قضاء عنيزة في القصيم فاستمرَّ فيها قاضيًا من عام ١٣٦١ هـ بعدما عزل عنها الشيخ ابن حسين إلى عام ١٣٦٩ هـ. وكان موضع الإعجاب ثم أنَّه نقل منها بسبب خلاف بينه وبين بعض المدرسين المصريين فعين مدرسًا في معهد الرياض ثم نقل إلى القضاء في محكمة الرياض فاستمرَّ في القضاء حتى مرض وتوفي في هذه السنة رحمة الله عليه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ ابن سوداء وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم القاضي عبد العزيز بن عبد الله بن مسْلم بإسكان السين ويلقبونه بابن سوداء. أخذ العلم عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين وكان له ديوان شعر في ذكر الفتوحات التي جرت على يدي الملك عبد العزيز تهنئة له وشكرًا لله، فكان قارضًا للشعر ويعتبر من المحققين وكان من أهالي حريملا. وقد تولَّى قضاء قرية المسهورة ثم تولى قضاء الأرطاوية ثم تولى قضاء المجمعة وبكل حال فإنَّه يعد من رجال العلم والفضل والصلاح المنتمين إلى هذه الدعوة النجدية وديوانه موجود لكنه حتى الآن لم يطبع ﵀ وعفا عنه بمنه وكرمه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ ابن زاحم وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل القاضي عبد الله بن عبد الوهاب بن زاحم. وقد أملى على العلماء نسبه فقال: العالم العامل الكريم الحليم الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب بن عثمان به محمد بن عبد الوهاب بن زاحم. ولد ﵀ في قرية القصب من أعمال الوشم سنة ألف وثلثمائة على رأس القرن ونشأ بها وتعلم القرآن ثم رحل إلى بلدة أشيقر وكان من قبيلة البقوم المعروفة بتربه. ولمَّا أن رحل إلى أشيقر أخذ عن عالمها المؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ثم ذهب إلى الرياض فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف علمالتوحيد والعقائد والحديث وغيرها وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود فقيه نجد، أخذ عنه علم الفقه وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس علم النحو وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ولازمه ملازمة في المجمعة وكان محل ثقته. ولمَّا أن كان في عام ١٣٣٦ هـ جعله الملك قاضيًا في هجرة الداهنة وبعد مضي زمن طويل يقدر بعشرين عامًا نال به موضع الإِعجاب في الانتداب في مهام الأمور نقل إلى قضاء مدينة الرياض ثم نقل إلى قضاء المدينة المنورة فكان رئيسًا لمحكمتها وكان ينشر العلم في كل بلد حله ويلقى الدروس وظهر له تلامذة كثيرون منهم الشيخ ابن أخيه عبد الله بن محمد بن زاحم، والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن فنتوخ عميد كلية الشريعة في مدينة الرياض ومنهم محمد بن إبراهيم وعبد الرحمن بن إبراهيم بن فنتوخ وما زال المترجم موضع التقدير من حكومته وأمته لما كان عليه من حسن الخلق والإِخلاص والقيام بالعمل حتى وافاه أجلهُ المحتوم في شهر رجب من هذه السنة رحمة الله عليه. وفيها وفاة الشيخ عمر الوسيدي. وهذه ترجمته: هو الشيخ العارف البصير اللوذعي العارف المنتمي إلى أهل الدين والعقيدة السلفية عمر بن صالح بن علي بن حامد الوسيدي من بني تميم. ولد في سنة ١٣٠٣ هـ فتعلم القرآن والكتابة عند كتاب لأنَّه لا يوجد إذ ذاك مدارس حكومية. ولما ترعرع في الأخذ بقراءة القرآن أخذ يطلب العلم من الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأكثر الأخذ عنه في وقت كان طلاب العلم يعيشون في فقر مدقع وما كان هناك مكافآت للطلاب وقد أخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ولكن لترادف المحن وكثرة الأحن لم يتمكن من كثرة الأخذ عنه وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخذ عن الشيخمحمد بن عبد اللطيف وكان يظهر دينه صريحًا فلا تأخذه في الله لومة لائم مع حدة في طبعه ويظهر موالاة المؤمنين وعداوة المنافقين. ثم أنَّه بعثه الشيخ عمر بن سليم إمامًا وخطيبًا ومرشدًا في قرية القرعاء فكان يدرس طلاب الحلم فيها وله إقدام في الوعظ ويغشى النَّاس في مجالسهم بالمواعظ والتذكر ثم أنَّه طلب النقلة إلى الشقة السفلى المعروفة بالسفيلي فقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعل يدرس فيها بجد ونشاط صباحًا وظهرًا وبعد صلاة المغرب والعشاء، وبذل نفسه في هذا السبيل وهناك أخذ عنه جمع غفير من سكان الشقة وكان قارعًا للشعر وقد قدمنا جملة من شعره. وله قصيدة لامية دعا فيها العلماء إلى الجد والاجتهاد وهي هذه جوابًا لقصيدة للشيخ عبد المحسن بن عبيد وردت على الأخ فهد بن عيسى فتناولها من يد الشيخ فهد بن عيسى ونظم ذلك فقال: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فإنِّي لما قدمت زائرًا للإخوان أهل القرعاء قدم على فهد بن عيسى من عبد المحسن بن عبيد منظومة مفيدة رائعة عقلًا وشرعًا فلما تأملها وجدتها تحث على طلب العلم والعمل والاجتهاد ناهية عن الكسل والغفلة والرقاد وذكرتني ما مضى لي من رغبة الطلب فضقت بذلك ذرعًا وهيجتني فضاقت مني المسالك فأبديت وبحت بما هنالك وإن كنت لست أهلًا لذلك فيا سامعها إن رأيت صوابًا فاستبشر بذلك تربح إن رأيت زلة فاسترها فإن المؤمن يستر وينصح ولا تتصف بالمنافق الذي يهتك ويفضح وهذا بعص ما تيسر في عام ١٣٥٩ هـ (١):حضرت قريضًا من شفيق موفق ... يحث على كسب العلا والفضائل ويرثى علومًا قد تدارس رسمها ... وأقفرت أطلال لها بالتكاسل قصيدة أهداها خليل لخله ... فهد بن عيسى زاكى الأصل فاضل فأكرم به خلا وأنعم به أخا ... يؤدي حقوق الخل ليس بغافل فأكرم مثواها قبولًا ومرحبًا ... وأحسن منها للقرى والتعامل فهيج أشجاني وبحت بضامري ... وأظهر مكنون الحشا والبلابل وأوقدت نيران الأسى وتجمعت ... على همومي بالضنا والشواغل عنيت به أخا الندى عبد محسن ... فتى من عبيد من كرام أماثل وذكرني بحثًا وصدقًا ورغبة ... ودرس علوم بالضحى والأصائل وأحبار صدق في القبور تفرقوا ... يحلون مناخًا في عويص المسائل يؤمهم الطلاب من كل بلدة ... أحب إليهم من قريب ونازل فوا حر قلبي ويا عظم حسرتي ... على ما مضى من سالف العمر أول فما أولًا أدركت فيه مسرة ... ولا آخرًا أقنيته في الفضائل وذلك أسباب الردى قد توفرت ... وذلك أسباب الذنوب القواتل فرانت على تلك القلوب بأسرها ... وقطعت أعراقًا لها بالمعاول وهذا لعمري من قبيل نفوسنا ... كم هو معلوم لدى كل عاقل وقد يطفئ الإنسان بالذنب نوره ... فيا نعم محمول ويا بئس حامل ولو يعمل الإنسان بالذي كان عالمًا ... لأورثه الباري جزيل الفضائل فنسأل الله الكريم بفضله ... يمن علينا بالهدى والفضائل ويمنحنا فهمًا وعلمًا وحكمة ... كذاك اجتهادًا في فنون المسائل مع العمل الزاكي لوجه مليكنا ... خلِّي من الإشراك يا ويل فاعل فإنَّ الذي بالعلم لله عامل ... يبوء في الجنات أعلى المنازل كما صرح فيه كتاب إلهنا ... وسنة من قد جاءنا بالدلائل كما أنَّ من لم يعمل به قد أهانه ... مع عابد الأوثان أخبث نازلنعوذ بالباري عما يخالف قولنا ... من الفعل أو قول فبعدًا لقائل ونستغفر أيضًا من ذنوب وزلة ... وما عمدنا والجهل يا خير قابل فيا سامع النجوى ويا قابل الدعا ... ويا خير مسؤول برغبة سائل تفضل علينا بالقبول وبالرضا ... مع الأمن من أهوال يوم الزلازل ويا رب متعنا بفاروق وقتنا ... سلالة من سليم عالمًا غير جاهل تقيًا نقيًا ناسكًا متورعًا ... حريصًا على الطاعات ليس بكاسل يقرر توحيد العبادة جهرة ... ويشره في النَّاس بين القبائل فلا يسئمن إن طال درس بمجلس ... حريصأ عليه بالضحى والأصائل كذا عابد لله نجل بليهد ... سلالة أمجاد كرام أفاضل فكم أدحض يومًا لصاحب بدعة ... إذا جاءه مدل بشبهة باطل فيرميه منكوسًا على أم رأسه ... بحجته مصحوبة بالدلائل كذلك أشياخ لنا طاب ذكرهم ... عمومًا حماهم من عظيم المهاول وأبقاهمو ربى حماة لدينه ... يذبون عن السمحاء كل باطل واصلح إلهي واليًا قد أقمته ... على المنهج الأسناء عذب المناهل وقاه إله العرش من ردى الظلم للورى ... وأعوان سوء تستشار بباطل فلا زال مصحوبًا بعز وغبطة ... وعدل وإحسان بكل القبائل ونصر لدين الله ما دام مسعدًا ... لأهل الهدى والدين قمعًا لباطل فيا سامعًا نظمي زففت خريدة ... وخودة حسن في ثياب مرافل أتت من قريب من سفيلاء شقة ... تريد لها كفوًا كريم الشمائل فأحسن إليها بالقبول ووصلها ... وستر لها من ساقطات الرذائل فإنَّ كريم النَّاس يستر ما رأى ... من العيب والنقص بحسن التغافل وأختم نظمي بالصلاة مسلمًا ... على خاتم الرسل الكرام الأفاضل محمد الهادي إلى خير شرعه ... وأفضل مبعوث وأصدق قائل وأصحابه والآل ما هبت الصبا ... وما انهلَّ ودق من سحاب هواطلوله أيضًا قصيدة من هذا النمط تحث على الجد والاجتهاد وجهها نصيحة للمشائخ والطلاب خصَّ فيها وعمَّ فقال في عام ١٣٥٨ هـ/٨/ ٧: لك الحمد اللَّهُمَّ يا ذا الفضائل ... ويا خير مأمول لكل النوائل ومن بعد حمد الله والشكر والثناء ... صلاة وتسليمًا على خير فاضل ويا راكبًا بلغ سلامي أحبتي ... خلاصة إخواني هداة القبائل وقل رافعًا بالصوت وقل لهم ... عمومًا وتخصيصًا بكل المحافل عليكم بتقوى الله ربي فإنَّها ... وصية مولانا لنا والأوائل فيا معشر الإِخوان راعوا نصيحتي ... ولا تنظروا قول العذول وغافل ويا سليمان المشعلي نلت مفخرًا ... وعلمًا على حسب الورى والأماثل فكن فيه منهومًا مفيدًا مباحثًا ... يزيد مع الإنفاق منه لباذل ولا تسئمن البحث فيه ولاتكن ... جبانًا إذا دارت فنون السائل فمن فعلك الأحجام طبعًا وإنَّما ... لك خبرة في قاطعات الدلائل ومعرفة رأجح من مرجوحها ... من المذهب المشهود عند الأفاضل خف الله وانهز فرصة متداركًا ... لما فات في باقي الليالي القلائل ويا صاحبي قل للحميدي مطوع ... لقد فقت أقرانًا لك في الفضائل فلازم على أصل سلكت ومنهجًا ... على نهج الهداة الأفاضل خصوصًا على التوحيد فاصدع مجاهرًا ... ولا تخف في الله لومة جاهل ولا بدَّ من عرض ينال مع الأذى ... فصبرًا على قول العذول وغافل ففي سورة العصر دليل مصرح ... نجاة عن الخسران يوم المهاول وراع حقوق النَّاس طرًا وقل لهم ... برفق ولين يستجيبوا لقائل ففي شرعنا درء الفساد مقدم ... على جلب إصلاح لنا والفضائل ويا عابد الله قطب أحبتي ... هو ابن رشيد عاقل كل عاقل سل الله منهما من لطيف وحكمة ... مع الحلم مقرونًا صفات الكوامل وداوم على حسن لخلق رزقته ... هو أثقل ميزان من القسط عادلويا ضالع ثم العجاجي وعمه ... علي حليف للعلى والفضائل فهبوا سراعًا من سني النوم والكرى ... بجد وتشمير وعزم لفاعل تنالوا بدًا عزًا وجاهًا ورفعة ... وأجرًا عظيمًا من جزيل الفضائل ولا تؤثر وصلًا لبيض كواعب ... ولا لذة مشروبنا والمآكل لعلَّ إله العرش يلطف بالورى ... ويظهر منكم فاضلًا بعد فاضل ويا عابدًا للمحسن انهض برغبة ... وإخوتك ما لكم من مماثل فقد خصكم ربي بخير فضيلة ... وفهم منير حاضر غير ذاهل عليكم لزوم مجلس الشيخ جهدكم ... دوامًا عليه بالضحى والأصائل تزادون علمًا مع نزول سكينة ... ورحمة تغشى لطالب العلم آمل ملائكة تأتي تحف بمجلس ... بأجنحة ما بين سبع كوامل وذكر لكم عند الإِله مليكنا ... فيا حبذا ذكر الإِله لفاعل ويا صاحبي عبد العزيز بن صالح ... تنبه هداك الله تبًا لكاسل تيقض فلا تترك دروسًا نفيسة ... مكررة يشتاقها كل عاقل فتشمر مجدًا سالكًا نحو منهج ... لجد وأعمام لك في الفضائل فقد شيدوا دينًا تناثر نظمه ... وقد جددوا من ثوبه كل سامل وقل للحميدي والحميد بن صالح ... حفيدي لحبر سابق في الفضائل فقد نلتما من واحد جلَّ ذكره ... نباهة فكر في اكتساب الفضائل وجدًا وتشميرًا كذاك وطاعة ... فمن بيت علم أنتما في القبائل فلا تطفئوا نورًا بشيء من الجفا ... وشائب محظور قبيح الفعائل تكونوا هداة للأنام عن العمى ... وقادة صدق عند فقد الدلائل كذا ابن عبيد في البدائع موطنًا ... وأمَّا جسمه يسعى لكسب المسائل وقل للخريص والسكيتي وثالث ... يبش بمن يلقاه عند التقابل عنيت به عبد العزيز بن صالح ... سلالة فوزان صافي المناهل كذا ابن رشيد والفتى بن غضية ... صديق شفيق صادق في التخاللكذا ابن حسين مع علي بن مرشد ... سكاكر لا تنساهم في الفضائل إلى أن قال متذكر حالة الأجواد الذين عاش بين أظهرهم: كمثل همام جاد نسل مشيقح ... وأبناؤه جادوا على نهج فاعل خصوصًا مع الطلاب جادوا بمالهم ... وجاه لم يحتاجهم في النوازل وقد عمروا بعض المساجد طاعة ... صلاة وتدريسًا وبذلًا لفاعل وهي طويلة بلغت أبياتها ثلاثة وسبعين بيتًا وله قصيدة بائية في آداب العلم وما ينبغي للطالب أن يتأدب به وذكر فيها آفات العلم. وقد جاوب عليها زميله الشيخ عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن ذكرنا قصيدة الشيخ عبد الرحمن في سنة وفاته، فمن أبيات قصيدة المترجم قوله في مطلعها: يقول الذي قد ضيع الوقت بالمنى ... ويبغي ارتقاء للذرى والمراتب ويبغي اقتناء للعلوم سفاهة ... وأنَّى يقتنيها بالوعود الكواذب كمثل الذي خال سرابًا بقيعة ... ويحسبه المغرور عذب الشارب تفكر في نفس له وصنيعها ... رأى إذا فيها كثير العجائب من الجهل والتفريط أيضًا مع الجفا ... ومن قلة التوفيق آت مقارب فليس من ربي أتاني مظالم ... ولكن من نفسي أتت بالمصائب فواهًا على قلب عليل مصفح ... أحاطت به الآفات من كل جانب فآفة العلم الجدال مع المراء ... وأيضًا انتصار للهوى والتغالب وقال وقيل لا يفيد حصولها ... سوى كثرة البغضا وقل التحابب وقلة آداب وضحك مجاوز ... لما قاله المختار أزكى الأطائب وأيضًا نهى عنه حديث مصحح ... ومن بعده نهى علي بن طالب وحث على كسب العلوم وصونها .... من الشوب بالضحك الكثير المعائب فإذا تعلمتم وأيضًا كضمتموا ... ففيه اعملوا حتمًا على كل طالبفإن الذي بالعلم ليس بعالم ... فأعماله فعل اليهود الأخايب وأيضًا نهى عن كثرة الضحك والمرا ... فأسبابه مذمومة في العواقب وهذا خلاف الهدي هدي محمد ... فما كان في صدق فقله وذاعب إلى أن قال مبشرًا للمتقين ومنذرًا للغافلين: فذو العلم بين أمرين إما لجنة ... وحور حسان ناعمات كواعب وأمَّا إلى نار شديد سعيرها ... وحر اللظى أيضًا وخبث المشارب فيا أيها المغرور تلعب دائمًا ... وأيضًا عن العصيان لست بتائب شرى أنك يا مغرور تعمل صالحًا ... ترى غب ذا عند غفور محاسب إلى آخرها وهي حسنة ثم أنَّه انتقل في آخر حياته إلى مدينة الرياض فكان يحضر مجالس الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ويلازمه لتذكر أحوال العلماء الماضين وكان قد تولى إذاك إمامة مسجد من مساجد الرياض ﵀. وممن توفي فيها أيضًا الشيخ خالد الفرج مؤلف أحسن القصص وهو تاريخ وجيز بناه من قصيدة رائية شرح كل جملة منها بشرح من الكلام النثر في حياة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن كان خالد الفرج من آل طراد من فخذ الناديل من قبيلة الدواسر ووالدته من أسرة آل ثنيان الغانم ولد في ١٣١٦ هـ ونشأ في الأدب فهو خالد بن محمد الفرج الدوسري شاعر طويل النفس، وهو الذي فسر ديوان حميدان الشويعر وديوان ابن ربيعة وديوان ابن لعبون وديوان ابن سبيل صاحب نفي كما أنَّه باشر طبعها وطبع دواوين آل قاضي والعوني وصحح هذه الدواوين وعلق عليها وقال عن نفسه: قد كنت قمت بطبع ديوان عبد الله بن محمد الفرج سنة ١٣٣٩ هـ فنفذت طبعته وفي نيتي إعادة طبعه إلى أن قال: وفي أوائل هذا العام ويريد به (٧١) صدر ديوان الشيخ محمد بن بليهد أحد أدباء نجد المعروفين ثم ذكر أنَّه في عام ١٣٧٠ كان بحضرة وزير المالية عبد الله بن سليمان الحمدان فجرى ذكر لهذاالوضع فرغب إليه المذكور أن يجمع شيئًا من ذلك ويذيله بما يحل غوامضه فقام بطبع هذه الدواوين وقد أتى في ضبط الكلمات العامية بما يدل على براعته في الأدب وما لديه من ذوق وولع في هذه البضاعة. وتوفي في هذه السنة أيضًا الدكتور الماهر في علاج البصر محمد بن علي الشواف وقد فاق كثيرًا من الذين يعالجون في المملكة السعودية، وقد أشرنا إلى مجيئه إلى بريدة عاصمة القصيم في سنة ١٣٦١ هـ وكان يقوم بجد واجتهاد ولا سيما إذا كان في عيادته لما يرجوه. فرحمة الله على أموات المسلمين.
  • full passagepage 1573, entry [619]39 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم شيخنا
  • full passagepage 1573, entry [619]39 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم شيخنا
  • full passagepage 1621, entry [642]1,536 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان لقد توفي في هذه السنة فطاحل من العلماء والرجال فمنهم صاحب السمو الأمير سعود بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل آل سعود. وهذا هو الذي يسمى سعود الكبير قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وكانت وفاته في مساء يوم الثلاثاء ١٦/ ٨ / ١٣٧٨ هـ على إثر سكتة قلبية عن عمر تجاوز ٨٥ سنة وقد أح
    ▸ expand full passage (1,536 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان لقد توفي في هذه السنة فطاحل من العلماء والرجال فمنهم صاحب السمو الأمير سعود بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل آل سعود. وهذا هو الذي يسمى سعود الكبير قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وكانت وفاته في مساء يوم الثلاثاء ١٦/ ٨ / ١٣٧٨ هـ على إثر سكتة قلبية عن عمر تجاوز ٨٥ سنة وقد أحدثت وفاته أثرًا عميقًا من الأسى في نفوس أهل هذه البلاد لما عرف به من حب الخير ومكارم الأخلاق والعطف على المحتاجين والتمسك بالشيم العربي. كان ﵀ صاحب دين وعبادة. متواضعًا على رفعة قدره. رأيته في بريدة أوائل جمادى الثانية من سنة ١٣٧٦ هـ في وقت كانت الأمطار قد غمرت المدينة فاستوقفني وجعل يسأل عن المشائخ وكان راكبًا في سيارته سائرًا إلى قصر الحكم في بريدة للاتصال بالأمير محمد بن بتال فسألته لأني لم أكن أعرفه قبل ذلك فقال: من المنتسبين إلى آل سعود من السموه يعني من الأسرة. فقال أحد رفقته لما أجلسني الأمير إلى جانبه في السيارة لأني كنت ذاهبًا إذ ذاك إلى الأمير محمد. قال هذا سعود الكبير فعرفته، وكان شيخًا قليل اللحم قد لوحته الشمس وذلك لأنَّه كان مشهورًا بسعود العرافة فعجبت لمكارم أخلاقه وكان لما أن توفي في هذه المناسبة وافق أن جلالة الملك سعود كان غائبًا عن الرياض فما أن وصل النبأ إليه حتى أمر أن تؤخر جنازته وقام مبادرًا فتوجه ليلًا بالطائرة الخاصة فوصل في الساعة الثالثة إلَّا ربعًا من صباح يوم الأربعاء ونزل مبادرًا إلى المسجد الجامع الكبير في الرياض وذهب إلى المسجد الجامع على رأس أفراد الأسرة المالكة فصلى المسلمون على الفقيد وشيعت جنازته إلى مقرها الأخير والخلائق يسمع لهم نحيب وقد تلقى جلالة الملك ونجل الفقيد محمد بن سعود الكبير وإخوانه التعازي من أفراد الأسرة المالكة ورجالالدين وأعيان ووجهاء الرياض وغيرهم من سائر المملكة.
  • full passagepage 1621, entry [642]1,536 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان لقد توفي في هذه السنة فطاحل من العلماء والرجال فمنهم صاحب السمو الأمير سعود بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل آل سعود. وهذا هو الذي يسمى سعود الكبير قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وكانت وفاته في مساء يوم الثلاثاء ١٦/ ٨ / ١٣٧٨ هـ على إثر سكتة قلبية عن عمر تجاوز ٨٥ سنة وقد أح
    ▸ expand full passage (1,536 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان لقد توفي في هذه السنة فطاحل من العلماء والرجال فمنهم صاحب السمو الأمير سعود بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل آل سعود. وهذا هو الذي يسمى سعود الكبير قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وكانت وفاته في مساء يوم الثلاثاء ١٦/ ٨ / ١٣٧٨ هـ على إثر سكتة قلبية عن عمر تجاوز ٨٥ سنة وقد أحدثت وفاته أثرًا عميقًا من الأسى في نفوس أهل هذه البلاد لما عرف به من حب الخير ومكارم الأخلاق والعطف على المحتاجين والتمسك بالشيم العربي. كان ﵀ صاحب دين وعبادة. متواضعًا على رفعة قدره. رأيته في بريدة أوائل جمادى الثانية من سنة ١٣٧٦ هـ في وقت كانت الأمطار قد غمرت المدينة فاستوقفني وجعل يسأل عن المشائخ وكان راكبًا في سيارته سائرًا إلى قصر الحكم في بريدة للاتصال بالأمير محمد بن بتال فسألته لأني لم أكن أعرفه قبل ذلك فقال: من المنتسبين إلى آل سعود من السموه يعني من الأسرة. فقال أحد رفقته لما أجلسني الأمير إلى جانبه في السيارة لأني كنت ذاهبًا إذ ذاك إلى الأمير محمد. قال هذا سعود الكبير فعرفته، وكان شيخًا قليل اللحم قد لوحته الشمس وذلك لأنَّه كان مشهورًا بسعود العرافة فعجبت لمكارم أخلاقه وكان لما أن توفي في هذه المناسبة وافق أن جلالة الملك سعود كان غائبًا عن الرياض فما أن وصل النبأ إليه حتى أمر أن تؤخر جنازته وقام مبادرًا فتوجه ليلًا بالطائرة الخاصة فوصل في الساعة الثالثة إلَّا ربعًا من صباح يوم الأربعاء ونزل مبادرًا إلى المسجد الجامع الكبير في الرياض وذهب إلى المسجد الجامع على رأس أفراد الأسرة المالكة فصلى المسلمون على الفقيد وشيعت جنازته إلى مقرها الأخير والخلائق يسمع لهم نحيب وقد تلقى جلالة الملك ونجل الفقيد محمد بن سعود الكبير وإخوانه التعازي من أفراد الأسرة المالكة ورجالالدين وأعيان ووجهاء الرياض وغيرهم من سائر المملكة.
  • full passagepage 1695, entry [660]7,317 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله الخليفي وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد الله بن صالح بن عبد الرحمن بن منصور الخليفي قيل إن قبيلة المترجم ينتمون إلى الأكراد وهي عشيرة في البكيرية. فخاله الشيخ محمد الخليفي وابن خاله الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي إمام المسجد الحرام بمكة المكرمة. ولد المترجم ﵀ في
    ▸ expand full passage (7,317 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله الخليفي وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد الله بن صالح بن عبد الرحمن بن منصور الخليفي قيل إن قبيلة المترجم ينتمون إلى الأكراد وهي عشيرة في البكيرية. فخاله الشيخ محمد الخليفي وابن خاله الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي إمام المسجد الحرام بمكة المكرمة. ولد المترجم ﵀ في مدينة البكيرية عام ١٣٠٠ فتعلم في مسقط رأسه على مقرئ فيها كتاب الله ﷿ ومبادئ الكتابة. وأخذ يتعلم على خاله محمد ثم أنَّه سار إلى مدينة حائل فأخذ عن علمائها ومن أخذ عنه الشيخ عبد الله بن مسلم التميمي، وهو وإن كان عالمًا ويصفه بعض العلماء بالعلم والمعرفة أعني شيخه ابن مسلم هذا فإن بعض العلماء يصفه بمنافرته لعلماء نجد وميوله إلى آل رشيد لأنَّه كان قاضيًا في حائل ومخلصًا لهم. وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشدي نزيل حائل وجد واجتهد حتى أدرك وجلس في مسجد العليا بحائل للتدريس ونشر العلم وكان مرحًا دمث الأخلاق حسن العقيدة والسلوك حنبلي المذهب. ولمَّا أن راوده الملك عبد العزيز على القضاء لأول مرة أبدى اعتذارًا لدين كان عليه فقال له: يا الخليفي إني إنَّما وظفتك رأفة بك، وإلَّا فإني أجد سواك. أليس شيخك ابن مسلم. فانقاد ونال من حكومته كمال الثقة فقد جعل قاضيًا في المدينة المنورة ثم نقل إلى قضاء الجوف ثم نقل إلى قضاء الطائف. وكان إلى جانب القضاء يدرس في مسجد الهادي بالطائف. ولمَّا أن أسست دار التوحيد عُين مدرسًا فيها ثم كان مدرسًا في المعهد العلمي، وآخر وظيفة نالها قضاء حائل. وكان قد اعتذر لكبر سنه ثم خضع لأوامر حكومته وبقي في القضاء حتى مرض في مدينة حائل فسافر إلى المنطقة الشرقية للعلاج، وتوفاه الله في الخامس والعشرين من شعبان رحمة الله عليه. وله مؤلفات منها تكملة الرحبية في الردّ وذوي الأرحام والقسمة ومنها مؤلف فيالفرائض مطبوع كما أن له معرفة بعلم الفلك. أمَّا تلامذته الذين أخذوا عنه فخلق كثير وجم غفير نذكر بعضًا من كل: فمنهم عبد الكريم الخياط، وعلي بن محمد بن هندي، وعبد الرحمن بن محمد بن شعلان إمام المسجد الحرام وقاضي المستعجلة، وسليمان بن عطية، وعبد العزيز بن محمد العريفي صديق أخينا عبد المحسن وقاضي بارق، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن مسند، وعثمان بن إبراهيم الحقيل، ومحمد الصالح المرشد، وعبد الرحمن بن محمد الدخيل، وصالح الناصر المفتي بالإِذاعة، وصالح بن عبد الرحمن العدل، وعبد العزيز بن عبد الله بن عبدان، وعبد الله بن جبير، وعبد الله بن خزيم، وعبد الله بن عبد الرحمن بن شلاش، وسليمان بن عبد الرحمن بن شلاش، وعبد الله بن عبد الرحمن البسام، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله بن عبد اللطيف، وحمد بن محمد الشاري، وأناس كثيرون. أمَّا عن صفته فكان طويل القامة، نحيف الجسم، قمحي اللون، حلو المناقشة، جم التواضع، ولديه فكاهات مع الأحباب، ولديه علم غزير ومعرفة بأحكام الشريعة ولا سيما الفقه وله تمسك بالدين ومعرفة بعلم العروض فكان قارعًا للشعر. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ ابن حسين، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفقيه الزاهد المتعفف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حسين بن صالح بن حسين بن عبد الله بن إبراهيم آل أبالخيل من المصاليخ من قبيلة عنزة. ولد عام ١٣٠٨ هـ في قرية المريدسية من قرى بريدة في القصيم فعاش في أحضان والديه، فأبوه عبد الله الحسين عالم مشهور في القرية المذكورة. ولمَّا أن تمَّ له من العمر عشر سنين أدخله عند مؤدب القرية حتى حذق القراءة والكتابة ثم أنَّه لازم والده الشيخ عبد الله بن حسين وأخذ عنه مبادئ العلوم وجدّ واجتهد وأخذ عن الشيخ عيسى بن محمد الملاحي وكانت هناك فتن وزعارع ومحن وحروب حالت دون استمراره في مواصلةالدراسة. ولما هدأت الأحوال وأمن الله ﷿ أهل نجد بولاية الملك عبد العزيز لم يلبث والده أن توفي فانتقل المترجم إلى مدينة بريدة حيث أخذ يطلب العلم ويدرس القرآن على الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ولازمهما في تعلم التوحيد والفقه والحديث واللغة والنحو والفرائض وغيرها من سائر العلوم، وما زال يدأب في الطلب حتى بلغ الغاية القصوى في ذلك. وكان الشيخ عمر يستخلفه في القضاء في حال غيابه. أمَّا الوظائف التي نالها فقد جعل في هجرة تسفي وجعل في قرية الجعلة إمامًا وخطيبًا ومرشدًا ويحل مشاكلها. ولمَّا أن توفي قاضي عنيزة عبد الله بن محمد بن نافع سنة ١٣٦٠ هـ ولاه الملك عبد العزيز قضاء عنيزة ولكنه لم تدل إقامته فيها لخلاف حصل بينهم، فقد أعفي من قضائها في منتصف شعبان من العام المقبل بحيث رجع إلى بريدة. والباعث لذلك أنَّه أراد أن يقيم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمر بتفقد الجماعات في صلاة الفجر وسلك طريقة الحزْم من دون حكمة فتوترت العلاقات وكثرت الشكايات ضده. وبعدما قدمت لجنة من الرياض للنظر في الموضوع طلب الإِعفاء من تلك الوظيفة، وذلك لائه كان صريحًا قويًّا. وقد أسف لفراقه رجال من الأهالي. ثم أنَّه لما توفي الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم طلب كبراء مدينة بريدة من الملك عبد العزيز أن يولى قضاء القصيم فجاءت الموافقة على ذلك وباشر مهمته في ١٨/ ٤ عام ١٣٦٣ هـ وشغل هذه الوظيفة واستمرَّ إلى شهر رمضان من السنة المذكورة أي أربعة أشهر و ١٥ يومًا تقريبًا حيث عزل عن القضاء وجعل مكانه الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد. فاختار لنفسه العافية وأن يكون معتزلًا ليقضي بقية حياته في إمامة مسجده بجوار بيته. وكان صريحًا في الحق لا يخشى ملامة لائم مع قوة وقلة مداراة وذا هيبة لأنَّ له شخصية بارزة. وقد لا تكفي القوة وحدها في بعض الأحيان لإِدراك المقصود. وكانت هذه الخصال هي السببالذي جعله لا يستمر في قضاء المدينتين بريدة وعنيزة وكان قليل الغضب سمح الخلق مقلًّا من الدنيا من يجالسه لا يمل حديثه وكريمًا يتفقد الضعفاء من جيرانه وأقربائه ويتعهد الفقراء والمساكين ويحب الموحدة والجلوس في المسجد والتفرغ للعبادة ويحج كل عام. وكان لما ترك القضاء في عنيزة وانسحب من دون تعزيز لموقفه رأى ولي الأمر من ذلك أنَّه بخلاف ما يظن فيه من الدهاء والمعرفة فلم يوافق على جعله قاضيًا في العاصمة إلَّا إجابة للأهالي الذين طلبوا ذلك. وفعلًا كثرت الشكايات والمخالفات ضده. ولمَّا أعفي من قضاء بريدة أجرى له الملك عبد العزيز مساعدة شهرية لتأمين معيشته وإكرامًا له واحتفاظًا بكرامته. ثم أنَّه أخذ يؤلف حاشية وزوائد لزاد المستقنع وجعل من ذلك كتابًا ضخمًا خدمة للعلم وطلاب العلم. ولمَّا أن أوشك أن يتمه عرض عليه بعض الأجواد أن يطبعه على نفقته وألح عليه آخرون، غير أنَّه أحب أن يطبع الكتاب من حاله الخاص وقام بجمع لطبعه نفقات منذ مدة طويلة ودفع النفقة كلها قبل وفاته وأمر أن يكون الكتاب وقفًا لوجه الله تعالى وأن يوزع على طلاب العلم وقد بدئ بطبع الكتاب قبل وفاته لشهر وأقر الله عينه بذلك لأنَّه عمل صالح. وفي الحديث عن النبي ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". وقد جمع شوارد في كتابه هذا المسمى الزوائب وبذل جهودًا يشكر عليها وأبرزه على وضعه ذلك ولكل إنسان نظر وذوق، وقد أعيد طبعه ولكنه لم يجد عناية وخدمة بحيث لو كان في ثلاث مجلدات بالحرف الكبير لكان أحسن. وجزى الله من أعاد طبعه. وقد ذكر المؤلف أنَّه فرغ من حاشية الزاد في ١٣٧٢ ومن حاشية الزوائد في ١٣٧٣ هـ. وكانت وفاة المترجم في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان من هذه السنة في مدينة بريدة فصلَّى عليه المسلمون في الجامع الكبير ودفن فيها. وأبدى المسلمون أسفهم الشديد لذلك. وقد خلف من الذرية بعد مماتهذكرًا واحدًا وهو عبد الله وأربع بنات. رحمة الله على الشيخ محمد الحسين وغفر له وتغمده بمغفرته. وممن توفي فيها من الأعيان الأجانب السكرتير العام للأمم المتحدة. داج همر شولد. كانت وفاته في شهر ربيع الثاني في عشره الأولى وتصف آلامه مصرعه بأنَّه كارثة قابلها العالم بصفته رجلًا محبًّا للسلام وموسومًا بالعدل بالحزن والأسى. ويذكرون له مواقف في العدل وخدمة قضية السلام وأن من خدماته التي لا تنسى وأبرزها موقفه الرائع العظيم في الحرب الثلاثي العدواني على قناة السويس في سنة ١٣٧٦ هـ حينما قدم استقالته من منصبه إذا لم ينفذ وقت إطلاق النَّار على مصر في ذلك القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة يومذاك، هذا إلى جانب مواقفه الكثيرة من قضايا السلام. وقد حامت الظنون حول مقتله لأن قتله فيما يزعم أهل الآراء خسارة لقضية السلام بصفته الأمين العام للأمم المتحدة ومن أين يكون مثله لمقامه. وفيها سقط بيت في حارة الخبيب من بريدة في آخر الليل على أهله فكانوا ضحية لهذا الحادث وماتوا كلهم سوى صبي كتبت له النجاة وكان الذين هلكوا تحت أنقاض البيت أربعة وذلك في ليلة ٢٢/ ٧ الموافق للجمعة منتصف الليل يصلى على جنائزهم جميعًا في جامع بريدة الكبير بعد صلاة الجمعة. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
  • full passagepage 1695, entry [660]7,317 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله الخليفي وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد الله بن صالح بن عبد الرحمن بن منصور الخليفي قيل إن قبيلة المترجم ينتمون إلى الأكراد وهي عشيرة في البكيرية. فخاله الشيخ محمد الخليفي وابن خاله الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي إمام المسجد الحرام بمكة المكرمة. ولد المترجم ﵀ في
    ▸ expand full passage (7,317 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله الخليفي وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد الله بن صالح بن عبد الرحمن بن منصور الخليفي قيل إن قبيلة المترجم ينتمون إلى الأكراد وهي عشيرة في البكيرية. فخاله الشيخ محمد الخليفي وابن خاله الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي إمام المسجد الحرام بمكة المكرمة. ولد المترجم ﵀ في مدينة البكيرية عام ١٣٠٠ فتعلم في مسقط رأسه على مقرئ فيها كتاب الله ﷿ ومبادئ الكتابة. وأخذ يتعلم على خاله محمد ثم أنَّه سار إلى مدينة حائل فأخذ عن علمائها ومن أخذ عنه الشيخ عبد الله بن مسلم التميمي، وهو وإن كان عالمًا ويصفه بعض العلماء بالعلم والمعرفة أعني شيخه ابن مسلم هذا فإن بعض العلماء يصفه بمنافرته لعلماء نجد وميوله إلى آل رشيد لأنَّه كان قاضيًا في حائل ومخلصًا لهم. وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشدي نزيل حائل وجد واجتهد حتى أدرك وجلس في مسجد العليا بحائل للتدريس ونشر العلم وكان مرحًا دمث الأخلاق حسن العقيدة والسلوك حنبلي المذهب. ولمَّا أن راوده الملك عبد العزيز على القضاء لأول مرة أبدى اعتذارًا لدين كان عليه فقال له: يا الخليفي إني إنَّما وظفتك رأفة بك، وإلَّا فإني أجد سواك. أليس شيخك ابن مسلم. فانقاد ونال من حكومته كمال الثقة فقد جعل قاضيًا في المدينة المنورة ثم نقل إلى قضاء الجوف ثم نقل إلى قضاء الطائف. وكان إلى جانب القضاء يدرس في مسجد الهادي بالطائف. ولمَّا أن أسست دار التوحيد عُين مدرسًا فيها ثم كان مدرسًا في المعهد العلمي، وآخر وظيفة نالها قضاء حائل. وكان قد اعتذر لكبر سنه ثم خضع لأوامر حكومته وبقي في القضاء حتى مرض في مدينة حائل فسافر إلى المنطقة الشرقية للعلاج، وتوفاه الله في الخامس والعشرين من شعبان رحمة الله عليه. وله مؤلفات منها تكملة الرحبية في الردّ وذوي الأرحام والقسمة ومنها مؤلف فيالفرائض مطبوع كما أن له معرفة بعلم الفلك. أمَّا تلامذته الذين أخذوا عنه فخلق كثير وجم غفير نذكر بعضًا من كل: فمنهم عبد الكريم الخياط، وعلي بن محمد بن هندي، وعبد الرحمن بن محمد بن شعلان إمام المسجد الحرام وقاضي المستعجلة، وسليمان بن عطية، وعبد العزيز بن محمد العريفي صديق أخينا عبد المحسن وقاضي بارق، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن مسند، وعثمان بن إبراهيم الحقيل، ومحمد الصالح المرشد، وعبد الرحمن بن محمد الدخيل، وصالح الناصر المفتي بالإِذاعة، وصالح بن عبد الرحمن العدل، وعبد العزيز بن عبد الله بن عبدان، وعبد الله بن جبير، وعبد الله بن خزيم، وعبد الله بن عبد الرحمن بن شلاش، وسليمان بن عبد الرحمن بن شلاش، وعبد الله بن عبد الرحمن البسام، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله بن عبد اللطيف، وحمد بن محمد الشاري، وأناس كثيرون. أمَّا عن صفته فكان طويل القامة، نحيف الجسم، قمحي اللون، حلو المناقشة، جم التواضع، ولديه فكاهات مع الأحباب، ولديه علم غزير ومعرفة بأحكام الشريعة ولا سيما الفقه وله تمسك بالدين ومعرفة بعلم العروض فكان قارعًا للشعر. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ ابن حسين، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفقيه الزاهد المتعفف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حسين بن صالح بن حسين بن عبد الله بن إبراهيم آل أبالخيل من المصاليخ من قبيلة عنزة. ولد عام ١٣٠٨ هـ في قرية المريدسية من قرى بريدة في القصيم فعاش في أحضان والديه، فأبوه عبد الله الحسين عالم مشهور في القرية المذكورة. ولمَّا أن تمَّ له من العمر عشر سنين أدخله عند مؤدب القرية حتى حذق القراءة والكتابة ثم أنَّه لازم والده الشيخ عبد الله بن حسين وأخذ عنه مبادئ العلوم وجدّ واجتهد وأخذ عن الشيخ عيسى بن محمد الملاحي وكانت هناك فتن وزعارع ومحن وحروب حالت دون استمراره في مواصلةالدراسة. ولما هدأت الأحوال وأمن الله ﷿ أهل نجد بولاية الملك عبد العزيز لم يلبث والده أن توفي فانتقل المترجم إلى مدينة بريدة حيث أخذ يطلب العلم ويدرس القرآن على الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ولازمهما في تعلم التوحيد والفقه والحديث واللغة والنحو والفرائض وغيرها من سائر العلوم، وما زال يدأب في الطلب حتى بلغ الغاية القصوى في ذلك. وكان الشيخ عمر يستخلفه في القضاء في حال غيابه. أمَّا الوظائف التي نالها فقد جعل في هجرة تسفي وجعل في قرية الجعلة إمامًا وخطيبًا ومرشدًا ويحل مشاكلها. ولمَّا أن توفي قاضي عنيزة عبد الله بن محمد بن نافع سنة ١٣٦٠ هـ ولاه الملك عبد العزيز قضاء عنيزة ولكنه لم تدل إقامته فيها لخلاف حصل بينهم، فقد أعفي من قضائها في منتصف شعبان من العام المقبل بحيث رجع إلى بريدة. والباعث لذلك أنَّه أراد أن يقيم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمر بتفقد الجماعات في صلاة الفجر وسلك طريقة الحزْم من دون حكمة فتوترت العلاقات وكثرت الشكايات ضده. وبعدما قدمت لجنة من الرياض للنظر في الموضوع طلب الإِعفاء من تلك الوظيفة، وذلك لائه كان صريحًا قويًّا. وقد أسف لفراقه رجال من الأهالي. ثم أنَّه لما توفي الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم طلب كبراء مدينة بريدة من الملك عبد العزيز أن يولى قضاء القصيم فجاءت الموافقة على ذلك وباشر مهمته في ١٨/ ٤ عام ١٣٦٣ هـ وشغل هذه الوظيفة واستمرَّ إلى شهر رمضان من السنة المذكورة أي أربعة أشهر و ١٥ يومًا تقريبًا حيث عزل عن القضاء وجعل مكانه الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد. فاختار لنفسه العافية وأن يكون معتزلًا ليقضي بقية حياته في إمامة مسجده بجوار بيته. وكان صريحًا في الحق لا يخشى ملامة لائم مع قوة وقلة مداراة وذا هيبة لأنَّ له شخصية بارزة. وقد لا تكفي القوة وحدها في بعض الأحيان لإِدراك المقصود. وكانت هذه الخصال هي السببالذي جعله لا يستمر في قضاء المدينتين بريدة وعنيزة وكان قليل الغضب سمح الخلق مقلًّا من الدنيا من يجالسه لا يمل حديثه وكريمًا يتفقد الضعفاء من جيرانه وأقربائه ويتعهد الفقراء والمساكين ويحب الموحدة والجلوس في المسجد والتفرغ للعبادة ويحج كل عام. وكان لما ترك القضاء في عنيزة وانسحب من دون تعزيز لموقفه رأى ولي الأمر من ذلك أنَّه بخلاف ما يظن فيه من الدهاء والمعرفة فلم يوافق على جعله قاضيًا في العاصمة إلَّا إجابة للأهالي الذين طلبوا ذلك. وفعلًا كثرت الشكايات والمخالفات ضده. ولمَّا أعفي من قضاء بريدة أجرى له الملك عبد العزيز مساعدة شهرية لتأمين معيشته وإكرامًا له واحتفاظًا بكرامته. ثم أنَّه أخذ يؤلف حاشية وزوائد لزاد المستقنع وجعل من ذلك كتابًا ضخمًا خدمة للعلم وطلاب العلم. ولمَّا أن أوشك أن يتمه عرض عليه بعض الأجواد أن يطبعه على نفقته وألح عليه آخرون، غير أنَّه أحب أن يطبع الكتاب من حاله الخاص وقام بجمع لطبعه نفقات منذ مدة طويلة ودفع النفقة كلها قبل وفاته وأمر أن يكون الكتاب وقفًا لوجه الله تعالى وأن يوزع على طلاب العلم وقد بدئ بطبع الكتاب قبل وفاته لشهر وأقر الله عينه بذلك لأنَّه عمل صالح. وفي الحديث عن النبي ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". وقد جمع شوارد في كتابه هذا المسمى الزوائب وبذل جهودًا يشكر عليها وأبرزه على وضعه ذلك ولكل إنسان نظر وذوق، وقد أعيد طبعه ولكنه لم يجد عناية وخدمة بحيث لو كان في ثلاث مجلدات بالحرف الكبير لكان أحسن. وجزى الله من أعاد طبعه. وقد ذكر المؤلف أنَّه فرغ من حاشية الزاد في ١٣٧٢ ومن حاشية الزوائد في ١٣٧٣ هـ. وكانت وفاة المترجم في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان من هذه السنة في مدينة بريدة فصلَّى عليه المسلمون في الجامع الكبير ودفن فيها. وأبدى المسلمون أسفهم الشديد لذلك. وقد خلف من الذرية بعد مماتهذكرًا واحدًا وهو عبد الله وأربع بنات. رحمة الله على الشيخ محمد الحسين وغفر له وتغمده بمغفرته. وممن توفي فيها من الأعيان الأجانب السكرتير العام للأمم المتحدة. داج همر شولد. كانت وفاته في شهر ربيع الثاني في عشره الأولى وتصف آلامه مصرعه بأنَّه كارثة قابلها العالم بصفته رجلًا محبًّا للسلام وموسومًا بالعدل بالحزن والأسى. ويذكرون له مواقف في العدل وخدمة قضية السلام وأن من خدماته التي لا تنسى وأبرزها موقفه الرائع العظيم في الحرب الثلاثي العدواني على قناة السويس في سنة ١٣٧٦ هـ حينما قدم استقالته من منصبه إذا لم ينفذ وقت إطلاق النَّار على مصر في ذلك القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة يومذاك، هذا إلى جانب مواقفه الكثيرة من قضايا السلام. وقد حامت الظنون حول مقتله لأن قتله فيما يزعم أهل الآراء خسارة لقضية السلام بصفته الأمين العام للأمم المتحدة ومن أين يكون مثله لمقامه. وفيها سقط بيت في حارة الخبيب من بريدة في آخر الليل على أهله فكانوا ضحية لهذا الحادث وماتوا كلهم سوى صبي كتبت له النجاة وكان الذين هلكوا تحت أنقاض البيت أربعة وذلك في ليلة ٢٢/ ٧ الموافق للجمعة منتصف الليل يصلى على جنائزهم جميعًا في جامع بريدة الكبير بعد صلاة الجمعة. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
  • full passagepage 1719, entry [671]1,942 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشيخ ناصر الوهيبي قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل القاضي ناصر ابن الشيخ محمد بن ناصر بن حسن الوهيبي. ولد عام ١٣٢٤ هـ فنشأ في تربية والده حيث تعلم القرآن الحكيم عند كُتَّاب في بلدته التي ولد فيها، وهي الخبراء من أعمال بريدة في ال
    ▸ expand full passage (1,942 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشيخ ناصر الوهيبي قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل القاضي ناصر ابن الشيخ محمد بن ناصر بن حسن الوهيبي. ولد عام ١٣٢٤ هـ فنشأ في تربية والده حيث تعلم القرآن الحكيم عند كُتَّاب في بلدته التي ولد فيها، وهي الخبراء من أعمال بريدة في القصيم. وأخذ في الدراسة على والده الذي كان يدرس في جامع الخبراء حيث كان فيه إمامًا أخذ عنه علم التوحيد في ثلاثة الأصول وكتاب التوحيد وآداب المشي إلى الصلاة وكشف الشبهات وغيرها من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث كان والده مثالًا في العقيدة ومحبًا لطريقة السلف الصالح وأخذ عنه علم الفقه والفرائض والحديث وغيرها من كتب الحنابلة. وكان الشيخ ناصر نبيهًا وذكيًا وله نهمة في تحصيل العلم حيثكان متوقد الفهم، وأخذ عن الشيخ العالم العلامة عبد الله بن سليمان بن بليهد حينما كان يدرس في تلك الجهات ولازمه ملازمة وأكثر الأخذ عنه، وأخذ عن آل سليم عبد الله وعمر الشيخين الإِمامين الجليلين. ثم أنَّه ذهب إلى المدينة المنورة فأخذ عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن العمري وعن غيره من علماء المدينة، كما قد أخذ عن علماء مكة المكرمة. وقد تقلب في عدة وظائف في ضبيا وأم لج وتبوك ويتولى الوعظ والخطابة فيها والتدريس. ثم أنَّه جعل في قضاء مدينة الطائف، ثم كان عضوًا في رئاسة القضاء بمكة، ثم إلى عضوية ديوان المظالم في الرياض، ثم كان نائبًا للرئيس. وقد لبث في القضاء ما يزيد عن عشرين عامًا كان موضع العفة والعدل، ويصفه زميله الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل بالعقل والمقدرة والثبات. وقد رأيته عام ألف وثلاثمائة واثنتين وسبعين هجرية حينما استقدمتني الحكومة لقضاء تيماء في مكة المكرمة. وكانت الحكومة قد انتدبته لصحبة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد للنظر في مشكلات القضايا بمكة والمدينة وجدة والبت في مشكلاتها، فكان لبثهم وما يلحقهما من الكتاب ثلاثة شهور بمكة وشهرين في جدة وشهرين في المدينة. ولكمال الثقة كلفت الرجلين بهذه المهمة فكان المترجم في صفته إذ ذاك أشمط الشعر مربوع القامة نحيف البدن حنطي اللون يعلوه تلويح الشمس، عليه آثار الزهد والتقشف ويوقف المتخاصمين عند حد العدالة بهيبة وحسن تدبير. وقد كشفت مشكلات متعقدة هناك ببركة إنصاف الحكومة وإيصال الحقوق إلى أهلها (١).
  • full passagepage 1719, entry [671]1,942 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشيخ ناصر الوهيبي قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل القاضي ناصر ابن الشيخ محمد بن ناصر بن حسن الوهيبي. ولد عام ١٣٢٤ هـ فنشأ في تربية والده حيث تعلم القرآن الحكيم عند كُتَّاب في بلدته التي ولد فيها، وهي الخبراء من أعمال بريدة في ال
    ▸ expand full passage (1,942 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشيخ ناصر الوهيبي قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل القاضي ناصر ابن الشيخ محمد بن ناصر بن حسن الوهيبي. ولد عام ١٣٢٤ هـ فنشأ في تربية والده حيث تعلم القرآن الحكيم عند كُتَّاب في بلدته التي ولد فيها، وهي الخبراء من أعمال بريدة في القصيم. وأخذ في الدراسة على والده الذي كان يدرس في جامع الخبراء حيث كان فيه إمامًا أخذ عنه علم التوحيد في ثلاثة الأصول وكتاب التوحيد وآداب المشي إلى الصلاة وكشف الشبهات وغيرها من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث كان والده مثالًا في العقيدة ومحبًا لطريقة السلف الصالح وأخذ عنه علم الفقه والفرائض والحديث وغيرها من كتب الحنابلة. وكان الشيخ ناصر نبيهًا وذكيًا وله نهمة في تحصيل العلم حيثكان متوقد الفهم، وأخذ عن الشيخ العالم العلامة عبد الله بن سليمان بن بليهد حينما كان يدرس في تلك الجهات ولازمه ملازمة وأكثر الأخذ عنه، وأخذ عن آل سليم عبد الله وعمر الشيخين الإِمامين الجليلين. ثم أنَّه ذهب إلى المدينة المنورة فأخذ عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن العمري وعن غيره من علماء المدينة، كما قد أخذ عن علماء مكة المكرمة. وقد تقلب في عدة وظائف في ضبيا وأم لج وتبوك ويتولى الوعظ والخطابة فيها والتدريس. ثم أنَّه جعل في قضاء مدينة الطائف، ثم كان عضوًا في رئاسة القضاء بمكة، ثم إلى عضوية ديوان المظالم في الرياض، ثم كان نائبًا للرئيس. وقد لبث في القضاء ما يزيد عن عشرين عامًا كان موضع العفة والعدل، ويصفه زميله الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل بالعقل والمقدرة والثبات. وقد رأيته عام ألف وثلاثمائة واثنتين وسبعين هجرية حينما استقدمتني الحكومة لقضاء تيماء في مكة المكرمة. وكانت الحكومة قد انتدبته لصحبة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد للنظر في مشكلات القضايا بمكة والمدينة وجدة والبت في مشكلاتها، فكان لبثهم وما يلحقهما من الكتاب ثلاثة شهور بمكة وشهرين في جدة وشهرين في المدينة. ولكمال الثقة كلفت الرجلين بهذه المهمة فكان المترجم في صفته إذ ذاك أشمط الشعر مربوع القامة نحيف البدن حنطي اللون يعلوه تلويح الشمس، عليه آثار الزهد والتقشف ويوقف المتخاصمين عند حد العدالة بهيبة وحسن تدبير. وقد كشفت مشكلات متعقدة هناك ببركة إنصاف الحكومة وإيصال الحقوق إلى أهلها (١).
  • full passagepage 1750, entry [689]919 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: إبراهيم بن طاسان رحمة الله عليه على أثر مرض استدعى سفره إلى بيروت ثم إلى لندن، وقد توفي بعد رجوعه في جدة بعد أن تأكد من عدم فائدة العلاج. ولله در القائل: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل عزيمة لا تنفع وكان لموته أسف ورنة أسى في المجتمع لما له من خدمات وإخلاص
    ▸ expand full passage (919 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: إبراهيم بن طاسان رحمة الله عليه على أثر مرض استدعى سفره إلى بيروت ثم إلى لندن، وقد توفي بعد رجوعه في جدة بعد أن تأكد من عدم فائدة العلاج. ولله در القائل: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل عزيمة لا تنفع وكان لموته أسف ورنة أسى في المجتمع لما له من خدمات وإخلاص لهذه الدولة ومليكها ولا سيما بين عارفيه ومقدري فضله. وقد أبلى بلاء حسنًا في جهاد اليهود في فلسطين بحيث كان قائد القوات السعودية وشوهدت منه شجاعة وتقدم وبسالة خدم بها شعبه وأمته، وله منظر يفيض حماسة وتقدمًا وأبدى في معركة فلسطين شجاعة وبطولة سجلها له التاريخ. نسأل الله تعالى أن يثيبه على جهاده. وقد بعث الملك سعود برقية إلى أبنائه صالح بن إبراهيم الطاسان وإخوانه معربًا عن تعازيه بوفاة والدهم إبراهيم ما نصها: (جدة: بلغنا وفاة والدكم إبراهيم الطاسان فتأثرنا كثيرًا لما نعرفه عنه من رجولة ومحبة وإخلاص وتفاني للعمل سائلين الله تعالى أن يتغمدهبرحمته وأن يلهمكم جميعًا جميل الصبر وحسن العزاء وسنكون عوضكم فيه إن شاء الله).
  • full passagepage 1750, entry [689]919 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: إبراهيم بن طاسان رحمة الله عليه على أثر مرض استدعى سفره إلى بيروت ثم إلى لندن، وقد توفي بعد رجوعه في جدة بعد أن تأكد من عدم فائدة العلاج. ولله در القائل: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل عزيمة لا تنفع وكان لموته أسف ورنة أسى في المجتمع لما له من خدمات وإخلاص
    ▸ expand full passage (919 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم: إبراهيم بن طاسان رحمة الله عليه على أثر مرض استدعى سفره إلى بيروت ثم إلى لندن، وقد توفي بعد رجوعه في جدة بعد أن تأكد من عدم فائدة العلاج. ولله در القائل: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل عزيمة لا تنفع وكان لموته أسف ورنة أسى في المجتمع لما له من خدمات وإخلاص لهذه الدولة ومليكها ولا سيما بين عارفيه ومقدري فضله. وقد أبلى بلاء حسنًا في جهاد اليهود في فلسطين بحيث كان قائد القوات السعودية وشوهدت منه شجاعة وتقدم وبسالة خدم بها شعبه وأمته، وله منظر يفيض حماسة وتقدمًا وأبدى في معركة فلسطين شجاعة وبطولة سجلها له التاريخ. نسأل الله تعالى أن يثيبه على جهاده. وقد بعث الملك سعود برقية إلى أبنائه صالح بن إبراهيم الطاسان وإخوانه معربًا عن تعازيه بوفاة والدهم إبراهيم ما نصها: (جدة: بلغنا وفاة والدكم إبراهيم الطاسان فتأثرنا كثيرًا لما نعرفه عنه من رجولة ومحبة وإخلاص وتفاني للعمل سائلين الله تعالى أن يتغمدهبرحمته وأن يلهمكم جميعًا جميل الصبر وحسن العزاء وسنكون عوضكم فيه إن شاء الله).
  • full passagepage 1794, entry [707]3,803 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في هذه السنة فجعت الأمة لوفاة رجال من ذوي المقدرة والشخصيات البارزة ونحن نذكرهم فنقول: صحيفة طويت من صفحات العالم. ففي الرابع من شهر شوال من هذه السنة وفاة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وعفى عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل التقي المتواضع الم
    ▸ expand full passage (3,803 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في هذه السنة فجعت الأمة لوفاة رجال من ذوي المقدرة والشخصيات البارزة ونحن نذكرهم فنقول: صحيفة طويت من صفحات العالم. ففي الرابع من شهر شوال من هذه السنة وفاة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وعفى عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل التقي المتواضع المحسن إلى خلق الله بعلمه وقلمه وجاهه الذي بكته أمة الإسلام وأبناء الشعب لقضائه الحاجات عبد اللطيف بن إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ المدير العام للمعاهد والكليات، ولد رحمة الله عليه في سنة (١٣١٥ هـ) فنشأ في طلب العلم وتعليم مبادئ علم الشريعة الطهرة والدين الحنيف على علماء نجد ثم تلقى العلم عن الشيخ عمه عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ محمد بن فارس والشيخ سعد بن عتيق كما أخذ علم الفرائض عن الشيخ عبد الله بن راشد بن جنعود العنزي وبرع في علم الفرائض وزامل الشيخ أخاه محمد بن إبراهيم وكان يحضر له الدروس وله معرفة بالعروض وله قصائد مشهورة وهو إلى ذلك كان ذكيًّا سمح الأخلاق رضي النفس وقد تولى في عهد المغفور له الملك عبد العزيز إدارة معهد إمام الدعوة فكان مرجعًا لأهل الرياض في الإصلاح بينهم لثقة الناس بإخلاصه وأمانته ثم أسندت إليه إدارة المعاهد والكليات فأدارها بحكمته نعم طويت تلك الصفحة الناصعة وانطمست تلك الحروف البارزة وانطفأت تلك الشمعة المنيرة فإنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الشيخ الذي عرفه طلاب العلم ورواد المعرفة يوم كان طلب العلم حَلقات في المساجد ثم امتدت هذه الحلقة الصغيرةالتي كانت تضم عشرات طلاب العلم بامتداد همة الشيخ عبد اللطيف حتى شملت أنحاء المملكة وظهرت آثارها في هذه النهضة العلمية التي تمثلت فيما أنتجته هذه المعاهد من شباب كان لهم أحسن الأثر في إدارة دفة الشؤون العامة عليمًا وإداريًّا وقضائيًّا سيذكرك الناس يا عبد اللطيف كذكرهم آباءهم لأنك الأب والموجه لهؤلاء فكم كربة لله كشفتها وكم مشكلة أزلتها وكم محنة فرجتها ولا غرابة فأنت سليل محمد بن عبد الوهاب الذي هز الدنيا في عصره ودعوته إلى توحيد رب العزة وما زالت صيحته تدوي في كل قُطر وستظل تدوي لأنها دعوة الحق، لقد كان الشيخ عبد اللطيف واحدًا من أحفاد إمام الدعوة الذين ضحوا بكل شيء في سبيل نشر العلم وكل الناس يعرفون مجالسه العلمية بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر وبعد صلاة المغرب كل يوم ما عدا أيام الجمع وليس هذا فحسب بل إنه يعقد في بيته المجالس العلمية للإفتاء والتعليم وتوثيق العقود لا يقصد من وراءه سوى المثوبة من الله تعالى ولم تشغله أعماله الرسمية عن قضاء حاجات الناس كل هذا مع تواضع وحلم وصبر وتحمل فهو لا يثأر لنفسه ولا ينتقم من أحد، هذا شيء ملموس لكل أحد وإنه ليشكر على أعماله تلك التي سيلقاها موفورة له عند الله تعالى فنسأل الله أن يجبر المصاب بفقده ويحسن العزاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكانت وفاته عن عمر تجاوز السبعين رحمة الله عليك يا عبد اللطيف فُجعت بك الأمة ليلة رابع شوال ففقدت عالمًا وأي عالم كان يحنو على الضعفاء والمحتاجين وبيته بمثابة النادي العام لسائر الأمة من قادة الجميع ولا يتعالى ولا يتعاظم على أحد يؤمونه في كل وقت من ساعات الليل والنهار لقضاء حاجاتهم في كتابة عقود أنكحتهم ومبايعاتهم العقارية وفي استفتائه عن كيفية وتقسيم المواريث المعقدة فهو من أعظم البارعين في علم الفرائض وقسمة المواريث في هذا العصر ومهما كانت الأحوال والظروف فإن الأمة أصيبت به وبكاه رجال العلم وخلق حفه منابر الفضل ولا نطيل بذكره فشهرته أعظم من ذكره ولما خرجت روحه في تمام الساعة الثالثة والربع من ليلة السبت الموافق ٤/ ١٠وفقدت مدينة الرياض علمًا من أعلامها هرعت الأمة للصلاة عليه وتشييع جثمانه إلى مقره الأخير وحملوه على الأكتاف من الجامع الكبير إلى المقبرة وقد قيل أنه لم تحصل هذه الضجة خلف جنازة أحد في الرياض منذ ثلاث عشرة سنة إلا ما كان في تشييع جنازة الملك عبد العزيز ولما أن أقام صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز صلاة الجنازة على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم كان لهذا النبأ سمع في ملايين الخلق من هذه المملكة وما أحسن ما قيل: لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير بلى إن الرزية فقد حر ... يموت بموته بشر كثير وفيها في يوم الأحد ١٧ ذي القعدة وفاة الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عبد اللطيف أخي المفتي العام وأخي الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم المتقدم ﵀ وعفى عنه كان أسن أخوته وذا دين وعلم ومعرفة وله يد طولى في علم التاريخ وبين وفاته ووفاة أخيه عبد اللطيف شهر وثلاثة عشر يومًا فالله المستعان.
  • full passagepage 1794, entry [707]3,803 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في هذه السنة فجعت الأمة لوفاة رجال من ذوي المقدرة والشخصيات البارزة ونحن نذكرهم فنقول: صحيفة طويت من صفحات العالم. ففي الرابع من شهر شوال من هذه السنة وفاة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وعفى عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل التقي المتواضع الم
    ▸ expand full passage (3,803 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في هذه السنة فجعت الأمة لوفاة رجال من ذوي المقدرة والشخصيات البارزة ونحن نذكرهم فنقول: صحيفة طويت من صفحات العالم. ففي الرابع من شهر شوال من هذه السنة وفاة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وعفى عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل التقي المتواضع المحسن إلى خلق الله بعلمه وقلمه وجاهه الذي بكته أمة الإسلام وأبناء الشعب لقضائه الحاجات عبد اللطيف بن إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ المدير العام للمعاهد والكليات، ولد رحمة الله عليه في سنة (١٣١٥ هـ) فنشأ في طلب العلم وتعليم مبادئ علم الشريعة الطهرة والدين الحنيف على علماء نجد ثم تلقى العلم عن الشيخ عمه عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ محمد بن فارس والشيخ سعد بن عتيق كما أخذ علم الفرائض عن الشيخ عبد الله بن راشد بن جنعود العنزي وبرع في علم الفرائض وزامل الشيخ أخاه محمد بن إبراهيم وكان يحضر له الدروس وله معرفة بالعروض وله قصائد مشهورة وهو إلى ذلك كان ذكيًّا سمح الأخلاق رضي النفس وقد تولى في عهد المغفور له الملك عبد العزيز إدارة معهد إمام الدعوة فكان مرجعًا لأهل الرياض في الإصلاح بينهم لثقة الناس بإخلاصه وأمانته ثم أسندت إليه إدارة المعاهد والكليات فأدارها بحكمته نعم طويت تلك الصفحة الناصعة وانطمست تلك الحروف البارزة وانطفأت تلك الشمعة المنيرة فإنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الشيخ الذي عرفه طلاب العلم ورواد المعرفة يوم كان طلب العلم حَلقات في المساجد ثم امتدت هذه الحلقة الصغيرةالتي كانت تضم عشرات طلاب العلم بامتداد همة الشيخ عبد اللطيف حتى شملت أنحاء المملكة وظهرت آثارها في هذه النهضة العلمية التي تمثلت فيما أنتجته هذه المعاهد من شباب كان لهم أحسن الأثر في إدارة دفة الشؤون العامة عليمًا وإداريًّا وقضائيًّا سيذكرك الناس يا عبد اللطيف كذكرهم آباءهم لأنك الأب والموجه لهؤلاء فكم كربة لله كشفتها وكم مشكلة أزلتها وكم محنة فرجتها ولا غرابة فأنت سليل محمد بن عبد الوهاب الذي هز الدنيا في عصره ودعوته إلى توحيد رب العزة وما زالت صيحته تدوي في كل قُطر وستظل تدوي لأنها دعوة الحق، لقد كان الشيخ عبد اللطيف واحدًا من أحفاد إمام الدعوة الذين ضحوا بكل شيء في سبيل نشر العلم وكل الناس يعرفون مجالسه العلمية بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر وبعد صلاة المغرب كل يوم ما عدا أيام الجمع وليس هذا فحسب بل إنه يعقد في بيته المجالس العلمية للإفتاء والتعليم وتوثيق العقود لا يقصد من وراءه سوى المثوبة من الله تعالى ولم تشغله أعماله الرسمية عن قضاء حاجات الناس كل هذا مع تواضع وحلم وصبر وتحمل فهو لا يثأر لنفسه ولا ينتقم من أحد، هذا شيء ملموس لكل أحد وإنه ليشكر على أعماله تلك التي سيلقاها موفورة له عند الله تعالى فنسأل الله أن يجبر المصاب بفقده ويحسن العزاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكانت وفاته عن عمر تجاوز السبعين رحمة الله عليك يا عبد اللطيف فُجعت بك الأمة ليلة رابع شوال ففقدت عالمًا وأي عالم كان يحنو على الضعفاء والمحتاجين وبيته بمثابة النادي العام لسائر الأمة من قادة الجميع ولا يتعالى ولا يتعاظم على أحد يؤمونه في كل وقت من ساعات الليل والنهار لقضاء حاجاتهم في كتابة عقود أنكحتهم ومبايعاتهم العقارية وفي استفتائه عن كيفية وتقسيم المواريث المعقدة فهو من أعظم البارعين في علم الفرائض وقسمة المواريث في هذا العصر ومهما كانت الأحوال والظروف فإن الأمة أصيبت به وبكاه رجال العلم وخلق حفه منابر الفضل ولا نطيل بذكره فشهرته أعظم من ذكره ولما خرجت روحه في تمام الساعة الثالثة والربع من ليلة السبت الموافق ٤/ ١٠وفقدت مدينة الرياض علمًا من أعلامها هرعت الأمة للصلاة عليه وتشييع جثمانه إلى مقره الأخير وحملوه على الأكتاف من الجامع الكبير إلى المقبرة وقد قيل أنه لم تحصل هذه الضجة خلف جنازة أحد في الرياض منذ ثلاث عشرة سنة إلا ما كان في تشييع جنازة الملك عبد العزيز ولما أن أقام صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز صلاة الجنازة على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم كان لهذا النبأ سمع في ملايين الخلق من هذه المملكة وما أحسن ما قيل: لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير بلى إن الرزية فقد حر ... يموت بموته بشر كثير وفيها في يوم الأحد ١٧ ذي القعدة وفاة الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عبد اللطيف أخي المفتي العام وأخي الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم المتقدم ﵀ وعفى عنه كان أسن أخوته وذا دين وعلم ومعرفة وله يد طولى في علم التاريخ وبين وفاته ووفاة أخيه عبد اللطيف شهر وثلاثة عشر يومًا فالله المستعان.
  • full passagepage 1835, entry [729]10,500 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشَّيخ محمَّد بن فارس ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الشَّيخ الزَّاهد الورع ذو الأخلاق الطيبة محمَّد بن الشَّيخ أحمد بن فارس بن محمَّد بن رميح ولد عام (١٣١٥ هـ) توفي في يوم الأحد الموافق ١٦/ ٤ من هذه السنة عن عمر يناهز الثَّالثة والسبعين أخذ عن الشَّيخ عبد الله بن عبد
    ▸ expand full passage (10,500 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشَّيخ محمَّد بن فارس ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الشَّيخ الزَّاهد الورع ذو الأخلاق الطيبة محمَّد بن الشَّيخ أحمد بن فارس بن محمَّد بن رميح ولد عام (١٣١٥ هـ) توفي في يوم الأحد الموافق ١٦/ ٤ من هذه السنة عن عمر يناهز الثَّالثة والسبعين أخذ عن الشَّيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخذ عن الشَّيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وأخذ عن الشَّيخ ابن راشد، وأخذ عن الشَّيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشَّيخ محمَّد بن عبد اللطيف وأخذ عن الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشَّيخ، وكان ﵀ قد اشتغل مع والده الشَّيخ حمد في بيت المال للملك عبد العزيز كمساعد له فترة من الزمن لأنَّ الملك قد جعل والده إذ ذاك ثقةبه ولأنَّه يكون أحنى على الفقراء والمساكين ورغم اشتغال المترجم بذلك فإنَّه لم يمنعه ذلك عن طلب العلم ومزاحمة الطلاب في حلق الذكر وكان وجيهًا لدى الملك عبد العزيز وكثيرًا ما يقبل شفاعته ويحترمه وكان ذا أخلاق زكية ومناقب عليه يحب أهل الدين والصلاح ويميل إليهم ويؤثر عدم الخلطة ولقد اجتمعت به قبل وفاته بثلاث سنين لأسأله عن شيء من التَّاريخ في بيته الكائن في الرياض فوجدته مربوع القامة رزين العقل متواضعًا قد تأثرت قواه ونحل جسمه فأطلعني على تاريخ عظيم يظهر لي أنَّه من وضع الشَّيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى مؤرخ نجد وكان مجلدًا خطيًّا كبير الحجم عظيم النفع لم أره عند أحد سواه ولكنه لم يحرص على أن يطلع عليه كل أحد وحدد لي أن أطلع عليه ثلاثة أيَّام لا أقل ولا أكثر فتناولته مع الشكر وكنت أجلس في المسجد الذي إلى جانبه وأنقل من دُرره مغتنمًا الوقت القصير ورددته على شرطه جزاه الله خيرًا، وقد استفدتُ منه وقد حدثني الشَّيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي عن وجود هذا التَّاريخ أو هداني إليه حتَّى منّ الله بالاطلاع عليه بعد ما أقسم بالله على عدم استطاعته على أن يسلمه بيدي فشكر الله المترجم وأسبل عليه من وابل كرامته. وممن توفي فيها من الأعيان الشَّيخ أبو حبيب ﵀ وتجاوز عنه وهذه ترجمته: هو الشَّيخ العالم العامل السلفي عبد العزيز بن محمَّد بن عبد العزيز بن إبراهيم الشتري أبو ناصر من قبيلة بني تميم، ولد ﵀ في حوطة بني تميم (١٣٠٣ هـ) وتلقى العلم عن عدة مشائخ فمن أخذ عنه الشَّيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن راشد بن جلعود وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن حسن واشترك في عدة غزوات مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود كان فيها المجاهد بسيفه ولسانه ثم أن ولي القضاء لدى قحطان في الرين عام (١٣٣٦ هـ) فكان إلى جانب عمله في القضاء مرشدًا لهم ومدرسًا لحلقة من الطلاب تضم مجموعة كبيرة من الطلبة وكان قويًّا في دين الله في أمره ونهيه وله إقدام وشهامةتوقعه في أمور صعبة ولا تأخذه في الله لومة لائم ولديه نشاط في الدعوة إلى الله تعالى، وقد مكث في الرين لدى قبيلة قحطان ستًّا وثلاثين سنة قاضيًا ومصلحًا ومرشدًا ومفتيًا ولطول المدة التي مكثها بين البادية فإنَّه تأثر بأخلاقهم في التقشف وخشونة العيش والكلام والهيئة واللباس سوى أنَّه كان لا يعتم بالعمامة وفيه جراءة وقلة مداراة وعدم تؤدة غالبًا والله يغفر له لأنَّها عنصر أهل الحوطة الذين تفوقوا بالشدة لذلك فإنَّه يظهر دينه في مخاطباته للملوك والأمراء والأمة ولا يداري أحدًا كائنًا من كان مع قوة وشجاعة عديمة النظير وكانت الأمراء والرؤساء لما يعرفون من حسن نيته يتحملون منه ويغتفرون ما قد يصدر منه لغيرته الدينية وفي عام (١٣٧٢ هـ) نقل إلى الرياض للتدريس وذلك لرغبته منه لأنَّها كلت قواه فجعل مدرسًا في معهد إمام الدعوة وفي المساجد بعد الظهر والعصر والمغرب وقام بطبع كتب نفيسة منها الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشَّيطان لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، ومختصر شعب الإيمان، وألف رسائل مختصرة وطبعها على حسابه الخاص في معرفة ثلاثة الأصول والتوحيد وأبدى عذره في تأليفها، ولقد وافيته مرَّة بمنى في أحد أيَّام التشريق فبينما هو جالس إذ دخل عليه أمير من أمراء البادية وكان شابًّا ضخمًا فسلم عليه ثم جلس أمامه يقلب سبحته وكان إلى جانب ذلك متكبرًا فاغتفله الشَّيخ وأخذ بالسبحة ورمى بها خارج الخيمة في الشارع بشدة وقال بعدما انتهره والله إن أباك رجل طيب كأنه لا يرضى له بالسبحة فخجل الرجل وسكت وبينما هو نائم بعد صلاة الظهر في الحرم المكيِّ الشريف في الجهة الجنوبية في يوم شديد الحر من شهر رمضان المبارك إذ أقبل أفراد الشرطة ينبهون النوام في أروقة المسجد الحرام فاستوى جالسًا وقال لم توقظون هؤلاء الصوام فإنَّه لا بأس في النوم في المساجد فقد أقره رسول الله ﷺ ورخص فيه فأجاب الجندي بأن الضابط بعثه لذلك فقال له إن كنت لا تعرف إلَّا الضابط فإني أعرف إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز وأعرف ولي عهده ثم ألقى بوسادته الكبيرة على الأرض ونام هو ومنحوالي الجهة الجنوبية فلم يتعرض لتلك الجهة أحد للتشويش فكان المسلمون ينتابون الجهة الجنوبية وكان محسنًا إلى الفقراء والمساكين ويواسيهم ويصلهم، كما أنَّه يصل القرابة ويحن على الفقراء، ولديه كرم ومن خصائصه أنَّه يعد التمر صباحًا واللبن فمن جاء إليه فإنَّه يتناول التمر ويصب له اللبن ويقول خذ صبوحك وقد ظل يوالي وعظه وإرشاده بنشاط وقوة عزيمة ووفق في زمان كانت الظروف تساعده لأنَّ حكومتنا لا تزال جادة في نصرة الدين وأهله وتشد من عزمهم رغم تيارات الأهواء واندفاع النفوس إلى ما يلائمها إلَّا من شاء الله ويلوم من يأمره باللين والرفق ويرى أن ذلك من المداهنة في دين الله وكثيرًا ما يتصل برئيس الهيئات العام عمر بن حسن آل الشَّيخ ويرفع إليه أمور الخنا إذا لم يستطع بنفسه إزالتها، كما أن هيئة الحسبة كانوا يجلونه ويشدون أزره ويبتدرون لأمره وقد تخرج على يديه طلاب كثيرون منهم الشَّيخ عبد الرحمن بن فريان وعبد الله بن جبرين وعبد الرحمن بن مقرن. وكان إلى ذلك ينشر الدعوة إلى الله تعالى ويحث على الاستقامة وكان يديم الحج والعمرة ولما أن كان في أواخر شعبان من هذه السنة ذهب لأداء العمرة في شهر رمضان كعادته وكان ذهابه على أثر مرض ألَمَّ به لأنَّ الشيخوخة قد أرهقته ولما أن قدم إلى مكة المشرفة اشتدت عليه وطأة المرض فعاد إلى الرياض فلما أن علم الملك فيصل ﵀ بمرض أمر بسفره للعلاج في لندن ولما أن سار للعلاج لم تمهله المنية وفاضت روحه إلى بارئها ﵀ وعفا عنه وقد حدثني نجله ناصر بن عبد العزيز فإنَّه لما كان في غمرات الموت وسكراته قال له أعطني الملك فيصل لأكلمه قال فناولته التلفون غير أني حبست الحرارة فقال: يا فصيل اتق الله في الرعية وأحسن إلى من استرعاك الله عليهم ثم تشهد وقضى نحبه، لما أن توفي نقل جثمانه بطائرة لأنَّه أوصى بأن يدفن في مقابر المسلمين ولتسهل زيارته في بلده الرياض وكان له عقب حسن وكان إلى جانبه في المرض الشَّيخ محمَّد بن عبد العزيز المطبوع من أهالي عنيزة، دفن هناك في لندن لأنَّه أوصى أن يدفن في البلد التي يموتفيها إن كان فيها مقابر للمسلمين فدفن كما سيأتي وأمَّا المترجم فإنَّه حسب وصيّته ورغبته نفذت وحمل جثمانه بطائرة إلى الرياض حيث دفن فيها عن عمر يناهز الثَّالثة والثمانين وكانت وفاته ليلة ١٧ من رمضان المبارك الموافق للاثنين من هذه السنة وصلى عليه في الرياض جمع غير على رأسهم جلالة الملك فيصل وأقيمت عليه صلاة الغائب في مدن وقرى المملكة ﵀. ولما بلغت وصيّته الملك فيصل بكى وترحم عليه وقال: ذهب الصادقون وقد رثاه العالم الأديب الشَّيخ محمَّد بن عبد العزيز بن هليل بهذه القصيدة: فيض الدموع على الخدين مسكوب ... يهمي غزيرًا كما تهمى الشآبيب والقلب من لاذع الأشجان متقد ... والطرف عنه لذيذ النوم محجوب لفادح الخطب أنباء مروعة ... لها إلى الأرض تشريق وتغريب رحيل أهل التقى والعلم فاجعة ... ورزء به عالم الدنياء منكوب أئمة جاهدوا في الله واجتهدوا ... حقًّا وما صدهم وهن وتأنيب كواكب في سما العرفان ثاقبة ... تهدي الورى وظلام الشر غربيب أنس مجالسهم يلقى مجالسهم ... خير الفوائد إن الخير مرغوب منهم أديب أريب عالم علم ... في راسخ الجد والأخلاق محسوب الشَّيخ عبد العزيز الفذِّ ذو ورع ... نعم التقى بخير الذكر مصحوب أبو حبيب حبيب في سجيته ... محقق فاضل في الله محبوب مناصح ناصح في المسلمين له ... لدى المحافل ترغيب وترهيب من الأولى عمرو الأوقات فازدهرت ... فالوقت حفظ وأعمال وترتيب لله يدعو وذا في الدين مفترض ... على البصيرة والإخلاص مطلوب لحكمة الوعظ والتذكير أسلوب ... كم حسن وعظ به تجدي الأساليب سليم قلب كما دلت شمائله ... منها الصراحة والوجدان والطيب سمح كريم متى يزره زائره ... يلقَ الندا ومكانًا فيه ترحيببمثله عمرت مساجد فزهت ... بالعلم فيها وبالذكر المحاريب لله قلب قوي العزم متكل ... على الإله سعيد الحظ موهوب صافي العقيدة فالوحيان منهجه ... نور ورشد وفرقان وتهذيب جادت ثرى حل في أحضانه وثرى ... من رحمة الراحم المولى شأبيب والموت حق ومحتوم له أجل ... وكل شيء بحكم الله مكتوب والكل فإن سوى الرحمن خالقنا ... فأمره غالب والخلق مغلوب جبر المصاب وحسن في العزاء به ... إليه يلجأ ملهوف ومكروب ناه آه نوح والخليل كذا ... نادى الكليم وذو النون وأيوب وكل داعٍ دعاه واستغاث به ... يرجو ويخشى وهول الخطب مرهوب وخاتم الأنبياء عند الإله له ... أعلى المقام وما بالحق تكذيب صَلَّى عليه وكل الأنبياء ومن ... لهديه اتبعوا ما انهل مسكوب إن هذا العالم قد تأثر لوفاة المترجم فجادت قريحته بهذه الأبيات التي أبدت الأسف الشديد لوفاته لما كان يعلم عنه من مقامات قامها لله وفي طلب مرضاته. أما عن صفاته الخَلقية فكان طوالًا، قليل اللحم قويًّا كريمًا مبذالًا، يحرص على إطعام كل من قصده ولو كان من التمر واللبن، فكان يصب في تلك الأواني من اللبن ويناول بيده قائلًا خذ صبوحك، وله قوة عزيمة وقلة مداراة غالبًا والله يغفر له ومع هذا فكان له قبول بين الأمة، فكان علماء آل الشَّيخ كثيرًا ما ينتدبونه لحل مشاكل البادية والقرى والوعظ والإرشاد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يداري أحدًا كائنًا من كان مع تفقد المتخلفين عن حضور الصلوات في الجماعة، ويكثر المشي على قدميه كعادة العربي وله لحية كثة وله هيبة في القلوب بتأييد من حكومتنا التي لا تزال جادة في تأييد القائمين بشريعة سيد المرسلين وله إقدام وشجاعة فكان يذهب إلى المجامع السيئة ويشتت أهلها ويقطب في وجوههم ويناصح الملوك ويحثهم على القيام كما أوجب الله عليهم ولا يداهن في دينه.وفيها في ١٨/ ٧ أعني رجب وفاة الشَّيخ محمَّد بن عبد العزيز المطبوع من أهالي عنيزة، وكان قد سافر إلى لندن لما اشتدّ به مرض الضغط وأتعبه فتوفي هناك ودفن لأنَّه أوصى أن يدفن في بلده الذي مات فيه إن كان هناك مقابر للمسلمين وقد تولى عدة وظائف في القضاء في عنيزة وغيرها وقد تولى التدريس في المساجد وفي المدرسة العزيزية بعنيزة وصلى عليه في سائر المملكة. أخذ الشَّيخ العِلم عن الشَّيخ عمر بن محمَّد بن سليم وعن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن مانع وعن الشَّيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي وغيرهم، وتخرج عليه عدة من التلاميذ وكان موصوفًا بالدين ومعرفة العقيدة رحمة الله عليه. وفيها وفاة شاعر لبنان بشارة الخوري، وهو: بشارة بن عبد الله الخوري ولد في (١٨٨٥ م) في بيروت وهو أصلًا من بلدة أهج في بلاد جبيل جاء والداه إلى بيروت وكان طبيبًا على مذهب ابن سينا فسكن في محلة الرميلة وبدأ المترجم دروسه في مدرسة مطرانية الروم الأرثوذوكس ثم أكملها في مدرسة الحكمة، بويع أميرًا للشعراء سنة (١٩٦١ م) في مهرجان كبير اشتركت فيه وفود عن البلاد العربيَّة ومارس الصحافة وقال الشعر فأنشأ سنة (١٩٠٨ م) جريدة البرق وبقي يحررها سنوات عدة وكانوا يسمونه الأخطل الصَّغير، ثم ذهب إلى بغداد للاشتراك في حفلة تأبين الملك فيصل بن الحسين حيث ألقى قصيدة مشهورة أغضبت سلطات الانتداب فعطلت جريدة البرق وفي عهد جريدة البرق انتدب الخوري نقيبًا للصحفيين وكانت مكاتب ملتقى لكبار أدباء العربيَّة وشعرائها وكانت جريدة البرق صوت لبنان المناضل يلتف حولها رجالاته من سياسيين وأدباء يعقدون فيها مجالسهم فيراقبون مصائر البلاد ويحاسبون حكامها حسابًا عسيرًا وكان أهل لبنان يعظمونه ويترحمون عليه بعد وفاته ويصفونه بأنه أديب ولا يعرف المجاملة أو التصنع، ولما توفي قالت إحدى صحف لبنان فيه مات أمير الشعراء الأخطل انطفأت جذوة الحياة فيمن أوقد طيلة حياته ويوقد بعد مماته جذوة الحياة في النفوس الطامحة سكت القلب الذي حرك القلوب وترك فيها .. إلخ أما عن الحقيقة فهو ملحد زنديق نصراني وهو الذي يقول:فقد مزقت هذي المذاهب شملنا ... وقد حطمتنا بين ناب ومنسم بلادك غريبة قدمها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صُمِ سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم
  • full passagepage 1835, entry [729]10,500 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشَّيخ محمَّد بن فارس ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الشَّيخ الزَّاهد الورع ذو الأخلاق الطيبة محمَّد بن الشَّيخ أحمد بن فارس بن محمَّد بن رميح ولد عام (١٣١٥ هـ) توفي في يوم الأحد الموافق ١٦/ ٤ من هذه السنة عن عمر يناهز الثَّالثة والسبعين أخذ عن الشَّيخ عبد الله بن عبد
    ▸ expand full passage (10,500 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم الشَّيخ محمَّد بن فارس ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الشَّيخ الزَّاهد الورع ذو الأخلاق الطيبة محمَّد بن الشَّيخ أحمد بن فارس بن محمَّد بن رميح ولد عام (١٣١٥ هـ) توفي في يوم الأحد الموافق ١٦/ ٤ من هذه السنة عن عمر يناهز الثَّالثة والسبعين أخذ عن الشَّيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخذ عن الشَّيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وأخذ عن الشَّيخ ابن راشد، وأخذ عن الشَّيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشَّيخ محمَّد بن عبد اللطيف وأخذ عن الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشَّيخ، وكان ﵀ قد اشتغل مع والده الشَّيخ حمد في بيت المال للملك عبد العزيز كمساعد له فترة من الزمن لأنَّ الملك قد جعل والده إذ ذاك ثقةبه ولأنَّه يكون أحنى على الفقراء والمساكين ورغم اشتغال المترجم بذلك فإنَّه لم يمنعه ذلك عن طلب العلم ومزاحمة الطلاب في حلق الذكر وكان وجيهًا لدى الملك عبد العزيز وكثيرًا ما يقبل شفاعته ويحترمه وكان ذا أخلاق زكية ومناقب عليه يحب أهل الدين والصلاح ويميل إليهم ويؤثر عدم الخلطة ولقد اجتمعت به قبل وفاته بثلاث سنين لأسأله عن شيء من التَّاريخ في بيته الكائن في الرياض فوجدته مربوع القامة رزين العقل متواضعًا قد تأثرت قواه ونحل جسمه فأطلعني على تاريخ عظيم يظهر لي أنَّه من وضع الشَّيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى مؤرخ نجد وكان مجلدًا خطيًّا كبير الحجم عظيم النفع لم أره عند أحد سواه ولكنه لم يحرص على أن يطلع عليه كل أحد وحدد لي أن أطلع عليه ثلاثة أيَّام لا أقل ولا أكثر فتناولته مع الشكر وكنت أجلس في المسجد الذي إلى جانبه وأنقل من دُرره مغتنمًا الوقت القصير ورددته على شرطه جزاه الله خيرًا، وقد استفدتُ منه وقد حدثني الشَّيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي عن وجود هذا التَّاريخ أو هداني إليه حتَّى منّ الله بالاطلاع عليه بعد ما أقسم بالله على عدم استطاعته على أن يسلمه بيدي فشكر الله المترجم وأسبل عليه من وابل كرامته. وممن توفي فيها من الأعيان الشَّيخ أبو حبيب ﵀ وتجاوز عنه وهذه ترجمته: هو الشَّيخ العالم العامل السلفي عبد العزيز بن محمَّد بن عبد العزيز بن إبراهيم الشتري أبو ناصر من قبيلة بني تميم، ولد ﵀ في حوطة بني تميم (١٣٠٣ هـ) وتلقى العلم عن عدة مشائخ فمن أخذ عنه الشَّيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن راشد بن جلعود وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن حسن واشترك في عدة غزوات مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود كان فيها المجاهد بسيفه ولسانه ثم أن ولي القضاء لدى قحطان في الرين عام (١٣٣٦ هـ) فكان إلى جانب عمله في القضاء مرشدًا لهم ومدرسًا لحلقة من الطلاب تضم مجموعة كبيرة من الطلبة وكان قويًّا في دين الله في أمره ونهيه وله إقدام وشهامةتوقعه في أمور صعبة ولا تأخذه في الله لومة لائم ولديه نشاط في الدعوة إلى الله تعالى، وقد مكث في الرين لدى قبيلة قحطان ستًّا وثلاثين سنة قاضيًا ومصلحًا ومرشدًا ومفتيًا ولطول المدة التي مكثها بين البادية فإنَّه تأثر بأخلاقهم في التقشف وخشونة العيش والكلام والهيئة واللباس سوى أنَّه كان لا يعتم بالعمامة وفيه جراءة وقلة مداراة وعدم تؤدة غالبًا والله يغفر له لأنَّها عنصر أهل الحوطة الذين تفوقوا بالشدة لذلك فإنَّه يظهر دينه في مخاطباته للملوك والأمراء والأمة ولا يداري أحدًا كائنًا من كان مع قوة وشجاعة عديمة النظير وكانت الأمراء والرؤساء لما يعرفون من حسن نيته يتحملون منه ويغتفرون ما قد يصدر منه لغيرته الدينية وفي عام (١٣٧٢ هـ) نقل إلى الرياض للتدريس وذلك لرغبته منه لأنَّها كلت قواه فجعل مدرسًا في معهد إمام الدعوة وفي المساجد بعد الظهر والعصر والمغرب وقام بطبع كتب نفيسة منها الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشَّيطان لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، ومختصر شعب الإيمان، وألف رسائل مختصرة وطبعها على حسابه الخاص في معرفة ثلاثة الأصول والتوحيد وأبدى عذره في تأليفها، ولقد وافيته مرَّة بمنى في أحد أيَّام التشريق فبينما هو جالس إذ دخل عليه أمير من أمراء البادية وكان شابًّا ضخمًا فسلم عليه ثم جلس أمامه يقلب سبحته وكان إلى جانب ذلك متكبرًا فاغتفله الشَّيخ وأخذ بالسبحة ورمى بها خارج الخيمة في الشارع بشدة وقال بعدما انتهره والله إن أباك رجل طيب كأنه لا يرضى له بالسبحة فخجل الرجل وسكت وبينما هو نائم بعد صلاة الظهر في الحرم المكيِّ الشريف في الجهة الجنوبية في يوم شديد الحر من شهر رمضان المبارك إذ أقبل أفراد الشرطة ينبهون النوام في أروقة المسجد الحرام فاستوى جالسًا وقال لم توقظون هؤلاء الصوام فإنَّه لا بأس في النوم في المساجد فقد أقره رسول الله ﷺ ورخص فيه فأجاب الجندي بأن الضابط بعثه لذلك فقال له إن كنت لا تعرف إلَّا الضابط فإني أعرف إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز وأعرف ولي عهده ثم ألقى بوسادته الكبيرة على الأرض ونام هو ومنحوالي الجهة الجنوبية فلم يتعرض لتلك الجهة أحد للتشويش فكان المسلمون ينتابون الجهة الجنوبية وكان محسنًا إلى الفقراء والمساكين ويواسيهم ويصلهم، كما أنَّه يصل القرابة ويحن على الفقراء، ولديه كرم ومن خصائصه أنَّه يعد التمر صباحًا واللبن فمن جاء إليه فإنَّه يتناول التمر ويصب له اللبن ويقول خذ صبوحك وقد ظل يوالي وعظه وإرشاده بنشاط وقوة عزيمة ووفق في زمان كانت الظروف تساعده لأنَّ حكومتنا لا تزال جادة في نصرة الدين وأهله وتشد من عزمهم رغم تيارات الأهواء واندفاع النفوس إلى ما يلائمها إلَّا من شاء الله ويلوم من يأمره باللين والرفق ويرى أن ذلك من المداهنة في دين الله وكثيرًا ما يتصل برئيس الهيئات العام عمر بن حسن آل الشَّيخ ويرفع إليه أمور الخنا إذا لم يستطع بنفسه إزالتها، كما أن هيئة الحسبة كانوا يجلونه ويشدون أزره ويبتدرون لأمره وقد تخرج على يديه طلاب كثيرون منهم الشَّيخ عبد الرحمن بن فريان وعبد الله بن جبرين وعبد الرحمن بن مقرن. وكان إلى ذلك ينشر الدعوة إلى الله تعالى ويحث على الاستقامة وكان يديم الحج والعمرة ولما أن كان في أواخر شعبان من هذه السنة ذهب لأداء العمرة في شهر رمضان كعادته وكان ذهابه على أثر مرض ألَمَّ به لأنَّ الشيخوخة قد أرهقته ولما أن قدم إلى مكة المشرفة اشتدت عليه وطأة المرض فعاد إلى الرياض فلما أن علم الملك فيصل ﵀ بمرض أمر بسفره للعلاج في لندن ولما أن سار للعلاج لم تمهله المنية وفاضت روحه إلى بارئها ﵀ وعفا عنه وقد حدثني نجله ناصر بن عبد العزيز فإنَّه لما كان في غمرات الموت وسكراته قال له أعطني الملك فيصل لأكلمه قال فناولته التلفون غير أني حبست الحرارة فقال: يا فصيل اتق الله في الرعية وأحسن إلى من استرعاك الله عليهم ثم تشهد وقضى نحبه، لما أن توفي نقل جثمانه بطائرة لأنَّه أوصى بأن يدفن في مقابر المسلمين ولتسهل زيارته في بلده الرياض وكان له عقب حسن وكان إلى جانبه في المرض الشَّيخ محمَّد بن عبد العزيز المطبوع من أهالي عنيزة، دفن هناك في لندن لأنَّه أوصى أن يدفن في البلد التي يموتفيها إن كان فيها مقابر للمسلمين فدفن كما سيأتي وأمَّا المترجم فإنَّه حسب وصيّته ورغبته نفذت وحمل جثمانه بطائرة إلى الرياض حيث دفن فيها عن عمر يناهز الثَّالثة والثمانين وكانت وفاته ليلة ١٧ من رمضان المبارك الموافق للاثنين من هذه السنة وصلى عليه في الرياض جمع غير على رأسهم جلالة الملك فيصل وأقيمت عليه صلاة الغائب في مدن وقرى المملكة ﵀. ولما بلغت وصيّته الملك فيصل بكى وترحم عليه وقال: ذهب الصادقون وقد رثاه العالم الأديب الشَّيخ محمَّد بن عبد العزيز بن هليل بهذه القصيدة: فيض الدموع على الخدين مسكوب ... يهمي غزيرًا كما تهمى الشآبيب والقلب من لاذع الأشجان متقد ... والطرف عنه لذيذ النوم محجوب لفادح الخطب أنباء مروعة ... لها إلى الأرض تشريق وتغريب رحيل أهل التقى والعلم فاجعة ... ورزء به عالم الدنياء منكوب أئمة جاهدوا في الله واجتهدوا ... حقًّا وما صدهم وهن وتأنيب كواكب في سما العرفان ثاقبة ... تهدي الورى وظلام الشر غربيب أنس مجالسهم يلقى مجالسهم ... خير الفوائد إن الخير مرغوب منهم أديب أريب عالم علم ... في راسخ الجد والأخلاق محسوب الشَّيخ عبد العزيز الفذِّ ذو ورع ... نعم التقى بخير الذكر مصحوب أبو حبيب حبيب في سجيته ... محقق فاضل في الله محبوب مناصح ناصح في المسلمين له ... لدى المحافل ترغيب وترهيب من الأولى عمرو الأوقات فازدهرت ... فالوقت حفظ وأعمال وترتيب لله يدعو وذا في الدين مفترض ... على البصيرة والإخلاص مطلوب لحكمة الوعظ والتذكير أسلوب ... كم حسن وعظ به تجدي الأساليب سليم قلب كما دلت شمائله ... منها الصراحة والوجدان والطيب سمح كريم متى يزره زائره ... يلقَ الندا ومكانًا فيه ترحيببمثله عمرت مساجد فزهت ... بالعلم فيها وبالذكر المحاريب لله قلب قوي العزم متكل ... على الإله سعيد الحظ موهوب صافي العقيدة فالوحيان منهجه ... نور ورشد وفرقان وتهذيب جادت ثرى حل في أحضانه وثرى ... من رحمة الراحم المولى شأبيب والموت حق ومحتوم له أجل ... وكل شيء بحكم الله مكتوب والكل فإن سوى الرحمن خالقنا ... فأمره غالب والخلق مغلوب جبر المصاب وحسن في العزاء به ... إليه يلجأ ملهوف ومكروب ناه آه نوح والخليل كذا ... نادى الكليم وذو النون وأيوب وكل داعٍ دعاه واستغاث به ... يرجو ويخشى وهول الخطب مرهوب وخاتم الأنبياء عند الإله له ... أعلى المقام وما بالحق تكذيب صَلَّى عليه وكل الأنبياء ومن ... لهديه اتبعوا ما انهل مسكوب إن هذا العالم قد تأثر لوفاة المترجم فجادت قريحته بهذه الأبيات التي أبدت الأسف الشديد لوفاته لما كان يعلم عنه من مقامات قامها لله وفي طلب مرضاته. أما عن صفاته الخَلقية فكان طوالًا، قليل اللحم قويًّا كريمًا مبذالًا، يحرص على إطعام كل من قصده ولو كان من التمر واللبن، فكان يصب في تلك الأواني من اللبن ويناول بيده قائلًا خذ صبوحك، وله قوة عزيمة وقلة مداراة غالبًا والله يغفر له ومع هذا فكان له قبول بين الأمة، فكان علماء آل الشَّيخ كثيرًا ما ينتدبونه لحل مشاكل البادية والقرى والوعظ والإرشاد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يداري أحدًا كائنًا من كان مع تفقد المتخلفين عن حضور الصلوات في الجماعة، ويكثر المشي على قدميه كعادة العربي وله لحية كثة وله هيبة في القلوب بتأييد من حكومتنا التي لا تزال جادة في تأييد القائمين بشريعة سيد المرسلين وله إقدام وشجاعة فكان يذهب إلى المجامع السيئة ويشتت أهلها ويقطب في وجوههم ويناصح الملوك ويحثهم على القيام كما أوجب الله عليهم ولا يداهن في دينه.وفيها في ١٨/ ٧ أعني رجب وفاة الشَّيخ محمَّد بن عبد العزيز المطبوع من أهالي عنيزة، وكان قد سافر إلى لندن لما اشتدّ به مرض الضغط وأتعبه فتوفي هناك ودفن لأنَّه أوصى أن يدفن في بلده الذي مات فيه إن كان هناك مقابر للمسلمين وقد تولى عدة وظائف في القضاء في عنيزة وغيرها وقد تولى التدريس في المساجد وفي المدرسة العزيزية بعنيزة وصلى عليه في سائر المملكة. أخذ الشَّيخ العِلم عن الشَّيخ عمر بن محمَّد بن سليم وعن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن مانع وعن الشَّيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي وغيرهم، وتخرج عليه عدة من التلاميذ وكان موصوفًا بالدين ومعرفة العقيدة رحمة الله عليه. وفيها وفاة شاعر لبنان بشارة الخوري، وهو: بشارة بن عبد الله الخوري ولد في (١٨٨٥ م) في بيروت وهو أصلًا من بلدة أهج في بلاد جبيل جاء والداه إلى بيروت وكان طبيبًا على مذهب ابن سينا فسكن في محلة الرميلة وبدأ المترجم دروسه في مدرسة مطرانية الروم الأرثوذوكس ثم أكملها في مدرسة الحكمة، بويع أميرًا للشعراء سنة (١٩٦١ م) في مهرجان كبير اشتركت فيه وفود عن البلاد العربيَّة ومارس الصحافة وقال الشعر فأنشأ سنة (١٩٠٨ م) جريدة البرق وبقي يحررها سنوات عدة وكانوا يسمونه الأخطل الصَّغير، ثم ذهب إلى بغداد للاشتراك في حفلة تأبين الملك فيصل بن الحسين حيث ألقى قصيدة مشهورة أغضبت سلطات الانتداب فعطلت جريدة البرق وفي عهد جريدة البرق انتدب الخوري نقيبًا للصحفيين وكانت مكاتب ملتقى لكبار أدباء العربيَّة وشعرائها وكانت جريدة البرق صوت لبنان المناضل يلتف حولها رجالاته من سياسيين وأدباء يعقدون فيها مجالسهم فيراقبون مصائر البلاد ويحاسبون حكامها حسابًا عسيرًا وكان أهل لبنان يعظمونه ويترحمون عليه بعد وفاته ويصفونه بأنه أديب ولا يعرف المجاملة أو التصنع، ولما توفي قالت إحدى صحف لبنان فيه مات أمير الشعراء الأخطل انطفأت جذوة الحياة فيمن أوقد طيلة حياته ويوقد بعد مماته جذوة الحياة في النفوس الطامحة سكت القلب الذي حرك القلوب وترك فيها .. إلخ أما عن الحقيقة فهو ملحد زنديق نصراني وهو الذي يقول:فقد مزقت هذي المذاهب شملنا ... وقد حطمتنا بين ناب ومنسم بلادك غريبة قدمها على كل ملة ... ومن أجلها أفطر ومن أجلها صُمِ سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم
  • full passagepage 1880, entry [756]12,700 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في ذمة الله تنعى الملكة السعودية رجلًا من دعاة الخير وهو عبد الله بن محمد القرعاوي ذلك الرجل الداعية إلى دين الله وشريعة رسوله وقام بأعمال في جنوبي الملكة يدعو سكان تلك الجهات إلى توحيد الله ولقد بث دعوة في عسير وما يلي تلك الجهات وفتح مدارس ونشر دعوته هناك فظهر له تلامذة
    ▸ expand full passage (12,700 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في ذمة الله تنعى الملكة السعودية رجلًا من دعاة الخير وهو عبد الله بن محمد القرعاوي ذلك الرجل الداعية إلى دين الله وشريعة رسوله وقام بأعمال في جنوبي الملكة يدعو سكان تلك الجهات إلى توحيد الله ولقد بث دعوة في عسير وما يلي تلك الجهات وفتح مدارس ونشر دعوته هناك فظهر له تلامذة كثيرون ومن هؤلاء الشاب العالم الأديب حافظ بن أحمد حكمي وكان لدعوته تأثير عظيم. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم المعلم الموفق الداعي إلى الله تعالى عبد الله بن محمد بن حمدبن محمد بن عثمان بن علي بن محمد بن نجيد، ولد في ١١ ذي الحجة (١٣١٥ هـ) كان محمد بن نجيد في عنيزة بالجناح ثم باع أملاكه بعنيزة واشترى بدلها أملاكًا في القرعا وجاور أهلها وكان يسمى فيها ابن نجيد وكذلك أولاده وأولاد أولاده ثم أنه انتقل حمد بن محمد جد المترجم إلى عنيزة وكان لا يعرف إلا بابن نجد وذلك في مكاتباته وأسانيده فلما بنى بيوته في عنيزة وغرس نخله المشهور بالقرعاوية لقب بالقرعاوي لقبًا بلفظ النسب ولكن في المكاتبات والأسانيد كان يكتب (ابن نجيد) فلما وقعت حرب عنيزة قلع الأشجار والنخل وباع الأرض والبئر وانتقل إلى جنوب بريدة وغرس تحله المشهور الآن بالفيضة. قال المترجم وهي ملكنا حتى الآن وبقيت بيوته وأولاده في عنيزة وهناك فروع لآل نجيد غيرهم كثيرون في عنيزة وبريدة والبكيرية والخبراء والبدايع وفي بغداد والشام لأن أجداد المترجم كانوا دائمًا يسافرون إلى بغداد وإلى الشام وحلب جمالين يحملون البضائع من هناك ولم يشتهر أحد منهم بالقرعاوي إلا جد المترجم حمد المحمد لما ذكرنا آنفًا وفي عنيزة حمد العلي القرعاوي وإخوانه صالح وعبد الله وذريتهم أهل بيت كل واحد منهم يطلق عليه لقب القرعاوي، وهم منتقلون من القرعاء ولكنهم ليسوا من آل نجيد بل يرجعون إلى آل المطوع وأولئك آل نجيد وكان حمد جد المؤلف أولًا فلاحًا بالقرعاء ثم جمالًا ببغداد ثم في حلب ثم فلاحًا بعنيزة ثم فلاحًا بالجنوب ثم توفي في شهر رمضان سنة (١٣١٥ هـ) بعد أن مرض بالفالج وبقي على فراش المرض أربع سنين. وفي تلك السنة أيضًا توفي والد المترجم محمد بن حمد ولما أن كان بعد وفاة والده بشهرين تقريبًا ولد المترجم في ١١ ذي الحجة (١٣١٥ هـ) فنشأ اليتيم في عنيزة مسقط رأسه وقام بتربيته والدته وعمه عبد العزيز بن حمد وتأيمت والدته عن الزواج لرعايته فأدخل على مقرى في عنيزة ثم أنه أخذ في طلب العلم وكان دائب الحركة خفيف الروح نشيطًا وتبدو في ملامحه إمارات الرضا والغبطة ويقول طلب العلم من المهد إلى اللحد ويتحدث أنه مع شبيبته لا يستنكف من تلقي دروس الحساب والخط مع صغار التلاميذ في مدرسة الأستاذ إبراهيم حلواني في مكة المشرفة.وهذه صفته كان متواضعًا بشوشًا ربعة أصفر اللون مستطيل الوجه أقنى الأنف ناتئ الجبهة أزج الحواجب أقرنها غير واسع العينين وقد رأيته في العقد السابع من العمر وقد وخطة الشيب في عارضيه ولحيته أخذ العلم عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ وأخذ عن الشيخ عبد الله بن مانع في عنيزة وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان القاضي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان القاضي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وذهب إلى الهند وهو كبير السن لاستكمال الدراسة ورحل إلى الأحساء فأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن بشر وذهب إلى المجمعة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز القنقوي وكان في رحلته إلى الهند وإقامته هناك قد بلغه مرض والدته فرجع لذلك لأنها طلبت حضوره ولكنها توفيت قبل وصوله فرجع إلى الهند للمرة الثانية ليأخذ عن علماء الحديث هناك ثم رجع وكرر الدراسة على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وعرض عليه في سنة (١٣٥٧ هـ) إدارة مدرسة المجمعة ثم عرض عليه إدارة مدرسة بريدة وعرض عليه أن يكون مدرسًا في عنيزة وفي دار الحديث بمكة وأن يكون إمامًا في أحد مساجدها فأبى وعزفت نفسه عن الوظائف أيًا كانت أهلية أو حكومية وفضل أن يكون داعية إلى الله وإلى سبيله وأصبح كذلك بصفة لا يشاركه فيها أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بيده وله هيبة عند من يراه متخلفًا عن الصلاة أو امرأة متبرجة ويقول إني أستطيع أن أغير المنكر بيدي وله مكانة عند الناس ولما أن كان في اليوم العشرين من شهر صفر سنة (١٣٥٨ هـ) توجه إلى جيزان وأخذ منه بضاعة وتوجه إلى سامطة فنزل دكانًا فيها وجعل يبيع ويعلم فيه وكان ذلك الدكان أول مدرسة فتحها ثم استمر في فتح المدارس في تلك الجهات في سامطة والجرادية وسائر أبها وبيشة وفيفا والدرب وجيزان وصبيا ولما أن كان في سنة (١٣٥٩ هـ) ذهب إلى مكة فاستحصل كتبًا كثيرة في الحديث والتفسير والتوحيد والأحكام ثم توجه بها إلى جيزان وذلك في ١٨ صفر وذهب إلى سامطة فبنى مدرسة في بيتناصر خلوفه وهي من الخشب والجريد والحبال والحشيش واتخذ للكتب خزانة ولما أن قدم خالد بن أحمد السديري أميرًا على جيزان قدم على القرعاوي طلاب علم وطلب منه أهل مخلاف أن يتجول في جهاتهم لنشر الدعوة فذهب وكبار تلامذته يعظون ويرشدون ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكان هو الموجه للدعوة يبني لتلامذته طريقة التيسر والرفق واللين والبصيرة والبعد عن العنف والشدة والتعسير والتنفير وهذا ما أمر الرسول ﵊ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل لما بعثهما إلى اليمن بأن قال لهما "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" ولما تجول هو وتلامذته أزالوا هناك أمورًا من البدع المخالفة للشرع من تعظيم القبور والأشجار والأحجار وفر أناس من الدجالين والسحرة وأهل التنجيم والكهانة والتزوير والخط والشعوذة وأكثر هؤلاء أو كلهم من خارج المملكة السعودية وكان لجولته أثر عظيم بحيث أن الناس كأنهم راقدون فانتبهوا، قال ﵀ وكان أمير سامطة يومئذ (سند الحماد) وكان مساعدًا للدعوة ومحبًا لها من كل وجه. وفي هذه السنة وفد إلى سامطة طلبة علم من غامد وزهران ورجال المع وأتى إلى القرعاوي محمد بن أحمد الحكمي أخو حافظ بن أحمد برسالة من أخيه يطلب كتابًا في التوحيد ويعتذر عن عدم القدوم لاشتغاله في خدمة أبويه في رعي الغنم ويطلب من المترجم أن يزور تلامذته للقرية التي هو ساكن فيها فذهب الشيخ وإخوانه إليها وجعل يلقي الدروس ويتعلم منه حافظ أحمد تارة يذهب إليه القرعاوي وتارة يذهب هو إليهم في قرية الجاضع ومرض الشيخ بالجرادية مرضًا شديدًا وقد عرض عليه الأمير خالد السديري قضاء سامطة واعتذر وعوض عليه قضاء السارحة فأبى وكان الشيخ يبني مساجد ومدارس هناك لما أن كان في سنة (١٣٦٠ هـ) تفرغ حافظ حكمي وطلب العلم بإذن من والديه لأن الشيخ استأجر راعيًا للغنم بدلًا عن حافظ وبنى الشيخ مدرسة سامطة مرة أخرى بدلًا عن البناية الضعيفة وجعل فيها ستين مدرسًا من كبار الطلبة واجتمع فيها تلامذة كثيرونفاختتن كثيرًا من الأطفال وفيهم حافظ وقد أو لم الشيخ وليمة لختانه وقال للأولاد كل من اختتن وترك اللعب واللهو واختلاط الرجال بالنساء والإسراف بالنفقات الفارغة فإني مستعد له بإقامة وليمة وكان لهذه الدعاية والختان الذي جرى في المدرسة أمر عظيم ترك العادات القبيحة السيئة وأقبل الناس من كل جهة يدخلون أولادهم الدرسة يقرؤون ويتعلمون ويختتنون ومن كان من الطلبة محتاجًا يجد الكل والمشرب والملبس وما زال يفتح الدارس ويبني المساجد ولما أن كان في هذه السنة تأخر بإذن الله خريف تهامة فأوجب الحال انتقال أهل تهامة لتتبع مساقط الأمطار في الوديان وكان الطلبة مع أهليهم وفي انتقالهم يبثون الدعوة فيما يتنقلون إليه من البلاد فكان لذلك أثر عظيم في تلك الجهات وكان بعضهم يفتح مدرسة ويعلم فيها وبعضهم يبني مسجدًا ويؤذن فيه ويدعو الناس للصلاة ولما رأى الأمير خالد السديري إثر تلك الدعوة المباركة تسبب عند الحكومة لجملة من الطلبة بثلاثمائة ريال إكرامية توزع عليهم شهريًا وهذا من عام مساعداته التي يشكر عليها ولما أن كان في سنة (١٣٦٢ هـ) تزوج الشيخ عبد الله من بيت محمد بن عثمان وكثر في هذه السنة الوافدون على الشيخ من الليث وتهامة وعسير وبيشه وبعث الملك السابق سعود بن عبد العزيز حال كونه ولي العهد بإعانة كبيرة للقرعاوي في السنة التي بعدها واستمر دفعها كل سنة ثم أشار الشيخ على حافظ حكمي أن ينشئ نظمًا في التوحيد على موجب ما قرأه من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، ولما كان في سنة (١٣٦٤ هـ) حج الأمير خالد وجاء بعده لإمارة جيزان محمد بن محمد السديري وسلك خطة الأمير خالد بمساعدة الدعوة وطلب أمراء مقاطعة جيزان وقضاتها ومشائخ القبائل من الشيخ عبد الله القرعاوي أن يبعث إليهم معلمين يفتحون المدارس وهم يساعدونهم على نشر الدعوة ففتح مدارس كثيرة جدًّا وكان لمحبته نشر الدعوة لا يتوقف عن فتح الدارس إذا طلبوا منه وفي تلك الآونة أشار على الشيخ الشاب حافظ أحمد الحكمي أن ينشئ نظمًا في الفقه والآداب ونظمًا في ذم الدخان والقاتوأشباهها وفعلًا قام بذلك غفر الله له وطبعت ولما أن بلغ أسماع جلالة الملك عبد العزيز خبر نهضة القرعاوي وما فتحه من المدارس أرسل هيئة تكشف حقيقة الأمر ولما أن قدمت الهيئة في سنة (١٣٦٥ هـ) أعجبت بتلك المدارس ورأوا من ثمراتها ما يسر الخاطر ووفقت بأن رجعوا يروون لجلالته ما شاهدوا وأخبروه بالوضع فأمر بأن يقرر للمعلمين والمتعلمين رواتب شهرية وقد كان الباعث لذلك هو أن أهل الأهواء يغزلون لإطفاء هذه الدعوة وإلغاء المدارس غير أنها خسرت في هذه المرة صفقتهم وخاب أملهم كما أشرنا إلى ذلك لطيفة فيما تقدم غير أنهم لا يزالون في ملاحتقها حتى أطفاوا تلك الشعلة فضمت المدارس إلى المعارف ولكنها لا تزال آثارها باقية والحمد لله وكان الشيخ إذ ذاك يتجول على تلك المدارس ويراقب سيرها ممتطيًا الحمر حتى دبرت من كثرة سيرها في تلك الجبار وكان الأمير تركي السديري هناك يساعد القرعاوي وتلامذته مساعدة واسعة بحيث أمر صاحب دكان لديه أدوات المدارس بأن يسلم القرعاوي كل ما يريده على حسابه بدون حصر ولا قيد فكان لنهضته أمر عظيم في جهات أبها هذا وقد تعرضت دعوته عقبات وبعث أناس ضده يدعون أن هذه المدارس في صرفيتها غير معقولة وكانت الحكومة تبعث للكشف عن حقيقتها غير أن الله ينصره ويظفره بكل مرة ولكن الهيئة الأخيرة لم تفلح وغلبت على أمرها وكانت وفاة المترجم في ٢٣ جمادى الأولى الموافق ليوم الأربعاء من هذه السنة غفر الله له وتغمده برحمته والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وممن توفي فيها من الأعيان الرجل الهمام عبد الله بن سليمان بن عيسى البطل الشجاع كانت وفاته في آخر ليلة الأربعاء ١٩/ ٧ كان من بني زيد أهل شقراء ويلتحقون بقحطان وكان عبد الله قد اشترك في غزوات الحسين بن علي الشريف ولبث في خدمته مدة من الزمن ويروي لنا قصته في ليلة هجوم الإخوان بقيادة سلطان بن عباد بن حميد وأمير الخرمة خالد بن لوي علي عبد الله بن الحسين الشريف في قرية. قال: أنه جاءنا نذير وهي امرأة دخلت على قائد الجيش عبد الله في المجلس العام بين العشائين فقالت له تحذر يا شريف فقد أقبلت السلاطين إليكسلطان بن بجاد وسلطان أب العوالي وجعلت تعدد السلاطين قال فكانت لفظاتها في الكلام أعظم علينا من قنابل المدافع وألقى الله الرعب في قلب القائد عبد الله بن الحسين ولكنه أظهر التجلد ثم أن الترجم بعدما فتح الله مكة لآل سعود ووضعت الحرب الحجازية أوزارها سكن في مكة فانضم إذ ذاك إلى الأمير فيصل بن عبد العزيز حال كونه نائبًا هناك وهو لصرامته ينازع ابن سليمان الشرف حينما كان الأخير وزيرًا في المالية فقضت الظروف بأن يكون ابن عيسى مزارعًا لنفع قومه وأمته ومنحته الحكومة ماكنة مائية فقدم إلى مدينة بريدة موطنه سابقًا وذلك لمحبته لوطنه فكانت لأول مرة يستخدمها الفلاح في بريدة ونزل في السياج المعروف وذلك في سنة (١٣٥٠ هـ) ثم أنه انتقل بعد ذلك إلى موضع أوسع وهو المعروف بالنقع وكان أمير بريدة عبد الله بن فيصل صديقًا له فبذل جهودًا في الزراعة وحصل على شيء كثير ثم إن الحكومة جعلته في فرع الزراعة في القصيم ثم رأت أن تجعله في قيادة النظام كمدير أمن في المنطقة الشرقية الظهران تحت إمارة سعود بن جلوي فسار ولبث هناك ما شاء الله ثم رأى أن يتعاطى في الأعمال الحرة مفضلًا لها على الوظائف وطلب من حكومته السماح له وأن تمنحه أرضًا واسعة في وطنه بريدة فحصل على أراضٍ في الباطن في الموضع الجنوبي الشرقي عن مدينة بريدة واتخذها منزلًا وضيعة عظيمة تفيض على العاصمة بأنواع البرسيم والبطيخ والقثاء وكان في كل أعماله وتنقلاته عزيزًا شريفًا وجيهًا ومهابًا ومعظمًا لماله من الهيبة وحسن التدابير وكان صريحًا وسياسيًا لا يوقف في طرقه ومعه عزة نفس فلا يصبر على الضيم كما أنه جهوري الصوت مصقع لا يخلو من الجبروت وما زال يعمل في الحراثة ويستخدم الآلات لذلك حتى كان لديه أكبر ضيعة ثم أنه تجاوز الثمانين من العمر وكلت قواه وضعفت بنيته ولآثار نكبة جرت عليه حدث منها شجاج في الرأس وكسر في إحدى يديه ثم أصيب بمرض ألزمه الفراش حتى توفي في هذه السنة. وكان في صفته مربوع القامة قوي الإرادة شديد البأس ولا يتأثر لشيء من الأمور ولا يهاب أحدًا ولا تلين قناته لمخلوق كائنًا من كان ﵀ وعفا عنه.وفيها في آخر شهر ذي القعدة وفاة الوجيه عبد العزيز بن علي بن منصور الرجيفي رحمه الله تعالى كان من قبيلة سبيع من بني ثور ومن رجال الوطن في مدينة بريدة الذين لهم شرف خدمة بلادهم فهو أحد رجال هيئة الأراضي حيث يتمتع بالعقل الرزين والقلب الواعي وله غور بعيد ومعرفة وذو تجارب أتاه الله عقارًا وسعة في الرزق ويحب الفلاحة ولم يك ذا فخفخة إنما كان مقتصدًا وثابتًا في الدين وملازمًا للصلوات الخمس مع الجماعة وما زال في نشاطه وذاكرته مولعًا بالحج والعمرة حتى هرم وكلت قواه قبل وفاته بخمس سنين وتوفي عن عمر يناهز المائة عام وقد يشيع جثمانه إلى قبره المشائخ والعلماء فالله المستعان. وقد كان من أحبابنا ولديه خبرة بالأمور حتى كان يراها من وراء الحجاب نسأل الله أن يتغمده برحمته. وممن توفي فيها من الأعيان للشيخ عبد الرحمن الخاقان كان قد تعلم القرآن الكريم ثم أخذ في الدراسة على أيدي مشائخ نجد فأخذ عن الشيخ سعود بن رشود قاضي وادي الدواسر سابقًا ثم التحق كدينة الرياض مواصلًا دراسته العلمية على يد رئيس القضاة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وبعد ذلك انتقل إلى مكة المكرمة مواصلًا دراسته العلمية فأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسن رئيس القضاة هناك ثم عين الترجم رئيسًا للهيئة الدينية بعسير ثم رئيسًا لهيئة الوعظ والإرشاد بعسير أيضًا ثم قام بتدريس العلوم الدينية في المدرسة الثانوية بابها ثم عين مفتشًا للعلوم الدينية في وزارة المعارف كنطقة الطائف ثم عين أمينًا للمكتبات بوزارة المعارف بمنطقة الطائف إلى أن وافته المنية عن عمر يناهز اثنتين وخمسين سنة لأن ولادته في سنة (١٣٣٧ هـ) في وادي الدواسر في بلدة اللدم وكان موصوفًا بحب المجد وأهله وحب الصدق وأهله وكان يعيش مع الحقيقة لا مع الخيال ويحب فعل الخير والعمل به ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في المنزل وفي الدكان وفي الشارع وفي المسجد لا يهمه إلا الإصلاح ما استطاع وله عدة رسائل وكراريس مخطوطة في الفقه والأدب، وله كتاب ضخم أسماه (تاريخ ما أهمله التاريخ) وكان عنده قدرة ومعرفة بعلم الأنساب العربية وخلف ابنين وأربع بنات تركهم على التربيةالإسلامية وعلمهم الأمانة وحسن الأخلاق واعلم أني كمؤرخ وجدت هذه الترجمة له في إحدى الجرائد السعودية فأثبتها وإلا فليس لدي إحاطة بترجمته.
  • full passagepage 1880, entry [756]12,700 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في ذمة الله تنعى الملكة السعودية رجلًا من دعاة الخير وهو عبد الله بن محمد القرعاوي ذلك الرجل الداعية إلى دين الله وشريعة رسوله وقام بأعمال في جنوبي الملكة يدعو سكان تلك الجهات إلى توحيد الله ولقد بث دعوة في عسير وما يلي تلك الجهات وفتح مدارس ونشر دعوته هناك فظهر له تلامذة
    ▸ expand full passage (12,700 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان في ذمة الله تنعى الملكة السعودية رجلًا من دعاة الخير وهو عبد الله بن محمد القرعاوي ذلك الرجل الداعية إلى دين الله وشريعة رسوله وقام بأعمال في جنوبي الملكة يدعو سكان تلك الجهات إلى توحيد الله ولقد بث دعوة في عسير وما يلي تلك الجهات وفتح مدارس ونشر دعوته هناك فظهر له تلامذة كثيرون ومن هؤلاء الشاب العالم الأديب حافظ بن أحمد حكمي وكان لدعوته تأثير عظيم. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم المعلم الموفق الداعي إلى الله تعالى عبد الله بن محمد بن حمدبن محمد بن عثمان بن علي بن محمد بن نجيد، ولد في ١١ ذي الحجة (١٣١٥ هـ) كان محمد بن نجيد في عنيزة بالجناح ثم باع أملاكه بعنيزة واشترى بدلها أملاكًا في القرعا وجاور أهلها وكان يسمى فيها ابن نجيد وكذلك أولاده وأولاد أولاده ثم أنه انتقل حمد بن محمد جد المترجم إلى عنيزة وكان لا يعرف إلا بابن نجد وذلك في مكاتباته وأسانيده فلما بنى بيوته في عنيزة وغرس نخله المشهور بالقرعاوية لقب بالقرعاوي لقبًا بلفظ النسب ولكن في المكاتبات والأسانيد كان يكتب (ابن نجيد) فلما وقعت حرب عنيزة قلع الأشجار والنخل وباع الأرض والبئر وانتقل إلى جنوب بريدة وغرس تحله المشهور الآن بالفيضة. قال المترجم وهي ملكنا حتى الآن وبقيت بيوته وأولاده في عنيزة وهناك فروع لآل نجيد غيرهم كثيرون في عنيزة وبريدة والبكيرية والخبراء والبدايع وفي بغداد والشام لأن أجداد المترجم كانوا دائمًا يسافرون إلى بغداد وإلى الشام وحلب جمالين يحملون البضائع من هناك ولم يشتهر أحد منهم بالقرعاوي إلا جد المترجم حمد المحمد لما ذكرنا آنفًا وفي عنيزة حمد العلي القرعاوي وإخوانه صالح وعبد الله وذريتهم أهل بيت كل واحد منهم يطلق عليه لقب القرعاوي، وهم منتقلون من القرعاء ولكنهم ليسوا من آل نجيد بل يرجعون إلى آل المطوع وأولئك آل نجيد وكان حمد جد المؤلف أولًا فلاحًا بالقرعاء ثم جمالًا ببغداد ثم في حلب ثم فلاحًا بعنيزة ثم فلاحًا بالجنوب ثم توفي في شهر رمضان سنة (١٣١٥ هـ) بعد أن مرض بالفالج وبقي على فراش المرض أربع سنين. وفي تلك السنة أيضًا توفي والد المترجم محمد بن حمد ولما أن كان بعد وفاة والده بشهرين تقريبًا ولد المترجم في ١١ ذي الحجة (١٣١٥ هـ) فنشأ اليتيم في عنيزة مسقط رأسه وقام بتربيته والدته وعمه عبد العزيز بن حمد وتأيمت والدته عن الزواج لرعايته فأدخل على مقرى في عنيزة ثم أنه أخذ في طلب العلم وكان دائب الحركة خفيف الروح نشيطًا وتبدو في ملامحه إمارات الرضا والغبطة ويقول طلب العلم من المهد إلى اللحد ويتحدث أنه مع شبيبته لا يستنكف من تلقي دروس الحساب والخط مع صغار التلاميذ في مدرسة الأستاذ إبراهيم حلواني في مكة المشرفة.وهذه صفته كان متواضعًا بشوشًا ربعة أصفر اللون مستطيل الوجه أقنى الأنف ناتئ الجبهة أزج الحواجب أقرنها غير واسع العينين وقد رأيته في العقد السابع من العمر وقد وخطة الشيب في عارضيه ولحيته أخذ العلم عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ وأخذ عن الشيخ عبد الله بن مانع في عنيزة وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان القاضي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان القاضي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وذهب إلى الهند وهو كبير السن لاستكمال الدراسة ورحل إلى الأحساء فأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن بشر وذهب إلى المجمعة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز القنقوي وكان في رحلته إلى الهند وإقامته هناك قد بلغه مرض والدته فرجع لذلك لأنها طلبت حضوره ولكنها توفيت قبل وصوله فرجع إلى الهند للمرة الثانية ليأخذ عن علماء الحديث هناك ثم رجع وكرر الدراسة على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وعرض عليه في سنة (١٣٥٧ هـ) إدارة مدرسة المجمعة ثم عرض عليه إدارة مدرسة بريدة وعرض عليه أن يكون مدرسًا في عنيزة وفي دار الحديث بمكة وأن يكون إمامًا في أحد مساجدها فأبى وعزفت نفسه عن الوظائف أيًا كانت أهلية أو حكومية وفضل أن يكون داعية إلى الله وإلى سبيله وأصبح كذلك بصفة لا يشاركه فيها أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بيده وله هيبة عند من يراه متخلفًا عن الصلاة أو امرأة متبرجة ويقول إني أستطيع أن أغير المنكر بيدي وله مكانة عند الناس ولما أن كان في اليوم العشرين من شهر صفر سنة (١٣٥٨ هـ) توجه إلى جيزان وأخذ منه بضاعة وتوجه إلى سامطة فنزل دكانًا فيها وجعل يبيع ويعلم فيه وكان ذلك الدكان أول مدرسة فتحها ثم استمر في فتح المدارس في تلك الجهات في سامطة والجرادية وسائر أبها وبيشة وفيفا والدرب وجيزان وصبيا ولما أن كان في سنة (١٣٥٩ هـ) ذهب إلى مكة فاستحصل كتبًا كثيرة في الحديث والتفسير والتوحيد والأحكام ثم توجه بها إلى جيزان وذلك في ١٨ صفر وذهب إلى سامطة فبنى مدرسة في بيتناصر خلوفه وهي من الخشب والجريد والحبال والحشيش واتخذ للكتب خزانة ولما أن قدم خالد بن أحمد السديري أميرًا على جيزان قدم على القرعاوي طلاب علم وطلب منه أهل مخلاف أن يتجول في جهاتهم لنشر الدعوة فذهب وكبار تلامذته يعظون ويرشدون ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكان هو الموجه للدعوة يبني لتلامذته طريقة التيسر والرفق واللين والبصيرة والبعد عن العنف والشدة والتعسير والتنفير وهذا ما أمر الرسول ﵊ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل لما بعثهما إلى اليمن بأن قال لهما "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" ولما تجول هو وتلامذته أزالوا هناك أمورًا من البدع المخالفة للشرع من تعظيم القبور والأشجار والأحجار وفر أناس من الدجالين والسحرة وأهل التنجيم والكهانة والتزوير والخط والشعوذة وأكثر هؤلاء أو كلهم من خارج المملكة السعودية وكان لجولته أثر عظيم بحيث أن الناس كأنهم راقدون فانتبهوا، قال ﵀ وكان أمير سامطة يومئذ (سند الحماد) وكان مساعدًا للدعوة ومحبًا لها من كل وجه. وفي هذه السنة وفد إلى سامطة طلبة علم من غامد وزهران ورجال المع وأتى إلى القرعاوي محمد بن أحمد الحكمي أخو حافظ بن أحمد برسالة من أخيه يطلب كتابًا في التوحيد ويعتذر عن عدم القدوم لاشتغاله في خدمة أبويه في رعي الغنم ويطلب من المترجم أن يزور تلامذته للقرية التي هو ساكن فيها فذهب الشيخ وإخوانه إليها وجعل يلقي الدروس ويتعلم منه حافظ أحمد تارة يذهب إليه القرعاوي وتارة يذهب هو إليهم في قرية الجاضع ومرض الشيخ بالجرادية مرضًا شديدًا وقد عرض عليه الأمير خالد السديري قضاء سامطة واعتذر وعوض عليه قضاء السارحة فأبى وكان الشيخ يبني مساجد ومدارس هناك لما أن كان في سنة (١٣٦٠ هـ) تفرغ حافظ حكمي وطلب العلم بإذن من والديه لأن الشيخ استأجر راعيًا للغنم بدلًا عن حافظ وبنى الشيخ مدرسة سامطة مرة أخرى بدلًا عن البناية الضعيفة وجعل فيها ستين مدرسًا من كبار الطلبة واجتمع فيها تلامذة كثيرونفاختتن كثيرًا من الأطفال وفيهم حافظ وقد أو لم الشيخ وليمة لختانه وقال للأولاد كل من اختتن وترك اللعب واللهو واختلاط الرجال بالنساء والإسراف بالنفقات الفارغة فإني مستعد له بإقامة وليمة وكان لهذه الدعاية والختان الذي جرى في المدرسة أمر عظيم ترك العادات القبيحة السيئة وأقبل الناس من كل جهة يدخلون أولادهم الدرسة يقرؤون ويتعلمون ويختتنون ومن كان من الطلبة محتاجًا يجد الكل والمشرب والملبس وما زال يفتح الدارس ويبني المساجد ولما أن كان في هذه السنة تأخر بإذن الله خريف تهامة فأوجب الحال انتقال أهل تهامة لتتبع مساقط الأمطار في الوديان وكان الطلبة مع أهليهم وفي انتقالهم يبثون الدعوة فيما يتنقلون إليه من البلاد فكان لذلك أثر عظيم في تلك الجهات وكان بعضهم يفتح مدرسة ويعلم فيها وبعضهم يبني مسجدًا ويؤذن فيه ويدعو الناس للصلاة ولما رأى الأمير خالد السديري إثر تلك الدعوة المباركة تسبب عند الحكومة لجملة من الطلبة بثلاثمائة ريال إكرامية توزع عليهم شهريًا وهذا من عام مساعداته التي يشكر عليها ولما أن كان في سنة (١٣٦٢ هـ) تزوج الشيخ عبد الله من بيت محمد بن عثمان وكثر في هذه السنة الوافدون على الشيخ من الليث وتهامة وعسير وبيشه وبعث الملك السابق سعود بن عبد العزيز حال كونه ولي العهد بإعانة كبيرة للقرعاوي في السنة التي بعدها واستمر دفعها كل سنة ثم أشار الشيخ على حافظ حكمي أن ينشئ نظمًا في التوحيد على موجب ما قرأه من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، ولما كان في سنة (١٣٦٤ هـ) حج الأمير خالد وجاء بعده لإمارة جيزان محمد بن محمد السديري وسلك خطة الأمير خالد بمساعدة الدعوة وطلب أمراء مقاطعة جيزان وقضاتها ومشائخ القبائل من الشيخ عبد الله القرعاوي أن يبعث إليهم معلمين يفتحون المدارس وهم يساعدونهم على نشر الدعوة ففتح مدارس كثيرة جدًّا وكان لمحبته نشر الدعوة لا يتوقف عن فتح الدارس إذا طلبوا منه وفي تلك الآونة أشار على الشيخ الشاب حافظ أحمد الحكمي أن ينشئ نظمًا في الفقه والآداب ونظمًا في ذم الدخان والقاتوأشباهها وفعلًا قام بذلك غفر الله له وطبعت ولما أن بلغ أسماع جلالة الملك عبد العزيز خبر نهضة القرعاوي وما فتحه من المدارس أرسل هيئة تكشف حقيقة الأمر ولما أن قدمت الهيئة في سنة (١٣٦٥ هـ) أعجبت بتلك المدارس ورأوا من ثمراتها ما يسر الخاطر ووفقت بأن رجعوا يروون لجلالته ما شاهدوا وأخبروه بالوضع فأمر بأن يقرر للمعلمين والمتعلمين رواتب شهرية وقد كان الباعث لذلك هو أن أهل الأهواء يغزلون لإطفاء هذه الدعوة وإلغاء المدارس غير أنها خسرت في هذه المرة صفقتهم وخاب أملهم كما أشرنا إلى ذلك لطيفة فيما تقدم غير أنهم لا يزالون في ملاحتقها حتى أطفاوا تلك الشعلة فضمت المدارس إلى المعارف ولكنها لا تزال آثارها باقية والحمد لله وكان الشيخ إذ ذاك يتجول على تلك المدارس ويراقب سيرها ممتطيًا الحمر حتى دبرت من كثرة سيرها في تلك الجبار وكان الأمير تركي السديري هناك يساعد القرعاوي وتلامذته مساعدة واسعة بحيث أمر صاحب دكان لديه أدوات المدارس بأن يسلم القرعاوي كل ما يريده على حسابه بدون حصر ولا قيد فكان لنهضته أمر عظيم في جهات أبها هذا وقد تعرضت دعوته عقبات وبعث أناس ضده يدعون أن هذه المدارس في صرفيتها غير معقولة وكانت الحكومة تبعث للكشف عن حقيقتها غير أن الله ينصره ويظفره بكل مرة ولكن الهيئة الأخيرة لم تفلح وغلبت على أمرها وكانت وفاة المترجم في ٢٣ جمادى الأولى الموافق ليوم الأربعاء من هذه السنة غفر الله له وتغمده برحمته والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وممن توفي فيها من الأعيان الرجل الهمام عبد الله بن سليمان بن عيسى البطل الشجاع كانت وفاته في آخر ليلة الأربعاء ١٩/ ٧ كان من بني زيد أهل شقراء ويلتحقون بقحطان وكان عبد الله قد اشترك في غزوات الحسين بن علي الشريف ولبث في خدمته مدة من الزمن ويروي لنا قصته في ليلة هجوم الإخوان بقيادة سلطان بن عباد بن حميد وأمير الخرمة خالد بن لوي علي عبد الله بن الحسين الشريف في قرية. قال: أنه جاءنا نذير وهي امرأة دخلت على قائد الجيش عبد الله في المجلس العام بين العشائين فقالت له تحذر يا شريف فقد أقبلت السلاطين إليكسلطان بن بجاد وسلطان أب العوالي وجعلت تعدد السلاطين قال فكانت لفظاتها في الكلام أعظم علينا من قنابل المدافع وألقى الله الرعب في قلب القائد عبد الله بن الحسين ولكنه أظهر التجلد ثم أن الترجم بعدما فتح الله مكة لآل سعود ووضعت الحرب الحجازية أوزارها سكن في مكة فانضم إذ ذاك إلى الأمير فيصل بن عبد العزيز حال كونه نائبًا هناك وهو لصرامته ينازع ابن سليمان الشرف حينما كان الأخير وزيرًا في المالية فقضت الظروف بأن يكون ابن عيسى مزارعًا لنفع قومه وأمته ومنحته الحكومة ماكنة مائية فقدم إلى مدينة بريدة موطنه سابقًا وذلك لمحبته لوطنه فكانت لأول مرة يستخدمها الفلاح في بريدة ونزل في السياج المعروف وذلك في سنة (١٣٥٠ هـ) ثم أنه انتقل بعد ذلك إلى موضع أوسع وهو المعروف بالنقع وكان أمير بريدة عبد الله بن فيصل صديقًا له فبذل جهودًا في الزراعة وحصل على شيء كثير ثم إن الحكومة جعلته في فرع الزراعة في القصيم ثم رأت أن تجعله في قيادة النظام كمدير أمن في المنطقة الشرقية الظهران تحت إمارة سعود بن جلوي فسار ولبث هناك ما شاء الله ثم رأى أن يتعاطى في الأعمال الحرة مفضلًا لها على الوظائف وطلب من حكومته السماح له وأن تمنحه أرضًا واسعة في وطنه بريدة فحصل على أراضٍ في الباطن في الموضع الجنوبي الشرقي عن مدينة بريدة واتخذها منزلًا وضيعة عظيمة تفيض على العاصمة بأنواع البرسيم والبطيخ والقثاء وكان في كل أعماله وتنقلاته عزيزًا شريفًا وجيهًا ومهابًا ومعظمًا لماله من الهيبة وحسن التدابير وكان صريحًا وسياسيًا لا يوقف في طرقه ومعه عزة نفس فلا يصبر على الضيم كما أنه جهوري الصوت مصقع لا يخلو من الجبروت وما زال يعمل في الحراثة ويستخدم الآلات لذلك حتى كان لديه أكبر ضيعة ثم أنه تجاوز الثمانين من العمر وكلت قواه وضعفت بنيته ولآثار نكبة جرت عليه حدث منها شجاج في الرأس وكسر في إحدى يديه ثم أصيب بمرض ألزمه الفراش حتى توفي في هذه السنة. وكان في صفته مربوع القامة قوي الإرادة شديد البأس ولا يتأثر لشيء من الأمور ولا يهاب أحدًا ولا تلين قناته لمخلوق كائنًا من كان ﵀ وعفا عنه.وفيها في آخر شهر ذي القعدة وفاة الوجيه عبد العزيز بن علي بن منصور الرجيفي رحمه الله تعالى كان من قبيلة سبيع من بني ثور ومن رجال الوطن في مدينة بريدة الذين لهم شرف خدمة بلادهم فهو أحد رجال هيئة الأراضي حيث يتمتع بالعقل الرزين والقلب الواعي وله غور بعيد ومعرفة وذو تجارب أتاه الله عقارًا وسعة في الرزق ويحب الفلاحة ولم يك ذا فخفخة إنما كان مقتصدًا وثابتًا في الدين وملازمًا للصلوات الخمس مع الجماعة وما زال في نشاطه وذاكرته مولعًا بالحج والعمرة حتى هرم وكلت قواه قبل وفاته بخمس سنين وتوفي عن عمر يناهز المائة عام وقد يشيع جثمانه إلى قبره المشائخ والعلماء فالله المستعان. وقد كان من أحبابنا ولديه خبرة بالأمور حتى كان يراها من وراء الحجاب نسأل الله أن يتغمده برحمته. وممن توفي فيها من الأعيان للشيخ عبد الرحمن الخاقان كان قد تعلم القرآن الكريم ثم أخذ في الدراسة على أيدي مشائخ نجد فأخذ عن الشيخ سعود بن رشود قاضي وادي الدواسر سابقًا ثم التحق كدينة الرياض مواصلًا دراسته العلمية على يد رئيس القضاة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وبعد ذلك انتقل إلى مكة المكرمة مواصلًا دراسته العلمية فأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسن رئيس القضاة هناك ثم عين الترجم رئيسًا للهيئة الدينية بعسير ثم رئيسًا لهيئة الوعظ والإرشاد بعسير أيضًا ثم قام بتدريس العلوم الدينية في المدرسة الثانوية بابها ثم عين مفتشًا للعلوم الدينية في وزارة المعارف كنطقة الطائف ثم عين أمينًا للمكتبات بوزارة المعارف بمنطقة الطائف إلى أن وافته المنية عن عمر يناهز اثنتين وخمسين سنة لأن ولادته في سنة (١٣٣٧ هـ) في وادي الدواسر في بلدة اللدم وكان موصوفًا بحب المجد وأهله وحب الصدق وأهله وكان يعيش مع الحقيقة لا مع الخيال ويحب فعل الخير والعمل به ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في المنزل وفي الدكان وفي الشارع وفي المسجد لا يهمه إلا الإصلاح ما استطاع وله عدة رسائل وكراريس مخطوطة في الفقه والأدب، وله كتاب ضخم أسماه (تاريخ ما أهمله التاريخ) وكان عنده قدرة ومعرفة بعلم الأنساب العربية وخلف ابنين وأربع بنات تركهم على التربيةالإسلامية وعلمهم الأمانة وحسن الأخلاق واعلم أني كمؤرخ وجدت هذه الترجمة له في إحدى الجرائد السعودية فأثبتها وإلا فليس لدي إحاطة بترجمته.
  • full passagepage 1943, entry [781]66 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان وفاة الشيخ العالم محمد نصيف وترجمته هو
  • full passagepage 1943, entry [781]66 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان وفاة الشيخ العالم محمد نصيف وترجمته هو
  • full passagepage 2032, entry [825]3,638 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة رجل الدين والفضل صاحب السمو الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل فيصل أخي أمير منطقة القصيم ابن عم الملك فيصل ﵀ وعفا عنه وذلك على إثر جلطة أثرت عليه وأذاع الديوان الملكي ما يأتي: في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح أمس الثلاثاء ١٤/ ٣ / ١٣٩٣ هـ حسب توقيت ا
    ▸ expand full passage (3,638 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة رجل الدين والفضل صاحب السمو الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل فيصل أخي أمير منطقة القصيم ابن عم الملك فيصل ﵀ وعفا عنه وذلك على إثر جلطة أثرت عليه وأذاع الديوان الملكي ما يأتي: في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح أمس الثلاثاء ١٤/ ٣ / ١٣٩٣ هـ حسب توقيت المملكة المحلي انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن على إثر نوبة قلبية عن عمر يناهز الخامسة والخمسين والديوان الملكي إذ يعلن ببالغ الأسى فقد رجل كبير وبارز من أفراد الأسرة يرجو من الله ﷾ أن يتغمد الفقد برحمته ورضوانه وإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد شيع الجمهور في مدينة الرياض جثمان الأمير عبد الله وحضر تشييعه الملك فيصل وعمه عبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد العزيز وخالد بن عبد العزيز والعلماء والأمراء وكبار المسؤولين وجمع كثير من المواطنين وصلى عليه في الجامع الكبير وساروا به إلى قبره وأثنى عليه العلماء لصلاحه ونزاهته ورثاه وزير المعارف حسن بن عبد الله بن حسن بكلمة عدد فيها محاسنه وأنه كان مثالًا صالحًا تتجلى في سيرته وأعماله كل الفضائل التي يتمنى المخلصون لو استطاعوا إلزام أنفسهم بها وختمها بقوله وأدعو الله أن يجعله مع الأبرار وأن يجبر المصيبة برحيله وإنا لله وإنا إليهراجعون. وقد حدثني عنه أهل الخبرة بأنه موسوم بالصلاح والزكاء والعفة والديانة وأن جاهه مبذول لقضاء الحاجات وتفريج الكربات وله عطف على الفقراء والمحتاجين وهذه دمعة رثاء قالها محمد بن عبد الرحمن السديري أعربت عن بعض خصاله وأفعاله الحميدة التي استحق بها الثناء والمديح ﵀: أتانا الصبح نعيك والرثاء ... فلا عاد الصباح ولا المساء فقدنا فيك عبد الله شهمًا ... سجاياه الرجولة والوفاء كريم كان ذا خلق عظيم ... وفيًا حين قلّ الأوفياء رأيت الناس تبكي من قلوب ... وبعض الناس أدركه العياء رأيت الأكرمين تحف نعشًا ... ويحمله الرجال الأقوياء فأنت اليوم منهم كل قلب ... وما في القول كذب أو رياء سيبكيك الضعيف بكل دمع ... فأنت ملاذه أنت الرجاء تفرج همه وتزيل كربًا ... تواسيه إذا اشتد البلاء وما للناس غير الذكر باق ... وذكراك السماحة والثناء يصب الله رحمته بقبر ... لعبد الله تمطره السماء نعزي فيك إخوانًا كراما ... وأبناء لنا فيهم عزاء ونشرت عنه الصحف ثناء حسنًا فقالت إحدى الجرائد كانت الفاجعة بموته كبيرة جدًّا وكانت الخسارة بفقدانه فادحة مؤلمة ذلك لأنه لم يكن لنفسه ولم يكن لأشخاص معدودين فقد كان للجميع نعم الأب والأخ والصديق وكان للبلاد ذلك الرجل الذي يحرص على توقير كل خير لها كما كان هكذا في خدمته لبلاده وأبناء وطنه، ومن هنا بكاه كل الناس وخصوه بأحاديثهم عن فضل الرجل وإنسانية المفقود، قال الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل يرثاه بهذه القصيدة ولا ريب أن ثناء الناس شهادة بفضله كما أشار إلى ذلك الرسول صلوات الله وسلامه عليه: مال البرايا للمصير مؤكد ... وأن المنايا للنفوس بمرصدولكنها الآجال في اللوح قدرت ... لموعدها الحتم السمى المحدد مضى الشهم عبد الله ذو النبل والوفا ... سمو الأمير ابن الأمير محمد عضيد النضال بن الإمام بن فيصل ... إمام الهدى الليث الحسام المهند من الصيدهم آل السعود لوامع ... طوالع يمن قد تجلت بأسعد لهم في عريق المجد أصل فروعه ... تسامت بعز وافتخار وسؤدد لهم في سبيل الحق نبل مواقف ... وصدق جهاد بالإله مؤيد على المنهج الأقوى وأنوار دعوة ... إلى الحق والرشد المبين المحمد ذياد وصبركم به الله قد حمى ... حمى الأمن والإسلام من كيد معتد فمن ينصر الرحمن يسعد بنصره ... كما جاء بالذكر الحكيم الممجد ومن أعظم الأرزاء فقدان ماجد ... أخي همة عليا بسعي ومقصد مضى الشهم عبد الله وهو مودع ... بحر الأسى بين الجموع بمشهد فكم أدمع فضات بيوم رحيله ... وأشجان أحزان بلطت بأكبد لفقد تقيٍّ أريحيٍّ مهذبٍ ... وفيٍّ صفيٍّ صالح متعبد صبور وقور ناصح متواضع ... أكيد إخاء طيب النفس مسعد سخي ببذل العون والجاه والندى ... بحسن اهتمام بالغ وتجهد وأن السجايا الطيبات لها البقا ... مدى الدهر بالذكر الجميل المخلد فهبه إله العرش عفوًا ورحمة ... وحسن مقر في النعيم المؤبد وفيها في جمادى الأولى جرى تبادل الأسرا بين العرب من جهة وبين اليهود من جهة أخرى فأعيد ستة وخمسون أسيرًا من العرب إسرائيليين ولبنانيين مقابل ثلاثة طيارين من اليهود.
  • full passagepage 2032, entry [825]3,638 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة رجل الدين والفضل صاحب السمو الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل فيصل أخي أمير منطقة القصيم ابن عم الملك فيصل ﵀ وعفا عنه وذلك على إثر جلطة أثرت عليه وأذاع الديوان الملكي ما يأتي: في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح أمس الثلاثاء ١٤/ ٣ / ١٣٩٣ هـ حسب توقيت ا
    ▸ expand full passage (3,638 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة رجل الدين والفضل صاحب السمو الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن آل فيصل أخي أمير منطقة القصيم ابن عم الملك فيصل ﵀ وعفا عنه وذلك على إثر جلطة أثرت عليه وأذاع الديوان الملكي ما يأتي: في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح أمس الثلاثاء ١٤/ ٣ / ١٣٩٣ هـ حسب توقيت المملكة المحلي انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن على إثر نوبة قلبية عن عمر يناهز الخامسة والخمسين والديوان الملكي إذ يعلن ببالغ الأسى فقد رجل كبير وبارز من أفراد الأسرة يرجو من الله ﷾ أن يتغمد الفقد برحمته ورضوانه وإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد شيع الجمهور في مدينة الرياض جثمان الأمير عبد الله وحضر تشييعه الملك فيصل وعمه عبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد العزيز وخالد بن عبد العزيز والعلماء والأمراء وكبار المسؤولين وجمع كثير من المواطنين وصلى عليه في الجامع الكبير وساروا به إلى قبره وأثنى عليه العلماء لصلاحه ونزاهته ورثاه وزير المعارف حسن بن عبد الله بن حسن بكلمة عدد فيها محاسنه وأنه كان مثالًا صالحًا تتجلى في سيرته وأعماله كل الفضائل التي يتمنى المخلصون لو استطاعوا إلزام أنفسهم بها وختمها بقوله وأدعو الله أن يجعله مع الأبرار وأن يجبر المصيبة برحيله وإنا لله وإنا إليهراجعون. وقد حدثني عنه أهل الخبرة بأنه موسوم بالصلاح والزكاء والعفة والديانة وأن جاهه مبذول لقضاء الحاجات وتفريج الكربات وله عطف على الفقراء والمحتاجين وهذه دمعة رثاء قالها محمد بن عبد الرحمن السديري أعربت عن بعض خصاله وأفعاله الحميدة التي استحق بها الثناء والمديح ﵀: أتانا الصبح نعيك والرثاء ... فلا عاد الصباح ولا المساء فقدنا فيك عبد الله شهمًا ... سجاياه الرجولة والوفاء كريم كان ذا خلق عظيم ... وفيًا حين قلّ الأوفياء رأيت الناس تبكي من قلوب ... وبعض الناس أدركه العياء رأيت الأكرمين تحف نعشًا ... ويحمله الرجال الأقوياء فأنت اليوم منهم كل قلب ... وما في القول كذب أو رياء سيبكيك الضعيف بكل دمع ... فأنت ملاذه أنت الرجاء تفرج همه وتزيل كربًا ... تواسيه إذا اشتد البلاء وما للناس غير الذكر باق ... وذكراك السماحة والثناء يصب الله رحمته بقبر ... لعبد الله تمطره السماء نعزي فيك إخوانًا كراما ... وأبناء لنا فيهم عزاء ونشرت عنه الصحف ثناء حسنًا فقالت إحدى الجرائد كانت الفاجعة بموته كبيرة جدًّا وكانت الخسارة بفقدانه فادحة مؤلمة ذلك لأنه لم يكن لنفسه ولم يكن لأشخاص معدودين فقد كان للجميع نعم الأب والأخ والصديق وكان للبلاد ذلك الرجل الذي يحرص على توقير كل خير لها كما كان هكذا في خدمته لبلاده وأبناء وطنه، ومن هنا بكاه كل الناس وخصوه بأحاديثهم عن فضل الرجل وإنسانية المفقود، قال الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل يرثاه بهذه القصيدة ولا ريب أن ثناء الناس شهادة بفضله كما أشار إلى ذلك الرسول صلوات الله وسلامه عليه: مال البرايا للمصير مؤكد ... وأن المنايا للنفوس بمرصدولكنها الآجال في اللوح قدرت ... لموعدها الحتم السمى المحدد مضى الشهم عبد الله ذو النبل والوفا ... سمو الأمير ابن الأمير محمد عضيد النضال بن الإمام بن فيصل ... إمام الهدى الليث الحسام المهند من الصيدهم آل السعود لوامع ... طوالع يمن قد تجلت بأسعد لهم في عريق المجد أصل فروعه ... تسامت بعز وافتخار وسؤدد لهم في سبيل الحق نبل مواقف ... وصدق جهاد بالإله مؤيد على المنهج الأقوى وأنوار دعوة ... إلى الحق والرشد المبين المحمد ذياد وصبركم به الله قد حمى ... حمى الأمن والإسلام من كيد معتد فمن ينصر الرحمن يسعد بنصره ... كما جاء بالذكر الحكيم الممجد ومن أعظم الأرزاء فقدان ماجد ... أخي همة عليا بسعي ومقصد مضى الشهم عبد الله وهو مودع ... بحر الأسى بين الجموع بمشهد فكم أدمع فضات بيوم رحيله ... وأشجان أحزان بلطت بأكبد لفقد تقيٍّ أريحيٍّ مهذبٍ ... وفيٍّ صفيٍّ صالح متعبد صبور وقور ناصح متواضع ... أكيد إخاء طيب النفس مسعد سخي ببذل العون والجاه والندى ... بحسن اهتمام بالغ وتجهد وأن السجايا الطيبات لها البقا ... مدى الدهر بالذكر الجميل المخلد فهبه إله العرش عفوًا ورحمة ... وحسن مقر في النعيم المؤبد وفيها في جمادى الأولى جرى تبادل الأسرا بين العرب من جهة وبين اليهود من جهة أخرى فأعيد ستة وخمسون أسيرًا من العرب إسرائيليين ولبنانيين مقابل ثلاثة طيارين من اليهود.
  • full passagepage 2061, entry [847]38 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة
  • full passagepage 2061, entry [847]38 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة
  • full passagepage 2096, entry [863]13,585 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نجد والمنطقة الشرقية ﵀ وعفا عنه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم والبحر الزاخر مقيم العوجاء وناصر الملة السمحاء بقية السلف الصالح ومن لا تأخذه في الله لومة لائم أبو حسن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن حسين
    ▸ expand full passage (13,585 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نجد والمنطقة الشرقية ﵀ وعفا عنه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم والبحر الزاخر مقيم العوجاء وناصر الملة السمحاء بقية السلف الصالح ومن لا تأخذه في الله لومة لائم أبو حسن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن إمام الدعوة ناصر السنة قامع البدعة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وقد سبق سياق النسب في ذكر جدهم الشيخ في أول الكتاب، ولد المترجم في عام (١٣١٩ هـ) فنشأ في بيت علم وتعلم القرآن كعادة أهل زمانه ثم أخذ مبادىأئ الكتب الصغار ثلاثة الأصول والتوحيد وكشف الشبهات وآداب المشي إلى الصلاة والرحبية والأجرومية ثم أنه أخذ عن أبيه الشيخ حسن وكان له قوة ذاكرة وفهم منير فتلقى عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف سائر العلوم وأخذ عن الشيخسليمان بن سحمان وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس ودرس على هؤلاء في الكتب الكبار والأمهات وجعل يتردد على حلقات الذكر بهمة عالية وقوة عزيمة حتى ظهر في العلوم مظهرًا رائعًا، وكان خطيبًا مصقعًا ينتظم الكلام ويخرج منه بحسن تعبير ولا يمل وإن أطال كما أنها لا تمل فوائده، ومن قوته أنه كان مخيفًا للمجرمين فلا يذكر اسمه أمامهم إلا وجموا ولما أن كان في سنة (١٣٤٥ هـ) أقامهُ الملكة عبد العزيز رئيسًا لهيئات الأمر بالمعروف فقام بهذه المهمة خير قيام بقوة ونشاط وصدق لا تأخذه في الله لومة لائم وهابه المبطلون، وكان قد شدت الحكومة أزره بأعوان وأعضاء وجنود، وإذا رأى أمرًا شديدًا من المناكر فإنه يراجع فيه ويشجعه للانتقام بالعصا كما وجد أربعة قد أفطروا في شهر رمضان خارج البلد فأتى بهم إلى السلطان فأمر بهم جلالته أن يحملوا أباريقهم وأوانيهم بأيديهم ويطاف بهم في الأسواق في الحالة التي وجدوا فيها ثم ضربوا بالخشب حتى هلكوا تحت الضرب، وكان ثلاثة من الأشقياء ألقوا القبض على صبي فحملوه يريدون الفرار به غير أنه كتب له السلامة بحيث فزع المسلمون على ساقة السيارة فلما أخذوا ذات الشمال إذ بسيارة قلابي تلاقيهم فوقفوا وشردوا تاركين سيارتهم والصبي فيها مشدودًا فاه لئلا يتكلم وكان الشد قد أطبق أسنانه على لسانه فذهبت الأمة لإشعار الرئيس فجيء بالسيارة إليه وجاءه المالك يسأل عنها لأن السيارة والحالة هذه يسأل عنها رجال الأمن كما أنه يسأل الشيخ الرئيس كذلك لخشية وقوع مثل ذلك، وذكر المالك أن سائق السيارة قد نام في حديقة من الحدائق فلما انتبه إذا قد سرقت، هذا ما ادعاه المجرم فقال له ائتني به وبعث معه بجنود فجيء به فأمر أن يشد على عقبيه في عمود من العمد ويجعل منكوسًا ويضرب بالخيزران حتى خبر بأصحابه فذهب الشيخ إلى الملك سعود يسأله أن يحكم بقتلهم وقال انهار أي والدكم إذا ما فعل أحد مثل فعلهم وقصة العبد مرسال وكيف خاطر الشح بنفسه حتى كاد أن يقتله العبد مشهورة وقد يناله أذى في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه يقابل ذلك بالصبر، وكان ينشر الدعوةإلى الله ويعظ ويرشد ويوجه، وله جاه ومنزلة عالية تهابه الملوك وتقبل توجيهاته. وهذه صفته: كان مربوع القامة حسن الوجه صلبًا قويًّا مع لين وحسن معاشرة لمن قصده ولونه حنطي قد وخطه الشيب لما أسن وفي آخر عمره أصيب بربو قد يزداد عليه وقد يخف حتى أنهكه ذلك لأنه يتعب نفسه ويباشر مهام الأمور ويوالي بين الحج والعمرة حتى توفاه الله تعالى في ليلة الأحد ٢ من رمضان في هذه السنة بمدينة الطائف فصلى عليه هناك جم غفير وخلق كثير على رأسهم الملك خالد وولي العهد وجمع حاشد من العلماء والأعيان ثم نقل جثمانه بطائرة إلى مدينة الرياض حيث صلي عليه بالجامع الكبير حضر الصلاة عليه خلائق كثيرون ودفن في مقبرة العود بين أسلافه وأجداده وقد نعته الصحف وبكته الأمة ﵀ وعفا عنه. الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن فريح من أهالي وشيقر، ولد ﵀ في بلدته عام (١٣١٣ هـ) ثم سافر إلى مكة المكرمة بعدما أخذ مبادئ من العلوم في بلدته حيث تعلم القرآن الكريم وعلم الخط والحساب لأن الظروف قضت بذلك لسفر والده إلى أم القرى فأخذ عن علماء الحرم الشريف فلبث هناك ثم رجع بعد ثلاث وعشرين سنة إلى بلده، وقد راودوه على القضاء لكنه رفض وهو مدرس في المدارس الحكومية واستمر في وظيفة الإمام والخطابة والتدريس، فهو خطيب جامع وشيقر، ولما أرهقته الشيخوخة ترك التدريس وجعل يتابع الوعظ والإرشاد وتجرد للعبادة والاجتهاد حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة وكان من العناقر قبيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري. الشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن رشيد، ولد هذا العالم في إحدى ضواحي مدينة الرس عام (١٣١١ هـ). فنشأ كغيره من الطلاب يدرس على معلم في الرس تدعي محمد بن صالح بن خليفة كان هذا المعلم من أهالي الرس ثم استوطن مدينة بريدة بعدما ذهب إلى الرياض وأمضى حقبة من الزمن وبعد رجوعه إلى بريدة تتلمذ الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولبث فيها عشرين عامًا حتى توفاه الله على إثر حادث انقلاب سيارة عام (١٣٦٨ هـ) رجعنا إلىالمترجم فيقول أخذ عن الشيخ إبراهيم بن ضويان العالِم المشهور في مدينة الرس، وأخذ عن الشيخ الفاضل عبد الله بن سليمان بن بليهد وأخذ عن علماء الرس ثم سمت به همته فقدم مدينة بريدة فأخذ في الدراسة على الشيخين العالمين عبد الله بن محمد بن سليم وعمر بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر ثم أنه ذهب إلى الرياض وواصل دراسته فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ سليمان بن سحمان والشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود واستمر في دراسته ثم رجع إلى القصيم وانتدبته الحكومة إلى البادية لوعظهم وإرشادهم وكان لدعوته قبول حينما كان في هجرة سنام ثم عاد إلى الرسّ فأخذ في التعليم وفي عام (١٣٤٨ هـ) عين قاضيًا للأمر ملكي في بلدة الرس لسوء تفاهم بينهم وبين قاضيهم السابق سالم الحناكي فاختاروا المترجم بعدما أمرهم الملك عبد العزيز أن يختاروا قاضيًا فوقع الاختيار عليه وألزمه الملك بذلك وقال له يا ابني إنهم اتفقوا على اختيارك فتوكل على الله فقام فهذه الوظيفة خير قيام وأحبه الأهالي ثم أن أمير الخرمة طلب من الملك نقله إليهم فنقل في آخر عام (١٣٦٥ هـ) وكان في جلوسه لقضاء بلدة الرس لا يأنف من مراجعة العلماء ومشاورتهم كمحمد بن مقبل وعمر بن محمد بن سليم وصالح بن عثمان القاضي وهذه خصلة حميدة تدل على توفيقه فاستمر في قضاء الخدمة ثلاث سنين ولكنه طلب الإعفاء من القضاء لنزاع حصل بين الأمير وبين بعض الأهالي وبما أن الأمير نجل خالد بن منصور بن لوي مكانة فقد ثبتت الحكومة مقدمه في بلده وسار المترجم إلى رنيه وجعل يدرس ويرشد ويعظ وأبي عن الانضمام إلى سلك القضاء وفي عام (١٣٧٢ هـ) سافر إلى الطائف بعدما أصر على عدم مراجعة القضاء فكان مرجعًا للأحباب والأصحاب وأسن وأرهقته الشيخوخة حتى وافاه أجله المحتوم في ٢٨/ ٩ / ١٣٩٥ هـ ﵀ وعفا عنه. وفيها في يوم الثلاثاء ٩/ ٥ وفاة الزاهد محمد بن صالح بن عبد الله الرشودي من أهالي ضاحية رواق الكائن جنوبًا عن مدينة بريدة عن عمر يناهز ٨٤ لأنولادته كانت في آخر سنة المليداء عام (١٣٠٨ هـ) نشأ في عبادة الله وفي العفة والزهد فتعلم القرآن وكان في كفاف من العيش ومع ذلك فكان سخيًّا كريمًا لا يمسك على شيء متصدقًا مواسيًا للفقراء والمساكين وإن كان ذلك جهد مقل فكان لا يتمالك إذا رأى الفقير عن أن يناوله ما تيسر من قنو تمر أو حزمه سنيل أو ما في يده من النقود ويخفي الصدقة ويلتذ ببذل ما يقدر عليه وكان تاليًا لكتاب الله ومكبًا على التلاوة من المصحف ولا يفتر عن الذكر، أما عن صلاة النافلة فحدث ولا حرج وتعجب لحالته كيف يطيق ابن آدم ذلك القيام والركوع والسجود وقد اصطحبنا نحن وإياهم في سفر الحج عام (١٣٥٩ هـ) فرأيته لا يفتر بالليل عن الصلاة والتهجد طوال الليل ويبذل الطعام ولا يمسك شيئًا ولو كان شهيًا وحج ما يفوق عن ستين حجة وغالبها على ظهور الإبل حتى ظهرت السيارات وله خوارق عادات منها أنهم لما أحضروا طعام العشاء له ولأولاده وعاملين عندهم إذا بضيوف لا يقل عددهم عن سبعة فكانوا خمسة عشر بأجمعهم فقام وقعد وأحضر مع الطعام المعتاد تمرًا ثم جعل يسمي ويدير يده على الصحن الصغير ويستنزل البركة فأكلوا وشبعوا جميعًا والصحن على حالته وقد وجد في مزرعته ورقة سنبلة فيها الكتابة التي قدمنا ذكرها في السنة التي قبلها. وكان متقشفًا ششن اليدين والرجلين لا يعبأ كما يصيبه من الصدمات وما يكابده من المشاق في هذه الحياة وكان من رفقه الزاهد محمد بن إبراهيم النجيدي يحجون جميعًا ويعتمرون جميعًا كافًا أذاه عن الناس غامض الذكر غير أن شهرة عبادته وزهده مذكورة وله أخوة منهم عبد الله بن صالح الرشودي يعد من زهاد أهل زمانه وبما أنه لا يقرأ القرآن فهو مولع بسماعه واستماعه فتجده لا يمل من استماع القرآن من كل قارئ لكتاب الله كبيرًا أو صغيرًا فيجلس متواضعًا عن يمين القارئ ويأتم به إذا سجد للتلاوة ولو كان ابن خمس سنين وإذا سمع بجنازة قام مهرولًا لتشييع الميت من البيت أو من حيث وجد الجنازة إلى قبره ويطعم الطعام على حبه مما وجده عند أهله فهو فلاح في سباخ بريدة ويكابد الفقر ويستدين لحبه للصدقة عن جهد مقل ويتابع مجالس الذكر فلايفوته منها شيء، وإذا وجد الغريب أخذ بيده وذهب به إلى بيته فيطعمه مما يجده وربما اغترف من القدر وهي على النار فلا إله إلا الله ما أعجب حالته ولهما أخ يدعى إبراهيم بن صالح يتعبر من الزهاد مات من دور العام المقبل من وفاة محمد. وفيها وقعت اشتباكات عنيفة في ربيع الثاني بين المواطنين العرب داخل المسجد الأقصى وبين عصابة يهودية حاولت تدنيس جدران المسجد، وذلك أن العصابة اقتحمت أبواب المسجد الأقصى وقت صلاة الفجر وتوجهت إلى الجدران تلطخها بالدهان الأسود تقديرًا وتحقيرًا للإسلام ولم ترع للمسجد حرمة بينما توجهت عصابة أخرى إلى مسجد عمر بالقيام بالعملية نفسها وأكدت الأنباء من القادمين من الضفة الغربية المحتلة أن هذه العصابة كانت تستهدف هدم أحد أسوار المسجد الأقصى وقامت جموع المصلين في المسجد وسكان البيوت المجاورة ضد هذه العصابة وتصدوا لهذه الفئات التي كانت تحمل المعاول فدارت اشتباكات عنيفة سقط فيها عدد من الجرحى وقد قامت العرب بمحاولات ضد اليهود فوضعت السعودية قوات مرابطة على الجبهة السورية وقوات مرابطة على الجبهة الأردنية وقام سمو الأمير تركي بن عبد العزيز نائب وزير الدفاع في هذا الشهر بزيادة هذه القوات المرابطة هناك وتفقدها كما قام الرئيس المصري أنور السادات بجولة تشمل الكويت والعراق وسوريا والأردن تهدف لصالح العرب بعد فشل جهود هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية المتقدمة في شهر مارس الماضي، وهذا في شهر ربيع الثاني من هذه السنة. وفيها في ٢٢/ ١ بعد العصر توفيت أم كلثوم المغنية في مصر وقد تأخر تجهيزها ليوم ٢٤/ ١ وقدم إلى مصر لتشييعها إلى قبرها وفود كثرة من بعض الحكومات التي فتنت بالأغاني والأخلاق الساقطة من ذوي العقول السخيفة. وسنورد مقالا من مجلة المجتمع متهكمة إلى آخر السخرية قالت المجلة: (العالم العربي يعيش مرحلة حرجة لا بسبب الاعتداءات على جنوب لبنان وإبادة الأبرياء من السكان الأمنين ولا بسبب تهديدات أمريكا التي تخدش كرامة كل عربي ولا حتى بوقوع حربخامسة ما بين العرب وإسرائيل ليس بسبب كل هذا يعيش العالم العربي مرحلة معلقة إنما بسبب تدهور صحة ملكة الغناء وكوكب الشرق (أم كلثوم) وإليكم ما جاء في الصحف العربية أصدقاء العائلة عائلة أم كلثوم قالوا إن حالة معبودة العالم العربي منذ ٥٠ سنة قد تحسنت أمس فلماذا تحمر أنوف بعض الناس عندما نقول أن ناسًا في بلادنا يعبدون غير الله ويعيشون في جاهلية أشد من جاهلية أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف ولما أن فرغ صاحب المقالة من السخرية بأولئك المهووسين وكال لهم ككيال السخرية والشماتة ما يقابل خسائرهم في ذهابهم وإيابهم قال اللهم إن المرض والحياة والموت قدر لك حسب أجل معلوم لا يتأخر ولا يتقدم وقدر الله ليس فيه شماتة بل يسرنا أن تتوب (أم كلثوم) قبل موتها عن جريمة تخدير العالم العربي خلال نصف قرن، وإن كان أثرها السيء سيستمر بعد وفاتها ولكن أليس انشغال العالم العربي بمثل هذا دليلًا على ما يعيشه من تخلف وانحراف عن منهج الله. وقال صاحب مقالة أخرى ما هي أم كلثوم إنما هي عجوز شمطاء بلغت من الكِبر عتيًا ويكفيها من الإثم ما ملئت به الأشرطة التي هي وصمة في وجهها إلى يوم القيامة فما اهتز العالم من أقصاه إلى أقصاه لنزول اليهود بلاد العرب وتحكماتهم الانحرافية ولا لما جرى من استلاب فلسطين من أهلها المقيمين الآمنين بأيدي اليهود المغضوب عليهم الذين لم يجدوا رادعًا ولا وازعًا دينيًّا ولا خلقًا عقليًا يمنعهم من الظلم الوجيع لسلام وأهله ولا لما نزل بالقدس والمسجد الأقصى، تارة تأتي العصابات اليهودية بمعاولها لهدمه جهارًا كشهد من الله ومن خلقه ولا لما وقع بلبنان من المجازر الوحشية التي تشيب لها النواصي حتى أصبح الأهالي صيد القناصة من الشيوعيين والنصيرين ولا ما أمسى به أهل فلسطين من أخذ أبريائهم وضعفائهم وزجهم في غيابات السجون حتى امتلأت بمئات الألوف منهم من لقي مصيره بالقتل ومنهم من شردوا عن أوطانهم وانتهبت أموالهم، ومنهم من لا يزال تحت التعذيب ورحمة اليهود الذين نزعت الرحمة من قلوبهم ولا لتوسعات اليهودوتحكماتهم في بلاد العرب لم يهتز العالم لذلك كله بل اهتز لموت أم كلثوم العجوز الشمطاء المغنية، فوالله لو عقل أولئك المجانين لعلموا أن قلوبهم قد ماتت قبل موت أم كلثوم ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾. وفيها ٨/ ٨ ثار شعب بنغلادش من الباكستان الشرقية التي سكانها ٧٥ مليونًا وأطاحوا بحكومة مجيب الرحمن، فقتل في بيته وهو رئيس الجمهورية وكانت ولادته عام (١٩٢٠ م) عن عمر يناهز الخامسة والخمسين وتولى بعده الرئيس أحمد وكان يتظاهر بالإسلام ويحارب الشيوعية وكان عضد الرئيس مجيب الرحمن غير أنه كثير الخلاف في الشيوعية. وفيها في يوم عيد الأضحى نشب حريق هائل في منى وحجاج بيت الله مكتظين هناك، وبما أن خيام الحجاج متماسكة فقد أتى الحريق على جملة منها وهلك بأسبابه أنفس كثيرة بشرية، وأصيب آخرون وترك ذلك الحريق ميدانًا كبيرًا وكان أسبابه أسطوانة غاز انفجرت فسببت تلك الأضرار وعم الحريق ما يليه من الأسطوانات. وفيها في اليوم ١٩/ ١٢ قام خمسة إرهابيون فدائيون فاختطفوا طائرة تحمل وزراء البترول أحمد زكي يماني السعودي ووزير الكويت ووزير إيران ووزير العراق وغيرهم وكانوا قد امتطوا تلك الطائرة لحضور المؤتمر في النمسا فأصبحوا مهددين تحت الأخطار وقام أولئك الأشقياء بتسخير الكابتن على ما تقتضيه إرادتهم بعدما قتلوا اثنين من رفقة الوزراء، ثم أنهم ذهبوا بالطائرة يريدون مطار الجزائر وطلبوا تزويدها بالوقود، ثم ذهبوا بالطائرة يريدون مطار تونس غير أن الحكومة هناك مانعت من نزولهم فيها ثم أفرجوا عن بعض الوزراء وأصبح البقية مهددين تحت رحمة الإرهابيين ولما أن رجعوا إلى الجزائر ورجع بقية الوزراء سالمين على متن طائرات بعثت بها إليهم حكوماتهم.وقد نشرت جريدة الرياض في ٢٤/ ٣ ما يلي عن ياسر عرفات .. إسرائيل تملك ثلاثة أنواع من الأسلحة النووية وتخطط لحرب جديدة وقد كان ألقي في الليلة الماضية هذا الخطاب في الدوحة وناشد العرب أن يصغوا إلى تحذيراته من نوايا إسرائيل، وقال إنه لا يوجد أدنى شك في أنها تستعد لحرب أخرى، ومضى ياسر عرفات قائلًا أن إسرائيل قد زادت قوتها النظامية من ٨٠٠٠٠ جندي إلى ١٢٠٠٠٠ وضاعفت قوتها من الدروع من ألف وأربعمائة دبابة إلى ٢٦٠٠ دبابة إلى جانب حصولها على مزيد من الطائرات والصواريخ التي تستطيع حمل رؤوس نووية. وقال وعلي أن أؤكد لكم ولدى مصادرنا الخاصة للمعلومات داخل فلسطين المحتلة أن لدى إسرائيل ما بين ثلاث وخمس قنابل ذرية وأن الصواريخ التي أعطيت لإسرائيل قد أعدت لأمر ضخم وعاجلًا أو آجلًا ستلجأ إسرائيل إلى الحرب. وفيها وفاة الأستاذ رضوان إبراهيم في القاهرة وذلك في أواخر شهر ذي الحجة ويعد في مصر أحد كبار موظفي وزارة التعليم وله مقالات عديدة في مجلة الرابطة من سنوات طويلة، وكان فيما يذكر عنه على جانب كبير من دماثة الأخلاق محبوبًا لدى محبيه وعارفيه فرحمة الله على أموات المسلمين. وفي أوائل هذه السنة نشبت خلافات في لبنان وذلك بمناسبة ثورة عزيز الأحدب وخلع المسيحي سليمان فرنجيه ذلك بأنه كان للأول أحزاب يؤيدونه ولم تنجح ثورة عزيز بل كانت أساسًا لفوضى وقعت في لبنان.
  • full passagepage 2096, entry [863]13,585 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نجد والمنطقة الشرقية ﵀ وعفا عنه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم والبحر الزاخر مقيم العوجاء وناصر الملة السمحاء بقية السلف الصالح ومن لا تأخذه في الله لومة لائم أبو حسن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن حسين
    ▸ expand full passage (13,585 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نجد والمنطقة الشرقية ﵀ وعفا عنه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم والبحر الزاخر مقيم العوجاء وناصر الملة السمحاء بقية السلف الصالح ومن لا تأخذه في الله لومة لائم أبو حسن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن إمام الدعوة ناصر السنة قامع البدعة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وقد سبق سياق النسب في ذكر جدهم الشيخ في أول الكتاب، ولد المترجم في عام (١٣١٩ هـ) فنشأ في بيت علم وتعلم القرآن كعادة أهل زمانه ثم أخذ مبادىأئ الكتب الصغار ثلاثة الأصول والتوحيد وكشف الشبهات وآداب المشي إلى الصلاة والرحبية والأجرومية ثم أنه أخذ عن أبيه الشيخ حسن وكان له قوة ذاكرة وفهم منير فتلقى عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف سائر العلوم وأخذ عن الشيخسليمان بن سحمان وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس ودرس على هؤلاء في الكتب الكبار والأمهات وجعل يتردد على حلقات الذكر بهمة عالية وقوة عزيمة حتى ظهر في العلوم مظهرًا رائعًا، وكان خطيبًا مصقعًا ينتظم الكلام ويخرج منه بحسن تعبير ولا يمل وإن أطال كما أنها لا تمل فوائده، ومن قوته أنه كان مخيفًا للمجرمين فلا يذكر اسمه أمامهم إلا وجموا ولما أن كان في سنة (١٣٤٥ هـ) أقامهُ الملكة عبد العزيز رئيسًا لهيئات الأمر بالمعروف فقام بهذه المهمة خير قيام بقوة ونشاط وصدق لا تأخذه في الله لومة لائم وهابه المبطلون، وكان قد شدت الحكومة أزره بأعوان وأعضاء وجنود، وإذا رأى أمرًا شديدًا من المناكر فإنه يراجع فيه ويشجعه للانتقام بالعصا كما وجد أربعة قد أفطروا في شهر رمضان خارج البلد فأتى بهم إلى السلطان فأمر بهم جلالته أن يحملوا أباريقهم وأوانيهم بأيديهم ويطاف بهم في الأسواق في الحالة التي وجدوا فيها ثم ضربوا بالخشب حتى هلكوا تحت الضرب، وكان ثلاثة من الأشقياء ألقوا القبض على صبي فحملوه يريدون الفرار به غير أنه كتب له السلامة بحيث فزع المسلمون على ساقة السيارة فلما أخذوا ذات الشمال إذ بسيارة قلابي تلاقيهم فوقفوا وشردوا تاركين سيارتهم والصبي فيها مشدودًا فاه لئلا يتكلم وكان الشد قد أطبق أسنانه على لسانه فذهبت الأمة لإشعار الرئيس فجيء بالسيارة إليه وجاءه المالك يسأل عنها لأن السيارة والحالة هذه يسأل عنها رجال الأمن كما أنه يسأل الشيخ الرئيس كذلك لخشية وقوع مثل ذلك، وذكر المالك أن سائق السيارة قد نام في حديقة من الحدائق فلما انتبه إذا قد سرقت، هذا ما ادعاه المجرم فقال له ائتني به وبعث معه بجنود فجيء به فأمر أن يشد على عقبيه في عمود من العمد ويجعل منكوسًا ويضرب بالخيزران حتى خبر بأصحابه فذهب الشيخ إلى الملك سعود يسأله أن يحكم بقتلهم وقال انهار أي والدكم إذا ما فعل أحد مثل فعلهم وقصة العبد مرسال وكيف خاطر الشح بنفسه حتى كاد أن يقتله العبد مشهورة وقد يناله أذى في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه يقابل ذلك بالصبر، وكان ينشر الدعوةإلى الله ويعظ ويرشد ويوجه، وله جاه ومنزلة عالية تهابه الملوك وتقبل توجيهاته. وهذه صفته: كان مربوع القامة حسن الوجه صلبًا قويًّا مع لين وحسن معاشرة لمن قصده ولونه حنطي قد وخطه الشيب لما أسن وفي آخر عمره أصيب بربو قد يزداد عليه وقد يخف حتى أنهكه ذلك لأنه يتعب نفسه ويباشر مهام الأمور ويوالي بين الحج والعمرة حتى توفاه الله تعالى في ليلة الأحد ٢ من رمضان في هذه السنة بمدينة الطائف فصلى عليه هناك جم غفير وخلق كثير على رأسهم الملك خالد وولي العهد وجمع حاشد من العلماء والأعيان ثم نقل جثمانه بطائرة إلى مدينة الرياض حيث صلي عليه بالجامع الكبير حضر الصلاة عليه خلائق كثيرون ودفن في مقبرة العود بين أسلافه وأجداده وقد نعته الصحف وبكته الأمة ﵀ وعفا عنه. الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن فريح من أهالي وشيقر، ولد ﵀ في بلدته عام (١٣١٣ هـ) ثم سافر إلى مكة المكرمة بعدما أخذ مبادئ من العلوم في بلدته حيث تعلم القرآن الكريم وعلم الخط والحساب لأن الظروف قضت بذلك لسفر والده إلى أم القرى فأخذ عن علماء الحرم الشريف فلبث هناك ثم رجع بعد ثلاث وعشرين سنة إلى بلده، وقد راودوه على القضاء لكنه رفض وهو مدرس في المدارس الحكومية واستمر في وظيفة الإمام والخطابة والتدريس، فهو خطيب جامع وشيقر، ولما أرهقته الشيخوخة ترك التدريس وجعل يتابع الوعظ والإرشاد وتجرد للعبادة والاجتهاد حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة وكان من العناقر قبيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري. الشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن رشيد، ولد هذا العالم في إحدى ضواحي مدينة الرس عام (١٣١١ هـ). فنشأ كغيره من الطلاب يدرس على معلم في الرس تدعي محمد بن صالح بن خليفة كان هذا المعلم من أهالي الرس ثم استوطن مدينة بريدة بعدما ذهب إلى الرياض وأمضى حقبة من الزمن وبعد رجوعه إلى بريدة تتلمذ الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولبث فيها عشرين عامًا حتى توفاه الله على إثر حادث انقلاب سيارة عام (١٣٦٨ هـ) رجعنا إلىالمترجم فيقول أخذ عن الشيخ إبراهيم بن ضويان العالِم المشهور في مدينة الرس، وأخذ عن الشيخ الفاضل عبد الله بن سليمان بن بليهد وأخذ عن علماء الرس ثم سمت به همته فقدم مدينة بريدة فأخذ في الدراسة على الشيخين العالمين عبد الله بن محمد بن سليم وعمر بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر ثم أنه ذهب إلى الرياض وواصل دراسته فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ سليمان بن سحمان والشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود واستمر في دراسته ثم رجع إلى القصيم وانتدبته الحكومة إلى البادية لوعظهم وإرشادهم وكان لدعوته قبول حينما كان في هجرة سنام ثم عاد إلى الرسّ فأخذ في التعليم وفي عام (١٣٤٨ هـ) عين قاضيًا للأمر ملكي في بلدة الرس لسوء تفاهم بينهم وبين قاضيهم السابق سالم الحناكي فاختاروا المترجم بعدما أمرهم الملك عبد العزيز أن يختاروا قاضيًا فوقع الاختيار عليه وألزمه الملك بذلك وقال له يا ابني إنهم اتفقوا على اختيارك فتوكل على الله فقام فهذه الوظيفة خير قيام وأحبه الأهالي ثم أن أمير الخرمة طلب من الملك نقله إليهم فنقل في آخر عام (١٣٦٥ هـ) وكان في جلوسه لقضاء بلدة الرس لا يأنف من مراجعة العلماء ومشاورتهم كمحمد بن مقبل وعمر بن محمد بن سليم وصالح بن عثمان القاضي وهذه خصلة حميدة تدل على توفيقه فاستمر في قضاء الخدمة ثلاث سنين ولكنه طلب الإعفاء من القضاء لنزاع حصل بين الأمير وبين بعض الأهالي وبما أن الأمير نجل خالد بن منصور بن لوي مكانة فقد ثبتت الحكومة مقدمه في بلده وسار المترجم إلى رنيه وجعل يدرس ويرشد ويعظ وأبي عن الانضمام إلى سلك القضاء وفي عام (١٣٧٢ هـ) سافر إلى الطائف بعدما أصر على عدم مراجعة القضاء فكان مرجعًا للأحباب والأصحاب وأسن وأرهقته الشيخوخة حتى وافاه أجله المحتوم في ٢٨/ ٩ / ١٣٩٥ هـ ﵀ وعفا عنه. وفيها في يوم الثلاثاء ٩/ ٥ وفاة الزاهد محمد بن صالح بن عبد الله الرشودي من أهالي ضاحية رواق الكائن جنوبًا عن مدينة بريدة عن عمر يناهز ٨٤ لأنولادته كانت في آخر سنة المليداء عام (١٣٠٨ هـ) نشأ في عبادة الله وفي العفة والزهد فتعلم القرآن وكان في كفاف من العيش ومع ذلك فكان سخيًّا كريمًا لا يمسك على شيء متصدقًا مواسيًا للفقراء والمساكين وإن كان ذلك جهد مقل فكان لا يتمالك إذا رأى الفقير عن أن يناوله ما تيسر من قنو تمر أو حزمه سنيل أو ما في يده من النقود ويخفي الصدقة ويلتذ ببذل ما يقدر عليه وكان تاليًا لكتاب الله ومكبًا على التلاوة من المصحف ولا يفتر عن الذكر، أما عن صلاة النافلة فحدث ولا حرج وتعجب لحالته كيف يطيق ابن آدم ذلك القيام والركوع والسجود وقد اصطحبنا نحن وإياهم في سفر الحج عام (١٣٥٩ هـ) فرأيته لا يفتر بالليل عن الصلاة والتهجد طوال الليل ويبذل الطعام ولا يمسك شيئًا ولو كان شهيًا وحج ما يفوق عن ستين حجة وغالبها على ظهور الإبل حتى ظهرت السيارات وله خوارق عادات منها أنهم لما أحضروا طعام العشاء له ولأولاده وعاملين عندهم إذا بضيوف لا يقل عددهم عن سبعة فكانوا خمسة عشر بأجمعهم فقام وقعد وأحضر مع الطعام المعتاد تمرًا ثم جعل يسمي ويدير يده على الصحن الصغير ويستنزل البركة فأكلوا وشبعوا جميعًا والصحن على حالته وقد وجد في مزرعته ورقة سنبلة فيها الكتابة التي قدمنا ذكرها في السنة التي قبلها. وكان متقشفًا ششن اليدين والرجلين لا يعبأ كما يصيبه من الصدمات وما يكابده من المشاق في هذه الحياة وكان من رفقه الزاهد محمد بن إبراهيم النجيدي يحجون جميعًا ويعتمرون جميعًا كافًا أذاه عن الناس غامض الذكر غير أن شهرة عبادته وزهده مذكورة وله أخوة منهم عبد الله بن صالح الرشودي يعد من زهاد أهل زمانه وبما أنه لا يقرأ القرآن فهو مولع بسماعه واستماعه فتجده لا يمل من استماع القرآن من كل قارئ لكتاب الله كبيرًا أو صغيرًا فيجلس متواضعًا عن يمين القارئ ويأتم به إذا سجد للتلاوة ولو كان ابن خمس سنين وإذا سمع بجنازة قام مهرولًا لتشييع الميت من البيت أو من حيث وجد الجنازة إلى قبره ويطعم الطعام على حبه مما وجده عند أهله فهو فلاح في سباخ بريدة ويكابد الفقر ويستدين لحبه للصدقة عن جهد مقل ويتابع مجالس الذكر فلايفوته منها شيء، وإذا وجد الغريب أخذ بيده وذهب به إلى بيته فيطعمه مما يجده وربما اغترف من القدر وهي على النار فلا إله إلا الله ما أعجب حالته ولهما أخ يدعى إبراهيم بن صالح يتعبر من الزهاد مات من دور العام المقبل من وفاة محمد. وفيها وقعت اشتباكات عنيفة في ربيع الثاني بين المواطنين العرب داخل المسجد الأقصى وبين عصابة يهودية حاولت تدنيس جدران المسجد، وذلك أن العصابة اقتحمت أبواب المسجد الأقصى وقت صلاة الفجر وتوجهت إلى الجدران تلطخها بالدهان الأسود تقديرًا وتحقيرًا للإسلام ولم ترع للمسجد حرمة بينما توجهت عصابة أخرى إلى مسجد عمر بالقيام بالعملية نفسها وأكدت الأنباء من القادمين من الضفة الغربية المحتلة أن هذه العصابة كانت تستهدف هدم أحد أسوار المسجد الأقصى وقامت جموع المصلين في المسجد وسكان البيوت المجاورة ضد هذه العصابة وتصدوا لهذه الفئات التي كانت تحمل المعاول فدارت اشتباكات عنيفة سقط فيها عدد من الجرحى وقد قامت العرب بمحاولات ضد اليهود فوضعت السعودية قوات مرابطة على الجبهة السورية وقوات مرابطة على الجبهة الأردنية وقام سمو الأمير تركي بن عبد العزيز نائب وزير الدفاع في هذا الشهر بزيادة هذه القوات المرابطة هناك وتفقدها كما قام الرئيس المصري أنور السادات بجولة تشمل الكويت والعراق وسوريا والأردن تهدف لصالح العرب بعد فشل جهود هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية المتقدمة في شهر مارس الماضي، وهذا في شهر ربيع الثاني من هذه السنة. وفيها في ٢٢/ ١ بعد العصر توفيت أم كلثوم المغنية في مصر وقد تأخر تجهيزها ليوم ٢٤/ ١ وقدم إلى مصر لتشييعها إلى قبرها وفود كثرة من بعض الحكومات التي فتنت بالأغاني والأخلاق الساقطة من ذوي العقول السخيفة. وسنورد مقالا من مجلة المجتمع متهكمة إلى آخر السخرية قالت المجلة: (العالم العربي يعيش مرحلة حرجة لا بسبب الاعتداءات على جنوب لبنان وإبادة الأبرياء من السكان الأمنين ولا بسبب تهديدات أمريكا التي تخدش كرامة كل عربي ولا حتى بوقوع حربخامسة ما بين العرب وإسرائيل ليس بسبب كل هذا يعيش العالم العربي مرحلة معلقة إنما بسبب تدهور صحة ملكة الغناء وكوكب الشرق (أم كلثوم) وإليكم ما جاء في الصحف العربية أصدقاء العائلة عائلة أم كلثوم قالوا إن حالة معبودة العالم العربي منذ ٥٠ سنة قد تحسنت أمس فلماذا تحمر أنوف بعض الناس عندما نقول أن ناسًا في بلادنا يعبدون غير الله ويعيشون في جاهلية أشد من جاهلية أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف ولما أن فرغ صاحب المقالة من السخرية بأولئك المهووسين وكال لهم ككيال السخرية والشماتة ما يقابل خسائرهم في ذهابهم وإيابهم قال اللهم إن المرض والحياة والموت قدر لك حسب أجل معلوم لا يتأخر ولا يتقدم وقدر الله ليس فيه شماتة بل يسرنا أن تتوب (أم كلثوم) قبل موتها عن جريمة تخدير العالم العربي خلال نصف قرن، وإن كان أثرها السيء سيستمر بعد وفاتها ولكن أليس انشغال العالم العربي بمثل هذا دليلًا على ما يعيشه من تخلف وانحراف عن منهج الله. وقال صاحب مقالة أخرى ما هي أم كلثوم إنما هي عجوز شمطاء بلغت من الكِبر عتيًا ويكفيها من الإثم ما ملئت به الأشرطة التي هي وصمة في وجهها إلى يوم القيامة فما اهتز العالم من أقصاه إلى أقصاه لنزول اليهود بلاد العرب وتحكماتهم الانحرافية ولا لما جرى من استلاب فلسطين من أهلها المقيمين الآمنين بأيدي اليهود المغضوب عليهم الذين لم يجدوا رادعًا ولا وازعًا دينيًّا ولا خلقًا عقليًا يمنعهم من الظلم الوجيع لسلام وأهله ولا لما نزل بالقدس والمسجد الأقصى، تارة تأتي العصابات اليهودية بمعاولها لهدمه جهارًا كشهد من الله ومن خلقه ولا لما وقع بلبنان من المجازر الوحشية التي تشيب لها النواصي حتى أصبح الأهالي صيد القناصة من الشيوعيين والنصيرين ولا ما أمسى به أهل فلسطين من أخذ أبريائهم وضعفائهم وزجهم في غيابات السجون حتى امتلأت بمئات الألوف منهم من لقي مصيره بالقتل ومنهم من شردوا عن أوطانهم وانتهبت أموالهم، ومنهم من لا يزال تحت التعذيب ورحمة اليهود الذين نزعت الرحمة من قلوبهم ولا لتوسعات اليهودوتحكماتهم في بلاد العرب لم يهتز العالم لذلك كله بل اهتز لموت أم كلثوم العجوز الشمطاء المغنية، فوالله لو عقل أولئك المجانين لعلموا أن قلوبهم قد ماتت قبل موت أم كلثوم ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾. وفيها ٨/ ٨ ثار شعب بنغلادش من الباكستان الشرقية التي سكانها ٧٥ مليونًا وأطاحوا بحكومة مجيب الرحمن، فقتل في بيته وهو رئيس الجمهورية وكانت ولادته عام (١٩٢٠ م) عن عمر يناهز الخامسة والخمسين وتولى بعده الرئيس أحمد وكان يتظاهر بالإسلام ويحارب الشيوعية وكان عضد الرئيس مجيب الرحمن غير أنه كثير الخلاف في الشيوعية. وفيها في يوم عيد الأضحى نشب حريق هائل في منى وحجاج بيت الله مكتظين هناك، وبما أن خيام الحجاج متماسكة فقد أتى الحريق على جملة منها وهلك بأسبابه أنفس كثيرة بشرية، وأصيب آخرون وترك ذلك الحريق ميدانًا كبيرًا وكان أسبابه أسطوانة غاز انفجرت فسببت تلك الأضرار وعم الحريق ما يليه من الأسطوانات. وفيها في اليوم ١٩/ ١٢ قام خمسة إرهابيون فدائيون فاختطفوا طائرة تحمل وزراء البترول أحمد زكي يماني السعودي ووزير الكويت ووزير إيران ووزير العراق وغيرهم وكانوا قد امتطوا تلك الطائرة لحضور المؤتمر في النمسا فأصبحوا مهددين تحت الأخطار وقام أولئك الأشقياء بتسخير الكابتن على ما تقتضيه إرادتهم بعدما قتلوا اثنين من رفقة الوزراء، ثم أنهم ذهبوا بالطائرة يريدون مطار الجزائر وطلبوا تزويدها بالوقود، ثم ذهبوا بالطائرة يريدون مطار تونس غير أن الحكومة هناك مانعت من نزولهم فيها ثم أفرجوا عن بعض الوزراء وأصبح البقية مهددين تحت رحمة الإرهابيين ولما أن رجعوا إلى الجزائر ورجع بقية الوزراء سالمين على متن طائرات بعثت بها إليهم حكوماتهم.وقد نشرت جريدة الرياض في ٢٤/ ٣ ما يلي عن ياسر عرفات .. إسرائيل تملك ثلاثة أنواع من الأسلحة النووية وتخطط لحرب جديدة وقد كان ألقي في الليلة الماضية هذا الخطاب في الدوحة وناشد العرب أن يصغوا إلى تحذيراته من نوايا إسرائيل، وقال إنه لا يوجد أدنى شك في أنها تستعد لحرب أخرى، ومضى ياسر عرفات قائلًا أن إسرائيل قد زادت قوتها النظامية من ٨٠٠٠٠ جندي إلى ١٢٠٠٠٠ وضاعفت قوتها من الدروع من ألف وأربعمائة دبابة إلى ٢٦٠٠ دبابة إلى جانب حصولها على مزيد من الطائرات والصواريخ التي تستطيع حمل رؤوس نووية. وقال وعلي أن أؤكد لكم ولدى مصادرنا الخاصة للمعلومات داخل فلسطين المحتلة أن لدى إسرائيل ما بين ثلاث وخمس قنابل ذرية وأن الصواريخ التي أعطيت لإسرائيل قد أعدت لأمر ضخم وعاجلًا أو آجلًا ستلجأ إسرائيل إلى الحرب. وفيها وفاة الأستاذ رضوان إبراهيم في القاهرة وذلك في أواخر شهر ذي الحجة ويعد في مصر أحد كبار موظفي وزارة التعليم وله مقالات عديدة في مجلة الرابطة من سنوات طويلة، وكان فيما يذكر عنه على جانب كبير من دماثة الأخلاق محبوبًا لدى محبيه وعارفيه فرحمة الله على أموات المسلمين. وفي أوائل هذه السنة نشبت خلافات في لبنان وذلك بمناسبة ثورة عزيز الأحدب وخلع المسيحي سليمان فرنجيه ذلك بأنه كان للأول أحزاب يؤيدونه ولم تنجح ثورة عزيز بل كانت أساسًا لفوضى وقعت في لبنان.
  • full passagepage 2110, entry [868]7,547 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم عبد الله بن عبد الرحمن بن دخيل رئيس مركز هيئة حلة القصمان شرقي الرياض ﵀ وعفا عنه كان والده مقدامًا ذكيًّا وجده صالح بن دخيل كان من جملة طلاب العلم الذين درسوا في بغداد، ومن جملة الذين درسوا على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ثم وقعت منافرة بينهما. أما عم المترجم فهو
    ▸ expand full passage (7,547 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم عبد الله بن عبد الرحمن بن دخيل رئيس مركز هيئة حلة القصمان شرقي الرياض ﵀ وعفا عنه كان والده مقدامًا ذكيًّا وجده صالح بن دخيل كان من جملة طلاب العلم الذين درسوا في بغداد، ومن جملة الذين درسوا على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ثم وقعت منافرة بينهما. أما عم المترجم فهو الشيخ الأديب سليمان بن صالح بن دخيل، وهم من أسرة كبيرة في نجد ينتمون إلى الدواسر ولسليمان بن صالح ذوق في الأدب والتاريخ وقد اشترك في إنشاء مجلة الرياض في بغداد وله اطلاع على عوائد العرب وأشعارهم وتاريخهم وذكره المؤرخون بالأدب والثقافة وقد رأيته عام اثنين وستين بعد الألف وثلاثمائة في مكة المكرمة بعد الحج، وكان كبر سنه وثقل مربيًا للحيته وعليه لباس العرب القميص والشماغ والبشت، ولكنني لم أتمكن من البحث معه لضيق الوقت ويذكر أنه طاف البلاد وذهب إلى الهند وبغداد والمدينة المنورة كانت وفاته بعد رؤيتي له بسنتين ﵀. أما عن المترجم فقد أخذ في الدراسة على المؤدب في مدينة بريدة صالح بن محمد بن الصتعبي في عام (١٣٤٥ هـ) إلى نهاية (١٣٤٩ هـ) وحصل على تعلم القرآن والكتابة والحساب وذهب إلى مدينة الرياض واتصل بالعلماء هناك وحصل على وظيفة رئيس مركز في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستمر فيها بنشاط وقوة عزيمة لكنه طلب الإقالة أو أقيل لأنه كان قويًّا ولم تساعده الظروفوأصيب في أواخر عمره بمرض السكر لأنه كان ممتلئ الجسم وقضى عليه مرضه وهو مسافر في نسك العمر ﵀ وعفا عنه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد العزيز الفوزان وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم بن صالح بن فوزان بن راشد وتقدم ذكر نسبهم في ترجمة والده وينتمون إلى الروقة من أفخاذ عتيبة ولد في مدينة بريدة عام (١٣٣٣ هـ) ونشأ بتربية أبيه وعناية الله ثم عنايته وأدخله والده على مؤدب يدعى محمد بن عقيل لتعلم القرآن والكتابة ثم إنه أخذ يطلب العلم من الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي وأكثر الأخذ عن الشيخ عمر والشيخ عبد العزيز العبادي وجد واجتهد ونافس في طلب العلوم الدينية في حلق الذكر ومن معلوماته ثلاثة الأصول والتوحيد وكشف الشبهات ومفيد المستفيد وآداب المشي إلى الصلاة وعمدة الأحكام وعمدة الفقيه ودليل الطالب وشرحه وزاد المستقنع وشرحه للبهوتي وبلوغ المرام والمنتقى من أخبار المصطفى وعكف على المراجعة في القناع وكشاف القناع والمقنع، وفي عام (١٣٥٦ هـ) جعله الشيخ عمر إمامًا في مسجده الكائن شرقي مدينة بريدة ثم إنه رفع للقضاء في الجوف دومة الجندل ثم في ضرية ثم نقل إلى قضاء صبيًّا ثم كان رئيسًا لمحكمة جيزان ثم نقل إلى بلد الطائف فمكث فيها إلى عام (١٣٨٠ هـ) حيث نقل إلى هيئة التمييز فكان عضوًا فيها بمكة المكرمة، واستمر في تلك الوظيفة ولما أن كان في ١٧/ ١٢ أصيب بنزيف في المخ بعد صلاة الفجر من ذلك اليوم ففقد وعيه ودام مغمى عليه إلى الليل حيث توفاه الله تعالى في الساعة الثانية بعد الغروب وقد نقل إلى المستشفى فلم يغن ذلك عنه من شيء وكانت وفاته ليلة الخميس ١٨ من الشهر المذكور فصلى عليه في المسجد الحرام ظهرًا ودفن في العدل، وكان في جميع الوظائف التي نالها محمود السيرة ومثالًا في النزاهة والحكم بالحق وهو من زملائنا في الدراسة ومن جملة أصحابنا مولعًا بدراسة النحو وله حظٌّ في معرفة المواريث، ومع ذلك فإنه دمث الأخلاق متواضعاجتماعي هادئ الطبع وآخر عهدي به في آخر عام (١٣٨٩ هـ) حيث زارني في مدينة بريدة وجلسنا نتناول القهوة في بيتنا نتحدث كأخٍ عزيز لم تطغه المناصب ولم تستهوه خمرة العجب وكان له أخوة كرام من أبرزهم أمير ضاحية خضيراء فوزان بن صالح ومنهم محمد وحمود وسليمان وعبد الكريم ومن زملائه صالح بن سليمان بن حميد وعبد الرحمن بن عبد الله بن طرباق وعلي بن صالح بن مرشد وعبد الله بن صالح بن حسين وعلي بن محمد بن علي السكاكر رحمة الله على الشيخ عبد العزيز. وممن توفي فيها إبراهيم بن صالح الرشودي وذلك في ٩/ ٥ من هذه السنة بعد وفاة أخيه محمد بن صالح بسنة لا زيادة ولا نقصان، وهو: إبراهيم بن صالح بن عبد الله الرشودي عن عمر يناهز السابعة والثمانين قضاها في العبادة والذكر وتلاوة القرآن وكان من زهاد زمانه كأخيه محمد وعبد اللَّه نحيف البدن ملازمًا للصلاة كافًا شره عن الناس. وفيها وفاة الشيخ محمد صادق المجددي عضو المجلس التأسيسي لرباطة العالم الإسلامي ويصفونه بالمدافعة عن دين الإسلام وأنه سفير أفغانستان في المملكة السعودية. وفيها في ٩/ ٩ صدر أمر ملكي بتعيين عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيسًا لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برتبة وزير وذلك برقم ١/ ٢١٥ وقد أشاد الشيخ عبد العزيز بذلك المرسوم الملكي الخاص بتوحيد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هيئة واحدة ترتبط برئاسة مجلس الوزراء وقال أن هذا المرسوم يأتي نتيجة لاهتمام جلالة الملك خالد المعظم وصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورغبتهم في تنظيم هذا المرفق الهام وقال أنه سيختار للهيئة نخبة صالحة من الرجال الأكفاء المؤهلين علميًّا وفكريًّا ليتحملوا الأمانة وأطال في الموضوع ولكن ذلك لم يطل زمنه فقد زالت عنه وعين لها الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ واستمرفيها وكان عبد العزيز بن عبد الله هو الخطيب في الأعياد بالمسجد الحرام ويوم الوقوف بعرفة ولكنه أيضًا قد زالت عنه هذه الوظيفة بعد ذلك. وفيها في يوم الجمعة ٣ ا / ٢ وقع انقلاب في نيجيريا قتل لذلك الرئيس مرتضى الله محمد بحيث كمن له الثوار في طريقه إلى مكتبه فأصيب بالرصاص وقتل من أصحابه رجلان غير أن ذلك الانقلاب فشل وألقي القبض على الثوار فأعدموا ورجعت المياه في مجاريها. وفيها صدور أمر من الرئيس المصري قرارًا بتعيين حسني مبارك نائبًا للرئيس وهذا بعد تجديد رئاسته وقد أدى اليمين الدستورية أمام مجلس الشعب بعد أن أعيد انتخابه وقد تولى حسني مبارك مهامه نائبًا لرئيس الجمهورية منذ تعيينه في هذا المنصب في ١٦ إبريل عام (١٩٧٥ هـ). وفيها وقع انفجار في منجم بالهند بأسباب مياه هناك فذهب ضحية ذلك تحت الأرض ٤٥٠ عامل، وكان وقوعه في آخر ذي الحجة. وفيها افتتح خط مباشر من الخطوط الجوية بن السعودية وإيران، وفي مساء يوم الأربعاء ١٥ ربيع الأول من هذه السنة الموافق ١٠ مارس (١٩٧٦ م) في تمام الساعة الثامنة صباحًا وزيادة أربعين دقيقة هبطت طائرة إيرانية في مطار جدة من طراز بوينج ٧٢٧ قادمة من إيران. وفيها صدر قرار بمنع غير السعوديين من مزاولة التجارة في السعودية وهذا القرار يطبق فورًا لأصحاب المباسط وبائعي الخضار وأعطوا مهلة إلى آخر العام. وفيها بلغ عدد سكان الاتحاد السوفيتي مائتين وثمانية وخمسين مليونًا من النسمات البشرية وذلك بزيادة قدرها اثنا عشر مليونًا خلال السنوات الخمس الماضية. وفيها في أواخر شهر رجب صدرت فتوى في الجزائر بالتوقف عن الصيام لذوي الأعمال الشاقة وهي تتيح للعمال المسلمين الذين يقومون بأعمال شاقة فيمجمع الحديد والصلب والعمال المهاجرين إذا اقتضت الضرورة والحاجة إلى الشقة فإنهم يفطرون رمضان ويقضونه في عدة من أيام أخر ولا ريب أن هذا خطأ وجراءة على أحكام الشريعة فإن كان ذلك قياسًا على المسافر والمريض فإنه قياس غير مقبول لأن المريض لا يستطيع لمرضه والمسافر رخص له قصر الرباعية والفطر لعارض السفر، أما المقيم فإنه باستطاعته أن يترك العمل ويؤجل عمله إلى شهر شوال ويحترم هذا الموسم العظيم وقد رد العلماء على هذه الفتيا وأبطلوها مهما صدرت وممن صدرت وممن رد عليها الشيخ محمد الصالح المنسلح من أهالي بريدة. وفيها هطلت أمطار غزيرة على القصيم وما يليه واستمر هطول الأمطار من دخول الأربعانية في الشتاء إلى انسلاخ سعد السعود أي ثلاثة أشهر ونصف شهر بحيث نزحت البادية من الحجاز والعارض والوشم وسدير إلى القصيم وعم الكلاء والعشب الكثير. وفي موسم الحج من هذه السنة وجه خادم الحرمين الشريفين الملك خالد بن عبد العزيز كلمة سامية إلى حجاج بيت الله الحرام وإلى المسلمين كافة في مشارق الأرض ومغاربها وأنحاء الأرض دعا فيها إلى الجهاد في سبيل الله من أجل استعادة القدس الشريف والتمسك بالشريعة الإسلامية الخالدة وهي طويلة. وقال: نريدها غضبة ونهضة إسلامية لا تدخلها قومية ولا عنصرية ولا حزبية إنما دعوة إسلامية دعوة إلى الجهاد في سبيل الله في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعٌ عن مقدساتنا وحرماتنا وأثنى على أخيه فيصل ﵀ الذي وفقه الله إلى إبراز كيان التضامن الإسلامي وذكر ثمرة ذلك التضامن الذي بينما كان عدد الدول التي تشترك في المؤتمرات لا تتجاوز عشرين دولة أصبح الآن عددها يزيد عن الأربعين. وفيها في ١٥ شعبان أسست شركة إسمنت القصيم بمقتضى المرسوم الملكي رقم ٩/ ٩٢ لغرض إنشاء وتشغيل مصنع إسمنت بورتلاندي في بريدة وتقع شمال خط الطرفية ووصل القومطير برأسمال قدره ثلاثمائة مليون ريال.وفيها أصيبت مدينة جواتيمالا وهي جمهورية في أمريكا الوسطى بهزة أرضية هلك بسببها أربعة عشر ألف نسمة وأصيب آخرون بجروح بلغ الجرحى حوالي خمسة وأربعين ألف جريح.
  • full passagepage 2110, entry [868]7,547 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم عبد الله بن عبد الرحمن بن دخيل رئيس مركز هيئة حلة القصمان شرقي الرياض ﵀ وعفا عنه كان والده مقدامًا ذكيًّا وجده صالح بن دخيل كان من جملة طلاب العلم الذين درسوا في بغداد، ومن جملة الذين درسوا على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ثم وقعت منافرة بينهما. أما عم المترجم فهو
    ▸ expand full passage (7,547 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم عبد الله بن عبد الرحمن بن دخيل رئيس مركز هيئة حلة القصمان شرقي الرياض ﵀ وعفا عنه كان والده مقدامًا ذكيًّا وجده صالح بن دخيل كان من جملة طلاب العلم الذين درسوا في بغداد، ومن جملة الذين درسوا على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ثم وقعت منافرة بينهما. أما عم المترجم فهو الشيخ الأديب سليمان بن صالح بن دخيل، وهم من أسرة كبيرة في نجد ينتمون إلى الدواسر ولسليمان بن صالح ذوق في الأدب والتاريخ وقد اشترك في إنشاء مجلة الرياض في بغداد وله اطلاع على عوائد العرب وأشعارهم وتاريخهم وذكره المؤرخون بالأدب والثقافة وقد رأيته عام اثنين وستين بعد الألف وثلاثمائة في مكة المكرمة بعد الحج، وكان كبر سنه وثقل مربيًا للحيته وعليه لباس العرب القميص والشماغ والبشت، ولكنني لم أتمكن من البحث معه لضيق الوقت ويذكر أنه طاف البلاد وذهب إلى الهند وبغداد والمدينة المنورة كانت وفاته بعد رؤيتي له بسنتين ﵀. أما عن المترجم فقد أخذ في الدراسة على المؤدب في مدينة بريدة صالح بن محمد بن الصتعبي في عام (١٣٤٥ هـ) إلى نهاية (١٣٤٩ هـ) وحصل على تعلم القرآن والكتابة والحساب وذهب إلى مدينة الرياض واتصل بالعلماء هناك وحصل على وظيفة رئيس مركز في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستمر فيها بنشاط وقوة عزيمة لكنه طلب الإقالة أو أقيل لأنه كان قويًّا ولم تساعده الظروفوأصيب في أواخر عمره بمرض السكر لأنه كان ممتلئ الجسم وقضى عليه مرضه وهو مسافر في نسك العمر ﵀ وعفا عنه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد العزيز الفوزان وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم بن صالح بن فوزان بن راشد وتقدم ذكر نسبهم في ترجمة والده وينتمون إلى الروقة من أفخاذ عتيبة ولد في مدينة بريدة عام (١٣٣٣ هـ) ونشأ بتربية أبيه وعناية الله ثم عنايته وأدخله والده على مؤدب يدعى محمد بن عقيل لتعلم القرآن والكتابة ثم إنه أخذ يطلب العلم من الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي وأكثر الأخذ عن الشيخ عمر والشيخ عبد العزيز العبادي وجد واجتهد ونافس في طلب العلوم الدينية في حلق الذكر ومن معلوماته ثلاثة الأصول والتوحيد وكشف الشبهات ومفيد المستفيد وآداب المشي إلى الصلاة وعمدة الأحكام وعمدة الفقيه ودليل الطالب وشرحه وزاد المستقنع وشرحه للبهوتي وبلوغ المرام والمنتقى من أخبار المصطفى وعكف على المراجعة في القناع وكشاف القناع والمقنع، وفي عام (١٣٥٦ هـ) جعله الشيخ عمر إمامًا في مسجده الكائن شرقي مدينة بريدة ثم إنه رفع للقضاء في الجوف دومة الجندل ثم في ضرية ثم نقل إلى قضاء صبيًّا ثم كان رئيسًا لمحكمة جيزان ثم نقل إلى بلد الطائف فمكث فيها إلى عام (١٣٨٠ هـ) حيث نقل إلى هيئة التمييز فكان عضوًا فيها بمكة المكرمة، واستمر في تلك الوظيفة ولما أن كان في ١٧/ ١٢ أصيب بنزيف في المخ بعد صلاة الفجر من ذلك اليوم ففقد وعيه ودام مغمى عليه إلى الليل حيث توفاه الله تعالى في الساعة الثانية بعد الغروب وقد نقل إلى المستشفى فلم يغن ذلك عنه من شيء وكانت وفاته ليلة الخميس ١٨ من الشهر المذكور فصلى عليه في المسجد الحرام ظهرًا ودفن في العدل، وكان في جميع الوظائف التي نالها محمود السيرة ومثالًا في النزاهة والحكم بالحق وهو من زملائنا في الدراسة ومن جملة أصحابنا مولعًا بدراسة النحو وله حظٌّ في معرفة المواريث، ومع ذلك فإنه دمث الأخلاق متواضعاجتماعي هادئ الطبع وآخر عهدي به في آخر عام (١٣٨٩ هـ) حيث زارني في مدينة بريدة وجلسنا نتناول القهوة في بيتنا نتحدث كأخٍ عزيز لم تطغه المناصب ولم تستهوه خمرة العجب وكان له أخوة كرام من أبرزهم أمير ضاحية خضيراء فوزان بن صالح ومنهم محمد وحمود وسليمان وعبد الكريم ومن زملائه صالح بن سليمان بن حميد وعبد الرحمن بن عبد الله بن طرباق وعلي بن صالح بن مرشد وعبد الله بن صالح بن حسين وعلي بن محمد بن علي السكاكر رحمة الله على الشيخ عبد العزيز. وممن توفي فيها إبراهيم بن صالح الرشودي وذلك في ٩/ ٥ من هذه السنة بعد وفاة أخيه محمد بن صالح بسنة لا زيادة ولا نقصان، وهو: إبراهيم بن صالح بن عبد الله الرشودي عن عمر يناهز السابعة والثمانين قضاها في العبادة والذكر وتلاوة القرآن وكان من زهاد زمانه كأخيه محمد وعبد اللَّه نحيف البدن ملازمًا للصلاة كافًا شره عن الناس. وفيها وفاة الشيخ محمد صادق المجددي عضو المجلس التأسيسي لرباطة العالم الإسلامي ويصفونه بالمدافعة عن دين الإسلام وأنه سفير أفغانستان في المملكة السعودية. وفيها في ٩/ ٩ صدر أمر ملكي بتعيين عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيسًا لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برتبة وزير وذلك برقم ١/ ٢١٥ وقد أشاد الشيخ عبد العزيز بذلك المرسوم الملكي الخاص بتوحيد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هيئة واحدة ترتبط برئاسة مجلس الوزراء وقال أن هذا المرسوم يأتي نتيجة لاهتمام جلالة الملك خالد المعظم وصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورغبتهم في تنظيم هذا المرفق الهام وقال أنه سيختار للهيئة نخبة صالحة من الرجال الأكفاء المؤهلين علميًّا وفكريًّا ليتحملوا الأمانة وأطال في الموضوع ولكن ذلك لم يطل زمنه فقد زالت عنه وعين لها الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ واستمرفيها وكان عبد العزيز بن عبد الله هو الخطيب في الأعياد بالمسجد الحرام ويوم الوقوف بعرفة ولكنه أيضًا قد زالت عنه هذه الوظيفة بعد ذلك. وفيها في يوم الجمعة ٣ ا / ٢ وقع انقلاب في نيجيريا قتل لذلك الرئيس مرتضى الله محمد بحيث كمن له الثوار في طريقه إلى مكتبه فأصيب بالرصاص وقتل من أصحابه رجلان غير أن ذلك الانقلاب فشل وألقي القبض على الثوار فأعدموا ورجعت المياه في مجاريها. وفيها صدور أمر من الرئيس المصري قرارًا بتعيين حسني مبارك نائبًا للرئيس وهذا بعد تجديد رئاسته وقد أدى اليمين الدستورية أمام مجلس الشعب بعد أن أعيد انتخابه وقد تولى حسني مبارك مهامه نائبًا لرئيس الجمهورية منذ تعيينه في هذا المنصب في ١٦ إبريل عام (١٩٧٥ هـ). وفيها وقع انفجار في منجم بالهند بأسباب مياه هناك فذهب ضحية ذلك تحت الأرض ٤٥٠ عامل، وكان وقوعه في آخر ذي الحجة. وفيها افتتح خط مباشر من الخطوط الجوية بن السعودية وإيران، وفي مساء يوم الأربعاء ١٥ ربيع الأول من هذه السنة الموافق ١٠ مارس (١٩٧٦ م) في تمام الساعة الثامنة صباحًا وزيادة أربعين دقيقة هبطت طائرة إيرانية في مطار جدة من طراز بوينج ٧٢٧ قادمة من إيران. وفيها صدر قرار بمنع غير السعوديين من مزاولة التجارة في السعودية وهذا القرار يطبق فورًا لأصحاب المباسط وبائعي الخضار وأعطوا مهلة إلى آخر العام. وفيها بلغ عدد سكان الاتحاد السوفيتي مائتين وثمانية وخمسين مليونًا من النسمات البشرية وذلك بزيادة قدرها اثنا عشر مليونًا خلال السنوات الخمس الماضية. وفيها في أواخر شهر رجب صدرت فتوى في الجزائر بالتوقف عن الصيام لذوي الأعمال الشاقة وهي تتيح للعمال المسلمين الذين يقومون بأعمال شاقة فيمجمع الحديد والصلب والعمال المهاجرين إذا اقتضت الضرورة والحاجة إلى الشقة فإنهم يفطرون رمضان ويقضونه في عدة من أيام أخر ولا ريب أن هذا خطأ وجراءة على أحكام الشريعة فإن كان ذلك قياسًا على المسافر والمريض فإنه قياس غير مقبول لأن المريض لا يستطيع لمرضه والمسافر رخص له قصر الرباعية والفطر لعارض السفر، أما المقيم فإنه باستطاعته أن يترك العمل ويؤجل عمله إلى شهر شوال ويحترم هذا الموسم العظيم وقد رد العلماء على هذه الفتيا وأبطلوها مهما صدرت وممن صدرت وممن رد عليها الشيخ محمد الصالح المنسلح من أهالي بريدة. وفيها هطلت أمطار غزيرة على القصيم وما يليه واستمر هطول الأمطار من دخول الأربعانية في الشتاء إلى انسلاخ سعد السعود أي ثلاثة أشهر ونصف شهر بحيث نزحت البادية من الحجاز والعارض والوشم وسدير إلى القصيم وعم الكلاء والعشب الكثير. وفي موسم الحج من هذه السنة وجه خادم الحرمين الشريفين الملك خالد بن عبد العزيز كلمة سامية إلى حجاج بيت الله الحرام وإلى المسلمين كافة في مشارق الأرض ومغاربها وأنحاء الأرض دعا فيها إلى الجهاد في سبيل الله من أجل استعادة القدس الشريف والتمسك بالشريعة الإسلامية الخالدة وهي طويلة. وقال: نريدها غضبة ونهضة إسلامية لا تدخلها قومية ولا عنصرية ولا حزبية إنما دعوة إسلامية دعوة إلى الجهاد في سبيل الله في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعٌ عن مقدساتنا وحرماتنا وأثنى على أخيه فيصل ﵀ الذي وفقه الله إلى إبراز كيان التضامن الإسلامي وذكر ثمرة ذلك التضامن الذي بينما كان عدد الدول التي تشترك في المؤتمرات لا تتجاوز عشرين دولة أصبح الآن عددها يزيد عن الأربعين. وفيها في ١٥ شعبان أسست شركة إسمنت القصيم بمقتضى المرسوم الملكي رقم ٩/ ٩٢ لغرض إنشاء وتشغيل مصنع إسمنت بورتلاندي في بريدة وتقع شمال خط الطرفية ووصل القومطير برأسمال قدره ثلاثمائة مليون ريال.وفيها أصيبت مدينة جواتيمالا وهي جمهورية في أمريكا الوسطى بهزة أرضية هلك بسببها أربعة عشر ألف نسمة وأصيب آخرون بجروح بلغ الجرحى حوالي خمسة وأربعين ألف جريح.
  • full passagepage 2125, entry [871]38 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة
  • full passagepage 2125, entry [871]38 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها وفاة
  • full passagepage 2158, entry [897]17,739 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم مدفع التوحيد محمد صالح المطوع، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد الورع محمد بن صالح بن سليمان المطوع، ويلقب بالحميدي ويلهجون هذه التسمية وربما نسب المسجد إليه، فيقال مسجد الحميدي، وهو من أسرة كبيرة غلب عليهم هذا الاسم. ولد ﵀ في مدينة بريدة عام (١٣١٢ هـ)، وكان والد
    ▸ expand full passage (17,739 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم مدفع التوحيد محمد صالح المطوع، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد الورع محمد بن صالح بن سليمان المطوع، ويلقب بالحميدي ويلهجون هذه التسمية وربما نسب المسجد إليه، فيقال مسجد الحميدي، وهو من أسرة كبيرة غلب عليهم هذا الاسم. ولد ﵀ في مدينة بريدة عام (١٣١٢ هـ)، وكان والده من زعماء مدينة بريدة ومن العقيلات المشهورين الذين يسافرون للتجارة لمصر والشام والعراق، وكان يريد أن يكون ابنه محمد على سيره وبما أن والدته ليست في ذمة والده فقد قامت بتربية ابنها وأدخلته في إحدى المدارس لتعلم القراءة والكتابة. وقد حاول الأب أن يصده عن الدراسة وأن يأخذه قسرًا، ولكن العناية الربانية لاحظته، فقد أخذه والده معه في سفره وكان قد أخذ في الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم، فذهبت أمه إلى الأمير في بريدة عبد الله بن جلوي واستعانت بالشيخ عمر بن محمد بن سليم فأخبر الشيخ الأمير بأنه في رعاية والدته ولم ينفق عليه أَبوه، فبعث الأمير فارسًا رجع به من مسافة ثلاثين كيلو أي من قرية الطرفية ورده إلى أمه، وكان المترجم لا ينساها لشيخه عمر ويدعو له كلما ذكره، وكان يقول أنَّه سبب هدايتي، كما أن الوالد حاول في صده عن طلب العلم مرة أخرىلأنه يرى أن طلبه للدنيا أنفع له لأن الذين يطلبون العلم إذ ذاك ليس بين أيديهم مادة فسلم من هذه المحاولة بسبب والدته. طلبه العلم واجتهاده: لما تقدم الشيخ عمر بن سليم في مسجد عودة الرديني والتفَّت عليه حِلَق الذِّكر كان من جملة الذين أخذوا عنه ولازمه وأكثر الأخذ عنه وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم لما قدم من البكيرية بعد ذلك لقضاء بريدة، ثم أنَّه كان يتردد بين تدريس الشيخين المذكورين. وكان محبوبًا لما كان متصفًا به من صفات أهل اليقين، قليل المزح كثير الخشوع ومن جملة ما درس به على الشيخ عمر بن محمد الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية يلهج بأبياتها ويطمئن إليها ودرس في كتب التوحيد والفقه والتفسير والحديث والنحو والفرائض. كما أنَّه أخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن محمد بن فداء ويمتدحه بالزهد والورع ويكفيك في فضل المترجم أخذه عن هؤلاء العلماء الأفاضل والصفوة الفطاحل وله زملاء من العلماء وهم الشيخ محمد ابن عبد العزيز العجاجي والشيخ عبد الرحمن بن عبيد والشيخ عبد الله بن محمد بن جربوع والشيخ عبد الله الصالح الربدي والشيخ سليمان المشعلي وغيرهم. وما زال يطلب العلم ويزاحم العلماء حتَّى كانت له مكانة فكان الشيخ عمر يستخلفه في مسجده من بين أقرانه وله والدة سألت الله أن يجعله في إمامة محمد بن عبد العزيز الصقعي لأنه كان في إمامة ذلك المسجد، وكانت من الصالحات فاستجاب الله دعاءها بحيث لما نقل الشيخ عمر من هذا المسجد إلى مسجد ناصر بن سليمان بن سيف جعله مكانه. ولبث في إمامة هذا المسجد (٥٥) سنة تقريبًا حتَّى أعجزه الكبر فخلفه أبناؤه وجلس في ذلك المسجد قريبًا من أربعين سنة في تعليم القرآن والتوحيد والفقهوالتفسير وتخرج عليه طلاب كثيرون فكان يجلس بعد صلاة الفجر وبعد الظهر وبين العشائين على الدوام، وتعلم عليه طلاب كثيرون منهم من هو مسن ومنهم شباب ونحن نذكر بعضًا من كل، فمن أخذ عنه صالح بن إبراهيم البليهي وعلي بن عبد الله بن حواس وعبد الله الزامل بن عفيسان وإبراهيم بن ضيف الله اليوسف وعلي بن محمد السكاكر وصالح بن محمد السكاكر وإبراهيم بن محمد السكاكر ورشيد بن عبد القه الحميضي وإبراهيم بن عبد الله الدباسي وعبد العزيز بن إبراهيم الدوسري وعبد القه بن محمد العجلاني ونصار العلي النصار وبراك المنصور ونصيان بن حمد النصيان وعلي الراشد الرقيبة ومحمد العلي الروق وصالح العبد الرحمن بن جمحان وصالح العبد العزيز الجطيلي وعلي السليمان الوهيبي وعلي السحيمان ومحمد بن صالح الخليفة وعبد الله بن خليفة وعبد الرحمن بن عبد العزيز القفاري ومبارك بن راجح وعبد الرحمن بن سليمان بن جار الله وسعد بن محمد المالك، وصالح بن محمد بن غانم وفهد بن عبد العزيز السعيد وسليمان بن صالح الربيش وعلي بن عبد الله بن مهوس وعبد الكريم بن عبد الرحمن الفداء وعبد الرحمن بن دغيثر وعلي بن عبد القه بن مقبل وابنه عبد الفه بن محمد وابنه عبد الرحمن بن محمد وسليمان العلي بن براك ومحمد بن منصور الرجيعي ومحمد بن عبد الله أبا الخيل ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف وسليمان بن علي العمر وسليمان بن محمد العمر، وأخذ عنه غير هؤلاء. وكان ذا غيرة عظيمة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر باليد واللسان ويلهج بكتاب الله ويفسر آياته وربما انفعل فأخذ يبكي لما يجده في ضميره من التغيرات، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، ويبكي ويبكي من حوله، وكان في واد والناس في واد. أخذ مرة يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، فوجه الخطاب على رجل عامي منالمستمعين ونادى بأعلى صوته لو أنك سرت في طريق وقيل لك لا تخرج عنها يمنة ولا يسرة فإن خرجت يمنة أخذتك الحرامية واللصوص ولئن خرجت يسرة لكنت فريسة للضياع، نعم كان مثلًا مطابقًا غير أن ذلك الرجل كان جاهلًا لا يعرف عن ذلك سوى أنَّه كان في أول عمره يسافر مع العقيلات إلى بلاد الأجانب ثم إن الله مَنّ عليه في آخر عمره بالجلوس في بريدة من بلاد المسلمين ويلازم الصلوات الخمس في جماعة ويحضر مجالس الذكر مستمعًا فأجابه يقول كيف أضيع وأنا خريت وماهر في الدلالة لا أسير إلَّا مع رؤوس الجبال وأعالي الكثب الرملية ومتاهات الطرق، ولا أضيع وتنسبني إلى الضياع هداك الله، فقال له المترجم بأعلى صوته لا ولكني أضرب لك مثلًا في أن من لزم الصراط المستقيم يكون آمنًا ولكن ذلك الجاهل صمم على رأيه يقول أقال الله عثرتك كيف تنسبني إلى الضياع فسل العقيلات عن دلالتي وأني ماهر في الطرق لا يزيد على ذلك شيئًا، فكان في واد والمترجم في واد. وكان لا يسأل الناس شيئًا ولا يطلب من بيت المال إلَّا ما جاءه من غير مسألة وعف عن الوظائف كلها فلم يقبل وظيفة. وكان في صفته أبيض اللون مشرق الطلعة كان وجهه قنديل عليه آثار النور والعبادة وله حظ من قيام الليل مربوع القامة جميل المنظر ويؤم في مسجده في صلاة التراويح في رمضان وقيام الليل على الدوام حتَّى أعياه الكبر وضعف بصره في آخر حياته حتَّى فقد البصر، ولم يطلب العلاج رجاء حديث الثواب، وكان قويًّا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواليًا لأولياء الله معاديًا لأعدائه وربما ناله بسبب ذلك أذى من بعض الرؤساء الجهال فيصبر على ما أصابه ولا يداري في أوامر الله أحدًا كائنًا من كان وكان دائم الخوف ويقول لمن يثق به أخشى أن يكون الله قد مقتنا ولا تعجبه حالة زمانه بل كان قليل الضحك وقورًا فلذلك كان مسموع الكلمة لدى الرؤساء لإخلاصه وحُسن مقصده.وكان في آخر حياته ملجأ وكهفًا لأهل الخير يترددون إليه ويفزعون إليه عند المهمات فيجدون ما يفرج عن المهظوم. ثم إنه مرض قبل وفاته بمرض أفقده شعوره لمدة ثلاثة شهور لكنه يلهج بالاستغفار والذكر وتوفاه الله تعالى في منتصف ليلة الأحد الموافق ٢١ ربيع الأول عن عمر يناهز (٨٨) عامًا وتأخر تجهيزه إلى صلاة الظهر من اليوم المذكور فصلى عليه المسلمون في جامع بريدة الكبيرة حيث امتلأ المسجد وشيعه خلائق كثيرون وأقبل الناس يعزي بعضهم بعضًا حيث اجتمعوا من القرى والضواحي وعم الأسى والحزن ودفن في مقابر الموطا غربي المدينة وقد رثي بمراثٍ حِسان. وممن توفي فيها الرجل العابد إبراهيم بن جردان ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو الزاهد الخطيب المقرئ الحافظ إبراهيم بن محمد الجردان كان من أهالي مدينة بريدة ومن أسرة فيها ولد (١٣٢٥ هـ) فنشأ كغيره في الدراسة في إحدى المدارس الأهلية وأخذ يتعلم القرآن حتَّى حفظه عن ظهر قلب، ثم إنه اشتغل في التجارة لتأمين معيشته ثم إنه كان عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الشرقية بالظهران، ويدرس على رئيس محاكم المنطقة ويتولى الخطابة في بعض الأحيان هناك كما أنَّه أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد حال إقامته في مدينة بريدة وله صوت جهوري حسن في تلاوة القرآن فهو من أحسن بني زمانه في الترتيل. ثم إنه تولى وظيفة التدريس في مدرسة دار التربية ثم كان مدرسًا في القرآن والعلوم الدينية في مدرسة تحفيظ القرآن في مدينة بريدة، كما كان في مدرسة دار التربية ونال وظيفة جامع مسجد الخبيب ببريدة وكثر تردد الرجال والنساء على مسجده في صلاة التراويح وقيام شهر رمضان حتَّى أنَّه كان يمتلئ المسجد من كثرة المصلين الذين ينتابون المسجد من بعيد إليه لحسن صوته وجودة تلاوته كما كان يغص المسجد يوم الجمعة بكثرة المصلين.ولما أن ترك التجارة وتشبث بالإمامة والتدريس كان رزقه رغدًا ولزم الإمامة والخطابة، وكان مولعًا بالحج والعمرة ومحبوبًا بين الناس لعقله وقلة مشاغبته وعبادته شكور النعم لله. ولما كان في شهر جمادى الثانية من هذه السنة ذهب لزيارة مسجد الرسول ﵊ في المدينة المنورة ولأداء العمرة وعاد بنفسه يوم الخميس الموافق ٢٨ جمادى الثانية ليصلي إمامًا بالمسلمين لأنه لم يخلف أحدًا فأدى صلاة الجمعة إمامًا في مسجد بريدة حرصًا منه على رغبة الناس في الصلاة معه ولما أن كان من آخر يوم الجمعة رجع إلى عمرته وحينما سار ميممًا إلى جهة الغرب انقلبت السيارة فكان في ذلك حتفه وكان ضحية لهذا الحادث وقد أسفت الأمة لموته وحزنوا، ﵀ وعفا عنه. فيها وفاة هواري أَبو مدين رئيس الجزائر وكان ذلك في ٢٧ من شهر محرم الموافق ليوم الأربعاء وقد تأخر تجهيزه ليصلى عليه بعد صلاة الجمعة وتقام الجنازة في مظهر عظيم لأنه قدم إلى الجزائر وفود كثيرة للصلاة عليه وتشييع جنازته وظهر حزن عميق لذلك وتأسفت الجزائر عليه أسفًا شديدًا. وفيها في أوائل شهر شوال يوم السابع منه وفاة أَبو الخير المودودي شقيق الشيخ أبي الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية الباكستانية على إثر إصابته بنوبة قلبية ويبلغ من العمر ثمانين عامًا. وفيها وفاة الشيخ حسن محمد مشاط بمكة المكرمة وقد استقبل ذووه العزاء بمنزله في مكة المكرمة، وكان الشيخ حسن له مؤلفات حسنة فمنها إسعاف أهل الإسلام بوظائف الحج إلى بيت الله الحرام، قال في خطبة الكتاب: أما بعد فيقول العبد الفقير المنكسر خاطره لقلة العمل والتقوى حسن محمد المشاط غفر الله ذنبه وستر عيبه إنك سألتني أسعدك الله ووفقني وإياك أن اتبع لك كتابي إسعاف أهل الإيمان بوظائف رمضان بإسعاف أهل الإيمان بوظائف الحج إلى بيت الله الحرامالخ، وقد طلب مجموعًا إلى القصيدة الذهبية في الحج لابن رشيد عام (١٣٧٩ هـ)، وله كتاب الزواجر المنفرة عن إدخال المسلمين أولادهم في مدارس الكفرة، وذكر فيه قصة محزنة تدل على الانحلال من دين الإسلام نتيجة تلك المدارس وأفاد وأجاد جزاه الله خيرأ وهو الذي اختير لأن يكون رئيسًا لجماعة تحفيظ القرآن بعد وفاة علوي عبَّاس المالكي ﵀ وعفا عنه. وفيها وفاة الشيخ عبد الرحمن الدوسري صاحب المحاضرات والكشف عن أهل المذاهب الهدامة تغمده الله برحمته وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن خلف بن عبد الله بن فهد آل نادر الدوسري من قبيلة الوداعين ولد عام (١٣٣٢ هـ) في مدينة بريدة عاصمة القصيم ثم إنه انتقل والده منها إلى الكويت فكان المترجم مع والده كجملة أولاده وكان ذهابهم بعد أشهر قليلة من ولادته وكان جده عبد الله قد نزح من قومه وبلاده المعروفة بالسليل إلى قرية الشماسية التي تبعد عن بريدة شرقًا باثنين وثلاثين كيلومترًا. نشأ المترجم في بلد الكويت في محلة معروفة بالمرقاب تمتاز عن سائر البلد بالصلاح ويسكنها النجديون إذ ذاك فادخله والده في مدرسة المباركية وكانت من المدارس الأهلية وتمتاز بما تحويه من المقررات في أول نشأتها بتدريس القرآن الكريم ويحرص أربابها على حفظ القرآن عن ظهر قلب وتدريس ثلاثة الأصول والكتب الدينية المشبعة بعقائد السلف كعقيدة السفاريني ودليل الطالب والأحاديث النبوية فكان المترجم مولعًا بكتب السلف الصالح ومعرفة ما يخالف الشريعة، ويقول عن نفسه أنَّه حفظ القرآن في شهرين عن ظهر قلب بحيث انقطع عن المجالس في تلك المدة القليلة حتَّى حذق القرآن حفظًا ودرس في السيرة والتاريخ والفقه وحارب أقوال المنحرفين ورد عليهم بصراحة لم ينلها في زمنه سواه بحيث استهدف نتيجة كلامه في رؤساء الفتنة للأذى وخشي عليه ولكن الله يدافع عنه لأن له إقدامًا وشهامة توقعه في أمور صعبة.وكان في صفته حنطي اللون ممتلئ الجسم قد لوحته الشمس وفي لسانه ثقل ولكن الله يساعده بالبيان وكان له مؤلفات منها زيادات في نظم قصة يوسف للشيخ يحيى الصرصري، ومنها تفسير القرآن الكريم، وزيادة توضيحات لكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لأنه قال لي مرة نريد تركيز العقيدة في قلوب الخلائق تركيزًا وشن الغارة على المنحرفين وفضحهم وهتك أستارهم لأن الله أعطاه قوة ملكة في بيان تضليلاتهم. والرجل مجاهد بلسانه وبيانه يغشى الناس بالموعظة في مجامعهم ولا يخاف لومة لائم، وقال قصائد مهيجة في نصرة فلسطين والذياد عنها فمن ذلك قوله من قصيدة: فلم يلغبونا بالقوى أبدًا كذا ... ونكباتها الأخرى كذلك فاعدد فنكبتها الأولى بفقد عقيدة ... فلسطين ما ضاعت بقوة معتد فلسطين بالتكبير حررها الأولى ... وقوة إيمان كسائر أبلد ولو صدقوا في الدين أيضًا لكبروا ... بالسنة لا تألف اللغو والدد فيسترجعوها مع سواها ويزحفوا ... كما زحف الأسلاف في كل أنجد ولكنهمو مالوا إلى شهواتهم ... ولم يستجيبوا للإله الممجد فلسطين ضاعت إذ أضاعوا صلاتهم ... ومزقوا القرآن تمزيق ملحد بتعطيلهم أحكامه وإباحة ... لخمر وفحشاء إذا رضي الردي فلسطين أدمت قلب مستضعف يرى ... تلاعب ماسونية اليوم والغد وكانت شعارًا كاذبًا يرتدي به ... دجاجلة الغوغاء في كل مشهد يريدون منها سلعة عاطفية ... وجرحًا ذكيًّا دائمًا لم يضمد يريدونها ذخرًا به يحصلوا على ... مناصب عليا مع مديح لنشد فلسطين رمى لعبة ووسيلة ... لسائر طلاب الكراسي ومقعد فلسطين دمي متجرٍ أو بضاعة ... لمتجر من ساسة ومعربدودومي لهم مثل القميص الذي مضى ... ليحصل ما يبغون من كل مقصد ولا ترتجي منهم قتالًا فحر بهم ... لبعضهمو بعضًا يروح ويغتدي فذلك رجعي وهذا تقدمي ... وذا ثائر هذا نحلف مرتدي على بعضهم بعضًا أسود أشدة ... وحولك أقوالهم نعامة فدفد إلى أن قال: ولكن خذي منهم كلامًا وضجة ... بأجهزة الإعلام في كل معهد وشكواهمو في مجلس الأمن طلبًا ... حقوقًا وعدلًا بالكلام المنضد ألم يعلموا عن مجلس الأمن إنه ... أداة يهود العالمين لمعتد إلى آخرها، وله قصائد كثيرة في الرد على أعداء الإسلام وله قصيدة في مصرع الرئيس جمال عبد الناصر يصور فيها حالته ويكشف خيانته ومؤامراته. أما مشائخه الذين أخذ عنهم فقد أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن خلف الدحيان، وأخذ عن الشيخ صالح بن عبد الرحمن الدويش، وأخذ عن الشيخ قاسم بن مهزع من علماء البحرين لما سافر في طلب التجارة إليها واستفاد منه كثيرًا. ولما رأى ذكاء المترجم حثه على الإكثار من قراءة تفسير القرآن ولهذا كان له إلمام قوي في التفسير. وله أيضًا مؤلفات كثيرة منها إرشاد المسلمين على فهم حقيقة الدين، ومشكاة التنوير على شرح الكوكب المنير، وله كتاب سماه من هم المنافقون، وغير ذلك. وبعد اللتي ثم اللتيا لو أن ليت لو تفيد شيئًا لتمنينا بقاءه ليكافح عن العقيدة بحيث توفي عن عمر يناهز السابعة والستين لأنه كان يحدب على الفقراء ويواسيهم ويوزع كتبًا مجانًا وله مسالمة في المساعدات التي تعود مصلحتها على المجتمع ويحارب القوانين الوضعية ويكفي محاربته للقانون الكويتي الذي وضعه الدكتور عبد الرزاق السنهوري، فكان من جملة الذين انتقدوه وصاحوا على أعلى المنابربمحاربة بعض فقراته وقابلوا المسؤولين وأخبروهم بخطورة ذلك القانون ولديه ﵀ مكتبة حافلة كبرى. أما عن مرضه ووفاته فقد أصيب بمرض السكري وأمراض أخرى داخلية وحينما اشتد به المرض سافر إلى لندن للعلاج والدعوة فنصح له الطبيب بالراحة لكنه آثر الموعظة والإلقاء فزاد عليه المرض حتَّى توفاه الله في ١٠ ذي القعدة من هذه السنة فحمل جثمانه إلى الرياض وصلي عليه في الجامع الكبير وتأثر لوفاته المسلمون وحضره جمع كثير وجم غفير ﵀ برحمته الواسعة وقد رثاه المحبون بمراثي حسنة منها ما قاله الأستاذ عبد الرحمن البرغوثي صاحب القصيد وهو شاعر إسلامي منها قوله بعدما ذكر ما أصيبت به المجتمع الإسلامي وما حل بذويه وكان الشاعر من أهالي بلدة الكويت: فقد خلت ساحة الميدان من بطل ... كان القؤل إذا ما استل بتار فوق المنابر لم يعبأ بمنحرف ... من قبل ما اقتحم الأوطان أشرار واحسرتاه قضى من غير أمنية ... كانت تراوده لما طغى الجار إلى أن قال: ثويت والقدس يعلو فوقها نجم ... فمن ينبه من القدس أنصار فنم هنيئًا بما أحسنت من عمل فقد ... عاه الذي نثر للحق يختار من المحبين من إخوان معتقد ... من هم على الدرب مهما اشتط جبار لن ينكثوا العهد في إيقاظ مجتمع ... ما زال في أرضه للكفر آثار لن يشحوا بمال عند معترك ... ولا بنفس إذا ما شبت النار حتَّى ينال المني في يوم معركة ... يقودها جحفل للقدس جرار فقر عينًا ففي القرآن موعده ... إذ قد يزول عن الأوطان أشرار أما عن اتصاله بالمؤلف فقد وعظ في مسجدنا الكبير وسط البلد قبيل صلاة العشاء الآخر فأحضرت لذلك القهوة البن والشاي بكثرة وواسينا في ذلك المجتمعالذي لا يقل حضوره عن خمسمائة مستمع ولما فرغت الصلاة طلبت منه أن يكمل الفائدة بعدها، فشكرني على ذلك ووعظ وبلغ أولًا وآخرًا وكان يزورني بالبيت كثيرًا ويتحدث كما مر ويظهر أسفًا على حالة بني الزمان وأنه لا يألو جهدًا في دحض الباطل. وفيها في ٣٠/ ٢ الموافق ليوم الأحد وفاة الأمير محمد بن أحمد السديري ﵀ كان الأمير محمد بن أحمد أميرًا في الحدود الشمالية ثم أنَّه رغب أن يكون يعمل في الأعمال الحرة فمنح أرضًا في البطين مزارع بريدة وتسمى الخفيات فقام في زراعتها واتخذها مسكنًا وكان له مزارع أيضًا في الموضع المسمى أم ظهيرة يقع شرقًا عن مدينة بريدة جعل فيها عمالًا واختار الخفيات لسكنه وجعل فيها أنواع المواشي من الخيل والإبل والغنم والظباء وكان يحب الغزل وله ذوق بالتاريخ وقصص شجعان العرب المشاهير من المتأخرين وألّف كتابًا في الموضوع أسماه (أبطال من الصحراء) طبع منه الجزء الأول ويقع في (٣١٤) صفحة قدم له الأستاذ عبد الله بن خميس وامتدحه بالأدب وذكر أن المترجم شاعر شعي مجيد ولشعره جاذبية وتحرك سواكن العاطفة، وقال إنه شاعر غزلي وأنه جيد في بابه. وكان المترجم اجتماعيًا وذا عشرة ومن الشخصيات البارزة يلبس طيب الكسوة وله شيمة وأنفة لأنه ينتمي إلى أخوال الملك عبد العزيز ولمحبته لمدينة بريدة وصى لما اشتد به المرض أن يدفن فيها أو في ملكه بالخفيات ولما أن اشتد به المرض حمل إلى مدينة الرياض للعلاج هناك فتوفاه الله تعالى وأتي بجثمانه إلى بريدة فغسل وصلي عليه في الجامع الكبير في ضحى الغد الاثنين وحضر جنازته جم غفير من الرياض وبريدة وكان قد شيعه من الرياض ركاب ثلاث طائرات وعشرين سيارة من أبناء الحاشية والأقرباء ولا تزال مزارعه وخيله موجودة في ملكه المذكور. وفيها في شهر شعبان وفاة رئيسة وزراء اليهود جلد مائير وهي التي وقعت في أيامها حرب الغفران منذ ست سنوات وأقر الله عيون المسلمين بحزنها وبكائها على قومها وكان وزير دفاعها إذ ذاك عزرا وايزمان.وفيها في الساعة الثامنة من صباح يوم الأربعاء ١٦ ربيع الثاني (١٣٩٩ هـ) قامت المدفعية الإسرائيلية الثقيلة طويلة المدى تقصف النبطية التي تحتوي على القوات الفلسطينية التقدمية في جنوب لبنان وتحلق طائراتها في سماء المنطقة وتكثف القصف على الأشرفية والمحمودية بلبنان تتعاقب على مقدار عشرين كيلومتر شمال الحدود الإسرائيلية اللبنانية مما أسفر عن قتل وجرح وإتلاف كثير من السكان وإتلاف قسم كبير من المزروعات إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمباني. ولا يخفى أن أطماع اليهود لا تقف عندما اغتصبته أولًا وآخرًا وما منحته أولًا من البلاد العربية بحيث انتهى الأمر أخيرًا في الهزيمة النكرى هزيمة حزيران إلى أن خسر العرب القدس وما تبقى من أرض فلسطين الضفة الغربية وقطاع غزة مع أراضي واسعة من مصر وسوريا إذ استولى اليهود على سيناء وأشرفوا على قناة السويس كما تسلموا مرتفعات الجولان الحصينة وكانت أكبر ضربة تلقاها العرب في تاريخهم الحديث. وأن الخريطة الجغرافية التي وضعها اليهود لدولتهم المرتقبة تشمل فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وقسمًا كبيرًا من العراق وقسمًا من أرض مصر شبه جزيرة سيناء والدلتا كما تمتد جنوبًا لتشمل المدينة المنورة وكان مما قاله مناحيم بيغن في تل أبيب أن إسرائيل بوضعها الحالي لا تمثل إلَّا خمس ما يجب أن تكون عليه أرض الآباء وأنه يجب العمل على تحرير أربعة أخماس الباقية. وفيها انتهى العمل من تركيب باب الكعبة المعظمة الذي كان من خالص الذهب فجاء كأحسن شيء وإنها لحسنة خالدة في تاريخ الملك خالد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية جزاه الله خيرًا بحيث لم يسبق إلى مثل هذا الباب طيب الله ثراه وغفر له، أما عن الباب القديم الذي صنعه الملك الراحل عبد العزيز والد الأسرة، فقد لبث ثلاثة وثلاثين عامًا ولا ريب أن هذا الاعتناء بالكعبة العظمةخدمة للبيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأي خدمة وأي تعظيم كهذا التعظيم فإضافة إلى حفظها من العابثين وتطهيرها وتطييبها وكسوتها الثمينة يقام لها باب من ذهب وتخدم وما حولها بالتغسيل والصيانة ومضادة ما يمر حولها من البعوض والذباب بحيث وإن كانت معظمة في قديم الدهر فإن الحكومة السعودية اشتدت عنايتها بها وبسائر المسجد الحرام تعظيمًا وعمارة.
  • full passagepage 2158, entry [897]17,739 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم مدفع التوحيد محمد صالح المطوع، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد الورع محمد بن صالح بن سليمان المطوع، ويلقب بالحميدي ويلهجون هذه التسمية وربما نسب المسجد إليه، فيقال مسجد الحميدي، وهو من أسرة كبيرة غلب عليهم هذا الاسم. ولد ﵀ في مدينة بريدة عام (١٣١٢ هـ)، وكان والد
    ▸ expand full passage (17,739 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم مدفع التوحيد محمد صالح المطوع، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد الورع محمد بن صالح بن سليمان المطوع، ويلقب بالحميدي ويلهجون هذه التسمية وربما نسب المسجد إليه، فيقال مسجد الحميدي، وهو من أسرة كبيرة غلب عليهم هذا الاسم. ولد ﵀ في مدينة بريدة عام (١٣١٢ هـ)، وكان والده من زعماء مدينة بريدة ومن العقيلات المشهورين الذين يسافرون للتجارة لمصر والشام والعراق، وكان يريد أن يكون ابنه محمد على سيره وبما أن والدته ليست في ذمة والده فقد قامت بتربية ابنها وأدخلته في إحدى المدارس لتعلم القراءة والكتابة. وقد حاول الأب أن يصده عن الدراسة وأن يأخذه قسرًا، ولكن العناية الربانية لاحظته، فقد أخذه والده معه في سفره وكان قد أخذ في الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم، فذهبت أمه إلى الأمير في بريدة عبد الله بن جلوي واستعانت بالشيخ عمر بن محمد بن سليم فأخبر الشيخ الأمير بأنه في رعاية والدته ولم ينفق عليه أَبوه، فبعث الأمير فارسًا رجع به من مسافة ثلاثين كيلو أي من قرية الطرفية ورده إلى أمه، وكان المترجم لا ينساها لشيخه عمر ويدعو له كلما ذكره، وكان يقول أنَّه سبب هدايتي، كما أن الوالد حاول في صده عن طلب العلم مرة أخرىلأنه يرى أن طلبه للدنيا أنفع له لأن الذين يطلبون العلم إذ ذاك ليس بين أيديهم مادة فسلم من هذه المحاولة بسبب والدته. طلبه العلم واجتهاده: لما تقدم الشيخ عمر بن سليم في مسجد عودة الرديني والتفَّت عليه حِلَق الذِّكر كان من جملة الذين أخذوا عنه ولازمه وأكثر الأخذ عنه وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم لما قدم من البكيرية بعد ذلك لقضاء بريدة، ثم أنَّه كان يتردد بين تدريس الشيخين المذكورين. وكان محبوبًا لما كان متصفًا به من صفات أهل اليقين، قليل المزح كثير الخشوع ومن جملة ما درس به على الشيخ عمر بن محمد الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية يلهج بأبياتها ويطمئن إليها ودرس في كتب التوحيد والفقه والتفسير والحديث والنحو والفرائض. كما أنَّه أخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن محمد بن فداء ويمتدحه بالزهد والورع ويكفيك في فضل المترجم أخذه عن هؤلاء العلماء الأفاضل والصفوة الفطاحل وله زملاء من العلماء وهم الشيخ محمد ابن عبد العزيز العجاجي والشيخ عبد الرحمن بن عبيد والشيخ عبد الله بن محمد بن جربوع والشيخ عبد الله الصالح الربدي والشيخ سليمان المشعلي وغيرهم. وما زال يطلب العلم ويزاحم العلماء حتَّى كانت له مكانة فكان الشيخ عمر يستخلفه في مسجده من بين أقرانه وله والدة سألت الله أن يجعله في إمامة محمد بن عبد العزيز الصقعي لأنه كان في إمامة ذلك المسجد، وكانت من الصالحات فاستجاب الله دعاءها بحيث لما نقل الشيخ عمر من هذا المسجد إلى مسجد ناصر بن سليمان بن سيف جعله مكانه. ولبث في إمامة هذا المسجد (٥٥) سنة تقريبًا حتَّى أعجزه الكبر فخلفه أبناؤه وجلس في ذلك المسجد قريبًا من أربعين سنة في تعليم القرآن والتوحيد والفقهوالتفسير وتخرج عليه طلاب كثيرون فكان يجلس بعد صلاة الفجر وبعد الظهر وبين العشائين على الدوام، وتعلم عليه طلاب كثيرون منهم من هو مسن ومنهم شباب ونحن نذكر بعضًا من كل، فمن أخذ عنه صالح بن إبراهيم البليهي وعلي بن عبد الله بن حواس وعبد الله الزامل بن عفيسان وإبراهيم بن ضيف الله اليوسف وعلي بن محمد السكاكر وصالح بن محمد السكاكر وإبراهيم بن محمد السكاكر ورشيد بن عبد القه الحميضي وإبراهيم بن عبد الله الدباسي وعبد العزيز بن إبراهيم الدوسري وعبد القه بن محمد العجلاني ونصار العلي النصار وبراك المنصور ونصيان بن حمد النصيان وعلي الراشد الرقيبة ومحمد العلي الروق وصالح العبد الرحمن بن جمحان وصالح العبد العزيز الجطيلي وعلي السليمان الوهيبي وعلي السحيمان ومحمد بن صالح الخليفة وعبد الله بن خليفة وعبد الرحمن بن عبد العزيز القفاري ومبارك بن راجح وعبد الرحمن بن سليمان بن جار الله وسعد بن محمد المالك، وصالح بن محمد بن غانم وفهد بن عبد العزيز السعيد وسليمان بن صالح الربيش وعلي بن عبد الله بن مهوس وعبد الكريم بن عبد الرحمن الفداء وعبد الرحمن بن دغيثر وعلي بن عبد القه بن مقبل وابنه عبد الفه بن محمد وابنه عبد الرحمن بن محمد وسليمان العلي بن براك ومحمد بن منصور الرجيعي ومحمد بن عبد الله أبا الخيل ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف وسليمان بن علي العمر وسليمان بن محمد العمر، وأخذ عنه غير هؤلاء. وكان ذا غيرة عظيمة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر باليد واللسان ويلهج بكتاب الله ويفسر آياته وربما انفعل فأخذ يبكي لما يجده في ضميره من التغيرات، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، ويبكي ويبكي من حوله، وكان في واد والناس في واد. أخذ مرة يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، فوجه الخطاب على رجل عامي منالمستمعين ونادى بأعلى صوته لو أنك سرت في طريق وقيل لك لا تخرج عنها يمنة ولا يسرة فإن خرجت يمنة أخذتك الحرامية واللصوص ولئن خرجت يسرة لكنت فريسة للضياع، نعم كان مثلًا مطابقًا غير أن ذلك الرجل كان جاهلًا لا يعرف عن ذلك سوى أنَّه كان في أول عمره يسافر مع العقيلات إلى بلاد الأجانب ثم إن الله مَنّ عليه في آخر عمره بالجلوس في بريدة من بلاد المسلمين ويلازم الصلوات الخمس في جماعة ويحضر مجالس الذكر مستمعًا فأجابه يقول كيف أضيع وأنا خريت وماهر في الدلالة لا أسير إلَّا مع رؤوس الجبال وأعالي الكثب الرملية ومتاهات الطرق، ولا أضيع وتنسبني إلى الضياع هداك الله، فقال له المترجم بأعلى صوته لا ولكني أضرب لك مثلًا في أن من لزم الصراط المستقيم يكون آمنًا ولكن ذلك الجاهل صمم على رأيه يقول أقال الله عثرتك كيف تنسبني إلى الضياع فسل العقيلات عن دلالتي وأني ماهر في الطرق لا يزيد على ذلك شيئًا، فكان في واد والمترجم في واد. وكان لا يسأل الناس شيئًا ولا يطلب من بيت المال إلَّا ما جاءه من غير مسألة وعف عن الوظائف كلها فلم يقبل وظيفة. وكان في صفته أبيض اللون مشرق الطلعة كان وجهه قنديل عليه آثار النور والعبادة وله حظ من قيام الليل مربوع القامة جميل المنظر ويؤم في مسجده في صلاة التراويح في رمضان وقيام الليل على الدوام حتَّى أعياه الكبر وضعف بصره في آخر حياته حتَّى فقد البصر، ولم يطلب العلاج رجاء حديث الثواب، وكان قويًّا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواليًا لأولياء الله معاديًا لأعدائه وربما ناله بسبب ذلك أذى من بعض الرؤساء الجهال فيصبر على ما أصابه ولا يداري في أوامر الله أحدًا كائنًا من كان وكان دائم الخوف ويقول لمن يثق به أخشى أن يكون الله قد مقتنا ولا تعجبه حالة زمانه بل كان قليل الضحك وقورًا فلذلك كان مسموع الكلمة لدى الرؤساء لإخلاصه وحُسن مقصده.وكان في آخر حياته ملجأ وكهفًا لأهل الخير يترددون إليه ويفزعون إليه عند المهمات فيجدون ما يفرج عن المهظوم. ثم إنه مرض قبل وفاته بمرض أفقده شعوره لمدة ثلاثة شهور لكنه يلهج بالاستغفار والذكر وتوفاه الله تعالى في منتصف ليلة الأحد الموافق ٢١ ربيع الأول عن عمر يناهز (٨٨) عامًا وتأخر تجهيزه إلى صلاة الظهر من اليوم المذكور فصلى عليه المسلمون في جامع بريدة الكبيرة حيث امتلأ المسجد وشيعه خلائق كثيرون وأقبل الناس يعزي بعضهم بعضًا حيث اجتمعوا من القرى والضواحي وعم الأسى والحزن ودفن في مقابر الموطا غربي المدينة وقد رثي بمراثٍ حِسان. وممن توفي فيها الرجل العابد إبراهيم بن جردان ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو الزاهد الخطيب المقرئ الحافظ إبراهيم بن محمد الجردان كان من أهالي مدينة بريدة ومن أسرة فيها ولد (١٣٢٥ هـ) فنشأ كغيره في الدراسة في إحدى المدارس الأهلية وأخذ يتعلم القرآن حتَّى حفظه عن ظهر قلب، ثم إنه اشتغل في التجارة لتأمين معيشته ثم إنه كان عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الشرقية بالظهران، ويدرس على رئيس محاكم المنطقة ويتولى الخطابة في بعض الأحيان هناك كما أنَّه أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد حال إقامته في مدينة بريدة وله صوت جهوري حسن في تلاوة القرآن فهو من أحسن بني زمانه في الترتيل. ثم إنه تولى وظيفة التدريس في مدرسة دار التربية ثم كان مدرسًا في القرآن والعلوم الدينية في مدرسة تحفيظ القرآن في مدينة بريدة، كما كان في مدرسة دار التربية ونال وظيفة جامع مسجد الخبيب ببريدة وكثر تردد الرجال والنساء على مسجده في صلاة التراويح وقيام شهر رمضان حتَّى أنَّه كان يمتلئ المسجد من كثرة المصلين الذين ينتابون المسجد من بعيد إليه لحسن صوته وجودة تلاوته كما كان يغص المسجد يوم الجمعة بكثرة المصلين.ولما أن ترك التجارة وتشبث بالإمامة والتدريس كان رزقه رغدًا ولزم الإمامة والخطابة، وكان مولعًا بالحج والعمرة ومحبوبًا بين الناس لعقله وقلة مشاغبته وعبادته شكور النعم لله. ولما كان في شهر جمادى الثانية من هذه السنة ذهب لزيارة مسجد الرسول ﵊ في المدينة المنورة ولأداء العمرة وعاد بنفسه يوم الخميس الموافق ٢٨ جمادى الثانية ليصلي إمامًا بالمسلمين لأنه لم يخلف أحدًا فأدى صلاة الجمعة إمامًا في مسجد بريدة حرصًا منه على رغبة الناس في الصلاة معه ولما أن كان من آخر يوم الجمعة رجع إلى عمرته وحينما سار ميممًا إلى جهة الغرب انقلبت السيارة فكان في ذلك حتفه وكان ضحية لهذا الحادث وقد أسفت الأمة لموته وحزنوا، ﵀ وعفا عنه. فيها وفاة هواري أَبو مدين رئيس الجزائر وكان ذلك في ٢٧ من شهر محرم الموافق ليوم الأربعاء وقد تأخر تجهيزه ليصلى عليه بعد صلاة الجمعة وتقام الجنازة في مظهر عظيم لأنه قدم إلى الجزائر وفود كثيرة للصلاة عليه وتشييع جنازته وظهر حزن عميق لذلك وتأسفت الجزائر عليه أسفًا شديدًا. وفيها في أوائل شهر شوال يوم السابع منه وفاة أَبو الخير المودودي شقيق الشيخ أبي الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية الباكستانية على إثر إصابته بنوبة قلبية ويبلغ من العمر ثمانين عامًا. وفيها وفاة الشيخ حسن محمد مشاط بمكة المكرمة وقد استقبل ذووه العزاء بمنزله في مكة المكرمة، وكان الشيخ حسن له مؤلفات حسنة فمنها إسعاف أهل الإسلام بوظائف الحج إلى بيت الله الحرام، قال في خطبة الكتاب: أما بعد فيقول العبد الفقير المنكسر خاطره لقلة العمل والتقوى حسن محمد المشاط غفر الله ذنبه وستر عيبه إنك سألتني أسعدك الله ووفقني وإياك أن اتبع لك كتابي إسعاف أهل الإيمان بوظائف رمضان بإسعاف أهل الإيمان بوظائف الحج إلى بيت الله الحرامالخ، وقد طلب مجموعًا إلى القصيدة الذهبية في الحج لابن رشيد عام (١٣٧٩ هـ)، وله كتاب الزواجر المنفرة عن إدخال المسلمين أولادهم في مدارس الكفرة، وذكر فيه قصة محزنة تدل على الانحلال من دين الإسلام نتيجة تلك المدارس وأفاد وأجاد جزاه الله خيرأ وهو الذي اختير لأن يكون رئيسًا لجماعة تحفيظ القرآن بعد وفاة علوي عبَّاس المالكي ﵀ وعفا عنه. وفيها وفاة الشيخ عبد الرحمن الدوسري صاحب المحاضرات والكشف عن أهل المذاهب الهدامة تغمده الله برحمته وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن خلف بن عبد الله بن فهد آل نادر الدوسري من قبيلة الوداعين ولد عام (١٣٣٢ هـ) في مدينة بريدة عاصمة القصيم ثم إنه انتقل والده منها إلى الكويت فكان المترجم مع والده كجملة أولاده وكان ذهابهم بعد أشهر قليلة من ولادته وكان جده عبد الله قد نزح من قومه وبلاده المعروفة بالسليل إلى قرية الشماسية التي تبعد عن بريدة شرقًا باثنين وثلاثين كيلومترًا. نشأ المترجم في بلد الكويت في محلة معروفة بالمرقاب تمتاز عن سائر البلد بالصلاح ويسكنها النجديون إذ ذاك فادخله والده في مدرسة المباركية وكانت من المدارس الأهلية وتمتاز بما تحويه من المقررات في أول نشأتها بتدريس القرآن الكريم ويحرص أربابها على حفظ القرآن عن ظهر قلب وتدريس ثلاثة الأصول والكتب الدينية المشبعة بعقائد السلف كعقيدة السفاريني ودليل الطالب والأحاديث النبوية فكان المترجم مولعًا بكتب السلف الصالح ومعرفة ما يخالف الشريعة، ويقول عن نفسه أنَّه حفظ القرآن في شهرين عن ظهر قلب بحيث انقطع عن المجالس في تلك المدة القليلة حتَّى حذق القرآن حفظًا ودرس في السيرة والتاريخ والفقه وحارب أقوال المنحرفين ورد عليهم بصراحة لم ينلها في زمنه سواه بحيث استهدف نتيجة كلامه في رؤساء الفتنة للأذى وخشي عليه ولكن الله يدافع عنه لأن له إقدامًا وشهامة توقعه في أمور صعبة.وكان في صفته حنطي اللون ممتلئ الجسم قد لوحته الشمس وفي لسانه ثقل ولكن الله يساعده بالبيان وكان له مؤلفات منها زيادات في نظم قصة يوسف للشيخ يحيى الصرصري، ومنها تفسير القرآن الكريم، وزيادة توضيحات لكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لأنه قال لي مرة نريد تركيز العقيدة في قلوب الخلائق تركيزًا وشن الغارة على المنحرفين وفضحهم وهتك أستارهم لأن الله أعطاه قوة ملكة في بيان تضليلاتهم. والرجل مجاهد بلسانه وبيانه يغشى الناس بالموعظة في مجامعهم ولا يخاف لومة لائم، وقال قصائد مهيجة في نصرة فلسطين والذياد عنها فمن ذلك قوله من قصيدة: فلم يلغبونا بالقوى أبدًا كذا ... ونكباتها الأخرى كذلك فاعدد فنكبتها الأولى بفقد عقيدة ... فلسطين ما ضاعت بقوة معتد فلسطين بالتكبير حررها الأولى ... وقوة إيمان كسائر أبلد ولو صدقوا في الدين أيضًا لكبروا ... بالسنة لا تألف اللغو والدد فيسترجعوها مع سواها ويزحفوا ... كما زحف الأسلاف في كل أنجد ولكنهمو مالوا إلى شهواتهم ... ولم يستجيبوا للإله الممجد فلسطين ضاعت إذ أضاعوا صلاتهم ... ومزقوا القرآن تمزيق ملحد بتعطيلهم أحكامه وإباحة ... لخمر وفحشاء إذا رضي الردي فلسطين أدمت قلب مستضعف يرى ... تلاعب ماسونية اليوم والغد وكانت شعارًا كاذبًا يرتدي به ... دجاجلة الغوغاء في كل مشهد يريدون منها سلعة عاطفية ... وجرحًا ذكيًّا دائمًا لم يضمد يريدونها ذخرًا به يحصلوا على ... مناصب عليا مع مديح لنشد فلسطين رمى لعبة ووسيلة ... لسائر طلاب الكراسي ومقعد فلسطين دمي متجرٍ أو بضاعة ... لمتجر من ساسة ومعربدودومي لهم مثل القميص الذي مضى ... ليحصل ما يبغون من كل مقصد ولا ترتجي منهم قتالًا فحر بهم ... لبعضهمو بعضًا يروح ويغتدي فذلك رجعي وهذا تقدمي ... وذا ثائر هذا نحلف مرتدي على بعضهم بعضًا أسود أشدة ... وحولك أقوالهم نعامة فدفد إلى أن قال: ولكن خذي منهم كلامًا وضجة ... بأجهزة الإعلام في كل معهد وشكواهمو في مجلس الأمن طلبًا ... حقوقًا وعدلًا بالكلام المنضد ألم يعلموا عن مجلس الأمن إنه ... أداة يهود العالمين لمعتد إلى آخرها، وله قصائد كثيرة في الرد على أعداء الإسلام وله قصيدة في مصرع الرئيس جمال عبد الناصر يصور فيها حالته ويكشف خيانته ومؤامراته. أما مشائخه الذين أخذ عنهم فقد أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن خلف الدحيان، وأخذ عن الشيخ صالح بن عبد الرحمن الدويش، وأخذ عن الشيخ قاسم بن مهزع من علماء البحرين لما سافر في طلب التجارة إليها واستفاد منه كثيرًا. ولما رأى ذكاء المترجم حثه على الإكثار من قراءة تفسير القرآن ولهذا كان له إلمام قوي في التفسير. وله أيضًا مؤلفات كثيرة منها إرشاد المسلمين على فهم حقيقة الدين، ومشكاة التنوير على شرح الكوكب المنير، وله كتاب سماه من هم المنافقون، وغير ذلك. وبعد اللتي ثم اللتيا لو أن ليت لو تفيد شيئًا لتمنينا بقاءه ليكافح عن العقيدة بحيث توفي عن عمر يناهز السابعة والستين لأنه كان يحدب على الفقراء ويواسيهم ويوزع كتبًا مجانًا وله مسالمة في المساعدات التي تعود مصلحتها على المجتمع ويحارب القوانين الوضعية ويكفي محاربته للقانون الكويتي الذي وضعه الدكتور عبد الرزاق السنهوري، فكان من جملة الذين انتقدوه وصاحوا على أعلى المنابربمحاربة بعض فقراته وقابلوا المسؤولين وأخبروهم بخطورة ذلك القانون ولديه ﵀ مكتبة حافلة كبرى. أما عن مرضه ووفاته فقد أصيب بمرض السكري وأمراض أخرى داخلية وحينما اشتد به المرض سافر إلى لندن للعلاج والدعوة فنصح له الطبيب بالراحة لكنه آثر الموعظة والإلقاء فزاد عليه المرض حتَّى توفاه الله في ١٠ ذي القعدة من هذه السنة فحمل جثمانه إلى الرياض وصلي عليه في الجامع الكبير وتأثر لوفاته المسلمون وحضره جمع كثير وجم غفير ﵀ برحمته الواسعة وقد رثاه المحبون بمراثي حسنة منها ما قاله الأستاذ عبد الرحمن البرغوثي صاحب القصيد وهو شاعر إسلامي منها قوله بعدما ذكر ما أصيبت به المجتمع الإسلامي وما حل بذويه وكان الشاعر من أهالي بلدة الكويت: فقد خلت ساحة الميدان من بطل ... كان القؤل إذا ما استل بتار فوق المنابر لم يعبأ بمنحرف ... من قبل ما اقتحم الأوطان أشرار واحسرتاه قضى من غير أمنية ... كانت تراوده لما طغى الجار إلى أن قال: ثويت والقدس يعلو فوقها نجم ... فمن ينبه من القدس أنصار فنم هنيئًا بما أحسنت من عمل فقد ... عاه الذي نثر للحق يختار من المحبين من إخوان معتقد ... من هم على الدرب مهما اشتط جبار لن ينكثوا العهد في إيقاظ مجتمع ... ما زال في أرضه للكفر آثار لن يشحوا بمال عند معترك ... ولا بنفس إذا ما شبت النار حتَّى ينال المني في يوم معركة ... يقودها جحفل للقدس جرار فقر عينًا ففي القرآن موعده ... إذ قد يزول عن الأوطان أشرار أما عن اتصاله بالمؤلف فقد وعظ في مسجدنا الكبير وسط البلد قبيل صلاة العشاء الآخر فأحضرت لذلك القهوة البن والشاي بكثرة وواسينا في ذلك المجتمعالذي لا يقل حضوره عن خمسمائة مستمع ولما فرغت الصلاة طلبت منه أن يكمل الفائدة بعدها، فشكرني على ذلك ووعظ وبلغ أولًا وآخرًا وكان يزورني بالبيت كثيرًا ويتحدث كما مر ويظهر أسفًا على حالة بني الزمان وأنه لا يألو جهدًا في دحض الباطل. وفيها في ٣٠/ ٢ الموافق ليوم الأحد وفاة الأمير محمد بن أحمد السديري ﵀ كان الأمير محمد بن أحمد أميرًا في الحدود الشمالية ثم أنَّه رغب أن يكون يعمل في الأعمال الحرة فمنح أرضًا في البطين مزارع بريدة وتسمى الخفيات فقام في زراعتها واتخذها مسكنًا وكان له مزارع أيضًا في الموضع المسمى أم ظهيرة يقع شرقًا عن مدينة بريدة جعل فيها عمالًا واختار الخفيات لسكنه وجعل فيها أنواع المواشي من الخيل والإبل والغنم والظباء وكان يحب الغزل وله ذوق بالتاريخ وقصص شجعان العرب المشاهير من المتأخرين وألّف كتابًا في الموضوع أسماه (أبطال من الصحراء) طبع منه الجزء الأول ويقع في (٣١٤) صفحة قدم له الأستاذ عبد الله بن خميس وامتدحه بالأدب وذكر أن المترجم شاعر شعي مجيد ولشعره جاذبية وتحرك سواكن العاطفة، وقال إنه شاعر غزلي وأنه جيد في بابه. وكان المترجم اجتماعيًا وذا عشرة ومن الشخصيات البارزة يلبس طيب الكسوة وله شيمة وأنفة لأنه ينتمي إلى أخوال الملك عبد العزيز ولمحبته لمدينة بريدة وصى لما اشتد به المرض أن يدفن فيها أو في ملكه بالخفيات ولما أن اشتد به المرض حمل إلى مدينة الرياض للعلاج هناك فتوفاه الله تعالى وأتي بجثمانه إلى بريدة فغسل وصلي عليه في الجامع الكبير في ضحى الغد الاثنين وحضر جنازته جم غفير من الرياض وبريدة وكان قد شيعه من الرياض ركاب ثلاث طائرات وعشرين سيارة من أبناء الحاشية والأقرباء ولا تزال مزارعه وخيله موجودة في ملكه المذكور. وفيها في شهر شعبان وفاة رئيسة وزراء اليهود جلد مائير وهي التي وقعت في أيامها حرب الغفران منذ ست سنوات وأقر الله عيون المسلمين بحزنها وبكائها على قومها وكان وزير دفاعها إذ ذاك عزرا وايزمان.وفيها في الساعة الثامنة من صباح يوم الأربعاء ١٦ ربيع الثاني (١٣٩٩ هـ) قامت المدفعية الإسرائيلية الثقيلة طويلة المدى تقصف النبطية التي تحتوي على القوات الفلسطينية التقدمية في جنوب لبنان وتحلق طائراتها في سماء المنطقة وتكثف القصف على الأشرفية والمحمودية بلبنان تتعاقب على مقدار عشرين كيلومتر شمال الحدود الإسرائيلية اللبنانية مما أسفر عن قتل وجرح وإتلاف كثير من السكان وإتلاف قسم كبير من المزروعات إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمباني. ولا يخفى أن أطماع اليهود لا تقف عندما اغتصبته أولًا وآخرًا وما منحته أولًا من البلاد العربية بحيث انتهى الأمر أخيرًا في الهزيمة النكرى هزيمة حزيران إلى أن خسر العرب القدس وما تبقى من أرض فلسطين الضفة الغربية وقطاع غزة مع أراضي واسعة من مصر وسوريا إذ استولى اليهود على سيناء وأشرفوا على قناة السويس كما تسلموا مرتفعات الجولان الحصينة وكانت أكبر ضربة تلقاها العرب في تاريخهم الحديث. وأن الخريطة الجغرافية التي وضعها اليهود لدولتهم المرتقبة تشمل فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وقسمًا كبيرًا من العراق وقسمًا من أرض مصر شبه جزيرة سيناء والدلتا كما تمتد جنوبًا لتشمل المدينة المنورة وكان مما قاله مناحيم بيغن في تل أبيب أن إسرائيل بوضعها الحالي لا تمثل إلَّا خمس ما يجب أن تكون عليه أرض الآباء وأنه يجب العمل على تحرير أربعة أخماس الباقية. وفيها انتهى العمل من تركيب باب الكعبة المعظمة الذي كان من خالص الذهب فجاء كأحسن شيء وإنها لحسنة خالدة في تاريخ الملك خالد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية جزاه الله خيرًا بحيث لم يسبق إلى مثل هذا الباب طيب الله ثراه وغفر له، أما عن الباب القديم الذي صنعه الملك الراحل عبد العزيز والد الأسرة، فقد لبث ثلاثة وثلاثين عامًا ولا ريب أن هذا الاعتناء بالكعبة العظمةخدمة للبيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأي خدمة وأي تعظيم كهذا التعظيم فإضافة إلى حفظها من العابثين وتطهيرها وتطييبها وكسوتها الثمينة يقام لها باب من ذهب وتخدم وما حولها بالتغسيل والصيانة ومضادة ما يمر حولها من البعوض والذباب بحيث وإن كانت معظمة في قديم الدهر فإن الحكومة السعودية اشتدت عنايتها بها وبسائر المسجد الحرام تعظيمًا وعمارة.
  • full passagepage 2185, entry [909]3,788 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في اليوم الخامس عشر من رمضان وفاة شاه إيران وكانت وفاته في الصباح المبكر في مدينة القاهرة، وهذه ترجمته، قالت إحدى الجرائد هو صاحب الجلالة الإمبراطورية الشاهنشاه اريا مهر وهذا اللقب من تعظيمات الأعاجم، وهو اللقب الرسمي لمحمد رضا بهلوي شاه إيران السابق ومعناه مالك الم
    ▸ expand full passage (3,788 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في اليوم الخامس عشر من رمضان وفاة شاه إيران وكانت وفاته في الصباح المبكر في مدينة القاهرة، وهذه ترجمته، قالت إحدى الجرائد هو صاحب الجلالة الإمبراطورية الشاهنشاه اريا مهر وهذا اللقب من تعظيمات الأعاجم، وهو اللقب الرسمي لمحمد رضا بهلوي شاه إيران السابق ومعناه مالك الملك نور الأولين ولا ريب أن هذه مبالغة نهى عنها الشرع الشريف، ولد في طهران ٢٦ تشرين الأول أكتوبر عام (١٩١٩ م) وأصبح وليًّا للعهد عندما بلغ السادسة من عمره عام (١٩٢٥ م) باسم رضا شاه تلقى تعليمًا عسكريًّا عاليًا قبل أن يواصل دراسته في سويسرا بين (١٩٣١ م) إلى (١٩٣٦ م) ثم التحق بالكلية الحربية في طهران ثم عينه والده مفتشًا عامًّا للجيش وهو في العشرين من عمره بضغط من روسيا وإنكلترا تنازل الأب عن العرش وتوِّج محمد رضا وتزوج عام (١٩٣٩ م) بالأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق ملك مصر السابق وأنجب منها بنتًا ثم اختلفا بسبب سيطرة والدته وأخته التوأم الأميرة أشرف وانفصلا وفي ١٦ أيلول عام (١٩٤١ م) أدى اليمين أمام مجلس النواب ليجلس على عرش كسرى الذي يرجع إلى ألفين وخمسمائة عام باسم محمد رضا بهلوي، وفي التاسع عشر من تشرين الثاني نوفمبر (١٩٤٨ م) طلق زوجته الأولى فوزية. أول مشكلة كبيرة في فترة حكمه، وهي من مخلفات الحرب العالمية الثانية ثورة إقليم أذربيجان الشمال الذي يحتل الاتحاد السوفيتي جزءًا منه حين بدأت الحركةوظهرت بوادر شعور الدول الكبرى بالقلق قاوم وشن هجومًا من قصر جولستان وهو بناء ضخم جدير بليالي ألف ليلة وليلة، واستطاع تحقيق نصر في ١٦ كانون أول سبتمبر (١٩٤٦ م) بدخول قوة عسكرية إيرانية إلى إقليم أذربيجان الإيراني، وفي عام (١٩٤٩ م) نجا من محاولة اغتيال أصيب خلالها بخمس رصاصات لم تسبب خطورة على حياته وفي عام (١٩٥١ م) تزوج من الأميرة ثريا أصفذيادي الإيرانية التي كان يُكن لها عاطفة قوية. الأزمة الكبرى الثانية كانت مع حكومة مصدق الذي قرر تأميم البترول والحد في صلاحيات الشاه وقصرها في المهام الدبلوماسية والبروتوكولية فقط كما ينص دستور (١٩٠٧ م) أسفر عن مقاومة الشاه لإجراءات مصدق فوضى عامة بلغت قمتها في آب أغسطس (١٩٥٣ م) حين اجتاح المتظاهرون طهران وأحرقوا صور الشاه وحطموا تماثيله، وفي ١٦ آب أغسطس اضطر إلى اختيار حياة المنفى لفترة قصيرة في إيطاليا إلى أن تحرك الجيش وأطاح بمصدق بمساعدة أمريكية وعاد الشاه في ٢٢ آب أغسطس إلى طهران وفي ١٦ نيسان إبريل (١٩٥٨ م) طلق زوجته ثريا، وفي عام (١٩٥٩ م) تزوج الأميرة فرح ديبا للحصول على ولي العهد فأنجبت أربعة أولاد هم الأمير رضا قورش ولي العهد في ٣١ تشرين الأول أكتوبر (١٩٦٠ م)، وكان قد أبرم مع الولايات المتحدة معاهدة عسكرية في آذار مارس (١٩٥٩ م) وفي عام (١٩٦٣ م). تفجرت أزمة داخلية جديدة للإصلاح الزراعي وكان للفئات الدينية دور لذلك ألقي القبض على آية الله الخميني ونفي إلى تركيا ثم إلى العراق ثم توج إمبراطورًا في أبهة كبيرة اشتهرت على مستوى عالمي عام (١٩٧٥ م) تشرين الأول أكتوبر وتعاقبت الاضطرابات في مختلف المناطق وخاصة طهران فتصدى لها الشاه بيد حديدية فازدادت طباعه حدة ووصل الفساد إلى القصر وأجهزة البوليس السري السافاك، وقد أثار نظام الحرب الواحد في آذار مارس (١٩٧٥ م) وتشددالدكتاتورية اعتبارًا من عام (١٩٧٧ م) مظاهرات قمعت بعنف، ومنذ (١٩٧٨ م) أخذت الفئات أمام الموقف في الشارع الإيراني بعد اضطرابات كان أبرزها يوم الجمعة الأسود الثامن من أيلول سبتمبر من ذلك العام وفيها قتل في طهران وحدها أكثر من ٧٠٠ قتيل وأثر ذلك توقف شحن البترول وحدث اختناق اقتصادي وفشلت محاولة تشكيل حكومة عسكرية ولم يحظ هذه المرة بمساعدة أمريكا فاضطر إلى مغادرة البلاد في السادس عشر من كانون الثاني (١٩٧٨ م) إلى مصر فالمغرب فجزر البهاما فالمكسيك فالولايات المتحدة ثم أعلنت الجمهورية الإسلامية في الثاني من نيسان إبريل (١٩٧٩ م) ثم مرض فنقل إلى مستشفى كورنيل بنيويورك ثم نقل منه إلى مششفى المعادي في القاهرة وتم استئصال طحاله، وفي موسكو أذيعت وفاته في مصر بعد بذل علاج له في مصر وقدوم طبيب ماهر أمريكي على من طائرة بوينج تحمل أربعة عشر صندوقًا بها أجهزة طبية، لكن حالته الصحية خطيرة جدًّا بحيث تضخم طحاله إلى خمسة أمثال حجمه، وكان قد قضى ١٨ شهرًا في المنفى بعدما حكم في إيران التي بلغ عدد سكانها خمسة وثلاثين مليونًا، وقد مات وهو مطارد وفي طوال هذه المدة وحكام إيران يطالبون بحضوره ومحاكمته لاسترداد الثروات التي يزعمون أنَّه أخذها هو وأسرته ويستثمر أمواله في الخارج.
  • full passagepage 2185, entry [909]3,788 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في اليوم الخامس عشر من رمضان وفاة شاه إيران وكانت وفاته في الصباح المبكر في مدينة القاهرة، وهذه ترجمته، قالت إحدى الجرائد هو صاحب الجلالة الإمبراطورية الشاهنشاه اريا مهر وهذا اللقب من تعظيمات الأعاجم، وهو اللقب الرسمي لمحمد رضا بهلوي شاه إيران السابق ومعناه مالك الم
    ▸ expand full passage (3,788 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في اليوم الخامس عشر من رمضان وفاة شاه إيران وكانت وفاته في الصباح المبكر في مدينة القاهرة، وهذه ترجمته، قالت إحدى الجرائد هو صاحب الجلالة الإمبراطورية الشاهنشاه اريا مهر وهذا اللقب من تعظيمات الأعاجم، وهو اللقب الرسمي لمحمد رضا بهلوي شاه إيران السابق ومعناه مالك الملك نور الأولين ولا ريب أن هذه مبالغة نهى عنها الشرع الشريف، ولد في طهران ٢٦ تشرين الأول أكتوبر عام (١٩١٩ م) وأصبح وليًّا للعهد عندما بلغ السادسة من عمره عام (١٩٢٥ م) باسم رضا شاه تلقى تعليمًا عسكريًّا عاليًا قبل أن يواصل دراسته في سويسرا بين (١٩٣١ م) إلى (١٩٣٦ م) ثم التحق بالكلية الحربية في طهران ثم عينه والده مفتشًا عامًّا للجيش وهو في العشرين من عمره بضغط من روسيا وإنكلترا تنازل الأب عن العرش وتوِّج محمد رضا وتزوج عام (١٩٣٩ م) بالأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق ملك مصر السابق وأنجب منها بنتًا ثم اختلفا بسبب سيطرة والدته وأخته التوأم الأميرة أشرف وانفصلا وفي ١٦ أيلول عام (١٩٤١ م) أدى اليمين أمام مجلس النواب ليجلس على عرش كسرى الذي يرجع إلى ألفين وخمسمائة عام باسم محمد رضا بهلوي، وفي التاسع عشر من تشرين الثاني نوفمبر (١٩٤٨ م) طلق زوجته الأولى فوزية. أول مشكلة كبيرة في فترة حكمه، وهي من مخلفات الحرب العالمية الثانية ثورة إقليم أذربيجان الشمال الذي يحتل الاتحاد السوفيتي جزءًا منه حين بدأت الحركةوظهرت بوادر شعور الدول الكبرى بالقلق قاوم وشن هجومًا من قصر جولستان وهو بناء ضخم جدير بليالي ألف ليلة وليلة، واستطاع تحقيق نصر في ١٦ كانون أول سبتمبر (١٩٤٦ م) بدخول قوة عسكرية إيرانية إلى إقليم أذربيجان الإيراني، وفي عام (١٩٤٩ م) نجا من محاولة اغتيال أصيب خلالها بخمس رصاصات لم تسبب خطورة على حياته وفي عام (١٩٥١ م) تزوج من الأميرة ثريا أصفذيادي الإيرانية التي كان يُكن لها عاطفة قوية. الأزمة الكبرى الثانية كانت مع حكومة مصدق الذي قرر تأميم البترول والحد في صلاحيات الشاه وقصرها في المهام الدبلوماسية والبروتوكولية فقط كما ينص دستور (١٩٠٧ م) أسفر عن مقاومة الشاه لإجراءات مصدق فوضى عامة بلغت قمتها في آب أغسطس (١٩٥٣ م) حين اجتاح المتظاهرون طهران وأحرقوا صور الشاه وحطموا تماثيله، وفي ١٦ آب أغسطس اضطر إلى اختيار حياة المنفى لفترة قصيرة في إيطاليا إلى أن تحرك الجيش وأطاح بمصدق بمساعدة أمريكية وعاد الشاه في ٢٢ آب أغسطس إلى طهران وفي ١٦ نيسان إبريل (١٩٥٨ م) طلق زوجته ثريا، وفي عام (١٩٥٩ م) تزوج الأميرة فرح ديبا للحصول على ولي العهد فأنجبت أربعة أولاد هم الأمير رضا قورش ولي العهد في ٣١ تشرين الأول أكتوبر (١٩٦٠ م)، وكان قد أبرم مع الولايات المتحدة معاهدة عسكرية في آذار مارس (١٩٥٩ م) وفي عام (١٩٦٣ م). تفجرت أزمة داخلية جديدة للإصلاح الزراعي وكان للفئات الدينية دور لذلك ألقي القبض على آية الله الخميني ونفي إلى تركيا ثم إلى العراق ثم توج إمبراطورًا في أبهة كبيرة اشتهرت على مستوى عالمي عام (١٩٧٥ م) تشرين الأول أكتوبر وتعاقبت الاضطرابات في مختلف المناطق وخاصة طهران فتصدى لها الشاه بيد حديدية فازدادت طباعه حدة ووصل الفساد إلى القصر وأجهزة البوليس السري السافاك، وقد أثار نظام الحرب الواحد في آذار مارس (١٩٧٥ م) وتشددالدكتاتورية اعتبارًا من عام (١٩٧٧ م) مظاهرات قمعت بعنف، ومنذ (١٩٧٨ م) أخذت الفئات أمام الموقف في الشارع الإيراني بعد اضطرابات كان أبرزها يوم الجمعة الأسود الثامن من أيلول سبتمبر من ذلك العام وفيها قتل في طهران وحدها أكثر من ٧٠٠ قتيل وأثر ذلك توقف شحن البترول وحدث اختناق اقتصادي وفشلت محاولة تشكيل حكومة عسكرية ولم يحظ هذه المرة بمساعدة أمريكا فاضطر إلى مغادرة البلاد في السادس عشر من كانون الثاني (١٩٧٨ م) إلى مصر فالمغرب فجزر البهاما فالمكسيك فالولايات المتحدة ثم أعلنت الجمهورية الإسلامية في الثاني من نيسان إبريل (١٩٧٩ م) ثم مرض فنقل إلى مستشفى كورنيل بنيويورك ثم نقل منه إلى مششفى المعادي في القاهرة وتم استئصال طحاله، وفي موسكو أذيعت وفاته في مصر بعد بذل علاج له في مصر وقدوم طبيب ماهر أمريكي على من طائرة بوينج تحمل أربعة عشر صندوقًا بها أجهزة طبية، لكن حالته الصحية خطيرة جدًّا بحيث تضخم طحاله إلى خمسة أمثال حجمه، وكان قد قضى ١٨ شهرًا في المنفى بعدما حكم في إيران التي بلغ عدد سكانها خمسة وثلاثين مليونًا، وقد مات وهو مطارد وفي طوال هذه المدة وحكام إيران يطالبون بحضوره ومحاكمته لاسترداد الثروات التي يزعمون أنَّه أخذها هو وأسرته ويستثمر أمواله في الخارج.
  • full passagepage 2214, entry [918]8,345 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن إبراهيم الغزاوي شاعر جلالة الملك، هذه ترجمته: هو الشاعر المنطيق اللسن المقول ذو الصوت العالي الذي ملأ شعره الصحف والمجلات والجرائد أحمد بن إبراهيم بن علي بن سليمان الغزاوي نسبة إلى غزة بفلسطين؛ لأن جدهم الثامن هاجر من غزة إلى مكة المكرمة مفضلًا لها بالسكنى، إما مج
    ▸ expand full passage (8,345 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن إبراهيم الغزاوي شاعر جلالة الملك، هذه ترجمته: هو الشاعر المنطيق اللسن المقول ذو الصوت العالي الذي ملأ شعره الصحف والمجلات والجرائد أحمد بن إبراهيم بن علي بن سليمان الغزاوي نسبة إلى غزة بفلسطين؛ لأن جدهم الثامن هاجر من غزة إلى مكة المكرمة مفضلًا لها بالسكنى، إما مجاورًا أو لطلب العلم أر للتجارة على اختلاف في ذلك، فاشتهرت الأسرة بذلك وأصبحت أسرة من أكبر الأسر في مكة المكرمة، اشتغل بعضهم بالتجارة وبعضهم في طلب العلم، وكان منهم كتاتيب في مكة المكرمة افتتحوا مدارس. أما عن المترجم فقد ولد عام (١٣١٨ هـ) في مطلع القرن العشرين في شهر ربيع الأول في بيت والده الكائن في شارع الدعوجي في حارة سويقة من مكة المكرمة، ولقي عناية من والديه لأنه كان الابن الوحيد لهما بحيث كان له سبع أخوات، وكانت والدته تسمى بدرية بنت عبد الرحمن السند عاجلتها الوفاة وهو لم يبلغ العاشرة من عمره، فكان موضع الحنو من أبيه فنشأ في حضن والده الذي يجيد القراءة والكتابة ويعمل بالتجارة في قاعة الشفاء، وكان يصحب والده في جميعتقلباته ويعيش من بين زملائه من أطفال مكة في الدراسة على الكتاب لتعلم القرآن والكتابة والإملاء ويمارسون الألعاب كحالة الأطفال في تسلق الأشجار والقفز فوق التلال ونحو ذلك. وقد رباه والده أحسن تربية، ولما أن بلغ من العمر سن العشرين توفي والده في ٦ صفر عام (١٣٣٦ هـ)، وقد تنقل المترجم وعايش البادية لأن مكة إذ ذاك كانت مدينة صغيرة، ثم التحق بالمدرسة الصولتية وكانت تلك المدرسة لها اعتناء باللغة العربية والعلوم الشرعية، ثم بعد تخرجه منها التحق بمدرسة الفلاح التي يقوم عليها محمَّد زينل ثم أنه أخذ عن جملة من العلماء منهم الشيخ عبد الوهاب نائب الحرم المكي من أئمة الشريف، وأخذ عن الشيخ حسين الحبشي، وأخذ عن الشيخ صالح شطا، وأخذ عن الشيخ عبد الله سراج قاضي القضاة في عهد الشريف حسين ولازمه، وأخذ عن الشيخ حسن باسلامة الحضرمي صاحب المؤلفات، وأخذ عن الشيخ عبد الله السناري حمدوه، وعن الشيخ إبراهيم فودة، وعن الشيخ محمَّد بن سليمان حسب الله. أما علاقته بالملوك فكان على اتصال مع الحسين بن علي الشريف حينما قام بثورته على الأتراك وامتدحه لأنه تعرف إليه عن طريق رئيس القضاة إذ ذاك عبد الله سراج فقال يمتدح الحسين: إن الحسين مليك العرب منقذهم ... من سد مأرب حتى نهر زوراء قد خصه ربه فاختاره ملكًا ... لخير شعب بإجماع وإيحاء ولما أن توحدت البلاد تحت قيادة صاحب الجلالة الملك المعظم عبد العزيز، خرج إلى الهند، ولكنه سرعان ما عاد واتصل بالملك عبد العزيز وامتدحه بقصائد عظيمة وصحبه وشهد المشاهد الوطنية واللقاءات الفكرية والمؤتمرات الإِسلامية إلى أن توفاه الله تعالى. ثم استمرت صلته بالملك سعود وظلّ وثيق الصلة به وامتدحه بقصائد جمة،أضف إلى ذلك أن له روابط وثيقة وإخلاصًا لنائب الملك فيصل حينما كان أميرًا في الحجاز ومحافظًا على الوداد لرؤساء المملكة السعودية لما أظفرهم الله تعالى ومكنهم لذلك نجد ديوانه مملوءًا بمديحهم. كما أنه نال ثقة من الملك فيصل لما ولاه الله تعالى ونال أيضًا منزلة عالية لدى الملك خالد بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى وأسبغ عليهم من رحمته وابلًا مدرارًا. وإنها لأيام قضاها في رضاء أولئك الملوك وامتدح ولي العهد فهد بن عبد العزيز وله صلة بسائر أمراء آل سعود وكان شعره جزلًا كوقع الصواعق، غير أن غالبه في المديح ولم يتظاهر بالهجاء، فمن مدائحه قوله لما لم يحج عاهل الجزيرة الملك عبد العزيز عام (١٣٦٠ هـ) ثم سافر النائب فيصل في ٢٨ محرم فقال هذه القصيدة في حفلة توديعه: يغالبنا فيك الهوى ونغالبه ... فطورًا له العتبى وطورًا نعاتبه أبالحق أن نلقى الذي لا نطيقه ... عشية هذا البعد تطوى سباسبه أبالحق نعمى بسهمين عن يد ... فراق المفدى ثم يتلوه نائبه سنحمل أعباء البعاد ثقيلة ... وفيك لعمر الله تضنى متاعبه وهل أبصرت عين بغير سوادها ... وهل هو إلا حيث أنت تراقبه ولم تزل في كل قلب وناظر ... وإن رفرفت أحناؤه وهوادبه سل البيت عما قلت لو كان ناطقًا ... أجاب وحسبي أن يعبر حاجبه رعى الله نجدًا إنها في بروجها ... سماء هدى تغشى الحجاز كواكبه بلاد تود الأرض طرًا لو أنها ... من المجد فيها حيث نيطت مضاربه إذا سطعت شمس النهار وخلالها ... فكل شعاع من سناها مساربه تطل بها الأقمار من كل مطلع ... وتزهو بها أجابه وملاعبه وتختال في أرباضها أسد الشرى ... حراصًا على العهد الذي عاد ذاهبه ثقاة مذاويد ترى الصدق دأبهم ... إذا سخرت من ذي الأماني كواذبهأضاءت أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه فيا ابن الذي لا الشعر يحسن وصفه ... ولا النثر إلا ما بنته قواضبه حنانيك إنا في وداعك أمة ... يجاذبها فيك النوى وتجاذبه ولو ملكت فيك الخيار لسابقت ... إليك مع الأرياح خطوا تواثبه على أننا والوجد يصلي قلوبنا ... لنرضى بما ترضى وما أنت راغبه ومهما أطعنا ما أمرت فإننا ... لنعصي فراقًا عنك تسجو غياهبه فإن نحن سامرنا النجوم تعلة ... إليك فإن الشوق صعب مراكبه وأن لنا يوم اللقاء لفيعه ... يكاد لها صدري تطير ترائبه فسر في أمان الله وأقرئ سلامنا ... إلى ملك تهمي علينا سحائبه إلى ملك نغفر من العدل نهجه ... وأنت له سر وفيك مواهبه نبادله الإحسان بالشكر خالصًا ... وندعو له في كل ما هو كاسبه ونفديه بالأرواح غيبًا ومشهدًا ... ونفنى ليبقى والسعود مآربه مأرب لم يبرح بها التاج زاهيًا ... على الأفق الأعلى تراءى مناكبه بألحانها تشدو وتهزج في الورى ... وتهتز من شجويهن كتائبه وأبلغ ولي العهد خير تحية ... هي الطل يستهو النواظر ذائبه إلى آخرها وهي حسنة في بابها قوية في موضوعها ومن شعره قصيدة في الملك عبد العزيز ألقاها في ١١ ذي الحجة تهنئة له بالعيد عام (١٣٦٥ هـ). بك العيد نحيا حيث تبدو عوائده ... ومنك معانيه وفيك قواصده إذ الوفد ألقى في بساطك نظرة ... تراءى له المجد الذي أنت ماجده حقيق بك الإعجاب إنك أمة ... وإنك شعب بين برديك ماجده فماذا تروني أستطيع من الثنا ... على ملك تقي الثناء محامده على ملك آمنت بالله أنه ... هو الفلك الدوار وأنت مشاهدهمن الخلفاء الراشدين في سبيله ... وفي الباقيات الصالحات فراقده ومن محكم الفرقان لألأَ جانبه ... ومن سنة الهادي البشير معاقده به إلتأم الشمل الشتيت وأقبلت ... حظوظ وردت في العدو مكائده وفيه التقى الإِسلام من كل جانب ... وعزت به أخلاقه وعقائده محى بالحسام العضب كل ضلالة ... عن الدين حتى هادنته طرائده وشيد بالتوحيد أركان عرشه ... وفي العلم راجت من نداه معاهده وتلك بيوت الله تشهد أنه ... له عمرت في كل ربع مساجده على أنه والشكر لله عاهل ... يفوز مواليه ويخزى معانده وما أنا في حبي له اليوم واحد ... ولكنما الدنيا جميعًا تعاضده ألا أيها الجمع الملبون وقفة ... بها ينطق الأضحى وينصت وافده نقلب فيها الذكريات لعلنا ... بذلك نقضي حقه ونعاوده هو الحج إلا أنه في افتراضه ... من الله فضل ليس تحصى فوائده وما هو ذخر المرء يوم معاده ... فحسب ولكن كل ما سر واجده فكيف وهذا الأمن ضافٍ رواقه ... على كل فج أين سالت روافده وكائن ترى من هاجع تحت أيكةٍ ... وآخر بين الأخشبين الذي هو فاقده تحدى مع التفريط من هو سارق ... ولكنه الشخص الذي هو فاقده فمن شاطئ الإحساء شرقًا ومغربًا ... إلى البحر حيث الفلك تأوي قواعده تروح وتغدو الموقرات لطائمًا ... من الجوهر المكنون تفري فوائده فلا شبح الإجرام يلمح طيفه ... ولا الطمع الخداع ينقض مارده له الويل مغترًا إذا ابتز كاسيًا ... ولو لبس الليل الذي هو وائده حدود أقيمت ليس هوادة ... ولا حكم إلا الشرع تذرى حصائده وما من شفيع في قصاص ولا هوى ... إذا ما استحق السيف من هو جالده بذلك لا بالبطش من غير ما هدى ... ولا بالتواني طوقتنا قلائدههو الطائع البر الحليم وكلنا ... له ولد بشرى الذي هو والده وأما إذا ما المشكلات تأزمت ... وفاضت كؤوس الشر واغتر عامده فما هي إلا لمحة ثم خطفة ... ويا بؤس من دوت عليه رواعده كأن نزارًا قبضة في يمينه ... ألستم معي فيما أرى وأشاهده لك الظفر الموعود والمركب الذي ... يموت ويحيا في تمنيه حاسده وجدت بياني فيك أسهل مرتقى ... ومن لي بالشعر الذي أنت رائده فعش هانئًا في كل عيد وموسم ... وآل سعود ما أتقى الله عابده هذه نماذج من شعره وله مراثي قالها في الأعيان، وله مجاوبات مع الأدباء الذين منهم عبد الله بن محمَّد بن خميس، ومحمد بن بليهد وأحمد العربي وغيرهم، ويعتبر من فحول الشعراء الذين كانوا في القرن الرابع عشر الهجري كالشيخ سليمان بن سحمان ومحمد بن عبد الله بن عثيمين، والزركلي والشاعر محمَّد بن بليهد، وقد بلغ ديوانه ثلاث مجلدات ضخام. أما عن الوظائف التي نالها فقد ظل في خدمة الملك حسين بن علي كاتبًا في ديوان رئيس قضاته، ونال ثقة منهم ثم جعله الملك عبد العزيز في تلك الوظيفة لدى رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، ثم جعله محررًا الجريدة أم القرى بعدما حول اسمها من جريدة القِبلة إلى هذه التسمية ثم محررًا لصوت الحجاز، ثم كان نائب رئيس مجلس الشورى ومنحه الملك سعود بن عبد العزيز مرتبة وزير مفوض من الدرجة الأولى رسميًّا تقديرًا لجهوده، وجعله لملك فيصل حال كونه نائبًا لجلالة الملك في مقدمة المرشحين لما توفي رئيس صالح شطا لأن يكون نائب الرئيس، واستمر في تلك الوظيفة حتى توفي. ولما أن كان في عام (١٣٨٠ هـ) جفاه زمانه بموت أحبابه وزواج بنتيه، وكان لم يوهب له ذكور ولم يبق لديه في البيت سوى زوجته التي توفيت بعد ذلك، فعاش سنيه الأخيرة وقد شعر بتقدم السن, ولم يتزوج وضاق ذرعًا بهذه الضائقة بحيثأصبح وحيدًا عاجزًا وأقعده الهم والكآبة في بيته وأثر ذلك على قواه وتشاغل عنه أقرباؤه وأصيب بمرض المفاصل ولم يثن عزمه ذلك، بل استمر يكتب حتى عجز وتوفاه الله تعالى ولديه ثروة طائلة ولكنها لم تغن عنه شيئًا فوافاه أجله المحتوم في الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة الأحد ٢٢ جمادى الآخرة من هذه السنة، فغسل وكُفن وصُلي عليه في الحرم الشريف وحضر جنازته جم غفير وجمع كثير من العلماء والوجهاء والأدباء ودفن في مقبرة المعلاة في مكة المكرمة ﵀ وعفا عنه.
  • full passagepage 2214, entry [918]8,345 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن إبراهيم الغزاوي شاعر جلالة الملك، هذه ترجمته: هو الشاعر المنطيق اللسن المقول ذو الصوت العالي الذي ملأ شعره الصحف والمجلات والجرائد أحمد بن إبراهيم بن علي بن سليمان الغزاوي نسبة إلى غزة بفلسطين؛ لأن جدهم الثامن هاجر من غزة إلى مكة المكرمة مفضلًا لها بالسكنى، إما مج
    ▸ expand full passage (8,345 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن إبراهيم الغزاوي شاعر جلالة الملك، هذه ترجمته: هو الشاعر المنطيق اللسن المقول ذو الصوت العالي الذي ملأ شعره الصحف والمجلات والجرائد أحمد بن إبراهيم بن علي بن سليمان الغزاوي نسبة إلى غزة بفلسطين؛ لأن جدهم الثامن هاجر من غزة إلى مكة المكرمة مفضلًا لها بالسكنى، إما مجاورًا أو لطلب العلم أر للتجارة على اختلاف في ذلك، فاشتهرت الأسرة بذلك وأصبحت أسرة من أكبر الأسر في مكة المكرمة، اشتغل بعضهم بالتجارة وبعضهم في طلب العلم، وكان منهم كتاتيب في مكة المكرمة افتتحوا مدارس. أما عن المترجم فقد ولد عام (١٣١٨ هـ) في مطلع القرن العشرين في شهر ربيع الأول في بيت والده الكائن في شارع الدعوجي في حارة سويقة من مكة المكرمة، ولقي عناية من والديه لأنه كان الابن الوحيد لهما بحيث كان له سبع أخوات، وكانت والدته تسمى بدرية بنت عبد الرحمن السند عاجلتها الوفاة وهو لم يبلغ العاشرة من عمره، فكان موضع الحنو من أبيه فنشأ في حضن والده الذي يجيد القراءة والكتابة ويعمل بالتجارة في قاعة الشفاء، وكان يصحب والده في جميعتقلباته ويعيش من بين زملائه من أطفال مكة في الدراسة على الكتاب لتعلم القرآن والكتابة والإملاء ويمارسون الألعاب كحالة الأطفال في تسلق الأشجار والقفز فوق التلال ونحو ذلك. وقد رباه والده أحسن تربية، ولما أن بلغ من العمر سن العشرين توفي والده في ٦ صفر عام (١٣٣٦ هـ)، وقد تنقل المترجم وعايش البادية لأن مكة إذ ذاك كانت مدينة صغيرة، ثم التحق بالمدرسة الصولتية وكانت تلك المدرسة لها اعتناء باللغة العربية والعلوم الشرعية، ثم بعد تخرجه منها التحق بمدرسة الفلاح التي يقوم عليها محمَّد زينل ثم أنه أخذ عن جملة من العلماء منهم الشيخ عبد الوهاب نائب الحرم المكي من أئمة الشريف، وأخذ عن الشيخ حسين الحبشي، وأخذ عن الشيخ صالح شطا، وأخذ عن الشيخ عبد الله سراج قاضي القضاة في عهد الشريف حسين ولازمه، وأخذ عن الشيخ حسن باسلامة الحضرمي صاحب المؤلفات، وأخذ عن الشيخ عبد الله السناري حمدوه، وعن الشيخ إبراهيم فودة، وعن الشيخ محمَّد بن سليمان حسب الله. أما علاقته بالملوك فكان على اتصال مع الحسين بن علي الشريف حينما قام بثورته على الأتراك وامتدحه لأنه تعرف إليه عن طريق رئيس القضاة إذ ذاك عبد الله سراج فقال يمتدح الحسين: إن الحسين مليك العرب منقذهم ... من سد مأرب حتى نهر زوراء قد خصه ربه فاختاره ملكًا ... لخير شعب بإجماع وإيحاء ولما أن توحدت البلاد تحت قيادة صاحب الجلالة الملك المعظم عبد العزيز، خرج إلى الهند، ولكنه سرعان ما عاد واتصل بالملك عبد العزيز وامتدحه بقصائد عظيمة وصحبه وشهد المشاهد الوطنية واللقاءات الفكرية والمؤتمرات الإِسلامية إلى أن توفاه الله تعالى. ثم استمرت صلته بالملك سعود وظلّ وثيق الصلة به وامتدحه بقصائد جمة،أضف إلى ذلك أن له روابط وثيقة وإخلاصًا لنائب الملك فيصل حينما كان أميرًا في الحجاز ومحافظًا على الوداد لرؤساء المملكة السعودية لما أظفرهم الله تعالى ومكنهم لذلك نجد ديوانه مملوءًا بمديحهم. كما أنه نال ثقة من الملك فيصل لما ولاه الله تعالى ونال أيضًا منزلة عالية لدى الملك خالد بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى وأسبغ عليهم من رحمته وابلًا مدرارًا. وإنها لأيام قضاها في رضاء أولئك الملوك وامتدح ولي العهد فهد بن عبد العزيز وله صلة بسائر أمراء آل سعود وكان شعره جزلًا كوقع الصواعق، غير أن غالبه في المديح ولم يتظاهر بالهجاء، فمن مدائحه قوله لما لم يحج عاهل الجزيرة الملك عبد العزيز عام (١٣٦٠ هـ) ثم سافر النائب فيصل في ٢٨ محرم فقال هذه القصيدة في حفلة توديعه: يغالبنا فيك الهوى ونغالبه ... فطورًا له العتبى وطورًا نعاتبه أبالحق أن نلقى الذي لا نطيقه ... عشية هذا البعد تطوى سباسبه أبالحق نعمى بسهمين عن يد ... فراق المفدى ثم يتلوه نائبه سنحمل أعباء البعاد ثقيلة ... وفيك لعمر الله تضنى متاعبه وهل أبصرت عين بغير سوادها ... وهل هو إلا حيث أنت تراقبه ولم تزل في كل قلب وناظر ... وإن رفرفت أحناؤه وهوادبه سل البيت عما قلت لو كان ناطقًا ... أجاب وحسبي أن يعبر حاجبه رعى الله نجدًا إنها في بروجها ... سماء هدى تغشى الحجاز كواكبه بلاد تود الأرض طرًا لو أنها ... من المجد فيها حيث نيطت مضاربه إذا سطعت شمس النهار وخلالها ... فكل شعاع من سناها مساربه تطل بها الأقمار من كل مطلع ... وتزهو بها أجابه وملاعبه وتختال في أرباضها أسد الشرى ... حراصًا على العهد الذي عاد ذاهبه ثقاة مذاويد ترى الصدق دأبهم ... إذا سخرت من ذي الأماني كواذبهأضاءت أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه فيا ابن الذي لا الشعر يحسن وصفه ... ولا النثر إلا ما بنته قواضبه حنانيك إنا في وداعك أمة ... يجاذبها فيك النوى وتجاذبه ولو ملكت فيك الخيار لسابقت ... إليك مع الأرياح خطوا تواثبه على أننا والوجد يصلي قلوبنا ... لنرضى بما ترضى وما أنت راغبه ومهما أطعنا ما أمرت فإننا ... لنعصي فراقًا عنك تسجو غياهبه فإن نحن سامرنا النجوم تعلة ... إليك فإن الشوق صعب مراكبه وأن لنا يوم اللقاء لفيعه ... يكاد لها صدري تطير ترائبه فسر في أمان الله وأقرئ سلامنا ... إلى ملك تهمي علينا سحائبه إلى ملك نغفر من العدل نهجه ... وأنت له سر وفيك مواهبه نبادله الإحسان بالشكر خالصًا ... وندعو له في كل ما هو كاسبه ونفديه بالأرواح غيبًا ومشهدًا ... ونفنى ليبقى والسعود مآربه مأرب لم يبرح بها التاج زاهيًا ... على الأفق الأعلى تراءى مناكبه بألحانها تشدو وتهزج في الورى ... وتهتز من شجويهن كتائبه وأبلغ ولي العهد خير تحية ... هي الطل يستهو النواظر ذائبه إلى آخرها وهي حسنة في بابها قوية في موضوعها ومن شعره قصيدة في الملك عبد العزيز ألقاها في ١١ ذي الحجة تهنئة له بالعيد عام (١٣٦٥ هـ). بك العيد نحيا حيث تبدو عوائده ... ومنك معانيه وفيك قواصده إذ الوفد ألقى في بساطك نظرة ... تراءى له المجد الذي أنت ماجده حقيق بك الإعجاب إنك أمة ... وإنك شعب بين برديك ماجده فماذا تروني أستطيع من الثنا ... على ملك تقي الثناء محامده على ملك آمنت بالله أنه ... هو الفلك الدوار وأنت مشاهدهمن الخلفاء الراشدين في سبيله ... وفي الباقيات الصالحات فراقده ومن محكم الفرقان لألأَ جانبه ... ومن سنة الهادي البشير معاقده به إلتأم الشمل الشتيت وأقبلت ... حظوظ وردت في العدو مكائده وفيه التقى الإِسلام من كل جانب ... وعزت به أخلاقه وعقائده محى بالحسام العضب كل ضلالة ... عن الدين حتى هادنته طرائده وشيد بالتوحيد أركان عرشه ... وفي العلم راجت من نداه معاهده وتلك بيوت الله تشهد أنه ... له عمرت في كل ربع مساجده على أنه والشكر لله عاهل ... يفوز مواليه ويخزى معانده وما أنا في حبي له اليوم واحد ... ولكنما الدنيا جميعًا تعاضده ألا أيها الجمع الملبون وقفة ... بها ينطق الأضحى وينصت وافده نقلب فيها الذكريات لعلنا ... بذلك نقضي حقه ونعاوده هو الحج إلا أنه في افتراضه ... من الله فضل ليس تحصى فوائده وما هو ذخر المرء يوم معاده ... فحسب ولكن كل ما سر واجده فكيف وهذا الأمن ضافٍ رواقه ... على كل فج أين سالت روافده وكائن ترى من هاجع تحت أيكةٍ ... وآخر بين الأخشبين الذي هو فاقده تحدى مع التفريط من هو سارق ... ولكنه الشخص الذي هو فاقده فمن شاطئ الإحساء شرقًا ومغربًا ... إلى البحر حيث الفلك تأوي قواعده تروح وتغدو الموقرات لطائمًا ... من الجوهر المكنون تفري فوائده فلا شبح الإجرام يلمح طيفه ... ولا الطمع الخداع ينقض مارده له الويل مغترًا إذا ابتز كاسيًا ... ولو لبس الليل الذي هو وائده حدود أقيمت ليس هوادة ... ولا حكم إلا الشرع تذرى حصائده وما من شفيع في قصاص ولا هوى ... إذا ما استحق السيف من هو جالده بذلك لا بالبطش من غير ما هدى ... ولا بالتواني طوقتنا قلائدههو الطائع البر الحليم وكلنا ... له ولد بشرى الذي هو والده وأما إذا ما المشكلات تأزمت ... وفاضت كؤوس الشر واغتر عامده فما هي إلا لمحة ثم خطفة ... ويا بؤس من دوت عليه رواعده كأن نزارًا قبضة في يمينه ... ألستم معي فيما أرى وأشاهده لك الظفر الموعود والمركب الذي ... يموت ويحيا في تمنيه حاسده وجدت بياني فيك أسهل مرتقى ... ومن لي بالشعر الذي أنت رائده فعش هانئًا في كل عيد وموسم ... وآل سعود ما أتقى الله عابده هذه نماذج من شعره وله مراثي قالها في الأعيان، وله مجاوبات مع الأدباء الذين منهم عبد الله بن محمَّد بن خميس، ومحمد بن بليهد وأحمد العربي وغيرهم، ويعتبر من فحول الشعراء الذين كانوا في القرن الرابع عشر الهجري كالشيخ سليمان بن سحمان ومحمد بن عبد الله بن عثيمين، والزركلي والشاعر محمَّد بن بليهد، وقد بلغ ديوانه ثلاث مجلدات ضخام. أما عن الوظائف التي نالها فقد ظل في خدمة الملك حسين بن علي كاتبًا في ديوان رئيس قضاته، ونال ثقة منهم ثم جعله الملك عبد العزيز في تلك الوظيفة لدى رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، ثم جعله محررًا الجريدة أم القرى بعدما حول اسمها من جريدة القِبلة إلى هذه التسمية ثم محررًا لصوت الحجاز، ثم كان نائب رئيس مجلس الشورى ومنحه الملك سعود بن عبد العزيز مرتبة وزير مفوض من الدرجة الأولى رسميًّا تقديرًا لجهوده، وجعله لملك فيصل حال كونه نائبًا لجلالة الملك في مقدمة المرشحين لما توفي رئيس صالح شطا لأن يكون نائب الرئيس، واستمر في تلك الوظيفة حتى توفي. ولما أن كان في عام (١٣٨٠ هـ) جفاه زمانه بموت أحبابه وزواج بنتيه، وكان لم يوهب له ذكور ولم يبق لديه في البيت سوى زوجته التي توفيت بعد ذلك، فعاش سنيه الأخيرة وقد شعر بتقدم السن, ولم يتزوج وضاق ذرعًا بهذه الضائقة بحيثأصبح وحيدًا عاجزًا وأقعده الهم والكآبة في بيته وأثر ذلك على قواه وتشاغل عنه أقرباؤه وأصيب بمرض المفاصل ولم يثن عزمه ذلك، بل استمر يكتب حتى عجز وتوفاه الله تعالى ولديه ثروة طائلة ولكنها لم تغن عنه شيئًا فوافاه أجله المحتوم في الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة الأحد ٢٢ جمادى الآخرة من هذه السنة، فغسل وكُفن وصُلي عليه في الحرم الشريف وحضر جنازته جم غفير وجمع كثير من العلماء والوجهاء والأدباء ودفن في مقبرة المعلاة في مكة المكرمة ﵀ وعفا عنه.
  • full passagepage 2316, entry [963]17,917 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ٢٠ محرم وفاة الشيخ والرئيس العالم لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية الشيخ العالم عبد الملك بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته وهو الرابع من أنجال الشيخ إبراهيم بن عبد اللطي
    ▸ expand full passage (17,917 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ٢٠ محرم وفاة الشيخ والرئيس العالم لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية الشيخ العالم عبد الملك بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته وهو الرابع من أنجال الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وقد ذكرنا لكل منهم ترجمة حافلة في سني وفاتهم. ويمتاز الشيخ عن بني جنسه في عقله ودينه وسمته ويعتبر من الأفذاذ القلائل، تولى رئاسة الهيئات في مكة المكرمة وما يليها ويرتبط بها فقام بهذه الوظيفة خير قيام وكان مهيبًا موقرًا محبوبًا ذلك لما قام به من مكارم الأخلاق ومعالي الشيم ولما لآل إبراهيم من المكانة العالية لدى الحكومة وبين الأمة فكان يلقي محاضرات منها سلسلة سيرة الرسول ﷺ ينظمها في حلقات من الإذاعة، وكان له مقامات في الإسلام وقوة.رفع إليه مساعد الرئيس بأن في بحره بين مكة وجدة حفل زواج كبير أقامه ذووه وعزموا على أن يأتوا فيه بأشياء تخالف الشريعة كالسفور ورفع الغناء بمكبر الصوت والاختلاط وذكر أنه نهاهم فلم ير استجابة منهم وكان ﵀ في مصيفه بالطائف فقال له اذهب من فورك واستصحب معك ضابطًا وأربعة عشر جنديًّا يحملون رشاشين فإن خضعوا للأوامر وإلا فأزيلوا ذلك الحفل بالقوة. ولما أن حضروا بلغوهم أوامر الرئيس فكأنهم لم يجدوا لديهم استجابة فقيل أين رئيس الحفل فقالوا ليس بحاضر فطلبوا الوكيل وتكلم الوكيل بعدم الامتثال فتكلم الضابط بقوله وقع على عدم استعمال هذه المواد التي خرقتم بها النظام، وإلا فسوف أتخذ تدابير أخرى ضد هذا المنكر فكأنك ترى تلك الخيام والزينات قد طارت مزعًا في الجو بين السماء والأرض فخضعوا صاغرين وأزالوا ما عزموا عليه. قبل ذلك زرته في موسم الحج بمِنى فأهدى إلي منسك الشيخ عبد الله بن جاسر جزأين مجلدين تجليدًا ممتازًا وكان حسن العشرة لين العريكة يعلوه البهاء. وذكر لي بأنه اشترى تاريخنا تذكرة أولي النهي وأنه جلده وأهداه إلى الملك فيصل وأن الملك أبدى سروره به وأولع بمراجعته وأعجب بما فيه وكان معظمًا ومحترمًا بينما كنت أحادثه إذ جاء إليه سمو الأمير الملكي عبد الله بن عبد العزيز لتهنئته بعيد الأضحى المبارك وجلست معه غير مرة وفي كلها أجد منه تعظيمًا وتقديرًا وقبل وفاته أصيب بألم في ركبتيه فكان يذهب لعلاجهما وما زال في استقامته حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة غفر الله له وعفا عنه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ محمد بن إبراهيم البواردي رحمه الله تعالى، وكانت وفاته في الرياض يوم الأحد ٢١/ ٢ من هذه السنة. وهذه شهادة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ للمترجم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وآله وصحبه وبعد فإن فضيلة الشيخ محمد بنإبراهيم البواردي قد التحق في الوظائف الحكومية في عام (١٣٤١ هـ) حيث تعين إمامًا ومرشدًا لآل سفران العجمان في هجرة حنبره. ثم في آخر العام المشار إليه نقل بأمر جلالة الملك عبد العزيز إمامًا لمسجد القصابا في الجبيل وفي آخر عام الخمسة والأربعين وثلاثمائة وألف عين قاضيًا لبلد الجبيل بدلًا من الشيخ عبد العزيز بن عكاس ولا زال يتنقل بأعمال القضاء حتى تم نقله إلى عضوية هيئة التمييز عام (١٣٨١ هـ) وما زال يمارس عمله في العضوية المذكورة بنشاط وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه وبيانًا للواقع ولطلب المذكور حرِّر، وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم، رئيس القضاة الختم الرقم ٢٨٣/ ٥٥ س / ٢ خ. وكان المذكور من قرناء الشيخ راشد بن صالح بن خنين والشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل، ولا مات رثاه إبراهيم محمد العبد الله المهنا بهذه الأبيات: الموت حق وكل الناس تنتظر ... آجال قد كتبت كل سيحتضر قد مات شيخي أديب لا مثيل له ... في الفقه والشعر والأخبار والسير بواردي إذا أوى إلى هدف ... أصاب منه مكان القلب والنظر فرحمة الله تغشى الشيخ في جدث ... قد ضم علمًا وحلمًا حازه بشر معالم عرفت هي سجيته ... ولا يجاريه من حضر ولا مدر رسائل العلم والأخبار فاز بها ... وقد توارت فلا عين ولا أثر لو كان دونها ما كان أحسنها ... نوادر عرفت أمثالها الدرر إني لأرجو من أبنائه خلف ... يكون مفتي لأهل البدو والحضر فرحمة الله في الجنات مسكنه ... وقد فجعنا به مذ غاب ذا القمر وممن توفي فيها الشيخ عبد الله بن سليمان بن عبد الله بن حميد من أهالي مدينة بريدة، وكانت وفاته في ٣/ ٦ من هذه السنة ولد رحمه في أواخر عام (١٣٢١ هـ) فنشأ بين والديه وفي حضانتهما وقاما في تربيته فأدخل على المؤدب عبد الله بنإبراهيم بن معارك المشهور وبعدما أتم دراسة القرآن وأخذ مبادئ في الكتابة والحساب شمر لطلب العلم على الشيخين عبد الله بن محمد بن سليم وعمر بن محمد بن سليم فأخذ علم التوحيد والفقه والعقيدة عن الشيخ عبد الله بن سليم ثم أنه لازم الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عنه علم النحو والفرائض والفقه كما أخذ عن الشيخ محمد بن عبد العزيز العجاجي ودرس عليه في ثلاثة الأصول والتوحيد وكان له ميل إلى عقيدة السلف الصالح وكان من جملة الذين يبعثهم الشيخ عمر إلى هجر البدو للصلاة بهم ووعظهم وإرشادهم وخطب الجمعة والنكاح ثم تولي قضاء برك الغماد ووفق من مساعد هناك كاتب بين يديه ونال ثقتهم به وقد يقوم بأعمال الأمير. لبث في هذه الوظيفة ثم نقل إلى قضاء القنفذة وأقام برهة من الزمن هناك ثم أنه رشحه الشيخ عمر لقضاء جيزان وكان رجلًا ذا عشرة وسعة ومعرفة بالعلماء السلفيين سواء كانوا من المملكة السعودية أو خارجها وفيه نشاط في الدعوة والإرشاد ونال وظائف في عسير وما يليها وتزوج غير مرة من تلك الجهات وولد له ثم. أنه بعد وفاة الشيخ عمر بن محمد بن سليم رأى أن تكون خدمته للحكومة في وطنه بينما أنه لم ينل قبل ذلك وظيفة رسمية في نجد وقد يقوم بالنيابة عن والده في إمامة مسجد ماضي الكائن ببريدة وله معرفة بإخواني عبد الرحمن وعبد المحسن وصداقة وألفه واجتمع بالشيخ عبد الله بن محمد بن حميد لما ولي قضاء بريدة وذلك لأنه يحسن الأدب والعشرة. ثم أنه تولى رئاسة الهيئات في القصيم وقام بالأمر والنهي واشتد عليه أمر الحالقين لحاهم رغم ما يواجهه من النصائح وحصل بسبب الإنكار على المحلقين لحاهم من الشباب مضايقة اضطر لأجلها أن يتخلى عن الرئاسة أو عزل عنها وذلك في عام (١٣٧٤ هـ) ثم أنه بعثه الشيخ عبد الله بن محمد قاضيًا للأسياح فلميلبث إلا قليلًا فنقل إلى قضاء البكيرية وقد لبث فترة من الزمن أعني قبل ذهابه لقضاء الأسياح رئيسًا لهيئة الأراضي والنظر في مشكلات تصريف مياه السيول وذلك في عام (١٣٧٦ هـ) غير أن لبثه في هذه الوظيفة قليل لكثرة المشاغبات والمنازعات ولا سيما كونه يبت فيها سريعًا، ولما أن ذهب لقضاء البكيرية لم يلبث أن أعفي من العمل وأحيل على المعاش. فقدر أن تاجرًا من تجار الهند كان لديه ثروة فرأى أن يصرف منها في تعليم القرآن وحفظه ووافق تشجيعا من المترجم فأسست هذه الحِلق في المساجد لتحفيظ القرآن وينفق عليها من مال الهندي ومساعدات من الأجواد، وكان ابتداء هذا العمل أو تأسيس مدارس تحفيظ القرآن عام (١٣٨٣ هـ) وهي السنة التي أحيل فيها المترجم على التقاعد. ولما أن كان في السنة التي بعدها أقيم مسجد في محلة آل الجربوع في الجنوب الغربي من مدينة بريدة قام بعمارته عبد الله بن تركي من أهالي بريدة الذين سكنوا في بلدة الكويت، فأقيم المترجم إمامًا فيه واتسعت رقعة المسجد بحيث كان جامعًا وجلس فيه لتدريس من ينتابه من أحبابه من طلاب العلم وتخرج عليه بعض الطلاب. ولكنه لتقدمه في السن ولضعف بصره تخلى عن المسجد وعن الأعمال جملة حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة على إثر مرض وشيعه للصلاة عليه في جامع بريدة وحمله إلى مثواه الأخير خلق كثير وتأسفت الأمة وترحموا عليه ودفن في مقابر الموطأ ﵀ برحمته الواسعة، وكان له من الأخوة صالح بن سليمان وعلي بن سليمان كلاهما توفيا قبل وفاته وهما من طلاب العلم ومن أهل العقيدة وقد خلف المترجم عقبًا من الذكور والإناث. وممن توفي فيها الشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيتي ﵀ وعفا عنه وذلك في ١٥ ذي القعدة من هذه السنة وهذه ترجمته: هو الشيخ اللوذعي الفقيه أبوعبد العزيز حسن صالح بن عبد الرحمن السكيتي إمام مسجد ابن مساعد ولد في عام (١٣٣٣ هـ) في مدينة بريدة في القصيم فلما أن بلغ الثامنة من العمر التحق في مدرسة أهلية في شمالي بريدة صاحبها يدعى المطوع ثم انتقل إلى مدرسة صالح بن محمد الصقعبي فتعلم القراءة والكتابة حتى حفظ القرآن الكريم وكان يجيد الترتيل بصوت رخيم غير جهوري ثم أنه أخذ في طلب العلم عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم والشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي ولازمهما وأكثر من الأخذ عنهما كما أنه أخذ قبل ذلك عن الشيخ صالح بن إبراهيم بن كريديس إمام مسجد عبد الرحمن بن شريدة في شمالي بريدة عام (١٣٤٩ هـ) و (١٣٥٠ هـ) وجد واجتهد وبعد وفاة الشيخ عبد العزيز العبادي ذهب إلى الرياض للأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم وأخيه عبد اللطيف ثم رجع إلى بريدة فولي إدارة المكتبة العلمية حينما كانت في المسجد الجامع في بريدة، وهي أول وظيفة نالها. ولما أن تأسس مسجد عبد العزيز بن مساعد جامعًا في بريدة ولاه الشيخ عمر بن محمد بن سليم إمامته وذلك في عام (١٣٥٥ هـ) واستمر في إمامته حتى وفاته يتخلل ذلك فترة ذهابه قاضيًا في بلد المذنب. ولما أن تأسس المعهد العلمي في مدينة بريدة طلب من الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن يكون مدرسًا فيه وانتقل من القضاء إلى التدريس حبًا لنشر العلم ورغبة في براءة ذمته من القضاء كما أنه جلس للتدريس في مسجده وانتفع به خلائق من طلاب العلم وكان يحب البحث والمناقشة في مسائل الفقه وعلم وتخرج على يديه عدد كثير وما زال في جِدِّه واجتهاده حتى ضعف عن العمل لضعف بنيته فأحيل على المعاش. وكان لما أن قدم الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد مدرسًا في مدينة بريدة وقاضيًا لازمه وأخذ عنه وأكثر الأخذ عنه وقد استنابه في قضاء بريدة فترة من الزمن لما صدرت الأوامر على الشيخ عبد الله بن حميد في الذهاب لحل مشكلاتوتعقيدات في محاكم مكة وجدة والمدينة، وذلك في منتصف عام (١٣٧٢ هـ) قدرًا من أربعة شهور وقد قنع بالتدريس في العهد كما أنه استمر في التدريس في مسجده وقد عُدَّ من العلماء وخرج في تشييع جنازته والصلاة عليه خلق كثير من مدينة بريدة وكثر الجمع في المسجد الجامع الكبير للصلاة عليه وتشييع جثمانه لمقره الأخير ودفن في مقابر الموطأ. وكان من زملاء عقلاء بن موسى الحسين وإبراهيم الصالح الصايغ وعلي بن سليمان الضالع ومن زملائنا في الدراسة على مشائخنا الكرام وتربطنا الأخوة الإسلامية والمحبة الدينية. وممن توفي في السنة التي قبل هذه علي المطلق ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ في الفضل والكرَم والأخلاق علي بن محمد بن صالح بن مطلق، ولد المترجم عام (١٣٣٣ هـ) وهذه السنة يعبر عنها العامة ويعرفون تاريخها بسنة جراب لحصول الواقعة فيها بين الملك عبد العزيز وبين أمير حائل سعود بن عبد العزيز بن متعب، وكان والده محمد متكسبًا إذ ذاك ويعاني من طلب المعيشة ولا سيما بين مكة وبريدة، أما جده فقد كان متعففًا في طلب الرزق ومرارة العيش اتخذ موضعًا للغراس بين تلك الرمال تبعد عن البلد إلى جهة الشرق بأحد عشرة كيلو يسمى الأرطاوية فيه أشجار من الإثل ويحب الوحدة. فنشأ المترجم في حضانة والديه وأدخلوه مدرسة أهلية لصاحبها محمد بن عقيل فتعلم الخط والقراءة ثم أنه أخذ في الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم وعلى الشيخ عبد العزيز العبادي وعلى الشيخ محمد بن صالح المطوع وعلى الشيخ سليمان بن محمد بن طويان، وكان له مع الأخير بحث ومناقشة. ثم أنه سافر إلى مكة المكرمة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ واجتمع بالشيخ سليمان بن حمدان وأخذ عنه. ثم أنه رجع إلى بريدة وكان له معنا مجالس شيقة ومن جملة رفقتنا الذين نأنسبهم ومن جملة اجتماعنا أن سرنا مرة إلى مدينة عنيزة على أرجلنا وفي صحبتنا الشيخ فهد بن عيسى، ولما أن خرج من بين والديه لم يكن لديه ثروة فاتخذ دكانًا في قبة رشيد المشهورة ولما لم تساعده حالته المادية اختار أن يكون في مزرعة بقرية الخضر الواقعة في الجنوبي الغربي عن مدينة بريدة وجعل يمارس طلب المعيشة وقد جعله الشيخ إمامًا وخطيبًا فيها وذلك ببعث كتاب إليه جاء فيه من عمر بن محمد بن سليم إلى الابن علي المطلق تلتزم إن شاء الله الإمامة في الجامع وكان يظهر آثار العفة عليه في حال الفقر والغنا وله عزة نفس وسلوك مع الأمة ثم سافر إلى الرياض للأخذ عن آل الشيخ فدرس على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وعلى أخيه الشيخ عبد اللطيف ونال هناك إدارة مدرسة ثم أنه التحق في وظيفة لدى الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ اختاره الشيخ أن يكون يوزع الرواتب والمستحقات لهيئات الحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويثق به. ثم أنه رأى أن يتعاطى في شراء الأراضي وبيعها وجعل مدينة الرياض مقرًا لعمله وفتح الله عليه من أمور الدنيا ما أصبح به من أهل الثروة والموجدة وحظي واتسعت رقعة تعاطيه مع تيسير على المعسر وإذا كان له على أحد دَين فإنه يحسن في الطلب ويواضع فكان له من هذه الخصلة محبة بين الناس وذكر حسن. ومما ينسب عنه أنه جاء إليه رجل يشكو تأخر زواجه فنظر فلم يكن له تلك الساعة ما يؤمن زواجه فقال له هل عندك مهر فقال لا أجد إلا بيت فأشار عليه أن يبيع بيته ويتزوج من قيمته، وباع عليه قطعة أرض وقال له خذ ما تبقى من قيمة البيت وعمّر ما يؤمنك من المسكن ولا تأتني بقيمة الأرض حتى يفتح الله عليك بها، ففعل ويسر الله له سعيه ومنحه الله سمعة طيبة بين الأمة وربما ضايقته الأحوال لاتساع الرقعة فلا يتسامح الخصم ويظنه واجد فيسيء المعاملة فكان مرة لما ضايقه بعض عملائه أحاله على ستة ممن كان لديهم مئات الألوف قد حلت أجالها ولم يضايقهم فكان ذلك الغريم الذي لا يبلغ طلبه عشرات الألوف يذهبإليهم واحدًا بعد واحد، وكل منهم يقر بما لديه من الطلب ولكنه لا يجد تسديدًا فاستحيا ذلك الغريم وصبر تقديرًا لإحسان المترجم إلى خلق الله حتى استوفى من دون تشويش ولا مضايقة. ولحسن نيته كانت قيمة تلك الأرض أربعة وعشرين ألفًا فارتفعت حتى بلغت الملايين ولديه قوة نفس وسعة في الرزق حتى حصل على عقارات عظيمة ونخيل وبيوت ويتغافل عن الفقراء والمحتاجين ويوزع ثمرات النخيل ويسمح بها ويصل قرابته وله ضيافة في الرياض وفي بريدة وأبوابه مفتوحة في وجوده وغيابه وله رفقة تلتف عليه من أصحابه يلازمونه في جلوسه ومدخله ومخرجه لما ينالونه من إكرام الناس له ويجلس مع الفقراء في تناول الطعام ويتواضع لهم ولا يستأثر من بينهم في مأكل أو مشرب وإن كانت الظروف تقتضي ذلك لأنه أصيب بمرض السكر وكان الأولى أن يكون له طعام خاصًّا لكنه يقول أنها خصلة جبله الله عليها. ولو قلت أنه يعتبر من رجالات أهل القصيم ومن أجواد أهل زمانه لما كنت مبالغًا ولمحافظته على الصداقة والمحبة الجارية بيننا قديمًا يطلب مني أن أتفضل عليه في إجابة دعواته والجلوس معه ولكنني لكثرة أشغالي لا أتمكن من ذلك، وربما بكى أمامي لأجلس على كرامته وآخر مجلس ضمنا أن عقد معي موعدًا لتناول الغداء لكنه حال بينه وبين دعوته وفاة صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز قدس الله روحه بحيث اشتغل المسلمون بتشييع جثمانه والدعوة لولي عهده للمبايعة وكثيرًا ما يتحدث بنعم الله ويتذكر أوقات في قلة ذات اليد والحاجة مرت عليه وقد بالغ الناس في بذله وإحسانه ومنح المحتاجين إليه مبالغة لا يبلغها العبارة في الجود والكرم وما لم أتحقق عنها من مصادر وثيقة لم أذكر إلا ما شاهدته وكنت في روايته صادقًا. ولما أن كان في آخر حياته اشتد به مرض السكر لعدم تقيده بالحمية وتوفاه الله تعالى في يوم الاثنين ١٢/ ٧ عام (١٤٠٢ هـ) وخلف أموالًا طائلة وعقبًا كثيرا من النسل البشرى نسأل الله تعالى أن يهديهم ويوفقهم.ومن غرائب ما جرى عليه أن غريمًا ضايقه في طلبه بأن لا بد أن يسدد أو يسجن فتقدم إلى السجن ولما أن دخل السجن في طلب نزر يسير بالنسبة إلى ما لديه من الثروة الطائلة وجد في السجن سجينًا في طلب مائة ألف عليه لم يجد لها تسديدًا فتحملها عنه وأخرج للسجن في الحال إلى أولاده. وإنا نترحم على الأخ علي بن محمد بن مطلق ونسأل الله له الكرامة في الآخرة والرفعة بإحسانه إلى خلق الله وبذله ماله ونفسه في سبل المجد والكرامة وذكر عنه أنه وصى بشيء كثير في أعمال البر بعد وفاته من حجات له ولوالديه وأقربائه وترميم مساجد وبناية أخرى واشتراء مصاحف ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوزيعها هكذا ذكروا بما أنني لم أتلقها عن مصدر وثيق ولم أقف على غالب أعماله الأخيرة فإنني أسلك مسلك السماع لا الرواية فالله المستعان. هذا والواجب لإخلاص للتاريخ فما وصلني من حال قيامي بأعمال خيرية مساعدات مرة واحدة بل قد اشتريت منه قطعة أرض بحاجة فنقدته المعجل من القيمة وقبل حلول المؤجل منها بشهرين كاملين بعث يطلبها فعجبت لذلك فأخبرني أنه في تلك الساعة محتاج لغريم ولثقته بي طلب البقية قبل حل الأجل وكان مع ذلك لم يفرغ لي لكنني بعلم الله سددت له قبل حلول الأجل لتعلم أن مدحي له وثنائي عليه تقديرًا لإحسانه إلى الناس لا لأن له فضلًا علي أو معروفًا وكان عاقلًا لا يتوصل إلى سره ولديه اطلاعات على الغموض وبحث في مهامها ولا يحقد ولا يميل إلى غيبة أو مسبة أحد ولو أساء إليه. وهذه صفته ضخم الجسم حنطي اللون قد لوحته الشمس له عينان كلسانين كثير تحركهما ويشابه خلقه الشيخ محمد العلي بن حركان ولما بدن كانوا يساعدونه في القيام. وممن توفي فيها أمير تبوك سابقًا سليمان بن تركي السديري رحمه الله تعالى وعفا عنه كان شابًّا مثقفًا وذا مقدرة وتقدم ورجولة وكرم وسباقًا في المكارم والفضائل وكان مرحًا متواضعًا.ولو شئت لقلت لم أر في الأمراء مثله ومع ما يلاقيه من الشاكل والشكايات التي ترد عليه ومن تدابير أمر تلك المنطقة التي كانت من حدود المملكة شمالًا وغربًا إلى حدود المنطقة من الشرق والجنوب فإنه استطاع بمقدرته أن يؤمنها بتوفيق من الله سبحانه حتى أصبحت تلك الجبال والفلوات وما تحتوي عليه من المدن والقرى آمنة مطمئنة يسير الراكب فيها كأنما هو في صحن بيته وهو رحب الصدر ولا يغضب ولا يتأثر ويجاذب جليسه وأضيافه بحديث لا ينقطع ولا يمل وفيه مؤهلات. ومما ورد عليه أنه أُتي برجل شاب عليه آثار العقل وهو في الثلاثين من عمره قد كبل بالحديد ومكشوف الرأس غير أن الله ابتلاه بشيء من بلاوي الزمان فقيل يا سعادة الأمير هذا السجين إننا منعناه مرتين عن أن يحرق نفسه بالنار نعم إنه متأثر مما وقع فيه بغواية الشيطان وكان لا يبدي شيئًا فسألنا الأمير عن جنايته فقال إنه انتهب زوجة جاره في الرياض وصلح وإياها وبعد القبض عليه قضت العدالة أن يسجن حتى يبت في شأنه وقد طلب أن ينقل من سجن الرياض إلى سجن تبوك لتسهل زيارة والدته له من قرب ثم سأل الأمير سليمان عن الحكم في تحريق نفسه فناصحناه وبينا له ما لقاتل نفسه من العقوبة الأخروية والدنيوية نسأل الله العافية فأمر بعرضه على المستشفى للنظر في عقله. ولما أن قضت الإرادة الملكية إقامة سمو الأمير عبد المجيد في تبوك نقل بطلب منه إلى وظيفة مستشار في الداخلية لا يسدها سواه فنقل في عام (١٤٠٠ هـ) المتقدم وقد يقام بالنيابة كاحتياطي ليسد مقام أمير المنطقة كما قدم بريدة نائبًا عن صاحب السمو عبد الإله بن عبد العزيز لما سافر إلى أمريكا. وقد منّ الله علينا برؤيته والاجتماع به في بيتنا بدعوة تكريمية وأريناه مكتبتنا وأهديناه بعض مؤلفاتنا مقابل ما أسداه إلينا من العروف سابقًا والفضل للمتقدم ولما كان في ٢٥ من شهر جمادى الأولى من هذه السنة توفاه الله تعالى عن عمر يناهز الخامسة والأربعين غفر الله له وتجاوز عنه.وفيها وفاة رئيس ديوان إمارة بريدة سابقًا سالم بن إبراهيم الدبيب كان هو السكرتير للأمير عبد الله بن فيصل بن فرحان في حال إمارته بالقصيم ثم كان بهذه الوظيفة في إمارة عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد بالقصيم كما أنه لبث في إمارة خال الأمير عبد الله بن مساعد وهو محمد بن عبد الله بن بتال المطيري وترفعت مرتبته في إمارة صاحب السمو سعود بن هذلول في إمارة القصيم فكان رئيس الديوان في إمارة القصيم ثم إنه أصابه نكبة من نكبات الزمان وأبعد عن الوظيفة بعد إهانته ثم أنه كان بعد ذلك في شركة كهرباء بريدة وقد جمع ختمة مطولة للقرآن الكريم وختمة مختصرة كذلك وجمع وردًا سماه الورد المسطور أصيب في آخر عمره بشلل في أحد جنبيه وتوفاه الله تعالى في آخر جمادى الأولى من هذه السنة ﵀ برحمته الواسعة. وفيها وفاة الأمير ناصر بن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل غفر الله له وتغمده برحمته أمير الرياض فترة من الزمن جعله والده في هذا المكان والمقام المفخم الرائع ثم خلفه في هذه الإمارة سلطان بن عبد العزيز عام (١٣٦٦ هـ). وفيها في يوم الأحد ١٦/ ٢ وفاة صهرنا عبد الرحمن بن أحمد بن علي العييري ﵀ لأنه متمسك بالدين وبالعقيدة وكانت وفاته عن عمر يناهز السابعة والستين. وفيها في ٢٤/ ١ / ١٤٠٤ هـ وقوع زلازل عنيفة في تركيا في قرية الزوم هلك بسببها خمسمائة قتيل وجرح خلائق كثيرون وتهدمت منازل ومساكن على أهلها. وفيها في أوائل برج الحمل مبتدأ واحد وعشرين مارس ١٩ جمادى الثانية هطلت أمطار غزيرة على مدينة الرياض وما حولها بحيث جرت الأودية جريًا عظيمًا جدًّا وتضررت المزارع هناك من تلك الأمطار وخرجت الأمة بجمعها يتفكرون على تلك الأودية والخبارى والرياض بما في ذلك القصيم الذي يفوق بكثرة مياهه.فقد حصل في هذه السنة جفاف عظيم ونزلت مياه الآبار وخشي من هلاك الزروع والخضر وغيرها من قلة الأمطار ولا سيما المليداء في القصيم فقد خسر المزارعون الألوف لشراء المواسير وتنزيلها إلى أسفل لنزول المياه وبما أن الأمة استعملت المحاور والأمطار الصناعية فقد أثرت مع قلة الأمطار على الماء قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (١).
  • full passagepage 2316, entry [963]17,917 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ٢٠ محرم وفاة الشيخ والرئيس العالم لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية الشيخ العالم عبد الملك بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته وهو الرابع من أنجال الشيخ إبراهيم بن عبد اللطي
    ▸ expand full passage (17,917 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ٢٠ محرم وفاة الشيخ والرئيس العالم لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الغربية الشيخ العالم عبد الملك بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته وهو الرابع من أنجال الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وقد ذكرنا لكل منهم ترجمة حافلة في سني وفاتهم. ويمتاز الشيخ عن بني جنسه في عقله ودينه وسمته ويعتبر من الأفذاذ القلائل، تولى رئاسة الهيئات في مكة المكرمة وما يليها ويرتبط بها فقام بهذه الوظيفة خير قيام وكان مهيبًا موقرًا محبوبًا ذلك لما قام به من مكارم الأخلاق ومعالي الشيم ولما لآل إبراهيم من المكانة العالية لدى الحكومة وبين الأمة فكان يلقي محاضرات منها سلسلة سيرة الرسول ﷺ ينظمها في حلقات من الإذاعة، وكان له مقامات في الإسلام وقوة.رفع إليه مساعد الرئيس بأن في بحره بين مكة وجدة حفل زواج كبير أقامه ذووه وعزموا على أن يأتوا فيه بأشياء تخالف الشريعة كالسفور ورفع الغناء بمكبر الصوت والاختلاط وذكر أنه نهاهم فلم ير استجابة منهم وكان ﵀ في مصيفه بالطائف فقال له اذهب من فورك واستصحب معك ضابطًا وأربعة عشر جنديًّا يحملون رشاشين فإن خضعوا للأوامر وإلا فأزيلوا ذلك الحفل بالقوة. ولما أن حضروا بلغوهم أوامر الرئيس فكأنهم لم يجدوا لديهم استجابة فقيل أين رئيس الحفل فقالوا ليس بحاضر فطلبوا الوكيل وتكلم الوكيل بعدم الامتثال فتكلم الضابط بقوله وقع على عدم استعمال هذه المواد التي خرقتم بها النظام، وإلا فسوف أتخذ تدابير أخرى ضد هذا المنكر فكأنك ترى تلك الخيام والزينات قد طارت مزعًا في الجو بين السماء والأرض فخضعوا صاغرين وأزالوا ما عزموا عليه. قبل ذلك زرته في موسم الحج بمِنى فأهدى إلي منسك الشيخ عبد الله بن جاسر جزأين مجلدين تجليدًا ممتازًا وكان حسن العشرة لين العريكة يعلوه البهاء. وذكر لي بأنه اشترى تاريخنا تذكرة أولي النهي وأنه جلده وأهداه إلى الملك فيصل وأن الملك أبدى سروره به وأولع بمراجعته وأعجب بما فيه وكان معظمًا ومحترمًا بينما كنت أحادثه إذ جاء إليه سمو الأمير الملكي عبد الله بن عبد العزيز لتهنئته بعيد الأضحى المبارك وجلست معه غير مرة وفي كلها أجد منه تعظيمًا وتقديرًا وقبل وفاته أصيب بألم في ركبتيه فكان يذهب لعلاجهما وما زال في استقامته حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة غفر الله له وعفا عنه. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ محمد بن إبراهيم البواردي رحمه الله تعالى، وكانت وفاته في الرياض يوم الأحد ٢١/ ٢ من هذه السنة. وهذه شهادة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ للمترجم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وآله وصحبه وبعد فإن فضيلة الشيخ محمد بنإبراهيم البواردي قد التحق في الوظائف الحكومية في عام (١٣٤١ هـ) حيث تعين إمامًا ومرشدًا لآل سفران العجمان في هجرة حنبره. ثم في آخر العام المشار إليه نقل بأمر جلالة الملك عبد العزيز إمامًا لمسجد القصابا في الجبيل وفي آخر عام الخمسة والأربعين وثلاثمائة وألف عين قاضيًا لبلد الجبيل بدلًا من الشيخ عبد العزيز بن عكاس ولا زال يتنقل بأعمال القضاء حتى تم نقله إلى عضوية هيئة التمييز عام (١٣٨١ هـ) وما زال يمارس عمله في العضوية المذكورة بنشاط وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه وبيانًا للواقع ولطلب المذكور حرِّر، وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم، رئيس القضاة الختم الرقم ٢٨٣/ ٥٥ س / ٢ خ. وكان المذكور من قرناء الشيخ راشد بن صالح بن خنين والشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل، ولا مات رثاه إبراهيم محمد العبد الله المهنا بهذه الأبيات: الموت حق وكل الناس تنتظر ... آجال قد كتبت كل سيحتضر قد مات شيخي أديب لا مثيل له ... في الفقه والشعر والأخبار والسير بواردي إذا أوى إلى هدف ... أصاب منه مكان القلب والنظر فرحمة الله تغشى الشيخ في جدث ... قد ضم علمًا وحلمًا حازه بشر معالم عرفت هي سجيته ... ولا يجاريه من حضر ولا مدر رسائل العلم والأخبار فاز بها ... وقد توارت فلا عين ولا أثر لو كان دونها ما كان أحسنها ... نوادر عرفت أمثالها الدرر إني لأرجو من أبنائه خلف ... يكون مفتي لأهل البدو والحضر فرحمة الله في الجنات مسكنه ... وقد فجعنا به مذ غاب ذا القمر وممن توفي فيها الشيخ عبد الله بن سليمان بن عبد الله بن حميد من أهالي مدينة بريدة، وكانت وفاته في ٣/ ٦ من هذه السنة ولد رحمه في أواخر عام (١٣٢١ هـ) فنشأ بين والديه وفي حضانتهما وقاما في تربيته فأدخل على المؤدب عبد الله بنإبراهيم بن معارك المشهور وبعدما أتم دراسة القرآن وأخذ مبادئ في الكتابة والحساب شمر لطلب العلم على الشيخين عبد الله بن محمد بن سليم وعمر بن محمد بن سليم فأخذ علم التوحيد والفقه والعقيدة عن الشيخ عبد الله بن سليم ثم أنه لازم الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عنه علم النحو والفرائض والفقه كما أخذ عن الشيخ محمد بن عبد العزيز العجاجي ودرس عليه في ثلاثة الأصول والتوحيد وكان له ميل إلى عقيدة السلف الصالح وكان من جملة الذين يبعثهم الشيخ عمر إلى هجر البدو للصلاة بهم ووعظهم وإرشادهم وخطب الجمعة والنكاح ثم تولي قضاء برك الغماد ووفق من مساعد هناك كاتب بين يديه ونال ثقتهم به وقد يقوم بأعمال الأمير. لبث في هذه الوظيفة ثم نقل إلى قضاء القنفذة وأقام برهة من الزمن هناك ثم أنه رشحه الشيخ عمر لقضاء جيزان وكان رجلًا ذا عشرة وسعة ومعرفة بالعلماء السلفيين سواء كانوا من المملكة السعودية أو خارجها وفيه نشاط في الدعوة والإرشاد ونال وظائف في عسير وما يليها وتزوج غير مرة من تلك الجهات وولد له ثم. أنه بعد وفاة الشيخ عمر بن محمد بن سليم رأى أن تكون خدمته للحكومة في وطنه بينما أنه لم ينل قبل ذلك وظيفة رسمية في نجد وقد يقوم بالنيابة عن والده في إمامة مسجد ماضي الكائن ببريدة وله معرفة بإخواني عبد الرحمن وعبد المحسن وصداقة وألفه واجتمع بالشيخ عبد الله بن محمد بن حميد لما ولي قضاء بريدة وذلك لأنه يحسن الأدب والعشرة. ثم أنه تولى رئاسة الهيئات في القصيم وقام بالأمر والنهي واشتد عليه أمر الحالقين لحاهم رغم ما يواجهه من النصائح وحصل بسبب الإنكار على المحلقين لحاهم من الشباب مضايقة اضطر لأجلها أن يتخلى عن الرئاسة أو عزل عنها وذلك في عام (١٣٧٤ هـ) ثم أنه بعثه الشيخ عبد الله بن محمد قاضيًا للأسياح فلميلبث إلا قليلًا فنقل إلى قضاء البكيرية وقد لبث فترة من الزمن أعني قبل ذهابه لقضاء الأسياح رئيسًا لهيئة الأراضي والنظر في مشكلات تصريف مياه السيول وذلك في عام (١٣٧٦ هـ) غير أن لبثه في هذه الوظيفة قليل لكثرة المشاغبات والمنازعات ولا سيما كونه يبت فيها سريعًا، ولما أن ذهب لقضاء البكيرية لم يلبث أن أعفي من العمل وأحيل على المعاش. فقدر أن تاجرًا من تجار الهند كان لديه ثروة فرأى أن يصرف منها في تعليم القرآن وحفظه ووافق تشجيعا من المترجم فأسست هذه الحِلق في المساجد لتحفيظ القرآن وينفق عليها من مال الهندي ومساعدات من الأجواد، وكان ابتداء هذا العمل أو تأسيس مدارس تحفيظ القرآن عام (١٣٨٣ هـ) وهي السنة التي أحيل فيها المترجم على التقاعد. ولما أن كان في السنة التي بعدها أقيم مسجد في محلة آل الجربوع في الجنوب الغربي من مدينة بريدة قام بعمارته عبد الله بن تركي من أهالي بريدة الذين سكنوا في بلدة الكويت، فأقيم المترجم إمامًا فيه واتسعت رقعة المسجد بحيث كان جامعًا وجلس فيه لتدريس من ينتابه من أحبابه من طلاب العلم وتخرج عليه بعض الطلاب. ولكنه لتقدمه في السن ولضعف بصره تخلى عن المسجد وعن الأعمال جملة حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة على إثر مرض وشيعه للصلاة عليه في جامع بريدة وحمله إلى مثواه الأخير خلق كثير وتأسفت الأمة وترحموا عليه ودفن في مقابر الموطأ ﵀ برحمته الواسعة، وكان له من الأخوة صالح بن سليمان وعلي بن سليمان كلاهما توفيا قبل وفاته وهما من طلاب العلم ومن أهل العقيدة وقد خلف المترجم عقبًا من الذكور والإناث. وممن توفي فيها الشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيتي ﵀ وعفا عنه وذلك في ١٥ ذي القعدة من هذه السنة وهذه ترجمته: هو الشيخ اللوذعي الفقيه أبوعبد العزيز حسن صالح بن عبد الرحمن السكيتي إمام مسجد ابن مساعد ولد في عام (١٣٣٣ هـ) في مدينة بريدة في القصيم فلما أن بلغ الثامنة من العمر التحق في مدرسة أهلية في شمالي بريدة صاحبها يدعى المطوع ثم انتقل إلى مدرسة صالح بن محمد الصقعبي فتعلم القراءة والكتابة حتى حفظ القرآن الكريم وكان يجيد الترتيل بصوت رخيم غير جهوري ثم أنه أخذ في طلب العلم عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم والشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي ولازمهما وأكثر من الأخذ عنهما كما أنه أخذ قبل ذلك عن الشيخ صالح بن إبراهيم بن كريديس إمام مسجد عبد الرحمن بن شريدة في شمالي بريدة عام (١٣٤٩ هـ) و (١٣٥٠ هـ) وجد واجتهد وبعد وفاة الشيخ عبد العزيز العبادي ذهب إلى الرياض للأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم وأخيه عبد اللطيف ثم رجع إلى بريدة فولي إدارة المكتبة العلمية حينما كانت في المسجد الجامع في بريدة، وهي أول وظيفة نالها. ولما أن تأسس مسجد عبد العزيز بن مساعد جامعًا في بريدة ولاه الشيخ عمر بن محمد بن سليم إمامته وذلك في عام (١٣٥٥ هـ) واستمر في إمامته حتى وفاته يتخلل ذلك فترة ذهابه قاضيًا في بلد المذنب. ولما أن تأسس المعهد العلمي في مدينة بريدة طلب من الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن يكون مدرسًا فيه وانتقل من القضاء إلى التدريس حبًا لنشر العلم ورغبة في براءة ذمته من القضاء كما أنه جلس للتدريس في مسجده وانتفع به خلائق من طلاب العلم وكان يحب البحث والمناقشة في مسائل الفقه وعلم وتخرج على يديه عدد كثير وما زال في جِدِّه واجتهاده حتى ضعف عن العمل لضعف بنيته فأحيل على المعاش. وكان لما أن قدم الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد مدرسًا في مدينة بريدة وقاضيًا لازمه وأخذ عنه وأكثر الأخذ عنه وقد استنابه في قضاء بريدة فترة من الزمن لما صدرت الأوامر على الشيخ عبد الله بن حميد في الذهاب لحل مشكلاتوتعقيدات في محاكم مكة وجدة والمدينة، وذلك في منتصف عام (١٣٧٢ هـ) قدرًا من أربعة شهور وقد قنع بالتدريس في العهد كما أنه استمر في التدريس في مسجده وقد عُدَّ من العلماء وخرج في تشييع جنازته والصلاة عليه خلق كثير من مدينة بريدة وكثر الجمع في المسجد الجامع الكبير للصلاة عليه وتشييع جثمانه لمقره الأخير ودفن في مقابر الموطأ. وكان من زملاء عقلاء بن موسى الحسين وإبراهيم الصالح الصايغ وعلي بن سليمان الضالع ومن زملائنا في الدراسة على مشائخنا الكرام وتربطنا الأخوة الإسلامية والمحبة الدينية. وممن توفي في السنة التي قبل هذه علي المطلق ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ في الفضل والكرَم والأخلاق علي بن محمد بن صالح بن مطلق، ولد المترجم عام (١٣٣٣ هـ) وهذه السنة يعبر عنها العامة ويعرفون تاريخها بسنة جراب لحصول الواقعة فيها بين الملك عبد العزيز وبين أمير حائل سعود بن عبد العزيز بن متعب، وكان والده محمد متكسبًا إذ ذاك ويعاني من طلب المعيشة ولا سيما بين مكة وبريدة، أما جده فقد كان متعففًا في طلب الرزق ومرارة العيش اتخذ موضعًا للغراس بين تلك الرمال تبعد عن البلد إلى جهة الشرق بأحد عشرة كيلو يسمى الأرطاوية فيه أشجار من الإثل ويحب الوحدة. فنشأ المترجم في حضانة والديه وأدخلوه مدرسة أهلية لصاحبها محمد بن عقيل فتعلم الخط والقراءة ثم أنه أخذ في الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم وعلى الشيخ عبد العزيز العبادي وعلى الشيخ محمد بن صالح المطوع وعلى الشيخ سليمان بن محمد بن طويان، وكان له مع الأخير بحث ومناقشة. ثم أنه سافر إلى مكة المكرمة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ واجتمع بالشيخ سليمان بن حمدان وأخذ عنه. ثم أنه رجع إلى بريدة وكان له معنا مجالس شيقة ومن جملة رفقتنا الذين نأنسبهم ومن جملة اجتماعنا أن سرنا مرة إلى مدينة عنيزة على أرجلنا وفي صحبتنا الشيخ فهد بن عيسى، ولما أن خرج من بين والديه لم يكن لديه ثروة فاتخذ دكانًا في قبة رشيد المشهورة ولما لم تساعده حالته المادية اختار أن يكون في مزرعة بقرية الخضر الواقعة في الجنوبي الغربي عن مدينة بريدة وجعل يمارس طلب المعيشة وقد جعله الشيخ إمامًا وخطيبًا فيها وذلك ببعث كتاب إليه جاء فيه من عمر بن محمد بن سليم إلى الابن علي المطلق تلتزم إن شاء الله الإمامة في الجامع وكان يظهر آثار العفة عليه في حال الفقر والغنا وله عزة نفس وسلوك مع الأمة ثم سافر إلى الرياض للأخذ عن آل الشيخ فدرس على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وعلى أخيه الشيخ عبد اللطيف ونال هناك إدارة مدرسة ثم أنه التحق في وظيفة لدى الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ اختاره الشيخ أن يكون يوزع الرواتب والمستحقات لهيئات الحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويثق به. ثم أنه رأى أن يتعاطى في شراء الأراضي وبيعها وجعل مدينة الرياض مقرًا لعمله وفتح الله عليه من أمور الدنيا ما أصبح به من أهل الثروة والموجدة وحظي واتسعت رقعة تعاطيه مع تيسير على المعسر وإذا كان له على أحد دَين فإنه يحسن في الطلب ويواضع فكان له من هذه الخصلة محبة بين الناس وذكر حسن. ومما ينسب عنه أنه جاء إليه رجل يشكو تأخر زواجه فنظر فلم يكن له تلك الساعة ما يؤمن زواجه فقال له هل عندك مهر فقال لا أجد إلا بيت فأشار عليه أن يبيع بيته ويتزوج من قيمته، وباع عليه قطعة أرض وقال له خذ ما تبقى من قيمة البيت وعمّر ما يؤمنك من المسكن ولا تأتني بقيمة الأرض حتى يفتح الله عليك بها، ففعل ويسر الله له سعيه ومنحه الله سمعة طيبة بين الأمة وربما ضايقته الأحوال لاتساع الرقعة فلا يتسامح الخصم ويظنه واجد فيسيء المعاملة فكان مرة لما ضايقه بعض عملائه أحاله على ستة ممن كان لديهم مئات الألوف قد حلت أجالها ولم يضايقهم فكان ذلك الغريم الذي لا يبلغ طلبه عشرات الألوف يذهبإليهم واحدًا بعد واحد، وكل منهم يقر بما لديه من الطلب ولكنه لا يجد تسديدًا فاستحيا ذلك الغريم وصبر تقديرًا لإحسان المترجم إلى خلق الله حتى استوفى من دون تشويش ولا مضايقة. ولحسن نيته كانت قيمة تلك الأرض أربعة وعشرين ألفًا فارتفعت حتى بلغت الملايين ولديه قوة نفس وسعة في الرزق حتى حصل على عقارات عظيمة ونخيل وبيوت ويتغافل عن الفقراء والمحتاجين ويوزع ثمرات النخيل ويسمح بها ويصل قرابته وله ضيافة في الرياض وفي بريدة وأبوابه مفتوحة في وجوده وغيابه وله رفقة تلتف عليه من أصحابه يلازمونه في جلوسه ومدخله ومخرجه لما ينالونه من إكرام الناس له ويجلس مع الفقراء في تناول الطعام ويتواضع لهم ولا يستأثر من بينهم في مأكل أو مشرب وإن كانت الظروف تقتضي ذلك لأنه أصيب بمرض السكر وكان الأولى أن يكون له طعام خاصًّا لكنه يقول أنها خصلة جبله الله عليها. ولو قلت أنه يعتبر من رجالات أهل القصيم ومن أجواد أهل زمانه لما كنت مبالغًا ولمحافظته على الصداقة والمحبة الجارية بيننا قديمًا يطلب مني أن أتفضل عليه في إجابة دعواته والجلوس معه ولكنني لكثرة أشغالي لا أتمكن من ذلك، وربما بكى أمامي لأجلس على كرامته وآخر مجلس ضمنا أن عقد معي موعدًا لتناول الغداء لكنه حال بينه وبين دعوته وفاة صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز قدس الله روحه بحيث اشتغل المسلمون بتشييع جثمانه والدعوة لولي عهده للمبايعة وكثيرًا ما يتحدث بنعم الله ويتذكر أوقات في قلة ذات اليد والحاجة مرت عليه وقد بالغ الناس في بذله وإحسانه ومنح المحتاجين إليه مبالغة لا يبلغها العبارة في الجود والكرم وما لم أتحقق عنها من مصادر وثيقة لم أذكر إلا ما شاهدته وكنت في روايته صادقًا. ولما أن كان في آخر حياته اشتد به مرض السكر لعدم تقيده بالحمية وتوفاه الله تعالى في يوم الاثنين ١٢/ ٧ عام (١٤٠٢ هـ) وخلف أموالًا طائلة وعقبًا كثيرا من النسل البشرى نسأل الله تعالى أن يهديهم ويوفقهم.ومن غرائب ما جرى عليه أن غريمًا ضايقه في طلبه بأن لا بد أن يسدد أو يسجن فتقدم إلى السجن ولما أن دخل السجن في طلب نزر يسير بالنسبة إلى ما لديه من الثروة الطائلة وجد في السجن سجينًا في طلب مائة ألف عليه لم يجد لها تسديدًا فتحملها عنه وأخرج للسجن في الحال إلى أولاده. وإنا نترحم على الأخ علي بن محمد بن مطلق ونسأل الله له الكرامة في الآخرة والرفعة بإحسانه إلى خلق الله وبذله ماله ونفسه في سبل المجد والكرامة وذكر عنه أنه وصى بشيء كثير في أعمال البر بعد وفاته من حجات له ولوالديه وأقربائه وترميم مساجد وبناية أخرى واشتراء مصاحف ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوزيعها هكذا ذكروا بما أنني لم أتلقها عن مصدر وثيق ولم أقف على غالب أعماله الأخيرة فإنني أسلك مسلك السماع لا الرواية فالله المستعان. هذا والواجب لإخلاص للتاريخ فما وصلني من حال قيامي بأعمال خيرية مساعدات مرة واحدة بل قد اشتريت منه قطعة أرض بحاجة فنقدته المعجل من القيمة وقبل حلول المؤجل منها بشهرين كاملين بعث يطلبها فعجبت لذلك فأخبرني أنه في تلك الساعة محتاج لغريم ولثقته بي طلب البقية قبل حل الأجل وكان مع ذلك لم يفرغ لي لكنني بعلم الله سددت له قبل حلول الأجل لتعلم أن مدحي له وثنائي عليه تقديرًا لإحسانه إلى الناس لا لأن له فضلًا علي أو معروفًا وكان عاقلًا لا يتوصل إلى سره ولديه اطلاعات على الغموض وبحث في مهامها ولا يحقد ولا يميل إلى غيبة أو مسبة أحد ولو أساء إليه. وهذه صفته ضخم الجسم حنطي اللون قد لوحته الشمس له عينان كلسانين كثير تحركهما ويشابه خلقه الشيخ محمد العلي بن حركان ولما بدن كانوا يساعدونه في القيام. وممن توفي فيها أمير تبوك سابقًا سليمان بن تركي السديري رحمه الله تعالى وعفا عنه كان شابًّا مثقفًا وذا مقدرة وتقدم ورجولة وكرم وسباقًا في المكارم والفضائل وكان مرحًا متواضعًا.ولو شئت لقلت لم أر في الأمراء مثله ومع ما يلاقيه من الشاكل والشكايات التي ترد عليه ومن تدابير أمر تلك المنطقة التي كانت من حدود المملكة شمالًا وغربًا إلى حدود المنطقة من الشرق والجنوب فإنه استطاع بمقدرته أن يؤمنها بتوفيق من الله سبحانه حتى أصبحت تلك الجبال والفلوات وما تحتوي عليه من المدن والقرى آمنة مطمئنة يسير الراكب فيها كأنما هو في صحن بيته وهو رحب الصدر ولا يغضب ولا يتأثر ويجاذب جليسه وأضيافه بحديث لا ينقطع ولا يمل وفيه مؤهلات. ومما ورد عليه أنه أُتي برجل شاب عليه آثار العقل وهو في الثلاثين من عمره قد كبل بالحديد ومكشوف الرأس غير أن الله ابتلاه بشيء من بلاوي الزمان فقيل يا سعادة الأمير هذا السجين إننا منعناه مرتين عن أن يحرق نفسه بالنار نعم إنه متأثر مما وقع فيه بغواية الشيطان وكان لا يبدي شيئًا فسألنا الأمير عن جنايته فقال إنه انتهب زوجة جاره في الرياض وصلح وإياها وبعد القبض عليه قضت العدالة أن يسجن حتى يبت في شأنه وقد طلب أن ينقل من سجن الرياض إلى سجن تبوك لتسهل زيارة والدته له من قرب ثم سأل الأمير سليمان عن الحكم في تحريق نفسه فناصحناه وبينا له ما لقاتل نفسه من العقوبة الأخروية والدنيوية نسأل الله العافية فأمر بعرضه على المستشفى للنظر في عقله. ولما أن قضت الإرادة الملكية إقامة سمو الأمير عبد المجيد في تبوك نقل بطلب منه إلى وظيفة مستشار في الداخلية لا يسدها سواه فنقل في عام (١٤٠٠ هـ) المتقدم وقد يقام بالنيابة كاحتياطي ليسد مقام أمير المنطقة كما قدم بريدة نائبًا عن صاحب السمو عبد الإله بن عبد العزيز لما سافر إلى أمريكا. وقد منّ الله علينا برؤيته والاجتماع به في بيتنا بدعوة تكريمية وأريناه مكتبتنا وأهديناه بعض مؤلفاتنا مقابل ما أسداه إلينا من العروف سابقًا والفضل للمتقدم ولما كان في ٢٥ من شهر جمادى الأولى من هذه السنة توفاه الله تعالى عن عمر يناهز الخامسة والأربعين غفر الله له وتجاوز عنه.وفيها وفاة رئيس ديوان إمارة بريدة سابقًا سالم بن إبراهيم الدبيب كان هو السكرتير للأمير عبد الله بن فيصل بن فرحان في حال إمارته بالقصيم ثم كان بهذه الوظيفة في إمارة عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد بالقصيم كما أنه لبث في إمارة خال الأمير عبد الله بن مساعد وهو محمد بن عبد الله بن بتال المطيري وترفعت مرتبته في إمارة صاحب السمو سعود بن هذلول في إمارة القصيم فكان رئيس الديوان في إمارة القصيم ثم إنه أصابه نكبة من نكبات الزمان وأبعد عن الوظيفة بعد إهانته ثم أنه كان بعد ذلك في شركة كهرباء بريدة وقد جمع ختمة مطولة للقرآن الكريم وختمة مختصرة كذلك وجمع وردًا سماه الورد المسطور أصيب في آخر عمره بشلل في أحد جنبيه وتوفاه الله تعالى في آخر جمادى الأولى من هذه السنة ﵀ برحمته الواسعة. وفيها وفاة الأمير ناصر بن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل غفر الله له وتغمده برحمته أمير الرياض فترة من الزمن جعله والده في هذا المكان والمقام المفخم الرائع ثم خلفه في هذه الإمارة سلطان بن عبد العزيز عام (١٣٦٦ هـ). وفيها في يوم الأحد ١٦/ ٢ وفاة صهرنا عبد الرحمن بن أحمد بن علي العييري ﵀ لأنه متمسك بالدين وبالعقيدة وكانت وفاته عن عمر يناهز السابعة والستين. وفيها في ٢٤/ ١ / ١٤٠٤ هـ وقوع زلازل عنيفة في تركيا في قرية الزوم هلك بسببها خمسمائة قتيل وجرح خلائق كثيرون وتهدمت منازل ومساكن على أهلها. وفيها في أوائل برج الحمل مبتدأ واحد وعشرين مارس ١٩ جمادى الثانية هطلت أمطار غزيرة على مدينة الرياض وما حولها بحيث جرت الأودية جريًا عظيمًا جدًّا وتضررت المزارع هناك من تلك الأمطار وخرجت الأمة بجمعها يتفكرون على تلك الأودية والخبارى والرياض بما في ذلك القصيم الذي يفوق بكثرة مياهه.فقد حصل في هذه السنة جفاف عظيم ونزلت مياه الآبار وخشي من هلاك الزروع والخضر وغيرها من قلة الأمطار ولا سيما المليداء في القصيم فقد خسر المزارعون الألوف لشراء المواسير وتنزيلها إلى أسفل لنزول المياه وبما أن الأمة استعملت المحاور والأمطار الصناعية فقد أثرت مع قلة الأمطار على الماء قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (١).
  • full passagepage 2351, entry [977]5,298 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد العزيز الفهد الرشودي ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته، هو الهمام البطل السياسي العارف المحنك عبد العزيز بن فهد بن علي بن عبد الله الرشودي وإليه زعيم مدينة بريدة الشهم الكبير والبطل الشهير وقد تقدم نسبتهم وقبيلتهم وكانت وفاته في ١٣/ ١ من هذه السنة على إثر ربو وضيق تنفس ولد عام
    ▸ expand full passage (5,298 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد العزيز الفهد الرشودي ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته، هو الهمام البطل السياسي العارف المحنك عبد العزيز بن فهد بن علي بن عبد الله الرشودي وإليه زعيم مدينة بريدة الشهم الكبير والبطل الشهير وقد تقدم نسبتهم وقبيلتهم وكانت وفاته في ١٣/ ١ من هذه السنة على إثر ربو وضيق تنفس ولد عام (١٣٢٠ هـ) في مدينة بريدة وأدخله والده عند الكتاب عبد الله بن إبراهيم بن معارك ولما حفظ القرآن الكريم. وأخذ مبادئ في الخط والحساب أخذ يضرب في الأرض لطلب الرزق مع عقيل الذي يذهبون إلى الشام والعراق ومصر للبيع والتجارة تحت أوامر والده التاجر الزعيم وكان في جميع تقلباته محافظًا على الصلوات الخمس في أوقاتها ويعمل بإرشادات والده وخدمته وله أخوة من أشهرهم أخوه الأكبر سنًّا علي بن فهد وتقدمت ترجمته. ويمتاز المترجم بالذكاء والصبر والبصيرة وخلف أباه وأخاه في الزعامة، فكان ملجأً للمغلوبين يفزعون إليه ولا سيما أهل الدِّين والآمرين بالمعروف والناهين عنالمنكر فإنه كان العضد الأشد لهم وذلك لرجاحة عقله ويقدر العلماء ويحترمهم وسيماه سيما المشائخ والعلماء وله وجاهة عند الملوك والأمراء وعلو مرتبة وذلك لحسن تدابيره. ومن خصاله أنه لا يأنف ولا يحقد، ومعه حسن خلق ويدرك بهذه الثلاثة الأشياء طلبه لأنه يدرك الإنسان بالرفق ما لا يدركه بالعنف ولا يتقدمه أحد في الاحتفالات العامة. وسعى لدى الحكومة بحجز المكان الواسع في الموطا ليكون مقابر المسلمين وسعى فِي إحاطته وإنه ليشكر على ذلك وقلما يسعى في طلب أمر من الأمور التي تعود لمصلحة المجتمع إلا ويدركه وذلك بالتريث وعدم السآمة والعجلة وفي كلام الحكمة (إياك والسآمة فتلقيك الرجال خلف أعقابها) وهكذا الرجال وأهل المعرفة فإنهم لا ييأسون وإذا انسدّ أمر من طريق فإنهم يأتونه من طريق أخرى ولا يضجرون حتى يدركوا مطلوبهم وما أحسن ما قاله عمارة اليمنى يمتدح شاور بن مجير الدين أبا شجاع السعدي الملقب أمير الجيوش في صبره وثباته: ضجر الحديد من الحديد وشاوَر ... من نصر دين محمد لم يضجر حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر وبوفاته ختم رجال الضبط والربط والإخلاص لأمتهم وكنت كثيرًا ما أناصحه وأشجعه على اقتفاء سيرة والده وبذله نفسه في المصلحة العامة فيعمل النصائح مع إبدائه للعذر بأن الوقت والزمان ليس كزمان والده ولقد ضمني سفر الحج في رفقة من بينهم المترجم والشيخ عبد الله بن سليمان الحميد وأناس آخرون في سيارة تبع المتطوعين في عام (١٣٨٧ هـ) وأخذوا منا الأجار فلم يأنف أن يأخذوا منه الأجرة ومن ابن صغير معه عمره ٨ سنين. ويختصني لأسراره ويبدي أسفه الشديد في كون الأمور وسدت إلى غير أهلها. ووجدته مرة في سفرنا للحج قد صعد للسيارة يقلب فسألته ما الذي جرى بهفقال ضاع مني أربعة آلاف ريال فقلت له اصبر قلت له ولامرأته أن يدعو بدعاء رجوع الضائع علمًا دعى به يضربه في رجله شيء فنظر إلى ما ضربه وإذا هي دراهمه في طرف أُلقيت بين يديه ولما سلم على الملك فيصل في مكة المكرمة في أداء العمرة في رمضان واجتمع به سأله عن أمير القصيم واستقامته فأبدى ما كان عليه من الاستبداد واحتجازه أراضي كثيرة لنفسه قد استولى عليها فعلم الأمير وأسرها في نفسه ليعاتبه على ذلك، ولما أن اجتمع به للسلام عليه بدره بقوله تسبني عند الحكومة وغلظ عليه في التعنيف حتى قال إن وقفت علي بعد هذه المرة لأفعلن بك ولأفعلن فأجابه برحابة صدر وطمأنينة يقول والله لأقفن عليك ولأجتمعن بك فإن كنت واقفًا على قصرك بالرياض فأنا مخطئ وأما ما دمت أميرنا ومسؤولًا عنا فنراجعك في مهامنا وشئون بلادنا وإن كان لك دعوى فحياك إلى إمام المسلمين فخجل وسكت ولهذا كان مسموع الكلمة مهابًا وموقرًا لدى الخاص والعام، ولما مات رثاه بعض أحبابه بهذه المرثية التي عددت فضائله (١): دها القصيم مصاب خطبة عظما ... وطودها الجبل الراسي لها انهدما أم القصيم نعت شهمًا له همم ... كريم جاه غدا في قمة الكرما عبد العزيز الذي من بعد والده ... كان السنام وكان الرأس والعلما كهف لأهل التقى والخير قاطبة ... سد منيع لمن في حقه هضما يغار للدين إن نيلت محارمه ... ويبذل الجهد للإصلاح لو عظما يلازم النصح في سر وفي علن ... لكل شخص من الأوساط والعظما يساند الأمر بالمعروف محتسبًا ... يرى مساندة للخير مغتنما هذي صفات رجال الخير في سلف ... يناصرون الهدى حتى علا وسما ويحسن النطق في رفق وتبصرة ... يعطيك ما شئت إما رأيًا وإما حكما إذا أتيت رأيت البشر بصحبه ... وإن تخاطبه تلق الوجه مبتسماأبوه من عمت الآفاق شهرته ... يعد في وقته من أبرز العظما آتاه ربي من الأخلاق أفضلها ... أضحى بها في روابي مجدها علما أم القصيم نعت أعيانها ذهبوا ... أمسى وجوهمو يا صاحبي عدما بريدة اليوم عمها حزن ... لأمر أتى قل فأمر الله قد حتما تألم القلب والهفاه وا أسفا ... على تخدم أهل الخير والعلما من شاهد الجمع في ممشى جنازته ... يرجو له تخرم عند الله والكرما وفي مصيبة خير الخلق موعظة ... لنا العزاء بها إن فادح صدما وهذه مرثية للأديب عبد العزيز بن محمد النقيدان في الفقيد عبد العزيز بن فهد الرشودي قال: اخترمت يد المنون الشيخ عبد العزيز الفهد الرشودي كبير أعيان القصيم وأحد الرجال الأوفياء لوطنهم وللدولة السعودية الرائدة: نبأ يهز مشاعري وكياني ... ورَجَعْتُ يعتصر الأسى وجداني علم هوى في بأسه ونضاله ... ما فاق كل مساعي الأعيان تأتي إليه المشكلات عويصة ... فيحلها للناس دون توان منذ الطفولة كان يسهم في البنا ... حتى قضى في همة وتفان لم يجن مالًا أو يكدس ثروة ... عبر السنين يجول في الميدان للناس للوطن الحبيب كفاحه ... للعاجزين وللفقير العاني كم موقف سام تجلد دونه ... بالصبر والإخلاص والإيمان العطف والرأي السديد سلاحه ... في حلبة الإصلاح أعظم بان الأمر بالمعروف من عزماته ... والصدق والإخلاص للأوطان المصلحون جزاؤهم من ربهم ... خير العطاء وأعظم الإحسان ما لي بريدة شيبها وشبابها ... فيض العزاء بالراحل الإنسان آل الرشودي قد رأيت مصابكم ... جللًا يصيب حشاشة الأبدان أسقاه ربي من معين ثوابه ... بين الجنان سحائب الرضوانآخر ما وجدت من القصيدة وهي حسنة من بحر الكامل ونعتذر عن تأخيرها لعدم الحصول عليها أولًا فلذا تأخرت ومهما كانت الأحوال والظروف فإن منطقة القصيم قد خسرت رجلًا مخلصًا ثابتًا لا يتضعضع ولا يخذل مظلومًا فنسأل من بيده أزمة الأمور أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته.
  • full passagepage 2351, entry [977]5,298 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد العزيز الفهد الرشودي ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته، هو الهمام البطل السياسي العارف المحنك عبد العزيز بن فهد بن علي بن عبد الله الرشودي وإليه زعيم مدينة بريدة الشهم الكبير والبطل الشهير وقد تقدم نسبتهم وقبيلتهم وكانت وفاته في ١٣/ ١ من هذه السنة على إثر ربو وضيق تنفس ولد عام
    ▸ expand full passage (5,298 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد العزيز الفهد الرشودي ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته، هو الهمام البطل السياسي العارف المحنك عبد العزيز بن فهد بن علي بن عبد الله الرشودي وإليه زعيم مدينة بريدة الشهم الكبير والبطل الشهير وقد تقدم نسبتهم وقبيلتهم وكانت وفاته في ١٣/ ١ من هذه السنة على إثر ربو وضيق تنفس ولد عام (١٣٢٠ هـ) في مدينة بريدة وأدخله والده عند الكتاب عبد الله بن إبراهيم بن معارك ولما حفظ القرآن الكريم. وأخذ مبادئ في الخط والحساب أخذ يضرب في الأرض لطلب الرزق مع عقيل الذي يذهبون إلى الشام والعراق ومصر للبيع والتجارة تحت أوامر والده التاجر الزعيم وكان في جميع تقلباته محافظًا على الصلوات الخمس في أوقاتها ويعمل بإرشادات والده وخدمته وله أخوة من أشهرهم أخوه الأكبر سنًّا علي بن فهد وتقدمت ترجمته. ويمتاز المترجم بالذكاء والصبر والبصيرة وخلف أباه وأخاه في الزعامة، فكان ملجأً للمغلوبين يفزعون إليه ولا سيما أهل الدِّين والآمرين بالمعروف والناهين عنالمنكر فإنه كان العضد الأشد لهم وذلك لرجاحة عقله ويقدر العلماء ويحترمهم وسيماه سيما المشائخ والعلماء وله وجاهة عند الملوك والأمراء وعلو مرتبة وذلك لحسن تدابيره. ومن خصاله أنه لا يأنف ولا يحقد، ومعه حسن خلق ويدرك بهذه الثلاثة الأشياء طلبه لأنه يدرك الإنسان بالرفق ما لا يدركه بالعنف ولا يتقدمه أحد في الاحتفالات العامة. وسعى لدى الحكومة بحجز المكان الواسع في الموطا ليكون مقابر المسلمين وسعى فِي إحاطته وإنه ليشكر على ذلك وقلما يسعى في طلب أمر من الأمور التي تعود لمصلحة المجتمع إلا ويدركه وذلك بالتريث وعدم السآمة والعجلة وفي كلام الحكمة (إياك والسآمة فتلقيك الرجال خلف أعقابها) وهكذا الرجال وأهل المعرفة فإنهم لا ييأسون وإذا انسدّ أمر من طريق فإنهم يأتونه من طريق أخرى ولا يضجرون حتى يدركوا مطلوبهم وما أحسن ما قاله عمارة اليمنى يمتدح شاور بن مجير الدين أبا شجاع السعدي الملقب أمير الجيوش في صبره وثباته: ضجر الحديد من الحديد وشاوَر ... من نصر دين محمد لم يضجر حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر وبوفاته ختم رجال الضبط والربط والإخلاص لأمتهم وكنت كثيرًا ما أناصحه وأشجعه على اقتفاء سيرة والده وبذله نفسه في المصلحة العامة فيعمل النصائح مع إبدائه للعذر بأن الوقت والزمان ليس كزمان والده ولقد ضمني سفر الحج في رفقة من بينهم المترجم والشيخ عبد الله بن سليمان الحميد وأناس آخرون في سيارة تبع المتطوعين في عام (١٣٨٧ هـ) وأخذوا منا الأجار فلم يأنف أن يأخذوا منه الأجرة ومن ابن صغير معه عمره ٨ سنين. ويختصني لأسراره ويبدي أسفه الشديد في كون الأمور وسدت إلى غير أهلها. ووجدته مرة في سفرنا للحج قد صعد للسيارة يقلب فسألته ما الذي جرى بهفقال ضاع مني أربعة آلاف ريال فقلت له اصبر قلت له ولامرأته أن يدعو بدعاء رجوع الضائع علمًا دعى به يضربه في رجله شيء فنظر إلى ما ضربه وإذا هي دراهمه في طرف أُلقيت بين يديه ولما سلم على الملك فيصل في مكة المكرمة في أداء العمرة في رمضان واجتمع به سأله عن أمير القصيم واستقامته فأبدى ما كان عليه من الاستبداد واحتجازه أراضي كثيرة لنفسه قد استولى عليها فعلم الأمير وأسرها في نفسه ليعاتبه على ذلك، ولما أن اجتمع به للسلام عليه بدره بقوله تسبني عند الحكومة وغلظ عليه في التعنيف حتى قال إن وقفت علي بعد هذه المرة لأفعلن بك ولأفعلن فأجابه برحابة صدر وطمأنينة يقول والله لأقفن عليك ولأجتمعن بك فإن كنت واقفًا على قصرك بالرياض فأنا مخطئ وأما ما دمت أميرنا ومسؤولًا عنا فنراجعك في مهامنا وشئون بلادنا وإن كان لك دعوى فحياك إلى إمام المسلمين فخجل وسكت ولهذا كان مسموع الكلمة مهابًا وموقرًا لدى الخاص والعام، ولما مات رثاه بعض أحبابه بهذه المرثية التي عددت فضائله (١): دها القصيم مصاب خطبة عظما ... وطودها الجبل الراسي لها انهدما أم القصيم نعت شهمًا له همم ... كريم جاه غدا في قمة الكرما عبد العزيز الذي من بعد والده ... كان السنام وكان الرأس والعلما كهف لأهل التقى والخير قاطبة ... سد منيع لمن في حقه هضما يغار للدين إن نيلت محارمه ... ويبذل الجهد للإصلاح لو عظما يلازم النصح في سر وفي علن ... لكل شخص من الأوساط والعظما يساند الأمر بالمعروف محتسبًا ... يرى مساندة للخير مغتنما هذي صفات رجال الخير في سلف ... يناصرون الهدى حتى علا وسما ويحسن النطق في رفق وتبصرة ... يعطيك ما شئت إما رأيًا وإما حكما إذا أتيت رأيت البشر بصحبه ... وإن تخاطبه تلق الوجه مبتسماأبوه من عمت الآفاق شهرته ... يعد في وقته من أبرز العظما آتاه ربي من الأخلاق أفضلها ... أضحى بها في روابي مجدها علما أم القصيم نعت أعيانها ذهبوا ... أمسى وجوهمو يا صاحبي عدما بريدة اليوم عمها حزن ... لأمر أتى قل فأمر الله قد حتما تألم القلب والهفاه وا أسفا ... على تخدم أهل الخير والعلما من شاهد الجمع في ممشى جنازته ... يرجو له تخرم عند الله والكرما وفي مصيبة خير الخلق موعظة ... لنا العزاء بها إن فادح صدما وهذه مرثية للأديب عبد العزيز بن محمد النقيدان في الفقيد عبد العزيز بن فهد الرشودي قال: اخترمت يد المنون الشيخ عبد العزيز الفهد الرشودي كبير أعيان القصيم وأحد الرجال الأوفياء لوطنهم وللدولة السعودية الرائدة: نبأ يهز مشاعري وكياني ... ورَجَعْتُ يعتصر الأسى وجداني علم هوى في بأسه ونضاله ... ما فاق كل مساعي الأعيان تأتي إليه المشكلات عويصة ... فيحلها للناس دون توان منذ الطفولة كان يسهم في البنا ... حتى قضى في همة وتفان لم يجن مالًا أو يكدس ثروة ... عبر السنين يجول في الميدان للناس للوطن الحبيب كفاحه ... للعاجزين وللفقير العاني كم موقف سام تجلد دونه ... بالصبر والإخلاص والإيمان العطف والرأي السديد سلاحه ... في حلبة الإصلاح أعظم بان الأمر بالمعروف من عزماته ... والصدق والإخلاص للأوطان المصلحون جزاؤهم من ربهم ... خير العطاء وأعظم الإحسان ما لي بريدة شيبها وشبابها ... فيض العزاء بالراحل الإنسان آل الرشودي قد رأيت مصابكم ... جللًا يصيب حشاشة الأبدان أسقاه ربي من معين ثوابه ... بين الجنان سحائب الرضوانآخر ما وجدت من القصيدة وهي حسنة من بحر الكامل ونعتذر عن تأخيرها لعدم الحصول عليها أولًا فلذا تأخرت ومهما كانت الأحوال والظروف فإن منطقة القصيم قد خسرت رجلًا مخلصًا ثابتًا لا يتضعضع ولا يخذل مظلومًا فنسأل من بيده أزمة الأمور أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته.
  • full passagepage 2446, entry [1010]1,316 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فهد بن ناصر بن جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، كان من الشباب الأشبال توفي في ذي القعدة بعد وفاة والده بأربع سنوات ﵀، وقد حزن عليه أهله وأقرباؤه وأصدقاؤه، وجاءت التعازي من الملك ومن البيت المالك لإخوته وأبنائه، كما جاءت التعازي من الأمة لصاحب الجلالة الملك فه
    ▸ expand full passage (1,316 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فهد بن ناصر بن جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، كان من الشباب الأشبال توفي في ذي القعدة بعد وفاة والده بأربع سنوات ﵀، وقد حزن عليه أهله وأقرباؤه وأصدقاؤه، وجاءت التعازي من الملك ومن البيت المالك لإخوته وأبنائه، كما جاءت التعازي من الأمة لصاحب الجلالة الملك فهد ولولي العهد عبد الله بن عبد العزيز وللنائب الثاني ووزير الدفاع سلطان بن عبد العزيز. وممن توفي فيها سالم بن محمد بن لادن رحمة الله على أموات المسلمين. وفيها وفاة أكبر معمر في الضفة الغربية من فلسطين وهو الحاج عبد الفتاح القميز عن عمر يناهز المائة والثلاثين عامًا، كانت وفاته في يوم الجمعة ٢٧/ ١٢ في إحدى القرى قرب قرية قضاء الخليل، وكان له نحو من مائة وخمسين ولدًا وحفيدًا، وهو يتمتع في طيلة هذا العمر بكامل قواه العقلية والجسدية، وفي ذلك عبرة لمن يخشى. وفيها في اليوم الثاني من شهر شعبان الموافق ليوم الأحد ٢٠ آذار مارس (١٩٨٨ م) قام الرئيس صدام بعد الزوال من ذلك اليوم بالهجوم على مدينة حلبشة أو حلبجة شمال شرق العراق بطائرات الميج والهليوكبتر وألقت على أهلها الغازات السامة والكيماوية والقنابل فقتلت خمسة آلاف وجرحت عشرة آلاف تركتهم معوقين وأسفر ذلك الهجوم عن خمسة عشر ألفًا بين قتيل وجريح ملقين في الشوارع، ثم عاد وقتلهم وأصبح أولئك الأكرام الضعفاء فريسة بغيه وعدوانه. أما عن فلسطين فحصل ارتباك في الأسواق من فلسطين المحتلة بسبب ثورة أطفال الحجارة، ووقعت خسائر بنسبة ٦٠ % في الخزينة الإسرائيلية من الدخل السياحي.
  • full passagepage 2446, entry [1010]1,316 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فهد بن ناصر بن جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، كان من الشباب الأشبال توفي في ذي القعدة بعد وفاة والده بأربع سنوات ﵀، وقد حزن عليه أهله وأقرباؤه وأصدقاؤه، وجاءت التعازي من الملك ومن البيت المالك لإخوته وأبنائه، كما جاءت التعازي من الأمة لصاحب الجلالة الملك فه
    ▸ expand full passage (1,316 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فهد بن ناصر بن جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، كان من الشباب الأشبال توفي في ذي القعدة بعد وفاة والده بأربع سنوات ﵀، وقد حزن عليه أهله وأقرباؤه وأصدقاؤه، وجاءت التعازي من الملك ومن البيت المالك لإخوته وأبنائه، كما جاءت التعازي من الأمة لصاحب الجلالة الملك فهد ولولي العهد عبد الله بن عبد العزيز وللنائب الثاني ووزير الدفاع سلطان بن عبد العزيز. وممن توفي فيها سالم بن محمد بن لادن رحمة الله على أموات المسلمين. وفيها وفاة أكبر معمر في الضفة الغربية من فلسطين وهو الحاج عبد الفتاح القميز عن عمر يناهز المائة والثلاثين عامًا، كانت وفاته في يوم الجمعة ٢٧/ ١٢ في إحدى القرى قرب قرية قضاء الخليل، وكان له نحو من مائة وخمسين ولدًا وحفيدًا، وهو يتمتع في طيلة هذا العمر بكامل قواه العقلية والجسدية، وفي ذلك عبرة لمن يخشى. وفيها في اليوم الثاني من شهر شعبان الموافق ليوم الأحد ٢٠ آذار مارس (١٩٨٨ م) قام الرئيس صدام بعد الزوال من ذلك اليوم بالهجوم على مدينة حلبشة أو حلبجة شمال شرق العراق بطائرات الميج والهليوكبتر وألقت على أهلها الغازات السامة والكيماوية والقنابل فقتلت خمسة آلاف وجرحت عشرة آلاف تركتهم معوقين وأسفر ذلك الهجوم عن خمسة عشر ألفًا بين قتيل وجريح ملقين في الشوارع، ثم عاد وقتلهم وأصبح أولئك الأكرام الضعفاء فريسة بغيه وعدوانه. أما عن فلسطين فحصل ارتباك في الأسواق من فلسطين المحتلة بسبب ثورة أطفال الحجارة، ووقعت خسائر بنسبة ٦٠ % في الخزينة الإسرائيلية من الدخل السياحي.
  • full passagepage 2490, entry [1035]5,341 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد العزيز، ففي صباح يوم الجمعة ١٦ ربيع الآخر عام (١٤٠٩ هـ) أعلن الديوان الملكي البيان وهذا نصه: (انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود، حيث وافاه الأجل المحتوم صباح اليوم الجمعة الموافق ١٦/ ٤/ ١٤٠٩ هـ بمدينة الرياض عن
    ▸ expand full passage (5,341 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد العزيز، ففي صباح يوم الجمعة ١٦ ربيع الآخر عام (١٤٠٩ هـ) أعلن الديوان الملكي البيان وهذا نصه: (انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود، حيث وافاه الأجل المحتوم صباح اليوم الجمعة الموافق ١٦/ ٤/ ١٤٠٩ هـ بمدينة الرياض عن عمر يناهز الثمانين سنة ساهم خلالها مع والده مؤسس هذه المملكة بالكثير من الأعمال الجليلة التي كان يقوم بها والده ﵀ للتوحيد وتوحيد استقرار المملكة وسيصلى على سموه ظهر يوم السبت ١٧/ ٤/ ١٤٠٩ هـ في جامع الملك عبد العزيز بالمربع في مدينة الرياض نسأل الله ﷾ أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جناته، إنا لله وإنا إليه راجعون). وهذه ترجمته: هو الأمير الشجاع الباسل الشهير والعلم الظهير والسميدع الخطير الذي رجفت هيبته القلوب ومزق الأعادي في الغرب والشرق والشمال والجنوب صاحب السمو الملكي محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن القائد المحنك أمير المدينة المنورة سمي بذلك لأنه هو الذي تولى فتحها، كان شعلة نارية مهيبًا متقدمًا وله نفوذ وقدر عظيم ولما أن توفي والده كان سامعًا مطيعًا لأخيه الملك سعود بأرائه خاضعًا لتدابيره وكتب له التاريخ صفحة في الوفاء والذكر الحسن، ولما جاءه دوره لولاية العهد بعد الملك فيصل تركها لأخيه خالد بن عبد العزيز لأنه كان شقيقه. ولد المترجم عام (١٣٣٠ هـ) في مدينة الرياض وأدخل والده إحدى المدارس الأهلية حتى شب ونشأ في تربيته كأنجال عبد العزيز، وكان صارمًا فتاكًا ولينًا وثوبًا شوهد منه في ملاحقة الدويش وجاسر بن لامي وابن حثلين لما فروا إلى الكويت والعراق والتجأوا إلى الكابتن كلوب المفتش الإداري هناك، وكان والده ينهاه عن أن يخاطر بنفسه وعمره إذ ذاك ثماني عشرة سنة غير أنه ما كان له أن يخلد إلى السكينة حتى يقبض على العدو، فزحف برتل من السيارات على مضض منوالده جلالة الملك فنازل قبيلة الصفهان التابعة للعجمان فما كان إلا دقائق حتى قضى عليها. وكان من قواد الجيش السعودي في جهاد اليمن عام (١٣٥٢ هـ) وأحرز نصرًا وتقدمًا، ولما أن كان في فتح المدينة المنورة طلب أهلها من الملك عبد العزيز أن يبعث إليهم للمفاهمة أحد أفراد العائلة لما لقوا من محاصرة فيصل الدويش من قساوة وعناء وشراسة ولا سيما ما تفوه به الأعداء من أن الدويش أطلق الرصاص على قبة الرسول ﷺ والسهام فاقتضى إلى الملك أن يجعل المترجم يحاصر المدينة لما له من الشدة ولكنه أمره أن يضيف إلى الشدة الرفق وعدم القتال لعلهم يسلمون ويستسلمون ففعلًا جرى ذلك واستسلموا للأمير محمد بن عبد العزيز وفتحها الله على يديه، وكان منصور اللواء لا تنهزم رايته أضف إلى ذلك جودًا وكرمًا، وكانت والدته الجوهرة ابنة مساعد بن جلوي بن تركي فأخواله آل جلوي وشقيقه الملك خالد بن عبد العزيز، ولما أن توفي صلى عليه المسلمون في المسجد النبوي بعد صلاة الجمعة صلاة الغائب وعلى رأسهم الملك فهد وأمير المدينة عبد المجيد بن عبد العزيز وأصحاب الفضيلة العلماء وأصحاب المعالي الوزراء وجموع كثيرة غفيرة من المصلين، أما إقامة الصلاة عليه فكما قدمنا. وممن توفي فيها من الأعيان في مدينة بريدة الشيخ حمود المشيقح ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته هو أبو سليمان حمود بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح بن عبد الله، ولد في عام (١٣١٦ هـ) في مدينة بريدة عاصمة القصيم فنشأ في بيت والده فأدخله والده إحدى المدارس الأهلية في مدينة بريدة ورباه والده تربية حسنة وكان محبوبًا لديه ثم أنه بعدما نجح من المدرسة وحفظ القرآن، وأخذ نصيبًا من تعلم الخط والحساب أخذ في الدراسة على الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وعلى الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولازمها وأكثر الأخذ عنهما ومن جملة ما درس على الشيخ عمر فتح الباري شرح صحيح البخاري إذا أخذ في القراءة فإنها خفيفة علىلسانه لأن له سليقة قوية كأنما تخرج الكلمات من أكبر نحوي، وإن كان قليل الأخذ من علم النحو ولكنها بديهة فقليل لحنه وأخذ عن الشيخ عبد العزيز العبادي لما أن جلس للتدريس في مسجدهم عام (١٣٥٥ هـ) في كتب الفقه والحديث إضافة إلى مجالسة الأولى في بكرات الأيام لأن الشيخ عبد العزيز جعل يدرس ضحى وظهرًا في ذلك المسجد الذي ضم جموعًا كثيرة من الطلاب وأصبح إذ ذاك كزهرة البلاد، وذلك قبل وفاة الشيخ ينتابه طلاب العلم ويترددون إليه. وكان والد الأسرة عبد العزيز بن حمود بن مشيقح يبذل مساعدات للأجانب الذين في ذلك المسجد وكان من جملة الذين يدرسون على الشيخ عمر بن سليم بعد صلاة العشاء الآخرة في بيتهم وجد واجتهد حتى نال الثقة من والده وإخوانه بحيث كان هو صاحب الدفاتر والصندوق المالي وقبيل وفاة والده فقد بصره وأسف والده لذلك أسفًا شديدًا ولكنه موضع التقدير من أهله ومن أمته وأهل بلده، ولما أقعد كانت الملوك من آل سعود كالملك فيصل والملك خالد والملك فهد ينتابون في بيته للسلام وزيارته إذا ما قدموا إلى القصيم وكان بالرغم من كونه محمولًا في محمل ويسعى بين المروة والصفا راكبًا عربة ولم يمنعه أن أسن وكبر وثقل عن حضور الجمع والجماعات فكانوا يذهبون به إلى المساجد على عربة وكان صابرًا ومحتسبًا. ولما أن علم الله حسن نيته رزقه من إخوانه وأبنائه وأبناء إخوانه حسن عناية فكانوا ينتابون زيارته كل ليلة بعد العشاء الآخرة ويجتمعون به ويتبادلون الحديث معه وكان راوية للقصص وذا خبرة بالتاريخ عن وعي ومعرفة أضف إلى ذلك أنه كان بصيرًا في أمور دينه ومواليًا لأولياء الله ومعاديًا أعداءه في حسن معتقد ولين معركه مع الكبير والصغير وما زال على الاستقامة حتى وافاه أجله المحتوم في يوم الجمعة ١٣/ ٦/ ١٤٠٩ هـ فصلى عليه المسلمون بعد صلاة العصر وحضر للصلاة عليه خلق كثير وجم غفير في الجامع الكبير ببريدة وشيعه إلى قبره ومثواه الأخيرجمع كثير من المسلمين بحيث دفن في مقابر الموطا عن عمر يناهز الثالثة والتسعين. وممن توفي فيها المقرئ المصري عبد الباسط عبد الصمد، والذي طالما ألقيت قراءاته بالإذاعات في مشارق الأرض ومغاربها وقد سجلت أشرطة كثيرة وذلك لحسن ترتيله وجودة صوته، وكان في حال شبيبته له المثلى القيم في تلاوة القرآن وطول النفس والترتيل لما له من سعة الحنجرة، فقلما كان يباريه في حال شبيبته أحد في حسن الترتيل وملأت الأشرطة التي كانت تباع في كل مكان من المجامع والدكاكين والمكاتب وكان قد أصيب قبل وفاته بسنة في حادث سيارة فأثرت عليه، وكانت وفاته في ٢١/ ٤/ ١٤٠٩ هـ.
  • full passagepage 2490, entry [1035]5,341 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد العزيز، ففي صباح يوم الجمعة ١٦ ربيع الآخر عام (١٤٠٩ هـ) أعلن الديوان الملكي البيان وهذا نصه: (انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود، حيث وافاه الأجل المحتوم صباح اليوم الجمعة الموافق ١٦/ ٤/ ١٤٠٩ هـ بمدينة الرياض عن
    ▸ expand full passage (5,341 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد العزيز، ففي صباح يوم الجمعة ١٦ ربيع الآخر عام (١٤٠٩ هـ) أعلن الديوان الملكي البيان وهذا نصه: (انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود، حيث وافاه الأجل المحتوم صباح اليوم الجمعة الموافق ١٦/ ٤/ ١٤٠٩ هـ بمدينة الرياض عن عمر يناهز الثمانين سنة ساهم خلالها مع والده مؤسس هذه المملكة بالكثير من الأعمال الجليلة التي كان يقوم بها والده ﵀ للتوحيد وتوحيد استقرار المملكة وسيصلى على سموه ظهر يوم السبت ١٧/ ٤/ ١٤٠٩ هـ في جامع الملك عبد العزيز بالمربع في مدينة الرياض نسأل الله ﷾ أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جناته، إنا لله وإنا إليه راجعون). وهذه ترجمته: هو الأمير الشجاع الباسل الشهير والعلم الظهير والسميدع الخطير الذي رجفت هيبته القلوب ومزق الأعادي في الغرب والشرق والشمال والجنوب صاحب السمو الملكي محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن القائد المحنك أمير المدينة المنورة سمي بذلك لأنه هو الذي تولى فتحها، كان شعلة نارية مهيبًا متقدمًا وله نفوذ وقدر عظيم ولما أن توفي والده كان سامعًا مطيعًا لأخيه الملك سعود بأرائه خاضعًا لتدابيره وكتب له التاريخ صفحة في الوفاء والذكر الحسن، ولما جاءه دوره لولاية العهد بعد الملك فيصل تركها لأخيه خالد بن عبد العزيز لأنه كان شقيقه. ولد المترجم عام (١٣٣٠ هـ) في مدينة الرياض وأدخل والده إحدى المدارس الأهلية حتى شب ونشأ في تربيته كأنجال عبد العزيز، وكان صارمًا فتاكًا ولينًا وثوبًا شوهد منه في ملاحقة الدويش وجاسر بن لامي وابن حثلين لما فروا إلى الكويت والعراق والتجأوا إلى الكابتن كلوب المفتش الإداري هناك، وكان والده ينهاه عن أن يخاطر بنفسه وعمره إذ ذاك ثماني عشرة سنة غير أنه ما كان له أن يخلد إلى السكينة حتى يقبض على العدو، فزحف برتل من السيارات على مضض منوالده جلالة الملك فنازل قبيلة الصفهان التابعة للعجمان فما كان إلا دقائق حتى قضى عليها. وكان من قواد الجيش السعودي في جهاد اليمن عام (١٣٥٢ هـ) وأحرز نصرًا وتقدمًا، ولما أن كان في فتح المدينة المنورة طلب أهلها من الملك عبد العزيز أن يبعث إليهم للمفاهمة أحد أفراد العائلة لما لقوا من محاصرة فيصل الدويش من قساوة وعناء وشراسة ولا سيما ما تفوه به الأعداء من أن الدويش أطلق الرصاص على قبة الرسول ﷺ والسهام فاقتضى إلى الملك أن يجعل المترجم يحاصر المدينة لما له من الشدة ولكنه أمره أن يضيف إلى الشدة الرفق وعدم القتال لعلهم يسلمون ويستسلمون ففعلًا جرى ذلك واستسلموا للأمير محمد بن عبد العزيز وفتحها الله على يديه، وكان منصور اللواء لا تنهزم رايته أضف إلى ذلك جودًا وكرمًا، وكانت والدته الجوهرة ابنة مساعد بن جلوي بن تركي فأخواله آل جلوي وشقيقه الملك خالد بن عبد العزيز، ولما أن توفي صلى عليه المسلمون في المسجد النبوي بعد صلاة الجمعة صلاة الغائب وعلى رأسهم الملك فهد وأمير المدينة عبد المجيد بن عبد العزيز وأصحاب الفضيلة العلماء وأصحاب المعالي الوزراء وجموع كثيرة غفيرة من المصلين، أما إقامة الصلاة عليه فكما قدمنا. وممن توفي فيها من الأعيان في مدينة بريدة الشيخ حمود المشيقح ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته هو أبو سليمان حمود بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح بن عبد الله، ولد في عام (١٣١٦ هـ) في مدينة بريدة عاصمة القصيم فنشأ في بيت والده فأدخله والده إحدى المدارس الأهلية في مدينة بريدة ورباه والده تربية حسنة وكان محبوبًا لديه ثم أنه بعدما نجح من المدرسة وحفظ القرآن، وأخذ نصيبًا من تعلم الخط والحساب أخذ في الدراسة على الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وعلى الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولازمها وأكثر الأخذ عنهما ومن جملة ما درس على الشيخ عمر فتح الباري شرح صحيح البخاري إذا أخذ في القراءة فإنها خفيفة علىلسانه لأن له سليقة قوية كأنما تخرج الكلمات من أكبر نحوي، وإن كان قليل الأخذ من علم النحو ولكنها بديهة فقليل لحنه وأخذ عن الشيخ عبد العزيز العبادي لما أن جلس للتدريس في مسجدهم عام (١٣٥٥ هـ) في كتب الفقه والحديث إضافة إلى مجالسة الأولى في بكرات الأيام لأن الشيخ عبد العزيز جعل يدرس ضحى وظهرًا في ذلك المسجد الذي ضم جموعًا كثيرة من الطلاب وأصبح إذ ذاك كزهرة البلاد، وذلك قبل وفاة الشيخ ينتابه طلاب العلم ويترددون إليه. وكان والد الأسرة عبد العزيز بن حمود بن مشيقح يبذل مساعدات للأجانب الذين في ذلك المسجد وكان من جملة الذين يدرسون على الشيخ عمر بن سليم بعد صلاة العشاء الآخرة في بيتهم وجد واجتهد حتى نال الثقة من والده وإخوانه بحيث كان هو صاحب الدفاتر والصندوق المالي وقبيل وفاة والده فقد بصره وأسف والده لذلك أسفًا شديدًا ولكنه موضع التقدير من أهله ومن أمته وأهل بلده، ولما أقعد كانت الملوك من آل سعود كالملك فيصل والملك خالد والملك فهد ينتابون في بيته للسلام وزيارته إذا ما قدموا إلى القصيم وكان بالرغم من كونه محمولًا في محمل ويسعى بين المروة والصفا راكبًا عربة ولم يمنعه أن أسن وكبر وثقل عن حضور الجمع والجماعات فكانوا يذهبون به إلى المساجد على عربة وكان صابرًا ومحتسبًا. ولما أن علم الله حسن نيته رزقه من إخوانه وأبنائه وأبناء إخوانه حسن عناية فكانوا ينتابون زيارته كل ليلة بعد العشاء الآخرة ويجتمعون به ويتبادلون الحديث معه وكان راوية للقصص وذا خبرة بالتاريخ عن وعي ومعرفة أضف إلى ذلك أنه كان بصيرًا في أمور دينه ومواليًا لأولياء الله ومعاديًا أعداءه في حسن معتقد ولين معركه مع الكبير والصغير وما زال على الاستقامة حتى وافاه أجله المحتوم في يوم الجمعة ١٣/ ٦/ ١٤٠٩ هـ فصلى عليه المسلمون بعد صلاة العصر وحضر للصلاة عليه خلق كثير وجم غفير في الجامع الكبير ببريدة وشيعه إلى قبره ومثواه الأخيرجمع كثير من المسلمين بحيث دفن في مقابر الموطا عن عمر يناهز الثالثة والتسعين. وممن توفي فيها المقرئ المصري عبد الباسط عبد الصمد، والذي طالما ألقيت قراءاته بالإذاعات في مشارق الأرض ومغاربها وقد سجلت أشرطة كثيرة وذلك لحسن ترتيله وجودة صوته، وكان في حال شبيبته له المثلى القيم في تلاوة القرآن وطول النفس والترتيل لما له من سعة الحنجرة، فقلما كان يباريه في حال شبيبته أحد في حسن الترتيل وملأت الأشرطة التي كانت تباع في كل مكان من المجامع والدكاكين والمكاتب وكان قد أصيب قبل وفاته بسنة في حادث سيارة فأثرت عليه، وكانت وفاته في ٢١/ ٤/ ١٤٠٩ هـ.
  • full passagepage 2671, entry [1110]4,418 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد الله بن حمود البازعي، كان من أسرة ظاهرة وقبيلة شريفة، عاش عزيزًا كريمًا فيه شرف الرجولة وكرم الرجل العربي، يسارع إلى الخيرات على حسب مقدرته، ولديه عزة نفس من بين إخوانه، وقد أصيب في إحدى قدميه من أثار دهس سيارة، ولم ينقص ذلك من عزمه فكان يسوق سيارته بنفس
    ▸ expand full passage (4,418 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد الله بن حمود البازعي، كان من أسرة ظاهرة وقبيلة شريفة، عاش عزيزًا كريمًا فيه شرف الرجولة وكرم الرجل العربي، يسارع إلى الخيرات على حسب مقدرته، ولديه عزة نفس من بين إخوانه، وقد أصيب في إحدى قدميه من أثار دهس سيارة، ولم ينقص ذلك من عزمه فكان يسوق سيارته بنفسه ويسير على عربة لحوائجه في بيته، وكنت أظن أنه أصيب أيضًا في رجله الأخرى فلم ينقص ذلك من عزمه، وما زال تتقلب في المكابدة والمرارة وهو يكافح في الحياة حتى توفىفي هذه السنة وجسمه ممتلئ، وتقدمة في قوة نفسه، ﵀ وعفا عنه عن عمر يناهز ٧٩ في هذه السنة. وممن توفي فيها إبراهيم بن صالح بن سليمان المطوع أخو الشيخ محمد بن صالح المطوع لأبيه، كان ذا شخصية بارزة ومنظر حسن، أخذ في الدراسة على المؤدب صالح بن محمد الصقعبي مؤدب الجيل، ولما حذق في الدراسة والكتاب ومبادئ علم الحساب، أخذ بيده والده وجعل يسافر به إلى الشام وغيره في تجارة الإبل والسمن وغيرها، فكان يتقلب في ذلك العمل إلى أن توفى والده صالح بن سليمان، فاستمر في سنة ١٣٦٥ هـ في أعماله ويؤثر الكسوة الفاخرة، وله قوة نفس ومعاملة حسنة ثم إنه أكثر من تناول الحبوب المقوية والمهدئة لأنه لا يخلو من مرض السكر. وممن توفى فيها الشيخ إبراهيم بن ضيف الله اليوسف من أهالي قرية الشماسية في القصيم، وهو من قبائل أهل القصيم، ولد في عام ١٣٣٢ هـ, وأخذ في تعليم القرآن من أحد المعلمين في المدارس الأهلية، ثم أخذ يطلب العلم، ومن مشايخه الشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن، وأخذ عن الشيخ محمد بن صالح المطوع في مدينة بريدة وغيرهما، وكان موضع التقدير من أمته، وكان له زملاء في مهنة الزراعة في بلده فإذا ما حلت الشمس في برج الجوزاء ساروا إلى مدينة بريدة لأخذ العلم عن العلماء إلى أن تحل الشمس في برج الميزان فيرجعون، وإذا ما رجع فإنه يجلس يعلم بني وطنه، وقد كان إمام جامع الشماسية وخطيبه، ثم ترك ذلك بعارض قد أصابه، ولما أن فتحت المدرسة الحكومية الابتدائية في قرية الشماسية التحق بها كمدرس ديني، ولبث في هذه الوظيفة قرابة خمس وعشرين سنة ثم أحيل علي المعاش فلبث في بلده يفيد السائلين من أهل بلده رجالًا ونساء، وكان موضع التقدير حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة، ﵀ وعفا عنه، ويلاحظ عليه أنه قطع الزيارة عمن تعلم منه، فكان لا يزور ولا يزاور مع قرب المسافة، والله يغفر له، وقد رثاه بعد موته أحد طلابه بمرثية طويلة قال صاحبها:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قصيدة للشيخ سليمان بن إبراهيم اللاحم هوى البدر يا قومي لجلَّ مصابنا في يوم الاثنين الموافق ١٦/ ٧/ ١٤١٢ هـ وافى الأجل شيخنا إبراهيم بن ضيف الله اليوسف والقصيدة طويلة من أبياتها قوله: نكبة بلادي أرضها وسمائها ... وحقٌ لها تبكي أفول الكواكب شبابٌ وأطفالٌ وشيبٌ ونسوةٌ ... بكوه جميعًا في الضحى والغياهب إلى آخرها وهي حسنة، وكان مربوع القامة، ممتلئ الجسم، عليه بهاء العبادة، وسيما الصالحين. وممن توفي فيها الشيخ صالح بن محمد بن عبد الله التويجري ﵀ وعفا عنه، كانت وفاته في يوم السبت ٧ رجب من هذه السنة، ولد في ١٣٣٥ هـ ونشأ في ظل والده الشيخ محمد إمام المسجد الجامع في قرية القصيعة، ورباه وأحسن تربيته، ولما أن انتقل والده من الغربة المذكورة إلى مدينة بريدة ليتزود من العلم كان في معيته، وحينما عين والده قاضيًا في جيزان من أعمال عسير كان في معيته، وذلك في عام ١٣٥٨ هـ، وفي خدمته، ونال وظيفة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك، ولما أن توفى والده عام ١٣٦١ هـ انتقل وأخوته إلى مكة المكرمة فأقاموا فيها، وكان حلو الكلام، جذاب الملامح، أديبًا وحسن السيرة، وهو من زملائنا، أخذ العلم عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وعن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، ودرس مكة المكرمة حال إقامته فيها عام ١٣٦٢ هـ، وقد أجري له ولإخوته راتبًا وزير المالية عبد الله بن سليمان بن حمدان في تلك الفترة، ثم إنه عين رئيسًا لمحاكم تبوك، وخدم في هذه الوظيفة حكومته نائلًا رضا الأمة هناك مع حظ وحس معاشرة لجلسائه، ويحرص دائمًا على الصلح بين الخصمين، ولا يمل حديثه، وكان موضع التقدير من الجميع ورزقه الله مالا هناك فكان له مزارع ثمينة هناك، ثم طلب أن يكون عضوًا في هيئة التمييز إضافةً إلى وظيفته فلم يوافق الحكومة وخيرته بين وظيفته أو إلى الانتقال إلى مكة، ويكون مساعد الرئيس هيئة التمييز هناك، واختار هيئة التمييز ورحلإلى مكة المكرمة ليشغل هذه الوظيفة، وكان موضع التقدير هنا وهناك، وبما أن بيني وبينه صلة قوية فقد لاحظت عليه تركه لرئاسة المحاكم هناك، فذكرني أنه مطمأن للجلوس في مكة المكرمة، وهي مدينته، ويقول: يا ليتها متقدمة لكنه فارق ما هو فيه من المكان والرفعة، وكان في جلوسه بمكة المكرمة يعيش عيشة الملوك، وقد جعل على المعاش في أواخر سني حياته، ولا يزال محتشمًا لدى الملوك والأمة حتى وافاه أجله المحتوم عن عمر يناهز السابعة والسبعين في مكة المكرمة موصيًا بأن يدفن فيها، وكان له بذل وإحسان وتقدم وأثنى عليه أصحابه وجلسائه وامتدحوه وترحموا عليه، وكان مرضه في قوته وجسمه، ولا يزال يتجلد حتى توفي في هذا السن الذي ذكرناه. وفيها توفى حمد بن عبد الله بن عودة مؤذن مسجد عودة الرديني في مدينة بريدة، الذي يؤم فيه الشيخ محمد الصالح المطوع رحمه الله تعالى وعفا عنه.
  • full passagepage 2671, entry [1110]4,418 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد الله بن حمود البازعي، كان من أسرة ظاهرة وقبيلة شريفة، عاش عزيزًا كريمًا فيه شرف الرجولة وكرم الرجل العربي، يسارع إلى الخيرات على حسب مقدرته، ولديه عزة نفس من بين إخوانه، وقد أصيب في إحدى قدميه من أثار دهس سيارة، ولم ينقص ذلك من عزمه فكان يسوق سيارته بنفس
    ▸ expand full passage (4,418 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم محمد بن عبد الله بن حمود البازعي، كان من أسرة ظاهرة وقبيلة شريفة، عاش عزيزًا كريمًا فيه شرف الرجولة وكرم الرجل العربي، يسارع إلى الخيرات على حسب مقدرته، ولديه عزة نفس من بين إخوانه، وقد أصيب في إحدى قدميه من أثار دهس سيارة، ولم ينقص ذلك من عزمه فكان يسوق سيارته بنفسه ويسير على عربة لحوائجه في بيته، وكنت أظن أنه أصيب أيضًا في رجله الأخرى فلم ينقص ذلك من عزمه، وما زال تتقلب في المكابدة والمرارة وهو يكافح في الحياة حتى توفىفي هذه السنة وجسمه ممتلئ، وتقدمة في قوة نفسه، ﵀ وعفا عنه عن عمر يناهز ٧٩ في هذه السنة. وممن توفي فيها إبراهيم بن صالح بن سليمان المطوع أخو الشيخ محمد بن صالح المطوع لأبيه، كان ذا شخصية بارزة ومنظر حسن، أخذ في الدراسة على المؤدب صالح بن محمد الصقعبي مؤدب الجيل، ولما حذق في الدراسة والكتاب ومبادئ علم الحساب، أخذ بيده والده وجعل يسافر به إلى الشام وغيره في تجارة الإبل والسمن وغيرها، فكان يتقلب في ذلك العمل إلى أن توفى والده صالح بن سليمان، فاستمر في سنة ١٣٦٥ هـ في أعماله ويؤثر الكسوة الفاخرة، وله قوة نفس ومعاملة حسنة ثم إنه أكثر من تناول الحبوب المقوية والمهدئة لأنه لا يخلو من مرض السكر. وممن توفى فيها الشيخ إبراهيم بن ضيف الله اليوسف من أهالي قرية الشماسية في القصيم، وهو من قبائل أهل القصيم، ولد في عام ١٣٣٢ هـ, وأخذ في تعليم القرآن من أحد المعلمين في المدارس الأهلية، ثم أخذ يطلب العلم، ومن مشايخه الشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن، وأخذ عن الشيخ محمد بن صالح المطوع في مدينة بريدة وغيرهما، وكان موضع التقدير من أمته، وكان له زملاء في مهنة الزراعة في بلده فإذا ما حلت الشمس في برج الجوزاء ساروا إلى مدينة بريدة لأخذ العلم عن العلماء إلى أن تحل الشمس في برج الميزان فيرجعون، وإذا ما رجع فإنه يجلس يعلم بني وطنه، وقد كان إمام جامع الشماسية وخطيبه، ثم ترك ذلك بعارض قد أصابه، ولما أن فتحت المدرسة الحكومية الابتدائية في قرية الشماسية التحق بها كمدرس ديني، ولبث في هذه الوظيفة قرابة خمس وعشرين سنة ثم أحيل علي المعاش فلبث في بلده يفيد السائلين من أهل بلده رجالًا ونساء، وكان موضع التقدير حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة، ﵀ وعفا عنه، ويلاحظ عليه أنه قطع الزيارة عمن تعلم منه، فكان لا يزور ولا يزاور مع قرب المسافة، والله يغفر له، وقد رثاه بعد موته أحد طلابه بمرثية طويلة قال صاحبها:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قصيدة للشيخ سليمان بن إبراهيم اللاحم هوى البدر يا قومي لجلَّ مصابنا في يوم الاثنين الموافق ١٦/ ٧/ ١٤١٢ هـ وافى الأجل شيخنا إبراهيم بن ضيف الله اليوسف والقصيدة طويلة من أبياتها قوله: نكبة بلادي أرضها وسمائها ... وحقٌ لها تبكي أفول الكواكب شبابٌ وأطفالٌ وشيبٌ ونسوةٌ ... بكوه جميعًا في الضحى والغياهب إلى آخرها وهي حسنة، وكان مربوع القامة، ممتلئ الجسم، عليه بهاء العبادة، وسيما الصالحين. وممن توفي فيها الشيخ صالح بن محمد بن عبد الله التويجري ﵀ وعفا عنه، كانت وفاته في يوم السبت ٧ رجب من هذه السنة، ولد في ١٣٣٥ هـ ونشأ في ظل والده الشيخ محمد إمام المسجد الجامع في قرية القصيعة، ورباه وأحسن تربيته، ولما أن انتقل والده من الغربة المذكورة إلى مدينة بريدة ليتزود من العلم كان في معيته، وحينما عين والده قاضيًا في جيزان من أعمال عسير كان في معيته، وذلك في عام ١٣٥٨ هـ، وفي خدمته، ونال وظيفة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك، ولما أن توفى والده عام ١٣٦١ هـ انتقل وأخوته إلى مكة المكرمة فأقاموا فيها، وكان حلو الكلام، جذاب الملامح، أديبًا وحسن السيرة، وهو من زملائنا، أخذ العلم عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وعن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، ودرس مكة المكرمة حال إقامته فيها عام ١٣٦٢ هـ، وقد أجري له ولإخوته راتبًا وزير المالية عبد الله بن سليمان بن حمدان في تلك الفترة، ثم إنه عين رئيسًا لمحاكم تبوك، وخدم في هذه الوظيفة حكومته نائلًا رضا الأمة هناك مع حظ وحس معاشرة لجلسائه، ويحرص دائمًا على الصلح بين الخصمين، ولا يمل حديثه، وكان موضع التقدير من الجميع ورزقه الله مالا هناك فكان له مزارع ثمينة هناك، ثم طلب أن يكون عضوًا في هيئة التمييز إضافةً إلى وظيفته فلم يوافق الحكومة وخيرته بين وظيفته أو إلى الانتقال إلى مكة، ويكون مساعد الرئيس هيئة التمييز هناك، واختار هيئة التمييز ورحلإلى مكة المكرمة ليشغل هذه الوظيفة، وكان موضع التقدير هنا وهناك، وبما أن بيني وبينه صلة قوية فقد لاحظت عليه تركه لرئاسة المحاكم هناك، فذكرني أنه مطمأن للجلوس في مكة المكرمة، وهي مدينته، ويقول: يا ليتها متقدمة لكنه فارق ما هو فيه من المكان والرفعة، وكان في جلوسه بمكة المكرمة يعيش عيشة الملوك، وقد جعل على المعاش في أواخر سني حياته، ولا يزال محتشمًا لدى الملوك والأمة حتى وافاه أجله المحتوم عن عمر يناهز السابعة والسبعين في مكة المكرمة موصيًا بأن يدفن فيها، وكان له بذل وإحسان وتقدم وأثنى عليه أصحابه وجلسائه وامتدحوه وترحموا عليه، وكان مرضه في قوته وجسمه، ولا يزال يتجلد حتى توفي في هذا السن الذي ذكرناه. وفيها توفى حمد بن عبد الله بن عودة مؤذن مسجد عودة الرديني في مدينة بريدة، الذي يؤم فيه الشيخ محمد الصالح المطوع رحمه الله تعالى وعفا عنه.

بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

full-text

· 59 entries

  • full passagepage 31, entry [12]10,251 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن صالح بن شافع أبو الفضل الجيلي (¬١)؛ سمع الحديث من الأرموي وغيره، وتوفي في شعبان منها، ودفن على أبيه في دكة الإمام أحمد ﵀. أحمد بن عمر بن محمد بن لبيدة أبو العباس الأزجي؛ سمع من ابن جيرون وغيره، وكان فيه خير، خرج إلى مكة، فتوفى فى الطريق، ودفن بزبالة (¬٢). هبة الله
    ▸ expand full passage (10,251 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن صالح بن شافع أبو الفضل الجيلي (¬١)؛ سمع الحديث من الأرموي وغيره، وتوفي في شعبان منها، ودفن على أبيه في دكة الإمام أحمد ﵀. أحمد بن عمر بن محمد بن لبيدة أبو العباس الأزجي؛ سمع من ابن جيرون وغيره، وكان فيه خير، خرج إلى مكة، فتوفى فى الطريق، ودفن بزبالة (¬٢). هبة الله بن محمد بن أحمد بن أبي البركات بن البخارى؛ الفقيه الشافعى، تفقه ببغداد على أسعد الميهنى (¬٣)، وسمع أباه، وولى القضاء بقونية (¬٤) من بلد الروم، وابنه على ولى القضاء ببغداد، وكنيته أبو طالب، وناب في الوزارة، ومات ابنه على ببغداد في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وعقبه اليوم ببغداد قضاة يقال لهم بيت البخاري. الملك طُغرل (¬٥) بن قاورت صاحب كرمان (¬٦)؛ توفي في هذه السنة، واختلف أولاده بهرام شاه، وأرسلان شاه -وهو الأكبر- فجرى بينهما قتال، انهزم منه بهرام شاه إلى خراسان (¬٧)، فدخل على المؤيد (¬٨) صاحب نيسابور (¬٩)، واستنجده، فأنجده بعساكر ساربها إلى كرمان، فجرت بين الأخوين حرب، ظفر فيها بهرام شاه، وهرب أرسلان شاه، وقصد أصفهان (¬١) مستجيرًا بأيلدكز (¬٢)، فأنفذ معه عسكرًا، فاستنقذوا البلاد من بهرام شاه وسلموها إلى أرسلان شاه، فعاد بهرام شاه إلى نيسابور مستنجدًا بالمؤيد صاحبها، فأقام عنده. فاتفق أن أخاه أرسلان شاه مات، فسار إلى كرمان فملكها وأقام بها بغير منازع. قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ المعروف بالأعرج، صاحب الموصل، وهو أخو نور الدين محمود بن زنكي. وكان قطب الدين مودود تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد، عقيب موت أخيه سيف الدين غازي (¬٣)، وكان حسن السيرة عادلًا في حكمه، محببًا إلى الرعية، محسنًا إليهم، حسن الشكل. وفي دولته عظم جمال الدين محمد الأصفهاني (¬٤)، كما ذكرنا في ترجمته. وكان مدبر دولته، وصاحب رأيه الأمير زين الدين على كوجك (¬٥)، والد مظفر الدين صاحب إربل (¬٦). وكان نعم المدير، مع شجاعته وفروسيته. ولم يزل قطب الدين على سلطنته ونفاذ كلمته، إلى أن توفي في شوال من هذه السنة. وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة. وقيل توفي في ربيع الآخر من سنة ست وستين وخمسمائة. وقال ابن خلكان (¬٧): هذا ليس بصحيح، فإن أخاه [نور الدين] (¬٨) كان بالموصل في شهر ربيع الآخر، وجاءت رسل الخليفة، وهو مخيم على وفاة أخيه قطب الدين. وكانتوفاته بالموصل، ومدة عمره أكثر من أربعين سنة، وخلَّف عدة أولاد، أكثرهم ملوك، منهم: سيف الدين غازي تولى السلطنة بعده، وعز الدين مسعود، وعماد الدين زنكي صاحب سنجار. وقال ابن كثير (¬١): وتملك من بعد قطب الدين ولده سيف الدين غازي، ابن الست خاتون بنت تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، أصحاب ماردين. وكان مدبر مملكته، والمتحكم فيهم، فخر الدين عبد المسيح (¬٢)، وكان ظالمًا غاشمًا. وفي تاريخ الدولتين (¬٣): لما اشتد مرض قطب الدين، أوصى بالملك بعده لولده عماد الدين زنكي، وهو أكبر أولاده، وأعزهم [عليه] (¬٤) وأحبهم إليه. وكان النائب عن قطب الدين حينئذ والقائم بأمر دولته فخر الدين عبد المسيح، وكان يكره عماد الدين زنكي؛ لأنه قد كان أكثر المقام عند عمه الملك العادل نور الدين وخدمه، وتزوج ابنته، وكان عزيزه وحبيبه. وكان نور الدين يبغض عبد المسيح لظلم كان فيه، ويذمه ويلوم أخاه قطب الدين على توليته الأمور. فخاف عبد المسيح أن يتصرف عماد الدين في أموره عن أمر عمه فيعزله ويبعده، فاتفق هو والخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش، زوجة قطب الدين، فردُّوه عن هذا الرأي. فلما كان الغد أحضر الأمراء، واستحلفهم لولده سيف الدين غازي. وتوفي وقد جاوز عمره أربعين سنة. وكان تام القامة، كبير الوجه، أسمر اللون، واسع الجبهة، جهوري الصوت. وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصف شهر. ولما توفي استقر سيف الدين في الملك، ورحل عماد الدين إلى عمه نور الدين شاكيًا ومستنصرًا. وكان عبد المسيح هو [متولي] (¬٥) أمر سيف الدين وتحكم في مملكته، وليس لسيف الدين من الأمر إلا اسمه؛ لأنه في عنفوان شبابه وعزة حداثته.وقال ابن الأثير (¬١): وكان حسن الاتفاق مع أخيه الملك العادل نور الدين، كثير المساعدة له والإنجاد بنفسه وعسكره وأمواله؛ حضر معه المصاف بحارم وفتحها وفتح بانياس (¬٢). وكان يخطب له في بلاده باختياره من غير خوف. وكان إحسانه إلى أصحابه متتابعًا، من غير طلب منهم ولا تعريض. وكان يبغض الظلم وأهله، ويعاقب من يفعله. مجد الدين أبو بكر بن الداية؛ رضيع نور الدين محمود، مات في هذه السنة. وكانت حلب، وقلعة جعبر (¬٣)، وحارم إقطاعه، فأقر نور الدين أخاه علىَّ بن [الداية] (¬٤) على إقطاعه، وكان موته بحلب في شهر رمضان. وكان نور الدين حينئذ محاصرًا الكرك، وبلغه قصد الفرنج من الساحل، فرحل عنها، وقصد لقاءهم، فلم يقفوا له. ثم بلغه وفاة مجد الدين بن الداية، فاشتغل قلبه به؛ لأنه كان صاحب أمره. ودفن مجد الدين بحلب، وكان من أكابر أمراء نور الدين، وكان شجاعًا دينًا، بني بحلب خانكاه (¬٥)، وهي باقية إلى هلم جرا. ولما مات مجد الدين، قدم نور الدين على العساكر سابق الدين عثمان بن الداية أخا مجد الدين، وأعطى أولاده بعلبك. أمير حاجب (¬٦) العمادي؛ مات في هذه السنة، وكان إقطاعه تدمر (¬٧) وبعلبك.وفي المرآة (¬١): ودفن العمادي بقاسيون (¬٢)، في تربة قريبة من تربة شركس (¬٣)، شماليها، وهي أول تربة بنيت في الجبل، واسمه مكتوب على بابها. قال السبط: (¬٤) ووقفت على باب التربة، وعليها مكتوب: "هذه تربة العمادي محمد عامل قومسان" (¬٥). الحسين بن محمد أبو المظفر بن الشيبي؛ حبس مديدة، ثم قطعت يده ورجله، وحمل إلى المارستان، فتوفي في محرم هذه السنة. وكان أديبًا لطيفًا، له شعر حسن. ومما قال من الشعر يتشوق أهله: سَلامٌ على أَهْلِي وَصَحْبِي وَجُلَّاسِي … وَمَنْ فِي فُؤادِي ذِكْرُهُم رَاسِبٌ رَاسِي أَحِبَة قَلْبِي قَلَّ صَبْرِى عَنْكُمُ … وَزَادَ بِكُم وَجْدِي وَحُزْنِي وَوَسْواسي أُعَالِجُ فِيكُم كُلَّ هَمٍّ وَلا أَرَى … لِدَاءِ هُمُومِي غَيْرَ رُؤْيَتِكُم آسِي خُذُوا الْوَاكِفَ الْمِدْرَارَ مِنْ فَيْضِ أَدْمُعِي … وَحَرَّ لَهِيبِ النَّارِ مِنْ كَرْبِ أَنْفَاسِي لَقَدْ أَبْدَتْ الأَيَّامُ لِي كُلَّ شِدَّةٍ … تَشِيبُ لَهَا الأكْبَادُ فَضْلًا عَنِ الرَّاسِ أَقُولُ لِقَلْبِي وَالْهُمُوم تَنُوشُهُ … وَقَدْ حَدَّثَتْهُ النَّفْسُ بِالصَّبْرِ والْيَاسِ وَكَيْفَ اصْطَبَارِي عَنْكُمُ وَتَجَلُّدِي … علَى فَقْدِكُمُ، وَيْلِي عَلَى قَلْبِي الْقَاسِي وَمِنْ لِي بِطَيْف منْكُم أَنْ يَزُورَنِي … عَلَى الليْلَة الليلاءِ فِي جُنْحِ دَيْمَاسِ (¬٦) طاوس أم المستنجد بالله؛ توفيت يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان من هذه السنة، وحملت إلى الترب بالرصافة (¬٧).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنجد بالله، ولكنه مات في هذه السنة. والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته (¬١): هو أمير المؤمنين، المستنجد بالله، أبو المظفر يوسف بن -أمير المؤمنين- المقتفي لأمر الله، أبي عبد الله محمد بن -أمير المؤمنين- المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن -أمير المؤمنين- المقتدي بأمر الله، عبد الله بن -الأمير- ذخيرة الدين ولي العهد، أبي العباس أحمد، القادر بأمر الله بن إسحاق بن المقتدر بالله ابن المعتضد بالله بن -الأمير- أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور أبي جعفر. وأمه أم ولد، يقال لها طاوس (¬٢)، وكانت رومية، توفيت في السنة الماضية كما ذكرنا. وكان مولده في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وبويع له بالخلافة [في] (¬٣) صبيحة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة، وكان ولي عهد أبيه من مدة متطاولة. الثاني في صفته: كان أسمر، طويل اللحية، تام القامة. الثالث في سيرته: كان من خيار الخلفاء، وأعدلهم، وأرفقهم بالرعايا، وضع عنهم المكوس والضرائب، ولم يترك بالعراق مكسًا، وكان أمارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر. وقد رأى رسول الله ﷺ في المنام غير مرة؛ وكانت آخرهن قبل أن يلي بأربعة أيام وهو يقول له: قل: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، دعاء القنوت بتمامه.وفي تاريخ بيبرس: وكان حسن السيرة، عادلًا في الرعية، رفيقًا بهم، شديدًا على أهل العبث والفساد والسعاية بالناس، جاهدًا في دفع المضار عنهم، وكفِّ أكُفِّ العدوان الممتدة إليهم، وكان فاضلًا، محبًا للعلم، أديبًا. وله شعر، منه قوله في الشمعة: وَصَفْرَاءُ مِثْلِي في الْقِياسِ وَدَمْعُهَا … سجامٌ علَى الخَدِّيِن مِثل دُمُوعي تَذُوبُ كما في الْحُب ذُبْتُ صَبَابَةً … وتَحْوِي حَشَاهَا ما حَوته ضُلُوعي وفي تاريخ ابن العميد: كان منكرًا للظلم مؤثرًا للعدل، كثير الصدقات مهيبًا مخوفًا، ذا سطوة وعزيمة وبأس شديد. وله شعر جيد. وفي المرآة: (¬١) كان شجاعًا مهيبًا عادلًا، أزال المظالم والمكوس، ذكيًا فطنًا فصيحًا، له واقعات عجيبة. شكى إليه رجل من القاضي فوقَّع (¬٢) على الرقعة إلى القاضي: "تجنب الآثام، وانصف الأنام، وخف سطوات حاكم الحكام". وقبض على إنسان يسعى بالناس، فشفع فيه بعض أصحاب الخليفة، وبذل عشرة آلاف دينار، فقال له الخليفة: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، وأحضر لي إنسانًا مثله يؤذي الناس بالسعايات؛ لأحبسه وأكف شره عن الناس. ومن شعره: عَيَّرتْنِي بالشّيبِ وَهْوَ وَقَارُ … لَيْتَها عيَّرتْ بِمَا هُوَ عَارُ إِنْ تَكُنْ شَابَتْ الذَّوَائِبُ مِنِّى … فَاللَّيالِي [تُزِيْنُها] (¬٣) الأقْمارُ الرابع في وفاته: قال ابن كثير (¬٤): وكان المستنجد قد مرض في أول هذه السنة، ثم عوفي فيما يبدو للناس، وعمل ضيافة عظيمة بسبب ذلك، وفرح الناس بذلك. ثم أدخله الحكيم إلىالحمام وعنده ضعف شديد، فمات في الحمام يوم السبت بعد الظهر ثامن (¬١) ربيع الآخر، ويقال إن ذلك بإشارة بعض أهل الدولة على الطبيب؛ استعجالًا لموته. وفي عيون المعارف (¬٢): أن الأمير يَزْدَن (¬٣) دخل الحمام وداس على بطنه فمات. وفي المرآة (¬٤): وكان مرض، فلما اشتد مرضه اتفق بعض الأمراء الأكابر وأستاداره (¬٥) مع طبيبه أنه يصف له صفة يكون فيها حتفه، فوصف له دخول الحمام، فدخل، وأغلق عليه بابها، فمات، وأظهروا وفاته للناس. وفي المرآة (¬٦) مرض في ربيع الآخر أيامًا، فاحمر الأفق، وما زالت الحمرة على الحيطان، وشعاعها متصل بالسماء حتى مات. وكان قد فوض أمور العساكر إلى قطب الدين قيماز مملوكه، فأظهر الاستبداد بالأمر، وبلغه أن قيماز يجتمع بالأمير أبي محمد الحسن بن المستنجد، المستضيء، وأن بينهما مراسلات، فتغير على قيماز. ومرض المستنجد، وكان وزيره ابن البلدي (¬٧) قد اطلع على الحال، فأخبر المستنجد، فأمره بالقبض عليهما، وخاف قيماز وكان له طبيب يقال له ابن صفية، فخلا به قيماز، فقال: خلصنا منه وإلا قتلتك. فقال: به حمى محرقة، وليس عليه أضر من الحمام، فدخل عليه قيماز وهو في فراشه، فقال: قد وصف لك ابن صفيةالحمام، فقال: لا حاجة لي فيه، وقيماز يقول: لابد لك منه، فحمله كرهًا وهو يقول: بلى ينفعك، فأدخله الحمام وأغلق عليه الباب، وقطع عنه الماء البارد، فمات يوم السبت ثامن ربيع الآخر ودفن بالدار. وفي تاريخ المؤيد (¬١): ولما مرض واشتد مرضه، كان قد خاف منه أستاداره عضد [الدين] (¬٢) أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا مع الطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه فأدخلوه، وغلقوا عليه الباب، فمات. الخامس في أشياء تتعلق به: ولما مات المستنجد كان عمره ثمانيًا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا. قاله في تاريخ ابن كثير (¬٣). وفي تاريخ بيبرس: وكان عمره ستًا وخمسين سنة، وخلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا وسبعة أيام. وفي المرآة (¬٤): وقد بلغ من العمر [ثمانيًا] (¬٥) وأربعين سنة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا، وعمل العزاء ثمانية أيام. وقال ابن الجوزي (¬٦): وتكلمت فيه وخلع على. وقال: وحضرت الصلاة عليه يوم الأحد قبل الظهر في التاج (¬٧)، ودفن في الدار، أعني دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب بالرصافة.وفي تاريخ ابن العميد (¬١): مدة خلافته إحدى عشرة سنة وسبعة وعشرون يومًا، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الخميس، لتتمة خمسمائة وخمس وستين سنة وثمانية وثمانين يومًا للهجرة، ولتمام ستة آلاف سنة وستمائة و [اثنتين] (¬٢) وستين سنة، ومائة وأربعة أيام للعالم شمسية.
  • full passagepage 49, entry [17]32,806 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو طاهر البرقي الواعظ؛ تعلم الوعظ من أبي الحسن الزَّاغوني -شيخ ابن الجوزي- وسمع الحديث، وكان يعظ، توفي في محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة أحمد ﵀.النفيس بن صَعْوَة (¬١)؛ قرأ القرآن، وناظر، ووعظ، ومات في شبابه يوم الثلاثاء التاسع من شوال منها. ودفن عند أحمد ﵀. أبو نصر بن المست
    ▸ expand full passage (32,806 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو طاهر البرقي الواعظ؛ تعلم الوعظ من أبي الحسن الزَّاغوني -شيخ ابن الجوزي- وسمع الحديث، وكان يعظ، توفي في محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة أحمد ﵀.النفيس بن صَعْوَة (¬١)؛ قرأ القرآن، وناظر، ووعظ، ومات في شبابه يوم الثلاثاء التاسع من شوال منها. ودفن عند أحمد ﵀. أبو نصر بن المستظهر (¬٢)؛ عم المستنجد، مات في هذه السنة، وكان يذكر عنه الخير، وحمل إلى التُرَبِ، ودفن بها، ولم يبق من أولاد المستظهر غيره، وكان المستنجد تزوج بابنته. طاهر بن محمد بن طاهر أبو زرعة؛ المقدسي (¬٣) الأصل، الرازي المولد، الهمداني الدار، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وأسمعه والده الحافظ محمد بن طاهر الكثير، ومما كان يَرويه مسند الشافعي، وتوفي بهمدان، يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، وقد قارب التسعين. أبو الحجاج يوسف بن محمد، المعروف بابن الخلال (¬٤)؛ الملقب الموفق، صاحب ديوان الإنشاء بمصر، في دولة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد (¬٥) العُبيدي، ومَنْ بعده. وقال العماد في الخريدة (¬٦): هو ناظر [ديوان] (¬٧) مصر، وإنسان ناظره، وجامع مفاخره، وكان إليه الإنشاء، وله قوة على الترسل، يكتب كما يشاء، عاش كثيرًا، وعُطِّل في آخر عمره، وأضرّ، ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر، وتوفي بعد مُلك (¬٨) الملك الناصر صلاح الدين يوسف مصر بثلاث أو أربع سنين.وقال ابن خلكان: إن القاضي الفاضل (¬١) كان يرعي له حق الصحبة والتعلم، وكان يُجرى عليه ما يحتاج إليه إلى أن مات في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة من سنة ست وستين وخمسمائة. ومن شعره: يَا أَخَا الغِرَّةِ حَسْبُ الدَّهرِ مِنْ … عِظَةِ المَغْرُور مَا أَصْبَحَ يُبْدِي تُوْثِرُ الدُّنْيَا فَهَلْ نلْتَ بِهَا … لَحْظَةً تَخْلُصُ مِنْ هَمٍّ وَكَدِّ!! (¬٢) وذكر ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد، المعروف بابن الأثير الجزري (¬٣) في أول كتابه المسمى بـ"الوَشْي المرقوم في حل المنظوم" (¬٤) قال: حدثني عبد الرحيم بن على البيساني (¬٥) بمدينة دمشق، في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، قال: كان فن (¬٦) الكتابة بمصر "في زمن بني عبيد" (¬٧) غضًا طريا، ولا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكانًا وبيانا، ويقيم [لسلطانه بقلمه] (¬٨) سلطانا. وكان من العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد، وحصَّل شيئًا من علم الأدب، أحضره إلى ديوان المكاتبات؛ ليتعلم فن الكتابة، ويتدرب، ويري، ويسمع. قال: فأرسلني والدى -وكان إذ ذاك قاضيًا بثغر عسقلان- إلى الديار المصرية في أيام الحافظ -وهو أحد خلفائها- وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجلٌ يقال له: ابن الخلال. فلما حضرت الديوان، ومثلت بين يديه، وعرفته من أنا، وما طلبي، رَحّبَ بي وسهَّل،ثم قال: ما أعددت لفن الكتابة من الآلات؟ فقلت: ليس عندي شيء "سوى" (¬١) إنني أحفظ القرآن العزيز وكتاب "الحماسة" (¬٢)، فقال: في هذا بلاغ، ثم أمرني بملازمته. فلما ترددت إليه، وتدربت بين يديه، أمرني بعد ذلك أن أحُل شعر الحماسة، فحللته من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحُله مرة ثانية فحللته.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء (¬١) بأمر الله، والخليفة في (¬٢) مصر العاضد، والوزير بها الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ولكنه في الحقيقة سلطانها، وليس لأحد معه كلام، لا من أمرائها، ولا من أعيانها، والعاضد تحت حكمه وقهره، ومع هذا قطعت الخطبة باسمه، وخطب باسم المستضيء الخليفة. وعقيب ذلك مات العاضد، والكلام فيه مفصل على أنواع: الأول: في قطع خطبته: قُطعت خطبته من ديار مصر في محرم هذه السنة، وسبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت ملكه في البلاد، وأمن السودان والأجناد، وضعف أمر العاضد، وصار قراقوش (¬٣) حاكما في قصره، كتب نور الدين إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه، وقطع خطبته، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، وكان المستضيء قد راسله في ذلك. ولما وصل رسول الخليفة إلى نور الدين بذلك، سير نور الدين كتاب الخليفة، وكتابه إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأهله، والخطبة للإمام المستضيء. فجمع صلاح الدين الأمراء، وشاورهم في ذلك، فمنهم من خوفه، ومنهم من هون عليه، فحضر الفقيه أبو يحيى بن اليسع الجامع يوم الجمعة سابع المحرم، وصعد المنبر قبل طلوع الخطيب، ودعا للإمام المستضيء، فلم ينكر أحد عليه. فلما كانت الجمعة الثانية، أمر صلاح الدين جميع الخطباء أن يخطبوا للمستضيء.وفي تاريخ الدولتين (¬١): استفتح صلاح الدين سنة سبع وستين وخمسمائة بإقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس، وفي الجمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة، وانقطع ذكر خلفاء مصر (¬٢) منها. وقال فيه أيضا (¬٣): إن صلاح الدين لما تمكن في الديار المصرية، وضعف أمر العاضد، كتب إليه نور الدين؛ يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية. فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى العلويين. فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزامًا لا فسحة فيه. واتفق أن العاضد مرض، واستشار صلاح الدين الأمراء، فاختلفوا فيه كما ذكرنا، وكان قد دخل في مصر إنسان أعجمي، يعرف بالأمير العالم. قال ابن الأثير (¬٤): وقد رأيناه بالموصل كثيرًا، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام، قال: أنا أبتدئ بها، فلما كان أول جمعة من المحرم، صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد عليه ذلك. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: إن سَلِمَ فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن نغَّصَ عليه هذه الأيام التي قد بقيت من أجله، فتوفي يوم عاشوراء، ولم يعلم بذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ولما انتهى الخبر إلى نور الدين بالشام، أرسل إلى الخليفة ببغداد يعلمه بذلك مع شهاب الدين أبي المعالي بن أبي عصرون، فزينت بغداد، وغلقت الأسواق، وعملت القباب، وفرح المسلمون فرحًا شديدًا.وكانت الخطبة لبني العباس قد قُطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع (¬١) العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز (¬٢) الفاطمي، باني القاهرة، إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين. وقال ابن الجوزي (¬٣): ووصل يوم السبت ثاني عشرين المحرم ابن أبي عصرون، رسولًا يبشر بأن الخليفة خطب له بمصر، وضُربت السَّكَّةُ باسمه، وخُلع على الرسول، وانكمدت الروافض (¬٤). وقد صنفتُ في هذا كتابا سميته "النصر، على مصر" (¬٥)، وعرضته على الإمام المستضيء بأمر الله، أمير المؤمنين. وقال العماد (¬٦): شيع نور الدين شهاب الدين أبا المعالي المطهر، ابن الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون بهذه البشارة، وأمرني بإنشاء بشارة عليه، تقرأ في سائر بلاد الإسلام، وبشارة خاصة للديوان العزيز بحضرة الإمام في مدينة السلام (¬٧). قال (¬٨): ونظمت قصيدة مشتملة على الخطبة بمصر أولها: قَدْ خَطَبْنَا لِلْمسْتَضِىِ بِمِصْرٍ … نَائِبُ الْمُصْطَفَى إِمَامُ الْعَصْرِ وَخَذَلْنَا لِنَصْرِه (¬٩) العَضُدَ العا … ضِدَ والقَاصِرَ الَّذِي بِالْقَصْرِ وأراد بالعضد وزير بغداد، عضد الدين بن رئيس الرؤساء.وقال العماد في الخريدة: قصدت بالعضد والعاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته. ثم قال: وَأَشَعْنَا بِهَا شِعَار بَنِي الْعَبْـ … ـبَاس فاسْتبشرت وُجُوه النَّصْرِ وَتَرَكْنَا [الدَّعِيَّ] (¬١) يَدْعُو ثُبُورًا … وَهُوَ بالذُّلِّ تّحْتَ حَجْرٍ وحَصْرِ وتباهت منابر الدين بالخط … ـبة [للهاشمي] (¬٢) في أرض مصر ولدينا تضَاعفَتْ نِعَمُ اللـ … ـه، وجَلَّت عَنْ كُلِّ عَدِّ وَحَصْرِ وهي قصيدة طويلة (¬٣): قال العماد (¬٤): ووصل من دار الخلافة في جواب هذه البشارة عماد الدين صندل، وهو من أكابر الخدم المقتفوي (¬٥)، ومعه التشريف لنور الدين، والكتاب من الخليفة. وناول نور الدين الكتاب للعماد؛ ليقرأه، فتناوله منه الموفق بن القيسراني (¬٦)، وكان عنده في مقام الوزير، فقرأه. وذكر في "عِبرة أولي الأبصار" أن الخليفة سّيَّر إلى نور الدين الخلع ومعها سيفان؛ إشارة إلى تقليد مصر والشام، وسير معها طوقًا زنته ألف دينار، وبعث أيضًا إلى صلاح الدين تشريفًا أقل من تشريف نور الدين، فلبس صلاح الدين ذلك التشريف، فركب به في الديار المصرية، وهي أول أهبة عباسية دخلت الديار المصرية بعد استيلاء بني عُبيد عليها. وأما نور الدين؛ فكذلك لما لبس التشريف خرج إلى ظاهر دمشق حتى انتهى إلى الميدان الأخضر، ثم عاد.الثاني في كتاب صلاح الدين إلى الخليفة المستضيء بخط القاضي الفاضل؛ يهنئه بفتح مصر: أوله (¬١): ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (¬٢) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، وصلواته التي تنزل بها الروح الأمين، وتشبعها الملائكة بالتأمين، على مولى الأمة ومولى النعمة، ووالي الأمر المصون بقاؤه في عقبه، وولي الله الذي لا خوف عليه، ولا خوف به الخليفة على الخليقة (¬٣)، والإمام الذي يحمي من دون الله الحقيقة على الحقيقة، ووارث السقايتين زمزم والكوثر، والولايتين السرير والمنبر، والدعاءين اليوم وفي المحشر، والشرفين المشعر والمعشر، والطرفين المشهد الأول والمشهد الأكبر، والمقامين مقام إبراهيم ومقام محمد ﷺ أبدًا سرمدًا، والشعارين الأبيض في القلب والأسود في اليد، والخالدين في دار السلام ودار السلامة، والموطنين مقام الإمامة ودار المقامة، والشفاعتين سالفًا في أهل العمام وآنفًا في أهل النار، والسلامين سلام لكم من ألسنة الأبرار ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (¬٤)، على الخليفة ابن الخلائف على رغم من رضى أن يكون مع الخوالف، وابن الأئمة المشهورين في المناظر والمواقف، مولينا ومولانا الإمام المستضيء بالله -أمير المؤمنين- صلوات الله على تلك الأنوار القدسية، يتضوع عن نسيم الأنفاس الفردوسية. والحمد لله الذي وفى الدين دينه المسئول، وأغمد عن أهله سيف الفتنة المسلول، فأورث أمير المؤمنين حقًا كان به ممطولًا، وأطال يده إلى استيفاء طائلة كان دم الحق بها مطلولًا (¬٥)، وكتاب المملوك صادر إلى المقر الشريف الأشرف الأصيل، ومن شرفُهُ لشرف الرسول رسيل، والاسم الشريف المستضيء به قد صدحت منابره وعروشه، وطرزت المدائن والملابس والدنانير والدراهم رقومه (¬٦) ورقوشه (¬٧)، وجهزت إلى بلاد الكفار فيالعام مرة أو مرتين بعوث نصره وجيوشه، والزمن قد وقرته السكينة لا الوجوم، والكواكب قد همت بأن تتساقط إيثار الطرب لا إيثار الرجوم، ونشأة الدعوة المنيعة قد أشبهت ولاية النبوة الشريفة، وقد طالع وزير أمير المؤمنين بتفصيل ما أجمله، وتحصيل ما منعته الجلالة أن يستوفيه ويستكمله، راجيا أن يناله من الملاحظات النبوية ما يجعل له سلطانًا، ويمكن له في قلوب الأعداء والأولياء مكانًا؛ حتى يحفظ على الخلافة من لا يعنيه إلا إياها، وينفذ على الثقلين في الخافقين أوامرها وقضاياها، ويستضيف لها نصرًا إلى نصرٍ، ويستنجز لها ما كتب في الزبور من بعد الذكر، نَوَّه الله باسم أمير المؤمنين في الملأ الأعلى، وطبق بدعوته المعمورة حتى لا يستثنى مكان بإلا، وقلص به عن الأمة ضلالة، ومد عليه ظلًا إن شاء الله تعالى. الثالث: في أمر (¬١) نور الدين بالقبض على العاضد: قد ذكرنا أن نور الدين كتب إلى صلاح الدين، يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه وقطع خطبته، وعزم صلاح الدين على ذلك، واستفتى الفقهاء، فأفتوه بجواز ذلك، لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة، وفساد الاعتقاد، وكثرة الوقوع في الصحابة ﵃، والاستهتار بذلك. وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الشيخ نجم الدين الخبوشاني (¬٢)، فإنه عدد مساويء هؤلاء القوم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام في ذلك. وكان العاضد رأي -في آخر دولته- في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته، فلما استيقظ ارتاع لذلك، فقصَّ على بعض المعبّرين المنام، فقال له: ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد، فأمر والي مصر أن يكشف عمن هو مقيم في المسجد الفلاني، وأنه إذا رأى به أحدًا يحضره عنده. فمضى الوالي إلى المسجد، فرأى فيه رجلا صوفيًا فأخذه ودخل به على العاضد،فلما رآه سأله: من أين هو؟ ومتى قدم البلاد؟ وفي أي شيء قدم؟ وهو يجاوبه عن كل سؤال، فلما ظهر له [منه] (¬١) ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه، أعطاه شيئًا وقال له: يا شيخ ادْعُ لنا، وأطلق سبيله، وعاد إلى مسجده. فلما استفتى صلاح الدين في أمر العاضد والقبض عليه، وأفتاه الفقهاء، كان هذا الصوفي هو المبالغ في فتواه، وهو الشيخ نجم الدين كما ذكرنا، فصحَّت بذلك رؤيا العاضد (¬٢). الرابع في وفاة العاضد: قال بيبرس: جلس الخليفة في قصرة بعد الإرجاف بقطع خطبته، فظهر عليه ضعف القوى، وتخاذل الأعضاء، وأثر الحمى. ولما اشتد مرضه، تخاذل عنه حتى طبيبه الذي يعوده، وانقطع عن عيادته (¬٣). وما أحسن قول الشاعر: جَرَّبْتُ فِي شِدَّتِى أَنْ لَا صَدِيق لِمَنْ … أضْحَى كعصْفٍ عليه الدهرُ قد عصفا خُلْقُ الصَّدِيقِ لِخُلْقِ الدَّهْر مُتَّبعٌ … فإن صفا (¬٤) لك صَافَى أو جفاك جَفَا ثم توفي يوم عاشوراء من هذه السنة، فلم يكن بين قطع خطبته ووفاته إلا أيام يسيرة. وقال القاضي الفاضل: كان (¬٥) بين وضع اسمه من على أعواد المنابر ووضع جثته على أعواد النعش ثلاثة أيام. فأقام له صلاح الدين الجنازة، وواصل العزاء به شهرًا كاملًا. وفي المرآة (¬٦): واختلفوا في سبب وفاته على أقوال؛ أحدها: أنه تفكر في أموره فرآها في إدبار، فأصابه ذرب (¬٧) عظيم، فمات منه.والثاني: أنه لما خطب لبني العباس بلغه، فاغتم، فمات. وقيل: إن أهله أخفوا عنه ذلك على ما ذكرناه. والثالث: أنه لما أيقن بزوال دولته، كان في يده خاتم له فص مسموم، فمصه فمات. وجلس صلاح الدين في عزائه، ومشي بين يدي جنازته، وتولى غسله وتكفينه ودفنه عند أهله. وقال ابن الأثير (¬١): ولما اشتد مرض العاضد أرسل يستدعى صلاح الدين، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم على تخلفه عنه. وكان صلاح الدين يقول: لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعت خطبته إلى أن يموت. وقال ابن خلكان (¬٢) قيل: إنه حصل له غيظ من شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين، فسمّ نفسه فمات، والله أعلم. قال العماد (¬٣): ولما وصل الخبر بموت العاضد، في ليلة عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة، بعد الخطبة بمصر للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، عملتُ هذه الأبيات. فذكر قصيدة منها: تُوُفِّىَ العَاضِدُ الدَّعِيُّ، فَمَا … يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا وَعَصْرُ فِرْعَوْنِها انْقَضَى، وَغَدا … يُوسُفُها فِي الأُمُورِ مُحْتكِمَا وَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الْغُوَاةِ، وَقَدْ … بَاحَ مِنَ الشِّرْكِ كُلَّ مَا اضْطَرَمَا وصَارَ شَمْلُ الصَّلاحِ مُلْتَئِمًا … بِهَا، وَعَقْدُ السَّدَادِ مُنْتَظِمَا لَمَّا غَدَا مُعْلِنًا شِعَارَ بَنِي الْـ … ـعَبّاسِ حَقًا، وَالْبَاطِلَ اكْتَتَمَا وَبَاتَ دَاعِىَ التَّوحِيدِ مُنْتَصِرًا … وَمِنْ دُعَاةِ الإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلال في ظُلَلٍ … دَاجِيَةٍ مِنْ غَيَابَةٍ وَعَمَى (¬٤)الخامس في سيرته: كان شيعيًا خبيثًا، لو أمكنه قَتَلَ كل من قدر عليه من أهل السنة، وكان كريمًا جوادًا ممدحًا. وقال ابن خلكان: كان العاضد شديد التشيع، متغاليًا (¬١) في سب الصحابة ﵃، وإذا رأى سُنِّيًا استحل دمه، وسار وزيره (¬٢) الصالح بن رزيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع سعرها، وقتل أمراء الدولة خشية منهم، وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل مقاتلتها، وأفني ذوي الآراء والحزم منها. وفي تاريخ ابن العميد: وكان مذهبهم مذهب أهل التناسخ (¬٣)، واعتقاد الجزء الإلهي في أشياخهم. وقد ذكرنا أن الحاكم (¬٤) قال لداعيه: كم في جريدتك؟ قال: ستة عشر ألفا، يعتقدون أنك إله. وقال فيه بعض الشعراء: مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءتْ الأقْدَارُ … فَاحْكُمْ فَأنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وهذا كفر محض، وليس مثله إلا قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (¬٥)، وقال بعض شعرائهم بذكر ظهور مهديهم فيما يزعمون برقادة (¬٦) من عمل القيروان: حَلَّ بِرُقَّادَةَ الْمَسِيحِ … "و" (¬٧) حَلَّ بِهَا آَدَمٌ وَنُوحُ حَلَّ بِهَا اللَّهُ في عُلَاهُ … وَمَا سِوَى اللهِ فَهْوَ رِيحُوهذا أعظم من اعتقاد النصارى في المسيح؛ لأنهم يزعمون أن فيض الإله حل على المسيح، وهؤلاء يعتقدون حلول الباريء تعالى في جسد آدم ونوح وسائر الأنبياء وجميع خلفائهم وأئمتهم، نعوذ بالله من ذلك، وتعالى الله عن ذلك. السادس في ترجمته: هو أبو محمد عبد الله، الملقب العاضد بن يوسف، ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون، عبد المجيد بن أبي القاسم محمد -ولم يل الخلافة (¬١) - ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي. آخر ملوك مصر من العبيديين. والعاضد في اللغة القاطع (¬٢)، ومنه الحديث: "لا يعضد شجرها" (¬٣). وبه قطعت دولتهم وعُضِدَت. ولى المملكة بعد عمه الفائز، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس (¬٤) بعد الظافر. واستقر الأمر للعاضد اسمًا، وللصالح طلائع بن رزيك جسمًا، وكان مولده في سنة ست وأربعين وخمسمائة، فعاش إحدى وعشرين سنة. وفي المرآة (¬٥): توفي يوم عاشوراء وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكانت أيامه إحدى (¬٦) عشرة سنة وشهورًا، وكان العاضد مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة (¬٧). وبويع له فيرجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة (¬١). ولم يل أبوه الخلافة، وأمه أم ولد، يقال لها ست المُنى. وكانت الخطبة لبني العباس قد قطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز الفاطمي -باني القاهرة-[و] (¬٢) إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين. وقال النويري (¬٣) في تاريخه: وجميع من خطب [له من الفاطميين] (¬٤) بالخلافة أربعة عشر خليفة، بمصر أحد عشر خليفة، وبالمغرب ثلاثة -عدد خلفاء بني أمية (¬٥) - وهم: المهدي، والقائم والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد (¬٦). وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة (¬٧) في ذي الحجة من سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة -أعني سنة سبع وستين (¬٨) وخمسمائة- مائتان واثنان وسبعون سنة. وقال ابن كثير (¬٩): كان أول من ملك منهم المهدي، وكان من أهل سلمية (¬١٠) حداد اسمه سعيد، وكان يهوديًا، فدخل بلاد المغرب، وتسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال: إنه المهدي. وقد ذكر هذا غير واحد من سادات العلماء الكبراء؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والشيخ أبي حامد الإسفراييني، كما ذكرنا ذلك مفصلًا. والمقصود أن هذا الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جهلة من العباد،وصارت له دولة وصولة وجولة، فتمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية (¬١)، نسبة إليه. وصار ملكًا مطاعًا أظهر الرفض وانطوى على الكفر المحض، ثم كان من بعده أولاده (¬٢) كما ذكرنا. وقد كانوا من أنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العباد، وكثر بأرض الشام النصيرية (¬٣) والدرزية (¬٤) والحشيشية (¬٥). وتغلب الإفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس الشريف، ونابلس، والغور، وبلاد غزة، وعسقلان، والكرك، والشوبك، وطبرية، وبانياس، وصُور، وعثليث (¬٦)، وصيدا، وبيروت، وعكا، وصفد، وطرابلس، وأنطاكية، وجميع ما والى ذلك إلى بلاد إياس وسيس. واستحوذوا على بلاد آمد والرها [ورأس العين] (¬٧) وبلاد شتى، وقتلوا خلقًا لا يعلمهم إلا الله، وسبوا من الذراري المسلمين من النساء والولدان ما لا يحد ولا يوصف (¬٨). وفي أيام العاضد وصل (¬٩) أسطول الفرنج إلى الإسكندرية، وكان معهم من الخيل ألف وخمسمائة فرس، وفي الأسطول ثلاثون ألف مقاتل في مائتي شين، ومعهم آلات الحرب والحصار، ومعهم أربعون مركبًا أخرى تحمل الأزواد، وفيها من الرجال والغلمان تتمة خمسين ألف رجل، وكشفوا المسلمين عن البر، وطلعوا فضربوا خيامهم، وكانتثلاثمائة خيمة، وحاصروا الإسكندرية أيامًا. ففتح المسلمون أبواب المدينة بالليل، وكبسوا الفرنج على غفلة، فأفنوهم قتلًا وأسرًا (¬١)، وغنموا جميع ما أحضروه، وغنموا بعض المراكب، وأقلعوا بعض المراكب الباقية. وحين زالت أيام الفاطميين أعاد الله هذه البلاد إلى أهلها من السادة المسلمين. وقد قال حسان (¬٢) الشاعر المدعو عرقلة: أَصْبَحَ الْمُلْكُ بَعْدَ آَلِ عَلِىٍّ … مُشْرِقًا بِالْمُلُوكِ مِنْ آلِ شَاذِي وَغَدا الشَّرْقُ يَحْسُدُ الْغَرْبَ لِلْقَوْ … م وَمِصْرُ تَزْهُو عَلَى بَغْدَاذِ مَا حَوَوْها (¬٣) إِلَّا بِعَزْمٍ وَحَزْمٍ (¬٤) … وَصَلِيلِ الفُؤادِ مِنْ فُولَاذِ (¬٥) [لا] (¬٦) كَفِرْعَوْنَ وَالْعَزِيزِ وَمَنْ كَا … نَ بِهَا كَالْخَصَيبِ (¬٧) وَالأُسْتَاذِ وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (¬٨): يعني بالأستاذ كافور الإخشيدي. وقوله: آل علىٍّ يعنى الفاطميين على زعمهم؛ لأنهم ما كانوا فاطميين، وإنما كانوا أدعياء. وقال أبو شامة (¬٩): وقد أفردت كتابًا سميَته "كشف ما كان عليه بنو عُبيد من الكفر والكذب والكيد" (¬١٠). وكذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبًا كثيرة. ومن أَجَلِّ ما وضع في ذلك (¬١١): كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني الذي سماه كتاب "كشف الأسرار وهتك الأستار".وما أحسن ما قال بعض الشعراء في بني أيوب، يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر: أَلَسْتُمْ مُزِيلِى دَوْلَةَ الكُفْرِ مِنْ بَنِي … عُبَيد بِمِصْرَ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ … مَجُوسٌ مَعًا فِي الصَّالِحين لَهُمْ أَصْلُ يُسِرُّون كُفْرًا، يُظْهِرُون تَشَيُّعا … لِيَسْتَتِروا شَيْئًا وَعَمَّهُم الْجَهْلُ السابع في قصيدة يرثيهم بها عمارة اليمني وهي هذه: رَمَيْتَ يَا دَهْرُ كَفَّ الْمَجْدِ بِالشَّلَل … وَجِيدَهُ بَعْدَ "حُسْنِ الحَلْي بِالْعَطَلِ" (¬١) سَعَيْتَ فِي مَنْهَجِ الرَّأَيِ العَثُورِ فَإِنْ … قَدَرْتَ مِنْ عَثَرات "الدَّهرِ فَاسْتَقِل" (¬٢) جَدَعْتَ مارِنَك الأقْنى، [فَأَنْفُكَ] (¬٣) لا … ينْفَكُّ مَا بَيْن نَقْصِ (¬٤) الشَّين والخَجَلِ هَدَمْتَ قَاعِدَةَ الْمَعْرُوفِ عَنْ عَجَلٍ … سُقِيتَ مُهْلًا، أَمَا تَمْشِي عَلَى مَهَلِ لَهْفِي وَلَهْف بَنِي الآمَالِ قَاطِبَةً … عَلَى فَجِيعَتِنَا (¬٥) فِي أَكْرَمِ الدُّوَلِ قَدِمْتُ مِصْرَ فَأَوْلَتْنِي خَلَائِفُهَا … مِنَ الْمَكَارِمِ مَا أَرْبَى عَلَى الأمَلِ قَوْمٌ عَرَفْتُ بِهِمْ كَسْبَ الألُوفِ، وَمِنْ … كَمَالِهَا أَنَّها جَاءَتْ وَلَمْ أَسَلِ وَكُنْتُ مِنْ وُزَرَاءِ الدِّسْتِ حَيْثُ سَمَا … رَأْسُ الْحِصَانِ بِهَادِيه عَلَى الكَفْلِ وَنِلْتُ مِنْ عُظَمَاءِ الْجَيْشِ تَكْرِمَةً … وَخُلَّةً حُرِسَتْ مِنْ عَارِضِ الْخَلَلِ يَا عَاذِلِي فِي هَوَى أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ … لَكَ الْمَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذلِي بِاللَّهِ زُرْ سَاحَة الْقَصْرَيْن، وَابْكِ مَعِى … عَلَيْهِمَا، لا علَى صِفَّين والْجَمَلِ وَقُلْ لأَهْلِهِمَا (¬٦): وَاللّهِ مَا الْتَحَمَتْ … فِيكُمْ جُرُوحِي، وَلَا قَرْحِي بِمُنْدَمِلِ (¬٧)مَاذَا تُرىَ كَانَت الإِفْرِنْجُ فَاعِلَةً … فِي نَسْلِ آَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِي هَلْ كَانَ فِي الأَمْرِ شَيءٌ غَيْرُ قِسْمَةِ مَا … مُلِّكْتُمُ (¬١) بَيْنَ حُكْمِ السَّبْيِ والنَّفَل وَقَدْ حَصَلْتُم عَلَيْهَا وَاسْمُ جَدّكم … مُحَمَّدٍ، [وأبوكم] (¬٢)، خَيرُ مُنْتَعِلِ (¬٣) مررتُ بالقصرِ والأركانُ خاليةٌ … من "الأنيسِ" (¬٤) وكانتْ قِبلَةَ القِبَل فمِلتُ عنها بوجْهِي (¬٥) خوفَ مُنْتَقِدٍ … مِنَ الأَعادِي ووجْهُ الودِّ لم يَمِلِ أسْبَلتُ مِن أسَفٍ (¬٦) دمْعي غداةَ خلتْ … رحابُكم وغَدَتْ مَهْجورةَ السُّبُلِ أبكي على [مأثراتٍ] (¬٧) مِن مَكارِمِكُم … حَالَ الزمانُ عليها وهي لم تَحُلِ دَارُ الضيافة كانت أُنْسَ وافِدِكم … واليومَ أَوْحَشُ من رسْمٍ ومنْ طَللِ وفطرةُ الصَّومِ إنْ أصْغَتْ (¬٨) مَكَارمُكم … [تَشكُو] (¬٩) من الدهرِ حَيفًا غيرَ مُحْتَملِ وكُسْوةُ النّاسِ في الفصْلين قد دَرَسَت … ورث فيها جديدٌ عندكم (¬١٠) وَبَلى وموسِمٌ كان في كَسْرِ الخليج (¬١١) لكُم … يأتي تَجَمُّلكم فيه على الجُمَلِ وأولُ العامِ و [العِيدان] (¬١٢) [كان] (¬١٣) لكم … فيهن من وَبْلِ جُودٍ ليس بالْوَشَلِ والأرضُ تهتزُّ في "عيد الغدير" (¬١٤) كما (¬١٥) … يَهْتَزُّ ما بَيْن قصْرَيْكم من الأَسَلِ والخيلُ تُعْرضُ "في" وشْيٍ وفي (¬١٦) شِية … مثلُ العرائِس في حَلْى وفي حُلَلِوما (¬١) حَمَلْتُم (¬٢) قِرى الأضْيافِ مِن سِعَة الْـ … أطْباقِ إلَّا علَى الأعناقِ (¬٣) والعَجَلِ وما خَصَصْتم ببِرٍّ أهلَ مِلّتِكُم … حتى عَمَمْتُم به الأقْصى مِن المِلَلِ كانت رَوَاتِبُكُم لِلذمتينِ (¬٤) وللضَّـ … ـيفِ المقِيم وللطَّارِي من الرُّسُلِ وللجوامعِ (¬٥) مِنْ أحَباسِكُم نِعَمٌ … لمنْ تَصَدَّرَ في عِلْمٍ وفي عَمَلِ ورُبَّما عادَت الدُّنْيا لِمَعْقِلِها (¬٦) … مِنكُم، وأضحَتْ بكُم محلُولة الْعُقَلِ (¬٧) والله لا فازَ يومَ الحشْر ظالِمُكُم (¬٨) … ولا [نَجا] (¬٩) من عذابِ النارِ غيرُ وَليِ ولا (¬١٠) رَأى جَنّةَ "الخُلدِ" التي "وُعِدَتْ" … مَنْ خَانَ عهدَ الإمَامِ العَاضِد بن علي ولا سُقِي الماءُ مِن "حَرٍّ" (¬١١) ومنْ ظمإٍ … مِن كفِّ خير البَرايا خَاتَمِ الرُّسُلِ أئمتي وهُدَاتي والذخيرةُ لي … إذا ارْتَهنْتُ بمَا قَدّمْتُ مِن [عَمَلِ] (¬١٢) "بِاللهِ" (¬١٣) لم أُوفِهِمْ في المدْحِ حَقَّهُمُ … لأنَّ فَضْلَهُمُ كالوابِلِ الهَطِلِ وإنْ (¬١٤) تَضَاعَفَت الأقْوالُ واسْتَبَقَتْ … ما كنتُ فيهِم بحمدِ الله بالْخَجِلِ بابُ النجاةِ فَهُمْ دُنيا وآخرةً … وحُبُّهم فهو أصلُ الدِّين والعَملِنُورُ الهُدَى ومَصَابيحُ الدُّجَي ومَحَـ … ـلُّ الغَيْثِ إن وَنَت الأنواءُ في المحَلِ أئمةٌ خُلِقُوا نورًا فنورهم … مِنْ نور خَالصِ نُورِ اللَّهِ لَمْ يَفلِ (¬١) واللهِ لا زُلْتُ عن حُبِّي لهُم أبدًا … ما أخَّرَ اللهُ لي في مُدةِ الأَجَلِ (¬٢) الثامن فيما جرى بعد موته. قال ابن كثير (¬٣) ﵀: لما مات العاضد استحوذ الملك الناصر صلاح الدين يوسف على القصر بما فيه، وأخرج منه أهل العاضد إلى دار أفردها لهم، وأجرى عليهم الأرزاق والنفقات الهنيئة؛ عوضًا عما فاتهم من الخلافة (¬٤). واستعرض حواصل القصرين، فوجد فيهما من الحواصل والأمتعة والآلات والثياب والملابس شيئًا كثيرًا باهرًا، وأمرًا هائلًا، فمن ذلك: سبعمائة يتيمة من الجوهر، وقضيب زمرد (¬٥) طوله أكثر من شبر وسُمْكُهُ نحو الإبهام، وحبل من ياقوت، وَوُجِدَ فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، وطبل للقولنج (¬٦). فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده، ولم يدر ما شأنه، فلما ضرب عليه حبق (¬٧) فألقاه من يده فكسره فبطل أمره، وأما القضيب الزمرد فإن السلطان كسره ثلاث فلق، فقسَّمه بين نسائه، وقسَّم بين الأمراء شيئًا كثيرًا من قطع البلخش (¬٨) والياقوت والذهب والأثاث وغير ذلك. واستمر البيع فيما كان هنالك من الأثاث والأمتعة نحوًا من عشر سنين، وأرسل إلى الخليفة ببغداد هداياعظيمة سنية، وكذلك إلى الملك العادل نور الدين، أرسل إليه جانبًا كبيرًا صالحا، وكان مما أرسله لنور الدين ثلاث قطع بلخش، زنة الواحدة أحد وثلاثون مثقالًا، والأخرى ثمانية عشر مثقالًا، والثالثة "دونهما" (¬١)، مع لآلئ كثيرة، وستين (¬٢) ألف دينار، وعطر لم يسمع بمثله (¬٣)، ووجد في القصر أيضا خزانة كتب ليس في دار الإسلام مثلها، تشتمل على نحو ألفي ألف مجلد (¬٤). ومن عجائب ذلك أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري. وقال العماد الكاتب (¬٥): كانت الكتب قريبًا من مائة وعشرين ألف مجلد، وقد تسلمها القاضي الفاضل، وأخذ منها شيئًا كثيرًا مما اختاره وانتخبه (¬٦). قال (¬٧): وقَسَّم القصر الشمالي بين الأمراء، فسكنوه، وأسكن أباه نجم الدين في قصر عظيم على الخليج، الذي يقال له اللؤلؤة (¬٨)، الذي فيه بستان الكافورى، وسكن أكثر الأمراء في دور من كان ينتمي إلى الفاطميين، ولا يلقى أحد من الأتراك أحدًا من أولئك الذين كانوا بها أكابر إلا شلحوه ثيابه، ونهبوا داره حتى تمزق كثيرًا منهم في البلاد، وتفرقوا شذر مذر، وصاروا أيادي سبأ. وقال ابن أبي طىّ: ولم يوجد في القصر من المال كثير؛ لأن [شاور] (¬٩) قد ضيعه في إعطائه الفرنج في المرات العديدة، ووجد فيه ذخائر جليلة من ملابس وفرش وخيول وخيام وكتب وجوهر، ووجد فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، فأنفذه السلطان إلىبغداد. وجعل السلطان أهل العاضد في موضع خارج القصر، وجعل أمرهم إلى قراقوش الخادم، وفرق بين النساء والرجال؛ ليكون ذلك أسرع إلى انقراضهم، واستعرض مَنْ بالقصر مِنَ الجواري والعبيد، والعدة والعديد، والطريف والتليد، فأطلق من كان منهم حرًا، وأعتق من رأى إعتاقه، ووهب من أراد هبته، وفرق على الأمراء والأصحاب من نفائس القصر وذخائره شيئًا كثيرًا، وحصل هو على اليتيمات وقطع البلخش والياقوت وقضيب الزمرد، وأطلق البيع بعد ذلك في كل جديد وعتيق، فأقام البيع في القصر مدة عشر سنين. قال (¬١): ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا. ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر. ويقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة. وانقضت تلك الدولة برمتها، وذهبت تلك الأيام بجملتها بعد أن كانوا قد احتووا على البلاد، واستخدموا العباد مائتين وثمانين سنة وكسورًا. [قال] (¬٢): وحكى أن الشريف الجليس (¬٣) وهو رجل كان قريبًا من العاضد، يجلس معه ويحدثه، عمل دعوة لشمس الدولة بن أيوب، أخى السلطان، بعد القبض على القصور (¬٤) وأخذ ما فيها، وانقراض دولتهم. وغرم هذا الشريف على هذه الدعوة مالًا كثيرًا، وأحضرها أيضا جماعة من أكابر الأمراء، فلما جلسوا على الطعام، قال شمس الدولة لهذا الشريف: حدثني بأعجب ما شاهدته من أمر القوم. قال نعم؛ "طلبنى العاضد يوما وجماعة من الندماء، فلما دخلناعليه وجدنا عنده مملوكين من الترك، عليهما أقبية (¬١) مثل أقبيتكم، وقلانس (¬٢) مثل قلانسكم، وفي أوساطهم مناطق (¬٣) كمناطقكم. فقلنا له: يا أمير المؤمنين ما هذا الزي الذي ما رأيناه قط؟ قال: هذه هيئة الذين يملكون ديارنا، ويأخذون أموالنا وذخائرنا. وفي تاريخ الدولتين (¬٤): أخبرني أبو الفتوح [بن العاضد] (¬٥) أن السلطان جعل أهل العاضد في دار برجوان (¬٦)، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، كان عيشهم فيها طيبًا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها. التاسع: في ذكر كتاب (¬٧) كتبه القاضي الفاضل عن صلاح الدين، إلى وزير بغداد، على يد الخطيب شمس الدين [بن] (¬٨) أبي المضاء. "كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم الجهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة (¬٩) موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع. وقد توالت الفتوح غربا ويمنا وشامًا، وصارت البلاد بل الدنيا، والشهر بل الدهر، حرمًا حرامًا، وأضحى الدين واحدًا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها [إلا] (¬١٠) صُمًّا وعُميانا؛ والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة؛ ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسمَّوا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا، وكذَّبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رءوسهم نثر الأقلام للحروف، ومزقوا كل ممزق، وأخذوا منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ آيبهم غابرهم، ورغمتأنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ (¬١) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن سير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبىّ. أن من شد عقد خلافة وحلّ عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يُشكر ما نصح، ويقلَّد ما فتح، ويبلَّغ ما اقترح، ويقدّم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات الجليلة اللطيفة، وتلبي دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل عروته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحجب المعترضه، وترسل إليه السحب المروضة. فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها. وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النّجعة (¬٢) من سحابها، ووعد آماله الواثقة بجواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته وتنجيز تشريفاته خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود درجة المنبر، وقام بالأمر قيام من بَرَّ، واستفتح بلباس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السَّواد الأعظم، أملًا (¬٣) أنه يعود إليه بما يطوى الرجاء فضل عقبه، ويخلد الشرف في عقبه". العاشر: فيما ذكر جماعة من أكابر العلماء في حق الفاطميين المذكورين: قالوا (¬٤): إنهم لم يكونوا لذلك أهلًا، ولا نسبهم صحيحًا، بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد هذا من نسل القدَّاح الملحد المجوسي. وقِيل كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سَلَمْيه من بلاد الشام، وكان حدادًا، وعبيد هذا كان اسمه سعيدًا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وزعم أنه علوي فاطمي، وادعي نسبًا ليس بصحيح، لم يذكره أحد من مصنفى الأنساب العلوية، بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب خلافه.وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى (¬١). وقد صنف الشريف الهاشمي (¬٢) كتابًا كبيرًا، كان في أيام الملقب بالعزيز -ثاني خلفاء مصر- فبين فيه أصولهم أتم بيان، وأوضح كيفية ظهورهم وغلبتهم على البلاد، وتتبع ذكر فضائحهم، وما كان يصدر منهم من أنواع الزندقة والفسق والمخرقة، وما فعله هؤلاء من الانتساب إلى على ﵁، والتستر بالتشيع قد فعله القرامطة (¬٣)، وصاحب الزنج (¬٤) الخارج بالبصرة، وغيرهم من المفسدين في الأرض، على ما عَرَف مِنْ سيرهم مَنْ وقَف على أخبار الناس. وكلهم كَذَبَةٌ في ذلك، وإنما غرضهم التقرب إلى العوام والجهال. وذكر القاضي عبد الجبار (¬٥) أن الملقب بالمهدي -عليه ما يستحق- كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل؛ وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى ملك الروم، وسلطهم على المسلمين، وأكثر من الجود واستصفاء الأموال، وقتل الرجال. وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم، فيقولون لبعضهم: "هو المهدي ابن رسول الله ﷺ، وحجة الله على خلقه". ويقولون لآخرين: "هو رسول الله وحجة الله على خلقه". ويقولون لطائفة أخرى: "هو الله الخالق الرازق". ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم (¬٦) مقامه، وزاد شره على شر أبيه أضعافًا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية وغيرها: "العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى". وبعث إلى أبي طاهر القرمطي (¬٧)، المقيم بالبحرين، وحثه على قتل المسلمين، وإحراق المساجد والمصاحف.وقام بعده ابنه المنصور (¬١)، فقتل أبا يزيد مخلد (¬٢)، الذي خرج على أبيه؛ ينكر عليه قبيح فعله، وسلخه وصلبه، واشتغل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم؛ خوفًا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد. وقام بعده ابنه المعز (¬٣)، فبث دعاته، فكانوا يقولون: "هو المهدي الذي يملك [الأرض] (¬٤)، وهو الشمس التي تطلع من مغربها". وكان يسره ما ينزل بالمسلمين من المصائب، من أخذ الروم بلادهم. واحتجب عن الناس أيامًا، ثم ظهر، وأوهم أن الله رفعه إليه، وأنه كان غائبًا في السماء، وأخبر الناس بأشياء صدرت منهم، كان ينقلها إليه جواسيس له، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه. وهو أول الخلفاء منهم بمصر، وهو الذي تنسب إليه القاهرة، واستدعي بفقيه الشام أبي بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي، فحمل إليه في قفص خشب، فأمر بسلخه، فسلخ حيًا، وحشى جلده تبنًا، وصلب ﵀. قال أبو ذر الهروي (¬٥): سمعت أبا الحسن الدارقطني (¬٦) يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (¬٧). وقال صاحب تاريخ الدولتين (¬٨): وفي أيام الحاكم أمر بكتْب سب الصحابة ﵃ على حيطان الجوامع، والقياسر، والشوارع والطرقات. وكتب السجلات إلى سائر الأعمال بالسب، ثم [أمر] (¬٩) بقلع ذلك، وأنا رأيته مقلوعًا في بعض أبواب دمشق،في الأسكفة (¬١) العليا منقورًا في الحجر. ودلني أول الكلام وآخره على ذلك، ثم جُدد ذلك الباب، وأزيل ذلك الحجر. وفي أيامه طَوَّفَ بدمشق رجل مغربي، ونودي عليه: "هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر". ثم ضربت عنقه. وجرى في أيامهم مثل هذه الأشياء؛ مثل قطع لسان أبي القاسم الواسطى -أحد الصالحين- وكان أذَّن في بيت المقدس وقال في أذانه: "حي على الفلاح"، فأُخذ، وقطع لسانه، وما كانت ولاية هؤلاء الملاعين إلا محنة من الله تعالى، ولهذا طالت مدتهم، مع قلة عِدتهم، فعدتهم عدة خلفاء بني أمية أربعة عشر، وأولئك بقوا نيفا وتسعين سنة، وهؤلاء بقوا مائتي سنة [وثمانيا] (¬٢) وستين سنة. وحكى ابن المارستاني (¬٣) في سيرة ابن هبيرة الوزير قال: إنه من عجيب ما جرى في أمر المصريين؛ أنه رأى إنسانٌ (¬٤) من أهل بغداد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، كأنَّ قمرين أحدهما أنور من الآخر، والأنور منهما مسامت للقبلة، وله لحية سوداء فيها طول، ويهُبُّ أدنى نسيم فيحركها، وأثر حركتها وظلها في الأرض، وكان الرجل يتعجب من ذلك، وكأنه سمع أصوات جماعة يقرؤون بألحان وأصوات لم يسمع قط مثلها، وكأنه سأل بعض من حضر فقال: ما هذا؟ فقالوا: قد استبدل الناس بإمامهم. قال: وكأن (¬٥) الرجل استقبل القبلة، وهو يدعو الله أن يجعله إمامًا برًا تقيًا. واستيقظ الرجل. وبَلَّغَ هذا المنام ابن هبيرة -الوزير إذ ذاك ببغداد- فعبَّر المنام بأن الإمام الذي بمصر يُستبدل به، وتكون الدعوة لبني العباس لمكان اللحية السوداء. وقوى هذا عنده، حتى كاتب نور الدين[حين] (¬١) دخل أسد الدين إلى مصر في أول مرة، بأنه يظفر بمصر، وتكون الدعوة لبني العباس بها على يده. وقيلت في ذلك الزمان أشعار في هذا منها: قصيدة شمس المعالي أبي الفضائل الحسين بن محمد بن بركات، وكان حاجب ابن هبيرة، قالها حين سمع تأويله المنام (¬٢): لتَهْنَك يا مَولَى الأنَامِ بِشَارةً … بها سَيفُ دين الله بالحقِّ مُرهَفُ ضَربْتَ بها هَامَ الأعادِي بهِمَّةٍ … تَقَاصَر عنْها السّمْهريُّ المثَقَّفُ بَعثْتَ إلى شَرقِ البلاد وغَرْبها … بُعوثًا من الآراءِ تُحْيى وتُتْلِفُ فقامتْ مقامَ السّيفِ والسَّيْفُ قَاطِرٌ … ونابتْ مَنَابَ الرمْحِ والرمحُ يَرْعُفُ وقُدْت لها جيشًا مِن الروْع هائلًا … إلى كل قلبٍ من عِداتِك يَرجُفُ (¬٣) ملكتَ به أقصى المغَاربِ عُنْوةً … وكادتْ بمنْ فيها المشَارقُ تَزْحَفُ (¬٤) ليهْنَك يا مولاى [فتحا] (¬٥) تتابعتْ … إليك به حُوصُ الركائِب تُوجَفُ أخذْتَ به مصرا وقَد حَال دونَها … من الشركِ [ناسٌ] (¬٦) في لُهى الحقِّ تُقْذفُ وقد دَنّسَتْ مِنها المنابرَ عُصْبَةٌ … يعافُ التُّقىَ والدّينُ منهم ويأنَفُ فَطَهَّرهَا مِن كُلّ شِركٍ وبدعةٍ … أغرٌّ غَرِيرٌ بالمكارِمِ يُشْغَفُ فعَادتْ بِحمْد اللهِ بِاسْمِ إمَامِنا … تَتِيهُ على كلِّ البلادِ وتَشْرُفُ ولا غَرْوَ أنْ دَانت ليُوسفَ مِصْرُه … وكانت إلى علْيائهِ تَتَشَوّفُ تملّكَها من قَبضَةِ الكُفْرِ يُوسُف … وخَلَّصَها مِن عُصْبَة الرفضِ يُوسفُقال يحيى بن أبي طى: يريد بيوسف الأول يوسف الصديق النبي ﵇، وبيوسف الثاني المستنجد بالله الخليفة يومئذ، وقاله على سبيل الفأل؛ ألا تراه قال بعد هذا البيت: فَشَابَهْتَه خَلْقًا وخُلُقًا وعِفَةً … وَكُلٌ عن الرحمنِ فِي الأرضِ يَخْلُفُ (¬١)
  • full passagepage 83, entry [22]7,001 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن أبو محمد [بن] (¬٣) الخشاب (¬٤)؛ قرأ القرآن وسمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وانتهى علمهما إليه، وشرح الجُمَل للإمام عبد القاهر ﵀، وفاق أهل عصره. وكان مُغْرَى بشراء الكتب، وكان يؤدب أولاد الخليفة، وكان يكتب (¬٥) خطًا حسنًا. وله مصن
    ▸ expand full passage (7,001 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن أبو محمد [بن] (¬٣) الخشاب (¬٤)؛ قرأ القرآن وسمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وانتهى علمهما إليه، وشرح الجُمَل للإمام عبد القاهر ﵀، وفاق أهل عصره. وكان مُغْرَى بشراء الكتب، وكان يؤدب أولاد الخليفة، وكان يكتب (¬٥) خطًا حسنًا. وله مصنفات في النحو واللغة والعروض والحساب وغيره، وكانت وفاته في رمضان يوم الجمعة الثالث منه، ودفن قريبًا من بشر الحافي ﵀. وكان يقول الشعر، ومن شعره في الشمعة: صفراءُ لا مِنْ سَقَمٍ مَسَّها … كَيفَ وكانَتْ أُمُّها الشَّافِية عُرْيانَةٌ باطِنُها مُكْتَسٍ … فَاعْجَبْ لَها كَاسِيَةً عَارِيَة (¬٦) محمد بن محمد بن محمد بن أبو المظفر البرَوي (¬٧)؛ تفقه على محمد بن يحيى، وناظر ووعظ، وقدم بغداد فجلس للوعظ في أول ولاية المستضيء، وأظهر مذهب الأشعرية، وتعصب على الحنابلة وبالغ، فأخذه قيام الدم في رمضان هذه السنة، وتوفي ودفن في تربة أبي إسحق الشيرازي (رحمهما الله) (¬٨).وفي المرآة (¬١): وبالغ في ذم الحنابلة، وقال: لو كان إلى أمر لوضعت على الحنابلة الجزية، وكان شابًا حسنًا، جميل الصورة، مليح العبارة، فصيحًا، فيقال: إن الحنابلة دسوا عليه من سمه؛ جاءته امرأة في الليل، ومعها صحن حلواء، فطرقت بابه، فقال: من؟ قالت: أنا امرأة آكل من مغزلي، وقد غزلت قطنًا وبعته، واشتريت من ثمنه هذه الحلواء، واشتهيت أن الشيخ يأكل منها، فإنه حلال، فتناوله منها، ومضت. فجلس يأكل هو وزوجته وولده الصغير، فأصبحوا موتي جميعًا في رمضان، ودفن بباب أبرز ﵀ ولا رحم تلك المرأة. أبو الفتوح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس، اللخمي الأزهرى الإسكندري، الملقب القاضي الأعز (¬٢)، الشاعر المشهور؛ كان شاعرًا مجيدًا وفاضلًا نبيلًا، ولم يكن له لحية، بل كان سناطًا، وقيل فيه أشعار بسبب ذلك. صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السِّلفي، وانتفع بصحبته، وله فيه غرر المدائح، وقد تضمنها ديوان. وكان كثير الحركات والأسفار، وفي آخر وقته دخل اليمن فحصَّل شيئًا كثيرًا من صاحب بلاد اليمن، فركب البحر، فانكسر المركب به، وغرق جميع ما كان معه، بجزيرة الناموس بالقرب من دَهْلَك (¬٣)، وذلك يوم الجمعة خامس ذي القعدة سنة [ثلاث] (¬٤) وستين وخمسمائة، فعاد إليه وهو عريان، فلما دخل عليه أنشده قصيدته التي أولها: صَدَرْنا وقد نَادَى السَّماحُ بِنَا رِدُوا … فَعُدْنَا إلى مَغْناكَ والعَوْدُ أحْمَدُ وهي من القصائد المختارة، ولو لم يكن فيها سوى هذا البيت لكفاه. ومحاسنه نادرة، وكانت ولادته بإسكندرية يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في ثالث شوال من هذه السنة بعيذاب. وله في جارية سوداء، وهو معنى غريب:رُبَّ سَوْداءَ وهي بيضاءُ مَعْنى … نافَسَ المسكَ عندها الكافُورُ مثل حَبِّ العُيونِ يَحْسَبُه النا … سُ سَوادًا، وإنما هُو نُورُ وقَلاقِس: جمع قُلقاس "بضم القاف" (¬١)، وهو معروف. وعَيْذاب: بليدة على شاطئ بحر جدة، تعدى منها المراكب المصرية المتوجهة إلى الحجاز، على طريق في ليلة واحدة في غالب الأوقات، فتصل إلى جُدَّة، ومنها إلى مكة مسافة يوم [واحد] (¬٢). وجُدّةُ قبر أم البشر حواء ﵍، على ما يقال، وقبرها ظاهر هناك يزار، كذا قال ابن خلكان ﵀. عبد الله بن أحمد بن الحسين بن إسحق أبو محمد الحميري (¬٣)؛ ويعرف بابن [النقار (¬٤)] الكاتب، ولد بطرابلس سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ونشأ بها، وقرأ الأدب. ولما استولى الفرنج عليها انتقل إلى دمشق، وكان شاعرًا فاضلًا، وله شعر رقيق، ومعنى دقيق، ومنه هذه الأبيات: اللهُ يعلمُ أنّني ما خِلْتُه … يَصْبُو إلى الهِجرانِ [حين (¬٥)] وصَلْتُه مَنْ مُنْصِفي مِن ظَالمٍ مُتَعَنِّتٍ (¬٦) … يزدَادُ ظُلما كُلَّما حَكّمْتُه مَلَّكتُهُ رُوحي ليحفَظَ مُلْكَه … فأضَاعَني وأضاعَ ما مَلّكْتُه لا ذَنبَ لي إلا هَواهُ لأنّه … لما دَعاني للسّقَامِ أَجَبْتُه أَحْبابَنا أنفقْتُ عُمْرِى عِندكُمْ … فمتَى أعَوِّضُ بعضَ ما أنفَقْتُه وبمَنْ أعوذُ إلى سِواكُمْ قَاصِدًا … والقلبُ في عَرصَاتِكُم خَلَّفْتُهولِمَن ألُومُ على الهَوَى وأنا الذي … قُدتُ الفؤادَ إلى الغرام وسُقْتُه قد كنتُ أعْذِلُ (¬١) كلَّ صَبٍّ في الهَوَى … وألومُه في العِشْقِ حتى ذُقْتُه مالي سوى قَلْبي وفيكَ أَذَبْتُه … مالى سِوَى دَمْعِي وفِيكَ سَكَبْتُه أبكي إذا جَنّ الظلامُ تَشَوقًا … من طُولِ لَيْلٍ في هواكَ سَهِرْتُه وأنُوحُ إن نَاحَ الحمامُ ضُحًى علَى … إلْفٍ فقدتُ الصبرَ حينَ فَقَدتُه ما كنتُ أعرفُ مَا الغَرامُ ولَا الأَسَى … والشوقُ والتبريحُ حتى ذُقْتُه (¬٢) عَرقَلَةُ الشَّاعِرُ (¬٣)؛ واسمه حَسَّان بن نمير البدوي؛ الشاعر الحلبيّ، من حاضرة دمشق، وكان شيخًا خليعا أعور، مطبوعا كَيسا لطيفا ظريفا منادما. وله في صلاح الدين قصائد كثيرة، وتوفي في هذه السنة، وقيل إن وفاته تأخرت، حتى أخذ صلاح الدين دمشق، وله ديوان مشهور، ومن شعره: عِنْدِي إليكم مِنَ الأَشْواقِ والبُرَحَا … ما صيَّر الجسْمَ من بعْد الضنا شَبَحَا أحبَابَنا لا تَظُنُّوني سَلَوْتُكُمُ … الحالُ بالحالِ والتَّبْرِيحُ ما بَرِحَا لو كان يَسْبَحُ صَبٌّ في مَدَامِعِهِ … لكُنتُ أوَّلَ (¬٤) مَن في دَمْعِه سَبَحَا أو كُنتُ أعْلَمُ أنّ البيْنَ يَقْتُلُني … ما حُلْتُ عنْكُم ولكنْ فَاتَ "ما" (¬٥) ذَبحَا وقال: كَتمَ الهَوى فوشَتْ عليه دُمُوعُه … من حَرِّ جَمْرٍ تَحْتَويه ضُلُوعُهُ صَبٌّ تشاغَلَ بالحبيبِ وزَهْرِه … [زمنًا] (¬٦) وفي وجْه الحبِيبِ رَبيعُه يا لَائِمِي فِيمَن تَمَنَّعَ وصْلُه … عن بُغيتي أحْلَى الهَوى مَمْنُوعُهكيف التخلُّصُ إنْ تَجَنَّى أو [جَنَى] (¬١) … والحسْنُ شيءٌ ما يُردُّ شَفِيعُه شمسٌ ولكنْ في فؤادِي حَرُّها … بدرٌ ولكِنْ في القلوبِ طُلُوعُه قال العواذِلُ ما الذي استَحْسنتُه … منه وما [يسبيك] (¬٢) قلتُ جميعُه ابن مَرْدَنِيش؛ (¬٣) هو الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد، المعروف بابن مردنيش، صاحب شرق الأندلس، مُرْسِيَّةُ (¬٤) وما يضاف إليها. توفي في هذه السنة، وسبب موته أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، دخل إلى جزيرة الأندلس؛ لكشف مصالح دولته، وتفقد أحوالها، وذلك في سنة ست وستين وخمسمائة، وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين، فنزل بإشبيلية (¬٥)، فخافه الأمير أبو عبد الله المذكور، وحمل على قلبه، فمرض مرضًا شديدًا، ومات في التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وخمسمائة بإشبيلية. وقيل أن أمُّهُ سَمَّتْهُ، لأنه كان قد أساء العشرة مع أهله [وأصحابه] (¬٦) وخواصه وكبراء دولته، فنصحته وأغلظت عليه في القول، وتهدَّدَها. فخافت بطشته، فعملت عليه وقتلته بالسُّم. "ومولده" (¬٧) في سنة ثماني عشرة وخمسمائة، في قلعة من أعمال طرطوشة (¬٨)، يقال لها بُنُشْكُلَة، وهي من الحصون المنيعة. ولما مات محمد بن سعد جاء أولاده، وقيل إخوته، إلى الأمير يوسف بن عبد المؤمن، وهو بإشبيلية، فسلّموا إليه جميع بلاد شرق (¬٩) الأندلس التي كانت لأبيهم، وقيل لأخيهم، فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوج أختهم، وأصبحوا عنده في أعز مكان.ومَرْدَنِيْش (¬١): بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة، وهو بلغة الإفرنج (¬٢) اسم العَذِرَة. وبُنُشْكُلَة: بضم الباء الموحدة والنون وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وفتح اللام وفي آخره هاء. ناصر الجوني (¬٣)؛ كان متصوفًا، وكان يمشي في طلب الحديث حافيا، وتوفي ببغداد في هذه السنة ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، وإليه الأمر والنهي. وصاحب مصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وسُلطان الشام وحلب وغيرهما الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى. وسلطان الروم عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي. وسلطان المغرب يوسف بن عبد المؤمن. وسلطان خوارزم أرسلان شاه، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله. وسلطان همدان وغيرها أتابك شمس الدين أيلدكز، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره. وصاحب اليمن عبد النبى. وصاحب الموصل وغيرها سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن أخي نور الدين. وصاحب تبريز فلك الدين بن آقسنقر الأحمديلى. وصاحب نيسابور المؤيد أيابا (¬١). وصاحب خوزستان شملة التركمانى. وصاحب خلاط شاه أَرْمن. وصاحب غزنة شهاب الدين الغُورى.
  • full passagepage 101, entry [28]21,036 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن سالم بن أحمد أبو العباس الشحمي (¬٩)؛ قرأ القرآن، وأقرأ، وصنف كتابا في المتشابه كبيرا، وسمع من المروقي وغيره، وتوفي في المحرم من هذه السنة،ودفن في مقبرة الفيل (¬١) من باب الأزج (¬٢). أبو المعالي الكتبى (¬٣)؛ كان فاضلا، يقول الشعر المليح، والنثر الجيد، وله رسائل ومد
    ▸ expand full passage (21,036 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن سالم بن أحمد أبو العباس الشحمي (¬٩)؛ قرأ القرآن، وأقرأ، وصنف كتابا في المتشابه كبيرا، وسمع من المروقي وغيره، وتوفي في المحرم من هذه السنة،ودفن في مقبرة الفيل (¬١) من باب الأزج (¬٢). أبو المعالي الكتبى (¬٣)؛ كان فاضلا، يقول الشعر المليح، والنثر الجيد، وله رسائل ومدائح، وكان من الذكاء على غاية، وكان دلال الكتب "ببغداد" (¬٤)، وتوفي في صفر، ودفن بباب حرب (¬٥). وفي المرآة: أبو المعالي الكتبى الخطيري، والخطيرة بالطاء القائمة: قرية بدُخْل (¬٦). واسمه سعد بن علي بن [القسم] (¬٧) بن علي، صحب أبا القاسم علي بن أفلح الشاعر (¬٨) مدة، واشتغل بالأدب حتى فرغ منه، وقال الشعر، وتفقه على مذهب أبي حنيفة (﵁) وغلبت عليه الفكرة، فأحب الخلوة، فخرج على التجريد سائحا، ورأى عجائب، وجال (¬٩) في أقطار الشام وغيره، وحج، وعاد إلى بغداد، وصنف الكتب: [لمح الملح في الأدب نظمًا ونثرًا] (¬١٠)، و [زينة الدهر في عصرة أهل العصر] (¬١١)، وغير ذلك (¬١٢). وذكره العماد في الخريدة، وسجع له، وقال: أنشدني أبياتا في وصف العذار أرق من الاعتذار، وذكر مقطعات من شعره، وكلامًا فاحشًا يدل على أنه كان خليعًا (¬١٣).أبو الفتح بن الربى (¬١)؛ كان متفقها على مذهب الإمام أبي حنيفة (﵁) وكان عاملا على ديوان المقاطعات، فتوفي في غرة ذي الحجة منها، ودفن بباب أبرز (¬٢). وقال ابن الجوزي (¬٣): وكانت له امرأة يهودية، وابن أخ مسلم، فكتب جميع ما له لليهودية، وترك ابن أخيه المسلم، فاجتلب من الناس ذمًا كثيرًا. أرسلان شاه صاحب خوارزم (¬٤)؛ مات في هذه السنة، وملك بعده ولده سلطان شاه، وكان قد عاد من قتال الخطا مريضا، فاتفقت وفاته. [ومَلَكَ بعده] (¬٥) سلطان شاه محمود، وكان صغيرا، ودبرت والدته المملكة والعساكر، وكان ولده الكبير علاء الدين تكش -ابن أرسلان شاه- مقيمًا في الجند، قد أقطعه أبوه إياها، فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير، أنف من ذلك، وقصد ملك الخطا، واستمده على أخيه، وأطمعه في الأموال وذخائر والده، فسير معه جيشًا كثيفًا مقدمهم قوما، فساروا حتى قاربوا خوارزم، فلما قربوا منها، خرج سلطان شاه وأمه ولحقا بالمؤيدة (¬٦) صاحب نيسابور، ومَلَكَ تكش خوارزم بغير قتال. ولما وصل سلطان شاه إلى المؤيد، أهدى إليه هدية جليلة، ووعده أموال خوارزم، فاغتر بقوله، وجمع جيوشه، وساروا إلى خوارزم، وكان تكش قد أعد عسكره بالقرب منها، فلما تراءى الجمعان، انهزم عسكر المؤيد، وأخذ أسيرا، وجيء به إلى خوارزم شاه تكش، وهرب سلطان شاه، وأُخذت أمه، فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم. ولما عاد المنهزمون إلى نيسابور، ملّكوا ابنه طوغان شاه أبا بكر بن المؤيد، فلما أخبر به سلطان شاه، سار إلى غياث الدين ملك الغورية، فأكرمه، وأحسن نزله. وأما علاء الدين تكش فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم، اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم، فأخذته حمية الملك والدين، وقتل أحد أقارب الملك. وكان وردإليه ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبته، وأمر أعيان خوارزم فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا الذين صحبته، فلم يسلم منهم أحد، ونبذوا إلى ملك الخطا عهده. وبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا، واغتنم الفرصة بهذه الحال، فاستنجده على أخيه تكش. وقال له: إن أهل خوارزم يريدونه، ويختارون ملكه عليهم، ولو رأوه لسلموها إليه، فسير معه جيشًا كبيرًا من الخطا مع قوما، انضموا إليه، فوصلوا إلى خوارزم فحصروها، فأمر علاء الدين تكش بإجراء ماء جيحون عليهم، فكادوا يغرقون، فرحلوا، ولم يبلغوا منها غرضًا، وندموا على ما فعلوا، ولاموا سلطان شاه، وعنفوه، فقال لمقدمهم المسمى قوما: لو أرسلت معي جيشًا إلى مرو لاستخلصتها من يد دينار الغزي؛ فإنه استولى عليها منذ كانت فتنة الغزُ إلى الآن (¬١) فسير معه جيشًا، فنزل على سرخس (¬٢)، على غرة من أهلها، وهجم على الغز، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وألقي دينار الغزي -ملكها- نفسه في خندق القلعة، فأُخرج منه، ودخل القلعة، وتحصن بها. وسار سلطان شاه إلى مرو فملكها، وعاد الخطا إلى ما وراء النهر، وجعل سلطان شاه دأبه قتال الغز، والغزو (¬٣) فيهم، وانتهابهم. فلما عجز دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان شاه بن المؤيد، يقول له أن يرسل إليه من يسلم له قلعة سرخس، فأرسل إليه جيشا مع أمير اسمه قراقوش، فسلم إليه دينار القلعة، ولحق بطغان شاه، فجمع جيوشه، وقصد سرخس، فلما التقى هو وسلطان شاه فرَّ طغان شاه إلى نيسابور، فأخلي قراقوش قلعة سرخس، ولحق بصاحبه، وملك سلطان شاه قلعة سرخس، ثم أخذ طوس (¬٤) [والزَام] (¬٥)، وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته واجتهاده وقلة قراره. وكان طغان شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر، فلم تزل الحال كذلك إلى أن مات طغان شاه سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة (¬٦).أتابك شمس الدين أيلدكز (¬١) صاحب همذان وغيرها، مات في هذا السنة بهمذان، وملك بعده ابنه محمد بن البهلوان، ولم يختلف عليه أحد. وكان أيلدكز هذا مملوكًا للكمال وزير السلطان محمود، ولما مات الكمال صار أيلدكز إلى السلطان محمود، واستمر بأصفهان، ولم يحضر إلى السلطان مسعود (¬٢) عندما ملك ولا إلى غيره، ثم ملك أذربيجان وهمذان وغيرهما. وتزوج امرأة السلطان طغرل (¬٣). وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى الأتباع، واتسع ملكه، وامتد من باب تفليس (¬٤) إلى مكران (¬٥). وكان أيلدكز عاقلا، حسن السيرة، يجلس بنفسه للرعية، ويسمع شكاويهم، وينصف بعضهم من بعض (¬٦). وفي تاريخ المؤيد (¬٧): وكان أيلدكز يخطب في بلاده بالسلطنة للسلطان أرسلان بن طغرل، ولم يكن لأرسلان معه حكم. يزْدن التركي (¬٨)؛ كان من أكابر أمراء بغداد، المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيًا خبيثًا متعصبًا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة، فإنه مات في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش. وحين مات فرح أهل السنة بموته، وغضبت الشيعة من ذلك، فقام بسبب ذلك فتنة.وذكر ابن الساعى (¬١) في تاريخه أنه كان في صباه شابًا حسنًا مليحًا. قال: ولشيخنا أبي اليمن الكندى فيه وقد رمدت عينه: بِكِلَّ صَبَاحٍ لِى وَكُلِّ عَشِيَّةٍ … وُقُوفٌ عَلَى أَبْوَابِكُم وَسَلَامُ وَقَدْ قِيلَ لِي يَشْكوُ سِقَامًا بَعَيْنِهِ … فَهَا نَحْنُ مِنْهَا نَشْتَكِي وَنُضَامُ الأمير نجم الدين أيوب؛ (¬٢) والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو أبو الشكر أيوب بن شاذي، والد الملوك بني أيوب الكردي الزرْزَارِي، وهم خيار الأكراد (¬٣) من بلاد دُوَيْن بشمال بلاد أذربيجان مما يلي الكرج. ومنهم من يقول "أيوب بن شاذي بن مروان" (¬٤)، ومنهم من يقول أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، وأغرب بعضهم، فزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد الجعدي، آخر خلفاء بني أمية. وهذا ليس بصحيح، والذي عليه الجمهور أنه لا يعرف بعد شاذي أحد من نسبهم، والذي نسب إلى بني أمية ادعاء هو الملك أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شاذي، ويعرف بابن سيف الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه، فتعاظم في نفسه، وادعى الخلافة، وتلقب بالإمام الهادي بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وزعم أنه أموى، ومدحه الشعراء، وأطروه، ولهجوا بذلك، وقال هو في ذلك أيضًا: وَإنِّي [أَنَا] (¬٥) الهَادِي الخَلِيفَة وَالَّذِي … أَدُوسُ رِقَاب الغُلْبِ الضُّمَّرِ الجُرْدِ وَلابُدَّ مِنْ بَغْدَاد أَطْوِي رُبُوعَهَا … وَأَنْشُرها نَشْرَ السّمَاسِرَةٍ البُرْدِوأَنْصُبُ أَعْلَامِي عَلَى شُرفاتِها … وَأُحْيِي بِهَا مَا كَانَ أَسَّسَهُ جَدِّي وَيُخْطَبُ لِي فِيهَا عَلَى كُل مِنْبَرٍ … وَأُظْهِرُ دِينَ الله فِي الغَوْرِ والنَّجْدِ (¬١) وهذا الادعاء ليس بصحيح، ولا له أصل يعتمد عليه، ولا مستند يستند إليه. قال ابن أبي طى الحلبي: لا يعرف في نسب نجم الدين أكثر من والده شاذي. وحدثني أبي قال: كان تقي الدين عمر يُزيد فيقول: شاذي بن مروان، وسمعت أنا من يقول: شاذي بن مروان بن يعقوب (¬٢). قال: وأجمع الجماعة من آل أيوب أن دعوي ابن سيف الإسلام أنهم من بني مروان بن محمد الجعدي -آخر خلفاء بني أمية- كذب، وأن جميع آل أيوب لا يعرفون جدَّا فوق شاذي (¬٣). قال: وكذلك أخبرني السلطان الملك [الناصر] (¬٤) قال: وصحة دليل ذلك أني وقفت على كتاب وقف رباط النجمي بدمشق (¬٥)، ولم يزد فيه على نجم الدين أبي سعيد أيوب ابن شاذى العادلي (¬٦). والمقصود أن الأمير نجم الدين والأمير أسد الدين شيركوه كانا أخوين، وكان نجم الدين أسن من أسد الدين، وُلدا بأرض الموصل (¬٧). وقال ابن أبي طى "الحلبي" (¬٨) في تاريخه الكبير: كان مولد نجم الدين أيوب ببلد شَبَخْتان، وقيل: إنه ولد بجبل جور (¬٩)، وربي في الموصل، ومولد أبيه شاذي في بلد دوين. الثاني: في بيان ابتداء أمره، وانتسابه واتصاله بالدولة: وهو أن أباه شاذي كان من أعيان أهل دوين، وكان له صاحب يقال له جمال الدولة مجاهد الدينبَهْرُوز (¬١)، وكان من أظرف الناس، وألطفهم، وكان بينه وبين شاذي أخوة أكيدة، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياءً. وذلك أنه أتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه. فلما جرى له ذلك، لم يقدر على الإقامة، فخرج وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه (¬٢)، واتصل باللالا (¬٣) الذي لأولاده، فوجده لطيفًا كافيًا في جميع الأمور، فتقدم عنده وفوض إليه أموره، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل. فرآه السلطان يومًا مع أولاده فأنكر علي اللالا، فقال: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخف على قلبه، فلعب معه الشطرنج والنرد (¬٤)، فحظي عنده، واتفق موت اللالا فجعله السلطان مكانه، وسلم إليه أولاده، وأرصده لمهماته، وسار ذكره في تلك النواحي. فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده؛ ليشاهد ما صار إليه من النعمة والدولة، وليقاسمه ما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسيه. فلما وصل إليه بالغ في إكرامة والإنعام عليه، واتفق أن السلطان رأى أن يسير المجاهد المذكور إلى بغداد واليًا ونائبًا عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد، يُسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت (¬٥)، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة، وتوفي بها، فولي مكانه نجم الدين أيوب، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه. وكان أكبر سنًا من أخيه أسد الدين شيركوه. ثم أن شيركوه رأى يومًا امرأه تبكيفقال (¬١) لها: ما يبكيك؟ فقالت: أنا داخلة من باب القلعة، فتعرض إلىَّ الاسفهسلار (¬٢)، فقام شيركوه، وتناول حربة الاسفهسلار، وضربه بها فقتله، فمسكه أخوه نجم الدين واعتقله. وعرف بهروز بذلك، فوصل جوابه: "لأبيكما علىَّ حقٌ، وبيني وبينه مودة متأكدة، ما يمكنني أن أكافئكما بسيئة، ولكني أشتهي أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا رزقكما". فلما وقفا عليه، خرجا. ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، والد نور الدين محمود بن زنكي، وأقطعهما إقطاعًا حسنًا. ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك كما ذكرناه، استخلف بها نجم الدين أيوب، ثم بعد مدة انتقل إلى دمشق، وأقام في خدمة نور الدين محمود بن زنكي، ثم لم يزل معه في السراء والضراء والحضر والسفر حتى صار أكبر الأمراء عنده، فصار لا يقطع أمرًا دونه، ثم أن نور الدين أرسل أخاه شيركوه إلى الديار المصرية ثلاث مرات كما ذكرناه. وكان معه في كل مرة ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم لما جري ما جرى من أمور المصريين، وغلب عليهم صلاح الدين يوسف، وصار أمر الديار المصرية إليه كما ذكرناه مفصلًا، طلب من نور الدين أن يرسل إليه أباه نجم الدين، فأرسله إليه مع أهله وحاشيته كما ذكرنا. وقال العماد الكاتب (¬٣): لما دخل فصل النيروز (¬٤)، استأذن الأمير نجم الدين أيوب نور الدين في قصده ولده صلاح الدين، والخروج من دمشق إلى مصر بأهله وجماعته. وخيم بظاهر البلد، ثم سار، فوصل إلى مصر في السابع والعشرين من رجب من سنة خمس وستين وخمسمائة، وركب العاضد خليفة مصر لاستقباله. ووصف ذلك عمارة اليمني في قصيدة مدح بها السلطان صلاح الدين منها قوله:صَحَّتْ بِهِ مِصْرُ وَكَانَتْ قَبْلَهُ … تَشْكُو سِقَامًا لَمْ تُعَنْ (¬١) بِطَبِيبِ عَجَبًا لمُعْجزَة أَتَتْ في عَصْره … وَالدَّهْرُ وَلَّادٌ لِكُلِّ عَجِيبِ رَدَّ الإله بِهِ قَضِيَّةَ يُوسُف … نَسْقًا عَلَى ضَرْبٍ منَ التَّقْرِيبِ جاءَتْهُ إخْوَتهُ وَوَالِدُهُ إلَى … مِصْر عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْتيبِ فَاسْعَدْ بأَكْرَمِ قَادِم وبدولة … قَدْ سَاعَدَتْكَ رِيَاحُهَا بِهُبُوبِ وفي تاريخ الدولتين (¬٢): وكان بهروز المذكور يُنَفَّذ أمره في جميع العراق إلى البصرة، إلى الموصل، إلى أصفهان. وكانت خيله خمسة آلاف فارس، فأقر نجم الدين في ولاية تكريت، وأضاف إليه النظر في جميع الولاية المتاخمة له، وقرر أمره عند السلطان مسعود (¬٣). ثم إن عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود طمع في أخذ بغداد، ووصل الخبر إلى قراجا الساقي (¬٤)، وهو أتابك [ابن] (¬٥) السلطان محمود، فجرد ألف فارس للقاء زنكي، فانهزم زنكي، وقتل جماعة من أصحابه، ونهب جميع ما كان معه في عسكره، وجاء إلى تكريت وبه عدة جراحات. وعلم مكانه الأمير نجم الدين وأخوه شيركوه، فأحسنا إليه وداويا جراحاته، وخدماه أحسن خدمة، فأقام عندهما بتكريت خمسة عشر يومًا، ثم سار إلى "الموصل وأعوزه" (¬٦) الظهر، فأعطياه "جميع ما كان عندهما من الظهر" (¬٧) حتى أنهما أعطياه جملة من البقر، حمل [عليها] (¬٨) ما سلم معه من أمتعته، فكان زنكي بري لنجم الدين أيوب هذه اليد، ويواصله بالهدايا والألطاف مدة مقامه فيتكريت، فلما انفصل منها على ما ذكرنا، تلقاه زنكي بالرحب والسعة، واحترمه احترامًا عظيمًا (¬١). وقال صاحب تاريخ الدولتين (¬٢): وكان نجم الدين قد ساس الناس بتكريت أحسن سياسة، حتى ملك بذلك حبات قلوبهم، وكان أخوه شيركوه معه في القلعة، وكان شجاعا باسلًا، ينزل من القلعة ويصعد إليها في أسبابه وحاجاته. وكان نجم الدين لا يفارق القلعة ولا ينزل منها، فاتفق أن أسد الدين شيركوه نزل يومًا لبعض شأنه، ثم عاد إلى القلعة، وكان بينه وبين كاتب صاحب القلعة قوارض، وكان رجلًا نصرانيا، فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد الدين صاعدًا إلى القلعة، فعبث به بكلمة مُمِضّة، فجرد أسد الدين سيفه، وقتل النصراني، وصعد إلى القلعة، وكان مهيبًا، فلم يتجاسر أحد على معارضته في أمر النصراني بشيء، وأخذ النصراني برجله، فألقاه من القلعة. وبلغ ذلك إلى بهروز [وحضر] (¬٣) عنده مَنْ خوَّفه جرأة أسد الدين، وأنه ذو عشيرة كبيرة، وأن أخاه نجم الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا، وأنه ربما كان منهما (¬٤) أمر يخشي عاقبته ويصعب استدراكه، فكتب إلى نجم الدين ينكر عليه ما جرى من أخيه، ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيرهُ صحبة الكتاب، فأجاب نجم الدين [إلى] (¬٥) ذلك بالسمع والطاعة، وأنزل من القلعة جميع ما كان له بها من أهل ومال. واجتمع هو وأخوه أسد الدين، وصمما على قصد عماد الدين زنكي بالموصل، فخرجا واتصلا به كما ذكرنا. وقيل إن أسد الدين خرج إلى الموصل قبل نجم الدين، ثم أنه جرى بين أسد الدين وبين جمال الدين الوزير مودة عظيمة، حتي حلف كل واحد منهما للآخر أنه يقوم بأمره في [حياته] (¬٦) وبعد وفاته، وتجرد جمال الدين في أمر أسد الدين وأخيه نجم الدين، حتى قربهما من قلب أتابك، وجعلهما عنده بالمنزلة العظيمة، وخرجا معه إلى الشام، وشهدا معه حروب الكفار وقتال الإفرنج، لعنهم الله، وكان لأسد الدين في تلك الوقائع اليد البيضاء، والفعلة الغراء.وقال ابن أبي طى (¬١): حدثني أبي عن سعد الدولة أبي الميامن عن حسام الدين سنقر غلام نجم الدين أبي طالب -وكان في خدمة نجم الدين أيوب- قال: لما دخل نجم الدين أيوب الديار المصرية إلى ولده صلاح الدين، كنت معه في خدمته، وكانا قد اجتمعا في دار الوزارة، وقعدا على طراحة (¬٢) واحدة، والمجلس غاصٌّ بأرباب الدولتين، إذ تقدم نصراني كان في خدمة نجم الدين، فقبل الأرض بين يديهما، وقال لنجم الدين: يا مولاي هذا تأويل مقالتي لك حين وُلد هذا السلطان، يعني صلاح الدين، فضحك نجم الدين وقال: صدقت والله، ثم التفت إلى الجماعة الذين حوله من أكابر العلماء والقضاة والأمراء، وقال: لكلام هذا النصراني حكاية عجيبة، وذلك أني ليلة رُزقت هذا الولد -يعنى السلطان صلاح الدين- أمرني صاحب قلعة تكريت "في تلك الليلة" (¬٣) بالرّحلة عنها، بسبب أخي شيركوه من قتله ذلك النصراني، وكنت قد ألِفْت هذه القلعة وصارت لي كالوطن، فثقل علىّ الخروج منها جدًا، واغتممت. وفي ذلك الوقت جاءني البشير بولادة هذا -يعني صلاح الدين- فتشاءمت به، وتطيرت لما جرى علىَّ، وخرجنا من القلعة، وأنا لا سميته ولا التفت إليه. وكان هذا النصراني معي كاتبًا لى، فلما رأى ما نزل بي، قال: يا مولاي أي شيء لهذا المولود من الذنب، وبما استحق ذلك منه وهو لا يضر ولا ينفع، وهذا الذي جرى عليك قضاء من الله تعالى، ثم ما يُدريك أن هذا الطفل يكون سببًا لوصول الخيرات إليك، ويكون هو ملكا عظيم الصيت، جليل المقدار. فعطَّفني كلامه عليه، وها هو قد جرى ما قال لي. فتعجب الحاضرون من ذلك، وحمد السلطان ووالده الله تعالي وشكراه (¬٤). ولعمارة اليمني في نجم الدين مدائح ومراثٍ منها: ثَغَرُ الزَّمان بِنَجْم الدِّيِن مُبْتسِمٌ … وَوَجْهُهُ بِدَوَام العِزِّ مُتَّسِمُ يقول فيها:أَضْحَى بِكَ النِّيلُ مَحْجُوجًا وَمُعْتَمِرَا … كَأَنَّمَا حَلَّ فِيهِ الحِلُّ وَالْحَرمُ إلى أن قال: وَالنَّاصِرُ ابْنُكَ كَافِي كُلِّ مُعضلةٍ … إِذا الْحَوَادِثُ لَمْ تُكْشفْ لَهَا غُمَمُ (¬١) الثالث في سيرته: وكان شجاعًا باسلًا أمينا خيرًا محسنًا ناصحًا، عظيمًا في أنفس الناس بالخير والدين وحسن السياسة، وكان لا يأتي أحد من أهل العلم والدين "إلا حمل إليه المال والضيافة الجليلة، وكان لا يسمع بأحد من أهل الدين" (¬٢) في مدينته إلا أنفذ إليه. وقد ذكره العماد الكاتب، وذكر من دينه وعفته، ووفور أمانته وكثرة خيره أشياء كثيرة حسنة. قال ابن خلكان (¬٣): وكان نجم الدين رجلًا مباركًا كثير الصلاح، مائلًا إلى الخير، حسن النية، جميل الطوية، وظهرت ثمرة بركته في أولاده، وله خانقاه بدمشق تعرف بالنجمية (¬٤)، وخانقاه بالديار المصرية، ومسجد، وقناة خارج باب النصر من القاهرة، وخانقاه أخرى لطيفة ببعلبك، بناها حين كان نائبًا بها عن عماد الدين زنكي. وفي المرآة: (¬٥) وكان نجم الدين رجلًا عاقلًا حازمًا شجاعًا حليمًا جوادًا، عاطفًا على الفقراء والمساكين، محبًا للصالحين، قليل الكلام جدًا، لا يتكلم إلا عن ضرورة. ولما قدم مصر سأله ولده صلاح الدين أن يكون هو السلطان، فقال: أنت أولى، وكان يلعب بالأكرة (¬٦) دائمًا. وقال القاضي ابن شداد (¬٧): كان شديد الركض بالخيل، يلعب بالأكرة، ومن يراه يلعب بها يقول: ما يموت إلا من وقوعه عن ظهر الفرس.الرابع في وفاته: خرج نجم الدين يومًا من باب النصر -أحد أبواب القاهرة- فشب به فرسه، فألقاه في وسط المحجة، وذلك يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة، وحمل إلى داره، وبقى متألمًا، إلى أن توفي يوم الأربعاء سابع عشرى الشهر المذكور، ويقال في الثامن والعشرين منه. وفي تاريخ بيبرس: وكان سبب وفاته أنه تقنطر عن فرسه، فحمل إلى داره، فمات بها. وفي تاريخ الدولتين (¬١): وعاش ثمانية أيام بعد وقوعه من الفرس، وكانت وفاته يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة. وكان ولده صلاح الدين غائبًا عنه في بلاد الكرك والشوبك على الغزاة. وقال القاضي ابن شداد (¬٢): ولما عاد صلاح الدين من غزاته، بلغه قبل وصوله إلى مصر وفاة نجم الدين أبيه، فشق ذلك عليه؛ حيث لم يحضر وفاته. ومن كتاب فاضلي عن السلطان إلى عز الدين فرخشاه بمصر يقول فيه: صحّ من المصاب بالمولى الدارج، غفر الله له ذنبه، وسقى بالرحمة تُربه، ما عظمت به اللَّوعة، واشتدت الرَّوعة، وتضاعفت لِغيبتنا (¬٣) عن مشهده الحسرة، فاستنجدنا بالصبر، فأبي، وانحدرت العبرة، فياله فقيدًا فقد عليه العزاء، وهانت بعده الأرزاء. وَتَخَطَّفَتْه يدُ الردَى في غَيْبَتى … هبنْي حضرتُ، فكنتُ ماذا أَصْنَعُ؟!. قال: فدفن نجم الدين إلى جانب قبر أخيه أسد الدين، في بيت بالدّار السلطانية، ثم نقلا بعد [سنتين] (¬٤) إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقبرهما في تربة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزير الموصل. وكان جمال الدين المذكور مؤاخيًا لأسد الدين شيركوه كما ذكرنا (¬٥).وفي تاريخ القاضي الفاضل: وصل كتاب من المدينة النبوية يوم الخميس رابع صفر من سنة ثمانين وخمسمائة، يخبر بوصول تابوتي (¬١) الأمير نجم الدين أيوب، وأسد الدين شيركوه، واستقرارهما بتربتيهما، مجاورين الحجرة المقدسة النبوية (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام) (¬٢). الخامس فيما يتعلق به خلف نجم الدين من الأولاد: صلاح الدين يوسف الناصر، وسيف الدين أبو بكر العادل، وشمس الدولة توران شاه، وشاهنشاه، وسيف الإسلام طغتكين، وتاج الملوك بوري. ومن البنات: ست الشام وربيعة خاتون (¬٣). وقال عمارة اليمني يرثيه: صَفْوُ الحْيَاةِ وَإِنْ طَالَ الْمَدَي كَدَرُ … وَحَادِثُ الدَّهْرِ لَا يُبْقِى وَلَا يَذَرُ وَمَا يَزَالُ لِسَانُ الدَّهْرِ يُنْذِرُنَا … لَوْ أَثَّرَتْ عِنْدَنَا الآَثَارُ وَالنُّذُرُ كَمْ شَامِخِ العِزِّ ذَاقَ الْمَوْتَ مِنْ يَدِهَا … مَا أَضْعَفَ الْقَدْرَ إنْ ألْوَى بِهِ الْقَدَرُ أُوذِي عَلىٌّ وَعُثْمَانٌ بِمِخْلَبهِا … وَلَمْ يَفُتْهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَمَنْ أَرَاَد التَّأَسِّى فِي مُصِيبَته … فَلِلْوَرَى فِي رَسُولِ الله مُعْتَبَرُ لا قُدِّسَتْ لَيْلَةٌ كَادَتْ مُصِيَبَتُهَا … الأكبادُ حُزْنًا عَلَى أَيُّوب تَنْفَطِرُ كَأَنَّمَا صَوَّر الله الكَمَال به … شَخْصًا وَيوُسُفُ مِنْهُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ إذَا اللَّيَالي تَجَافَتْ عَنْ حُشَاشَتِهِ … فَالجُرْحُ مُنْدَمِلٌ وَاَلذَّنْبُ مغْتَفَرُ يَا نَاصِرَ الْحَقِّ والأَيَّامُ خَاذِلَةٌ … إِنَّ الغَرِيبَ بِغَيِر الدَّمْعِ يَنْتَصِرُ مَا مَاتَ أيُّوبُ إلاَّ بَعْدَ مُعْجِزَةٍ … فِي الخَلْقِ لَمْ يُؤْتَهَا مِنْ جِنْسِهِ بَشرُ مَضَى حَميدًا مِنَ الدُّنيا وَلَيْس لَهُ … فِي رُتْبَةٍ أَرَبٌ مِنْهَا وَلَا وَطَرُ صَلَّي الإلَهُ عَلَى نَجْمٍ أَضَاءَ لَنَا … مِنْ نَسْلِهِ النَيِّرانِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (¬٤) وهي قصيدة طويلة. وله قصيدة أخرى في مرثيته وأولها هو قوله:هِيَ الصَّدْمَةُ الأُولَى فَمْنَ بَانَ صَبْرُهُ … عَلَى هَوْلِ مَلْقاهَا [تَضَاعَفَ] (¬١) أَجْرُه (¬٢) أَذُمُّ صَبَاحَ الأرْبعَاء فَإنَّهُ … تَبَسَّمَ عَنْ ثَغْرِ المَنيَّة فَجْرهُ أَصَابَ الهُدَى فِي نَجْمِهَ بمُصِيبةٍ … تَدَاعي سِماك الجوِّ مِنْهَا وَنَسْرُه فَلَا تَعْذلُونَا، وَاعْذُرونَا، فَمَنْ بَكَى … عَلَى فَقْد أيُّوبٍ فَقَد بانَ عذْرُهُ أقَامَ بأَعْمَالِ الفُراتِ، وخيْلُه … يُراَعُ بِهَا نِيلُ العَزِيزِ وَمِصْرُهُ إِلَى أَنْ رَمَاهَا مِنْ أَخِيه بِضيْغَم … فَرَى نَابُه أَهْلُ الصَّليبِ وَظُفْرُهُ تَعَاقَبْتُمَا مِصْرًا تَعَاقُبَ وابِلٍ … يَبِيتُ بِقُطْرِ النَّيلِ تنهلُّ قَطْرُهُ نزلتَ بدارٍ حلّها فحللتها … فمغْناك مغْناه، وقطرك "قطره" (¬٣) وَوَاخَيْتَه فِي البر حَيَّا وَمَيِّتا … فَقَبْرُكَ فِي دَارِ القَرَارِ وَقَبْرُهُ وَقْدَ شَخُصَتْ أهْلُ البَقِيع إليْكُما … وَإلا فَسُكَّانُ الحَجُونِ وَحجرُهُ هَنيئًا لِمَلِكٍ مَاتَ وَالعز عزهُ … وَقُدْرَتُهُ فَوْقَ الرِّجَالِ وَقْدرُهُ وأَدْرَكَ مِنْ طُولِ الحَيَاةِ مُرَادَهُ … وَمَا طَالَ إلاَّ فِي رِضَى الله عُمْرُهُ وَأَسْعَدُ خَلْق الله مَنْ مَاتَ بَعْدَمَا … رأى فِي بَنِى أَبْنائِه مَا يَسُرُّهُ رَعَى الله نَجْمًا تَعْرِفُ الشَّمْس أَنَّهُ … أَبُوهَا، ونورُ البَدْرِ مِنْهَا، وَزَهْرُهُ وَأَبْقَى المَقَامَ النَّاصِرِىَّ، فَإنَّهُ … لِدَوْلَتِكُمْ كَنْزُ الرَّجَاءِ وَذُخْرُهُ (¬٤) ملك النحاة واسمه الحسن بن أبي الحسن صافي (¬٥)؛ مولي حسين زين الدين الأرموي، التاجر البغدادي، ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ النحو على أبي الحسن الاستراباذي، وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، وقرأ أصول الفقه. ودخل الشام، واستوطن دمشق، وعاش تحت ظل نور الدين محمود إلى أن مات في سنةثمان وستين وخمسمائة في شوال، ودفن بالباب الصغير (¬١)، وقد جاوز الثمانين سنة، وله ديوان شعر مليح، ومدائح في وصف النبي ﵇. وذكره ابن عساكر، ووصفه بالكرم. وكان يصنع الحلاوات، ويهديها إلى جيرانه وأصحابه وخلانه. قال العماد: ورآه بعض الصالحين، أو بعض أصحابه في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى بأبيات قلتها: يَا رَبُّ هَا قَدْ أَتَيْتُ مُعْتَرِفًا … بِمَا جَنَتْهُ يدَاىَ مِنْ زَلَلِ مَلآنُ كَفٍّ من كُلِّ مَأْثُمَة … صِفْرُ يَدٍ مِنْ مَحَاسِن العمِل وكَيْفَ أخْشَي نَارًا مُسَعَّرَةً … وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي القِيَامَةِ لِي قال: فوالله منذ فرغتُ من إنشادها ما سمعت حسيس النار.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله (¬١)، وصاحب مصر السلطان الملك الناصر يوسف بن أيوب، وصاحب الشام وحلب وغيرهما الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، غير أنه توفي إلى رحمة الله في هذه السنة على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. فلنذكر أولا ماجريات صلاح الدين، ثم ماجريات نور الدين، ثم نذكر وفاته إن شاء الله.
  • full passagepage 164, entry [36]11,373 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبيد الله أبو عبد الله الحسيني (¬٦) نقيب العلويين؛ وكان يلقب بالطاهر، سمع الحديث الكثير، وكان جم الأخلاق، جميل المعاشرة، يتبرأ من الرافضة، توفي ليلة الخميس العشرين من جمادى الآخرة منها، ودفن بداره، ثم نقل بعد مدة إلى مشهد الصبيان بالمدائن،
    ▸ expand full passage (11,373 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبيد الله أبو عبد الله الحسيني (¬٦) نقيب العلويين؛ وكان يلقب بالطاهر، سمع الحديث الكثير، وكان جم الأخلاق، جميل المعاشرة، يتبرأ من الرافضة، توفي ليلة الخميس العشرين من جمادى الآخرة منها، ودفن بداره، ثم نقل بعد مدة إلى مشهد الصبيان بالمدائن، وولي ولده مكانه. الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار أبو العلاء الهمداني (¬٧)؛ سافر الكثير وسمع الكثير، وانتهت إليه القراءات والتحديث في همدان، وتوفي ليلة الخميس عاشر جمادى الآخرة منها وقد جاوز الثمانين بأربعة أشهر.رستم بن سرهنك أبو القاسم الواعظ (¬١)؛ سمع الحديث، وتعلم الوعظ من ابن الزاغوني شيخ ابن الجوزي، وتوفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ربيع الأول منها، عن ستين سنة تقريبا، ودفن بباب حرب. ابن الأهوازي خازن دار الكتب بمشهد أبي حنيفة (¬٢) (﵁)؛ توفي في ربيع الأول، جاء من محلته إلى البلد، فاتكأ على دكة فمات، وكذلك أخوه وأبوهما فجأة. يحيى بن نجاح المؤدب (¬٣)؛ سمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وكان غزير الفضل، يقول الشعر الحسن، توفي في أواخر هذه السنة. ابن قرقول أبو إسحق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس [بن] (¬٤)، القائد الحَمْزي المعروف بابن قُرقُول (¬٥)؛ صاحب كتاب "معارف الأنوار" الذي وضعه علي مثال كتاب؛ "مشارق الأنوار"، للقاضي عياض، كان من الأفاضل، وصحب جماعة من علماء الأندلس، وكانت ولادته بالمَرِيَّة من بلاد الأندلس في سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمدينة فاس (¬٦) يوم الجمعة وقت العصر، السادس من شوال من هذه السنة، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما حضرته الوفاه تلا (¬٧) سورة الإخلاص، وجعل يكررها، ثم تشهَّد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجدا ميتا ﵀. وقُرقُول بضم القافين وسكون الراء المهملة وبعد الواو لام. مَرِيّة بفتح الميم وكسر الراء المهمله وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخرها هاء، وهي مدينة عظيمة بالمغرب بالقرب من سبتة (¬٨). والحمزي بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة زاي معجمة نسبة إلى حمزة.أبو العباس الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي؛ الفقيه الشافعي (¬١)، كان فقيها فاضلا عارف بالمذهب والفرائض والخلاف، واشتغل ببغداد على الكِياهِراسي وابن الشاشي، ولقى عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبني له بها الأمير أبو منصور سُرفتكين بن عبد الله الزيني -صاحب (¬٢) نائب إربل- مدرسة القلعة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودرس فيها زمانا، وهو أول من درس بإربل، وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقة وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ست وعشرين خطبة للرسول (ﷺ) وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به. وكان رجلا صالحا زاهدا عابدا ورعا متقللا في نفسه مباركا، وكان قدم دمشق فأقام بها مدة، وأثنى عليه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ثم رجع إلى إربل، ومن جملة من تخرَّج عليه؛ الفقيه ضياء الدين أبو عمر، وعثمان بن عيسى بن دِرباس الهمداني، وتوفي ليلة الجمعية الرابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة بإربل، ودفن بمدرسته التي في الربض في قبة منفردة، وقبره يزار (¬٣). وقال ابن خلكان (¬٤): وزرته كثيرا، وتولى موضعه ابن اخيه. عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر؛ وكان فاضلا، ومولده بإربل في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وسخط عليه الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، وأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، وسكن في رباط ابن الشهرزوري، ولم يزل هنالك إلى أن توفي في ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة، وكان له ولد يسمى شرف الدين محمد (¬٥)، وكانت له اليد الطولى في عمل الدوبيت، ومولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل، وتوفي ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية.أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل (¬١)؛ قاضي القضاة بالديار المصرية زمن الفاطميين، ويلقب بفخر الأمناء، وكان أول من صُلب مع عمارة اليمنى وأصحابه كما ذكرنا، وقد كان ينسب إلى فضيلة وأدب، وله شعر رائق، فمن ذلك قوله في غلام رفا: يا رافيًا خَرْقَ كُلِّ ثوبٍ … ويا [رَشَا] (¬٢) حُبُّه اعْتِقَادي عسي بكَفِّ الوِصَالِ ترفو … ما مَزَّق الهجرُ من فؤادى وقال العماد في الخريدة (¬٣): أبو القاسم هبه الله بن عبد الله؛ كان داعى الدعاة بمصر للأدعياء، وقاضي القضاة لأولئك الأشقياء، يلقبونه بفخر الأمناء، وهو عندهم في المحلة العلياء، والمرتبة الشماء، والمنزلة [التي] (¬٤) في السماء، حتى انكدرت نجومهم، وتغيرت رسومهم، وأقيم قاعدهم وعضد عاضدهم، [وأخليت] (¬٥) منهم مصرهم، [وأجلى] (¬٦) عنهم قصرهم، وهو أول من ضمه حبل الصَلب، وأمه فاقرة الصُلب، وهذا صنع الله فيمن كفر النعمة وجحد، وذلك غرة رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة. عمارة اليمني؛ هو الفقيه أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان بن أحمد ابن محمد بن سليمان بن أيوب الحكمي اليمني الملقب نجم الدين الشاعر المشهور. وقال ابن خلكان (¬٧): نقلت من بعض تواليفه أنه من قحطان. ثم الحكم بن سَعد العشيرة المذحجي، وأن وطنه من تهامة باليمن، مدينة يقال لها مرَطان من وادي وساع، وبُعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوما، وبها مولده ومرباه، وأنه بلغ الحلم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ورحل إلى زبَيد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأقام يشتغل بالفقه في بعض مدارسها مدة أربع سنين، وأنه حج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وسيّره قاسم بن هاشم بن فليته صاحب مكة -شرفها الله- رسُولًا إلى الديار المصرية، فوصلهافي ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز بن الظافر (¬١)، والوزير الصالح طلائع بن رُزيك (¬٢)، وأنشَدهما في تلك الدفعة قصيدته الميمية (¬٣) وهي: الحَمْدُ للعيس بعدَ العَزْمِ والهِمَمِ … حَمْدًا يقومُ بما أَولَت من النِّعمِ لا أجْحَدُ الحقَّ عِنْدى للركابِ يَدٌ … تمنَّت اللَّجَمُ فيها رُتبةَ الخَطُمِ قَرَّينَ بعدَ مَزارِ العزِّ من نظرى … حتى رأيتُ إِمامَ العَصْر مِن أَمَمِ ورُحْن من كَعْبةِ البَطحاءِ والحرَم … وفدًا إلى كَعْبةِ المَعْروفِ والكَرمِ فهل دَرىَ البيتُ أنِّي بعدَ فُرقَتِه … ما سِرْتُ من حَرمٍ إلا إلى حَرمِ حيثُ الخِلافةُ مضروبٌ سُرادقُها … بين النقيضين من عَفْوٍ ومن نِقَمٍ وللإمَامةِ أنوارٌ مُقَدّسةٌ … تجْلُو البغيضين من ظُلمٍ ومن ظُلَمِ وللنبوةِ آياتٌ [تنصُّ] (¬٤) لنا … على الخَفِيين (¬٥) من حُكمٍ ومن حِكمِ وللمَكارمِ أعلامٌ تعُلِّمُنا … مدحَ الجَزِيلَيْن مِنْ بأسٍ ومن كَرَمِ وللعُلا ألْسُنٌ تُثْنِي مَحَامِدُها … على الحَميدين من فعلٍ ومن شِيَمِ ورايةُ [الشَّرفِ] (¬٦) البذَّاخِ ترفَعُها … يدُ الرفِيعَيْن من مَجْدٍ ومن هِمَمِ أقسَمْتُ بالفائِزِ المعصوم معتقدًا … فوزَ النجاة وأجْرَ البر في القَسَمِ لقد حَمى الدينَ والدُّنيا وأهلُهُما … وزيرُه الصالِحُ الفَرَّاجُ للغُمَمِ اللابسُ الفخْرَ لم تَنْسجْ غَلائُلهُ … إلا يدُ الصَّنعتين (¬٧) السيفِ والقلمِ وُجُودُه أوجَدَ الأيامَ ما اقْتَرحَتْ … وَجُودُه أعْدَمَ الشَّاكِين للعَدَمِقد مَلَّكَتْه العَوالي رِقَّ مملكةٍ … تُعيرُ أنفَ الثُريّا عِزَّة الشَّمَمِ أرى مَقامًا عَظِيمَ الشَّأْن أَوهَمَنِى … في يقظتي أنها من جُملَةِ الحُلُمِ يومٌ من العُمْرِ لم يخْطُرْ على أمَلي (¬١) … ولا ترقَّت إليه رَغْبَةُ الهِمَمِ ليتَ الكواكبَ تدنوُ لى فأنظُمُها … عقوُدَ مَدْحٍ فما أرضَى لكُمْ كلِمي تَرى الوزارةَ فيه وهي بَاذِلةٌ … عندَ الخلافة نُصْحًا غيرَ مُتَّهَمِ عواطفٌ علَّمَتْنا (¬٢) أنَّ بَيْنهُما … قَرابةً من جَمِيل الرأْي لا الرَّحِمِ خليفةٌ ووزيرٌ مَدَّ عَدْلُهُما … ظِلَّا على مَفْرِق الإسْلام والأُممِ زيادَةُ النيلِ نقْصٌ عند فَيْضِهِما (¬٣) … فَمَا عسَى نتعاطَى منّةَ الدِّيَمِ فاسْتَحْسَنا قصيدته، وأجْزلا صِلَته. قال عمارة (¬٤): لما دخلتُ مِصرَ، وحضرتُ للسلام على الخليفة، والوزير في قاعة الذهب من قصر الخليفة، أنشدتهما هذه القصيدة (¬٥)، والصالح يستعيدها في حالة الإنشاد مرارًا، فاستحسنها الأستاذون والأمراء والكبراء، ثم أُفيضت علىَّ خلع من ثياب الخليفة (¬٦) مُذهبة، ودفع إلىَّ الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين قد خرج لي من عند السيدة [الشريفة] (¬٧) بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معي إلى المنزل، وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطلق لأحد [من] (¬٨) قبلي، وتهادتنى أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم، فاستحضرني الصالح للمجالسة، ونظمني في سلك أهل المؤانسة، [وانثالت علىّ صلاته وغمرني برّه] (¬٩)، ووجدت بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعالي بن الحباب، والموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاءِ، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب أبا محمد الحسن بن الزبير وغيرهم.وقال ابن خلكان (¬١): وأقام عمارة في مصر إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب، ثم فارق مصر في هذا التاريخ، وتوجه إلى مكة، ومنها إلى زَبيد في صفر سنة إحدى وخمسين، ثم حج من عامه، فأعاده قاسم صاحب مكة المذكور في رسالة (¬٢) إلى مصر مرة ثانية، فاستوطنها ولم يُفارقها بعد ذلك. وكان فقيها شافعي المذهب، شديد التعصب للسُّنة، أديبا ماهرًا، شاعرًا مجيدا، محادثا ممتعًا، فأحسن الصالح وبنوه إليه كل الإحسان، وصحبوه مع اختلاف العقيدة؛ لحسن صحبته. وله في الصالح وولده مدائح كثيرة، وكانت بينه وبين ابن شاور (¬٣) صحبة متأكدة قبل وزارة أبيه، فلما وُزِّرَ استحال عليه فكتَبَ إليه: إذا لم يُسَالِمْك الزمَانُ فحارِبِ … وباعِدْ إذا لم تنتفعْ بالأقاربِ ولا تحتقرْ كيدًا ضَعِيفا فربَّما … تموتُ الأفاعي من [سمام] (¬٤) العقَاربِ فقد هَدّ قِدمًا عرش بلقيس هدْهدٌ … وَخرَّبَ فأرُ قبل ذا سد مأربِ إذا كان رأسُ المالِ عُمْرك فاحترز … عليه من الإنفاقِ في غير واجبِ فبين اختلافِ الليلِ والصبح مَعرَكٌ … يَكر علينا جيشُه بالعجائبِ وما راعَني غَدْرُ الشبابِ لأنني … أَنِستُ بهذا الخُلْق من كلِّ صاحبِ وغدْرُ الفتى في عَهْده ووفائِه … وغدْرِ المواضِي في بُنُوِّ المضاربِ إذا كان هذا الدُّرُّ مَعْدِنُه فَمي … فصُونوه عن تقْبِيلِ راحة واهبِ رأيتُ رجالا أصبَحَتْ في مآدبِ … لدَيكم وحالي وحْدَها في نوادِبِ تأخَرْتُ لَمَّا قدَّمَتْهُم عُلاكُم … عَلىَّ وتأبي الأسْدُ سَبْقَ الثعالبِ تُرى أين كَانُوا في مواطِنِي التي … غَدَوْتُ لكُم فيهِنَّ أكرمَ نائبِ ليالىَ أتْلُو ذِكْرَكُم في مَجَالسٍ … حَدِيثُ الورَى فيها بغَمزِ الحواجبِقال ابن خلكان (¬١): وزالت (¬٢) دولة المصريين وهو في البلاد. ولما ملك السلطان صلاح الدين مدحَه، ومدح جماعةً من أهل بيته، يتضمن ديوانه جميع ذلك. ورَثى أصحاب القصر عند زوال ملكهم بقصيدة لامية طويلة أجاد فيها، وغالبُ شعره جيدِ، ثم أنه شرع في أمور وأسباب من الاتفاق مع جماعةٍ من رُوساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم، فأحس بهم صلاح الدين، فكانوا ثمانية من الأعيان، ومن جملتهم عمارة هذا، وشنقهم يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة، وقد ذكرناه مفصلًا. وقال ابن خلكان (¬٣): وله تواليف منها كتاب "أخبار اليمن"، وفيه فوائد. ومنها "النكت العصرية في أخبار الوزراء المصريّة"، وغير ذلك. وقال ابن كثير (¬٤): وله تصنيف في الفرائض، وقد كان أديبا فاضلا فقيها فصيحا، غير أنه كان ينسب إلى موالاة الفاطميين، وله فيهم وفي أمرائهم ووزرائهم مدائح كثيرة جدًا، وأقل ما [كان] (¬٥) ينسب إلى الرفض، وقد اتهم باطنه بالكفر المحض. وذكر العماد (¬٦) في الخريدة أنه قال في قصيدته التي يقولُ فيها: قد كان أول هذا الدينِ من رجل … سعى إلى أن دَعَوْه سيِّد الأمم قال [العماد] (¬٧): فأفتى علماء مصر بقتله وحرَّضوا السلطان صلاح الدين على ذلك. قال: ويجوز أن يكون [هذا البيت] (¬٨) معمولا به عليه (¬٩)، والله أعلم. وقد أورد ابن الساعي (¬١٠) شيئا من رقيق شعره، فمن ذلك قوله يتغزل:لى في هوى [الرَّشَأِ] (¬١) العُذْرِىِّ أعْذارُ … لم يبقَ لي مُذْ أقَرَّ الدمعُ إنكارُ لي في القُدودِ وفي لثْمِ الخدودِ وفي (¬٢) … ضَمِّ النُّهُودِ لُباناَتُ وأوطارُ هذا اختِياري فوافِقْ إن رَضِيتَ به … أو لَا فَدَعْني بما أهْوى وأخْتَارُ ومما وجد في شعره يرثي العاضد وأيامه، ويظهر محبته للفاطميين (¬٣): يا عاذِلِي في هَوى أبناءِ فاطِمَةٍ … لكَ المَلامةُ إن قصَّرتَ في عَذْلي بالله زُر ساحةَ القَصْرين، وابكِ معي … عليهما، لا على صِفِّين والجَمَلِ (¬٤) وهي قصيدة طويلة، وقد ذكرناها فيما مضى. مَالك بن علي (¬٥) صاحب قلعة جعبر؛ قتل في هذه السنة، قتله الإسماعيلية بسرُوج (¬٦). مِرِى ملك الإفرنج، صاحب عسقلان (لعنه الله)، هلك في هذه السنة، وقد كاد اللعين أن يغلب على الديار المصرية، لولا فضل الله تعالى ورحمته.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، وصاحب مصر السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وسلطان الشام وحلب وما والاهما الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، وسلطان الروم عز الدين قُليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن (¬١) سليمان بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، وصاحب اليمن الملك المعظم توران شاه بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب المغرب أبو يعقوب (¬٢) يوسف بن السلطان عبد المؤمن، وصاحب الموصل وغيرها سيف الدين غازي بن مودود، وصاحب ماردين وغيرها قطب الدين إيل غازي بن نجم الدين ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتُق، وصاحب آمِد وحصن كيفا (¬٣) نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، وصاحب تبريز (¬٤) فلك الدين اين آقسنقر الأحمديلي، وصاحب خوزستان وفارس شملة التركماني، وصاحب همدان وغيرها البهلوان محمد (¬٥) بن أيلدكز، وصاحب غزنة (¬٦) شهاب الدين الغوري.
  • full passagepage 213, entry [45]4,365 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان المبارك بن الحسن أبو النجم بن القابلة الفرضي؛ سمع أبا الحسين بن الفراء وغيره، وكان عالمًا (¬٢) بعلم الفرائض والمواقيت، وتوفي في جمادى الأولى منها، ودفن بمقبرة الزادمان، قرية قريبة من بغداد (¬٣). مسعود بن الحسين بن سعد أبو الحسين البزدى (¬٤) القاضى؛ أحد الكبار الحنفية، ولد
    ▸ expand full passage (4,365 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان المبارك بن الحسن أبو النجم بن القابلة الفرضي؛ سمع أبا الحسين بن الفراء وغيره، وكان عالمًا (¬٢) بعلم الفرائض والمواقيت، وتوفي في جمادى الأولى منها، ودفن بمقبرة الزادمان، قرية قريبة من بغداد (¬٣). مسعود بن الحسين بن سعد أبو الحسين البزدى (¬٤) القاضى؛ أحد الكبار الحنفية، ولد سنة خمس وخمسمائة، وتفقه وأفتى، وناب في القضاء، ودرَّسَ بمدرسة أبي حنيفة ﵁ ومدرسة السلطان، ثم خرج إلى الموصل، فأقام مدة يدرس هناك، وينوب في القضاء، فتوفي بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، ﵀. الحافظ ابن عساكر (¬٥) على بن أبي محمد الحسني بن أبي الحسن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، المعروف بابن عساكر الدمشقي الملقب ثقة الدين؛ كان محدث الشام في وقته، ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه إلى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطَوَّفَ وجاب البلاد، ولقى المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة، وكان حافظًا دينًا، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، سمع ببغداد في سنة عشرين وخمسمائة من أصحابالبرمكي والتنوخي والجوهرى، ثم رجع إلى دمشق، ثم رحل إلى خراسان، ودخل نيسابور وهَرَاةُ (¬١) وأصفهان والجبال (¬٢)، وصنّف التصانيف المفيدة، وخرّج التخاريج، وكان حسن الكلام على الأحاديث، محظوظًا في الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة، أتي فيه بالعجائب، وهو على نسق تاريخ بغداد، وله شعر لا بأس به، ومن المنسوب إليه: أيا نَفسُ ويحك جاء المشيبُ … فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ تولَّي شبابى كأن لم يكن … وجاء مَشِيبي كأن لم يَزَل كائِّي بنفسي على غرّة … وخَطبُ المَنُون بها قد نزل فياليت شعري ممَّن أكونُ … وما قدَّر الله لي في الأزل (¬٣) وقد التزم فيها ما لا يلزم (¬٤)، وهو الزاي قبل اللام (¬٥). وفي المرآة: وصنف كتبًا كثيرة؛ منها "تاريخ دمشق" ثمانمائة جزء في ثمانين مجلدًا (¬٦)، وكتاب "الإشراف [على] (¬٧) معرفة الأطراف"، وكتاب "فضل (¬٨) أصحاب الحديث"، وكتاب "الجهاد"، و"الأربعين"، و"فضائل مكة والمدينة والبيت المقدس"، و"فضل قريش والأنصار"، و"فضائل أهل البيت"، و"فضائل الصحابة"، و"مسند أبي حنيفة ﵁"، وكتاب "الزلازل (¬٩) "، وغير ذلك. وذكره العماد في الخريدة (¬١٠): وقال: سمعتُ عليه من التاريخ الذي صنفه. ومن أنواع ما ألفه وأنشدني لنفسه بقرية المِزَّة غربي دمشق "أيا نفس" إلى آخره.وقال ابن خلكان (¬١): قال لي شيخنا الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، حافظ مصر، وقد جرى ذكر تاريخ ابن عساكر، وأخرج لي منه مجلدًا، وطال الحديث في أمره واستعظامه، وقال: ما أظن هذا الرجل إلا عَزَمَ على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع الإنسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال. ولقد قال الحق، ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا الكتاب، ومتى يسع الإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها (¬٢). وقال ابن كثير: وله "أطراف السنن الأربعة" (¬٣) و"الشيوخ النُبل"، و"تبيين كذب المفترى على أبي الحسن الأشعري". وقال ابن الجوزي (¬٤): وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري، حتي صنف كتابًا سماه: "تهذيب المفترى على أبي الحسن الأشعرى". وفي المرآة (¬٥): وكان ولده أبو محمد القاسم يقول: سمع أبي من ألف شيخ وثلثمائة شيخ وبضع وثمانين امرأة، وسمع منه الحافظ أبو العلاء الهمداني، وهو أكبر منه، وذكر ابنه القاسم أنه صنف ستين كتابًا، وكانوا يفضلونه على الخطيب، ولأجله بني نور الدين دار الحديث بدمشق، وعاش ابنه القاسم إلى سنة ستمائة، وتوفي بها (¬٦). وقال السبط (¬٧): توفي الحافظ ابن عساكر ليلة الاثنين حادي عشر رجب من هذه السنة، وقد بلغ من العمر اثنين وسبعين سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وصُلى عليه بجامع دمشق وميدان "الحصا" (¬٨) صلى عليه القطب النيسابوري، وحضر السلطان صلاح الدين صلواته. (¬٩)وقال ابن خلكان (¬١): ودفن عند والده وأهله بمقابر باب الصغير (¬٢)، وتوفي ولده القاسم الملقب بهاء الدين في التاسع من صفر سنة ستمائة بدمشق، ودفن من يومه خارج باب النصر، ومولده بها ليلة النصف من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكان أيضًا حافظًا.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين صاحب مصر والشام محاصر حلب، وقد ضجر الناس من طول الحصار، فترددت الرسل بينهم، وتقررت القاعدة بين صلاح الدين والملك الصالح بن نور الدين وسيف الدين غازي صاحب الموصل وصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين، وتحالفوا أن يكونوا كلهم عونًا على الناكث الغادر. وقال ابن كثير (¬١): وكان صلاح الدين قد أشرف على أخذ حلب فسألوه الصلح، فصالحهم على أن تكون حلب [وأعمالها] (¬٢) للملك الصالح بن نور الدين فقط، وكتب بذلك الكتاب. فلما كان المساء بعث الملك الصالح إلى صلاح الدين يسأل منه زيادة قلعة عزاز، وأرسل بأخت له صغيرة وهي الخاتون (¬٣) بنت نور الدين؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبول السلطان سؤاله، فحين رآها صلاح الدين قام قائمًا، وقبل الأرض، وأجابها إلى سؤالها، وأطلق لها من الجواهر والتحف شيئًا كثيرًا.
  • full passagepage 233, entry [55]5,807 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان على بن العساكر بن المرحب بن العوام أبو الحسن البطائحي (¬١) المقرئ اللغوي؛ سمع الحديث وأسمعه، وكان حسن المعرفة بالنحو واللغة، ووقف كتبه بمسجد ابن جَردة (¬٢) ببغداد، وتوفي في شعبان من هذه السنة، وقد نيف على الثمانين (¬٣). محمد بن سعيد بن محمد أبو سعد بن الرزاز؛ كان من المعد
    ▸ expand full passage (5,807 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان على بن العساكر بن المرحب بن العوام أبو الحسن البطائحي (¬١) المقرئ اللغوي؛ سمع الحديث وأسمعه، وكان حسن المعرفة بالنحو واللغة، ووقف كتبه بمسجد ابن جَردة (¬٢) ببغداد، وتوفي في شعبان من هذه السنة، وقد نيف على الثمانين (¬٣). محمد بن سعيد بن محمد أبو سعد بن الرزاز؛ كان من المعدلين، وسمع الحديث من ابن برهان (¬٤) وغيره، وكان ينظر في التركات، ويقول شعرًا مطبوعًا، كتب إليه بعض الناس مكاتبة تتضمن شعرا، فكتب في جوابها: يا من أياديه تُعيي (¬٥) من يُعدِّدُها … وليس يُحصي مدَاها من لها يَصِفُ عجزتُ عن شكر ما أَوْلَيتَ من كرم … وصرت عبدًا ولى في ذلك الشَّرفُ أهديتَ منظوم شعرٍ كلُّهُ دررٌ … فكُلُّ ناظم عقد دونه يقف إذا أتَيتَ [ببيتٍ] (¬٦) منه كان لنا … قصرًا ودُرُّ المعالي فوقَهُ شَرفُ وإن أتيت أنا بيتًا يناقضُهُ … أتيت لكن ببيتٍ سقفُهُ يَكِفُ ما كنتُ (¬٧) منه ولا من أهله أبدًا … وإنَّما حين أدنو منه أقتطِفُ مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد أبو عبد الله بن جوالق (¬٨)؛ الفقيه، سمع الحديث، وتفقه على أبي بكر الدينوري، وناظر، وعلت سِنُّه، وتوفي في ذي القعدة منها، ودفن بمقبرة أحمد، ﵀ (¬٩).مختار الخادم (¬١)؛ كان من خواص الخليفة، وكان يتدين، وعلت سِنُّهُ، توفي في آخر شعبان منها، ودفن في الترب بالرصافة (¬٢). على بن منصور أبو الحسن السروجي؛ الأديب مؤدب أولاد الأتابك زنكي (¬٣)، مات في هذه السنة، ومن شعره يذكر فصل الربيع، وفضل دمشق، ويمدح نور الدين محمود ابن زنكي بقصيدة مطلعها (¬٤): فصلُ الربيع زمانٌ نَورُهُ نُورُ … ونشرُ (¬٥) أزهاره مسك وكافُورُ تظل تشدو به الأطيار من طربٍ … فذا هزارٌ وقمري وشحرور (¬٦) كأن أصواتَها فوق الغصون ضُحًى … زيرٌ (¬٧) ويمٌّ ومزمارٌ وطنبور يا لائمي في دمشق إن لومك لي … لؤم وتشبيهك الزَّورا بها زورُ (¬٨) تكامل الحسن فيها مثلما كملت … أوصاف مولي بنشر العدل مشهورُ مولاي يا خير من يُدعى لمكرمة … وخير من زانه عقلٌ وتوقيرُ عِش وابقَ واسلم ومُر واحكم ودُم أبدًا … ما سحَّ (¬٩) غيثٌ وما هَبّت أعاصيرُ محمد (¬١٠) بن مسعود أبو المعالي بن القَسَّام الأصفهاني؛ توفي في هذه السنة، وكان أديبًا، ومن شعره يذم قاضيًا: ولما أنْ توليت القضايا … وفاض الجَورُ من كَفَّيكَ فَيضَا ذبحتَ بغير سكينٍ وإنِّي … لأرجو الذبحَ بالسِّكين أيضَاوفي المرآة: خرج إلى الحج، وتوفي بفَنْد (¬١). القاضي الشريف أبو محمد عبد الله العثماني الديباجي؛ من ولد الديباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁ ويعرف بابن أبي إلياس (¬٢)، من بيت القضاء والعلم، وكان واسع الباع في علم الأحاديث، كثير الرواية، قيمًا بالأدب، متصرفًا في النظم والنثر، إلا أنه مقل من النظم أوحد عصره في علم الشروط، قوله المقبول على كل العدول، مات في هذه السنة بالإسكندرية. شمس الدين ابن الوزير أبي المضاء (¬٣) خطيب الديار المصرية، وابن وزيرها؛ كان أول من خطب بديار مصر للخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، بأمر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم حظى عنده حتى كان قد جعله سفيرًا بينه وبين الملوك والخلفاء، وكان رئيسًا مطاعًا كريمًا ممدحًا، توفي في هذه السنة، وجعل مكانه في السفارة وأداء الرسائل ضياء الدين ابن قاضي القضاة الشهرزوري بمرسوم سلطاني، وكانت وظيفة مقررة (¬٤). وقال العماد الكاتب (¬٥): وفي ليلة الجمعة الثاني عشر من صفر ونحن في طريق الوصول إلى دمشق توفي شمس الدين ابن الوزير بدمشق. قاضي القضاة الشهرزوري، أبو الفضل محمد بن أبي محمد عبد الله بن أبي أحمد القاسم الشهرزوري؛ الملقب كمال الدين، الفقيه الشافعي، قاضي القضاة بدمشق، وكان فاضلًا دينًا أمينًا ثقة ورعًا، ولى القضاء بدمشق لنور الدين محمود بن زنكي. واستوزره أيضًا فيما حكاه ابن الساعي قال: وكان يبعثه في الرسائل، كتب مرة على أعلى القصة "إلى الخليفة المقتفي" (¬٦) محمد بن عبد الله الرسول، فكتب الخليفة تحت ذلك ﷺ.وقال ابن كثير (¬١): وقد فوض إليه نور الدين نظر الجامع ودار الضرب، وعَمَّر له المارستان والمدارس وغير ذلك من الأمور المهمة. وقال ابن خلكان (¬٢): وكانت ولادته سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل، وتوفي يوم الخميس سادس المحرم من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق، ودفن من الغد بجبل قاسيون. وقال: ولما ملك صلاح الدين الشام أَقَرَّه على ما كان عليه في أيام نور الدين. وكان شهما جسورًا كثير الصدقة والمعروف، وقف أوقافًا كثيرة بالموصل ونصيبين ودمشق، وبنى بالموصل مدرسة للشافعية، ورباطًا بمدينة الرسول (﵇). وتولى القضاء بالموصل أيضًا، وله نظم جيد، فمن ذلك قوله: ولقَد أتَيْتُك والنجومُ روَاصدٌ … والفجرُ وَهْمٌ في ضميرِ المشرقِ وركبتُ [م الأهوال] (¬٣) كُلَّ عظيمةٍ … شوقًا إليك لعلّنا أنْ نلتقِي (¬٤). وفي المرآة (¬٥): قدم بغداد وتفقه على أسعد الميهني (¬٦) بالنظامية (¬٧)، وسمع الحديث ببغداد والموصل، وكان رئيس أهل بيته، وولي قضاء القضاة بدمشق وحمص وحماة وحلب وجميع الشام في أيام نور الدين، وكان إليه أمر المدارس والمساجد والأوقاف والحسبة والأمور الدينية والشرعية، وكان صاحب القلم والسيف. وكانت شحنكية دمشق إليه، وليَّ فيها بعض غلمانه، ثم ولاها نور الدين لصلاح الدين، وكانت بينهمامضاغنة وكل واحد منهما ينقض حكم الآخر، فلما كتب إليه صلاح الدين بأن (¬١) يساعده على أخذ دمشق أعانه وفتح له أبوابها. فلما دخلها صلاح الدين مشي إلى دار كمال الدين وطيب قلبه، وجاء إلى الشيخ أحمد والد الشيخ أبي عمر شيخ الحنابلة -وأحمد أول من سكن منهم قاسيون- فزاره ومعه ألف دينار، فدفعها للشيخ أحمد فامتنع من أخذها. فاشترى كمال الدين قرية الهامة بوادي بَردَىَ (¬٢)، ووقف نصفها على الشيخ أحمد والمقادسة، والنصف الآخر على الأسارى، وهي باقية إلى هلم جرا. ولما مرض كمال الدين وهو بدمشق بلغ ابن أبي عصرون وهو بحلب، فقدم دمشق ودخل على القاضي كمال الدين وعانقه وبكيا، فلما توفي كمال الدين تولى ابن أبي عصرون أمره، وخرج في جنازته ماشيا هو وجميع الملوك مشاة؛ سيف الإسلام وتقي الدين عمر وشمس الدولة وغيرهم. وصلى عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون، فدفن بسفحه قريبا من الجادة عند مسجد البصار (¬٣). ولم يكن عنده من أولاده أحد وإنما كان عنده ابن أخيه ضياء الدين أبو الفضائِل (¬٤)، وكان كمال الدين قد تصدق بجميع ما كان عنده وأوصى بماله، ووقف أوقافًا كثيرة على أبواب البر، وقيل إنه لم يكن له كفن فكفن في إحرامه. وأوصى بالقضاء إلى ابن أخيه ضياء الدين مع وجود ولده، وكان لكمال الدين ولد اسمه محمد (¬٥) بن محمد بن عبد الله ولقبه محي الدين، وكان [أبو] (¬٦) ضياء الدين قاضيا على حلب، وهو تاج الدين الشهرزوري. وفي تاريخ الدولتين (¬٧): ولما مات كمال الدين كان عمره ثمانين سنة.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله العباسي، والسلطان صلاح الدين مخيم بمرج فاقوس، ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها، ثم قصد أن يسير إلى غزة وعسقلان.
  • full passagepage 245, entry [62]7,027 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن بكروش (¬٢) الحمامي أبو العباس؛ ولد سنة اثنتين وخمسمائة، وقرأ القرآن على أبي القاسم بن الحصين وغيره، وتفقه على أبي بكر الدينوري شيخ ابن الجوزي، وكان يكثر الصوم والصلاة، وتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. قال السبط (¬٣): وزوجه جدى أكبر بنا
    ▸ expand full passage (7,027 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن بكروش (¬٢) الحمامي أبو العباس؛ ولد سنة اثنتين وخمسمائة، وقرأ القرآن على أبي القاسم بن الحصين وغيره، وتفقه على أبي بكر الدينوري شيخ ابن الجوزي، وكان يكثر الصوم والصلاة، وتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. قال السبط (¬٣): وزوجه جدى أكبر بناته، يقال لها ست العلماء. صدقة بن الحسين بن الحسن أبو [الفرج] (¬٤) الحداد؛ ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة، فقرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقه وأفتى، وقال الشعر، ونظر في الكلام وناظر، وله تاريخ ذيَّل فيه على شيخه ابن الزاغوني، وفيه غرائب وعجائب. وقال ابن الساعي: وكان شيخا عالما فاضلا، وكان فقيرا يأكل من أجرة النسخ، وخط عليه ابن الجوزي (¬٥) في منتظمه، ورماه بالعظائم، وأورد من أشعاره ما فيه مشابهة لابن الراوندي (¬٦) في الزندقة، قال: وقرأ "الشفاء" لابن سينا؛ وكُتب الفلاسفة، وتغير اعتقاده، وكان يبدر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وتارة يسقف من جنس ابن الراوندي، وتارة يشير إلى عدم بعث الأجساد، وتارة يعترض على القضاء والقدر. قال: وقال لي يوما: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وقال: ما أدري من أين جئنا؟! وإلى أي مطبق (¬٧) يريدون أن يحملونا. قال: فلما تحقق هذا عندي هجرته سنين، ولما ماتما صليت عليه. ومع هذه الفواحش والاعتقاد السَيِّئ كان يُظهر الفقر ويطلب من الناس، فلما مات وجدوا له ثلثمائة دينار، ومات في ربيع الآخر، ودفن بباب حرب، وقال ابن [الجوزي] (¬١): يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر. محمد بن أسعد بن محمد بن أبي منصور (¬٢) العطاري المعروف بحفدة؛ ولد بطوس (¬٣)، وكانت له معرفة جيدة بالخلاف (¬٤)، وَأَنِسَ بالتفسير، وكان يعظ بتبريز، وناظر طويلا ودرس وأفتى، وقدم بغداد بعد الستين وخمسمائة فناظر بها، وتوفي بتبريز في رجب منها. محمد بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن الزيتوني أبو الثناء (¬٥)؛ سمع الحديث ووعظ وانقطع في مسجده، وتوفي في رمضان من هذه السنة ببغداد. محمد بن أبي نصر، أبو سعد بن المعوج (¬٦)؛ حاجب الباب. ضربه الباطنية يوم قتل الوزير أبي المظفر، كما نذكره الآن، وحمل إلى داره بنهر معلى (¬٧)، فدفن بها. محمد بن أحمد بن عبد الجبار أبو المظفر الحنفي المعروف بالمشطب (¬٨)؛ كان من الفضلاءِ المشاهير، تفقه ودرس وأفتى وناظر، وتوفي في هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وذكر في طبقات الحنفية أنه من أهل سِمنان (¬٩)، ورحل إلى مرو، وتفقه على أبي الفضل الكرماني وجال في بلاد خراسان، ثم دخل بغداد واستوطنها، وولي التدريس بمدرسة زيرك بسوق العميد، وحَدَّث عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن فرحانالسمناني، وأبي نصر أحمد بن الحسين بن رجب السمرقندي، سمع منه عمر بن على القرشي، وكان مولده في سنة أربع وتسعين وأربعمائة بسمنان، وتوفي يوم السبت الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الخيزران (¬١). ومن إنشادِهِ: يا أَيُّها الباحثُ عن مقْصِدِى … ليَقْتَدِى فيه بمِنْهَاجِي مِنهاجِي العقْلُ وقمْعُ الهوَى … فَهَلْ لمِنْهَاجِي مِنْ هَاجِ عَضُدُ الدولة أبو الفرج الوزير محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر [ابن] (¬٢) رئيس الرؤساء، أبي القاسم بن المسلمة (¬٣)؛ وزير الخليفة المستضيء، ولد في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان أبوه أستاذ دار (¬٤) المقتفى، وتولى المستنجد فأقره على ذلك، فلما آلت الخلافة إلى المستضيء بأمر الله استوزره، وكان يحفظ القرآن، وسمع الحديث، وله مروءة وإكرام للعلماءِ والفقراءِ، خرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثاءِ رابع ذي القعدة، فضربه الباطنية (¬٥) أربع ضربات على باب قطفتا (¬٦)، فحمل إلى داره هناك، ولم يتكلم إلا أنه قال: الله الله. وقال: ادفنوني عند أبي، ثم مات بعد الظهر، ودفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع. وفي المرآة (¬٧): لما ولى المستضيء استوزره، وشرع ظهير الدين أبو بكر صاحب المخزن في عداوته، فغير قلب الخليفة عليه، فطلب الحج في هذه السنة، فأذن له، فتجهز جهازا عظيما؛ اشترى ستمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معهجماعةً من العلماءِ والزهاد، ومارستانا فيه جميع ما يحتاج إليه، ومن الرواية والقرب والزاد وغيره ما لم يحمله وزير. فلما كان يوم الأربعاءِ رابع ذي القعدة ركب في شبارة (¬١) وعبر في دجلة إلى الجانب الغربي، وجميع أهل بغداد من الجانبين يدعون له ويبكون عليه؛ لأنه كان محسنًا إليهم بماله وجاهه ومروءته، قريبا من الناس، ولما صعد من الشبارة عند [القلعة] (¬٢) ركب وأرباب الدولة بين يديه، وخدم الخاصة، والنقيبان (¬٣)، وقاضي القضاة، ما عدا ظهير الدين بن العطار، فإنه لم يودعه. فلما ركب ضُرب البوق على عادة الوزراء، فلما وصل إلى باب قطفتا خرج عليه رجل صوفي وبيده قصة (¬٤)، فقال: مظلوم، فقال الغلمان: هات قصتك، فقال: ما أسلمها إلا إلى الوزير، فقال: دعوه تعال. فجاءَ إليه، فوثب عليه وضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني، وسقط من دابته، وانكشف رأسه، فغطاه بكمه، وبقي على قارعة الطريق ملقى، وتفرق من كان معه إلا حاجب الباب ابن المعوج، "فإنه" (¬٥) رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني بسكين فجرحه، وظهر له رفيقان، فقتلوا وأحرقوا، وحمل الوزير إلى داره بقطفتا وحمل الحاجب إلى داره. وكان الوزير قد رأى في تلك الليلة في منامه كأنه يعانق عثمان بن عفان (﵁) وكان قد اغتسل قبل أن يخرج من داره، وقال: هذا [غسل] (¬٦) الإسلام، وأنا مقتول بغير شك. ولم يسمع منه لما جُرِح غير قوله: الله الله، ادفنوني عند أبي. وكانت وفاته يوم الخميس، فغسل وكفن وحمل إلى جامع المنصور (¬٧)، "وصلى عليه ولده الأكبر، ودفنعند أبيه، مقابل جامع المنصور" (¬١). وحضر أرباب الدولة بأسرهم، وابن العطار صاحب المخزن، وجلس أولاده للعزاء يوم الجمعة. واختلفوا في سبب قتله، فقال قوم: أن يتامش واطأ (¬٢) الإسماعيلية على قتله لِما كان بينهما، فبعث الخليفة فقبض على يتامش، وأخذ أمواله وحبسه في التاج (¬٣). وقال آخرون: إنما وضع الإسماعيلية عليه ابن العطار صاحب المخزن وهو الظاهر، أسند الوزير الحديث عن أبي القاسم بن الحصين (¬٤) وغيره. وكان فاضلًا عادلا، وخرج ولده إلى الشام، وهو على بن محمد، فأحسن إليه صلاح الدين. الأمير شهابُ الدين محمود بن تكش الحارمي؛ خال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. كان من خيار الأمراء وشجعانهم، وقد أقطعه ابن أخته حماة حين فتحها، وقد حاصره الفرنج هناك وهو مريض، وكادوا يأخذون البلد، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام -كما ذكرنا- فانصرفوا خائبين (¬٥)، وتوفي شهاب الدين المذكور بعد ذلك في هذه السنة، وأعطى صلاح الدين حماة لناصر الدين منكورش بن خمارتكين صاحب صهيون (¬٦)، وقيل: إنما أعطاها لتقى الدين عمر، وكان ناصر الدين نائبا عنه، والله أعلم. كمشتكين الخادم؛ خادم نور الدين محمود بن زنكي، وكان من أكابر خدامه، ولاه قلعة الموصل نيابة عنه، فلما مات نور الدين هرب إلى حلب، وأقطعه الملك الصالح حَارِمَ، وأقام بها وعصى عليه، فلما حصره الفرنج صالحه -كما ذكرناه- ثم قتله الملك الصالح كما ذكرناه. فاطِمَةُ بنت نصر بن العطار (¬٧)؛ توفيت يوم الأربعاء السادس عشر من رمضان منها، ودفنت عند أبيها، وشاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا، ما خرجت من بيتها في عمرها إلا ثلاث مرات لضرورة، وما كانت تلتفت إلى زينة الدنيا، رحمها الله.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء بأمر الله، والسلطان صلاح الدين بالشام، وجاءَه كتاب من القاضي الفاضل وهو بالديار المصرية؛ يهنئه بوجود مولود له، وهو أبو سليمان داود، وهو مُوَّفٍ لاثني عشر ولدا، وقد ولد "له" (¬١) بعده عدة ذكور أيضا، فإنه توفي (¬٢) عن سبعة عشر ولدًا ذكرًا وابنة صغيرة، وهي مؤنسة خاتون، التي تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد ابن الملك العادل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وذكر هذا في تاريخ الدولتين (¬٣) في السنة الماضية نقلا عن عماد الكاتب. وفي رمضان وصلت الخلع السنية من الخليفة إلى السلطان صلاح الدين وهو بدمشق، وزيد في ألقابه معز أمير المؤمنين، وخلع أيضا على أخيه توران شاه، ولقب بمصطفى أمير المؤمنين (¬٤). وفي هذه السنة أسقط صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة، وقد كان يؤخذ منهم (¬٥) شيء كثير، ومَنْ عجز عن أدائه حبس، وربما فاته الوقوف بعرفة، وعوض السلطان أميرها بمال يُحمل إليه من مصر، وبغلال في كل سنة ثمانية آلاف إردب، ليكون عونًا له ولأتباعه، وقرر أيضا قدر ذلك للمجاورين، يحمل إليهم كل سنة.
  • full passagepage 265, entry [74]3,339 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان إبراهيم بن على أبو إسحق السلمي؛ الفقيه الشافعي المعروف بابن الفراء الآمدي (¬٧) ثم البغدادي، كان فقيها بارعا فاضلا مناظرا فصيحا بليغا شاعرا مطبقا، مات في هذه السنة عن أربع وسبعين سنة، وصلى عليه أبو الحسن القزويني مدرس النظامية (¬٨).إسحق وإسماعيل ابنا أبي منصور موهوب بن الج
    ▸ expand full passage (3,339 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان إبراهيم بن على أبو إسحق السلمي؛ الفقيه الشافعي المعروف بابن الفراء الآمدي (¬٧) ثم البغدادي، كان فقيها بارعا فاضلا مناظرا فصيحا بليغا شاعرا مطبقا، مات في هذه السنة عن أربع وسبعين سنة، وصلى عليه أبو الحسن القزويني مدرس النظامية (¬٨).إسحق وإسماعيل ابنا أبي منصور موهوب بن الجواليقي؛ فأما إسحق، فكنيته أبو طاهر، ولد في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وقرأ عليه ابنه الأدب والحديث، وسمع من [ابن] (¬١) الحصين وغيره، ومات في رجب، ودفن في باب حرب. وأما إسماعيل: فكنيته أبو محمد، ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وقرأ عليه ابنه الأدب، وبرع فيه، وسمع من [ابن] (¬١) الحصين، وابن السمرقندي وغيرهما، وأقرأ الأدب بعد أبيه، وروى عنه جماعة منهم عبد العزيز بن الأخضر، وكان يثني عليه ويقول: هو في النسك والعبادة أبلغ من أبيه. وقال ابن كثير (¬٢): لقب إسماعيل المذكور حجة الإسلام، أحد أئمة اللغة في زمانه، والمشار إليه من بين أقرانه بحسن الدين، وقوة اليقين، وعلم اللغة والنحو، وصِدْق اللهجة، وخلوص النية، وحسن السيرة. المبارك بن علي بن الحسين (¬٣) بن عبد الله بن محمد أبو محمد بن الطباخ البغدادي؛ نزيل مكة ومجاورها، وحافظ الحديث بها، والمشار إليه بالعلم فيها، مات في هذه السنة، وكان يوم جنازته يوما مشهودا. محمد بن الحسين أبو الفرج الهيتي؛ وُلد بهيت (¬٤) سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وسكن بغداد، وكان فاضلا، له نظم ونثر، فمن النظم: يا رَاقِدًا أَسْهرَ لى مُقلةً … [عَزِيزةً] (¬٥) عندي وأبْكاها ما آن للهجرانِ أَنْ ينقَضِي … عن مُهْجةٍ هَجْرُك أضنَاها إنْ كُنتَ ما تَرحَمني فَارتَقِبْ … يا قَاتِلى في قَتْلِى اللهَومن النثر: من كان الصمت شجرته، كانت السلامة ثمرته. في احتراز اللبيب ما يغنيه عن الطبيب. من ترك المرا استمال الورى. وكانت وفاته في شعبان، ودفن بباب حرب، سمع عبد الوهاب الأنماطي وغيره، وروى عنه مشايخ السبط (¬١). محمد بن محمد بن عبد الكريم أبو الفرج بن الأنباري؛ كاتب الإنشاء بديوان الخليفة، ولد سنة سبع وخمسمائة، وهو من بيت الرئاسة والكتابة، ناب في الديوان من حين توفي والده سديد الدولة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة إلى هذه السنة، وكانت وفاته في ذي القعدة، وصلى عليه بجامع القصر، ودفن عند والده بمقابر قريش، سمع أبا محمد بن أحمد السمرقندي وطبقته، وكان فاضلا عاقلا نزها عفيفا. محمد بن علي بن أحمد بن علي بن محمد أبو الفتح الدامغاني بن قاضي القضاة [أبي الحسن] (¬٢)؛ من بيت الرئاسة والفضل والقضاء، استنابه أبوه في القضاء، وكان فاضلًا نزها عفيفًا، توفي وهو شاب في شوال، ودفن بنهر القلائين، وبها كانت منازلهم. علم بنت عبد الله بن المبارك؛ زوجة الزبيدي شيخ الوزير ابن هبيرة، كانت تضاهي رابعة العدوية، تقرأ القرآن، ولا تفتر من الذكر، ولم يكن في زمانها مثلها، وكانت صابرة على الفقر ورعة، توفيت ببغداد، وعمرها (¬٣) مائة سنة وست سنين، لم يتغير عليها من حواسها شيء، بل كأنها يوم ولدت. وفي المرآة (¬٤): مرض ولدها أحمد بن الزبيدي، فاحتضر، وجاء وقت الصلاة فقالت: يابني ادخل في الصلاة، فدخل وكبر فمات، فخرجت إلى النساء وقالت: هنينني. قلن: بماذا؟ قالت: مات ولدي في الصلاة، ﵂ وعن ولدها.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو الإمام الناصر لدين الله العباسي، وسلطان مصر والشام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب حلب الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود، وصاحب الروم -صاحب قونية وأقصراي- قليج (¬١) أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وصاحب مملكة العجم ابن بهلوان، وصاحب الغورية ابن سام، وصاحب الموصل والجزيرة غازي بن مودود، وصاحب خلاط شاهرمَنْ، وصاحب ماردين أيلغازي بن نجم الدين إلبي، وصاحب حصن كيفا وآمد نور الدين محمد بن قرا أرسلان، وصاحب إربل زين الدين يوسف بن علي كوجك، وصاحب مكة الأمير داود بن عيسي بن محمد بن أبي هاشم، وصاحب الغرب أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وصاحب غزنة شهاب الدين الغوري.
  • full passagepage 273, entry [78]10,225 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان مبارك بن علي بن الحسين بن الطباخ أبو محمد البغدادي (¬٥)؛ نزيل مكة، أقام بها أربعين سنة يؤم الناس، حطيم لا يراه أحد في غير المحرم، ويعتمر كل يوم ويتعبد ولا يراه أحد، فتوفي فيها بشوال، ودفن بالمعلي، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته، وكان صالحًا ثقة. [سعيد] (¬٦) بن عبد الله ب
    ▸ expand full passage (10,225 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان مبارك بن علي بن الحسين بن الطباخ أبو محمد البغدادي (¬٥)؛ نزيل مكة، أقام بها أربعين سنة يؤم الناس، حطيم لا يراه أحد في غير المحرم، ويعتمر كل يوم ويتعبد ولا يراه أحد، فتوفي فيها بشوال، ودفن بالمعلي، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته، وكان صالحًا ثقة. [سعيد] (¬٦) بن عبد الله بن القاسم: أخو كمال الدين الشهرزوري قاضى الشام، وهذا أصغر أخوة كمال الدين، ولد سنة ست وخمسمائة، وكنيته أبو الرضى، قدم بغداد وتفقه بها، وسمع شيوخها، وخرج إلى خراسان، فأقام عند محمد بن يحيى النيسابوري (¬٧) مدةفكان يحترمه ويقول: هذا من بيت الرياسة والفضل، ثم عاد إلى الموصل، وقد برع وصار أَوجَهَ أهل بيته، وقدم رسولا من الموصل إلى بغداد مرارًا، وتوفي بالموصل، وكان ثقة جليلا نبيلا. أحمد بن محمد أبو المظفر البغدادي؛ ولد سنة عشر وخمسمائة في شعبان، وسمع الحديث الكثير ورواه، وبنى مسجدا ببغداد في درب الرياحين يعرف به، وهو قائم إلى هلم جرَّا، وتوفي بالمخزن محبوسا بعدما ذهب بصره، ودفن بباب حرب، سمع أبا القاسم بن الحصين، وابن السمرقندي، وقاضى المارستان، وغيرهم، وكان صالحًا ثقة. السِّلَفي أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم سِلَفة الأصفهاني، الملقب صدر الدين أبو الطاهر السِلفي (¬١)؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث، ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعى المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على الكيَا أبي الحسن "على" (¬٢) الهراسي (¬٣) في الفقه، وعلى الفقيه الخطيب أبي زكريا يحيى بن على التبريزي اللغوي في اللغة، وروي عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل، وجاب البلاد، وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان قدومه إليها في البحر من مدينة صُور، وأقام بها، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن له مثل في آخر عمره في عصره، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن سلار -وزير الظافر العبيدي صاحب مصر- في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المحروس المذكور، وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن (¬٤). وقال ابن خلكان (¬٥): أدركتُ جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني، وكان كتب الكثير، ونقلتُ من خطه فوائد جَمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي عن قصيدة:لَوْلا اشْتغالى بالأميرِ ومَدْحِه … لأَطْلتُ في ذاك الغزالِ تَغَزُّلي لَكنَّ أَوصافَ الجلالِ عَذُبْنَ لِي … فَتَركتُ أوصافَ الجمالِ بمَعْزِلِ وكان كثيرًا [ما] (¬١) ينشد: قالوا نفوسُ الدَّار سكانُها … وأنتم عندي نفوسُ النُفوسِ (¬٢) وأماليه وتعاليقه كثيرة، وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبا بأصفهان، ويقال: مولده سنة ثمان وسبعين. والله أعلم، وتوفي ضحوة نهار الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، ودفن في وَعْلة (¬٣)، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الأخضر، فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره ﵃. وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمةً حسنةَ وإن كان قد مات قبله بخمس سنين، فذكر رحلته في طلب الحديث، ودورانه للأقاليم، وأنه كان يتصوف أولا، ثم أقام بالإسكندرية، وتزوج امرأة ذات يسار، فحسنت حاله، ووقفت عليه مدرسة هنالك (¬٤)، وذكر طرفًا من أشعاره، منها قوله: أَتأْمنُ إلمام المنية بغْتةً … وأمْنُ الفَتَى جُهلٌ ولو (¬٥) خَبَرَ الدَّهرَا وليسَ يُحابِى الدَّهرُ في دَوَرانِه … أراذِلَ أهليه ولا السادةُ الزُّهْرا وكيفَ وقد ماتَ النبي [(ﷺ)] وصَحبُه … وأزواجُه طرًا وفاطمةُ الزهْرَا ومن شعره الذي أورده ابن عساكر قوله:يا قاصِدًا علم الحديثِ يَذُمُّهُ … إِذْ ضَلَّ عن طُرْقِ الهدايةِ وَهْمُهُ إِنَّ العلومَ كما عَلِمْتَ كثيرةٌ … وأجَلَّهَا فِقْهُ الحديثِ وعِلْمُهُ مَنْ كانَ طالِبُه وفيه تَيَقُّظٌ … فأتمُّ سَهْمٍ في المعاني سَهْمُهُ لَوْلَا الحديثُ وأهلُه لم يسْتَقِمْ … دِينُ النبيِّ وَشَذَّ عَنَّا حُكْمُهُ وإذا اسْتَرابَ بقولِنا مُتَحَذْلِقٌ … فَأَكَلُّ (¬١) فَهْمٍ في البسيطةِ فَهْمُهُ والسِّلَفِيّ بكسر السين المهملة وفتح اللام وكسر الفاء، نسبة إلى سلفة، لقب جده إبراهيم. وفي المرآة (¬٢): لقب جده أحمد كان يعرف به، ويلقب به؛ وذلك لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل الشفتين، غير الأخرى الأصلية، فقالوا له بالعجمية: سِه لَبَهْ، فلفظ سه هو الثلاثة بالعَجمي، ولب هو الشفة، فلما عربوه قالوا: سِلفَة. أسقطوا الهاء من سه، وأبدلوا الباء في لبه فاءً، فقالوا: سلفة. والنسبة إليه السلفي (¬٣). وَوَعْلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام وفي آخرها هاء، وهي مقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وَعْلة السبئي المصري صاحب ابن عباس، وقيل غير ذلك. سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر؛ صاحب الموصل، تقلد المملكة بعد وفاة أبيه مودود، وهو والد سنجر شاه، صاحب جزيرة ابن عمر (¬٤)، أقام في الملك عشر سنين وشهورًا، وأصابه مرض مزمن، وتوفي يوم الأحد ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتولى بعده أخوه عز الدين مسعود (¬٥).وقال ابن كثير (¬١): وكان سيف الدين غازي المذكور شابا حسنًا مليح الشكل تام القامة، مدور اللحية، مكث في الملك عشر سنين، ومات عن ثلاثين سنة، وكان عفيفا في نفسه، مهيبا وقورًا، لا يلتفت إذا ركب ولا إذا جلس، غيورًا لا يدع أحدًا من الخدام يدخل على النساء، وكان لا يقدم على سفك الدماء، وينسب إلى شيء من البخل، فأجلس مكانه في المملكة أخاه عز الدين مسعود، وجعل مجاهد الدين قيماز نائبه ومدبر مملكته. وجاءت رسل الخليفة يلتمسون من صلاح الدين أن يبقى سروج (¬٢) والرها والرقة، وحران والخابور ونصيبين في يده، كما كانت في يد أخيه، فامتنع السلطان من ذلك، وقال: هذه البلاد هي حفظ [ثغور] (¬٣) الإسلام، وإنما كنت تركتها في يده؛ ليساعدنا على غزو الإفرنج، فلم يكن يفعل ذلك، وكتب إلى الخليفة يعرفه بذلك. وفي تاريخ بيبرس: وكان مرض غازي السِل، وأراد أن يعهد بالملك إلى ابنه الأكبر معز الدين سنجرشاه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة، فخاف من صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يجبه أخوه مسعود إلى ذلك، فأشار عليه أكابر دولته بأن يجعل الملك في أخيه عز الدين مسعود، وأن يجعل لولديه بعض البلاد، وأن يكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما، والمتولى لأمرهما مجاهد الدين قيماز، ففعل ذلك، وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجرشاه، وقلعة الحميدية (¬٤) لولده الصغير ناصر الدين، وكان مجاهد الدين قيماز الحاكم في الجميع. وقال ابن الأثير (¬٥): كان قد علق به سل، وطالت علته، وأجدبت البلاد قبل موته، وخرج الناس يستسقون، وخرج سيف الدين معهم، فاستغاث إليه الناس، وقالوا: كيف يستجاب لنا والخمور والخواطيء والمظالم بيننا؟! فقال: قد أبطلتها. ورجعوا إلى البلدوفيهم رجل صالح يقال له: أبو الفرج الدقاق، فأحرق الخمور لا غير، ونهب العوام دكاكين الخمارين، فاستدعى الدقاق والى القلعة، وقال له: أنت جَرَّأْتَ العوام على السلطان. وضرب على رأسه، فانكشفت رأسه، وأطلق ونزل مكشوف الرأس، فقيل له: غطى رأسك، فقال: لا والله لا غطيتها حتى يُنتقم لي ممن ظلمني. فمات الدزدار (¬١) والذي ضربه بعد قليل، ومرض سيف الدين وتوفي. ذكر حكايته مع الشيخ أبي أحمد الحداد الزاهد: كان أبو أحمد قد انقطع في قرية من بلد الموصل، يقال لها الفضلية (¬٢)، ومنها أصله، وهي على فراسخ من الموصل. قال السبط (¬٣): حدثني أبو بكر القديمى وإسماعيل الشعار، وكانا قد صحبا الشيخ أبا أحمد، "قالا: كان سيف الدين يزور الشيخ أبا أحمد" (¬٤)، فقال له يوما: "يا" (¬٥) سيف الدين أي فائدة في زيارتك وأنت تشرب الخمر، وتبيح المحرمات، وتمكس (¬٦) المسلمين؟ فإن كنت تدع هذا وإلا فلا تجيء إلى عندى. فقال: يا سيدي أنا تائب إلى الله من جميع ما قلت، وترك الجميع وعاد إلى ما كان عليه. وكان للشيخ طاقة على باب الزاوية، ينظر من يجيء من دمشق، قال: فبينما نحن عنده يوما، إذا بسيف الدين قد أقبل، وصعد على الدرج، فقال: يا أبا بكر أغلق الباب في وجهه وقل له مالك عندي شغل، وادفعه إلى أسفل الدرج. قال أبو بكر القديمي: فخرجت فاستحييت منه، فقال لي سيف الدين: يا شيخ أفعل بي ما أمرك الشيخ وأدار ظهره إلىَّ، فدفعت في ظهره، حتى أنزلته إلى أسفل الدرج، فقعد يبكي، وصاح الجند بأسرهم، فأشار لهم (¬٧) أناسكتوا، ثم قال لي: يا شيخ أبو بكر اصعد إلى الشيخ، وقل له: فما لي توبة؟ قال: فصعدت إليه وأخبرته، فقال: قل له يجوز، قد أذنت له. قال: فخرجت وقلت له: بسم الله، فدخل على الشيخ، فبكى وقبَّل يده، وتاب إلى الله تعالى، وعاد إلى الموصل، وأقام مدة يسيرة، ومات يوم الأحد ثالث صفر، ولم يبلغ ثلاثين سنة، وكانت ولايته عشر سنين وشهورًا. وأراد أن يعهد إلى ابنه سنجر شاه، فامتنع أخوه عز الدين مسعود من ذلك، وقال له مجاهد الدين قيماز وأكابر الأمراء: قد علمت استيلاء صلاح الدين على البلاد وقربه منا، وسنجر شاه صبي لا رأي له، وأخوك عز الدين كبير السن، صاحب رأي وشجاعة، فاعهد إليه واجعله وصيًا على أولادك، ففعل. وكانت الرعية قد خافت من عز الدين مسعود؛ لإقدامه على سفك الدماء وحدَّته. فلما ولي تغيرت أخلاقه، فصار رفيقًا بالرعية، قريبًا منهم، محسنا إليهم. ولما مات سيف الدين كان صلاح الدين في حدود الروم، فأرسل إليه مجاهد الدين قيماز الفقيه أبا شجاع بن الدهان البغدادي (¬١)، فطلب منه أن يكون مع عز الدين، كما كان مع أخيه سيف الدين، ويبقى عليه الجزيرة وما بيده من حران والرها والرقة وخابور ونصيبين وقاطع الفرات، فقال صلاح الدين: أما ما خلف له من بلاد الموصل فهو باق على حاله، وأما ما ذكره من بلاد الجزيرة فإنما كانت بيده بشفاعة الخليفة، على شرط أن يقوى ثغور المسلمين بالمال والعساكر، أما الآن فالخليفة قد فوَّض أمرها إلىَّ، لا أفعل "فيها" (¬٢) إلا ما أراه من المصلحة. الملك المعظم توران شاه؛ مات في هذه السنة. وقال ابن كثير (¬٣): السلطان الأكبر الملك المعظم شمس الدولة (¬٤) توران شاه بن أيوب، الذي افتتح بلاد اليمن عند أمر أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فمكث فيها حينًا، واقتنيمنها أموالا جزيلة، ثم استناب فيها، وأقبل نحو أخيه إلى الشام؛ شوقا إليه. وكان قدومه إليه في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة كما ذكرنا، فشهد معه مواقف مشهودة وغزوات محمودة، واستنابه على دمشق مدة، ثم سار إلى مصر فاستنابه على الإسكندرية (¬١) فلم توافقه، وكان يعتريه القُولَنج (¬٢) فمات بها في هذه السنة، فدفن فيها. ثم نقلته أخته ست الشام بنت أيوب فدفنته بتربتها التي بالشامية البرانية (¬٣) بدمشق، فقبره القبليّ، والوسطاني قبر زوجها ابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، والمؤخر قبرها، رحمها الله. والتربة الحسامية منسوبة إلى ولدها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي إلى جانب المدرسة من غربيّها، وقد كان الملك تورانشاه كريما جوادا ممدَّحا شجاعا باسلًا، عظيم في [الهيبة] (¬٤)، كبير النفس واسع الصدر. وقال فيه ابن سعدان الحلبي: هو المَلكُ إِنْ تَسْمَع بكسرى وقيصر … فإنهما في الجودِ والبأسِ عَبْدَاهُ وما حاتمٌ (¬٥) ممن يُقاسُ بمثلِه … فخُذْ ما رأيناه ودَعْ ما رويناهُ ولُذْ بِذُرَاهُ مستجيرًا فِإنَّه … يُجِيرُك مِنْ جَوْرِ الزمانِ وعَدْواهُ ولا (¬٦) تتحَمَّلْ للسحائبِ مِنَّةً … إذا هطلت (¬٧) جُودًا سَحَائبُ جَدْواهُ ويُرسِلُ كَفْيه بما اشْتُق منْهُما … فَلِليُمْنْ يمناه (¬٨) ولِلْيُسْرِ يُسْراهُ ولما بلغ خبر موته إلى أخيه السلطان صلاح الدين، وهو مخيم بظاهر حمص، حزن حزنا شديدًا عليه، وجعل ينشد باب المراثي من الحماسة، وكانت محفوظته.وقال ابن خلكان (¬١): وكانت وفاة تورانشاه يوم الخميس مستهل صفر، ويقال: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة. وتورانشاه بضم التاء المثناة من فوقها (¬٢) وسكون الواو وبعدها راء مهملة، ثم بعد الألف نون ساكنة، وبعدها شين معجمة وألف ساكنة وهاء، ومعناه ملك الشرق، وشاه لفظ أعجمي ومعناه الملك. وتوران اسم لبلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه (¬٣) فقالوا: توران. وقد علم أن المضاف إليه يقدم على المضاف في لغتهم. فافهم.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، غير أن الملك الصالح بن نور الدين محمود مات في هذه السنة.
  • full passagepage 290, entry [83]3,055 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو البركات عبد الرحمن (¬٣) بن أبي الوفاء محمد بن [عبيد (¬٤)] الله بن محمد ابن [عبيد الله] (¬٥) بن أبي سعيد بن الحسن [بن سليمان الأنباري] (¬٦)، الملقب كمال الدين، النحوي؛ كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وسكن بغداد من صباه إلى أن مات، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي
    ▸ expand full passage (3,055 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو البركات عبد الرحمن (¬٣) بن أبي الوفاء محمد بن [عبيد (¬٤)] الله بن محمد ابن [عبيد الله] (¬٥) بن أبي سعيد بن الحسن [بن سليمان الأنباري] (¬٦)، الملقب كمال الدين، النحوي؛ كان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، وسكن بغداد من صباه إلى أن مات، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، بالمدرسة النظامية ببغداد، وتصدر لإقراء النحو على أبي منصور الجواليقي، وصحب أبا السعادات هبة الله بن الشَّجرى، وأخذ عنه وانتفع بصحبته، وتبحر في علم الأدب، واشتغل عليه خلق كثير وصاروا علماء. وصنف في النحو كتاب "أسرار العربية"، وله كتاب "الميزان" في النحو أيضا، وله كتاب في "طبقات الأدباء"، جمع فيه المتقدمين والمتأخرين مع صغر حجمه، وكُتُبه كلها نافعة. "وكانت نَفْسُه مباركة" (¬٧) ما يقرأ (¬٨) عليه أحد إلا تميز (¬٩). وانقطع في آخر عمره في بيته مشتغلا بالعلم والعبادة، وترك الدنيا ومجالسة أهلها، ولم يزل على سيرة جيدة (¬١٠)،وتوفي في تاسع (¬١) شعبان من سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز بترية الشيخ أبي إسحق الشيرازي، وخلت بغداد عن مثله. وفي المرآة (¬٢): وكان إماما في كل فن مع الزهد والورع والعبادة، والصبر على الفقر مع القدرة، ولا يقبل بر أحد، وكان يحضر دعوة الخليفة في كل سنة مرة، فيبعث إليه بالخلع والذهب، فيرد الجميع، وكان [يستديم] (¬٣) الصوم ويفطر على أي شيء كان، وبابه مفتوح لطلاب العلم لا يرد أحدا، ﵀ تعالي.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والسبعين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم، والسلطان صلاح الدين خرج من مصر إلى الشام فى خامس المحرم من هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بمصر، لم يعد إليها بعد ذلك. وفى تاريخ المؤيد (¬١): وفى خامس المحرم سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى الشام، ومن عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس لوداعه، أخذ كل منهم يقول شيئاً فى الوداع وفراقه، وفى الحاضرين [٢٢٣ و] معلمٌ لبعض أولاد السلطان، فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد: تَمتَّعْ من شَمِيمِ عُرارِ نجد … فما بعدَ العشِيَّة من عُرارِ فتطيَّر صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه، وتنكد المجلس على الحاضرين، فلم يعد صلاح الدين "بعدها" (¬٢) إلى مصر مع طول المدة، وسار السلطان وأغار فى طريقه على بلاد الفرنج، وغنم ووصل إلى دمشق فى حادى عشر صفر من هذه السنة (¬٣). وفى المرآة (¬٤): وفى خامس المحرم من هذه السنة خرج صلاح الدين من مصر، ونزل البِرْكة قاصداً إلى الشام، وخرج أرباب الدولة لوداعه، وأنشد الشعراء أبياتا فى الوداع، فسمع قائلا يقول فى ظاهر الخيم: تمتع (¬٥) إلى آخره. وطلب القائل، فلم يوجد، فوجم السلطان وتَطَيّر الحاضرون، فكان كما قال اشتغل السلطان بالشرق والإفرنج، ولم يعد بعدها إلى مصر.وسار السلطان على أيلة والحسا (¬١) ووادى موسى (¬٢)، وكان فرخشاه بدمشق، فبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا عند الكرك؛ لقصد السلطان، فخرج من دمشق فنزل طبرية وعكا ودَبُّورِية، فقصدوه فالتقاهم وكسرهم، وقتل منهم ألوفًا، وأسر وساق عشرين ألفا من الأنعام وغيرها، وفتح حصنا مشرفًا على السواد على شقيف، يقال له حصن جلدك، وقتل من فيه، وأسكنه المسلمين وجعلهم طلائع، وساق إلى بُصْرى، فالتقى السلطان عندها فسُرَّ به، ودخلا دمشق فى صفر. وفى تاريخ ابن كثير (¬٣): أغار صلاح الدين فى طريقه على أطراف بلاد الفرنج بأرض الكرك، وجعل أخاه تاج الملوك (¬٤) بورى بن أيوب على الميمنة يسير ناحية عنه، ليتمكنوا من بلاد العدو، فالتقوا على الأزرق (¬٥) بعد سبعة أيام، ووصل السلطان إلى دمشق فى حادى عشر صفر منها، وقيل فى سابع [عشر] (¬٦).
  • full passagepage 300, entry [87]8,504 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن على أبو طالب الفقيه الحنفى المعروف بابن الكجلو (¬١)؛ من أهل المدائن. قال ابن النجار: كان يتولى الخطابة بها مدة، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بمدرسة سعادة على شاطئ دجلة، وكان أديبا فاضلا له شعر حسن، وحدَّث عن أبى غالب محمد بن الحسن الماوردى بيسير، وتوف
    ▸ expand full passage (8,504 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان أحمد بن محمد بن على أبو طالب الفقيه الحنفى المعروف بابن الكجلو (¬١)؛ من أهل المدائن. قال ابن النجار: كان يتولى الخطابة بها مدة، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بمدرسة سعادة على شاطئ دجلة، وكان أديبا فاضلا له شعر حسن، وحدَّث عن أبى غالب محمد بن الحسن الماوردى بيسير، وتوفى يوم الخميس السبعة عشر خلت من ذى الحجة من هذه السنة، ومن أشعاره من قصيدة: لَهِيبُ فُؤادٍ حَرُّه ليس يَبْرُدُ … وذائِبُ دمْعٍ بالأسى ليس يَجْمُدُ وما كُلُّ مرتاحٍ إلى المجدِ ماجدٌ … ولا كُلُّ من يهوَى السيادَة سَيِّدُ وَمَنْ يزرع المَعْروفَ بَذْرًا فإنَّه … على قدْر ما قَدْ قَدَّمَ البذْرَ يحْصُدُ والكُجْلُو بضم الكاف وسكون الجيم وضم اللام وبعدها واو. القطب النيسابورى، واسمه مسعود بن محمد بن مسعود أبو المعالى الفقيه الشافعى (¬٢)، ولد سنة خمس وخمسمائة بنيسابور، وأبوه من طُرَيْثيث (¬٣)، وتفقه القطب بنيسابور، وسمع الحديث، ودرَّس [٢٢٥ ظ] بالنظامية "التى بنيسابور" (¬٤) نيابة عن [الجُوينى] (¬٥)، وقدم دمشق في سنة أربعين وخمسمائة، ووعظ بها، وما كان الوعظ من فنه، وحضر نور الدين مجلسه، ودرَّس بالمجاهدية (¬٦)، ثم بالزاوية الغربية في الجامع بعد وفاه نصر المقدسى (¬٧)، ثم سافر إلى حلب ودرس بالمدرستين اللتين لنور الدين وأسد الدين، ثم عاد إلى دمشق فحَّدث ودرَّس بها، فتوفى يوم عيد الفطر، وصلى عليه بجامعدمشق، وكان "يومًا" (¬١) مشهودًا، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع (¬٢)، وتزوج الفخر بن عساكر بنته، وذكره ابن عساكر وأثنى عليه، وقال (¬٣): إنه رأى أبا نصر بن القشيري والمشايخ. ممدود الذهبى البغدادى (¬٤)؛ كان مجاب الدعوة، أتهم بسرقة، وأتى به إلى باب النوبى، ومُد ليضرب، فرفع النقيب يده ليضربه، فيبست يده، فقال له حاجب الباب: مالك؟ فقال: قد يبست يدى، فرفعوه من الأرض، فعادت يده صحيحة، فمدوه، وعاد النقيب ليضربه، فيبست يده، فعلوا به ذلك ثلاث مرات، فلما كان في المرة الثالثة بكى حاجب الباب، وقام له وأجلسه إلى جانبه واعتذر له، وكتب إلى الخليفة فأخبره، فأمره أن يحسن إليه، وكانت وفاته في هذه السنة. أبو منصور هاشم بن المستضئ (¬٥)، أخو الإمام الناصر لدين الله؛ مات في هذه السنة، وكان شابا حسنا دينًا، وأشار ابن العطار بتوليته الخلافة، فلم يتم ذلك، فتوفى في شعبان، ودفن عند أبيه المستضئ. فخر الدولة بن الحسن بن هبة الله بن محمد بن على بن المطلب أبو المظفر؛ وكان أبوه أبو المعالى وزيرا، وأخوه أبو المكارم على أستاذ الدار، وكان فخر الدولة فاضلا سديد الرأى، كثير الصدقات دائم المعروف سخيا، ذا مروءة ظاهرة، وله ببغداد آثار جميلة منها؛ جامعهُ المعروف بفخر الدولة غربى بغداد، غرم عليه أموالاً عظيمة، ومنها رباطه شرقى بغداد عند عقد المصطنع عند دار الذهب، ووقف عليهما أوقافا كثيرة. وكانت وفاته في شوال، ودفن بجامعه غربى بغداد، وله شباك يشرف على دجلة (¬٦). وقال السبط (¬٧): قد رأيت هذا الجامع في سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وقد استولت دجلة عليه، فأخربت بعضه والظاهر أنها تخرب الباقى.ابن بَشْكُوال، أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال (¬١) بن يوسف بن داحَة بن داكة بن نصر بن عبد الكريم بن وافد الخزرجى القرطبى؛ كان من علماء الأندلس، وله التصانيف المفيدة، منها "كتاب الصلة" الذى جعله ذيلا على "تاريخ علماء الأندلس" تصنيف القاضى أبى الوليد عبد الله المعروف بابن الفرضى (¬٢)، وقد جمع فيه خلقا كثيرا. وله تاريخ صغير في أحوال الأندلس، وما أقْصَر فيه، وكتاب "الغوامض والمبهمات" ذكر فيه من جاء ذكره في الحديث مبهماً وعينه، ونسج فيه على منوال الخطيب البغدادى في كتابه الذى وضعه على هذا الأسلوب، وجزء لطيف ذكر فيه من روى "الموطأ" عن مالك بن أنس ﵀ ورتب أسماءهم على حروف المعجم، فبلغت عدتهم ثلاثة (¬٣) وسبعين رجلاً، ومجلد لطيف سماه " [كتاب] (¬٤) المستغيثين بالله تعالى عند [المهمات] (¬٥) والحاجات"، وغير ذلك من المصنفات. وتوفى ليلة الأربعاء لثمانية خلون من شهر رمضان من هذه السنة [٢٢٦ و] بقرطبة، ودفن يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر بمقبرة ابن عباس، بالقرب من قبر يحيى بن يحيى. وداحة: بفتح الدال المهملة وبعد الألف حاء مهملة أيضاً مفتوحة ثم هاء ساكنة. وداكة: مثلها إلا أن عوض الحاء كاف. وبشكوال: بفتح الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وبعد الواو ألف ولام. وتوفى والده أبو مروان عبد الملك بن مسعود صبيحة يوم الأحد، ودفن عشاء يوم الاثنين لأربعة بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائه، وعمره نحو ثمانين سنة.الشيخ أحمد بن الرفاعى؛ هو أبو العباس أحمد بن أبى الحسن على بن أبى العباس أحمد المعروف بابن الرفاعى، كان رجلاً صالحا شافعى المذهب، وكان متواضعًا سليم الصدر، مجردًا من الدنيا، وما ادخر شيئاً قط. وقال ابن خلكان (¬١): أصله من العرب، وسكن في البطائح (¬٢)، بقرية يقال لها أم عبيدة، وتبعه خلق كثير من الفقراء، فتسموا بالرفاعية البطائحية، ولأتباعه أحوال عجيبة؛ من أكل الحيات وهى حية، والنزول إلى التنانير وهى تتضرم بالنار فيطفئونها. ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود وغير ذلك. ولم يكن له عقب وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة. وفى المرآة (¬٣): ويتسلق أحدهم في أطول (¬٤) النخل، ثم يلقى نفسه إلى الأرض ولا يتألم، ويجتمع عنده في كل سنة في المواسم خلق عظيم. حكى لي بعض أشياخنا قال: حضرت عنده ليلة نصف شعبان وعنده نحو من مائة ألف إنسان. وقال ابن خلكان (¬٥): ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل. قلت: ولطائفتهم موسم عظيم في كل سنة يسمونه المحَيى، بموضع يقال له تريب، بين عينتاب والبيرة التى على الفرات، يجتمع هناك كل سنة أمم لا يحصون، وينضم إليهم من أهل تلك البلاد أناس كثيرون، فتقام هناك أسواق عظيمة فيها بيع وشراء، وينصبون الخيام والأخصاص ونحوها، فأخبرنى أناس أن طائفة منهم يأكلون الحيات وهى حية، ويأكلون جمرات النار، ويحمون الصفائح الحديد ويقعدون عليها، ويجعلون في أعناقهم أطواقًا من حديد محماة مثل النار، ونحو ذلك من الأشياء الخارقة للعادة، ويقيمون هناك سماعاً ورقصا بأنواع الشهيق والزفير والبعبعة، مع [تزيد] (¬٦) أفواههم، ونحو ذلك من الأشياء المنكرة المبتدعة.وقال ابن خلكان (¬١): وكان للشيخ - مع ما كان "عليه" (¬٢) من الاشتغال بعبادته - شعر، فمنه: إذا جَنَّ ليلى هامَ قلبى بذكْرِكُمُ … أنُوح كما ناحَ الحمامُ المطَوّقُ وفَوْقى سحابٌ يمطر الهمَّ والأسَى … وتحتى بحارٌ [بالأسى] (¬٣) تتدفَّقُ سَلُوا أمَّ عمرو كيف بات أسيرُها … تُفَكُّ الأسارى دونَه وهو مُوثَقُ فَلَا هو مَقْتُولٌ فَفى القَتْل راحَهُ … ولا هُوَ ممنونٌ عليهِ فَيُطْلَقُ وفى المرآة (¬٤): وكان سبب وفاته أن عبد الغنى بن محمد بن نقطة (¬٥) الزاهد مضى إلى [٢٢٦ ظ] زيارته، فأنشده أبياتاً منها: إذا جن ليلى هام قلبى بذكركم، إلى آخر ماذكرناه، فبكى الشيخ ومرض، وكانت وفاته يوم الخميس ثانى عشر جمادى الأولى، وقد جاوز تسعين سنة (¬٦)، وكانت وفاته بأم عبيدة بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبعد الدال المهملة المفتوحة هاء. والبطائح: بفتح الباء الموحدة، عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها شهرة بالعراق. والرِفاعى: بكسر الراء نسبة إلى رِفاعة (¬٧)، إما إلى أجداده، وإما إلى رفاعة اسم قبيلة. فافهم. الملك المنصور عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب؛ صاحب بعلبك، ونائب السلطان صلاح الدين على دمشق، وهو عمه، ووالد الملك الأمجد (¬٨) بهرام شاه،صاحب بعلبك أيضاً بعد أبيه، وإليه تنسب المدرسة الفرخشاهية (¬١) بالشرف (¬٢) الشمالى، وإلى جانبها التربة الأمجدية لولده، وهما للحنفية والشافعية، وقد كان فرخشاه شهماً شجاعا بطلا ذكيا فاضلا كريما ممدّحاً، امتدحه الشعراء لجوده وفضله وإحسانه، وكان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبى اليمن الكندى، عرفه من مجلس القاضى الفاضل. ومن محاسنه صحبته لتاج الدين المذكور، وله فيه مدائح، ومن شعره قوله: أنا في أسْرِ السِّقَامِ … مِنْ هَوَى (¬٣) هذا الغلامِ رَشَأٌ ترشقُ عَيْنا … هُ فؤادى بسِهَامِ كُلَّمَا أَرْشَفنى فَا … هُ على حَرِّ الأوامِ ذُقْتُ منه الشَّهْدَ … في الثلْجِ المُصَفَّى بالمُدامِ وكان ابنه الأمجد شاعرا جيدا، وقد ولاه عم أبيه - صلاح الدين - بعلبك بعد موت أبيه، واستمر فيها مدة طويلة (¬٤). وفى المرآة (¬٥): وكان فرخشاه من الأفاضل الأماثل، كثير الصدقات متواضعًا سخيا جوادا مقداما متنصلا من المظالم، وكان شاعرا فصيحا. قال العماد: أنشدنى في قلعة دمشق، ونحن بين يدى صلاح الدين: إذَا شِئْتَ أن تُعطِى الأمُور حُقوقَها … وَتُوقِع حُكْمَ العَدْلِ أحْسَن موقِعهْ فَلَا تَصْنَع المعروفَ مَعَ غَيْر أهْلِه … فَظُلْمُك وضعُ الشئ في غيرِ مَوضِعهْ (¬٦) وقال في وصف دمشق:دِمشقُ سقاكِ الله صوبَ غمامةٍ … فما غائِبٌ عنها لدىَّ رشيدُ عسى مُسْعِدًا لي أَنْ أبيتَ بأرضِها … ألَا إنَّنى لوصَحَّ لي لَسَعِيْدُ (¬١) وله أشعار كثيرة مدونة. وكانت وفاته بدمشق في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بقبته على الميدان في الشرف الشمالى. [قال المؤلف (¬٢)]: انتجز توريق هذا الجزء على يد مُسَطِّره، ومؤلفه العبد الفقير إلى رحمة ربه الغنى أبى محمد محمود بن أحمد العينى يوم الاثنين الثامن من شهر رمضان عام إحدى وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة، بداره المجاورة لمدرسته البدرية بحارة كتامة، بالقرب من الجامع الأزهر، يتلوه الجزء الذى أوله: (فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والسبعين بعد الخمسمائة من الهجرة النبوية)، على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى عفوه ومغفرته محمد بن أحمد بن محمد الأخميمى الأنصارى الخزرجى الحنفى، عامله الله والمسلمون بلطفه الجَلىّ والخفىّ، في يوم الثلاثاء المبارك السابع والعشرين من شهر صفر الأغر، ختم بالنصر والظفر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، حامدا الله تعالى، ومصليا على رسوله ومسلم ومحمدلاً ومحسبلاً ومحوقلاً.﷽ [(¬١)فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والسبعين بعد الخمسمائة ] (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله العباسى، والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في الشرق؛ لأجل فتح البلاد التى ليست تحت يده.
  • full passagepage 321, entry [99]4,405 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الأبله الشاعر (¬٧): أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله، المولّد، المعروف بالأبله البغدادى، الشاعر المشهور، أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر بأيدى الناس كثير الوجود، ومن شعره:زار من أحيا بزَرْتَه … والدجي في لون طرته قمرُ يَثْنى مع
    ▸ expand full passage (4,405 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الأبله الشاعر (¬٧): أبو عبد الله محمد بن بختيار بن عبد الله، المولّد، المعروف بالأبله البغدادى، الشاعر المشهور، أحد المتأخرين المجيدين، جمع في شعره بين الصناعة والرقة، وله ديوان شعر بأيدى الناس كثير الوجود، ومن شعره:زار من أحيا بزَرْتَه … والدجي في لون طرته قمرُ يَثْنى معانقُهُ … بانة في ثني بُرْدِته بتُّ استجلى المُدام علَى … غِرّة الواشي وغُرَّته يا لها من زَوْرةٍ قصُرت … فأماتت طول جَفْوَتِه حين حلت عقد مصطبري … عقدت من سحر مقلته آه من خصرٍ له وعلى … خصرٍ (¬١) من برْد ريقته يا له في الحسن من صنم … كلُّنا في جاهليَّته (¬٢) وفي المرآة (¬٣): وكأن الأبله يصحب حاجب الباب ابن الدوامي ويمدحه، خرج معه بستان بباب محول (¬٤)، وكانت ليلة مقمرة فأخذ ينشد لابن الدوامي قصائد منها: زار من أحيي إلى آخره. فلما أنهاها قال له ابن الدوامي: يا حجة العرب هذه القصيدة لك. فقال: نعم. فصاح صائح من داخل البستان: يكذب ما هي له. فخاف ابن الدوامي وغلمانه وقاموا إلى الباب وهو مغلق فطافوا البستان فلم يروا أحدًا فعادوا وجلسوا، فقال له ابن الدوامي: أنشدنا أخرى، فأنشده، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب ما هي له. فقاموا وفتشوا فلم يجدوا (¬٥) أحدًا. فقال: أنشدنا أخرى، فأنشده ثالثة، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. فصاح ذلك الصوت بعينه: يكذب ما هي له. فقال الأبله: خبره ما هي لي، فلمن هي؟ فقال: لي. قال: ومن أنت؟ قال: شيطانك الذي أعلمك قول الشعر. فقال له: صدقت، والله يحفظك علىَّ ولا يفرق بيني وبينك. قال: ابن الرومي الشاعر (¬٦): مرض الأبله، فدخلت عليه أعوده، فقال: ما بقيت أقدر أنظم شيئًا. قال: فقلت فما سببه؟ قال: إن تابعي قد مات. وتوفي بعد ذلك في جمادى الآخرة وترك ثلاثة آلاف دينار.قال السبط (¬١): والدليل على صحة هذه الحكاية قول الشاعر: إني وكل شاعر من البشر … شيطانه أنثى وشيطاني ذَكْر ومن أبياته السائرة قوله: لا يَعرف الشوق إلا من يكابده … ولا الصبابة إلا من يعانيها (¬٢). وفي تاريخ ابن كثير (¬٣): وكانت [وفاته] (¬٤) في سنة تسع وسبعين وخمسمائة ببغداد، ودفن بباب أبرز محاذى التاجية، وقيل في سنة ثمانين وخمسمائة. وكان له ميل إلى بعض أبناء البغاددة، فعبر على بابه [فوجد (¬٥)] خلوة، فكتب على الباب: قال العماد الكاتب [١١] أنشدينها: دارك يا بدر الدجى جنة … بغيرها نفسي ما تلهو وقد روُيْ في خبرٍ أَنُّه … أكثر أهل الجنة البُلْهُ وإنما قيل له أبله؛ لأنه كان فيه طرف بَلهٍ، وقيل لأنه كان في غاية الذكاء، وهو من أسماء الأضداد. كما قيل للأسود: كافور. (¬٦) وكان يتزيا بزى الجند. الأمير شاهرمن: اسمه سقمان بن ظهير الدين بن إبراهيم بن سقمان القطبي، صاحب [خلاط] (¬٧)، توفي في هذه السنة (¬٨) وعمره أربع وستون سنة، وكان ملكه لها في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وكان بكتمر (¬٩) مملوك أبيه بميافارقين لما مات شاهرمن، فلما سمع بموته سار من ميافارقين ووصل إلى خلاط، وكان أكثر أهلهايريدونه، وكانت مماليك شاهر من متفقين معه، فأول وصوله استولى على خلاط وملكها، وجلس على كرسي شاهر من، واستقر في ملكه حتى قتل في سنة تسع وثمانين وخمسمائة كما سنذكره إن شاء الله (¬١) تعالى. تاج الملوك بوري بن أيوب، أخو السلطان صلاح الدين يوسف أيوب، وكنيته أبو سعيد، ولد في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة، وكان الله تعالى قد جمع فيه مكارم الأخلاق، ولطف طباع، وكرمًا وشجاعة، وفضلًا وفصاحة. وكان أديبًا شاعرًا مترسلًا. وله ديوان شعر ذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه وأنشد مقطعات من شعره. منها: في شهر رمضان: رمضان بل مرضان إلا أنهم … غلطوا إذن في قولهم وأساؤا مرضان فيه تخالف فنهاره … سيل (¬٢) وأما ليله استسقاء وقال: شربت من الفراتْ ونيل مصر … أحب إلىَّ من شط الفرات ولي في مصر من أصبو إليه … ومن في قربه أبدًا حياتي فقلت وقد ذكرت زمان وصلٍ … تمادي بعده روح الحياةِ أرى ما أشتهيه يَفِرُّ منى … ومَنْ لا أشتهيه إلىَّ يأتي وقال وقد بالغ: يا غزالاً يميت طورًا ويحيى … وهو برء السقام سقم الصحيح هذه المعجزات ليست لظبي … إنما هذه فعال المسيح (¬٣) وقال ابن خلكان (¬٤): وكان بوري أصغر أولاد أبيه، كانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر، فيه الغث والسمين، لكنه بالنسبة إلى مثله جيد.وله في أحد مماليكه وقد أقبل من جهة الغرب راكبًا فرسًا أشهب:- أقبَلَ منْ أعشقهُ راكبًا … من [جهة (¬١)] الغرب على أشهبِ فقلتُ سبحانَك يا ذا العُلى … أشرقَتِ الشمسُ من المغربِ [١٢] وله: يا حياتي حين تَرْضي … ومَماتيِ حين تسْخَطْ آهِ من ورد على [خدَّ … يك (¬٢)] بالمِسْكِ مُنَقّط بين أجفانك سُلْطا … ن على ضَعْفي مُسَلّط قد تصبرت وإن بَرّ … حَ بي الشوق وأَفْرط فلعل الدهْرَ يَوْمًا … بالتلاقي منكَ يَغْلَط وله أشياء حسنة، وتوفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر من هذه السنة على مدينة حلب، من جراحة أصابته، لما حاصرها أخوه السلطان صلاح الدين يوسف كما ذكرناه، وعمره ثلاث وعشرون سنة. بُوري بضم الباء الموحدة، وسكون الواو، وكسر الراء وفي آخره ياء ساكنة، وهو اسم للذئب بلغة الترك. (¬٣) *فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب البلاد على حالهم غير أن صاحب ماردين وصاحب الغرب ماتا في هذه السنة.
  • full passagepage 334, entry [106]7,371 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان شيخ الشيوخ صدر الدين [عبد الرحيم] (¬٥) بن إسماعيل بن أبي [سعد] (¬٦) أحمد، كان قد سافر من عند الخليفة إلى السلطان صلاح الدين يوسف في رسالة ومعه بشير الخادم، ليصلحا بين السلطان صلاح الدين وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلم ينتظم حال، فاتفق أنهما مرضا بدمشق وطلبا المسير إل
    ▸ expand full passage (7,371 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان شيخ الشيوخ صدر الدين [عبد الرحيم] (¬٥) بن إسماعيل بن أبي [سعد] (¬٦) أحمد، كان قد سافر من عند الخليفة إلى السلطان صلاح الدين يوسف في رسالة ومعه بشير الخادم، ليصلحا بين السلطان صلاح الدين وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل، فلم ينتظم حال، فاتفق أنهما مرضا بدمشق وطلبا المسير إلى العراق وسارا في الحر، فمات بشير الخادم بالسخنة، ومات صدر الدين بالرحبة بمشهد البوق (¬٧). وكان أوحد زمانه جمع بين رئاستي الدين والدنيا. شهاب الدين بشير الخادم مات في هذه السنة على ما ذكرناه الآن. [قطب الدين] (¬٨) إيلغازي صاحب ماردين، وقد مر ذكره عن قريب. السلطان أبو يعقوب صاحب المغرب وقد ذكرناه أيضًا [ ....... ] (¬٩) والله أعلم.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين مخيم بظاهر حماة، وكان بلغه في أواخر السنة الماضية أن صاحب الموصل نازل إربل، فبعث صاحبها يستصرخ بالسلطان، فركب من فوره إليه في جنوده وعساكره، فسار إلى بعلبك، ثم إلى حمص، ثم إلى حماة، فأقام بها أيامًا ثم سار إلى حلب وتلقاه أخوه العادل، واجتمعت إليه العساكر فخرج منها في صفر لقصد الموصل، فقطع الفرات من البيرة، وجاء إلى حران، فقبض على صاحبها مظفر الدين [كوكبرى] (¬١) بن زين الدين، وهو أخو زين الدين [يوسف] (¬٢) صاحب إربل. وكان وصول السلطان إلى حران في الثاني والعشرين من صفر، وكان أمر لسيف الدين المشطوب (¬٣) أن يسير في مقدمة العسكر إلى رأس عين، وكان قَبضُه على صاحب حران في السادس والعشرين من صفر، وذلك لشيء كان جرى منه وحديث كان بلّغه عنه رسوله، فأنكر عليه وأخذ منه قلعة حران والرُها، ثم اعتقله تأديبًا له إلى مستهل ربيع الأول، ثم أخرجه وخلع عليه وطيب قلبه، وأعاد عليه قلعة حران وبلاده التي كانت بيده، ولم يتخلف له سوى قلعة الرها ووعده بها. (¬٤) وفي تاريخ ابن العميد: وكان صاحب حران مظفر الدين قد بذل خطه بخمسين ألف دينار يوم وصول السلطان إلى حران، فلم ير السلطان لذلك أثرًا فغضب عليه وقبض عليه واعتقله. ثم سار السلطان من حران في ثاني ربيع الأول إلى رأس عين، ووصل إليه في ذلك [اليوم] (¬٥) رسول قليج أرسلان صاحب الروم يخبره بأن ملوك الشرق بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على قصد السلطان إن لم يَعد [١٨] عن الموصل وماردين، وأنهم علىعزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك. فرحل السلطان يطلب دُنَيْسر (¬١)، فوصلها يوم السبت الثامن من ربيع الأول، وجاء إليه عماد الدين بن قرا أرسلان ومعه عسكر نور الدين صاحب ماردين، فالتقاهم السلطان وأكرمهم. (¬٢) وقال ابن كثير (¬٣): فتلقاه الملوك من كل ناحية، وجاء إليه عماد الدين أبو بكر بن قرا أرسلان صاحب بلاد بكر وآمد، ثم بلغه موت أخيه ابن قرا أرسلان، فطلب دستورًا ليأخذ مملكته فأعطاء. ثم سار السلطان فنزل على الإسماعيليات قريبًا من الموصل، وذلك يوم الثلاثاء الحادي عشر من ربيع الأول، وكان يصل من العسكر كل يوم نوبة جريدة تحاصر الموصل، وجاء إليه هناك صاحب إربل زين الدين. وأرسل السلطان ضياء الدين بن كمال الدين الشهرزوري (¬٤) إلى الخليفة، يعلمه بما عزم عليه من حصار الموصل، وإنما مقصوده ردّهم إلى طاعة الخليفة (¬٥) ونصرة الإسلام. ثم سار السلطان ونزل على الموصل وهو نزوله الثاني عليها، فحاصرها وكان القتال يعمل كل يوم، ويخرج المواصلة إليه غزاة يقاتلون. وأرسل عز الدين مسعود صاحب الموصل والدته وابنة عمه نور الدين محمود بن زنكي، وغيرهما من النساء الأتابكيات وجماعه معهن، يطلبون منه ترك الموصل وما بأيديهم، فردّهم خائبين. واستقبح الناس ذلك من صلاح الدين لاسيما وفيهن بنت نور الدين، وضايق على أهل الموصل. فبينما هم في ذلك إذ بلغه وفاة شاهر من صاحب خلاط، وجاءته كتب مقدميها يطلبونه، فشاور الأمراء، فأشاروا عليه بقصد أخلاط لما رأوا أنهم لا طمع لهم في الموصل وقالوا: ما يفوت الموصل. فسار إلى خلاط وفي مقدمته ناصر الدين محمد بن شيركوه، وتقي الدين عمر، فوصلوا ميافارقين وبها بَرُنقش (¬٦) مملوك صاحب آمد، فامتنع عليهم، وقال: أنا وصى يتامي أستاذي قطب الدين، وبعد هذا، فالأمر للخاتون والدتهم. فأرسل إليها صلاح الدينخادمًا، ووعدها أن يتزوجها ويزوج ابنه إحدى بناتها، فأجابت وسلمت إليه ميا فارقين، وأعطاها الهتَّاخ (¬١)، وأعطي برنقش جبل جور (¬٢). وكان الحاكم على خلاط الوزير مجد الدين بن الموفق (¬٣)، وهو الذي كاتب السلطان، فبعث إليه الفقيه عيسى ليكشف الحال فغالطه، وقال: في القلعة سيف الدين بكتمر وبها ابنة البهلوان زوجة شاهر من، وربما جاء البهلوان، فعاد الفقيه إلى السلطان بغير شيء. وجاء البهلوان بعساكر أذربيجان وهمدان فنزل قريبًا من خلاط، وأرسل إلى السلطان يقول: هذه البلاد لإبنتي، وهي في القلعة، والمصلحة أن تُبقى المودة بيننا ودوام الصداقة (¬٤). فرجع السلطان إلى الجزيرة، ورجع البهلوان إلى بلاده بعد أن حمل إليه سيف الدين بكتمر أموالًا وهدايا. وولي السلطان على ميا فارقين وديار بكر مملوكه سنقر الخلاطي، وعاد إلى الموصل، وهذه المرة الثالثة وهي الأخيرة، فنزل الإسماعيلية، [١٩] وقيل نزل على [كفر زَمَّار] (¬٥) بدجلة، وكان الحر شديدًا، فأقام مدة، وعزم على أن يُشتي بذلك المكان. وفي هذه المنزلة أتاه سنجرشاه من الجزيرة، واستعد المواصلة للحصار، ومرض السلطان مرضًا شديدًا خِيفَ من غائلته، فرحل طالبًا حران وهو مريض، وكان يتجلد، ولم يركب في محفة، فوصل حران وهو شديد المرض، وبلغ غاية الضعف حتى أُيس منه ورُجِفَ بموته. وكان رحيله من كفر زَمَّار في مستهل شوال من هذه السنة. فوصل إليه أخوه الملك العادل من حلب ومعه أطباؤها. وفي المرآة (¬٦): ولما كان السلطان على كفر زمار أشار أمراء عز الدين مسعود عليه بأن يُخرج إليه النساء الأتابكيات يتشفعن (¬٧). إليه، فخرجن ومعهن والدة عز الدين مسعود فأكرمهن ووعدهن الإحسان، وقرر عماد الدين الصلح وخطب للسلطان بالموصل، وأعطىلعز الدين شهرزور والبوازيج (¬١)، ووقف عليها قرية تعرف ببافيلا (¬٢). ورحل عن الموصل يريد الجزيرة .. وقال العماد الكاتب (¬٣): وكان السلطان قد لازم قراءة القرآن في شهر رمضان، واشتد الحر، فمرض مرضًا شديدًا فتناثر رأسه ولحيته وقيل إنه شفى، وضعف ضعفًا خيف عليه منه وأرجف بموته، وأقام على نصيبين وقد آيسنا منه، ثم حُمل في محفة إلى حران فنزل بظاهرها، وبني دارًا أسماها دار العافية. وفي تاريخ النويرى (¬٤): وجاءت رسل صاحب الموصل إلى السلطان وهو بحران بالإجابة إلى ما طلب؛ وهو أن يسلم صاحب الموصل إلى السلطان شهرزور وأعمالها، وولاية القرابلي، وجميع ما وراء الزاب، وأن يخطب للسلطان على جميع منابر الموصل وما بيده، وأن يضرب اسمه على الدراهم والدنانير. ورضى السلطان بذلك، وتقرر الصلح وأمنت البلاد. ثم رحل السلطان من حران وقد عوفي، وعاد إلى دمشق في السنة الآتية. وقال ابن كثير (¬٥): ولما استقر الصلح بين صلاح الدين وبين المواصلة - كما ذكرنا - انقطعت خطبة السلاجقة والأرتقية بتلك البلاد كلها. قال: ولما جاء إليه أخوه العادل من حلب ورآه في غاية الضعف، أشار عليه بأن يوصي ويعهد، فقال: ما أبالي وأنا أترك من بعدي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، وأراد بأبي بكر أخاه العادل صاحب حلب، وأراد بعمر تقي الدين عمر صاحب حماة وهو إذ ذاك نائب (¬٦) مصر وبها يقيم، وأراد بعثمان وعلى ابنيه الملك العزيز عثمان والملك الأفضل على. ونذر السلطان في ضعفه لئن شفاه الله تعالى من مرضه هذا ليصرفن همته كلها إلى قتال الفرنج الكفار، ولا يقاتل بعد ذلك مسلمًا، وليجعلن أكبر همته فتح بيت المقدس، ولو صرف في ذلك جميع مايملكه من الأموال والذخائر، وليقتلن البرنس صاحب الكرك (¬١) بيده؛ وذلك لأنه نقض العهد الذي عاهد السلطان عليه فغدر بقافلة تجار من مصر، فأخذ أموالهم وضرب رقابهم بين يديه صبرًا، وهو يقول: أين محمد كم ينصركم؟. وكان هذا النذر كله بإشارة القاضي الفاضل. ثم أن الله ﷿ بكرمه [٢٠] وفضله عافاه مما كان ابتلاه به، فسارت البشائر بذلك في كل ناحية ودقت البشائر وزينت البلاد. قال ابن كثير (¬٢): ثم ركب السلطان من حران بعد العافية فدخل حلب، ثم اجتاز بحماة وحمص حتى دخل دمشق، وكان دخوله حلب يوم الأحد الرابع عشر من المحرم سنة ثنتين وثمانين، وكان يومًا مشهودًا (¬٣)، لشدة فرح الناس بعافيته ولقائه، فأقام بها أربعة أيام، ثم رحل في ثامن عشره نحو دمشق، فلقيه أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بتل السلطان ومعه أخته ومعه خدمة عظيمة، ومَنَّ عليه بحمص - موضع والده بحكم وفاته - ثم سار إلى دمشق فدخلها في الثاني من ربيع الأول من سنة ثنتين وثمانين وخمسمائة، وكان يومًا مشهودًا وصباحًا محمودًا (¬٤). وفيها كان المنجمون بدمشق قد حكموا بأن يهب هواء مزعج برمل يهلك الناس، فحفروا أسراب، واختفوا فيها، فظهر كذب المنجمين (¬٥). وفيها (¬٦) ............................ وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين (¬٧).
  • full passagepage 339, entry [108]17,717 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان السهيلي (¬٨) أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن ابن الخطيب أبي محمد عبد الله ابن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بنفتوح، وهو الداخل إلى الأندلس، الخثعمي السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب "الروض الأنف" في شرح السيرة لابن هشام، وله كتاب "التعريف و
    ▸ expand full passage (17,717 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان السهيلي (¬٨) أبو القاسم وأبو زيد عبد الرحمن ابن الخطيب أبي محمد عبد الله ابن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بنفتوح، وهو الداخل إلى الأندلس، الخثعمي السهيلي الإمام المشهور صاحب كتاب "الروض الأنف" في شرح السيرة لابن هشام، وله كتاب "التعريف والإعلام فيما أُبهم من القرآن من الأسماء والأعلام"، وله كتاب "نتائج الفكر" بمسألة رؤية الله في المنام، رؤية النبي ﵇، وغير ذلك. وقال ابن دحية أنشدني وقال له: ما سأل الله بها حاجة إلَّا أعطاها له، وكذلك من استعمل إنشادها. يا من يرى ما في الضمير ويسمعُ … انت المُعَدّ لكل ما يُتَوَقَعُ يا من يُرجَىَّ للشدائد كلها … يا من إليه المُشْتكى والمفْزَع يا من خزائن رزقه في قول كُنْ … اُمْنُنْ فإنَّ الخير عندك أجمع مالي سوى فَقْرِي إليك وسيلةٌ … فبالافتقار إليك فَقرى أدفع مالي سوى قَرْعى لبابك حيلةٌ … فلئن رَدَدْتَ فأيَّ باب أقرَع؟ ومن الذي أدعو (¬١) وأهتف باسمه … إن كان فضلك عن فقيركَ يمنع؟ حاشى لمجْدِك أن يُقَنِّط عاصيًا … الفضلُ أجزلُ والمواهِبُ أوْسع (¬٢) وأشعاره كثيرة وتصانيفه ممتعة. وكان ببلده يتسَّوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال [عليه] (¬٣) إليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام. ومولده سنة ثمان وخمسمائة بمدينة مالقَة، وتوفي بحضرة مراكش يوم الخميس ودفن وقت الظهر السادس [٢١] والعشرين من شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وكان مكفوفًا. والخَثْعَمي: نسبة إلى خثعم بن أنمار، وهي قبيلة كبيرة. والسهيلي: بضم السين المهملة نسبة إلى سُهيل، قرية بالقرب من مالَقة، سميت باسم الكوكب لأنه لا يُرى في جميع الأندلس إلا من جبل مطل عليها. ومالقة: بفتح اللام مدينة كبيرة بالأندلس، وقال السمعاني: بكسر اللام، وهو غلط.الحافظ الأصبهاني (¬١)، أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد ابن عمر بن محمد بن أبي عيسى الأصبهاني المديني الحافظ المشهور؛ كان إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلومه تواليف مفيدة، وصنف كتاب "المغيث" في مجلد، كَمَّل به كتاب الغريبين للهروي، واستدرك عليه، وهو كتاب نافع، وله كتاب "الزيادات" في جزء لطيف جعله ذيلاً على كتاب شيخه أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الذي سماه كتاب "الأنساب" وذكر من أهمله وما أقصر فيه. ورحل عن أصبهان في طلب الحديث ثم رجع إليها وأقام [بها] (¬٢). وكانت ولادته في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة. وتوفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى من هذه السنة. وولادته ووفاته بأصفهان. والمَدِيْني بفتح الميم وكسر الدال نسبة إلى مدينة أصفهان، وقد ذكر السمعاني هذه النسبة إلى عدة مدن: أولهن مدينة الرسول ﷺ، والثانية مرو، والثالثة نيسابور، والرابعة أصفهان، والخامسة مدينة المبارك بقزوين، والسادسة بخارى، والسابعة سمرقند، والثامنة نَسَف، وذكر أن النسبة إلى هذه المدن [كلها] (¬٣) المديني. وقال: أكثر ما ينسب إلى مدينة الرسول ﷺ "المدني". الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي، مدرس حمص، وكان بارعًا في فنون ولاسيما في الشعر والأدب. مات في هذه السنة، كذا ذكره ابن كثير (¬٤). وقال ابن خلكان (¬٥): هو أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى المعروف بابن الدهان الموصلي ويعرف بالحمصي أيضًا، الفقيه الشافعي المنعوت بالمهذب، كان فقيهًا فاضلًا، أديبًا شاعرًا، لطيف الشعر مليح السبك حسن المقاصد، غلب عليه الشعر فاشتهر به، وله ديوان صغير وكله جيد. وهو من أهل الموصل. ولما ضاقت بهالحال قصد الصالح بن رزيك وزير مصر ومدحه بالقصيدة الكافية، ثم تقلبت به الأحوال وتولى التدريس بمدينة حمص وأقام بها، فلهذا نسب إليها (¬١). وقال العماد الكاتب (¬٢): ولما وصل السلطان صلاح الدين إلى حمص وخيم بظاهرها، خرج إلينا أبو الفرج المذكور فقدمته إلى السلطان وقلت له: هو الذي يقول في قصيدته الكافية التي في ابن رزيك ......... (¬٣). [٢٢] أَأَمدحُ التُّركَ أبغي الفضلَ عِندهُمُ .... والشعرُ مازال عندَ التّركِ متروكا (¬٤) قال: فأعطاه السلطان وقال: حتى لا يقول أنه متروك. ثم مدح السلطان بقصيدته العينية التي يقول فيها: قل للبخيلة بالسلام تورعًا … كيف استبحتِ دمي ولم تتورَّعي وزعمتِ أن تصلي بعام قابل … هيهاتِ أن أبقى إلى أن ترجعي أبديعةَ الحسن التي في وجهها … دونَ الوجوه عناية (¬٥) للمبدع ما كان ضَرَّكِ لو غمزتِ بحاجبٍ … يومَ التفرقِ أو أشرتِ بأصبع وتَيَقّني أني بحبِّكِ مغرم … ثم اصنعي ما شئت بي أن تصنعي وله في غلام لسعته نحلة في شفته: بأبي من لسعته (¬٦) نحلة … آلمت أكرَمَ شيء وأجلّ أَثّرَتْ لسعتها (¬٦) في شفةٍ … ما براها الله إلا للقُبَلْ حسبتْ أن بفيه بَيْتَها … إذ رأت ريقَتَهُ مثل العسَلْ (¬٧) وتوفي بمدينة حمص في شعبان سنة إحدى، وقيل اثنتين وثمانين وخمسمائة، والأول أصح (¬٨).[ابن الصابوني] (¬١) أبو الثناء محمود بن أحمد بن على بن إسماعيل بن عبد الرحمن الملقب بجمال الدين المحمودي بن الصابوني (¬٢) لأن جد أبيه [الأمه] (¬٣) الشيخ أبا عثمان الصابوني كان أحد الأئمة المشاهير، وإنما يقال له المحمودي لصحبة جده للسلطان نور الدين محمود بن زنكي (¬٤). سار إلى مصر فنزلها، وكان السلطان صلاح الدين يكرمه وأوقف عليه وعلى ذريته أرضًا فهى لهم الآن. ذكر ابن كثير (¬٥) وفاته في هذه السنة، ﵀. الأمير ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حمص والرحبة، وهو ابن عم السلطان صلاح الدين، وزوج اخته ست الشام بنت أيوب. توفي بحمص، نقلته زوجته ست الشام إلى تربتها بالمدرسة الشامية البرانية، فقبره هو الأوسط بينها وبين أخيها الملك المعظم تورانشاه صاحب اليمن. وقد خلف ناصر الدين محمد من الأموال والذخائر شيئًا كثيرًا ينيف على ألف ألف دينار، وكانت وفاته يوم عرفة فجأة. وقال النويري (¬٦): وفي هذه السنة ليلة عيد الأضحى، شرب بحمص صاحبها ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شاذى فأصبح ميتًا. قيل إن السلطان دَسَّ عليه من سقاه سمًا، لما بلغه مكاتبته أهل دمشق في مرضه، ولما مات أقر السلطان حمص وما كان بيد محمد على ولده شيركوه بن محمد بن شيركوه، وعمره اثنتا (¬٧) عشرة سنة. وخلّف ناصر الدين محمد شيئًا كثيرًا من الدواب والآلات وغيرها، فاستعرضها السلطان عند نزوله بحمص في عودته من حران، وأخذ أكثرها [٢٣] ولم يترك إلا ما لا خير فيه.وفي المرآة (¬١): وكان السلطان صلاح الدين يخافه؛ لأنه كان يدعي أنه أحق بالملك منه، وكان بلغ السلطان عنه هذا، وكان قد فارق السلطان في حران وجاء إلى حمص وتوفي يوم عرفة. بقي يتناثر لحمه، وقيل إنه سُمَّ، وقيل مات فجأة. نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب حصن كيفا وآمد، مات في هذه السنة، وملك بعده ولده سقمان، ولقبه قطب الدين، وكان صغيرًا فقام بتدبير دولته وزيرة القوام ابن سُماقا (¬٢) الأسْعردي. وفي تاريخ بيبرس: مات نور الدين محمد المذكور لما كان صلاح الدين محاصرًا للموصل، وخلف ولدين، فملك الأكبر منهما واسمه سقمان ولقبه قطب الدين، فلما بلغ أخاه وفاته سار ليملك بلاده فتعذر عليه أمرها، فسار إلى خِرْت برْت فملكها وهي بيد أولاده، ورجع صلاح الدين إلى ميافارقين فحضر إليه ولد نور الدين فأقره على ملك أبيه ومن جملته آمد. وكانوا خافوا أن يأخذها منهم فلم يفعل، وردهم إلى بلادهم وشرط عليهم أن يكونوا تحت أمره وطاعته، وجعل معهم من جهته أميرًا لقبه صلاح الدين من أصحاب والده. الأمير الكبير سعد الدين مسعود بن معين الدين أنر، وكان من الأمراء الكبار أيام نور الدين محمود، وصلاح الدين يوسف، وهو أخو الست خاتون التي كان تزوجها نور الدين محمود، ثم تزوجها السلطان صلاح الدين يوسف، كما ذكرنا. توفي في دمشق في جمادى الأخرى من هذه السنة، من جرح أصابه وهو في حصار ميافارقين (¬٣). الست خاتون عصمة الدين بنت معين الدين أنر، نائب دمشق وأتابك عساكرها من قبل نور الدين محمود كما تقدم. وقد كانت زوجة نور الدين كما تقدم، ثم خلف عليها من بعده صلاح الدين في سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، توفيت في هذه السنة، وكانت من أحسن النساء وأعفهن وأكثرهن صدقة؛ وهي واقفة الخاتونية الجوانية (¬٤)بمحلة حجر الذهب، وخانقاه خاتون ظاهر باب النصر، في أول الشرف القبلي على [باناس] (¬١) ودفنت بتربتها في سفح قاسيون قريبًا من قبات الشركسية. ولها أوقاف كثيره. فأما الخاتونية البرانية (¬٢) التي هي على القنوات بمحلة صنعاء الشام، ويعرف ذلك المكان الذي هي فيه بتل الثعالب، فهي من إنشاء الست زمرد خاتون بنت جاولي، وهي أخت الملك دُقاق لأمه، وكانت زوجة زنكي والد نور الدين صاحب حلب، وقد ماتت قبل هذا الحين كما تقدم (¬٣). وفي المرآة (¬٤): ولها صدقات كثيرة، وبر عظيم بَنت بدمشق مدرسة لأصحاب أبي حنيفه ﵁ في حجر الذهب، قريبة من حمام زَرْكش وتعرف بمدرسة خاتون، وكانت وفاتها في رجب، وبلغ السلطان صلاح الدين [٢٤] وفاتها وهو مريض بحران؛ فتزايد مرضه، وحزن عليها وتأسف، وكان يُصْدِر عن رأيها.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والثمانين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - صاحب مصر والشام وغيرهما - كان قد تعافى من مرضه ووجد نشاطًا، ورحل من البلاد الفراتية ووصل إلى حلب يوم الأحد الرابع عشر من محرم هذه السنة (¬١). وكان يومًا مشهودًا لشدة فرح الناس بعافيته ولقائه، فأقام بها أربعة أيام، ثم رحل في ثامن عشر المحرم نحو دمشق. فلقيه أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه بتل السلطان (¬٢)، ومعه أخته ومعه هدية هائلة، ومَنَّ عليه بحمص. فقام أيامًا يَعْتبر تركة أبيه، وكان قد خَلَّفَ أموالًا عظيمة وجواهر، ومناطق الذهب والفضة، فكان مبلغ التركة ألف ألف دينار. وكان القاضي نجم الدين بن عيسى حاضر القسمة، فقام يومًا فوقعت من تحت ذيله منطقة مجوهرة، فنسبه العادل إلى ما لا يليق به. وكان نجم الدين منزهًا عن ذلك لأنه كان غنيًا جوادًا شريف النفس، فحلف للعادل إنني ما علمت بها، وصدق، وإنما الحُساد وجدوا طريقًا للقول (¬٣). ثم سار يطلب جهة دمشق، وكان دخوله إليها في ثاني ربيع الأول، وكان يومًا لم ير مثله فرحًا وسرورًا، ثم قرر في ملك دمشق ولده الأفضل عليا. ونزل العادل أبو بكر عن حلب لصهره زوج ابنته الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، وأرسل السلطان أخاه العادل صحبة ولده عماد الدين عثمان، الملقب بالملك العزيز، على ملك مصر، ويكون العادل أتابكه، وله إقطاع عظيمة جدًا. وعزل عن نيابتها تقي الدين عمرُ، فعزم عمر على الدخول إلى بلاد إفريقية، فلم يزل السلطان يكاتبه ويتلطف به ويترقق له حتى أقبل بجنوده نحوه، فأكرمه وأقطعه حماة وبلادًا كثيرة معها، وقد كانت له قبل ذلك بسنين، وزاده على ذلك مدينة ميافارقين (¬٤).وقال النويري (¬١): ولما بعث السلطان ولده الملك العزيز صحبة العادل إلى مصر، استدعى تقي الدين من مصر، بسبب أن السلطان تغيَّر عليه في الباطن؛ فإنه ظن أنه إنما أخرج ولده من مصر ليتملك مصر إذا مات السلطان. وقيل إنه توقف عن الحضور وقصد اللحوق بمملوكه قراقوش المستولى على بعض بلاد إفريقية وبرقه من المغرب، وبلغ السلطان ذلك فساءه، وأرسل يستدعيه ويلاطفه فحضر إليه، ولما حضر إليه زاده على حماة منبج، ومعرة النعمان، وكفر طاب، وميافارقين، وجبل جور بجميع أعمالها. واستقر الملك العادل أبو بكر والملك العزيز عثمان بمصر. ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل أقطعه عوضها حران والرها (¬٢). وفي تاريخ بيبرس (¬٣): سير السلطان صلاح الدين إلى ابن أخيه تقي الدين عمر يستدعيه من مصر إلى الشام، والسبب في ذلك أن صلاح الدين لما استنابه بمصر ضم إليه ولده الأفضل وكان أكبر ولده، فخاف صلاح الدين في مرضه أن يتولى تقي الدين البلاد ويحبس ولده الأفضل. [٢٥] فأرسل في طلبه لهذا السبب، وأشار عليه بعض أمرائه أن يعزل العادل من حلب، فوقعت هذه الإشارة من نفسه موقعًا موافقًا لغرضه. فلما حضر أخوه العادل إليه أوصى صلاح الدين ولده الظاهر غازي أن يلتمس من عمه حلب ليهبها له، فسأله ذلك فأجابه عمه العادل لوقته، وكتب له بها فتسلمها واستقر بها وأولاده من بعده. وكان تقي الدين يومئذ بمصر، فبلغه أن صلاح الدين يريد عزله عنها، فأراد أن يهرب إلى الغرب فإن قراقوش فتح بالمغرب مدنًا كثيرة، فأشار عليه أمراء مصر أن لا يروح إلى الغرب، وأن يمضي إلى أخيه ويستعطفه، فتجهز وخرج من مصر. وسير صلاح الدين ولده العزيز صحبة عمه العادل إلى مصر، ورتب ولده الظاهر غازي بحلب عوضًا عن عمه العادل. ولما وصل تقي الدين إلى صلاح الدين أنعم عليه بميافارقين. وفي النوادر السلطانية (¬٤): ولما تقرر الأمر المذكور بين هؤلاء الملوك قال العادل: اجتمعت بالملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما وقلت للملك العزيز: أعلميامولاي أن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر، وأنا أعلم أن المفسدين كثير، ولا يخلو غدًا ممن يقول عني ما لا يجوز ويخوفك مني، فإن كان لك عزم تسمع فقل لي حتى لا أجيء، فقال: لا أسمع. وكيف يكون ذلك؟ ثم التفتُ وقلتُ للملك الظاهر: أنا لا أعرف أن أخاك ربما يسمع (¬١) فيَّ أقوال المفسدين، وأنا فمالي إلا أنت، وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق صدري من جانبه. فقال: مبارك، وذكر كل خير. وذكر في النوادر أيضًا: أن الملك الظاهر سار إلى حلب حتى أتى العين المباركة، وسيَّر في خدمته شحنةً حسام الدين بشارة، وواليًا عيسى بن بلاشوا (¬٢)، فنزل في يوم الجمعة بعين المباركة، وخرج الناس إلى لقائه في بكرة السبت تاسع جمادى الآخرة من هذه السنة، وصعد القلعة المحروسة صحوة النهار، وفرح الناس به فرحًا شديدًا (¬٣). وأما تقي الدين، فإنه لما وصل سار السلطان إلى لقائه، فلقيه بمرج الصُفَّر في ثالث عشرى (¬٤) شعبان من هذه السنة، وأعطاه حماة، وسار إليها، وكان قد عُقد بين الملك الظاهر وبعض بنات الملك العادل عقد نكاح فتمم ذلك ودخل بها يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان. ودخل الملك الأفضل على زوجته بنت ناصر الدين بن أسد الدين في شوال من هذه السنة. وفيها حضر القمص (¬٥) صاحب طرابلس إلى الملك الناصر صلاح الدين واتفق معه أن يفتح له جميع الساحل، وأطلق له الملك الناصر جميع الأسرى الذين كانوا عنده، وجرّد معه عسكرًا إلى الساحل، وفتح الطريق [٢٩] من مصر إلى الشام وسار فيها التجار. ثم إن القمص المذكور نافق وأخذ قافلة من التجار ودخل بلاد الإفرنج، فحلف الملك الناصر لئن ظفر به ليقتلنّه بيده. وكان ذلك سبب فتوح الساحل (¬٦).وفيها كانت فتنة بين التركمان والأكراد ببلاد الجزيرة، والموصل، وديار بكر، وخلاط، والشام، وشهرزور، وأذربيجان، وقتل فيها من الخلق ما لا يحصى، ودامت عدة سنين، وانقطعت الطرق ونهبت الأموال وأريقت الدماء. ثم إن مجاهد الدين قايماز نائب صاحب الموصل، جمع عنده رؤساء الأكراد والتركمان وأصلح بينهم، وخلع عليهم، وانقطعت الفتنة (¬١). وفيها دخل سيف الإسلام إلى مكة ومنع من الأذان بحي على خير العمل، وقتل جماعه من العبيد. كانوا يؤذون الناس، وأغلق أمير مكة باب البيت، وصعدوا إلى أبي قبيس، فأرسل إليه وطلب المفتاح من صاحب مكة، فأبى من انفاذه، فقال سيف الإسلام لرسوله: قل لصاحبك إن الله نهانا عن أشياء فارتكبناها، وقال النبي ﷺ "لا تأخذوا المفتاح من بنو شيبة" (¬٢)، فتأخذه ونستغفر الله تعالى، فبعث إليه المفتاح (¬٣). وفيها قسم السلطان صلاح الدين البلاد بين أولاده وأهله برأي القاضي الفاضل، فإنه لما مرض أشاروا عليه بذلك. وفيها ظهر الخلاف بين الإفرنج وتفرقت كلمتهم. وكان ذلك سببًا لسعادة الإسلام. وفيها غدر إبرنس الكرك واسمه أرناط، وكان أخبث الإفرنج وأشرّهم، فقطع الطريق على قافلة جاءت من مصر إلى الشام وفيها خلق عظيم ومال كثير، فاستولى على الجميع قتلاً وأسرًا ونهبًا، فأرسل إليه السلطان يوبخه على ما فعل ويقول: أين العهود والمواثيق! رُدَّ ما أخذت. فلم يلتفت وشنّ الغارات على المسلمين وقتل منهم، فنذر السلطان دمه. وأقام السلطان بدمشق يجهز للقاء العدو، واستدعى العساكر من المشرق والمغرب. وفيها في يوم عاشوراء فرش الرماد في الأسواق وعلقت المسوح، وناح أهل الكرخ، وخرج النساء حاسرات يلطمن وينحن من باب البدرية (¬٤) إلى باب حجرة الخليفة، والخلعتُفاض عليهن وعلى المنشدين من الرجال. وتعدى الأمر إلى سبّ الصحابة أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة ﵃. وكان أهل الكرخ يصيحون ما بقي كتمان، وأقاموا امرأة يقال لها آمنة (¬١) من أهل الكرخ وكان ظهير الدين بن العطار قد كبس دار أبيها فأخرج منها كُتبًا في سب الصحابة، فقطع يديه ورجليه، ورجمه العوام حتى قتلوه. فقامت هذه المرأة على دكة تحت منظرة الخليفة في الريحانيين، وحولها ألوف من الرجال والنساء وهي تنشد أشعار العوني وغيرها، وتسب عائشة وتقول: العنوا راكبة الجمل، وتذكر حديث الإفك والنبي ﵇ بأقبح الشناعات (¬٢)، وكان كل ذلك منسوبًا إلى أستاذ الدار ابن الصاحب [٢٧] (¬٣). وفيها: حكم المنجمون في الآفاق بخراب العالم في جمادى الآخرة، وقالوا [تقترن] (¬٤) الكواكب السيارة الشمس والقمر وزحل والمريخ والزهرة وعطارد والمشتري في برج الميزان أو السرطان، وتؤثر تأثيرًا يضمحل به العالم، وتهب سموم محرقة تحمل رملًا أحمر. فاستعد الناس وحفروا السراديب وجمعوا فيها الزاد. وقد انقضت المدة ولم يحدث شيء، وظهر كذب المنجمين (¬٥). وقال العماد الكاتب: وكان المنجمون في جميع البلاد حكموا بخراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب السبعة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلاد، وذكر أن ناسًا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات وأسراب في الأرض خوفًا من ذلك. قال العماد (¬٦): فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها وأجمعوا عليها، لم تر ليلة مثلها في ركودها وهدِّوها. وقد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الوقعة وغيرها أشعارًا حسنة؛ من ذلك قول عيسى بن مودود (¬٧):مزق التقويم والزّيـ … ـج، فقد بان الخطأ (¬١) إنما التقويم والزّيـ … ـج هَباوٌ وهوا قلت: للسبعة إبرا … مٌ، ومنعٌ، وعطا ومتى ينزلْن في الميـ … ـزان يستولى الهوا وتثير الرمل حتّى … يمتلى منه الفضا (¬٢) ويعمّ الأرضَ جفٌّ (¬٣) … وخرابٌ، وبلا ويصير القاع كالقُفِّ (¬٤) … وكالطّود القَوَا (¬٥) [وحكمتم] (¬٦)، فأبي الحا … كم إلّا ما يشا ما أتي الشرع ولا جا … ءت بهذا الأنبيا فبقيتم ضحكةً يضـ … ـحك منها العلما حسبكم خبزيًا وعارًا … ماتقول الشعراء (¬٧) فعلي اصطرلاب [بطليـ … ـموس] (¬٨) والزيج العفا (¬٩) وعليه الخزي ماجا … دت (¬١٠) على الأرض السماوقال أبو الغنائم (¬١) محمد بن المعلم الشاعر، في أبي الفضل المنجم وكان رئيس القوم:- قل لأبي الفضل قولا يَعْرُب (¬٢) … مضى جمادي وجاءنا رجب وما جرت زعزعة (¬٣) كما حكموا … ولابدا كوكب له ذنب كلا، ولا أظلمت ذُكَاءُ ولا … أبدت أذيً في قِرانها الشهب يقضى عليها من ليس يعلم ما … يقضى عليه، هذا هو العجب! قد بان كذب المنجمين، وفي … أي مقال قالوا [فما] (¬٤) كذبوا مدبر الأمر واحدٌ، وليس للسبـ … ـــــعة في كل حادث سبب لا المشترى سالم، ولا زحل … باق، ولا زهرة، ولا قُطُبُ تبارك الله؛ حصحص الحق وانجا … ب التمادي وزالت الرِّيب [٢٨] فليُبْطل المُدَّعون ما وضعوا … في كتبهم ولتُحَرّق الكتبُ (¬٥) وفيها سار على بن إسحاق الملثم (¬٦) إلى إفريقية بعد خروجه من بجاية، واجتمع إليه جماعة من العرب، وانضاف إليهم الترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع شرف الدين قراقوش (¬٧)، ودخل أيضاً من أتراك مصر مملوك لتقى الدين ابن أخي صلاح الدين اسمه بُوزابه، وكثر جمعهم وقويت شوكتهم. فلما اجتمعوا بلغت عدتهم مبلغاً كثيراً، وكلهم كاره لدولة الموحدين، فاتبعوا جميعهم على بن إسحاق الملثم؛ لأنه من بيت المملكة والرئاسة القديمة، ولقبوه أمير المسلمين. وقصدوا بلاد إفريقية فملكوها جميعاً شرقا وغرباً، إلا مدينتين؛ تونس والمهدية، فإن الموحدين أقاموا بها، وحفظوها على خوف وضيق وشدة.وانضاف إلى الملثم كل مفسد في تلك الأرض، ومن يريد الفتنة والنهب والشر. فخرَّبوا البلاد والحصون والقرى، وهتكوا الحُرَم، وقطعوا الأشجار. وكان الوالي على إفريقية عبد الواحد [بن عبد الله الهنتاتي] (¬١)، وهو بمدينة تونس، فأرسل إلى يعقوب صاحب المغرب وهو بمراكش يعلمه الحال. وقصد الملثم جزيرة باشَوّ (¬٢)، وهي بقرب تونس، تشتمل على قرى كثيرة فنازلها وأحاط بها، وطلب أهلها منه الأمان فأمنهم، فلما دخلها العسكر نهبوا ما فيها من الأموال والغلات والدواب، وسلبوا الناس حتى ثيابهم، وامتدت أيديهم إلى النسوان والصبيان، فقصدوا لضرورتهم مدينة تونس. فأما الضعفاء، فكانوا يستعطفون من الناس، وأما الأقوياء، فكانوا يخدمون ويعملون بما يقتاتون. ودخل عليهم الشتاء فأهلكهم البرد، ووقع فيهم الفناء، فمات منهم اثني عشر ألفاً، هذا من موضع واحد، فما الظن بالباقي؟. ولما استولى الملثم على إفريقية قطع خطبة عبد المؤمن وأولاده وخطب للإمام الناصر لدين الله (¬٣)، وأرسل إليه يطلب الخلع والأعلام السود. وقصد في هذه السنة مدينة قفصة فحصرها، فأخرج أهلها من بها من الموحدين، [من عساكر] (¬٤) ولد عبد المؤمن، وسلموها إلى الملثم، ورتب فيها جنداً من الملثمين والأتراك، وحصنها بالرجال. وأما يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فإنه لما وصله الخبر اختار من عسكره عشرين ألف فارس من الموحدين، وقصد قلة العسكر لقلة القوت في البلاد، ولما جرى فيها من التخريب وكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها ................................. (¬٥) وفيها حج بالناس من العراق طاشتكين، ومن الشام ست الشام وولدها حسام الدين اين لاجين وجماعة (¬٦) من المعتبرين.
  • full passagepage 354, entry [110]4,787 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو محمد (¬١) عبد الله بن أبي الوحش بَرّي بن عبد الجبار بن بَرّي المقدسي ثم المصرى؛ أحد أئمة اللغة [٢٩] والنحو في زمانه، وعليه كان تعرض المسائل بعد ابن بابشاذ (¬٢)، وكان كثير الاطلاع عالماً بهذا الشأن، مطرحاً للتكلف في كلامه، لا يعرج على الإعراب فيه إذا خاطب الناس، وله ال
    ▸ expand full passage (4,787 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو محمد (¬١) عبد الله بن أبي الوحش بَرّي بن عبد الجبار بن بَرّي المقدسي ثم المصرى؛ أحد أئمة اللغة [٢٩] والنحو في زمانه، وعليه كان تعرض المسائل بعد ابن بابشاذ (¬٢)، وكان كثير الاطلاع عالماً بهذا الشأن، مطرحاً للتكلف في كلامه، لا يعرج على الإعراب فيه إذا خاطب الناس، وله التصانيف المفيدة منها: الحواشي الفائقة على كتاب صحاح الجوهرى، أتى فيها بالعجائب والغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهي دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه. واشتغل عليه خلق كثير منهم: أبو موسى الجزُولي صاحب المقدمة في النحو. وكان عارفاً بكتاب سيبويه وعلله، وإليه كان التصفح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب من الدولة إلى ملك من ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه ويصلح ما لعله فيه من خلل خفي. وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ. وولد بمصر في الخامس من رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وتوفي بها ليلة السبت السابعة والعشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وبَرى بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وبعدها ياء وهو اسم علم يشبه النسبة. أبو السعود الحريمى الطاهري (¬٣)؛ كان عطاراً فأقامه الله تعالى فانقطع إليه، وصحب الشيخ عبد القادر وأخذ عنه الطريق، وصار المشار إليه بعده. وكانت له كرامات وإشارات وقبول قائم عند الخاص والعام، وكان طريقته الفناء لا يأكل حتى يُطعم، ولا يشرب حتى يُسقى، ولا يلبس ثوباً حتى يجعل في عنقه. وكان بين يدي الله ﷿ بمنزلة الميت بين يدي الغاسل، لا يزال مستقبل القبلة على طهارة، لا يتكلم إلا جواباً. وكان حسن الأخلاق، كريم الطباع متواضعاً، توفي ليلة الأربعاء عاشر شوال، ودفن بمقابر باب حرب، وبنوا عليه قبة عالية، وقبره ظاهر يُزار. سمع الشيخ [عبد القادر] (¬٤) وطبقته، وحَدَّث بشيء يسير، واشتغل بحاله عن الرواية ﵀ رحمة واسعة.الحسن (¬١) بن على بن بركة بن عَبِيده بفتح العين، أبو محمد المُقْرِئ الكرخى النحوي؛ قرأ القرآن على أبي محمد النحوي، والنحو على أبي السعادات بن الشجري، وسمع الحديث على قاضى المارستان وغيره، واستفاد منه خلق كثير، وكانت وفاته في شوال: وله شعر جيد منه في وصف المشيب هذه الأبيات: وما شنآن الشيب من أجل لونه … ولكنه داع إلى الموتِ مسرعُ إذا ما بدت منه الطليعة آذنت … بأن المنايا بعدها تتطلعٌ فإن قصها المقراض جاءت بأختها … وتطلع يتلوها ثلاثٌ وأربعٌ وإن خُضبت خال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله واللهُ أصنعُ ويضحي كريش الديك فيه تَلَمُّعُ … وأفظع ما يُكساه ثوبٌ ملمعُ (¬٢) ابن رئيس الرؤساء (¬٣)، واسمه على بن محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، أبي القاسم علي بن الحسن، ابن المسلمة، أبو نصر، ابن الوزير أبى الفرج الذي قتلته الباطنية في أيام المستضئ وهو خارج إلى مكة. ولما قُتِل أبوه دخل في طريقة التصوف، وبني رباطاً بالقصر من دار الخلافة للصوفية، ورتب فيه جماعة منهم، ولم يدخل في شيء من الولايات. وكان قد سمع ببغداد أبا الوقت، وأبا الفضل الأرموى وغيرهما، وسمع منه أبو القاسم البَندنجي وغيره. وخرج من بغداد ولم يعلم به أحد، فوصل إلى دمشق، فأكرمه صلاح الدين واحترمه، بحيث أن صلاح الدين كان إذا أكل طعاماً وأكل ابن الوزير معه غسل يده معه في الطشت، فحسده شمس الدين بن هبيرة، وبلغ السلطان فقال: هذا وزير ابن وزير ابن وزير - إلى أن انقطع نَفَسُهُ - مع الدين المتين والزهد في الدنيا وغيره. وأقام عند السلطان محترماً إلى أن توفي في جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون، وصلى السلطان عليه، وقد بلغ أربعًا وأربعين سنة.البهلوان محمد بن أيلد كز (¬١)، الملقب شمس الدين، وكان حاكماً على العراق وأذربيجان والرى وأصفهان، وكان اسم الملك واقعاً على [طغرلبك] (¬٢) بن أرسلان بن [طغرلبك] (¬٣) بن ملكشاه، ولكنه كان تحت حِجْر البهلوان، ويأكل البلاد باسمه، وكان ظالماً فاتكاً. ولما احتضر أوصى إلى أخيه لأمه قِزل، ومات بهمذان، وخَلَّفَ ما لم يخلفه أحد من الأموال مما لا يحصى، وترك خمسة آلاف مملوك، وثلاثين ألف فرس وبغل و [جمل] (¬٤). وأقام أخاه مقامه. وفي تاريخ بيبرس (¬٥): وفي أول هذه السنة توفي شمس الدين محمد البهلوان، وملك أخوه لأمه مظفر الدين قِزل. وكان البهلوان صاحب بلد الجبل وهمذان والرى وأصفهان وأذربيجان وأرَّان (¬٦) وغيرها من البلاد، وكان عادلاً حسن السيرة ذا سياسة حسنة، وكانت تلك البلاد في أيامه آمنة والرعايا مطمئنة. وكان السلطان طغرل بك بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه معه ليس له إلا الخطبة فقط، وليس له من الأمر شيء، فلما مات البهلوان وملك أخوه قِزل أرسلان، كره طغرل مكان الحجر عليه، وخرج عن حكمه، وانضم إليه جماعة من الأمراء والجند البهلوانية، فاستولى على بعض البلاد، وجرت بينه وبين قِزل خطوب، ثم اتهم الأمراء البهلوانية بمباطنة قِزل أرسلان، فجمعهم وقتلهم، وقتل وزيره عز الدين، وأخاه صبرا، فنفرت منه قلوب خواصه، وانحازوا إلى قِزل أرسلان، وكان ذلك من أَكَدَّ أسباب استيلاء قِزل أرسلان وتمكنه. قلت: قد اختلف كلام المؤرخين في سيرة البهلوان؛ فذكر صاحب المرآة (¬٧) أنه كان ظالماً فاتكاً كما ذكرنا. وذكر بيبرس أنه كان عادلاً حسن السيرة. وكذلك ذكر المؤيد فيتاريخه (¬١). وابن كثير (¬٢) أيضاً في تاريخه. وقِزل أرسلان اسمه عثمان، وهو بكسر القاف والزاي المعجمة، وفي آخره لام، ومعناه الأحمر. وأرسلان معناه الأسد، والبهلوان بفتح الباء الموحدة.[٣١] [فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والثمانين بعد الخمسمائة (¬*)] (¬١) استهلت هذه السنة وكان أولها يوم السبت، وكان يوم النيروز (¬٢)، وذلك أول سنة الفرس، واتفق أنه أول سنة الروم أيضاً، وهذا اليوم الذي نزلت فيه الشمس برج الحمل، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضاً. قال ابن الأثير (¬٣): وهذا شيء يبعد وقوع مثله.
  • full passagepage 434, entry [165]6,526 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، أبو العباس المعروف بابن أفضل الزمان. قال ابن الأثير (¬٢): وكان عالما متبحرًا في علوم كثيرة، في الفقه والأصول، والحساب، [٧٧] والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغيرها، وقد جاور بمكة وأقام بها إلى أن مات ﵀، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقًا. ابن أبي
    ▸ expand full passage (6,526 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان، أبو العباس المعروف بابن أفضل الزمان. قال ابن الأثير (¬٢): وكان عالما متبحرًا في علوم كثيرة، في الفقه والأصول، والحساب، [٧٧] والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغيرها، وقد جاور بمكة وأقام بها إلى أن مات ﵀، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقًا. ابن أبي عصرون (¬٣) هو: القاضي شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله ابن أبي عصرون. قال ابن خلكان: عبد الله بن أبي السري محمد بن هبة الله بن مطهر ابن علي بن أبي عُصْرون بن أبي السري التميمي الحديثي ثم الموصلي، الفقيه الشافعي الملقب شرف الدين، كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، وممن سار ذكره وانتشر أمره. وتفقه أولًا على القاضي المرتضي أبي محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوري، وعلى أبي عبد الله الحسين بن خميس الموصلي، ثم على [أسعد] (¬٤) الميهني وأخذ الأصول عن أبي الفتح بن برهان الأصولي، وقرأ الخلاف وغيره وتوجه إلى مدينة واسط وقرأ على قاضيها الشيخ أبي على الفارقي، وأخذ عنه فوائد (المهذب)، ودرس بالموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائه، وأقام بسنجار مدة ثم انتقل إلى حلب في سنة خمس وأربعين. ثم قدم دمشق إلى ملكها العادل نور الدين محمود بن زنكي في صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ودرس بالزاوية الغربية من جامع دمشق،وتولى أوقاف المساجد. ثم رجع إلى حلب وأقام بها. وصنف كتبًا كثيرة في المذهب منها: "صفوة المذهب في نهاية المطلب" في سبع مجلدات، و"كتاب الانتصار" في أربع مجلدات، وكتاب "المرشد" في مجلدين، وكتاب "الذريعة في معرفة الشريعة"، وصنف "التيسير" في الخلاف أربع مجلدات، وكتابا سماه "ما أخذ النظر"، و "مختصرًا في الفرائض"، وكتابا كبيرا سماه "المُغْرب في نصرة المذهب" (¬١)، ولم يكمله، ونهب فيما نهب له بحلب. فاشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وتعين بالشام وتقدم عند نور الدين صاحب الشام، وبنى له مدرسة بحلب، ومدارس بحماة وحمص وبعلبك وغيرها، وتولي القضاء بسنجار ونصيبين وحران وغيرها من ديار بكر، ثم عاد إلى الشام -إلى دمشق- في سنة سبعين وخمسمائة، وتولى القضاء بها في سنة ثلاث وسبعين عقيب انفصال القاضي ضياء الدين أبي الفضائل القاسم بن تاج الدين يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري. ثم عَمىَ في آخر عمره قبل موته بعشر سنين، وابنه محمد ينوب عنه وهو باق على القضاء، وصنف جزءًا لطيفا في جواز قضاء الأعمى، وهو على خلاف مذهب الشافعي. وقال ابن خلكان: ورأيت في كتاب "الزوائد" تأليف أبي الحسين العمراني صاحب كتاب "البيان" وجها أنه يجوز وهو غريب، ولم أره في غير هذا الكتاب. وقد ذكره ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وذكره العماد في "الخريدة" وأثنى عليه، وأورد له شيئًا من شعره: - أؤمِّل أن أحيا ففي كل ساعة … تمرّ بي الموتي تهزّ نعوشها وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي … بقايا ليالٍ في الزمان أعيشها وأورد له أيضا: يا سائلي كيف حالي بعد فرقته قد … حاشاك مما بقلبي في تناسيكا (¬٢) [٧٨] قد أقسم الدمع لا يجفو الجفون أسى … والنوم لا زارها حتى ألاقيكا وكانت ولادته ليلة الاثنين [الثاني والعشرين] (¬٣) من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل. وتوفي ليلة الثلاثاء الحادية عشرة من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة بمدينة دمشق، ودفن بمدرسته التي أنشأها داخل البلد،وهي معروفة به، والحديثي: نسبة إلى حديثة الموصل، وهي بليدة على دجلة بالجانب الشرقي قرب الزاب الأعلى، وهي غير الحديثة التي في الفرات التي يقال لها حديثة النوُّرة، وهي قلعة حصينة على فراسخ من الأنبار في وسط الفرات، والماء محيط بها. الفقيه (¬١) ضياء الدين عيسى الهكاري، من أصحاب أسد الدين شيركوه، دخل معه إلى مصر وحظي عنده، ثم كان ملازمًا للسلطان صلاح الدين يوسف حتى توفي في ركابه، وكان ممن تفقه على الشيخ أبي القاسم البرزي الجذري. وكان الفقيه عيسى من الفضلاء النبلاء والأمراء الكبراء. وقال العماد (¬٢): توفي الفقيه عيسى بمنزلة الخروبة، سحرة يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائه، وحمل من يومه إلى القدس، فدفن به، وكان من الأعيان ومن مقربي السلطان. وفي المرآة (¬٣): وكان لقبه ضياء الدين وحضر فتوح القدس والغزوات وكان صلاح الدين يحبه ويحسن الظن به ويستشيره، وكان الله قد أقامه لقضاء حوائج الناس ويفرج عن المكروبين مع الورع والعفة. المبارك بن المبارك بن المبارك -ثلاث مرات- أبو طالب الكرجي (¬٤) بالجيم صاحب الفقيه أبي الحسن بن الخلّ، قرأ القرآن وسمع الحديث وتفقه على شيخه ابن الخل، وكتب فأحسن وخلف أبي الحسن ابن البواب، وكان يُعلم أولاد الخليفة الخط -محمدًا ولى العهد، وعليًا- وخلف شيخه أبا الحسن ابن الخلّ في مدرسته بباب العامة التي بناها كمال الدين أبي طلحة، وأضيف إليه تدريس النظامية، وولي رباط الأخلاطية، وبنى له إلى جانبه دار فسكنها، وكان زاهدا عابدا ورعا، وكان الخليفة يدين له ويحسن الظن به، وكان يؤم برباط الأخلاطية، خرج من داره في ذي القعدة، فدخل الرباط ليصلى بهم العصر، فلما وقف في المحراب عرضت له سُعلة فتغير فحمل إلى داره، فتوفي وله نيف وثمانون سنة، وحضر جنازته جميع أرباب الدولة ولم يتخلف سوى الخليفة، وجاء الخليفة في آخر النهار فصلى عليه.الأمير (¬١) موسك بن جَكو والد الأمير عماد الدين داود بن موسك، ابن خال السلطان صلاح الدين، حفظ القرآن وسمع الحديث، وكان محسنًا إلى الناس يقضي حوائجهم ويتلطف بهم وكان ملازما للسلطان في غزواته لم يتخلف عنه في شيء منها وكان دينا صالحا جوادا مرض بمرج عكا مرضًا شديدا فأمره السلطان أن يمضي إلى دمشق يتطب فجاء إلى دمشق، فتوفي بها ودفن بقاسيون ﵀، وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة. الأمير (¬٢) حسام الدين طُمان صاحب الرقة [٧٩] النوري، كان شجاعا جوادا محسنا محبا للخير كثير الصدقات مائلا إلى العلماء والفقهاء، بني مدرسة بحلب لأصحاب أبي حنيفة ﵁. وكان السلطان صلاح الدين يحبه ويعتمد عليه، ولما احتضر والسلطان في مقابلة الإفرنج طلب حصانه وزرديته ليركب ويشهد من حرصه على الغزاة، فلم يقدر لضعفه، فجعل يبكي ويتأسف على موته على فراشه، وكان من شجعان المسلمين. توفي في ليلة النصف من شعبان، ودفن في تل العياضية وحزن السلطان والمسلمون عليه. الأمير سنُقر الخلاطي، توفي ليلة الاثنين السابع والعشرين من رجب من هذه السنة، وذلك أيضًا حين كان السلطان على عكا ﵀. أبو طالب (¬٣) محمود بن علي ابن أبي طالب بن عبد الله ابن أبي الرجا التميمي الأصبهاني، المعروف بالقاضي، صاحب الطريقة في الخلاف، وصنف فيه التعليقة التي شهدت بفضله وتبريزه على أكثر نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان عمدة المدرسين في إلقاء الدروس عليها، ومن لم يذكرها [فإنما] (¬٤) كان لقصور فهمه عن إدراك دقائقها، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وصاروا علماء ومشاهير. وكان له في الوعظ اليد الطولى، وكان متفننًا في العلوم، ودرس بأصبهان مدة، وتوفي في شوال من هذه السنة.الإربلي (¬١) الشاعر وهو: محمد بن يوسف بن محمد بن قائد، الملقب موفق الدين الإربلي الشاعر المشهور، وكان إماما مقدمًا في علم العربية، ومن أعلم الناس بالعروض وأحذقهم بنقد الشعر وأعرفهم بجيده من رديئه. واشتغل بعلوم الأوائل، وحل كتاب إقليدس، وهو شيخ أبي البركات ابن المستوفي صاحب "تاريخ إربل"، أقام بشهرزُور مدة ثم رحل إلى دمشق، ومدح السلطان صلاح الدين، ﵀، ذكر النويري وغير وفاته في هذه السنة، وكان أبوه محمد تاجرًا يتردد إلى البحرين (¬٢) لتحصيل اللآلي من المغاصات.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والثمانين بعد الخمسمائة استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، السلطان صلاح الدين مقيم بعسكره بمنزلة الخروبة، وكل من الملك العادل والملك الأفضل والملك المظفر في خيمته المضروبة، وعكا محصورة، وجموع الفرنج على (¬١) حصارها محشورة، وهلك من الفرنج المحاصرين في الوقائع خلق كثير لأن القتال لم ينقطع والتواقع لم يرتفع.
  • full passagepage 472, entry [187]5,152 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة محيى الدين محمد بن محمد بن عبد الله، أبو حامد قاضى القضاة بالموصل ابن قاضى القضاة كمال الدين الشهرزورى الشافعى (¬١) دخل بغداد للاشتغال فتفقه على الفقيه أبى منصور بن الرزاز وتميز، ثم أصعد إلى الشام، وولى قضاء دمشق نيابة عن والده، ثم انتقل إلى حلب وحكم بها نيابة
    ▸ expand full passage (5,152 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة محيى الدين محمد بن محمد بن عبد الله، أبو حامد قاضى القضاة بالموصل ابن قاضى القضاة كمال الدين الشهرزورى الشافعى (¬١) دخل بغداد للاشتغال فتفقه على الفقيه أبى منصور بن الرزاز وتميز، ثم أصعد إلى الشام، وولى قضاء دمشق نيابة عن والده، ثم انتقل إلى حلب وحكم بها نيابة عن أبيه أيضاً في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وبه عزل ابن أبى جرادة المعروف بابن العديم [١٠٣]، وبعد وفاة والده انتقل إلى الموصل وتولى قضاءها، ودرس بمدرسة والده، وبالمدرسة النظامية بالموصل، وتمكن عند صاحب الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكى، واستولى على جميع الأمور، وتوجه من جهته رسولا إلى بغداد مرارا، وكان محيى الدين جواداً سرياً، قيل إنه أنعم في بعض رسالته إلى بغداد بعشرة آلاف دينار أميرية، على الفقهاء والأدباء والشعراء والمحاويج. ويقال إنه في مدة حكمه بالموصل لم يعتقل غريما على دينارين فما دونهما، بل كان يوفيهما عنه، ويحكى عنه مكارم كثيرة ورئاسة ضخمة، وكان من النجباء عريقا في النجابة تام الرئاسة، كريم الأخلاق رقيق الحاشية، له في الأدب مشاركة حسنة، وله أشعار جيدة، فمن ذلك ما قاله في وصف جرادة وهو تشبيه غريب: لها فخذا بَكرٍ وسَاقا نعامةٍ … وقادِمتا نسَرٍ وجؤجؤ (¬٢) ضَيْغمٍ حبتها أفاعي الرمل بطناً وأنعمت … عليها جياد الخيل بالرأس والفمِ (¬٣) وله في وصف نزول الثلج من الغيم: ولما شاب رأس الدهر غيظاً … لما قاساه من فقد الكرام أقام يُميط عنه الشيب غيظا … ويَنثُر ما أماط على الأنام (¬٤)وكانت ولادته سنة عشر وخمسمائة تقريبا، وقال العماد الكاتب في الخريدة مولده سنة تسع عشرة من شعبان وتوفى سحرة يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة [ستة و] (¬١) ثمانين وخمسمائة بالموصل ودفن بداره بمحلة القلعة ثم نقل إلى مدينة الرسول ﵇. وذكر ابن الدُبَيْثى (¬٢) في تاريخه: أنه نقل إلى تربة عملت له ظاهر البلد. وقال ابن خلكان: حققت ذلك فوجدتُه كما قال ابن الدُبيثى وتربته خارج باب الميدان، بالقرب من تربة قضيب البان صاحب الكرامات. أبو نصر العتابى، صاحب الزيادات، أحمد بن محمد بن عُمر أبو نصر العتابى البخارى وقيل أبو القاسم الإمام العلامة الزاهد، من أكابر الحنفية الذين سار ذكرهم، وله تصانيف منها، الزيادات الكتاب المشهور، رواها عنه جماعة منهم، حافظ الدين وشمس الأئمة الكَرْدرى وغيرهما، وله جوامع الفقه أربع مجلدات، وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير وغيرها، توفى يوم الأحد وقت الظهر .... (¬٣) سنة ست وثمانين وخمسمائة ببخارى، ودفن بكلاباذ (¬٤) بمقبرة القضاة السبعة، أحدهم أبو زيد الدَبُوسى. والعتابى نسبة إلى أشياء منها إلى عتَّاب بن أسيد، ومنها إلى العتابيين محلة ببغداد، ومنها إلى محلة يقال لها دار عتاب كذا قاله السمعاني] (¬٥). مسعود بن على بن عبيد الله أبو الفضل بن نادر (¬٦) الصفار الأديب الفاضل، ولد سنة خمسة عشر وخمسمائة، وبرع في الأدب وكتب خطا حسنا نحو من مائة ربعة ومصحف [١٠٤]، وأخذ اللغة عن ابن الجو اليقى وغيره، ومن شعره: تولوا فأولوا الجسم من بعدهم ضنا … وحرًا شديدًا في الحشا يَتزايَد وزاد بلائى بالذين أحبهم … وللناس فيما يدّعون مقاصد وسمع قاضى المارستان وغيره وكان ثقة، توفى في المحرم ودفن بباب حرب (¬٧).الأمير زين الدين يوسف بن زين الدين على كُوجك بن بكتكين صاحب أربل، وهو أخو مظفر الدين بن زين الدين، كان عند السلطان صلاح الدين في هذه السنة على الخروبة، فمرض في رمضان فارتحل من الخروبة إلى الناصرة، فأقام يمرّض نفسه، وكان عنده أخوه مظفر الدين يمرضه، فيقال أنه سقاه سما فمات، وظهرت على مظفر الدين أمارات ذلك، فإنه لم يكترث لموته ولا تأسف عليه، وبلغ السلطان فحزن عليه وبكى لأنه كان صاحبه ومصافيه وشاكره وداعيه، وحزن المسلمون عليه لمكان عفته وشبابه وغربته. وقال العماد (¬١): أتينا مظفر الدين نعزيه ظنا منا أنه قد حزن الأخ على أخيه، فكأننا جئنا نهنيه، وإذا به مشغول عن العزاء بحيازة أمواله وأسبابه والقبض على عماله وكتابه، ثم أرسل مظفر الدين إلى السلطان يطلب منه إربل وينزل عن حران والرّها، فأجابه إلى ذلك وسأله كتابا إلى صاحب إربل في هذا المعنى وأضاف إليه شهرزور وأعمالها (¬٢). قال ابن كثير (¬٣): وارتجع ما كان بيد مظفر الدين، وهو حران والرها وشُميساط وأعطاها الملك المظفر تقى الدين عُمر زيادة على ما بيده وهو ميّافارقين، ومن الشام حماة ومَعرّة النعمان وسليمة ومنيج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلاطنس بكسرآئيل (¬٤). الأمير سوار استشهد على عكا في هذه السنة، وكان من مماليك السلطان الخواص، وقال العماد (¬٥): استشهد على عكا سبعة من الأمراء من جملتهم سوار المذكور، وكذلك استشهد عدة من الأكراد الشجعان، وقال استشهد في اليوم التاسع من جمادى الأولى من هذه السنة القاضى المرتضى بن قريش الكاتب، وكان قاضيا بنايلس حاكما حاذقا فاضلا ورعا ﵀.الأمير قزل بن ألد كز (¬١) صاحب العراق، أخو البهلوان كان قد استولى على أذربيجان وغيرها، وهو الذى حجز على طغربل السلجوقى، وكان فاسقا فاتكا، نام ليلة وهو سكران فأصبح مذبوحا، وقيل قتلته خاتون زوجته. ملك الألمان الذى أقبل في مائتى ألف مقاتل، وقيل في ثلاثمائة ألف مقاتل كما ذكرنا، وقد أهلكه الله بالغرق كفرعون كما ذكرناه مفصلا (¬٢). ابن ملك الألمان الذى تولى بعد هلاك أبيه على طرسوس، هلك في آخر هذه السنة لعنه الله. وقال العماد (¬٣): هلك ابن ملك الألمان بعلة الخوف، ولعله من [عرض] (¬٤) الجوف في ثانى عشر ذى الحجة من هذه السنة، وأدرك أباه في الدرك الأسفل من النار وأبصر [١٠٥] في جهنم مصائر أمثاله من الكفار، وزاد بهلاكه ألم الألمانية، وانسد بموته فرج الافرنجية، وتبعه في السفر إلى سقر كندُ كبيرٌ يقال له كُند "تيباط" (¬٥) دافع القدر فما قدر. وهلك منهم بالأمراض المختلفة العدد الكثير لعنهم الله تعالى.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والثمانين بعد الخمسمائة استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب مقيم على عكا، والحصار مستمر على حاله من الجانبين، وقد استكمل دخول البدل إلى البلد، والملك العادل أخو السلطان مخيم إلى جانب البحر ليتكامل دخولهم ودخول ميرتهم.
  • full passagepage 517, entry [213]14,178 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الخبوشاني، أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني الملقب نجم الدين، الفقيه الشافعي، قال ابن خلكأن (¬١): كان فقيهًافاضلًا كثير الورع، تفقه على محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري الشافعي، أستاذ المتأخرين الذي تفقه على الإمام الغزالي، وكان الخ
    ▸ expand full passage (14,178 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الخبوشاني، أبو البركات محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني الملقب نجم الدين، الفقيه الشافعي، قال ابن خلكأن (¬١): كان فقيهًافاضلًا كثير الورع، تفقه على محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري الشافعي، أستاذ المتأخرين الذي تفقه على الإمام الغزالي، وكان الخبوشاني يستحضر كتاب "المحيط في شرح الوسيط" تصنيف شيخه النيسابوري المذكور، حتى نقل عنه أنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره. وله كتاب "تحقيق المحيط" وهو كبير. قال القاضي: رأيته في ستة عشر مجلدًا. ولما استقر السلطان صلاح الدين ﵀ يملك الديار المصرية قربّه وأكرمه، وكان يعتقد في علمه ودينه، ويقال: إنه أشار بعمارة المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي ﵀ وعَمَّرها في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وفي هذه السنة أيضا بني المارستان الذي في القصر بالقاهرة، فلما عمَّرها فوض تدريسها إليه. وكانت ولادته في الثالث عشر من رجب سنة عشر وخمسمائة من الهجرة بأستوا خبوشان. وفي المرأة: كان الخبوشاني يلقب بالنجم، قدم الديار المصرية وأظهر الناموس وتزهّد، وكان يركب الحمار فنفق (¬١) على السلطان وأهله، وأعطاه السلطان مالًا فبني به المدرسة التي إلى جانب الشافعي. وكان كثير الفتن، منذ دخل مصر إلى أن مات ما زالت الفتن قائمة بينه وبين الحنابلة، وابن الصابوني، وزين الدين بن نجيّة، ويكفّروه ويكفرهم. وكان طائشًا متهورًا، نبش ابن الكيزاني وأخرج عظامه من عند الشافعي، وكان يصوم ويفطر على خبز الشعير، فلما مات وجدوا له ألوف دنانير، وبلغ صلاح الدين فقال: ياخيبة المَسْعى، وكان يبعث إليه بالصدقات فيأخذها لنفسه، ولما توجه سيف الإسلام إلى اليمن جاء إليه يُودعه ويستقصي حوائجه، فقال له الخبوشاني: لي إليك حاجة، قال: ما هي؟ قال: تضرب رقبة كل مَنْ في المدينة ومكة، وتأخذ أموالهم وتسبي نساءهم، وقد أبحت لك ذلك، فقام سيف الإسلام من عنده وهو يسبه، وقال: انظروا إلى هذا الرقيع يبيح دماء جيران الله ودماء أهل [١٣٤] بيت رسول الله ﷺ وكانت وفاته في صفر، وسكنت الفتن واصطلح الناس، وقالوا: هذا فتوح ثاني. وكان سيء الأخلاق قبيح العشرة. وقال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ذي القعدة من سنة سبع وثمانين وخمسمائة بالمدرسة المذكورة، ودفن في قُبّة تحت رجلى الشافعي ﵁ وبينهما شباك.والخُبوشاني نسبة إلى خُبوشان بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة وسكون الواو وبعد الشين المعجمة ألف ونون، وهي بليدة بناحية نيسابور، وأستوا بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق أو ضمها، ناحية كثيرة القرى من أعمال نيسابور. وقال ابن كثير (¬١): ولما توفي الخبوشاني طلب التدريس جماعة، فشفع الملك العادل عند أخيه السلطان صلاح الدين في شيخ الشيوخ أبي الحسن علي بن حَمُويه، فولاه إياها ثم عزل عنها بعد موت السلطان. واستمرت عليها أيدى بنى السلطان واحدًا بعد واحد، ثم خَلُصت بعد ذلك وعادت إليها الفقهاء والمدرسون. شهاب الدين المَقْتُول (¬٢)، أبو الفتوح يحيى بن حَبش بن أميرك، الملقب شهاب الدين السُهْرَوردي الحكيم، المقتول بحلب، وقيل: اسمه أحمد. وقيل: كنيته اسمه، وهو أبو الفتوح. وذكر أبو العباس أحمد الخزرجي الحكيم في كتاب "طبقات الأطباء" أن أسم السهروردى المذكور عمر، ولم يذكر اسم أبيه، والصحيح الذي ذكرناه أولًا. قاله ابن خلكان: وكان من علماء عصره، قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدين الجبلي بمدينة مَراغة، من أعمال أذربيجان، إلى أن برع فيهما. وهذا مجد الدين هو شيخ فخر الدين الرازي، وعليه تخرج وبصحبته انتفع، وكان إمامة في فنون. وقال في "طبقات الأطباء": وكان السهروردي أوحد أهل زمانه في العلوم الحكمية، جامعًا للفنون الفلسفية، بارعًا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، وكان علمه أكثر من عقله، ويقال: إنه كان يعرف علم السيمياء (¬٣)، وحكى بعض فقهاء العجم أنه كان في صحبته وقد خرجوا من دمشق، قال: فلما وصلنا إلى القابون - وهي القرية التي على باب دمشق في طريق من يتوجه إلى حلب - لقينا قطيع غنم مع التركمان، فقلنا للشيخ: يا مولانا تريد من هذا الغنم رأسًا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم، وكان هناك تركماني فاشترينا منه رأسًا بها، ومضينا قليلًا فلحقنا رفيق له وقال:رُدّوا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم، يساوي هذا الرأس أكثر من هذا. فتقولنا نحن وإياه، فلما عرف الشيخ ذلك قال لنا: خذوا الرأس وامشوا وأنا أقفُ معه وأرضية، فتقدمنا نحن وبقى شيخنا يتحدث معه ويطيب قلبه، فلما أبعدنا قليلًا تركهـ وتبعنا، وبقى التركماني يمشي خلفه ويصيح به وهو لا يلتفت عليه، ولما لم يكلمه لحقه تغيظ، وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخليني؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه وبقيت [١٣٥] في يد التركماني ودمهما يجرى، فبهت التركماني، وتحيّر في أمره ورمى اليد وخاف، فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا، وبقي التركماني راجعًا وهو يلتفت إليه حتى غاب عنه، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمني منديلًا لا غير. وقال ابن خلكان: ويحكى عنه مثل هذا أشياء كثيرة، والله أعلم بصحتها. وله تصانيف، من ذلك كتاب "التنقيحات في أصول الفقه"، وكتاب "التلويحات"، وكتاب "الهياكل"، وكتاب "حكمة الإشراق" وغير ذلك، وتنسب إليه أشعار، ومن شعره المذكور ما يستعمله المنشدون في المجالس وهو قوله: أبدًا تَحِنُّ إليكم الأرواحُ … ووصالكُم ريحانُها والرَّاحُ وقلوبُ أهلِ ودادِكم تشتاقكم … وإلى لذيذ لقائكُم (¬١) ترتاحُ وارَحْمتا للعاشقين تَكَلّفوا … سَتْرَ المحبّة والهوى فَضَّاحُ بالسِّر إن باحُوا تُباحُ دِماؤهم … وكذا دماءُ البائحين تُباحُ وإذا هُم كتموا تحدّث عَنهُم … عِند الوُشاةِ المدمَعُ السفّاحُ وَبَدَت شواهِدُ للسِّقام عليهم … فيها لِمُشكل أمرهم إيضاحُ خفض الجناح لكُم وليس عليكُم … للصَبِّ في خَفْضِ الجَنَاحُ جُنَاحُ فإلى لقاكم نفسُه مرتاحةً … وإلى رضاكُم طَرْفُه طَماحُ عودوا بنور الوَصل من غَسَقِ الجوى … فالهجرُ لَيْلٌ والوِصالُ صَباحُ صافاهُمُ فصفوا له فقلوبُهم … في نورها المِشكاةُ والمِصْبَاحُ وتمتعوا فالوقت طابَ بقربكم … رَاقَ الشَّرابُ ورّقت الأقداحُيا صَاحِ ليس على المُحِبِّ ملامةٌ … إن لاحَ في أُفقِ الوصالِ صِباحُ لا ذَنْبَ للْعُشاق إن غلب الهوى … كتمانَهُم [فنما] (¬١) ننمي الغرام وباحُوا سَمحُوا بأنفسهم وما بخلوا بها … لمّا دَرَوا أن السّماح رَباحُ ودَعاهُم داعي الحقائق دعوة … فغدوا بها مستأنسين وراحُوا ركبوا على سُفن الوَفا فدموعُهم … بَحرٌ وشدة شوقهم مَلّاحُ والله ما طلبوا الوقوف ببابه … حتى دُعوا وأتاهُمُ المُفتاحُ لا يطربون بغير ذكر حبيبهم … أبدًا فكل زمانهم أفراحُ حضروا وقد غابت شواهدُ ذاتهم … فتهتكوا لما رأوه وَصاحوا أفناهمُ عنهم وقد كشفت لهم … حجبُ البقا فتلاشت الأرواح [١٣٦] فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلَهم … إن التشبهَ بالكرام فَلاحُ قم يا نديمي إلى المدام فهاتها … في كأسها [قد] (¬٢) دارت الأقداح من كرم إكرام بدِنّ ديانة … لها خمرة قد داسَها الفَلّاحُ وقال ابن خلكان، ﵀: وله في النظم والنثر أشياء لطيفة لا حاجة إلى الإطالة بذكرها. وكان شافعي المذهب، ويلقب بالمؤيد بالملكوت، وكان يُتهم بانحلال العقيدة والتعطيل، [ويعتقد] (¬٣) مذهب الحكماء المتقدمين، واشتهر ذلك عنه، فلما وصل إلى حلب أفتى علماؤها بإباحة قتله بسبب اعتقاده وما ظهر لهم من سوء مذهبه، وكان أشد الجماعة عليه [الشيخين] (¬٤)؛ زين الدين ومجد الدين ابنا جَهْبَلْ. وقال الشيخ سيف الدين الآمدى: اجتمعتُ بالسُهرْوردي في حلب، فقال لي: "لابد أن أملك الأرض"، فقلتُ له: من أين لك هذا؟ قال: "رأيت في المنام كأنّي شربت ماء البحر". فقلتُ: لعل هذا يكون اشتهار العلم أو ما يناسب هذا. فرأيته لا يرجع عما وقع في نفسه، ورأيته كثير العلم قليل العقل. ويقال: إنه لما تحقق القتل كان كثيرًا ما ينشد:أرى قدمي أَراقَ دَمِي … وهانَ دَمِي فها ندمي والأول مأخوذ من قول أبي الفتح علي بن محمد البُسْتي: إلى حتفي مشي قدمي … أرى قدمي أراق دمي فلم [أنفك] (¬١) من ندم … وليس بنافعي ندمي وكان ذلك في دولة الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف، فحبسه ثم خنقه بإشارة والده صلاح الدين، وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، وعمره ثمان وثلاثون سنة. ويقال: إن صلاح الدين أمر بقتله فقتل وصلب أيامًا. وقال ابن خلكان: وأقمتُ بحلب سنين للاشتغال بالعلم الشريف، ورأيت أهلها مختلفين في أمره، وكل واحد يتكلم على قدر هواه؛ فمنهم من ينسبه إلى الزندقة والإلحاد، ومنهم من يعتقد فيه الصلاح وأنه من أهل الكرامات، ويقولون: ظهر له بعد قتله ما يشهد له بذلك. وأكثر الناس على أنه كان ملحد لا يعتقد شيئًا. نسأل الله العفو والعافية. وحَبَش بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالشين المعجمة. وأَمِيرَكْ معناه أُمَيِّر تصغير أمير، والعجم تلحق الكاف في آخر الاسم للتصغير. القاضي أبو القاسم قاضي حماة، واسمه الحسين بن حمزة بن الحسين، كان فاضلًا جوادًا سمحًا، لا يُنزِل قِدْرَهُ من النار، يُضَيِّفُ الخلائق من الخاص والعام، وما اجتمع أحد بحماة من الأكابر إلا وأضافه. وكان السلطان صلاح الدين يحبه ويحترمه، كذا أخوه الملك العادل، وتقي الدين صاحب حماة. قال صاحب المرآة (¬٢): وبلغني أن العادل اجتاز بحماة فأرسل إلى القاضى يقول: "أريد الحمام خلوة"، فأخلاه، فما خرج العادل من الحمام إلا وقد جهز له من الفواكه والأطعمة والحلاوات [١٣٧] فأكفاه وأصحابه. وما كان يقبل برّ أحد لا من صلاح الدين ولا غيره، ومات بحماة في هذه السنة وخلف ولدًا ذكرًا وللولد أولاد.أسعد بن المَطْران الطبيب، ويُلقب بالموفق، وكان نصرانيًا أسلم على يد السلطان، وكان غزير المروعة، حسن الأخلاق، كريم العشرة، جوادًا متعصبًا للناس عند السلطان ويقضي حوائجهم، وكان صحبه صبّي من المسلمين اسمه عمر، وكان حسن الصورة فأحسن إليه، وكان الموفق يحب أهل البيت ويبغض ابن عُنَين الشاعر لخبث لسانه، وقبح هجائه، وثلبه الأعراض الناس، ويحرّض السلطان على نفيه من البلاد. وقال: أليس هو القائل: سلطاننا أعرج وكاتبه … أعمش والوزير منجذب فهجاه ابن عنين وقال: قالوا الموفقُ شيعيٌ فقلت لهم … هذا خلاف الذّى للناس منه ظهر وكيف يجعل دين الرفضِ مذهبه … وما دعا إلى الإسلام غيرُ عُمر وكان الموفق يعود الفقراء المرضى، ويحمل إليهم من عنده الأشربة والأدوية حتى أجرة الحمام، وزَوَّجهُ السلطانُ بجارية له يقال لها جوزة، وكانت من حظايا السلطان، ونقل معها جهازًا عظيمًا. ومات في ربيع الأول بدمشق، ودفن بقاسيون على قارعة الطريق عند دار زوجته جوزة. ولما مات اشترت زوجته دارًا وبنت إلى جانبها مسجدًا وبنت له تربة، وهي تعرف اليوم بدار جوزة. وقال السبط: ولما قدمت الشام في سنة ثلاث وستمائة كانت جوزة باقية، وكانت صالحة زاهدة عابدة. الأمير سليمان بن جندر، من أكابر أمراء حلب، ومشايخ الدولتين النورّية والصلاحية، وهو والد علم الدين بن سليمان، وشهد سليمان مع صلاح الدين حروبه، وهو الذي أشار بخراب عسقلان لتتوفر العناية على حفظ القدس، ولما صعد السلطان إلى القدس مرض سليمان، فطلب المسير إلى حلب، فأذن له السلطان فسار، فتوفي بغباغب (¬١) في أواخر ذي الحجة، وحُمِلَ إلى حلب فدفن بها. الأمير حسام الدين محمد بن عمر بن لاچين، صاحب نابلس، وأمه ست الشام بنت أيوب، أخت السلطان صلاح الدين، واقفة الشاميتين بدمشق، توفي ليلة الجمعةتاسع عشر رمضان، ففجع السلطان به وبابن أخيه تقي الدين عمر؛ لأنهما ماتا في ليلة واحدة، وقد كان له من أكبر الأعوان وأعز الإخوان، ودفن حسام الدين في التربة الحساميّة، وهي التي أنشأتها له بمحلة العونية، وهي الشامية البرانية (¬١). وكانت وفاته بدمشق، وكان شجاعًا مقدامًا. الأمير الكبير الصَفِّى بن الفائض، نائب دمشق، وكان من أكبر أصحاب السلطان صلاح الدين قبيل المُلك، ثم استنابه على دمشق. وفي المرآة: الصفى بن الفائض، وزير صلاح الدين واسمه نصر الله، وكان خدم السلطان لما كان شحنة دمشق وأمده بالمال، فرأى له ذلك، فلما ملك استوزره، وكان شجاعًا ثقة دينًا أمينًا، ولما نزل الفرنج دَاريا [١٣٨] والسلطان في الشرق، جمع من أهل دمشق سوادًا عظيمًا، وجمع إلى ظاهر البلد، فظنوهم عسكرًا فرحلوا. وكان كثير المعروف، وكتب أملاكه لمماليكه؛ لأنه لم يكن له ولد، وبني بالعقيلة مسجدًا ودفن به في رجب، ويعرف اليوم بمسجد الصفى. وكانت وفاته في الثالث والعشرين من رجب، ﵀. الملك مظفر الدين قزل أرسلان، واسمه عثمان بن أيلد كز، قتل في شعبان من هذه السنة، وهو الذي ملك أذربيجان وهمذان وأصفهان والرى بعد أخيه محمد البهلوان، وكان قد قوى عليه السلطان طغريل السلجوقي وهزم عسكر بغداد - كما ذكرنا - ثم أن قزل أرسلان هذا تغلّب واعتقل السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل في بعض البلاد، وسافر قزل أرسلان بعد ذلك إلى أصفهان، وتعصب على الشافعية، وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم، وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة، ودخل لينام على فراشه، وتفرق عنه أصحابه، فدخل إليه من قتله على فراشه، ولم يعرف قاتله، والله أعلم. ويقال: نُسب قتله إلى الإسماعيلية. ويقال: إلى غيرهم. ولما أصبحوا قتلوا صاحب بابه، وجلس قُتلغ أينانج بن البهلوان موضعه، ومضى أخوه نصرة الدين أبو بكر إلى أذربيجان وأران (¬٢)، واستولى عليهما، ثم جمع ومضى على سَمت همذان فلقي قتلغأينانج وعسكره بين أَبْهَرْ (¬١) زنجان (¬٢) فَكَسره وهزمه، ومضى إلى همذان وجلس على سرير ملكه، وذلك في سنة ثمان وثمانين على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كان عزيزًا عند عمّه السلطان صلاح الدين، استنابه بمصر وغيرها من البلاد، ثم أقطعه حماة ومُدنًا كثيرة معها حولها، ومن بلاد الجزيرة، وكان مع عمه على عكا، ثم أستأذنه في الإشراف على بلاده المجاورة للفرات، فلما صار إليها اشتغل بها، وامتدت عينه إلى أخذ غيرها من أيدي الملوك الذين يجاورونه فقاتلهم، فاتفق موته وهو على ذلك، والسلطان صلاح الدين متغضب عليه بسبب اشتغاله بذلك عنه. وقال العماد الكاتب (¬٣): توفى الملك المظفر تقي الدين عمر يوم الجمعة التاسع عشر من شهر رمضان، وهو على محاصرة ملازكرد من عمل أرمينية، وكتم ولدُه الملك المنصور ناصر الدين محمد وفاته إلى أن خرج من ذلك الإقليم سالمًا، وبعث إلى السلطان يسأله في إبقاء بلاد أبيه بيده، فلم يجب السلطان إليه. وقال النويري: قد سار الملك المظفر تقي الدين عمر إلى البلاد المرتجعة من كُوكبُوري، التي زاده إياها عمّه السلطان من وراء الفرات، وهي حرّان وغيرها، فامتدت عين الملك المظفر إلى بلاد مجاورة، واستولى على سويداء (¬٤) وحاني (¬٥)، واتقع مع بكتمر صاحب أخلاط، فكسره وحصره في أخلاط، وتملك معظم البلاد ثم رحل عنها، ونزل ملازكرد - وهي لبكتمر - وضايقها، وكان [١٣٩] في صحبته ولده الملك المنصور محمد، فعرض للملك المظفر مرض شديد وتزايد به، حتى توفي يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان، فأخفى الملك المنصور وفاته، ورحل عن ملازكرد، ووصل به إلى حماة، فدفن بها بظاهرها، وبني إلى جانب التربة مدرسة مشهورة هناك.وكان الملك المظفر شجاعًا شديد البأس، ركنًا عظيمًا من أركان البيت الأيوبي، وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن. ثم أرسل الملك المنصور إلى السلطان صلاح الدين واشترط عليه شروطًا نسبهُ السلطانُ فيها إلى العصيان، وكان أمره مضطربًا (¬١) بالكلية، فراسل الملك المنصور عمّه الملك العادل في استعطاف خاطر السلطان، فما برح العادل بأخيه السلطان يراجعه ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه السلطان، وقرر للملك المنصور حماة وسلميّة والمعرة ومنبج وقلعة نجم. وارتجع السلطان البلاد الشرقية وما معها وأقطعها أخاه الملك العادل، بعد أن شرط السلطان أن الملك العادل ينزل عما الله من الإقطاع بالشام، خلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء إلى القدس، شرفه الله. ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية لتقرير أمورها فقررها، وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة. ولما قدم العادل على السلطان صلاح الدين كان الملك المنصور صاحب حماة صحبته، فلما رأى السلطان الملك المنصور بن تقي الدين عمر نهض واعتنقه وبكي، وأكرمه وأنزله في مقدمة. عسكره. وقال بيبرس في تاريخه: توفى الملك المظفر تقي الدين المذكور بأرض أخلاط في حصار ملازكرد، ودفن بميافارقين ثم نقل إلى حماة، ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والثمانين بعد الخمسمائة استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله العباسي، وصاحب مصر والشام وغيرها من البلاد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو مقيم في القدس الشريف في دار الأقِسَّاء بجوار قمامة، وقد قسم السور بين أولاده وأجناده وهو يعمل فيه بنفسه، ويحمل الحجر بينه وبين قربوس (¬١) سرجه، والناس يقتدون به، والعلماء والفقراء يعملون بأنفسهم. والإفرنج لعنهم الله حول البلد من ناحية عسقلان، حول القدس وما والاها، لا يتجاسرون أن يتقدموا من اليزك والحرس الذين للسلطان حول القدس، إلا أنهم على نية محاصرة القدس مصممون، ولكيد الإسلام مجمعون، وهم والحرس تارة يَغلبون وتارة يُغلبون، وتارة يَنهبون وتارة يُنهبون (¬٢).
  • full passagepage 555, entry [230]7,147 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصّابُونى، أحمد بن محمود بن أبى بكر، أبو محمد الصابونى، الملقب نور الدين، أحد أعيان الأئمة الحنفية، صاحب "البداية في أصول الدين". توفى وقت صلاة المغرب، ليلة الثلاثاء السادس عشر من صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة القضاة السبعة، تفقه على شمس الأئمة الكردى. أبو ا
    ▸ expand full passage (7,147 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصّابُونى، أحمد بن محمود بن أبى بكر، أبو محمد الصابونى، الملقب نور الدين، أحد أعيان الأئمة الحنفية، صاحب "البداية في أصول الدين". توفى وقت صلاة المغرب، ليلة الثلاثاء السادس عشر من صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة القضاة السبعة، تفقه على شمس الأئمة الكردى. أبو المرهف الشاعر، نصر بن منصور النميرى، سمع الحديث واشتغل بالأدب، وكان قد أصابه جدرى وهو ابن أربع عشرة سنة، فنقص بصره جدًا، فكان لا يبصر الأشياء البعيدة ويرى القريبة منه (¬٣)، ولكنه لا يحتاج إلى قائد، فارتحل إلى العراق لمداواة عينيه، فآيسه الأطباء من ذلك، فاشتغل بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين والزهاد فأفلح، وله ديوان شعر كبير حسن، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاد، فأنشأ يقول: أُحِبُّ عليا والبَتُول وولدها … ولا أجحد الشيخين فضل التقدم وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى … كما أتبرأ من ولاء ابن ملجم ويعجبنى أهل الحديث لصدقهم … فلست إلى أقوام سواهم أنتمى (¬٤) توفى في ربيع الآخر منها ببغداد، ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب ببغداد. وفى المرآة: منسوب إلى نمير (¬٥) بن عامر بن صعصعة من هوزان، ولد ببرقة الشام، وأمه بنت سالم بن مالك صاحب رحبة الشام، ورُبّى بالشام، وعاشر الأدباء، وقال الشعروهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتفقه على مذهب أحمد، وقرأ اللغة على [١٥٩] ابن الجواليقى. وكان طاهر اللسان نزهًا عفيفا دينا، وكان من أعيان شعراء الوزير يحيى بن هبيرة، وله فيه المدائح الكثيرة. وفى المقتفى، وصلاح الدين وغيرهما. سمع قاضى المارستان، وابن الحصين وغيرهما (¬١). ابن الفراش، القاضى شمس الدين محمد بن محمد بن موسى، المعروف بابن الفراش (¬٢). كان قاضى العساكر بدمشق، ويرسله السلطان في الرسالات إلى ملوك الآفاق، وتوفى بملطية عائدا من عند بنى قليج أرسلان. وقال العماد الكاتب: أرسله السلطان إلى قليج أرسلان وأولاده ليصلح بينهم، فتردد بينهم سنةً وعاد، ووصل إلى ملطية وتوفى بها في شهر ربيع الآخر من هذه السنة. الأمير سيف الدين على بن أحمد المشطوب، كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، حضر معه في الوقعات الثلاث بديار مصر، ثم صار من أكابر أمراء السلطان صلاح الدين، وهو الذى كان على نيابة عكا حين أخذها الإفرنج، فافتدى منهم بخمسين ألف دينار وتخلّص، إلى أن خلص إلى السلطان وهو بالقدس الشريف، كما ذكرناه، فولاه نيابة نابلس. وكانت وفاته يوم الأحد (¬٣) الثالث والعشرين من شوال بالقدس الشريف، ودفن في داره. وقال العماد: وكانت وفاته يوم الخميس السادس والعشرين من شوال (¬٤). قال المؤيد (¬٥): وكانت نابلس إقطاعه، وتوفى فيها، فوقف السلطان ثلث نابلس على مصالح القدس، وأقطع الباقى للأمير عماد الدين أحمد بن سيف الدين على وأميرين معه. وفى المرآة (¬٦): سيف الدين المشطوب ملك الهكاريّة، واسمه على بن أحمد الهكارى، كان شجاعا صابرًا في الحرب، مطاعا في قبيلته، دخل مع أسد الدين شيركوه إلى مصر في المرات الثلاث، وشهد فتح مصر، ولزم خدمة السلطان. واتفق أن السلطاناجتاز بنابلس في عوده إلى دمشق، فاجتمع أهلها وشكوا إلى السلطان واستغاثوا، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: يتظلمون من المشطوب، وهو راكب بين يديه، فقال: يا عَلِىّ لو كان هؤلاء يدعون لك هيهات حتى يسمع الله، فكيف وهم يدعون عليك؟. واختلفوا في وفاته؛ فقال العماد: مات المشطوب في نابلس في آخر شوال. وقال القاضى ابن شداد: مات بالقدس وصلى عليه في المسجد الأقصى ودفن بداره. راشد الدين سنان بن سليمان بن محمد، وكنيته أبو الحسن، صاحب دعوة الإسماعيلية بقلاع الشام، وأصله من البصرة، توفى في هذه السنة. قال بيبرس عن ما يملكه: كان عالما فاضلاً أدب، وكانت له معرفة وسياسة، وحذق في إقامة الدعوة، واستجلاب للقلوب، ولم يقم أحد بعده مقامه. وفى المرآة: وكان في حصن ألموت (¬١)، فرأى منه صاحب الأمر في تلك البلاد نجابة وشهامة ويقظة، فسيَّره إلى حصون الشام، وكان مجيئه إلى الشام في أيام نور الدين محمود، فأقام واليا ثلاثين سنة، وجرت له مع السلطان قصص، وبعث إليه جماعة فوثبوا عليه، وكان في عزم السلطان قصده، ولم يعطه طاعة قط. ولما صالح السلطان الإفرنج وعزم على قصده توفى، ويحكى عنه العجائب والغرائب (¬٢). السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، صاحب بلاد الروم [١٦٠]، توفى يوم السبت منتصف شعبان من هذه السنة. وكان ملكه في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكان ذا سياسة حسنة، وهيبة عظيمة، وعدل وافر، وغزوات كثيرة. وكان له عشر بنين، قد وَلَّى كل واحد منهم قطرًا من بلاد الروم، وأكبرهم قطب الدين ملكشاه بن قليج أرسلان المذكور، وكان أبوه قد أعطاه سيواس، فسولت له نفسه القبض على أبيه وإخوته والانفراد بالسلطنة، وساعده على ذلك صاحب أرزنكان (¬٣).فسار قطب الدين ملكشاه وهجم على والده قليج أرسلان بمدينة قونية وقبض عليه، وقال لوالده وهو في قبضته: أنا بين يديك أنفذ أمرك، ثم أنه أشهد على والده بأنه قد جعله ولى عهده. ثم مضى ملكشاه المذكور إلى حرب أخيه نور الدين سلطان شاه صاحب قيسارية، ووالده في القبضة معه، وهو يُظهر أنما يفعله بأمر والده. فخرج عسكر قيسارية لحربه، فوجد أبوه عز الدين قليج أرسلان - عند اشتغال العسكر بالقتال - فرصة، فهرب إلى ولده سلطان شاه صاحب قيسارية، فأكرمه وعظمة كما يجب عليه، فرجع قطب الدين ملكشاه إلى قونية وخطب لنفسه بالسلطنة، وبقى أبوه قليج أرسلان يتردّد في بلاده بين أولاده، كلما ضجر منه واحد منهم انتقل إلى الآخر، حتى حصل عند ولده غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان صاحب بُرغلو، فقوىّ أباه قليج أرسلان وأعطاه وجمع معه وحشد، وسار معه إلى قونية وملكها، وأخذها من ابنه ملكشاه. ثم سار إلى آقْصرا (¬١)، فاتفق أن عز الدين قليج أرسلان مرض ومات في التاريخ المذكور، وأخذه ولده كيخسرو وعاد به إلى قونية فدفنه بها. واتفق موت ملكشاه بعد أبيه قليج أرسلان بقليل، فاستقر كيخسرو في ملك قونية، وأثبت أنه ولىّ عهد أبيه قليج أرسلان. ثم أن ركن الدين سليمان، أخا غياث الدين كيخسرو، قوى على أخيه كيخسرو وأخذ منه قونية، فهرب كيخسرو إلى الشام مستجيرًا بالملك الظاهر صاحب حلب. ثم مات ركن الدين سليمان سنة ستمائة، وملك بعده ولده قليج أرسلان بن سليمان، فرجع غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان إلى بلاد الروم، وأزال ملك قليج أرسلان بن سليمان، وملك بلاد الروم جميعًا، واستقرت له السلطنة ببلاد الروم وبقى كذلك إلى أن قتل. وملك بعده أبنه عز الدين كيكاوس بن كيخسرو، ثم توفى كيكاوس وملك بعده أخوه السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو. ثم توفى علاء الدين كيقباذ سنة أربع وثلاثين وستمائة، وملك بعده ولده غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو، وكسره التتار سنة إحدى وأربعين وستمائة. وتضعضع حينئذ ملك السلاطين السلجوقية ببلاد الروم، ثم مات غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ ابن كيخسرو بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش [١٦١] بن أرسلان بن سلجوق.وانقضى بموت كيخسرو المذكور سلاطين بلاد الروم في الحقيقة؛ لأن من صار بعده لم يكن له من السلطنة غير مجرد الاسم. وخلف كيخسرو المذكور صبيين هما: ركن الدين، وعز الدين، فملكا معًا مديدة، ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة، وهرب أخوه عز الدين إلى قسطنطينية. وتغلب على ركن الدين المذكور معين الدين البرواناه، والبلاد في الحقيقة للتتر، ثم إن البرواناه قَتَلَ ركن الدين، وأقام ابنا (¬١) لركن الدين يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه، وهو نائب التتر كما سنذكره إن شاء الله تعالى (¬٢). وفى تاريخ بيبرس: والذى كان قليج أرسلان فرقه لأولاده من بلاده: ركن الدين سليمان توقات (¬٣) وأعمالها. غياث الدين كيخسرو قونية وأعمالها. محيى الدين أنكورة (¬٤) وأعمالها. معز الدين قيصر شاه ملطية وأعمالها. مغيث الدين [أبلستين] (¬٥) وأعمالها. نور الدين محمود قيسارية وأعمالها. قطب الدين سيواس وأعمالها، وآقصرا وأعمالها. فلما مات اختلفت الأخوة وتحاربوا، واتفقت وفاة ولده قطب الدين على أثره، فقوى ركن الدين سليمان على إخوته، وملك هذه الممالك جميعها منهم (¬٦).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والثمانين بعد الخمسمائة استهلّت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله ويقال لها سنة الملوك؛ لأنه مات فيها ملوك كثيرة، وأعظمهم وأجلهم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، والأتابك عز الدين مسعود صاحب الموصل، وسيف الدين بكتمر صاحب خلاط، وسلطان شاه بن ألب أرسلان صاحب خراسان، وقيطرمش [بن عبد الله] (¬١) المستَنجدى شحنة (¬٢) بغداد، والأمير داود صاحب مكة (¬٣)، ونذكر تراجمهم واحداً بعد واحد بعون الله. ونذكر أولاً ترجمة السلطان صلاح الدين قدس الله روحه (¬٤).
  • full passagepage 596, entry [260]611 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان جعفر (¬٢) بن محمد بن قطرا، أبو الحسن، أحد الكتاب بالعراق، وكان ينسب إلى التشيع، جاءه رجل ذات يوم فقال له: رأيت البارحة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: إذهب إلى ابن قطرا فقل له يعطيك عشرة دنانير. فقال له ابن قطرا متى رأيته؟ قال: أول الليل. قال: فأنا رأيته في آخره
    ▸ expand full passage (611 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان جعفر (¬٢) بن محمد بن قطرا، أبو الحسن، أحد الكتاب بالعراق، وكان ينسب إلى التشيع، جاءه رجل ذات يوم فقال له: رأيت البارحة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: إذهب إلى ابن قطرا فقل له يعطيك عشرة دنانير. فقال له ابن قطرا متى رأيته؟ قال: أول الليل. قال: فأنا رأيته في آخره وقال لي: إذا جاءك رجل من صفته كذا وكذا فطلب منك شيئًا فلا تعطيه. فأدبر الرجل موليًا فاستدعاه ووهبه شيئًا. ومن شعره فيما أورده ابن الساعي:ولما سبرت الناس أطلب منهم … أخا ثقة عند اعتراض الشدائد وفكرت في يومي سروري وشدتي … وناديت في الأحياء هل من مساعد؟ فلم أر فيما ساءني غير شامت … ولم أر فيما سرني غير حاسد (¬١)
  • full passagepage 615, entry [266]13,279 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان القزويني الواعظ أحمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو الخير القزويني الشافعي. المفسّر، قدم بغداد ووعظ بالنظامية، وكان يذهب إلى قول الأشعري في الأصول، وحبس في يوم عاشوراء فقيل له: الْعن يزيد بن معاوية. فقال: ذاك إمام مجتهد، فرماه الناس بالآجر، فاختفى ثم هرب إلى قزوين ومات في هذه ال
    ▸ expand full passage (13,279 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان القزويني الواعظ أحمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو الخير القزويني الشافعي. المفسّر، قدم بغداد ووعظ بالنظامية، وكان يذهب إلى قول الأشعري في الأصول، وحبس في يوم عاشوراء فقيل له: الْعن يزيد بن معاوية. فقال: ذاك إمام مجتهد، فرماه الناس بالآجر، فاختفى ثم هرب إلى قزوين ومات في هذه السنة. (¬١) وفي المرآة: تفقه بنيسابور علي محمد بن يحيى الغزالي، وسمع بها الحديث وبغيرها، وكان عالمًا بالتفاسير والفقه متعبدًا، مولده بقزوين سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان يختم القرآن كل ليلة، وقدم بغداد حاجًّا سنة خمس وخمسين وخمسمائة فجلس بالنظامية ووعظ ومال إلى الأشعري، فوقعت الفتن وجلس يوم عاشوراء بالنظامية فقيل له: العن يزيد بن معاوية. فقال: ذاك إمام مجتهد. فجاءه الآجر وكاد يقتل، وكان ابنه جالسًا بين يديه على المنبر فقال له: الْعَنْه وإلا قُتلنا فلطمه على رأسه، ألقى عمامته بين يديه، وكثر الرجم فسقط من المنبر فأدخل إلى بيت في النظامية وأغلق عليه الباب وإلا قتل، وأُخذت فتاوى الفقهاء بتعزيره فقال بعضهم: يُضرَب عشرون سوطًا قيل له: من أين لك؟ فقال: من عمر بن عبد العزيز ﵁ سمع قائلًا يقول: قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية فضربه عشرين سوطًا، ثم إن جماعة تعصبوا للقزويني وقالوا: شيخُ وغريب وأخرجوه، فمضى إلى قزوين فتوفي بها في المحرم من هذه السنة. (¬٢) الإمام الشاطبيُّ أبو محمد القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير (¬٣) المقري، صاحب القصيدة التي سماها حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات، وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتًا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قراء هذا الزمان في نقلهم فقلّ من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة، وقد روى عنه أنه كانيقول لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله ﷿؛ لأني نظمتها لله ﷿ مخلصًا في ذلك. ونظم قصيدة دالية في خمسمائة بيت من حفظها أحاط علمًا "بكتاب التمهيد" لابن عبد البر ﵀ وكان عالمًا بكتاب الله قراءة وتفسيرًا وبحديث رسول الله ﷺ مُبرزا فيه وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ تصحح النسخ من حفظه، ويُملى النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحدًا في علم النحو واللغة عارفًا بعلم الرؤيا، حسن المقاصد مخلصًا فيها بقول وفعل. قرأ القرآن العظيم بالروايات على أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أبي القاص النفزي المقري (¬١)، وأبي الحسن علي بن محمد بن هذيل الأندلسي، وسمع الحديث من أبي عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة، وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم الخزرجي (¬٢)، وأبي الحسن بن هذيل، والحافظ بن أبي الحسن (¬٣) بن النعمه، وانتفع به خلق كثير. وقال ابن خلكان: وأدركت من أصحابه جمعًا كثيرًا بالديار المصرية وكان يجتنب فضول الكلام ولا ينطق في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة، في هيئة حسنة وتخشع واستكانة، وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية. لا يزيد على ذلك، وقال: أنشدني بعض أصحابه قال: كان الشيخ كثيرًا ما ينشد هذا اللغز وهو في نعش الموتي، فقلت له: فهل هو له؟ فقال: لا أعلم، ثم إني وجدته بعد ذلك في ديوان الخطيب أبي زكريا يحيي بن سلامه الحصكفي (¬٤) وهو: أتْعرفُ شيئا في السماء نظيره (¬٥) … إذا سار صاح الناسُ حيث يسيرُ فتلقاه مركوبًا وتلقاه راكبًا … وكلُّ أميرٍ يعتليه أسيرُ يحُضُّ على التقوى ويَكره قُربه … وينفر منه النفسُ وهو نَذيرُ ولم يستزر عن رغبة في زيارةٍ … ولكن على رغم المَزُور يَزُورُوكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة بشاطبة وهي بلدة شرقي الأندلس، استولى عليها الإفرنج في العشر الأخير من شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة، وكان فقيرًا، وقد أريد أن يلى خطابة بلده فامتنع لما يبالغ الخطباء في وصف الملوك. وخرج إلى الحج فقدم إسكندرية سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع على الحافظ السلفي، وولاه القاضي الفاضل مشيخة الإقراء بمدرسته (¬١)، وزار القدس الشريف وصلي به شهر رمضان، ثم رجع إلى مصر، وتوفي يوم الأحد بعد صلاة العصر الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، ودفن يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى، وصلى عليه الخطيب أبو إسحاق العراقي خطيب جامع مصر وقال ابن خلكان: ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وكان يقال عند دخوله إليها: إنه يحفظ وقْرَ بَعيرٍ من العلوم بحيث لو نزل عليه ورقه لما احتملها. وكان نزيل القاضي الفاضل ورتَّبه بمدرسته بالقاهرة متصدرًا لإقراء القرآن الكريم وقراءاته والنحو واللغة. وفيرة بكسر الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبعدها راء مضمومه ثم هاء. والرُعيني نسبة إلى ذي رُعَين بضم العين، وهو أحد أقيال اليمن نُسب إليه خلق كثير. (¬٢) السلطان طغريل شاه بن أرسلان شاه بن طغريل شاه بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق السلجوقي (¬٣)، قتل في هذه السنة، وكان قزل أرسلان بن ألدكز حبَسَه ثم خرج من الحبس في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وملك همذان وغيرها وجرت حرب بينه وبين مظفر الدين أزبك بن البهلوان محمد بن ألدكز. وقيل: بل هو قطلغ إينانج أخو أزبك المذكور فانهزم ابن البهلوان ثم بعد هزيمته استنجد بخوارزم شاه علاء الدين تكش، وخاف منه، فلم يجتمع بخوارزم شاه، فسار خوارزم شاه وملك الرى وذلك في سنة ثمان وثمانين، وبلغ تكش أن أخاه سلطان شاه قد قصد خوارزم فصالح طغريل السلجوقي، وعاد تكش إلى خوارزم وبقى الأمر كذلك حتىمات سلطان شاه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فتسلم تكش مملكة أخيه سلطان شاه وخزائنه، وولى ابنه محمد بن تكش نيسابور، وولى ابنه الأكبر ملكشاه بن تكش مرو. ولما دخلت سنة تسعين سار تكش إلى حرب طغريل السلجوقي فسار طغريل إلى لقائه قبل أن يجمع عساكره، فالتقى العسكران بالقرب من الرى، وحمل طغريل بنفسه، فقتل وكان قتله في الرابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. وحمل رأس طغريل إلى تكش فأرسله إلى بغداد، فنصب بها عدة أيام وسار تكش وملك همذان وملك البلاد جميعها (¬١). وسلم بعضها إلى ابن البهلوان وأقطع بعضها لمماليكه ورجع إلى خوارزم، وهذا طغريل بن أرسلان شاه آخر السلاطين السلجوقية الذين ملكوا بلاد العجم. وقد تقدم ابتداء الدولة السلجوقية في سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة، وأول من ملك منهم العراق وأزال دولة بني بُوَيه طغريل بن ميكائيل بن سلجوق، ثم ملك بعده ابن أخيه ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل ثم ابنه ملكشاه بن ألب أرسلان ثم ابنه محمود بن ملكشاه وكان طفلًا، وقامت بتدبير المملكة أم محمود تركان خاتون، ومات محمود وهو ابن سبع سنين، وملك أخوه برَكياروق بن ملكشاه ثم أخوه محمد بن ملكشاه ثم ابنه محمود بن محمد المذكور، ثم ابنه داود بن محمد بن محمود بن محمد المذكور مدة يسيرة، ثم عمه طغريل بن محمد (¬٢) ثم أخوه مسعود بن محمد ثم ابن أخيه ملكشاه بن محمود بن محمد أيامًا يسيرة ثم أخوه محمد بن محمود (¬٣)، ثم بعد محمد المذكور اختلفت العساكر وقام من بني سلجوق ثلاثة أحدهم ملكشاه بن محمود أخو محمد المذكور، والثاني سليمان شاه بن محمد بن السلطان ملكشاه وهو عم محمد المذكور، والثالث أرسلان شاه بن طغريل بن محمد بن السلطان ملكشاه وكان ألدكز مزوجًا بأم أرسلان شاه المذكور فقوى عليهما سليمان شاه واستقر في همدان في سنة خمس وخمسين وخمسمائة (¬٤) ثم قبض سليمان شاه وقتل، وكذلك سُمَّ ملكشاه بن محمود المذكور ومات بأصبهان في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وانفرد بالسلطنة (¬٥) أرسلان شاه بنطغريل ربيب ألدكز ثم ملك بعده ابنه طغريل بن أرسلان شاه بن طغريل المذكور في سنة (¬١) ثلاث وسبعين وخمسمائة، وجرى له ما ذكرناه حتى قتله تكش في هذه السنة أعني سنة تسعين وخمسمائة وانقرضت به الدولة السلجوقية من تلك البلاد (¬٢). وختمت الدولة السلجوقية بطغرل كما افتتحت بطغرل وكانت مدة دولتهم مائة وأربعين عاما (¬٣) وعدة ملوكهم أربعة عشر ملكًا. وقال أبو شامة: وعدة ملوكهم نيف وعشرون ملكًا، ومدة ملكهم مائة وستون سنة ثم انتقل الملك إلى خوارزم شاه لأنه بعد قتل طغريل سار إلى همذان وهي كرسي المملكة فملكها وما حولها، فأرسل إليه الإمام الناصر وزيره مؤيد الدين بن القصاب وصحبته التقليد والخلع، فنفر خاطر خوارزم شاه منه وأراد القبض عليه، فهرب الوزير إلى بعض القلاع التي في الجبال وتحصن بها. ولما ملك خوارزم شاه همذان سلمها إلى قتلغ خان بن إينانج خان وأقطع كثيرة من بلادها لمماليكه ورتبهم فيها وجعل عليهم مياجق (¬٤) مقدمة وعاد إلى خوارزم (¬٥). وقال أبو شامة (¬٦): وطغريل شاه هذا الذي قتل هو آخر الملوك السلجوقية سوى صاحب الروم، وهو الذي كان كسر عسكر الخليفة على همدان، وكان طغريل قد بعث إلى الخليفة يطلب السلطنة فأرسل إليه جيشًا مقدمه وزيره ابن يونس فكسرهم طغريل ومزّقهم كل ممزق (¬٧)، وأخذ ابن يونس وكان محلوق الرأس فأحضروه بين يديه وألبسوه طرطورًا أحمر فيه جلاجل وجعل السلطان يضحك عليه وذلك في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، فهان الملوك، ثم إن خوارزم شاه لما قتله كما ذكرنا قطع رأسه وبعث به إلى بغداد (¬٨)، فدخلوا به في جمادى الأولى على خشبة وكوساته مشقّقةٌ وسنجقُه وراءه مكسور منكس، وكان من أحسن الناس صورةً ثم رُدّ إلى خزانة الرؤوس فجاءت فأرة فأكلت أنفه وأذنَه وبقي الرأس إلى سنة إحدى وستمائة، فوقع حريق في خزانة الرؤوس، فاحترق الجميع، ولله الأمر كله.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو الناصر لدين الله (¬١)، وأصحاب البلاد على حالهم، غير أن الملك العزيز صاحب مصر قد توجه إلى الشام وقدمها مرةً ثانيةً، وكان السبب في ذلك أن أمراء دمشق قد تغيرت قلوبهم على الملك الأفضل، ففارقه بعضهم وتوجهوا إلى مصر، وهم: عز الدين أسامة، وعز الدين بن السلّار، وابن الحصين، وغيرهم (¬٢)، ولما اتصلوا بالملك العزيز حرضوه على قصد دمشق؛ فخرج إليها في قوة عظيمة جدًا، فاستنجد الأفضل عمة العادل، وتوجه إلى أخيه الظاهر بحلب وسأله إنجاده فوعده خيرًا، وجَدّ العادل السَّير إلى دمشق، فسبق العزيز إليها. وكاتب الأمراء المصريين وحذرهم من العزيز، وحذّر العزيز منهم، واستمالهم فمالوا إليه، وفارقوا العزيز، وتوجهوا إلى دمشق وهم: أبو الهيْجاء السّميِن، وإياز (¬٣) جهارَكس (¬٤). ولما وصلوا إلى دمشق جدد العادل والأفضل اليمين، وتحالَفَا على أن يكون ثلث ديار مصر له إقطاعًا، والثلثان للأفضل. وساروا طالبين لقاء العزيز، فعاد العزيز مسرعًا إلى مصر (¬٥)، ثم إن العادل والأفضل أرسلا إلى القدس وتسلماها من نواب العزيز، واتفقا إنهما يسيران إلى مصر ويملك الأفضل مصر، ويعطى العادل دمشق، وأرسل العادل إلى العزيز خفية أن يثبت ولا يُسَلِّم، وإنما أشار إليه بذلك مخافة أن لا يُسَلِّم إليه الأفضل دمشق، ويكفّل أنه يكفيه مؤنة قتال عسكر الأفضل، ولما رجع العزيز إلى مصر جهز عسكرًا ورتبه على بلبيس، ولما وصلها عسكر العادل والأفضل استظهر العزيز عليهم، فندموا على فعلهم،وكتب إلى الأمراء المقيمين ببلبيس بأن يرحلوه عنها، واختار العادل إصلاح الأمر وتردد القاضي الفاضل بينهم في الترسل، واستقر الأمر على أن يكون للعادل إقطاعه بمصر على ما كان له قديمًا، وأن يكون مقيمًا عنده، وأن يعفو عن الأسَديّة والأكراد. وحسّن العادل للأفضل المضي إلى دمشق، فعاد إليها وقد تقرر أن يكون له القدس وجميع بلاد الساحل والغور إلى ما كان بيده أولا. (¬١) وفي تاريخ ابن كثير: وفي هذه السنة خرج العزيز (¬٢) من مصر قاصدًا دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل، وكان الأفضل قد تاب وأناب وأقلع عما كان فيه من الشرب واللهو واللعب، وأقبل على الصيام والصلاة كما ذكرنا، وحسنت طريقته، غير أن الوزير الضياء الجزريّ (¬٣) يفسد عليه دولته، ويكدّر عليه صفوته، فلما بلغ الأفضل إقبال أخيه نحوه بعساكره (¬٤) سار سريعًا إلى عمه العادل وهو بجعبر فاستنجده فسار معه وسبقه إلى دمشق، وراح الأفضل إلى أخيه الظاهر بحلب، فساروا جميعًا نحو دمشق (¬٥) وقد اضطرب بعض عسكر العزيز عليه، وهم طائفة من الأمراء الأسدية وفارقوه، فلما سمع العزيز بذلك وقد اقترب من دمشق، كرّ راجعًا مسرعًا إلى مصر، وركب وراءه العادل والأفضل، ثم بَدا للعادل في ذلك فأرسل إلى العزيز يثبته، وأقبل على الأفضل يثبطه، وأقاما على بلبيس أيامًا حتى خرج القاضي الفاضل من جهة [العزيز] (¬٦) فوقع الصلح بينهم على أن يرجع القدس ومعاملتها إلى الأفضل ويستقر العادل مقيمًا بمصر على إقطاعه القديمة، فأقام بها طمعًا فيها، ورجع الأفضل إلى بلاده بعد ما خرج العزيز لتوديعه وتشييعه، وهي هُدنة على أقذاء وصلح على دخن (¬٧).وفي تاريخ المؤيد (¬١): وكان العزيز لما خرج من مصر نزل الغوار من أرض السواد، ثم ذكر قريبًا مما ذكرناه، غير أنه قال (¬١): لما وصل العادل والأفضل إلى بلبيس، بعدما رجع العزيز إلى مصر قصد الأفضل مناجزته بالقتال فمنعه عمه العادل عن ذلك، وقصد الأفضل المسير إلى مصر والاستيلاء عليها فمنعه عمه من ذلك أيضًا، وقال: "مصرُ لك متى شئت". وكاتب العادل العزيز في الباطن، وأمره بإرسال القاضي الفاضل ليصلح بين الأخوين وكان الأفضل قد اعتزل عن ملابستهم لما رأى من فساد أحوالهم، فدخل عليه العزيز وسأله، فتوجه الفاضل من القاهرة إلى الملك العادل، واجتمع به واتفقا على أن يصلحا بين الأخوين، فأصلحا بينهما، فأقام العادل بمصر عند العزيز ابن أخيه، ليقرر أمور مملكته، وعاد الأفضل إلى دمشق (¬٢). وفي تاريخ ابن العميد: وفي هذه السنة عزم السلطان الملك العزيز على قصد دمشق وحصارها، فأشار الأكابر على الأفضل بأن يراسل العزيز أخاه ويلاطفه ويستعطفه، وأشار عليه وزيره الجزري بأن يتوجه إلى عمه العادل ويستنصره على أخيه العزيز، فأصغي إليه، ومال إلى قوله، ورحل من دمشق لأربع عشرة (¬٣) ليلة مضت من جمادى الأولى، متوجهًا إلى الرَّقة، فتلقاه العادل عمه، فسأله النصرة فأجاب إليه فذهب الأفضل إلى حلب إلى أخيه الظاهر، وجاء العادل إلى دمشق، فدخلها في آخر جمادى الآخرة، ثم قدم الأفضل ودخل دمشق، وصار تحت يد العادل وأمره ونهيه ونفذت سهام العادل وعلم أن ملكهـ صائر إليه، وأما الملك العزيز فإنه لما عيد عَيّد الفطر خرج متوجهًا لحصار دمشق، فحين بَعُدَ عن الديار المصرية فارقه [أبو] الهيجاء السمين والأكراد، وكان المقدّم عليهم، والمهرانية والأسدية لأربع خلون من شوال، ولحقوا بالملك العادل، وأصبح العزيز في قلة من العدد، فرجع إلى مصر، وكان الملك الظاهر صاحب حلب قد اعتقل بدر الدين دُلْدُروم الياروقي؛ لذنب نسبه إليه، واعتقل معه جماعة من أهل بيته، ومضى إلى تل باشر، فحاصرها ولم يقدر عليها، فلما اجتمع بالعادل عند مسيره إلى دمشق، شفع العادل فيهم وضمن له أن يكونوا في خدمته، فقبل شفاعته فيهم وأفرج عنهم وعاد إلى حصار تلباشر، فلم يقدر عليها، واستصحبهم العادل ليكونوا في خدمته فاستخدمهم، وكتب المنصور صاحب حماة (¬١)، والأمير عز الدين بن المقدم إلى العادل بالدخول في طاعته، وفارقا الظاهر وتحالفوا على ذلك، ولما رأى الظاهر ذلك كاتب أخاه العزيز يستحثه على محاربة العادل والأفضل، ثم ذكر نحوًا مما ذكرناه، وذكر أن الأفضل لما خرج من دمشق استخلف أخاه قطب الدين موسي (¬٢) بدمشق، وذكر أيضا أن العادل والأفضل نزلا على بلبيس، وكان في وقت زيادة النيل، وكانت الأسعار غالية والعلف معدوم، ومنع النيل من نقل العلف إليهم فغلت الأسعار، وبذل العزيز الأموال واستخدم الرجال وحصن البلاد، ثم ندم العادل على ما فعل وكذلك الأسدية، وأخذوا في إصلاح الأمر وتلافيه وآخر الأمر اصطلحوا، وعفى العزيز عن الأمراء الأسدية وطيّب قلوبهم، ورد إليهم إقطاعهم وحلف لهم وحلفوا له، وحلف الملوك الثلاثة كل منهم لصاحبه وتوثقوا بالأيمان، وعادت الأسدية إلى خدمة العزيز، وعاد الأفضل إلى دمشق، ومعه أبو الهيجاء السمين وكان قد ولاه بيت المقدس، وأقام العادل بمصر، واستوطن القصر، وأخذ في إصلاح الديار المصرية وضياعها ورباعها، وأظهر من محبته لابن أخيه العزيز شيئًا كثيرًا، وأقاموا على ذلك إلى السنة الآتية ثم أحدث الله بقدرته ما سنذكره إن شاء الله (¬٣).
  • full passagepage 629, entry [270]1,257 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله (¬٤) بن محمد بن عبد الله الصوفي، أبو القاسم، شيخ رباط المأمونية ببغداد. على بن حسان بن مسافر (¬٥)، أبو الحسن الكاتب البغدادي، كان أديبة شاعرًا، فمن شعره قوله. نفي رقادي ومضي … بَرْقٌ بِسلعٍ ومضا لاحَ كما سُلَّت يد الـ … أسود عضبا (¬٦) أبيضا كأنه الأشهبُ في
    ▸ expand full passage (1,257 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله (¬٤) بن محمد بن عبد الله الصوفي، أبو القاسم، شيخ رباط المأمونية ببغداد. على بن حسان بن مسافر (¬٥)، أبو الحسن الكاتب البغدادي، كان أديبة شاعرًا، فمن شعره قوله. نفي رقادي ومضي … بَرْقٌ بِسلعٍ ومضا لاحَ كما سُلَّت يد الـ … أسود عضبا (¬٦) أبيضا كأنه الأشهبُ في … النقع إذا ما ركَضا يبدو كما تختلفُ الر … يحُ على جمر الغضا فتحسبُ الزنجيَّ أبا … دي نظرا وغمّضا أو شعلة النار علا … لهيبُها وانخفضا آه له من بارق … ضاء على ذات الأضا (¬٧) أذْكَرَني عهدًا مَضى … على الغُوير (¬٨) وانقضىفقال لي قلبي الر … ضي حاجة وأعرضا يَطلبُ مَن أمرَضه … فديت ذاك المُمْرضَا يا غرض القلب لقد … غادرت قلبي غرضا لأسهم كأنما … مُرْسلها صرف القضا فبتّ لا أرتاب في … أن رُقادي قد مضى حتي صغى النجم وكاد … الليل أن يعرُضا وأقبل الصبح لأطـ … ـراف الدجى مغضضا وسَلّ في الشرق على الغَر … ب ضياء وانقضى كالباز هَبّ سحرا … من نومه فانتفضافصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله وأصحاب البلاد على حالهم، ونقل الأفضل صاحب دمشق أباه السلطان صلاح الدين من قلعة دمشق إلى التربة بالمدينة (¬١) وذلك في شهر صفر منها، وكانت مدة لبثه في القلعة ثلاث سنين، ولزم الأفضل الزهد والقناعة وأموره مُفوّضه إلى وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزري، وقد اختلفت الأحوال به وكثر شاكوه وقل شاكروه. (¬٢)
  • full passagepage 638, entry [277]4,214 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان صدر الدين محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية (¬٦) بأصفهان، قتله فلك الدين سنقر الطويل شحنه أصفهان (¬٧) وكان ذلك سنة زوال ملك أصفهان عن الديوان العزيز. فخر الدين محمود بن علي النَّوقاني (¬٨) الشافعي، توفي في هذه السنة عائدًا من الحج. أبو الغنائم محمد
    ▸ expand full passage (4,214 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان صدر الدين محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية (¬٦) بأصفهان، قتله فلك الدين سنقر الطويل شحنه أصفهان (¬٧) وكان ذلك سنة زوال ملك أصفهان عن الديوان العزيز. فخر الدين محمود بن علي النَّوقاني (¬٨) الشافعي، توفي في هذه السنة عائدًا من الحج. أبو الغنائم محمد بن علي بن فارس الشاعر الهرثي، والهرث (¬٩) قرية تحت واسط في نهر جعفر بينها وبين واسط عشرة فراسخ. كان رقيق الشعر مليح المعاني، أكثر في الغزل ووصف المحبة والشوق والصبابة فمالت القلوب إليه، ومولده سنة إحدىوخمسمائة، ومدح الأمراء والرؤساء والأعيان، وكانت وفاته في رجب منها بالهرث، وديوانه مشهور وفضله مذكور، ومن شعره قصيدة أولها: (¬١) أجيراننا إن الدموع التي جرت … رخاصًا على أيدي النَوى لغَوالِ صحبناكم والعمر غض وحُبّنا جديدٌ … وميدان الصبّابة خال فقد رق جلباب الشباب وما الصبا … بباق ولا برد الغرام ببال وحبكم حب يقوم بنفسه … ترفع عن شِبْه له ومثال حماه حفاظي أن يلم بخاطري … وأخفاه صوني أن يدور ببال يقر بعيني أن أرى من دياركم … مع الفجر ومض البارق المتعالي أداوي على بعد المزار بذكركم … عقائيل داءٍ في الفؤاد عُضَال إبراهيم بن أحمد بن محمد أبو (¬٢) طاهر العكبرى، ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وسمع الحديث، ورأى في منامه في هذه السنة كأنه يقرأ "سورة يس" وهي اثنان وثمانون آية، ويقال: إن من قرأها يعيش بعدد آياتها سنين، فمات في صفر وله اثنان وثمانون سنة، وكذا يقال: إن من قرأ سورة من أول ما نزل القرآن طال عمُره، ومن آخر ما نزل قصر عمر، سمع القاسم (¬٣) بن حصين، وقاضى المارستان، وابن السمرقندي وغيرهم. (¬٤) عبد الخالق بن عبد الوهاب بن محمد: ويعرف بابن الصابوني، من أولاد المشايخ، سمع الحديث ورواه، وتوفي في شوال ودفن عند معروف الكرخي، وقد أناف على الثمانين سنة، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته. (¬٥) الفقيه أبو الحسن علي بن سعيد بن الحسن البغدادي المعروف بابن العريف، ويلقب بالبيع الفاسد، كان حنبليًا ثم اشتغل شافعيًا على أبي القاسم بن فضلان، وهوالذي لقبه بذلك لكثرة تكراره على هذه المسألة -الخلافية- (¬١) بين الشافعية والحنفية، ويقال: إنه صار بعد هذا كله إلى مذهب الإمامية والله أعلم، مات في هذه السنة. (¬٢) الشيخ أبو شجاع محمد بن على بن شعيب بن الدهان الفوضى الحاسب المؤرخ البغدادي (¬٣)، وقدم دمشق وأمتدح الشيخ أبا اليمن الكندي زيد بن الحسن، فقال: يا زيد زادك ربي من مواهبه … نعمًا يقصر عن إدراكها الأمل لا بدل الله حالًا قد حباك بها … ما دار بين النحاة الحال والبدل النحو أنت أحق العالمين به … أليس بأسمك فيه يضرب المثل (¬٤) محمد بن أحمد أبو منصور ويعرف بابن باقه. كوفي ولد بالكوفة سنة ثلاثين وخمسمائة، واشتغل بالأدب، وكان أبوه فاضلًا أيضًا، ومات محمد ببغداد ونقل إلى الكوفة ﵀. (¬٥) الوزير ابن القصابه: واسمه محمد بن علي بن محمد أبو الفضل، ولقبه مؤيد الدين، وأصله من شيراز (¬٦)، قدم بغداد في سنة أربع وثمانين وخمسمائة وأول خدمته أنه استخدم في ديوان الإنشاء ثم ترقى إلى الوزارة، وقرأ الأدب على أبي السعادات بن الشجرى (¬٧) وغيره، وكان داهية رديء الاعتقاد وهو الذي أعان ابن الشيخ عبد القادر على تمكنه من ابن الجوزي كما ذكرنا إلا أنه كان له خبرة بأمور الحرب وفتح البلاد، وكان الخليفة [الناصر] (¬٨) يثنى عليه، ويقول: لو قبلوا من رأيه ما جرى ما جرى. ولقد أتعبالوزراء بعده (¬١). وقال ابن كثير: وكان أبوه يبيع اللحم ببعض أسواق بغداد، فتقدم [ابنه] (¬٢) وساد أهل زمانه، وكانت وفاته بهمذان، وقد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وخوزستان إلى ديوان الخليفة، وكان ناهضًا وله صرامة وشهامة وشعر (¬٣) جيد. الوزير عبيد الله بن المظفر بن هبة الله ابن رئيس الرؤساء: ويلقب بالأثير، وجده وهو الوزير الذي قتله الباطنية وهو خارج إلى الحج في أيام المستضئ. وكان عبيد الله فاضلًا عاقلًا، ومن شعره: إن حاول الدهر إخفائي فإن له … في حسبي، الآن سرًا سوف يبديه أعدّني للعُلى ذخرًا ومن ذخرت … يداه في الدهر شيئًا فهو يُخفيه زعيم الدين بن الناقد: واسمه نصر بن علي بن محمد أبو طالب، ولي حجبة الباب ثم ولي حاجب ديوان الإنشاء، ثم إلى المخزن، وهو الملقب بقنبر، لقب به لأنه صاد ولده قنبرًا وخبأه إلى جانب مسنده فخرج القنبر فصاح قنبر قنبر، فلقب به، وكان إذا بلغه أن أحدًا لقبه قنبر يسعى في هلاكه. وقيل: إنه كان يتشيع، وكانت عمامته طويلة، ولقبه أهل باب الأزج قنبر، وهو ذكر العصافير، توفي في هذه السنة. سابق الدين عثمان صاحب شيراز، مات في هذه السنة بشيزر، وعمل عزاؤه بالكلاسة بدمشق، وهو أحد أولاد الداية الأربعة، وأمهم داية نور الدين محمود بن زنكي ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وصاحب مصر هو الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين، واستولى على دمشق أيضًا كما ذكرنا، وسير الملك الأفضل أخاه الذي كان صاحب دمشق إلى صرخد، وصاحب حلب هو الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين ﵀.
  • full passagepage 647, entry [282]14,141 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان قاضي القضاة ببغداد أبو طالب على بن على بن هبة الله بن محمد البخاري (¬١) سمع الحديث على أبي الوقت وغيره، وتفقه على أبي القاسم بن الفضلان، وتولي نيابة الحكم ببغداد ثم استقل بالمنصب وأضيف إليه في وقت نيابة الوزارة، ثم عزل عن القضاء ثم أعيد، ومات في هذه السنة وهو حاكم، وكان ف
    ▸ expand full passage (14,141 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان قاضي القضاة ببغداد أبو طالب على بن على بن هبة الله بن محمد البخاري (¬١) سمع الحديث على أبي الوقت وغيره، وتفقه على أبي القاسم بن الفضلان، وتولي نيابة الحكم ببغداد ثم استقل بالمنصب وأضيف إليه في وقت نيابة الوزارة، ثم عزل عن القضاء ثم أعيد، ومات في هذه السنة وهو حاكم، وكان فاضلًا بارعًا من بيت الفقه والعدالة، وله شعر حسن، فمنه قوله: تنح عن القبيح ولا تردهُ … ومن أوليته حسنًا فزده كفى بك من عدوك كل كيد … إذا كاد العدو ولم (¬٢) تكده (¬٣) نقيب الطالبين ببغداد أبو محمد الحسن بن علي بن حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوى الحسيني المعروف بابن الأقساسي الكوفي مولدًا ومنشًا، مات في هذه السنة وكان شاعرًا فطينًا [٢١٤] امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرئاسة والمروءة، وقدم بغداد فامتدح المقتدى وابنه المستنجد وابنه المستضيء وابنه الناصر، وهو الذي ولاء نقابة الطالبين، وكان شيخًا مهيبًا جاوز الثمانين، وقد أورد له ابن الساعاتي (¬٤) قصائد كثيرة فمنه قوله: اصبر على كيد الزما … ن فما يدوم على طريقهْ سبق القضاء فكن به … راضٍ ولا تطلب حقيقهْ كم قد تقلب مرة … وأراك من سعةٍ وضيقهْ ما زال في أولاه … والأخرى على هذيِ الخليقهْ (¬٥)الغزنوي (¬١) الحنفي أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغزنوي معبد درس الإمام الكاشاني صاحب "البديع"، تفقه على أحمد بن يوسف الحسيني العلوى، وانتفع به جماعة من الفقهاء وتفقهوا به، وصنف في الفقه والأصول كتبًا حسنة مفيدة منها: كتاب "روضة اختلاف العلماء"، ومقدمته المختصرة المشهورة في الفقه، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أصول الدين ووسمه "بروضة المتكلمين"، واختصره ووسمه "بالمنتقى من روضة المتكلمين". توفي بحلب بعد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ودفن بمقابر الفقهاء الحنفية قبل مقام إبراهيم الخليل ﵊. صاحب الهداية الإمام برهان (¬٢) الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، شيخ الإسلام العلامة المحقق محيي مذهب أبي حنيفة ﵁، أقر له أهل عصره بالفضل والتقدم كالإمام فخر الدين قاضي خان والإمام زين الدين العتابي، تفقه على جماعة منهم: الإمام نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد النسفي (¬٣) وفاق شيوخه وأقرانه وأذعنوا له كلهم ولاسيما بعد تصنيفه كتاب الهداية (¬٤) وكفاية المنتهي (¬٥)، ونشر المذهب وتفقه عليه الجم الغفير، وممن انتفع به كثيرًا وتخرج به، وروى الهداية للناس عنه شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، مات في هذه السنة. والفرغاني نسبة إلى فرغانة بفتح الفاء مدينة وراء الشاش وراء سيحون. وفرغانة أيضًا قرية من قرى فارس وإلى الأولى ينسب صاحب الهداية، والمرغيناني نسبة إلى مرغينان بفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وبعدها ألف ساكنة بعدها نون، وهي مدينة من بلاد فرغانة والله أعلم. الإمام قاضي خان: أحد السادات الحنفية، اسمه الحسن بن منصور بن أبي القاسم، محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الفرغاني، الملقب بقاضي خان، الإمامالعلامة فخر الدين، تفقه على الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر الصفاري الأنصاري، والإمام ظهير الدين أبي الحسن علي بن عبدالعزيز المرغيناني، ونظام الدين أبي إسحق إبراهيم بن على المرغيناني، مات في هذه السنة، والأصح ما ذكره صاحب طبقات الحنفية أنه توفي ليلة الاثنين الخامس عشر من رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ودفن عند القضاة السبعة. ابن الباقلاني (¬١) المقري: اسمه عبد الله بن منصور بن عمران أبو بكر، ولد سنة خمسمائة، وقرأ بواسط على أبي العز محمد بن الحسين بن بندار القلانسي وغيره، وانفرد بالرواية في القراءات العشر عن القلانسي، وقدم بغداد فقرأ على أبي محمد عبد الله بن علي سبط أبي منصور الخياط وغيره، وكان قدومه إلى بغداد سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتوفي بواسط سلخ ربيع الآخر في هذه السنة، ودفن عند أبيه بمقبرة المصلى، وكان يومًا مشهودًا، ورآه بعض الأعيان في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: صلي على سبعون ألف من الأبدال. عبد الوهاب (¬٢) بن الشيخ عبد القادر الجيلى: مات في هذه السنة في شوال ودفن بالحلة، وكان مولده في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وتفقه ووعظ وكان ذكيًا، وولاه الخليفة المظالم وتربة الخلاطية، وكانت مجالس وعظه تمضي في الهزل والمجون، قيل له يومًا: ما تقول في أهل البيت؟ فقال: قد أعموني، وكان أعمش، والسائل إنما سأل عن فضل بيت رسول الله ﷺ، فأجاب عن بيت نفسه، وقيل له: بأى شئ يتبين المحق من المبطل؟ فقال: بليمونة أراد من يخضب يزول خضابه بليمونة. يحيى (¬٣) بن أسعد بن يحيى بن بُوش، أبو القاسم الخباز البغدادي، سمع الكثير، وكان قد افتقر في آخر عمره، فكان يأخذ على التسميع أجره، جلس ليلة الأربعاء ثالث ذي القعدة يأكل خبزة فغص بلقمة فمات فجأة في هذه السنة، سمعقاضي المارستان، وأبا العز بن كادش، وابن الطيوري، وأبا طالب بن يوسف وهو آخر من روي عن أبي طالب، وكان ثقة. الوزير أبو المظفر عبيد الله بن يونس بن أحمد الحنبلي: ولقبه جلال الدين (¬١)، كان في بدء أمره أحد العدول ببغداد، ثم خدم في ديوان الأبنية، ولما مات أبوه يونس توكل لأم الخليفة، ثم ولي صاحب ديوان، ثم استوزره الخليفة وبعثه إلى طغريل فكسر وعاد إلى بغداد، فولاه الخليفة الديوان والمخزن، ثم ولاه أستاذ الدار، ثم عزله، وكان قد قرأ القرآن على صدقة بن الحداد وغيره، وتفقه على ابن حكيم النهرواني، وسمع أبا الوقت وغيره، ولما سافر إلى همذان سمع من أبي العلاء الحافظ الهمذاني، وكان فاضلًا في الأصولين والحساب والهندسة، وله تصنيف في الأصول غير أنه شان فضله بمقاصده السيئة ورأيه الفاسد وحقده وحسده ولجاجته، وكسر عسكر الخليفة بمخالفته للأمراء ولجاجته وكونه استعجل على لقاء طغريل، وأخرب بيت الشيخ عبد القادر وشتت أولاده، ويقال: إنه بعث في الليل من نبش الشيخ عبد القادر ورمي عظامه في اللجة، وقال: هذا وقف ما يحل أن يدفن فيه أحد، ولما اعتقله الخليفة كُتِبَتْ فتوى بأنه كان سبب هزيمة عسكر الخليفة وذكروا أشياء أخر، فأفتوا بإباحة دمه، فسلم إلى أحمد بن الوزير بن القصاب، فبقي في داره، فلما مات ابن القصاب اعتقل في التاج وأخرج في سابع عشر صفر ميتًا ودفن بالسرداب. وأما صدقه بن الحداد الذي قرأ عليه ابن يونس القرآن فهو صدقة بن الحسين بن الحسن أبو الفتح الناسخ الحنبلي يعرف بابن الحداد، حفظ القرآن وتفقه وأفتي وناظر لكنه قرأ الشفاء لابن سينا، وكتب الفلاسفة فتغير اعتقاده، وكان يبدر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وتارة يسقف (¬٢) من جنس ابن الراوندي، وتارة يشير إلى عدم بعث الأجساد، وتارة يعترض على القضاء والقدر، وله أشعار تتضمن شيئًا من ذلك، فمات في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.صَنْدَل بن عبد الله الخادم (¬١) المقتفوي، ويلقب عماد الدين، كان أكبر الخدم وأعقلهم، أرسله الخليفة الناصر إلى السلطان صلاح الدين مرارًا، وكان كثير الصدقات والخير، ولي ناظرًا بواسط، ومدحه ابن المعلم الشاعر بقصائد. مات في هذه السنة، ودفن بالتربة التي أنشأها عند الجامع غربي بغداد. ابن الغريق الشاعر: هو أحمد بن عيسى الهاشمي من ولد الواثق بالله ويعرف بابن الغريق من أهل الحريم الظاهري، وكان شاعرًا ناظمًا من شعره ما اعتذر به عن الاكتحال يوم عاشوراء: لم أكتحل في صباح يوم أريق فيه دم الحسين إلا لحزني وذاك أني سودت حتي بياض عيني وكانت وفاته في ذي القعدة عن ثمانين سنة، ودفن بباب حرب. سيف (¬٢) الإسلام طغتكين بن نجم الدين أيوب: أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ويلقب بظهير الدين، ملك، اليمن، توفي في شوال من هذه السنة بمدينة زبيد. وكان قد جمع أموالًا جزيلة جدًا، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين. ويدخره كذلك. فقام في الملك بعده ولده إسماعيل، ويلقب بالملك المعز، وكان إذ ذاك بالسيرين (¬٣) فبعث إليه جمال الدولة كافور جماعة من الجند فعرفوه بوفاة أبيه، ومضوا به إلى ممالك أبيه، فسلموها إليه. وفي تاريخ بيبرس: وفي (¬٤) سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة توفى الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين باليمن بالمنصورة التي أنشأها وكان قد طرد ولده المعز شمس الملوك إسماعيل إلى الحجاز لأمر نقمه عليه، فلما سمع بوفاة والده عاد إلى اليمن وملك بعده. (¬٥)وكان شمس الملوك المذكور قد عزم على قصد الديار المصرية وادعى الخلافة وتلقب بالهادي، فكتب إليه عمه يوبخه ويقبح عليه فعله ويأمره بالرجوع إلى نسبه، وكان قد أساء السيرة مع أمرائه وجنده فوثبوا عليه وقتلوه (¬١). وقال ابن كثير: وكان إسماعيل هذا أهوج قليل التدبير، فحمله جهله على أنه ادعى أنه قرشي أموى وتلقب بالهادي، فكتب إليه عمه [العادل] (¬٢) ينهاه عن ذلك فلم يقبل منه بل تمادى في ذلك وأساء إلى الأمراء والرعية، فقتل وولي بعده مملوك من مماليك أبيه (¬٣). وكان سيف الإسلام طغتكين شجاعا شهمًا شديد السيرة مضيقا على رعيته، يشترى أموال التجار لنفسه ويبيعها كيف شاء، فجمع من الأموال ما لا يحصى، وكانت مدة ملكه اليمن ست عشرة سنة. ملكشاه ابن تكش: مات في هذه السنة بنيسابور، وكان أبوه خوارزم شاه تكش قد جعل له الحكم على ملك البلاد وجعله ولي عهده، وخلف ملكشاه ولدًا اسمه هندوخان، فلما مات ملكشاه جعل خوارزم شاه تكش فيها عوضه ولده الآخر قطب الدين محمد، وهو الذي ملك بعد أبيه وغير لقبه من قطب الدين إلى علاء الدين وكان بين الأخوين ملكشاه ومحمد عداوة (¬٤) مستحكمة. الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب: توفيت في هذه السنة ودفنت في مدرستها التي داخل باب النصر (¬٥). وقال أبو شامة (¬٦): وفي عاشر المحرم توفيت الست عذراء بنت شاهنشاه أخت عز الدين فرخشاه، وهي التي نسبت إليها المدرسة العذراوية بدمشق بحضرة باب النصر. وفيها دفنت الست خاتون والدة الملك العادل، توفيت في هذه السنة ودفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه، وقال أبو شامة: كانت وفاتها في سادس عشر ذي الحجة في هذه السنة، رحمها الله. (¬٧)كندهرى ملك الإفرنج -لعنه الله- هلك في هذه السنة فسقط من شاهق فراح روحه إلى الهاوية، وبقيت الإفرنج كالغنم بلا راع حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس وزوجوه بالملكة امرأة كندهري، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين الملك العادل أبي بكر ابن أيوب ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم ويقتل خلقًا من المقاتله ولم يزالوا معه كذلك حتى طلبوا منه الصلح والمهادنة فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (¬١). ملك الألمان -لعنه الله- هلك في هذه السنة وانقطع رجاء الإفرنج في بلاد المسلمين بموته.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وصاحب مصر والشام الملك العزيز بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، ونائبه بدمشق الملك العادل عمه، وصاحب حلب أخوه الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهم مشغولون بالجهاد مع الإفرنج فإنه وصل جمع عظيم منهم إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت، فسار الملك العادل ونزل بتل العجول (¬١) وأتته النجدة في مصر، ووصل إليه سنقر الكبير صاحب القدس وميمون القصري صاحب نابلس، ثم سار الملك العادل إلى يافا وهجمها بالسيف وملكها وقتل الرجال المقاتله بها، وكان هذا الفتح ثالث فتح لها، ونازلت الإفرنج تبنين فأرسل الملك العادل إلى الملك العزيز صاحب مصر، فسار الملك العزيز بنفسه بمن بقي عنده من عساكر مصر واجتمع بعمه الملك العادل على تبنين، فرحل الإفرنج على أعقابهم إلى صور خائبين، ثم عاد الملك العزيز إلى مصر وترك غالب العسكر مع عمه العادل وجعل إليه أمر الحرب والصلح، ومات في هذه المدة سنقر الكبير فجعل الملك العزيز أمر القدس إلى صارم الدين قطلق مملوك عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، ولما عاد الملك العزيز إلى مصر في هذه المدة مدحه القاضي ابن سناء الملك بقصيدة منها: أغثت تبنين وخلصتها … فريسة من ماضغي ضيغم قدمت [بالنصر (¬٢)] وبالمغنم … [كذا (¬٣)] قدوم الملك [الأكرم (¬٤)] قميصك الموروث عن يوسف … ما جاء إلا صادقًا في الدم شنشنة (¬٥) تعرف من يوسف … في الحرب (¬٦) لا تعرف من أخذم (¬٧) مقدمه صار جمادي به … كمثل ذي الحجة ذا موسم (¬٨)ثم طاول الملك العادل الإفرنج فطلبوا الهدنة واستقرت بينهم ثلاث سنين، ورجع الملك العادل إلى دمشق ثم سار من دمشق إلى ماردين وحصرها، وصاحبها يومئذ يولق بن أرسلان بن إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق (¬١)، وليس ليولق بن أرسلان من الحكم شيء وإنما الحكم إلى مملوك والده البقش (¬٢). وقال ابن كثير (¬٣): ولما توجه الملك العادل إلى ماردين استناب ولده الملك المعظم عيسى بن العادل على دمشق، ولما وصل إلى ماردين حاصرها في شهر رمضان واستولى على ربضها ومعاملتها وأعجزته قلعتها فصيف عليها وشتى وما شك أحد أنه سيملكها حتى هنته الشعراء بذلك ولكن لم يكن ذلك مكتوبًا ولا مقدرًا، وفي تاريخ بيبرس: وفي سنة أربع وتسعين وخمسائة أحاط الإفرنج بتبنين وحاصروه من جميع جهاته، فلما علم العادل بذلك أرسل عز الدين أسامة إلى العزيز يعلمه بالحال ويستدعي حضوره بنفسه ويعرفه أنه إن لم يسر إلى البلاد بنفسه ما يمكن حفظها، فسار مجدًا فيمن بقي عنده من العساكر بمصر. وأما أهل تبنين فلما اشتد عليهم الأمر ورأوا النقوب قد أخذت ونفذت ولم يبق إلا أن يملكها الإفرنج بالسيف، نزل بعضهم إلى الإفرنج يطلبون الأمان لأنفسهم، فقال لهم بعض الإفرنج الذين من ساحل الشام: إن أنتم سلّمتُم الحصن لهذا القسيس استأسركم وقتلكم، فاحفظوا نفوسكم، وكان ذلك القسيس من أصحاب ملك الألمان يسمى الخنصلير فعاد المسلمون كأنهم يراجعون من في القلعة ليسلموا، فلما صعدوا عليها أصروا على الامتناع وقاتلوا قتال من يحمي نفسه فحموها، فلما وصل العزيز إلى عسقلان وسمع الإفرنج بوصوله وأجتماع المسلمين ولم يكن لهم ملك يجمعهم وأمرهم إلى امرأة هي الملكة فاتفقوا وأرسلوا إلى هنفري ملك قبرس فأحضروه، وهو أخو الملك الذي أسر بحطين، فزوجوه بزوجة الكندهري وكان رجلا عاقلا، فلما ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن ولا القتال، وأتفق وصول العزيز فرحل هو والعساكر إلى جبل الخليل ﵇ وهو جبل عامله فأقاموا أياما والأمطار (¬٤) متداركة، ثم سار العزيز إلى الإفرنج ورتبالعساكر للزحف على الإفرنج، فرحلوا إلى صور ومنها توجهوا إلى عكا، فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال الحال، وسبب رحيله أن جماعة من الأمراء عزموا على قتله وهم: ميمون القصري، وأسامة، وسرا سنقر، والجحاف، وابن المشطوب، وترددت الرسل إلى عكا بين الإفرنج والعادل إلى أن تقرر الصلح، ورحل العادل إلى دمشق ثم سار منها إلى قلعة وكتب إلى العزيز يخبره بذلك وبوصول ولده الكامل من حران، مخبرًا بأن صاحب الموصل قد حلف للعزيز على الطاعة والموالاة وأنه يخطب له ببلاده ويضرب السكة باسه وينجده بعسكره كما كان مع أبيه، وذلك بتوسط الظاهر صاحب حلب، وكان الواصل في هذه الرسالة صدر الدين شيخ الشيوخ. وفي المرآة: وفي هذه السنة نزلت الفرنج في المحرم على تبنين، فأرسل العادل محيي الدين بن زكي الدين إلى العزيز إلى مصر يستنجده، فخرج بجيوشه إلى الشام فوصل ثالث ربيع الأول، وكانوا قد ضايقوا الحصن ونقبوه من كل جانب، وأشرف على الأخذ وهدّه بالمجانيق ونقبوه سربًا سربًا، وكانوا يستظلون من المطر وجعلوا النقوب بيوتًا يسكنوها، وكان الإفرنج يحدقون (¬١) المسلمين من النقوب ويحدثونهم (¬٢) وكان العادل نازلًا عند هونين ومعه شيركوه صاحب حمص، والأمجد صاحب بعلبك، وعز الدين بن المقدم ودلدروم صاحب تل باشر، وجاءهم العزيز فساروا جميعًا إلى هونين، فلو تأخر يومًا لأخذت تبنين وقتل من فيها، وأرسل الله في تلك الليلة مطرًا عظيمًا وريحًا شديدة وأوقع في قلوب الإفرنج الرعب، وقيل: جاءكم سلطان مصر والعساكر، فتركوا المناجيق والدبابات والآلات بحالها والخيام وما فيها وهربوا في الليل إلى صور، ثم بعثوا يطلبون الصلح فصالحهم العزيز على قاعدة صلح صلاح الدين، وخلع العزيز على المعظم عيسى ابن العادل وأعطاه سنجقًا ومنشورًا بدمشق وعاد إلى مصر، ومضى العادل إلى ماردين فحصرها في رمضان وملك الربض ولم يبق سوى القلعة. (¬٣)قال بيبرس في تاريخه: وفيها أخبر العزيز بأن ميمونًا القصري والي نابلس أخرج مالًا واستخدم رجالًا لقصد بلاد اليمن، واستقصد سنقر الحلبي ليسير معه وأعطاه عشرين ألف درهم، واستقصد ألطنبغا الجوكندار وأسامه وعمر بن جكو وذلك لما قتل شمس الملوك بن طغتكين باليمن، فانزعج العزيز لذلك وخاف وسير إلى ميمون عز الدين أيبك فطيس أمير جاندار (¬١) ليثنيه عن طريقه ويصرفه عن قصده ويبذل له ما يريده، ثم بلغه قوة أمره ووصله الخبر بأنه أنفق من ماله لمن تابعه على قصده سبعين ألف دينار، فلاطفه وأرسل إليه فخر الدين أياز جهركس وأسد الدين سرا سنقر والمخلص قايماز، وزاده مائة فارس على عدته، وأقطعه غزة وغيرها، وأقطع عز الدين أسامة الناصر. وفيها وصل فارس الدين ميمون القصري إلى العزيز، فأمر الأمراء والأعيان بتلقيه وأكرم مثواه ومنزله وزاده في إقطاعه ووجهه إلى نابلس وبيسان والطبرية والحصون التي استقرت بيده ويد عز الدين أسامة واستقر لميمون أربعمائة ألف دينار والأسامة ثلثمائة ألف دينار.
  • full passagepage 660, entry [286]6,238 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان العوام (¬٦) بن زيادة كاتب الإنشاء ببغداد بباب الخلافة وهو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن على بن زيادة قوام الدين، انتهت إليه رئاسة التوسل والإنشاء والبلاغة والفصاحة في زمانه بالعراق، وله علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهبالشافعي أخذه عن فضلات، وله معرفة جيدة بالأص
    ▸ expand full passage (6,238 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان العوام (¬٦) بن زيادة كاتب الإنشاء ببغداد بباب الخلافة وهو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن على بن زيادة قوام الدين، انتهت إليه رئاسة التوسل والإنشاء والبلاغة والفصاحة في زمانه بالعراق، وله علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهبالشافعي أخذه عن فضلات، وله معرفة جيدة بالأصلين والحساب واللغة وله شعر جيد، وقد ولى عدة مناصبه وكان مشكورًا في جميعها، ومن مستجاد شعره: لا تحقرن (¬١) عدوا تزدريه فكم … قد أتعس الدهر جد الجد باللعب فهذه الشمس يعروها (¬٢) الكسوف لها … على جلالتها بالرأس والذنب باضطراب (¬٣) وبه: الزمان يرفع الأنذال … فيه حتى يعم البلاءُ وكذا الماء راكدُ (¬٤) فإذا حُرك … ثارتْ من قعره الأقذاءُ توفي في ذي الحجة من هذه السنة وله ثنتان وسبعون سنة وحضر جنازته خلق كثير ودفن عند موسى بن جعفر. القاضي أبو الحسن علي بن جابر بن زهير (¬٥) بن على البطايحي، قدم بغداد فتفقه بها وسع الحديث وأقام برحبة مالك بن طوق مدة يشتغل على أبي عبد الله بن البقية (¬٦) القرضى، ثم ولى قضاء العراق مدة، وكان فقيها أديبا، وقد سمع من شيخه أبي عبد الله بن البقية ينشد لنفسه معارضا للحريري في بَيْتَيه اللذين زعم أنهما لا يعززان بثالث لهما وهما قوله: سِمْ سِمةً تحمد أثارُها … واشكر لمن أعطى ولو سمسمة والمنكر مهما اسطعت لا تأته … لتقتنى السّؤدد والمكرمة فقال ابن البقية: ما الأمة الوكفاء بين الورى … أخسَّ من حُر أتى ملامة (¬٧) فمه إذا استجديت عن قول لا … فالحر لا يملأ منها فمهالشيخ حسن بن مسلم بن أبي الحسن، أبو على الزاهد الحنبلي الفارسي، من قرية نهر عيسى يقال لها الفارسية (¬١)، كان من الأبدال (¬٢) لازمًا لطريق السلف، أقام أربعين سنة لم يُكلم أحدا من الناس، وكان صائم الدهر، قائم الليل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة. وذكره الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "صفوة الصفوة" وقال: كان زاهد زمانه. وكانت السباع تأوي إلى زاويته وكان الخليفة وأرباب الدولة يمشون إلى زيارته. وتوفي يوم عاشوراء، ودفن في رباطه بالقادسية. قال السبط: (¬٣) وحكى لي جماعة من مشايخ القرية؛ أن السباع كانت تنام طول الليل حول زاويته، وإذا خرج أحد طول الليل من القرية إلى نهر عيسى لم تتعرض له، وأن فقيرًا نام في الزاوية في ليلة باردة فاحتلم فنزل إلى النهر ليغتسل فجاء السبع فنام على جبته، فكاد الفقير يهلك من البرد والخوف، فخرج الشيخ حسن وجاء إلى السبع وضربه بكمه وقال: يا مبارك ما قلنا لك أن لا تتعرض لضيفنا، فقام السبع يهرول. ذكره في المرآة. أبو الحسن علي بن جابر بن زهير قاضي البطائح، ولد سنة تسع وخمسين وخمسائة، وقدم بغداد فسمع بها الحديث من أبي الوقت وابن ناصر وابن الجواليقي وغيرهم، وخرج إلى رحبة مالك بن طوق فقرأ الفقه والأدب على أبي عبد الله بن البقيه وعاد إلى البطايح فولى القضاء بالعراق ثم عاد إلى بغداد فأقام بها، ثم انحدر إلى البطايح فتوفي بطريق واسط، وكان ثقة صالحًا، وقال أنشدني الحريري صاحب المقامات لنفسه: لا تخطون إلى خط ولا خطأ … من بعد ما الشيب في فؤديك قد وخطا فأي عذر لمن شابت ذوائبه … إذا سعى في ميادين الصبي وخطا أبو المجد علي بن علي بن ناصر السيد العلوي مدرس الحنفية ببغداد، ولد سنة خمس عشرة وخمسائة، وتفقه وأفتي وناظر، وكان المستنجد الخليفة قد حبسه وطالبه بمال، فرأى النبي ﷺ في المنام وقال له: يا يوسف استوص بولدى خيرًا فهووديعتي عندك، فانتبه الخليفة مرعوبًا وأحضره وخاطبه وقال: اجعلني في حل فقد شفع فيك من لا يمكنني رده فأحسن إليه، وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن عند مشهد عبيد الله شرقي بغداد، وكان صالحا شريفا على الحنفية، سمع ابن الحصين، وقاضى المارستان وابن السرقندي وآخرين. يحيى بن سعيد (¬١) بن هبة الله بن زيادة، أبو طالب الواسطى (¬٢)، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسائة، وقدم بغداد واشتغل بالأدب فبرع في الإنشاء والكتابة، وانتهت إليه الرئاسة فيهما، مع تخصصه بفنون العلم كالفقه، وعلم الكلام، والأصول، والحساب، والشعر، جالس أبا منصور بن الجواليقي (¬٣)، وقرأ عليه وسمع أبا القاسم الصباغ وغيره، وولي للخليفة عدة وظائف، خدم حُجبة الباب، ثم أستاذ الدار، ثم كتابة الإنشاء في آخر أمره، وكانت وفاته في ذي الحجة ودفن في مقابر قريش ومن شعره: قد سلوت الدهر (¬٤) ولم يسلها … من علقت في أماله والأراجي "وإذا" (¬٥) ما صرفت وجهي عنها … "قذفتني" (¬٦) في بحرها العجاج يستضيئون بي وأهلك وحدي … فكأني ذبالة في سراج الأمير عز الدين جرديك: كان من أكابر الأمراء في زمن نور الدين محمود وكان ممن شارك في قتل شاور، وحظي عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وقد استنابه على القدس حين افتتحها، وكان يستند به للمهمات الكبار فيسدها بنهضته وشجاعته، ولما ولى الأفضل عزله عن بيت المقدس، فترك بلاد الشام ثم انتقل إلى بلد الموصل فمات بها في هذه السنة، وكان شجاعا جوادًا، وفي حلب مدرسة للحنفية (¬٧) تنسب إليه.السلطان عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب سنجار والخابور والرقة، توفي في المحروم من هذه السنة وكان حسن السيرة متواضعًا محبًا لأهل العلم إلا أنه كان شديد البخل. وقال ابن كثير: وكان محبًا للعلماء شديد المحبة ولاسيما للحنفية من بينهم، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار وشرط لهم طعامًا يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم (¬١)، ولما توفي ملك بعده ولده قطب الدين محمد بن زنكي (¬٢) وتولي تدبير دولته مجاهد الدين برتقش مملوك والده، وكان دينا عادلا كثير البر والإحسان إلى الرعية كافة والفقراء خاصة. (¬٣) وفي المرأة: وهو ابن أخي نور الدين محمود، وهو الذي قايض حلب بسنجار لم يزل مع صلاح الدين في غزواته مجاهدا، وكان ميمون النقيبة (¬٤) وكان السلطان يحترمه مثل ما كان يحترم نور الدين ويعطيه الأموال والهدايا والتحف الكثيرة، ولما احتضر أوصى إلى أكبر أولاده وهو قطب الدين محمد ويلقب بالملك المنصور (¬٥). الملك بدر الدين آقسنقر هزار ديناري صاحب خلاط: مات في هذه السنة، وقد تقدم ذكر ملكهـ الأخلاط في سنة تسع وثمانين وخمسائة، ولما توفي استولى على أخلاط بعده خشداشه قطلغ، وكان مملوكًا أرمنيًا فملك أخلاط نحو سبعة أيام ثم اجتمع عليه الناس وأنزلوه من القلعة ثم وثبوا عليه فقتلوه، فلما قتل قتلغ اتفق كبراء الدولة وأحضروا محمد بن بكتمر من القلعة التي كان معتقلا فيها واسمها أرجاس فأقاموه في المملكة ولقبوه بالملك المنصور، وقام بتدبير أمره شجاع الدين قتلغ الدوادار. وكان دوادار شاهر من بن سقمان بن إبراهيم وكان قبحاقي الجنس، واستمر محمد بن بكتمر كذلك إلى سنة اثنتين وستمائة فقبض على أتابكهـ قتلغ المذكور وحبسه ثم قتله، فخرج عليه مملوك لشاهر من يقال له عز الدين بلبان، واتفق العسكر مع بلبان هذا وقبضوا على محمد المذكور وحبسوه ثم خنقوه ورموه من سور القلعة إلى أسفل وقالوا قد وقع واستمربلبان المذكور في مملكة أخلاط دون سنة، وقتله بعض أصحاب طغريل بن قليج أرسلان صاحب، أرزن (¬١) الروم وقصد طغيل المذكور أن يتسلم أخلاط فلم يُجبهُ أهله إلى ذلك وعصوا عليه، فعاد إلى أرزن الروم، ثم وصل الملك الأوحد أيوب ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وتسلم أخلاط وملكها قريب ثماني سنين والله أعلم (¬٢).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والتسعين بعد الخمسائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله وأمراء البلاد على حالهم، غير أنه مات في هذه السنة الملك العزيز صاحب مصر والشام، والسلطان الكبير صاحب بلاد المغرب (¬١)، والأمير الكبير مجاهد الدين قيماز على ما نبين الجميع إن شاء الله تعالى.
  • full passagepage 689, entry [298]7,687 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان أبو الحسن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن إسماعيل بن على بن سليمان بن يعقوب بن إبراهيم بن إسماعيل بن على بن عبد الله بن العباس الهاشمى، قاضى القضاة ببغداد بعد ابن النجارى. وقد كان من أعيان الشافعية، تفقه على أبى الحسن بن الخل وغيره. وقد كان ولى القضاء والخطا
    ▸ expand full passage (7,687 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان أبو الحسن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن إسماعيل بن على بن سليمان بن يعقوب بن إبراهيم بن إسماعيل بن على بن عبد الله بن العباس الهاشمى، قاضى القضاة ببغداد بعد ابن النجارى. وقد كان من أعيان الشافعية، تفقه على أبى الحسن بن الخل وغيره. وقد كان ولى القضاء والخطابة بمكة شرفها الله تعالى، وأصله منها، ولكن ارتحل إلى بغداد فنال بها ما نال، وآل من أمره بها ما آل، ثم أنه عُزل عن القضاء بسبب محضر رقم خطه عليه، وكان فيما قيل مزورًا والله أعلم، وجلس فى منزله حتى مات فى هذه السنة. (¬٥)الشيخ جمال الدين أبو القاسم يحيى بن على بن الفضل بن بركة بن فضلان، شيخ الشافعية ببغداد، تفقه أولا على سعيد بن محمد الرازى (¬١) مدرس النظامية، ثم ارتحل إلى خراسان فأخذ عن الشيخ محمد بن يحيى الزبيدى تلميذ الغزالى، وعاد إلى بغداد وقد أتقن علم المناظرة والأصلين، فساد أهل بغداد، وانتفع به الطلبة والفقهاء، وبنيت له مدرسة، فَدَرّسَ فيها، وبَعُدَ صيته، وكثرت تلامذته. وكان كثير التلاوة، وإسماع الحديث، وكان حسنًا لطيفًا ظريفًا ومن شعره: وإذا أردت منازل الأشراف … فعليك بالإسعاف والإنصاف وإذا بغى باغٍ عليك فخلِّه … والدهر فهو له مكاف كاف (¬٢) وكان مولده سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكان مقطوع اليد، وقع من الجمل فعملت يده، فخيف عليه فقطعت. وكانت وفاته فى شعبان منها، وحمل الفقهاء جنازته إلى الوردّية. تقى الدين طرخان بن ماضى بن جوشن بن على بن معافى الضرير الشاغورى الشافعى، مات فى ذى الحجة، ومولده بدمشق سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وكان إمامًا للملك العادل نور الدين محمود بن زنكى، ﵀. ابنُ زُهْر (¬٣) الشاعر، أبو بكر محمد بن مروان بن عبد الملك بن أبى العلاء زهر بن أبى مروان عبد الملك بن أبى بكر بن محمد بن مروان بن زهر الأيادى الأندلسى الأشبيلى، هو من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء، نالوا المراتب العلية، وتقدموا عند الملوك، ونفذت أوامرهم، وكان أبو بكر محمد المذكور فكان من اللغة مكين، وكان يحفظ شعر ذى الرُمَّة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب وكثرة الأموال، ذكرهابن دحية فى كتابه المسمى "المطرب من أشعار أهل المغرب" وقال: صحبته زمانًا طويلًا، واستفدت منه أدبًا جليلًا، وأنشد من شعره، ﵀: وموَسِّدين على الأكُفِّ خدودَهم … قد غَالهم نوم الصباح وغالنى ما زلتُ أسقيهم وأشربُ فضلهُم … حتى سكرتُ ونالهم ما نالنى والخمرُ تعلم كيف (¬١) تأخذ ثأرها … أني أمَلْتُ إناءها فأمالنى ثم سألت عن مولده فقال: ولدتُ سنة سبع وخمسمائة، وبلغتنى وفاته آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وقال ابن خلكان (¬٢): وأوصى أنه إذا مات، يُكتبُ على قبره هذه الأبيات، وفيها إشارة إلى طبّه ومعالجته الناس. تأمل بحقك يا واقفًا … ولاحظ مكانًا دُفِعنا إليه تراب الضريح على وجنتى … كأنى لم أمش يومًا عليه أداوى الأنام حذار المنون … وها أنا قد صرتُ [رهنا] (¬٣) لديه وله وقد شاخ وغلب عليه الشيب: إني نظرتُ إلى المرآة إذ جُليت … فأنكرت مُقلتاى كلَّ ما رَأَتا رأيتُ فيها شيخًا لست أعرفه … وكنت أعهده من قبل ذاك فتى فقلت أين الذى بالأمس كان هنا … متى تَرحل عن هذا المكان متى؟ فاستضحكت ثم قالت وهى معجبة … إن الذى أنكرته مقلتاك أتى كانت سليمى تنادى يا أُخىَّ وقد … صارت سليمى تنادى اليومَ يا أبتا وقال ابن دحية فى جده أبى العلاء زُهُر: إنه كان وزيرًا وفيلسوف عصره. وتوفى فى سنة خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة. وقال فى حق جد أبيه عبد الملك، إنهرحل إلى المشرق، وبه تُطبب زماناً طويلاً، وتولى رئاسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم بالقيروان، ثم استوطن مدينة دانية (¬١). وطار ذِكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب. وتوفى بدانية. وقال في حق [٢٤١] جد جده محمد بن مروان أنه كان بالرى حافظاً للأدب فقيهاً حاذقاً بالفتوى، مقدماً في الشورى، متقناً في العلوم. وتوفى بطليطلة سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، حَدَّثَ عن جماعة من علماء الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل. وزُهْر بضم الراء وسكون الهاء وبعدها راء. وذكر عماد الكاتب في الخريدة لأبي الطيب بن القزاز في بعض بنى زُهر: قُلْ للوبا أنت وابن زُهر … قد جزتما الحدِّ في النكاية ترفقا بالوَرى قليلا … في واحدٍ منكما كفايةفصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، والملكان الإخوان الأفضل والظاهر - ابنا السلطان صلاح الدين - محاصران لمدينة دمشق، وفيها عمهما الملك العادل، وقد قطعت عنها الأنهار والميرة، فلا يوجد خبز ولا ماء إلا قليلاً، وقد تطاول الحال، وقد خندقوا من أرض اللوان (¬١) إلى يلداً (¬٢) خندقاً لئلا يصل إليهم جيش دمشق، وجاء فصل الشتاء، وكثرت الأمطار والأوحال، ولما دخل شهر صفر قدم الملك الكامل محمد بن الملك العادل (¬٣) من الشرق على أبيه ومعه خلق من التركمان، وعساكر من بلاد الجزيرة والرُها وحران، فعند ذلك انصرفت العساكر المصرية، وتفرقوا أيادى سَبَا (¬٤)، فرجع الملك الظاهر إلى حلب، وأسد الدين إلى حمص، والملك الأفضل إلى الديار المصرية، وسَلَمَ الملك العادل من كيد الأعادى، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد (¬٥) واستسلم، ولكن الله سلم. وفى تاريخ أبى الفدا (¬٦): ولما كان الإخوان الأفضل والظاهر محاصرين دمشق اتفق وقوع الخلف بينهما، وسببه؛ أنه كان للملك الظاهر مملوك يحبه اسمه أَيْبَك، ففقده ووجد عليه الملك الظاهر وجداً عظيماً، وتوهم أنه دخل دمشق، فأرسل يكشف خبره،وأطلع الملك العادل - وهو محصور - على القضية، فأرسل إلى الظاهر يقول له: "إن محمود بن الشكرى أفسد مملوكك، وحمله إلى الملك الأفضل أخيك"، فقبض الظاهر على ابن الشكرى، فظهر المملوك عنده، فتغير [الظاهر] (¬١) على أخيه الأفضل، وترك قتال العادل، وظهر الفشل في العسكر، فتأخر الأفضل والظاهر عن دمشق، وأقاما بمرج الصفر إلى أواخر صفر، ثم سارا إلى رأس الماء (¬٢) ليقيما به إلى أن ينسلخ الشتاء، ثم انثنى عزمهما وسار الأفضل إلى مصر، والظاهر إلى حلب، على القريتين. (¬٣) وفى تاريخ بيبرس: وفى هذه السنة كان الحصار مستمراً على دمشق، وغلت الأسعار، وقلت الأقوات، فوقع الحديث في الصلح بين العادل والأفضل، وقوى الشتاء، فعاد الظاهر إلى بلاده، وكره الأسدية عوده، وهطلت الأمطار؛ وصعب المقام، وتفلل بعض العسكر المصرى إلى الديار المصرية بغير دستور، وكان قصد العادل المماطلة والمطاولة إلى أن يضجر العسكر، ويتوسط الشتاء فلا يمكن المقام، ولما عظم الشتاء انتقل الأفضل إلى جسر الخشب وضاق [٢٤٢] على العادل الحال وهو يتجلد، ثم أرسل إلى الأفضل يذكر له وصول ولده الكامل بمن معه من الجنود، وأنه يشفق على المسلمين من استمرار الحصار ووقوع النفار، وأشار عليه بالتأخير منزلة لئلا يَتَّقعَ العسكران، فرحل الأفضل إلى مرج الصَفرُ، ثم عاد هو وأخوه الظاهر ومن معه من العسكر إلى الديار المصرية؛ لصعوبة المقام بالشام، ولما بلغ الرملة وصل إليه رسول عمّه العادل يلتمس الصلح، فأكرمه وأجابه، وأعاده مكرما. ولما تحقق العسكر الدمشقى عود العسكر المصرى إلى مصر، خرج قراجا وسنقر ومَيمون القصرى وأياز جهركس في أتباعهم، فلحقوا غَزّه، منصرف الأفضل عنها، فتوجهوا إلى القدس. (¬٤)وفى المرآة: ودخلت هذه السنة والحصار على دمشق، وكان أتابك رسلان شاه صاحب الموصل قد رَحَّل الملك الكامل من ماردين، فقدم دمشق ومعه خلق كثير من التركمان، وعسكر الرُها وحران، فتأخر الأفضل بالعساكر إلى عقبة شحورا (¬١) سابع عشر صفر، ووصل الكامل تاسع عشر صفر، فنزل بجوسق (¬٢) أبيه على الشرف، ورحل الأفضل إلى مرج الصفّر، ورحل الظاهر إلى حلب، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله، وسار الأفضل إلى مصر، وأحضر العادل ابني الحنبلى الناصح وأخاه شهاب (¬٣) الدين وغيرهما، وكان الأفضل قد وعد الناصح بقضاء دمشق، وأخاه بالحسبة، فقال لهم العادل: "ما الذى دعاكم إلى كسر باب الفراديس، ومظاهرة أعدائى علىَّ، وسفك دمى؟ فقال له الناصح: "أخطأنا وما ثم إلا عفو السلطان". فقال العادل: فما بدا منى إليكم ما يوجب ذلك، ولولا أن يقال عنى إنى شنقت فقيها ما أبقيت منكم أحداً، ولكن البلد لكم هَبُوه لي". فأخرجهم إلى حلب. وجرت بعد هذا واقعة عجيبة، شفع في الشهاب الحنبلى إلى العادل فردّه، وكان يذكر الدرس في حلقة الحنابلة، ويأخذ مغلِ (¬٤) الوقف، وكان في الحنابلة رجل مصرى يقال له نصر، يخدم الشيخ العماد، فأقام الشهاب سنين لا يعطيهم شيئاً، فاستغاثوا إلى العادل وهو في دار العدل، وكان الملك الأشرف والمعظم أبنا العادل وبقية أولاده وقوفاً في الخدمة، فقال نصرُ يا سلطان المسلمين (¬٥)، هذا الرجل للوقف معه مدة طويلة" (¬٦)، يأكله ولا يوصل إلينا شيئاً، وكان ذلك في حدود سنة عشر وستمائة، فقال العادل: كم له معه؟ سنة. فقال نصر: متى كسر باب الفراديس؟ فقال الملك الأشرف: "ذا تاريخ مشؤوم". فضحك العادل والجماعة.وأما الأفضل فإنه لما سار إلى مصر أرسل العادل وراءه أبا محمد نجيب الدين (¬١)، وقال له: "قل للأفضل ترفق فأنا لك مثل الوالد، وعندى كلما تريد، فقال الأفضل: "قل له إن صح ما قلت، فابعد عنك أعدائى الصلاحية، وبلغ "ذلك" (¬٢) الصلاحية. فقالوا للعادل: "إش قعودنا، قم بنا، وساروا خلف الأفضل. (¬٣)
  • full passagepage 701, entry [303]5,324 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المسند المعمّر رحلة الوقت أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن صَدَقَةَ بن الخضر بن كُلَيْب، الحرّانى الأصل، البغدادى المولد والدار والوفاة، عن ست وتسعين سنة، سمع الكثير وأسمع، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان من أعيان التجار وذوى الثروة (¬٨)، وكانت وفاته ف
    ▸ expand full passage (5,324 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المسند المعمّر رحلة الوقت أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن صَدَقَةَ بن الخضر بن كُلَيْب، الحرّانى الأصل، البغدادى المولد والدار والوفاة، عن ست وتسعين سنة، سمع الكثير وأسمع، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان من أعيان التجار وذوى الثروة (¬٨)، وكانت وفاته في ربيع الأول، ودفن بباب حرب، وكان ثقة صحيح السماع، وكان يأخذ على إسماعه جزء ابن عرفة ديناراً، وهو آخر من حدّث عنه. (¬٩)الفقيه مجد الدين أبو محمد طاهر بن نصر الله بن جَهْبل (¬١)، مدرس القدس الشريف، وهو أول من درَّس بالصلاحية، وهو أبو الفقهاء بنى الجهبل، الذين كانوا بالمدرسة الجاروخية (¬٢)، ثم صاروا إلى العمادية (¬٣) والدماغية (¬٤) في هذا الزمان، ثم ماتوا ولم يبق إلا شرحهم. ومولد مجد الدين بحلب في نيف وثلاثين وخمسمائة. قلت: بنو الجهبل هم بهاء الدين نصر الله، وتاج الدين إسماعيل، وقطب الدين. والمدرسة الجاروجية بدمشق مشهورة، وكان مجد الدين فاضلاً في علم الوصايا والفرائض، ﵀. (¬٥) الشيخ الإمام الفقيه العلامة شهاب الدين أحمد الطوسى، شيخ الشافعية بديار مصر، وشيخ المدرسة المنسوبة إلى تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب التى يقال لها منازل (¬٦) العز، وهو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالى، وكان له قدر ومنزلة عند ملوك مصر، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى أن توفى في هذه السنة. (¬٧) وقال سبط ابن الجوزى (¬٨): قيل: كان لما قدم بغداد يركب بالسنجق والسيوف المسلله والغاشية (¬٩) المرفوعة والطوق في عنق البغلة، فمنع من ذلك، فسافر إلى مصرووعظ وأظهر مذهب الأشعرى، وثارت [عليه] (¬١) الحنابلة، وكان يجرى بينه وبين الزين بن نجية (¬٢) العجائب في السباب والتكفير. قال السبط (¬٣) [٢٤٦] وبلغنى أنه سئل أيما أفضل دم الحسين أم دم الحلاج؟ فاستعظم ذلك، وقال: كيف يجوز أن يقال هذا؟! قطرة من دم الحسين ﵁ أفضل من مائة ألف دم مثل دم الحلاج. فقال السائل: دم (¬٤) الحلاج كتب على الأرض الله، ولا كذلك دم الحسين. فقال الطوسى: المبهم يحتاج إلى التزكية. قلت: وهذا جواب في غاية الحسن في مثل هذا الوضع، على أنه لم يصح ما ذكر عن دم الحلاج. وكانت وفاته في الحادى والعشرين من ذى القعدة. (¬٥) وكان يوماً مشهوداً ركب فيه الملك العادل وكبراء الدولة، وخرج أهل مصر والقاهرة جميعاً مشيّعين جنازته إلى حيث دفن في القرافة. الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسى شيخ الشافعية (¬٦) بحلب، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى وتلّمذ للفخر الرازى، وقد رحل إلى مصر فعرض عليه أن يدرس بتربة الشافعى فلم يقبل، وصار إلى حلب فأقام بها إلى أن توفى في هذه السنة. (¬٧) الشيخ العلامة بدر الدين بن عسكر مدرس الحنفية بدمشق. قال أبو شامة: يعرف بابن [العقادة]. (¬٨) محمد بن عبد المنعم بن أبى الفضائل الصوفى الميهنى، شيخ رباط البسطامى ويلقب بالركن (¬٩)، كان جواد سمحاً، لم يكن من أبناء جنسه من يضاهيه في الكرم؛ما طلب منه أحد شيئاً فمنعه حتى كان يخرج وفى رجلة مداس فيرجع حافياً، ويخرج وعليه ثوبان فيرجع عرياناً، وكانت له خلوات ومحاضرات، وسمع الحديث من شهده (¬١) وغيرها. وتوفى في ذى الحجة ودفن في الشونيزية عند والده أبى الفضائل. البلخى الواعظ، واسمه محمد بن عبد الله، ويلقب بالنظام وبابن الظريف. ولد ببلخ سنة ست وعشرين وخمسمائة، وقدم بغداد فوعظ بها في النظامية وباب بدر وجامع القصر ومدرسة أبى النجيب ودار ابن حديدة الوزير، وكان فصيحاً مليح الصوت، وكان متشيعاً، وأنشد يوما في النظامية: سقاهم الليل كاسات الثُّرى فغدت (¬٢) … منه سَكَارى كأن الليل خمارُ وصيّر (¬٣) الشوق أطواقاً عمائمهم … لا يعقلون أقام الحى أم ساروا ونسمة الفجر إن (¬٤) مرت بهم سحرا … تمايلوا وبدا للسُكر آثار (¬٥) فلم يبق في المجلس إلا من قام، وصاح وتواجد، وأنشد أيضاً: مددت يدى في الحب نحوك سائلا … وقلت لجفنى أدر دمعك (¬٦) سائلا تفقهت في علم الصبابة والهوى … فمن شاء فليلق علىَّ المسائلا وحكى أنه نقل إلى الخليفة عنه أنه يعاشر النساء ويرتكب المحرمات، فأرسل إليه الوزير وهو على المنبر فقال: قد رسم أن تخرج من البلد فأنشد: أبابك لا واديك بالجود مُفعم … لدى ولا ناديك بالرفد آهل لئن ضقت عنى والبلاد فسيحةً … وحسبك عاراً أننى عنك راحلُ وإن كنت بالسحر الحرام مُدَلّه … فعندى من السحر الحلال دلائل فواف بغير الأعين النُجل حُسنها .. فأى مكان خيمت فهو بابلُوأخرج إلى الجانب الغربى من بغداد فمات، ودفن في مقابر قريش في صفر من هذه السنة، ﵀. (¬١) عبد اللطيف بن (¬٢) إسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعد، وعبد اللطيف أخو أبى القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ، وكنيته عبد اللطيف أبو الحسن، ولقبه صفى الدين، ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث، وكان شيخ الرباط الذى بالمشرعة شرقى بغداد، خرج حاجاً من بغداد ثم ركب البحر إلى مصر فتاه بهم المركب أياماً ثم أرسى بالعيذاب، فزار الشافعى ثم زار الخليل [٢٤٧] ﵇ والقدس، وقدم دمشق فتوفى بها في ذى القعدة ودفن بمقابر الصوفية. (¬٣) كامل بن الفتح أبو تمام الضرير ويلقب بالظهير النحوى، بغدادىّ اشتغل بالأدب والشعر فبرع فيهما ومن شعره: وفى الأوانس من بغداد (¬٤) آنسة … ولها من القلب ما تهوى وتختار ساومتها نفثة من ريقها بدمى … وليس إلا خفى الطرف سمَسار عند العذول اعتراضات ولائمة … وعند قلبى جوابات وأعذار وكانت وفاته في جمادى الآخر، ودفن بباب حرب. الشيخ أبو جعفر (¬٥) أحمد بن على بن أبى بكر بن إسماعيل القرطبى، إمام الكلاسّة الزاهد العابد، توفى يوم الإثنين تاسع عشر رمضان، قرأ بالموصل القرآن بالروايات على يحيى بن سَعدون القرطبى (¬٦).العَبْدىّ الشاعر الهمام (¬١) أبو الحسن على بن نصر بن عَقيل بن أحمد بن على ابن عبد القيس بن ربيعة بغدادىّ، قدم دمشق سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ومعه ديوان شعر له فيه درر حِسان، وفرائد وعقبان، وقد تصدى لمدح الملك الأمجد صاحب بَعلْبكّ، ومن شعره: وما الناسُ إلا كاملُ الحظِّ ناقصُ … وآخر منهم ناقصُ الحظِّ كامِلُ وإنىِّ لَمُثْرٍ من حياءٍ وعِفّةٍ … وإن لم يكن عِندى من المالِ طائلُ (¬٢) وذكر القوصي في معجمه أنه دخل على قاضى القضاة محيى الدين محمد بن على القرشى وهو يملى رسالته المحيوية في التعزية الفاضلية فأنشده: ألا قل لنا عن الفاضل أقصر فإننّى … تيقنت حقاً أن نعْتك باطل إذا كان محيى الدين في الدست (¬٣) جالساً … فما مات في الدنيا من الناس فاضل القاضى الفاضل، والكلام فيه على أنواع:
  • full passagepage 750, entry [323]9,757 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الإمام حسام الدين علي بن أحمد بن مكي الرازي الفقيه الحنفي، ذكره بن عساكر في تاريخه، وقال: قدم دمشق وسكنها، وكان يدرس بالمدرسة الصادرية (¬٤)، ويفتى على مذهب أبي حنيفة ﵁ ويناظر في مسائل الخلاف. قال: وما أظنه حدث. وقال ابن عديم في تاريخه: لما قدم حلب عقدوا له مجلسًا للمناظرة
    ▸ expand full passage (9,757 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الإمام حسام الدين علي بن أحمد بن مكي الرازي الفقيه الحنفي، ذكره بن عساكر في تاريخه، وقال: قدم دمشق وسكنها، وكان يدرس بالمدرسة الصادرية (¬٤)، ويفتى على مذهب أبي حنيفة ﵁ ويناظر في مسائل الخلاف. قال: وما أظنه حدث. وقال ابن عديم في تاريخه: لما قدم حلب عقدوا له مجلسًا للمناظرة فجعل يذكر مسألة مسألة من مسائل الخلاف، ويذكر أدلة كل فريق ويجيب عنها فأذعنوا له، وتفقه بحلب عليه أبو غانم وجماعة [٢٧٥] وله مصنفات منها: خلاصة الدلائل في تنقيح المسائل] (¬٥)، ومنها "سلوة الهموم (¬٦) " جمعه. وقد مات له ولد. وكان وروده إلى حلب في أيام نور الدين الشهيد وأقام بالمدرسة النورية في أيام العلاء الغزنوي، فلما توفي الغزنوي وولى المدرسة بعده ابنه محمود، وكان أبو الحسن الرازي يدبر حاله وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن خارج باب الفراديس.القاضي ابن الزكي محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز أبو المعالي القرشي محيي الدين (¬١) قاضي قضاة دمشق، وكذا كان أبوه وجده يحيى بن على المذكور، وهو أول من ولي دمشق منهم، وكان جد الحافظ أبي القاسم بن عساكر لأمه، وقد ترجمه في تاريخه ولم يزد على القرشي. وقال أبو شامة: ولو كان أمويًا عثمانيًا كما يزعمون لذكر ذلك ابن عساكر، وكان فيه شرف لجده وخاليه محمد وسلطان، ولو كان ذلك صحيحًا لما خفي عليه (¬٢). اشتغل [ابن زنكي] (¬٣) على القاضي شرف الدين أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون وناب عنه في الحكم ثم ترك النيابة. وهو أول من خطب بالقدس لما فتحه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كما ذكرنا في سنة ثلاث وثمانين، ثم ولاه قضاء دمشق وأضاف إليه قضاء حلب أيضًا، وكان ناظر أوقاف الجامع ثم عزل عنها قبل وفاته بشهر ووليها شمس الدين ابن التبنيني ضمانًا (¬٤) وقد كان القاضي محيي الدين بن الزكي ينهي الطلبة عن الاشتغال بالمنطق والكلام ويحرق كُتب من كان عنده شيء من ذلك بالمدرسة التقوية (¬٥)، وكان يحفظ العقيدة المسماة بالمصباح (¬٦) للغزالي (¬٧) ويحفظها أولاده أيضًا، وكان له درس في التفسير يذكره الكلاسية تجاه تربة الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وقد كان وقع بينه وبين الإسماعيلية فاتخذ له بابًا من داره إلى الجامع ليخرج إلى الصلاة منه، ثم خولط في عقله فكان يعتريه شبه الصرع إلى أن توفي في سابع شعبان من هذه السنة، ودفن بتربته في سفح قاسيون (¬٨). وقال ابن خلكان: أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن محمد بن يحيي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد العزيز بن أبان بن عثمان بن عفان القرشي، الملقب محيي الدين المعروف بابن زكيالدين الدمشقي الفقيه الشافعي، كان ذا فضائل عديدة في الفقه والأدب وغيرهما، وله النظم المليح والخطب والرسائل، وتولى القضاء بدمشق في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، يوم الأربعاء العشرين من الشهر المذكور، وكذلك أبوه وجده وولداه كانوا قضاتها، وكانت له عند السلطان صلاح الدين المنزلة العالية والمكانة المكينة، ولما فتح السلطان صلاح الدين حلب يوم السبت ثامن عشر صفر، سنة تسع وسبعين وخمسمائة أنشده القاضي محيي الدين المذكور قصيدة بائيه، أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها بيت هو متداول بين الناس وهو: وفتحك القلعة الشهباء في صفر … مبشرة بفتوح القُدس في رجب فكان كما قال، وقد ذكرنا هذا في موضعه، وكانت ولادته في سنة خمسين وخمسمائة بدمشق، وتوفي في التاريخ المذكور (¬١). وكان والده أبو الحسن على الملقب زكي الدين على القضاء بدمشق. وكان كثير الخير والدين، فاستعفى من القضاء فأعفى، فخرج إلى مكة حاجة، وعاد إلى بغداد في صفر سنة ثلاث وستين وخمسمائة فأقام بها، وكان عالى الطبقة في سماع الحديث. سمع خلقًا كثيرًا، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الخميس الثامن والعشرين من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد ﵁ (¬٢) ثم في صفر من سنة أربع وستمائة عزل الشمس بن التبنيني عنها وتولاها الرشيد ابن أخته ضمانًا بزيادة ثلاثة آلاف دينار، ثم في تاسع شعبان من سنة أربع وستمائة أبطل ضمانها وتولاها المعتمد والي دمشق [٢٧٦]. الخطيب الدولعي ضياء الدين أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين التغلبي الدولعي، نسبة إلى قرية بالموصل يقال لها الدولعية، ولد بها سنة ثمان عشرة وخمسمائة (¬٣)، وتفقه ببغداد على مذهب الشافعي، وسمع الحديث، ثم قدم دمشق فولي بها الخطابة وتدريس الغزالية، وكان زاهدًا متورعًا حسن الطريقة مهيبًا في الحق،وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول من هذه السنة (¬١)، ودفن بمقبرة باب الصغير عند قبور الشهداء، وتولي بعده الخطابة ولده كمال الدين محمد (¬٢) سبعًا وثلاثين سنة. وقال أبو شامة: سمع جامع الترمذي من أبي الفتح الكروخي، وكتاب السنين للنسائي من أبي الحسن علي بن أحمد اليزدي، وسمع من الحافظ أبي القاسم بن عساكر والقاضي أبي سعد بن أبي عصرون، وقرأ عليه الفقه (¬٣)، وطلبه شرف الدين بن عصرون أن ينوب عنه في القضاء فأبى فاستناب جمال الدين أبي الحرستاني. وقال في ترجمته: ابن الزكي ابن أبي عصرون طلب من يستنيبه فأشير عليه بالخطيب ضياء الدين الدولعي، فأرسل إليه خلعة مع البدر بن يونس الفارقي فرده وشتمه ورمى الخلعة، فأرسل إلى جمال الدين أبي الحرستاني فناب عنه وعن ابنه المحيى إلى أن عزل. ابن غليس الزاهد الشيخ علي بن محمد بن غليس اليمني، العابد الزاهد، كان مقيمًا بشرقى الكلاسة، وكانت له أحوال ومقامات نقلها الشيخ علم الدين السخاوي عنه، وساقها عنه أبو شامة في الذيل. منها أنه قال: سمعت أبا (¬٤) غليس يقول: كنت مسافرًا مع قافلة فرأيت في المنام كأن سبعًا اعترضهم فقطع الطريق عليهم، فوقفوا حائرين فتقدمت إليه وقلت له: يا كلب الله أنت كلب "الله" (¬٥) وأنا عبد الله فاخضع وارجع (¬٦) لمن سكن له ما في السموات والأرض وهو السميع العليم، فذهب وانفتحت الطريق للقافلة، ثم انبهت فسرنا قليلا وإذا بالقافلة قد وقفت، فسألته ما الخبر؟ فقيل: السبع على الطريق. فتقدمت إليه وهو مقع على ذنبه، فقلت ذلك الكلام وتقدمت إليه، فأدخلت يدي في فمه وقلبت أسنانه وشممت من فيه رائحه كريهه (¬٧). قال الشيخ السخاوي: أنه يأكل اللحم وما يتخلل. قال: وأدخلت يدى بين أفخاذه فقلبت خصيتهوإذا هما مثل خصيتي القط. قال أبو شامة: وكان يقول عن نفسه: ابن غليس ما يسوى، فليس ﵀ (¬١). الصدر الحراني أبو الثناء حماد بن هبة الله بن حماد الحراني التاجر. ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، عام ولد نور الدين الشهيد، وسمع الحديث ببغداد ومصر وغيرهما من البلدان، وحدث، وتوفي بحران في ذي الحجة من هذه السنة، ومن شعره قوله: تنقل المرء في الآفاق يكسبه … محاسنًا لم يكن فيها ببلدته أما ترى بيدق الشطرنج أكسبه … حُسنُ التنقل فيها فوق رتبته (¬٢) وفي المرآة: سمع بمصر أبا محمد بن رفاعة السعدي، وبالإسكندرية الحافظ السلفي، وببغداد ابن السمرقندي وغيرهم (¬٣)، وأثنى عليه الموفق الحراني. أبو الشكر (¬٤) محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي ويعرف بابن المحتسب، تفقه ببغداد ثم سافر إلى البلاد، وصحب ابن الشهرزوري، وقدم معه حتى ولى قضاء بغداد، فولاه نظر أوقاف النظامية، وكان فاضلا، يقول الشعر الرائق، فمن ذلك قوله: أسلف لنا في سلافة العِنب … جميع ما يقْتَني من الذهب [٢٧٧] وانشب مع النفس (¬٥) في معاملة … فيها بما عندنا من النشب جميع ما في الهميان يحقره الـ … عاقل في لثم ثغرها النشب (¬٦) لاسيما إن أتتك كالذهب … قد قلدوها عقدًا من الحَبَيب تُحرق كف المدير إن وقف الرو … ربها ساعة من اللهب إذا بدا هاهنا ليسرق السمع … برفق اللهو واللعب (¬٧)يتبعها (¬١) من سماء راؤوقها … الرائق رجمًا بالأنجم الشهب ما قط تبت يد لشاربها … وحق تبت يدا أبي لهب أمر بالكرم خلف حائطه … تأخذني نشوة من الطرب أسكر بالأمس إن (¬٢) عزمت على الشر … ب غدا أن ذا من العجب جنبها سكرها وصحبتها … تحريم شرع لسيد العرب تركتها جانبًا ولذت إلى … ظل أمام ينجي من النوب الطاهر الطهر وابن خير فتى … وطاهر الخلق طاهر النسب ماذا يقول المداح في رجل … خليفة الله وابن عم النبي (¬٣) هبة الله بن الحسن بن المظفر أبو القاسم الهمذاني (¬٤) ويقال له: ابن السبط والسبط. هوجد المظفر، كان سبطًا أحمد بن على بن لال الفقيه الهمذاني، ولد هبة الله في سنة عشر وخمسمائة، وهو محدث ابن محدث ابن محدث، وكانت وفاته بباب المراتب ببغداد في المحرم، ودفن بالريان (¬٥)، سمع أبا القاسم بن الحصين وقاضي المارستان وابن السمرقندي. قال صاحب المرآة: وسمعنا عليه بباب المراتب. وأنشدنا لغيره: إذا الفتى ذمّ عيشًا في شبيبته … فما يقول إذا عصر الشباب مضي وقد تعوضت عن كل بمشبهه … فما وجدت الأيام الصبا عوضا (¬٦) هبة الله بن على بن مسعود بن ثابت المنستيري (¬٧)، بضم الميم وفتح النون وسكون السين المهملة وكسر الياء المثناه من فوق وسكون الياء أخر الحروف وبعدها راء، ومنستير بليدة بإفريقية، وكان هبة الله المذكور عالي الإسناد، ولم يكن في عصره من هو في درجته، سمع إبراهيم بن حاتم الأسدي، وسمع جماعة من الأكابر، وسمع الناسعلى هبة الله المذكور وسافروا إليه من البلاد لعلو إسناده، وكان جده مسعود قد قدم من منستير إلى بوصير فعرف هبة الله المذكور بالبوصيري، وكانت ولادته سنة ست وخمسمائة، وتوفي في هذه السنة ﵀ (¬١). الست الجليلة المصونة بنفشا بنت عبد الله عتيقة الإمام، المستضيء، وكانت من أكبر خطاياه، ثم كانت بعده من أكثر النساء صدقة، وإحسانًا إلى العلماء والفقهاء (¬٢) ولها بطريق الحجاز معروف كثير، ووقفت على الحنابلة مدرسة وأوقافًا دارة، توفيت في هذه السنة ودفنت في تربة لها ببغداد عند قبر معروف الكرخي ﵁ وفي المرآة: عمرت الرُبُط والمساجد والجسر ببغداد، وهي التي اشترت دار الوزير بن جبر بباب الأزج ووقفتها على الحنابلة.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب مقيم في دمشق، وأرسل إلى ولده الملك الأشرف، وأمره بمحاصرة ماردين، فحاصرها وضايقها، ثم سعى الملك الظاهر صاحب حلب إلى العادل في الصلح، فأجاب على أن يحمل إليه صاحب ماردين مائة ألف وخمسين ألف دينار، ويخطب له ببلاده ويضرب السكة باسمه ويكون بخدمته متى طلبه، فأجيب إلى ذلك واستقر الصلح عليه، وأرسل العادل وانتزع ما كان بيد الملك الأفضل، وهي رأس عين، وسروج، وقلعة نجم (¬١)، ولم يترك بيده غير شميساط (¬٢) فقط، فأرسل الأفضل والدته ودخلت على الملك المنصور صاحب حماه ليرسل معها من يشفع في الأفضل عند الملك العادل في إبقاء ما كان بيده، وتوجهت أم الأفضل وتوجه معها من حماه القاضي زين الدين بن هندي إلى الملك العادل، فلم يجبها العادل ورجعت خائبة، وقال ابن الأثير مؤلف الكامل: وقد عوقب البيت الصلاحي مثل ما فعله والدهم السلطان صلاح الدين لما خرجت إليه نساء الأتابكي وفي جملتهن بنت نور الدين الشهيد يشفعن في إبقاء الموصل على عز الدين مسعود فردهن ولم يجب إلى سؤالهن، ثم ندم ﵀ على ردهن، فجرى للأفضل بن صلاح الدين مع عمه العادل مثل ذلك، ولما جرى ذلك أقام الأفضل بشميساط وقطع خطبة عمه الملك العادل، وخطب للسلطان ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان بن مسعود السلجوقي صاحب الروم. (¬٣) وفيها أخرج الملك العادل الملك المنصور محمد بن العزيز بن صلاح الدين من مصر إلى الشام فسار بوالدته وأقام بحلب عند عمه الملك الظاهر (¬٤). وقال ابن كثير:وفيها احتجز الملك العادل على محمد بن الملك العزيز وأخوته وسيرهم إلى الرها خوفا من إقامتهم بالديار المصرية (¬١). وفيها بعث الخليفة الخلع وسراويلات الفتوة (¬٢) إلى الملك العادل وأولاده، فلبسوها في شهر رمضان، وأمر العادل بعمارة قلعة دمشق وابتدع ببرج الزاوية الغربية والقبلية المجاورة لباب الصغير. (¬٣)
  • full passagepage 777, entry [334]5,070 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان شرف الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي، جمال الإسلام بن الشهرزوري (¬٤)، توفي في هذه السنة بمدينة حمص، وقد كان أخرج إليها من دمشق، وكان قبل ذلك مدرسًا بالأمينية والحلقة بالجامع تجاه البرادة، وكان لديه علم جيد بالمذهب والخلاف وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الآخرة. أبو الحسن
    ▸ expand full passage (5,070 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان شرف الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي، جمال الإسلام بن الشهرزوري (¬٤)، توفي في هذه السنة بمدينة حمص، وقد كان أخرج إليها من دمشق، وكان قبل ذلك مدرسًا بالأمينية والحلقة بالجامع تجاه البرادة، وكان لديه علم جيد بالمذهب والخلاف وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الآخرة. أبو الحسن علي بن علي بن سعادة الفارقي (¬٥)، تفقه ببغداد وأعاد بالنظامية وناب في تدريسها واستقل بتدريس المدرسة التي أنشأتها أم الخليفة، وأزيد على نيابة القضاء عن أبي طالب على بن على البخاري فامتنع من ذلك فألزم به فباشره قليلا، ثم دخل يوما إلى المسجد فلبس على رأسه مئزر (¬٦) صوف وأمر الوكلاء والجلاوزة (¬٧) أن ينصرفوا عنه، وشهد على نفسه بعزلها عن نيابة القضاء، واستمر على التدريس والإعادة.حمزة بن على بن حمزة، أبو يعلى الحراني المقري، ويعرف بابن القبيطى (¬١)، ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة ببغداد، وقرأ القرآن بالروايات على الشيخ أبي محمد سبط الشيخ أبي منصور الخياط وغيره، وسمع الحديث، وكان حسن الصوت بالقراءة، يصلي إمامة بالمسجد الذي بجانب البدرية (¬٢) فكان الناس يأتون إليه من أقطار بغداد ويسمعون قراءته وتوفي في ذي الحجة وصلى عليه بالنظامية، ودفن بباب حرب، وكان صالحًا عفيفًا زاهدًا ثقة. مسعود وممدود ابنا الحاجب مبارك بن عبد الله. فمسعود لقبه سعد الدين صاحب صفد، وممدود لقبه بدر الدين شحنة دمشق، وأمهما أم فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وأصل أمهما من المنظرة (¬٣) ففرخشاه أخوهما لأمهما، وأختهما لأمهما الست عذراء صاحبة المدرسة (¬٤) المجاورة لقلعة دمشق، وكانا أميرين كبيرين لهما مواقف كثيرة مع السلطان صلاح الدين. وتقدمت وفاة بدر الدين ممدود فإنه توفي بدمشق يوم الأحد خامس شهر رمضان. وتوفي سعد الدين بصفد يوم الإثنين خامس شوال، بينهما شهر واحد. (¬٥) وقال أبو شامة: وكانت دار مسعود مجاورة لرباط (¬٦) زهرا خاتون قريب حمام جاروخ (¬٧)، هي الآن لجمال الدين موسى بن يغمور. ودار ممدود بحارة [٢٩١] البلاطة (¬٨) هي الآن لنجم الدين بن الجوهري.الأمير مجير الدين طاشتكين (¬١) المستنجدي، أمير الحاج وزعيم بلاد خراسان، وكان شيخًا خيرًا حسن السيرة كثير العبادة غاليًا في التشيع، توفي بتستر (¬٢) في ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة، وحمل تابوته إلى الكوفة فدفن بمشهد على ﵁ بوصية منه، هكذا ترجمه ابن الساعى في تاريخه. وذكر أبو شامة في الذيل: مجير الدين طاشتكين بن عبد الله المقتفوى أمير الحاج، حج بالناس ستا وعشرين سنة وكان يكون في طريق الحج مثل الملوك، فحسده ابن يونس الوزير، وقال للخليفة: إنه يكاتب صلاح الدين وزور عليه كتابًا فحبسه الخليفة مدة، ثم تبين له أنه بريء من ذلك فأطلق وأعطاه خوزستان ثم أعاده إلى أمره الحج. وكانت الحله [الشيعية] (¬٣) أقطاعه، وكان شجاعًا جوادًا سمحًا قليل الكلام يمضي عليه الأسبوع ولا يتكلم، استغاث إليه رجل يومًا فلم يكلمه، فقال الرجل: الله كلم موسى. فقال: وأنت موسى!! فقال الرجل: وأنت الله!! فقضى حاجته، وكان حليمًا، التقاه رجل فاستغاث إليه من نوابه فلم يجبه، فقال له الرجل: أحمار أنت؟ فقال طاشتكين: لا. وفي قلة كلامه يقول ابن التعاويذي: وأمير على البلاد مولى … لا يجب الشاكي بغير سكوت كلما زاد رفعةً حطنًا … الله بتغفيله إلى البهموت وقام يومًا إلى الوضوء فحل حياصته وتركها موضعه ودخل ليتوضأ، وكانت الحياصة تساوي خمسمائة دينار، فسرقها الفراش وهو يشاهده، فلما خرج طلبها فلم يجدها، فقال أستاذ داره: أجمعوا الفراشين وأحضروا المعاصير (¬٤). فقال له طاشتكين: لا تضرب أحدًا فالذي أخذها ما يردها والذي رآه ما يعمز عليه. فلما كان بعد مدة رأى على الفراش الذي سرق الحياصة (¬٥) ثيابًا جميلة وبزة ظاهرة. فاستدعاه سرًّا وقال له بحياتي هذه من زيكفخجل، فقال: لا بأس عليك. فاعترف فلم يعارضه، وكان طاشتكين قد جاوز تسعين سنة، فاستأجر أرضًا وقفًا ثلثمائة سنة على جانب دجلة ليعمرها دارًا، وكان ببغداد رجل محدث في الخلق يقال له فتيحة المحدث، فقال: يا أصحابنا نهنئكم مات ملك الموت. قالوا: وكيف؟ قال طاشتكين. عمره مقدار تسعين سنة وقد استأجر أرضًا ثلثمائة سنة فلو لم يعلم أن ملك الموت قد مات ما فعل هذا فتضاحك الناس. الست خاتون أم السلطان الملك المعظم ابن السلطان الملك العادل، توفيت يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول من هذه السنة، ودفنت في القبة التي بالمدرسة المعظمية (¬١) سفح قاسيون، وفي تلك القبة معها ابناها المعظم عيسى والعزيز عثمان، ابنا الملك العادل، وأخوهما المتوفى قبلهما الملك المغيث عمر بن الملك العادل.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل سار من مصر إلى الشام، ونازل في طريقه عكا وصالحه أهلها على إطلاق جمع من الأسرى (¬١)، ثم وصل إلى دمشق ثم سار عنها، ونزل بظاهر حمص على بحيرة قدس (¬٢)، واستدعى [٢٩٢] بالعساكر فأتته من كل جهة، وأقام على البحيرة حتى خرج رمضان. ثم سار ونازل حصن الأكراد، وفتح برج أغياز وأخذ منه سلاحًا ومالًا وخمسمائة رجل ثم سار ونازل طرابلس، ونصب عليها المجانيق، وغار العسكر في بلادها وقطع قناتها، ثم عاد في أواخر ذي الحجة إلى بحيرة قدس فظاهر حمصن، وخرجت السنة وهو مقيم هناك. وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة خرج العادل بعساكره لقصد مدينة عكا فصالحه أهلها، وجرت بينه وبين الظاهر صاحب حلب - ابن أخيه - أمور اقتضت تغيّر البواطن واستشعار كل منهما من الآخر. وحصر ناصر الدين الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة العادل، واجتمع به وشكى إليه سوء معاملة الظاهر له. فكان ذلك مما زاده تغيرًا. واتفق خروج الفرنج من طرابلس وقصدوا حمص وأغاروا عليها فعظم ذلك على العادل وسار من دمشق ونزل بظاهر حمص وحضرت إليه عساكر البلاد، وأقام إلى آخر شهر رمضان، وعيّد في مكانه وسار متوجهًا إلى حصن الأكراد، وذكر إلى آخر ما ذكرنا. وقال أبو شامة (¬٣): وفيها نزلت الفرنج على حمص، وكان الظاهر بعث إليها المبارز يوسف بن خطلج الحلبي نجدة لأسد الدين شيركوه الأصغر، وأُسِر في هذه السنة الصمصام بن العلائي وخادم صاحب حمص.
  • full passagepage 791, entry [338]4,195 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الفقيه (¬١) العالم أبو منصور عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله بن النعمان النيلى، الملقب بالقاضي شريح لذكائه وفضله وبراعته وعقله وكمال أخلاقه. ولي قضاء بلدة النِيْل (¬٢) بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام. ثم قدم بغداد فندب إلى المناصب الكبار فأباها، فحلف عليه
    ▸ expand full passage (4,195 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الفقيه (¬١) العالم أبو منصور عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله بن النعمان النيلى، الملقب بالقاضي شريح لذكائه وفضله وبراعته وعقله وكمال أخلاقه. ولي قضاء بلدة النِيْل (¬٢) بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام. ثم قدم بغداد فندب إلى المناصب الكبار فأباها، فحلف عليه الأمير طاشتكين أن يعمل عنده الكتابة، فخدمه عشرين عاما، ثم وشي به الوزير ابن مهدي إلى الخليفة فحبسه في دار طاشتكين إلى أن توفي فيها في هذه السنة، ثم أن الوزير حُبس بها أيضا عن قريب، ومات فيها. وهذا من العجائب. وفي المرآة: ومات طاشتكين وهو محبوس، وتوفي شريح في ربيع الأول في (¬٣) دار طاشتكين [٢٩٩] وأخرج منها ميتًا، ودفن بداره في القُبَيْبات. (¬٤)قال السبط: ورأيت القاضي شريحًا وكان ألطف العالم وأذكاهم، وكان فاضلًا مترسلًا بليغًا، جوادًا سمحًا حسن الصورة، فصيح اللسان، متواضعًا لطيفًا، يصلح للوزارة وغيرها. أبو الحرم مكي (¬١) بن ريّان بن شَبّه بن صالح الماكسيني، من أعمال سنجار، ثم الموصلى النحوى، قدم بغداد وأخذ عن ابن الخشاب، وابن العطار، والكمال الأنباري، وقدم الشام فانتفع به خلق عظيم منهم؛ الشيخ علم الدين السخاوي وغيره. وكان ضرير البصر، يتعصب لأبي العلاء المعرى لما بينهما من القدر المشترك في الأدب والعمى. ومن شعره: إذا احتاج النوال إلى شفيع … فلا تقبله تَضْح قرير عين إذا عيف النوالُ لفَرد مَنٍّ … فأوْلى أن يُعاف لمنّتين ومن شعره أيضا في ألغاز اسم دَعْد: اسم التي أنا عبدها … يا أيها الرجل الحكيمُ تُلفيه معكوسًا كما … تلفيه إذ هو مستقيم قال أبو شامة (¬٢): ويكفي من ذلك أن نقول: اسمها إن عكسته … مثله إن تركته وتوفي أبو الحرم بالموصل في شوال من هذه السنة، وقال: قرأ عليه شيخنا أبو الحسن السخاوي كتاب أسرار العربية للأنباري، وربما يقع تصحيف في اسم أبيه وجده، فاعلم أن اسم أبيه أوله راء مهملة بعدها باء آخر الحروف وآخره نون، واسم جده أوله سين معجمة بعدها باء موحدة على وزن حبة، وبدأ بذكره شرف الدين بن المستوفي في تاريخ إربل لأنه شيخه ووصفه وأثنى عليه. عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلى، كان زاهدًا عابدًا، ورعًا لم يكن في أولاد الشيخ مثله، ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير، وكان مقتنعًامن الدنيا باليسير، وكانت وفاته في شوال، ودفن بباب حرب، وكان صالحًا ثقة لم يدخل فيما دخل فيه من أخوته. إسماعيل بن على أبو محمد الحُطيري، من حطُيره الدُجيل (¬١)، كان أديبًا فاضلًا شاعرًا أنشد لنفسه: لا عالم يبقى ولا جاهل … ولا نبيه [لا] (¬٢) ولا خامل على سبيل مُهَيع لا حب … يؤدي أخو اليقظة والغافل جمال الدولة (¬٣) إقبال الخادم، أحد خدام صلاح الدين يوسف بن أيوب، واقف الإقباليتين الشافعية والحنيفية، وكانتا دارين له فوقف عليهما وجعلهما مدرستين: الكُبرى للشافعية والصغرى للحنيفية، وجعل ثلثي أوقافه للشافعية والثلث الباقي للحنيفية، وهما مشهورتان بدمشق. مات إقبال المذكور بالبيت المقدس في الرابع عشر من ذي القعدة من هذه السنة. حسام الدين أردشير صاحب مازندران، مات في هذه السنة وخلّف ثلاثة أولاد، فملك ابنه الأكبر بعده وأخرج أخاه الأوسط من البلاد، فقصد جُرجان (¬٤) وبها الملك علي شاه بن خوارزم شاه تكش أخو خوارزم شاه محمد، وهو ينوب عن أخيه فيها، فشكى إليه ما صنع به أخوه من إخراجه من البلاد، وطلب منه [٣٠٠] أن ينجده عليه ويأخذ له البلاد ليكون في طاعته، فكتب على شاه إلى أخيه خوارزم شاه بذلك، فأمره بالمسير معه إلى مازندران، وأخذ البلاد له، وإقامة الخطبة لخوارزم شاه فيها، فساروا من جرجان، فاتفق أن ابن حسام الدين أردشير صاحب مازندران مات في ذلك الوقت وملك البلاد بعده أخوه الأصغر، واستولى على البلاد والقلاع والأموال، فوصل علي شاه البلاد ومعه ابن صاحب مازندران فنهبوها وخربوها، فامتنع منهم الأخ الصغير بالقلاع وأقامبقلعة كوزا (¬١) وهي التي فيها الأموال والذخائر، وحصره فيها بعد أن ملكوا ساوة (¬٢) وآمل (¬٣) وغيرهما من البلاد والحصون، وخطب لخوارزم شاه فيها جميعها فصارت في طاعته وعاد على شاه إلى جرجان وأقام ابن أزدشير بمازندران مالكًا لبلادها جميعها سوى القلعة التي فيها أخوه الأصغر، وهو يراسله ويستميله ويستعطفه وأخوه لا يرد جوابًا ولا ينزل عن حصنه.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله والسلطان الملك العادل نازل على بحيرة قدس بظاهر حمص، ثم وقعت الهدنة بينه وبين صاحب طرابلس، وعاد الملك العادل إلى دمشق وأقام بها، كذا ذكره المؤيد في تاريخه (¬١) وغيره. وقال بيبرس في تاريخه: (¬٢) وفيها خرج العادل إلى الشام وكان سبب خروجه أن الفرنج أهل قبرس أخذوا عدة قطع من أسطول مصر ونهبوا من فيها وأسروهم، فأرسل العادل إلى صاحب عكا وقال له: نحن وأنتم صُلُح، فلم غدرتم؟ فاعتذر له أنه ليس حكم أهل قبرس إليه، وأن مرجعهم إلى القسطنطينية ثم إن أهل قبرس حدث عندهم غلاء فساروا إلى القسطنطينية، وعاد الحكم إلى صاحب عكا، فأطلق أسارى المسلمين.
  • full passagepage 812, entry [343]6,501 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرصافي الحنبلي، راوي مسند الإمام أحمد ﵁ عن أبي الحصين عن ابن المهذب عن ابن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. عمر تسعين سنة، وخرج من بغداد فأسمعه بإربل واستقدمته ملوك دمشق إليها، فسمع الناس عليه بها المسند، وكان الملك المعظم يكرمه ويأكل
    ▸ expand full passage (6,501 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة الرصافي الحنبلي، راوي مسند الإمام أحمد ﵁ عن أبي الحصين عن ابن المهذب عن ابن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. عمر تسعين سنة، وخرج من بغداد فأسمعه بإربل واستقدمته ملوك دمشق إليها، فسمع الناس عليه بها المسند، وكان الملك المعظم يكرمه ويأكل عنده على السماط من الطيبات فتصيبه التخمه كثيرًا لأنه كان ضيق الحال خشن العيش ببغداد. وكان الكندي إذا دخل على المعظم يسأل عن [٣١٢] حنبل (¬١) فيقول: هو متخوم. فيقول: أطعمة العدس. فيضحك المعظم، ثم أعطاه مالًا جزيلًا ورده إلى بغداد فتوفي بها في هذه السنة، وكان مولده سنة عشر وخمسمائة. وقال أبو شامة: مات في رابع عشر محرم سنة أربع وستمائة ودفن بباب حرب. عبد الرحمن بن عيسى بن أبي الحسن البزوري الواعظ البغدادي، سمع من أبي الوقت وغيره واشتغل على ابن الجوزي في الوعظ، ثم حدثته نفسه بمضاهاته وشمخت نفسه واجتمع عليه طائفة من أهل باب البصرة، وتزوج في آخر عمره وقد قارب السبعين بصبية، فاغتسل في يوم بارد فانتفخ ذكره فمات في هذه السنة، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وفي المرآة (¬٢): وكانت وفاته في صفر في هذه السنة. أبو محمد جعفر بن محمد بن محمود بن هبة الله بن أحمد بن يوسف الإربلي، كان فاضلًا في علوم كثيرة في الفقه على مذهب الشافعي، والحساب والفرائض والهندسة والأدب والنحو وما يتعلق بالقرآن العزيز، ومن شعره الحسن الجيد:لا يدفع المرءُ ما يأتي به القدرُ … وفي الخطوب إذا فكرت معتبرُ وليس يُنجي من الأقدار إن نزلت … رأي وحزم ولا خوف ولا حذر فاستعمل الصبر في كل الأمور ولا … تجزع لشيء فعقبي صبرك الظفرُ كم مسنا مرة عسر فصرّفه … صرف الزمان والي بعله يسُرُ إلا ييأس المرء من روح الإله فما … ييأس منه إلا عصبة كفروا إني لأعلم أن الدهر ذو دول … وأن يوميه ذا أمن وذا خطر. (¬١) عبد المجيد (¬٢) بن أبي القاسم عبد الله بن زهير أبو محمد الحربي ابن أخي عبد المغيث الحربي. ولد سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير، وكان يتردد من عند الخليفة إلى العادل في أمور خفية فخرج في السنة الماضية فاجتمع بالعادل، وعاد في هذه السنة فتوفي بحماة وكان صالحًا ثقة. أبو الثناء محمود (¬٣) بن هبة الله بن أبي القاسم الحلى البزاز، قرأ القرآن على ابن عساكر البطائحي، والأدب على أبي محمد بن الخشاب، وسمع الحديث على أبي الوقت، وحكي عن إسماعيل بن موهوب ابن الجواليقي قال: كنت في حلقة والدي أبي منصور موهوب يوم جمعة بعد الصلاة بجامع القصر والناس يقرؤون عليه فوقف عليه شاب فقال: يا سيدي ما معنى قول القائل: وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها … وهجره النار يصْليني به النارا فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة … إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا فقال له والدي: يا بني هذا شيء يتعلق بسير الشمس في البروج وما يتعلق بعلم الأدب، ثم قام والدي وآلي على نفسه أن لا يعود إلى مكانه، ذلك حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر فنظر فيه وعلمه بحيث إذا سئل عن شيء منه أجاب. ومعنى الشعر أن الشمس إذا نزلت القوس يكون الليل في غاية الطول، وإذا كانت في الجوزاء كان الليل في غاية القصر. مات أبو الثناء محمود في هذه السنة. (¬٤)عبد العزيز الطبيب مات [٣١٣] فجأة في ذي القعدة في هذه السنة، وهو والد سعد الدين الطبيب الأشرفي، وهو الذي عناه القائل أظنه ابن عينين بقوله: فرادى ولا خلف الخطيب جماعة … وموت ولا عبد العزيز طبيب شرف الدين بن الناقد بن قنبر واسمه الحسن بن أبي طالب (¬١)، ولاء الخليفة حجبة الباب وناب في الوزارة، ثم ولاه صاحب المخزن فتجبر وطغى، وبني بدرب المطبخ دارًا تناهي في بنائها فلم يكن ببغداد مثلها، وشرع في الظلم والفسق وتجاهر به ومد عينه إلى أولاد الناس، وكان قبيح السيرة فرفع أمره إلى الخليفة، فأخذه أخذ عزيز مقتدر، وقبض عليه واستأصله، ونقض داره إلى الأساس، وحبسه فأخرج في رمضان ميتا فدفن بمشهد باب التبن (¬٢). الأمير زين الدين قراجا الصلاحي (¬٣) صاحب مدينة صرخد، توفي بدمشق ودفن بقاسيون، كانت له دار عند باب الصغير (¬٤) بدمشق عند قناة الزلاقة، وتربته في السفح في قبة على جادة الطريق عند تربة ابن تميرك (¬٥)، وأقر السلطان الملك العادل ولده يعقوب على صرخد، وكان قراجًا شجاعًا جوادًا. الأمير الكبير يتامش بن عبد الله (¬٦) أحد أمراء الخليفة الناصر لدين الله، وكان من سادات الأمراء، دينا عاقلًا نزيهًا عفيفًا، سقاه بعض الكتاب من النصاري سما فمات، وكان اسمه ابن ساوا، ولما مات تقدم الخليفة بأن يفتح له باب جامع القصر ولا يتخلف عن جنازته أحد من أرباب الدولة إلا الخليفة والوزير، وحمل إلى مشهد موسى ابن جعفر فدفن هناك، وعلم الخليفة بباطن الحال فأمر أن يسلم ابن ساوى إلى غلمانيتامش، فكتب ابن المهدي إلى الخليفة يقول: إن النصارى قد بذلوا في ابن ساوى خمسين ألف دينار ولا يقتل، فكتب الخليفة على رأس الورقة: إن الأسود أسود الغاب همتها … يوم الكريهة في المسلوب لا السلب (¬١) فسلم ابن ساوى إلى مماليك علاء الدين يتامش، فأخرج من دار الوزير وفي رقبته حبل وهو مكتوف فقتلوه وأحرقوه، وكان لابن المهدى مملوك عاقل يقال له أقسنقر الدوادار، كان يطالع الخليفة بأخبار ابن المهدي وأنه يكاتب الأعاجم ويسعى في فساد الدولة، وعلم الوزير فسقاه السم فمات في ربيع الآخر هو وعلاء الذين يتامش في أيام قريبة، وقبض الخليفة على ابن مهدي في جمادى الأولى. السلطان (¬٢) غياث الدين محمود بن سام بن الحسين ملك الغورية، قتل في هذه السنة وقد ذكرناه عن قريب، وكان غياث الدين محمود هذا آخر الملوك الغورية، وكانت دولتهم من أحسن الدول، وكان محمود كريمًا عادلًا محسنًا إلى الرعية حليمًا شفوقًا، ﵀. ست الكتبة واسمها نعمة بنت علي بن يحيى بن محمد بن الطراح، توفيت في ربيع الأول بدمشق ودفنت بباب الفراديس، وكانت صالحة زاهدة عابدة راوية للحديث، روت كتاب الشمائل للترمذي عن أبي شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي وعن جدها أبي محمد بن يحيى بن محمد بن الطراح وغيرهما. وقال السبط (¬٣): سمعت عليها الحديث بدمشق في سنة ستمائة. ولما ذكرها السبط في تاريخه قال: وفي هذه السنة توفيت شيختنا ست الكتبة نعمة بنت علي، رحمها الله [٣١٤]فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله والسلطان الملك العادل في دمشق وعنده ولداه الأشرف والمعظم كذا قال المؤيد (¬١) في تاريخه. وقال بيبرس (¬٢) في تاريخه: ومنها خرج العادل من مصر إلى الشام وكان أكبر البواعث على خروجه ما حصل من الوحشة بينه وبين الظاهر ابن أخيه صاحب حلب، وقال المؤيد (¬٣): وفيها توجه الملك الأشرف موسى بن الملك العادل من دمشق راجعًا إلى بلاده الشرقية، وكان عند والده العادل في دمشق ولما وصل إلى حلب تلقاه صاحبها الملك الظاهر وأنزله بالقلعة، وبالغ في إكرامه وقام [للأشرف (¬٤)] و [الجميع] (¬٥) عسكره بجميع ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب والحلواء والعلوفات، وكان يحمل إليه في كل يوم خلقة كاملة وهي غلالة وسراويل وقباء وكمة وفروة ومنطقة وسيف ومنديل وسكين ودلكش وحصان وخمس خلع لأصحابه، وأقام على ذلك خمسة وعشرين يومًا، وقدم له تقدمة جليلة وهي مائة ألف ألف درهم ومائة بقجة مع مائة مملوك، منها عشر بقجج في كل واحدة منها ثلاثة أثواب أطلس وثوبان خطاي، وعلى كل بقجة جلد قندس (¬٦) كبير، ومنها عشرة في كل واحدة منها (¬٧) خمسة أثواب عتّابي بغدادي وموصلي، وعلى كل بقجة جلد قندس صغير ومنها عشرون بقجة في كل واحدة منها خمس قطع سوسي (¬٨) وديبقى ومنها أربعون بقجة في كل واحدة منها خمسة أقبية وخمس كمام، وحمل إليه خمس حصن عربية بعدتها وعشرين أكديشا وأربع قطر بغال وخمس بغلات فائقات بالسروج واللجم المكفتة وقطارين من الجمال. وخلع على أصحابه مائة وخمسين خلعة، وقال إلى أكثرهم بغلات وأكاديش، ثم سار الملك الأشرف إلى بلاده.
  • full passagepage 820, entry [347]4,869 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو الفتح (¬٢) محمد بن أحمد بن بختيار بن علي بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الواسطى المعروف بابن الميداني (¬٣)، آخر من روي مسند الإمام أحمد ﵀ عن أبي الحصين، وكان من بيت فقه وقضاء وديانة، وكان ثقة عدلًا متورعًا في النقل، ومما أنشده من حفظه: ولو أن ليلى مطلع الشمس دونها … وكنت
    ▸ expand full passage (4,869 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو الفتح (¬٢) محمد بن أحمد بن بختيار بن علي بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الواسطى المعروف بابن الميداني (¬٣)، آخر من روي مسند الإمام أحمد ﵀ عن أبي الحصين، وكان من بيت فقه وقضاء وديانة، وكان ثقة عدلًا متورعًا في النقل، ومما أنشده من حفظه: ولو أن ليلى مطلع الشمس دونها … وكنت وراء الشمس حين تغيب لحدثت نفسي بانتظاري نوالها … وقال المنى لي إنها لقريب وقال أبو شامة (¬٤) وأنشد لغيره: أراك إذا نأيت بعين قلبي … كأنك نصب عيني عن قريب لئن بعدت معاينة التلاقي … فما بعدت معاينة القلوب (¬٥) وقال: ولد بواسط سنة سبع عشرة وخمسمائة، وولي أبوه قضاء الكوفة، فسمع من شيوخها، وتفقه علي أبي منصور بن الرزار، وعاد إلى واسط فأقام بها يسمع الحديث والفقه حتى توفي بداره، ودفن بها، سمع بالكوفة من الشريف أبي البركات عمر بن إبراهيم النحوي شارح لمع ابن جني وغيره، وببغداد أبا القاسم بن الحصين وابن الجواليقي وابن السمرقندي والبارع وغيرهم، وولي قضاء واسط، وكان صالحًا ثقة صدوقًا (¬٦).أبو العباس (¬١) الخضر بن محمد بن على الجزري، ولد بجزيرة ابن عمر في سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وتوفي في هذه السنة، وقدم بغداد، وله في تعبير الرؤيا بد، وأنشد لنفسه: أنست بوحدتي حتى لو أني … رأيت الأنس لاستوحشت منه وما ظفرت يدى بصديق صدق … أخاف عليه إلا خفت منه وما نزل التجاوب لي حبيبًا … أميل إليه إلا ملت عنه الشيخ أبو (¬٢) الخير مصدق بن شبيب بن الحسين النحوى الصِلْحي، من أهل قم الصلح، ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وصحب الشيخ صدقة الزاهد، وقرأ عليه القراءات والنحو، وقرأ عليه ابن الخشاب وابن العصار والكمال الأنباري، وسمع الحديث من أبي الفتح بن البطي، مات في هذه السنة، ودفن مع الشيخ صدقة في ضريحه، وكان على طريقة في الزهد والعبادة، منقطعًا عن الناس. صدر الدين (¬٣) عبد الملك بن درباس الماراني الكردي، قاضي [٣١٧] القضاة بالديار المصرية، وكان قاضي الغربية، قدم من الشرق إلى مصر فولاه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان عنده بمكانة، وقال ابن ميسر: تولي صدر الدين في الثاني والعشرين من جمادى الأخرى من سنة ست وخمسين وخمسمائة إلى أن صرف بعد وفاة صلاح الدين، وولي مكانه القاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الأول من سنة تسعين وخمسمائة، وتوفي صدر الدين في هذه السنة، وقبره بتربته المجاورة للرباط المشهور بخط روز بهار العجمي. محمد بن (¬٤) بختيار بن عبد الله أخو أستاذ دار الخليفة، كان فاضلًا أديبًا أنشد يومًا: قسمًا بمن سكن الفؤاد وإنه … قسم به لو تعلمون عظيمفأجاب بديهًا: إني به صَب كئيب مدنف … قلق الفؤاد موله مهموم لا أستطيع مع التنائي سلوة … حتى الممات وإنني لسليم فتعطفوا بالوصل بعد تهاجر … فالصبر ينفد والرجاء مقيم الأمير سراسنقر الصلاحي: مات في رابع عشر محرم من هذه السنة بحلب، وكان أحد الأمراء المذكورين المجاهدين. الأمير المعروف بالجناح الكردي: واسمه إبراهيم (¬١) بن أحمد، مات في السابع والعشرين من ذي القعدة بدمشق، ودفن بالجبل، وخرج السلطان في جنازته، وفي الغد عمل عزاؤه بالجامع، وحضر جميع أمراء الأكراد بالجوخ ومناديل على رؤوسهم، وهو أخو المشطوب وكبير أمراء الأكراد. الأشرف (¬٢) غرس الدين محمد بن السلطان صلاح الدين، مات في هذه السنة بحلب. الأمجد (¬٣) حسن بن السلطان الملك العادل، شقيق الملك المعظم والعزيز، مات في هذه السنة بالقدس الشريف. الشرف (¬٤) الفلكي وزير الملك الأوحد، أخو الصفي الأسود واسمه عبد المحسن بن إسماعيل بن محمود الحُلى (¬٥)، وكان قد ناب بديوان دمشق عن صفي الدين بن شكر الوزير في الدولة العادلية، ثم وزر لأخى العادل لأمير فلك الدين فنسب إليه، ثم اشتغل وزيرًا بخلاط للملك الأوحد بن العادل إلى أن قتله مملوكه بها ليلة عيد الفطر من هذه السنة، وحمل من خلاط إلى دمشق. وقال أبو شامة: وجد مذبوحًا في فراشه، ذبحهُ غلام له ليلة عيد الفطر.السلطان (¬١) معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر، صاحب جزيرة ابن عمر، وهو ابن عم نور الدين صاحب الموصل، قتله ابنه غازي في هذه السنة، وكانت ولايته في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وكان سنجر شاه ظالمًا قبيح السيرة وقحًا، لا يمتنع من قبيح يفعله من: القتل، وقطع الألسنة، والأنوف، والأذن، وحلق اللحى، وتعدى ظلمه إلى أولاده وحريمه، فبعث ابنيه محمودًا وممدودًا إلى قلعة فحبسهما فيها، وحبس ابنه الغازي المذكور في المدينة وضيق عليه، وكان بتلك الدار هوام كثيرة، فاصطاد غازي المذكور حية وسيرها إلى أبيه في منديل لعله يرق له، فلم يزده إلا قساوة عليه، فأعمل الحيلة حتى هرب، وكان عنده أحد يخدمه فقرر معه أن يسافر ويظهر [٣١٨] أنه غازي بن معز الدين سنجر شاه؛ ليأمنه أبوه، فمضى ذلك الإنسان إلى الموصل فأعطى شيئًا وسافر منها، واتصل ذلك بسنجر شاه فاطمأن، وترجل ابنه غازي حتى دخل إلى دار أبيه، واختفى عند بعض سراري أبيه، وعلم به جماعة منهم وكتموا ذلك عن سنجر شاه لبغضهم فيه، واتفق أن سنجر شاه شرب يومًا بظاهر البلد وشرع يقترح على المغنيين الأشعار الفراقية وهو يبكي، ودخل داره سكرانًا إلى عند الحظية التي ابنه مختف عندها، ثم قام معز الدين سنجر شاه ودخل الخلاء، فهجم عليه ابنه غازي فضربه أربع عشرة ضربة بالسكين، ثم ذبحه وتركه ملقى، ودخل غازي الحمام وقعد يلعب مع الجواري، فلو أحضر الجند واستحلفهم في ذلك الوقت لتم أمره وملك البلاد، ولكنه سكر واطمأن فخرج بعض الخدم وأعلم أستاذ الدار، فجمع الناس وهجم على غازي وقتله، وحلف العسكر لأخيه محمود بن سنجر شاه، واستقر ملكه بالجزيرة، وقبض على جواري أبيه فغرقهن في دجلة، ثم قتل محمود بعد ذلك أخاه مودودًا.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وملوك البلاد والأطراف على حالهم.
  • full passagepage 827, entry [351]13,957 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان القاضى الأسعد أبو المكارم أسعد بن [الخطير] (¬٤)، أبي سعيد مهذب ابن مينا ابن زكرياء بن أبي قدامة بن قليج بن مَماتي المصري، الكاتب الشاعر، وكان ناظر الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل وله مصنفات عديدة، ونظم سيرة صلاح الدين، ونظم كتاب كليلة ودمنة، وله ديوان شعر، وله في غلا
    ▸ expand full passage (13,957 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان القاضى الأسعد أبو المكارم أسعد بن [الخطير] (¬٤)، أبي سعيد مهذب ابن مينا ابن زكرياء بن أبي قدامة بن قليج بن مَماتي المصري، الكاتب الشاعر، وكان ناظر الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل وله مصنفات عديدة، ونظم سيرة صلاح الدين، ونظم كتاب كليلة ودمنة، وله ديوان شعر، وله في غلام نحويّ. وأهيفِ أحْدَثَ لي نَحوُهُ … تعجبًا يُعرِبُ عن ظَرْفِهِ علامَةُ التأنيث في لفظه … وأحرفُ العِلَةِ في طَرْفِهِ وله في شخص ثقيل رآه بدمشق: [حكى (¬٥)] نهرين ما في الأر … ض مَنْ يحكيهما أبدا حكى في خلقه ثورا … وفي ألفاظه (¬٦) برَدَا وقال ابن كثير: (¬٧) أسلم في الدولة الصلاحية، وتولى نظر الدواوين بمصر مدة، ولما تولى الوزير ابن شكر هرب منه إلى حلب لائذًا بالملك الظاهر، فمات بها في هذه السنة، وله ثنتان وستون سنة.وقال ابن خلكان (¬١): توفي في سلخ جمادى الأولى منها يوم الأحد، ودفن في المقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق بالقرب من مشهد على الهروي، وتوفي أبوه [الخطير] (¬٢) يوم الأربعاء سادس شهر رمضان في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ومنها بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وبعدها ألف، ومماتي بفتح الميمين والثانية مشددة وبعد الألف تاء مثناة من فوق مكسورة وبعدها ياء آخر الحروف، وهو لقب أبي مليح المذكور، وكان نصرانيا، وإنما قيل له مماتي؛ لأنه وقع في مصر غلاء عظيم، وكان كثير الصدقة والإطعام خصوصًا لصغار المسلمين، فكانوا إذا رأوه نادره كل واحد منهم مماتي، فاشتهر به والله أعلم. اللمعاني (¬٣) أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل بن عبد الرحمن [٣٢١] بن عبد السلام اللمعاني، أحد الأعيان الحنفية ببغداد، سمع الحديث ودرس بجامع السلطان، وكان معتزليًا في الأصول، بارعًا في الفروع، اشتغل على أبيه وعمه وأتقن الخلاف، وعلم المناظرة، وقارب التسعين، وتوفي ليلة الجمعة، وصلى عليه من الغد بمشهد الإمام أبي حنيفة ﵁ وقال ابن النجار: وكتبنا عنه، وكان صدوقًا. ابن الخراساني (¬٤) أبو عبد الله محمد بن محمد بن الحسين المعروف بابن الخراساني، المحدث الناسخ، كتب كثيرًا من الحديث وغيره، وخطه جيد مشهور. أبو المواهب معتوق بن منيع بن مواهب الخطيب البغدادي، قرأ النحو واللغة على ابن الخشاب، وجمع خطبًا كان يخطب منها، وكان شيخًا فاضلًا أديبًا، وله ديوان شعر، فمن قوله: ولا ترجو الصداقة من عدو … يعادي نفسه سرًا وجهرًا فلو أخذت مودَته انتفاعًا … لكان النفع منه إليه أحْرىابن خروف النحوي علي بن محمد بن [على الحضرمي] (¬١) أبو الحسن بن خروف، الأندلسي النحوي شارح كتاب سيبويه، شرحه وقدمه إلى صاحب المغرب، فأعطاه ألف دينار، وشرح جمل الزجاجي، وكان يتنقل في البلاد ولا يسكن إلا في الخانات (¬٢)، ولم يتزوج قط، ولا تسري، وقد تغير عقله في آخر عمره، فكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس، وتوفي في هذه السنة عن خمس وثمانين سنة بمدينة أشبيلية. وقال ابن خلكان (¬٣): توفي في سنة عشر وستمائة. وقيل: في تسع وستمائة ا وخروف بفتح الخاء المعجمة وهو غير ابن خروف الشاعر. أبو على الواسطى (¬٤) يحيى بن الربيع بن سليمان بن حراز الواسطى ثم البغدادي، اشتغل بالنظامية على ابن فضلان وأعاد عنده، وسافر إلى محمد بن يحيى ثم عاد إلى بغداد، ثم صار مدرسًا بالنظامية ونظر في أوقافها، وكانت لديه علوم كثيرة ومعرفة حسنة بالمذاهب، وله تفسير في أربع مجلدات كان يدرس منه، واختصر تاريخ الخطيب والذيل عليه لابن السمعاني وقارب الثمانين. ابن الأثير (¬٥): مصنف جامع الأصول والنهاية، واسمه المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد مجد الدين أبو السعادات الشيباني، الجزري الشافعي المعروف بابن الأثير، وهو أخو الوزير للملك الأفضل بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو ضياء الدين نصر الله صاحب المثل السائر، ولهما أخ آخر وهو الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد صاحب الكامل في التاريخ، ولد أبو السعادات المبارك في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة بجزيرة ابن عمر،وسمع الحديث الكثير وقرأ القرآن الكريم، وأتقن علومه وحرر علومًا جمة، وكان مقامه بالموصل، وقد جمع في سائر الفنون كتبًا مفيدة منها: جامع الأصول الستة، الموطأ، والصحيحان، وسنن أبي دواد، والنسائي، والترمذي، ولم يذكر ابن ماجه فيها. وله كتاب النهاية في غريب الحديث، وله شرح مسند الشافعي، وله التفسير في أربع مجلدات وغير ذلك في فنون شتي. وكان ﵀ معظمًا عند ملوك الموصل، ولما آل الملك إلى نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي أرسل إليه مملوكه لؤلؤ فعرض عليه أن يستوزره فأبى، فركب السلطان إليه بنفسه فامتنع أيضًا، وقال: قد كبرت واشتهرت بنشر العلم ولا يصلح هذا الأمر إلا بشيء من العسف [٣٢٢]، ولا يليق بي ذلك فأعفاه. وقال أبو السعادات: كنت أقرأ علم العربية على الشيخ سعيد بن الدهان، فكان يأمرني بصنعة الشعر، فكنت لا أقدر عليه، فلما توفي الشيخ رأيته في بعض الليالى يأمرني بذلك، فقلت: ضَعْ لي مثالًا أعمل عليه فقال: جُبْ الفلا مدْمنا إن فاتك الظفر … وخُذّ خَدَ الثرى والليل معتكر فقلت أنا: والعز في صهوات الخيل تركبه … والمجد ينتجه الإسراء والسهر فقال لي: أحسنت. ثم استيقظت فأتممت عليها نحوًا من عشرين بيتًا. وقال ابن خلكان (¬١): وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة منها: جامع الأصول وهو على وضع كتاب زين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، ومنها كتاب النهاية في خمس مجلدات، وكتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف في تفسير القرآن، أخذه من تفسير الثعلبي والزمخشري، وله كتاب المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار، وله كتاب طيف في صنعة الكتابة، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان، وله ديوان رسائل (¬٢)، وكتاب الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي، وغير ذلك في المصنفات.كانت ولادته بجزيرة ابن عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسائة، ونشأ بها ثم انتقل إلى الموصل في سنة خمس وستين وخمسمائة، ثم عاد إلى الجزيرة ثم عاد إلى الموصل وتنقل في الولايات بها، واتصل بخدمة الأمير مجاهد الدين قايماز بن عبد الله الخادم الزيني المقدم ذكره، وكان نائب المملكة فكتب بين يديه منشئًا إلى أن قبض عليه كما ذكرنا، فاتصل بخدمة عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل، وتولي ديوان رسائله وكتب له إلى أن توفي، ثم اتصل بولده نور الدين أرسلان شاه فحظى عنده، وتوفرت حرمته لديه وكتب له مدة، ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة مطلقًا، وأقام في داره يغشاه الأكابر والعلماء، وأنشأ رباطًا بقرية من قرى الموصل تسمى قصر حرب ووقف أملاكه عليها وعلى داره التي كان يسكنها بالموصل. وقال ابن خلكان: وبلغني أنه صنف هذه الكتب كلها في مدة العطلة فإنه تفرغ لها، وكان عنده جماعة يعينونه عليها في الاختيار والكتابة، وكانت وفاته بالموصل يوم الخميس سلخ ذي الحجة من هذه السنة، ودفن برباطه بدرب دراج داخل الموصل. قلت: ترجمة أخوه عز الدين في الكامل (¬١)، فقال: كان عالما في عدة علوم منها: الفقه، وعلم الأصولين، والنحو، والحديث، واللغة. وله تصانيف مشهورة، وكان كاتبًا مغلقًا يضرب به المثل، ذا دين ولزوم طريق مستقيم، فلقد كان من محاسن الزمان. وقال أبو شامة (¬٢): كان به نقرس، يحمل في محفة، ﵀. الفخر الرازي (¬٣) صاحب التفسير الكبير، محمد بن عمر بن الحسين بن على القرشي التيمي البكرى، العلامة أبو عبد الله وأبو المعالي، المعروف بالفخر الرازي، ويقال له ابن خطيب الريّ، الفقيه الشافعي، أحد المشاهير بالتصانيف الكبار والصغار نحو من مائتي مصنف منها: تفسير القرآن الكريم: جمع فيه كل غريب وغريبه، وهو كبير جدًا لكنه لم يكمله، وشرح سورة الفاتحة في مجلد. ومنها في علم الكلام [٣٢٣]. المطالب العالية، ونهاية العقول، وكتاب الأربعين، والمحصّل، والمعالم، وكتاب البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان، وكتاب المباحث العمادية فيالمطالب المعادية، وكتاب تهذيب الدلائل وعيون المسائل، وكتاب إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار، وكتاب أجوبة المسائل التجارية، وكتاب تحصيل الحق، وكتاب الزبدة وغير ذلك. وفي أصول الفقه: المحصول والمعالم. وفي الحكمة: الملخص، وشرح الإشارات لابن سينا، وشرح عيون الحكمة، وغير ذلك. وفي الطلسمات: السر المكتوم وشرح أسماء الله الحسنى. ويقال: إن له شرح المفصل في النحو للزمخشري، وشرح الوجيز في الفقه للغزالي، وشرح سقط الزند للمعري، وله مختصر في الإعجاز، ومؤاخذة جيدة على النحاة، وله طريقة في الخلاف. وله في الطب: شرح الكليات للقانون. وصنف في علم الفراسة، وصنف في مناقب الشافعي ﵀، وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد، ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يُسبق إليه، وكان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العرب والعجمي، وكان يلحقه الوجد حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات، ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة، وكان يلقب بهراة شيخ الإسلام، وكان مبدأ أشغاله على والده إلى أن مات، ثم قصد الكمال السمناني واشتغل عليه مدة، ثم عاد إلى الرى واشتغل على المجد الجيلي وهو أحد أصحاب محمد بن يحيى، ولما طلب المجد الجيلي إلى مراغة ليدرس بها صحبة فخر الدين المذكور إليها وقرأ عليه مدة طويلة علم الكلام والحكمة. ويقال: إنه كان يحفظ الشامل لإمام الحرمين في علم الكلام، ثم قصد خوارزم وقد تمهر في العلوم وجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى المذهب والاعتقاد، فأخرج من البلد، فقصد ما وراء النهر فجرى له أيضًا هناك ما جرى له في الخوارزم، فعاد إلى الرى، وكان بها طبيب حاذق له ثروة ونعمة، وكان للطبيب ابنتان ولفخر الدين ابنان، فمرض الطبيب وأيقن بالموت فزوج ابنتيه لولدي فخر الدين، ومات الطبيب فاستولى فخر الدين على جميع أمواله، فمن ثم كانت له النعمة ولازم الأسفار، وعامل شهاب الدين الغوري صاحب غزنة في جملة من الأموال، ثم مضى إليه في استيفاء حقه منه فبالغ في إكرامه والإنعام وحصل له من جهته مال طائل، وعاد إلى خراسان واتصل بالسلطان محمد بن تكش المعروف بخوارزم شاه، وحظي عنده ونالأسمى المراتب، ولم يبلغ أحد منزلته عنده، ومناقبه أكثر من أن تعد، وفضائله لا تحصى ولا تحد، وكان مع هذه العلوم له شيء من النظم فمن ذلك قوله: نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقال وكم قد رأينا من رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال وكان العلماء يقصدونه من البلاد ويشد إليه الرحال من الأقطار. وذكر فخر الدين في كتابه الذي سماه "تحصيل الحق" أنه اشتغل في علم الأصول على والده ضياء الدين عمر، ووالده على ابن القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على أيام الحرمين، وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفرابيني، وهو على الشيخ أبي الحسن الباهلي، وهو على شيخ السنة أبي على بن إسماعيل الأشعري، وهو على أبي على الجبائي أولا، ثم رجع عن مذهبه ونصر مذهب أهل السنة والجماعة. وأما اشتغاله في المذهب فإنه اشتغل على والده، ووالده على أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، وهو على القاضي الحسين المروزي، وهو على أبي العباس بن شريح، وهو على أبي القاسم الأنماطى، وهو على أبي إبراهيم المزني، وهو على الإمام الشافعي ﵁. وقال ابن كثير (¬١): وقد كان فخر الدين معظم عند الملوك الخوارزمية وغيرهم، وبنيت له مدارس كثيرة في بلدان شتى، وملك من الذهب العين ثمانين ألف دينار وغير ذلك من الأمتعة والمراكب والملابس، وكان له خمسون مملوكًا من الترك، وكان يعقد مجلس الوعظ فيحضر عنده الملوك والوزراء والعلماء والأمراء والفقراء والعامة والغوغاء، وكانت له عبادات وأوراد، وقد وقع بينه وبين الكرامية في أوقات شتى، وكان يبغضهم وكانوا يبغضونه، ويبالغ في ذمهم ويبالغون في الحط عليه، وقد ذكرنا طرفًا من ذلك فيما تقدم. وكان مع غزارة علمه وتبحره في فمن الكلام يقول: من التزم مذهبالعجائز (¬١) كان هو الفائز. وقال الشيخ شهاب الدين في الذيل (¬٢) في ترجمته: وكان يعظ وينال من الكرامية وينالون منه سبًا وتكفيرًا، وقيل: إنهم دسوا عليه من سقاه السم فمات، ففرحوا بموته، وكانوا يرمونه بالكبائر، ولا كلام في فضله وإنما الشناعات عليه قائمة بأشياء منها: إنه كان يقول: قال: محمد التازي يعني العربي (¬٣)، وقال محمد الرازي يعني نفسه. ومنها: إنه كان يقرر الشُّبَه في جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عن ذلك بأدني إشارة. قال: وبلغني إنه خلَّف من الذهب العين ثمانين ألف دينار غير ما كان يملكه من الدواب والثياب والعقار والآلات، وخلف ولدين أخذ كل واحد منهما أربعين ألف دينار، وكان ابنه الأكبر قد تجند في حياته وخدم السلطان محمد بن ت كش، وقال ابن خلكان (¬٤): وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين، وقيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بالرِّيّ، وتوفي يوم الإثنين، وكان عيد الفطر سنة ست وستمائة بمدينة هراة، ودفن آخر النهار في الجبل المصاقب لقرية مزداخان، بضم الميم وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وبعد الألف خاء معجمة مفتوحة وبعد الألف نون، وهي قرية بالقرب من هراة. الإمام فخر الدين أبو الفضائل محمد بن عمر الرازي، أحد الأعيان الحنفية، مات في هذه السنة فإنه وافق فخر الدين الرازي الشافعي في الاسم واسم الأب والنسبة والمعاصرة والوفاة. المجد المطرّزي النحوى الخوارزمي، كان إمامًا في النحو، وله فيه تصانيف حسنة. قال ابن الأثير (¬٥): مات في هذه السنة. الملك المؤيد نجم الدين مسعود بن السلطان صلاح الدين يوسف، توفي في هذه السنة بمدينة رأس عين، فحمل إلى حلب ودفن بها. وفي تاريخ بيبرس (¬٦): وهوأخو الظاهر غازي صاحب حلب شقيقه، مات فجأة برأس العين وحمل إلى حلب، وقال أبو شامة (¬١): توفي برأس عين عند منصرفه من رسالة [٣٢٥] أخيه الظاهر إلى عمه العادل في أمر سنجار في النصف من شعبان، وكان قد نام في بيت مع ثلاثة وعندهم منقل (¬٢) فيه نار، ولا منفذ في البيت، فانعكس البخار فأخذ على أنفاسهم فماتوا جميعًا، فحمل المؤيد في محفة إلى حلب فدفن بها، وقال ابن الحلى يرثيه في قصيدة: ترى من على نفس العلى جار واعتدى … وفَوَّق نحو الملك سهمًا مسددًا ومن هَدّ ركن المجد بعد بنائه … ومد إلى تشتيت شمل الهدي يدا من دكدك الطود الأشم وقد رسى … وطار إلى أن جاز نسرًا وفرقدًا ومن حجب البدرَ الذي كان مشرقا … ومن غَيّض البحر الذي كان مزبدًا ومن حبس الغيث الذي كان نوؤه … إذا عم جدبًا لا تقب له يدا فيا مانع الإسلام صبرًا فإنما … بصبرك في كل المواطن يقتدى ولو كان غير الموت دافعت دونه … بطعن يردّ السمهري مقصدًا وغادرت جفن الأفق بالسمر أو طفا … وحد المواضي بالنجيع مزرّدا ولكنه دهر إذا ما نعيمه تحول … بأسًا هدّ ما كان شيدا وهي قصيدة طويلة. الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل. مات في هذه السنة، ودفن بتربة أخيه الملك المعظم بسفح قاسيون.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل في الشرق، وتمالت (¬١) عليه ملوك الجزيرة صاحب الموصل، وصاحب سنجار، وصاحب إربل، وكذا الملك الظاهر صاحب حلب، وملك الروم أيضًا وغيرهم، على مخالفة الملك العادل ومنابذته ومعاملته وإقلاع المُلك من يده، وأن تكون الخطبة في بلادهم بدله للملك كيخسرو شاه بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب الروم. وأرسلوا إلى الكرج لِيَقْدموا لحصار خلاط وأخذها من يد الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل، ووعدوه النصر والمعاونة عليه. فأقبلت الكرج مع ملكهم على مانذكره عن قريب، وخرج كل واحد من الملوك المذكورين بعساكره إلى حدود بلاده، مُجمعًا على الاجتماع بصاحبه على قصد الملك العادل، وإيجافهم عليه بخيلهم ورجلهم وكتبهم ورسلهم، والملك العادل مقيم ثابت بظاهر حران، وعنده صهره صاحب آمد بن قرا أرسلان. ونزل الكرج على خلاط سابع عشر ربيع الآخر، وجرى عليهم ما نذكره من الكسر والانهزام، فلما عَلِمَ بذلك هؤلاء الملوك تفرقت آراؤهم وبادر كل منهم بالرسل إلى الملك العادل يتنصل مما يُنسَب إليه وتحيل على غيره، ويبذل الطاعة. فقبل أعذارهم وعقد معهم صلحًا في جمادى الأولى، ثم عاد الملك العادل من البلاد الشرقية إلى دمشق. وتقرر الصلح أيضًا بينه وبين ابن أخيه الملك الظاهر صاحب حلب. وفي ثاني شعبان كان إملاك نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل على ابنة الملك العادل، وعُقد العقد بقلعة دمشق، على صداق ثلاثين ألف دينار. ثم وصل الخبر بوفاة نور الدين هذا بالموصل في آخر رجب، وقام ولده عز الدين مسعود بالأمر، وكان العقد مع وكيله بعد موته ولم يعلم بذلك، ثم سار [٣٢٦] الملك العادل إلى الديار المصرية وأقام بدار الوزارة.
  • full passagepage 842, entry [357]16,676 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ أبو عمر (¬٢) محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، باني المدرسة التي يقرأ فيها القرآن بسفح جبل قاسيون، وهو أخو الإمام العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة. وكان الشيخ أبو عمر أسن منه لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية السَّاويا من أعمال نابلس، وقيل: بج
    ▸ expand full passage (16,676 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ أبو عمر (¬٢) محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، باني المدرسة التي يقرأ فيها القرآن بسفح جبل قاسيون، وهو أخو الإمام العلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة. وكان الشيخ أبو عمر أسن منه لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية السَّاويا من أعمال نابلس، وقيل: بجماعيل (¬٣)، وهو الذي ربي الشيخ الموفق وأحسن إليه وزوجه، وكان يقوم بمصالحه، وهو الذي قدم به وبأهله من تلك البلاد، فنزلوا بمسجد أبي صالح بالباب الشرقي من دمشق، فأقاموا به مدة ثم انتقلوا منه إلى سفح قاسيون، وليس به من العمارة سوى دير الحوراني وأماكن يسيرة. قال الشيخ: فقيل لنا الصالحية فنسبونا إلى مسجد أبي صالح لأننا صالحون. وقال سبط (¬٤) ابن الجوزي في تاريخه المرآة: وكان الشيخ معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسماً، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام، قرأ القرآن بحرف أبي عمرو، وحفظ مختصر الخرقي في الفقه، وقرأ النحو على ابن بري بمصر، وسمع الحديث بدمشق ومصر، واشتغل بالعبادة عن الرواية، وكتب الحلية لأبي نعيم، وتفسير البغوي والمغني لأخيه الموفق، والإبانة لابن بطة، ومصاحف كثيرة للناس ولأهله وكتباً كثيرة، والكل بغير أجرة، وكان يصوم الدهر إلَّا من عذر، ويقوم الليل من صغره، ويحافظ على الصلوات في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل إلى المسجد في الظلمة فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعاً من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس، ويس، وتبارك والواقعة، والمعوذتين، وقل هو الله أحد. وإذا ارتفعت الشمس لقن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي الضحى ثمان ركعات ويقرأ قل هو الله أحدألف مرة، ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الإثنين والخميس إلى مغارة الدم (¬١) ماشياً بالقبقاب (¬٢) فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر، وإذا نزل جمع الشيح (¬٣) من الجبل وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل في الليل إليهم الدراهم والدقيق ولا يعرفونه، ولا ينام إلَّا على طهارة، ومتى فتح له شيء من الدنيا آثر به أقاربه وغيرهم، ويتصدق بثيابه، وربما خرج في الشتاء وعلى جسده جبة بغير ثوب، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير يحتاج إلى كفن قطع له منها قطعة، وكان ينام على الحصير ويأكل خبز الشعير وثوبه خام إلى أنصاف ساقية، وما نهى أحداً ولا أوجع قلب أحد. ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق والجماعة في خيمته، فجاء العادل إلى زيارته وهو في الصلاة فما قطعها ولا التفت ولا نزل ورده، وكان يصعد المنبر في الجبل وعليه ثوب خام مهدول الجيب وفي يده عصى، والمنبر [٣٣٠] يومئذ ثلاث مراقي. وكان هو وأخوه وابن خالهم عبد الغني، وأخوه الشيخ عماد لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها السلطان صلاح الدين إلى بلاد الإفرنج. وقد حضروا معه فتح القدس الشريف. وهو الذي شرع في بناء الجامع أولاً، بناه رجل من الناس، فنفذ ما كان بيده، وقد ارتفع البناء قامة، فبعث صاحب إربل الملك المظفر مالاً فكمل به، وولي خطابته الشيخ أبو عمر. وقد حكى السبط (¬٤): إنه حضر يوماً عنده الجمعة، وكان الشيخ عبد الله اليوناني (¬٥) حاضراً هناك. فلما انتهى الشيخ أبو عمر إلى الدعاء للسلطان قال: اللهم أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب. نهض الشيخ عبد الله وترك الجمعة. قال: فلما فرغنا ذهبت إليه فقلت: ماذا نقمت عليه؟ فقال: يقول لهذا الظالم العادل. ولا تحل خلفه الصلاة. فقلت في نفسي: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح فياليت شعري خلف من تصح! قال: فبينما نحن في الحديث إذا أقبل الشيخ أبو عمر ومعه رغيفوخيارتان فكسر ذلك وقال الصلاة، ثم قال: قال النبي ﷺ: بعثت (¬١) في زمن الملك العادل كسرى، فتبسم الشيخ عبد الله ومد يده فأكل، فلما قام الشيخ أبو عمر قال لي: ياسيدي ماذا إلَّا رجل صالح. وقال أبو شامة (¬٢): كان الشيخ عبد الله من الصالحين الكبار، وقد رأيته، وكانت وفاته بعد أبي عمر بعشر سنين، فلم يسامح الشيخ أبا عمر في تساهله مع ورعه، ولعله كان مسافراً [فلم تكن الجمعة واجبة عليه] (¬٣)، وعذر الشيخ أبي عمر أن هذا جرى مجري الأعلام العادل، الكامل، الأشرف، كما يقال سالم وغانم ومسعود ومحمود، وقد يكون المسمى بذلك على الضد من هذه الأسماء، وكذلك إطلاق العادل ونحوه على أنه قد جاء إطلاقة على الشرك فهذا أولى. (¬٤) وقال ابن كثير: (¬٥) هذا الحديث الذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له وليس هو في شيء من الكتب المشهورة، وعجباً له ولأبي المظفر يعني سبط ابن الجوزي ثم لأبي شامة في قبول مثل هذا الحديث، وأخذه منه مسلماً. وقال السبط: مرض الشيخ أبو عمر أياماً فلم يترك شيئًا مما كان يعمله من الأوراد حتى كانت وفاته وقت السحر ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول، فغسل بالدير وحمل إلى مقبرته في خلق كثير لا يعلمهم إلَّا الله ﷿، ولم يبق أحد من الدولة والأمراء والعلماء والقضاة وغيرهم إلَّا حضر، وكان يوماً مشهوداً، وكان الحر شديداً فأظلت الناس سحابة من الحر كان يسمع منها كدوى النحل، وكاد الناس ينتهبون أكفانه لولا أن الوالي وأصحابه بالسيوف المسلولة والدبابيس دونه لأخذ الناس أكفانه. وقال أبو شامة (¬٦): ومن وصل إلى الماء الذي غسل به نشف به النساء مقانعهن والرجال عمائمهم. قال: ولما دفن رأى بعض الصالحين في منامه تلك الليلة النبي ﷺ وهو يقول: من زار أبا عمرليلة الجمعة فكأنما رأى الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة، ولم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا قليلاً ولا كثيراً، وكان له من الأولاد الذكور: عمر والد أحمد بن عمر وبه كني أبو عمر، والشرف عبد الله والد العز، وأحمد، وعبد الرحمن. قال: وكانت له بنات تائبات عابدات سائحات. وقال: وقبره في طريق مغارة الجوع في الزقاق المقابل لدير الحوراني على يمين المار إلى المغارة، وإلى جانبه قبر أبيه الشيخ [٣٣١] أحمد ﵀. وما رثي به قول محمد بن سعد المقدسي: أبعد أن فقدت عينى أبا عمر … يضمني في بقايا العمر عمران ما للمساجد منه اليوم مقفرة … كأنها بعد ذاك الجمع قيعان ما للمحاريب بعد الأنس مُوحَشة … كأن لم يُتل فيها الدهر قرآنُ تبكي عليه عيون الناس قاطبة … إذ كان في كل عين منه إنسان وكان في كل قلب منه نور هدي … فصار في كل قلب منه نيرانُ وكل حي رأينا فهو ذو أسف … وكل ميت رآه فهر فرحانُ لازال تَسْقى ضريحاً أنت ساكنه … سحائب غيثها عفو وغفرانُ كم ميت ذكره حي ومتصف … بالحي ميت له الأثواب أكفانُ وقال السبط: (¬١) وروى لنا الحديث وعلمني دعاء السنة، فقال: مازال مشايخنا يواظبون على هذا الدعاء في أول كل سنة وأخرها، فأما أول السنة فإنك تقول: اللهم أنت الأبدي القديم، وهذه سنة جديدة أسألك فيها العصمة من الشيطان وأوليائه، والعون على هذه النفس الأمارة بالسوء والاشتغال بما يقربني إليك يا ذا الجلال والإكرام. فإن الشيطان يقول: قد أيسنا من نفسه فيما بقي، ويوكل الله به ملكين يحرسانه. وأما دعاء آخر السنة فإنك تقول في آخر يوم من أيام السنة: اللهم ما عملت في هذه السنة مما نهيتني عنه ولم ترضه ولم تنسه، وحَمَلتَ عنى بعد قدرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التوبة من بعد جرأتي على معصيتك، فإني أستغفرك فاغفر لي، وما عملت فيها مما ترضاه ووعدتني عليه الثواب فأسألك أن تتقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم. فإن الشيطان يقول: تعبنا معه طول السنة فأفسد فعلنا في ساعة.قال السبط: وأنشدني أبو عمر لنفسه. ألم يك ملهاة عن اللهو (¬١) أنني … بدا لي شيب الرأس والضعف والألم أَلمَّ بي الخطب الذي لو بكيته … حياتي حتى ينفد الدمع لم ألم وأنشدني لغيره: لي حيلة فيمن ينم … وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقول … فحيلتي فيه قليلة ابن طبرزد شيخ الحديث: عمر بن محمد بن معمر بن يحيى، المعروف بأبي حفص بن طبرزد البغدادي الدارقَزِّي، ولد سنة عشر وخمسمائة، وسمع الكثير وأسمع، وكان [خليعا] (¬٢) ظريفاً ماجناً، وكان يؤدب الصبيان، وكان يُعلم الصبيان بدار القز (¬٣)، قدم مع حنبل بن عبد الله المكبر إلى دمشق فسمع أهلها عليهما وحصل لهما أموال، وعاد إلى بغداد، فمات حنبل في سنة ثلاث وستمائة وتأخر هو إلى هذه السنة فمات فيها، وله سبع وتسعون سنة، وترك مالاً جيداً، ولم يكن له وارث إلَّا بيت المال، ودفن بباب حرب ببغداد. ابن سكينة عبد الوهاب (¬٤) بن على بن على بن ضياء الدين أبو محمد: المعروف بابن سكينة الصوفي البغدادي، كان يعد من الأبدال، سمع الكثير وأسمعه ببلاد شتي، وكان مولده في سنة تسع عشرة وخمسمائة، وكان صاحباً للشيخ أبي الفرج بن الجوزى، ملازماً لمجلسه، وكان يوم جنازته مشهوداً لكثرة الخاصة والعامة، وكانت وفاته في ربيع الآخر، وصلى عليه بجامع [القصر] (¬٥) ودفن إلى جانب رباط الزوزني.[٣٣٢] مظفر (¬١) بن شاشير الواعظ الصوفي البغدادي: ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث وكان يعظ في الأعزية، والمساجد والقرى، وكان ظريفاً مطبوعاً، وكان يسكن دار العميد عند الصوفية، فتوفي في محرم هذه السنة، ودفن عند قبر معروف الكرخي ﵀، سمع أبا الوقت (¬٢) وطبقته، واجتاز يوماً على قصاب يبيع لحماً هزيلاً والقصاب ينادي أين من حلف لا يغبن، فقال له ابن شاشير حتى تحنثه. وقال: خرجت يوماً إلى بعقوبا (¬٣) فتكلمت بها في الليل في جامعها، فقام واحد فقال: عندي نصفيه. وقال آخر: وعندي نصفيه. فعدوا نحو خمسين نصفيه. فقلت في نفسي: استغنيت الليلة. فلما أصبحنا وإذا في زاوية المسجد مقدار كارة شعير، فقلت: ماهذا؟ قالوا: النصافي كل كيل شعيرِ نصفيّة. قال: وجلست يوماً بباب جسرا فجمعوا شيئًا ما أعلم ما هو، فلما أصبحنا إذا في جانب المسجد صوف الجاموس وقرونه، فقام واحد ينادي عليه ويقول: من يشتري صوف الشيخ وقرونه؟ فقلت: ردوا صوفكم وقرونكم إليكم مالي بها حاجة. (¬٤) يحيى (¬٥) بن أبي الفتح بن الطباخ الحراني الضرير: قدم بغداد وأقام بها مدة يتفقه على مذهب أحمد بن حنبل ﵀، وسمع الحديث، وقرأ النحو على أبي البقاء العكبري وغيره، وعاد إلى حران فأقام بها إلى أن توفي، سمع شهدة وعبد الحق بن يوسف وابن الخشاب وغيرهم، وكان فقيراً صبوراً صالحاً. قال السبط: واجتزت بحران في سنة ثلاث وستمائة، وسمعت عليه الحديث.الأمير فخر الدين جهاركس (¬١): مقدم الصلاحية وكبيرهم، توفي في هذه السنة بدمشق، ودفن بجبل الصالحية، وتربته مشهورة هناك، وهو الذي بني القيسارية (¬٢) المعروفة به بالقاهرة. وقال ابن خلكان: جهاركس بن عبد الله الناصري الصلاحي الملقب فخر الدين كان من كبراء أمراء الدولة الصلاحية، وكان كريماً نبيلاً رفيع القدر عالي الهمة، بني بالقاهرة القيسارية الكبيرة المنسوبة إليه، رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون: لم ير مثلها في شيء من البلاد في حسنها وعظمها وإحكام بنائها. وبنى بأعلاها مسجداً كبيراً وربعاً معلقاً. وجهاركس بكسر الجيم وفتح الهاء بعد الألف راء مهملة ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة، ومعناه بالعربي أربع أنفس. الملك الأوحد نجم الدين أيوب ابن الملك العادل بن أيوب صاحب أخلاط: توفي في هذه السنة، فسار أخوه الملك الأشرف وملك أخلاط، واستقل بملكها مضافاً إلى ما بيده من البلاد الشرقية، فعظم بشأنه ولقب شاهرمن. السلطان غياث الدين (¬٣) كيخسرو ابن قليج أرسلان السلجوقي: قتل في هذه السنة، قتله الملك الأشكري وملك بعده ابنه كيكأوس بن كيخسرو وقد تقدم الكلام فيه مستوفي في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، فلينظر هناك. السلطان الملك العادل (¬٤) نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود ابن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي، صاحب الموصل، وهو ابن أخ الملك العادل نور الدين محمود الشهيد، وكان ملكاً شهماً عارفاً بالأمور، وانتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ﵀، ولم يكن في بيته شافعي سواه، وبنى مدرسة للشافعية بالموصل قَلّ أن توجد مدرسة مثلها في حسنها، وتوفي ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستمائة في شبارة (¬٥) بالشط ظاهر الموصل. والشبارة عندهم هي الحراقةبمصر، وكتم موته حتى دخل به إلى دار السلطنة بالموصل، ودفن بتربته [٣٣٣] التي بمدرسته المذكورة، وخلف ولدين: هما الملك القاهر عز الدين مسعود، والملك المنصور عماد الدين زنكي، وقام بالمملكة بعده ولده الملك القاهر، وهو أستاذ الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ الذي تغلب على الموصل في سنة ثلاثين وستمائة، في أواخر شهر رمضان كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي تاريخ النويري: ملك السلطان أرسلان شاه المذكور الموصل سبع عشرة (¬١) سنة وأحد عشر شهراً، ولما مرض طال مرضه وانحدر إلى العين القيارة (¬٢) ليستحم بها، وعاد إلى الموصل في شَبَّارة، فتوفي في الطريق ليلاً. وقال بيبرس: مزاجه فسد بمرض طالت مدته، وكان شجاعاً ذا سياسة للرعايا، شديداً على أصحابه، فكانوا يخافونه خوفًا شديداً، مانعاً من تعدى بعضهم على بعض، وكان له عزم وسرعة حركة في طلب المقاصد إلَّا أنه لم يكن له صبر. وكان القيم بأمر مجاهد الدين قايماز وإليه تدبير دولته. وقال النويري: وكان أسمر حسن الوجه قد أسرع إليه الشيب، وكان كثير المروة شجاعاً مهيبًا، ولم يكن فيه ما يعاب به إلَّا قلة صبره في أموره، ولما توفي استقر في ملكه بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود، وكان عمره عشر سنين، وقام بتدبير مملكته بدر الدين لؤلؤ مملوك والده أرسلان شاه، وكان أستاذ داره. وقال بيبرس: وحلف له الأمراء والجند، وأعطى أخاه عماد الدين زنكي بن نور الدين قلعة عقر الحميدية وقلعة شوش (¬٣) وولايتها، وكان نور الدين أوصى ولده وأمره أن يتولى تدبير أمره فتاه بدر الدين لؤلؤ لما رأى من عقله وسداده وحسن سياسته. (¬٤)فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والسلطان الملك العادل مخيم بعساكره على الطور، وابنه الملك المعظم مباشر لعمارة حصنه مجتهد في إدارته حوشًا، كذا قاله أبو شامة. وفي تاريخ ابن كثير: (¬١) وفيها عاد الملك العادل إلى الشام، وأعطى ولده المظفر غازي الرها مع ميافارقين. وفيها أرسل الملك الظاهر صاحب حلب بهاء الدين بن شداد إلى الملك العادل فاستعطف خاطره وخطب ابنته صفية خاتون ابنة الملك العادل، فزوجها من الملك الظاهر، وزال ما كان بينهما من الوحشة. وقال بيبرس: وفيها عاد الملك العادل من الشام إلى الديار المصرية وأرسل ابنته إلى الظاهر غازي إلى حلب صحبة القاضي شمس الدين بن المتنبي. وفيها قبض الملك المعظم عيسى بن العادل على ابن عز الدين أسامة صاحب قلعة كوكب وقلعة عجلون بأمر أبيه العادل، وحبسه بالكرك إلى أن مات بها، وحاصر الحصنين المذكورين وتسلمهما من غلمان أسامة، وأمر الملك العادل بتخريب كوكب وتعفية أثرها، فخربت وبقيت خراباً وأبقى عجلون، ومَلّك المعظم بلاد جهاركس وهي بانياس وتبنين والشقيف وهونين وقلعة أبي الحسن لأخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك العادل، وأعطى صرخد لمملوكه عز الدين أيبك المعظمى. وفيها ابتاع الملك الأشرف جوسق (¬٢) الرئيس بالنيرب (¬٣) من ابن عمه الظافر خضر بن صلاح الدين، وبناه بناء حسناً وهو المسمى في زماننا بالدهشة. وفيها أظهر الكيا جلال الدين حسن صاحب الألموت وهو ولد ابن الصباح شعائر الإسلام، وكتب به إلى جميع القلاع الإسماعيلية بالعجم والشام، فأقيمت فيها شعائر الإسلام (¬٤) [٣٣٤].وقال ابن كثير (¬١): وفيها أظهرت الباطنية الإسلام وإقامة الحدود على من يتعاطى الحرام، وبنوا الجوامع والمساجد، وكتبوا إلى إخوانهم بالشام في مصياث وأمثالها بذلك، وكتب زعيمهم جلال الدين إلى الخليفة يعلمه بذلك، وقدمت أمه إلى بغداد حاجَّةً فأكرمت وعظمت بسبب ذلك، ولكن لما كان الناس بعرفات ظفر واحد منهم على قريب لأمير مكة قتادة الحسنى فقتله ظاناً أنه قتادة، فثارت فتنة عظيمة بين سُودان مكة وركب العراق، ونهب الركب وقتل منهم خلق كثير. وقال أبو شامة (¬٢): وفي هذه السنة نهب الحاج العراقي، وكانت ربيعة خاتون أخت الملك العادل في الحج، فلما كان يوم النحر بمني بعد ما رمى الناس الجمرة وثب شخص من الإسماعيلية على رجل شريف من بني عم قتادة أشبه الناس به وظن أنه إياه فقتله عند الجمرة، ويقال: إن الذي [كان] (¬٣) قتله مع أم جلال الدين وثار عبيد مكة [و] (¬٤) الأشراف وصعدوا على الجبلين وهللوا وكبروا وضربوا الناس بالحجارة والمقاليع والنشاب ونهبوا الناس يوم العيد والليلة واليوم الثاني، وقتل من الفريقين جماعة. وقال ابن أبي فراس لمحمد بن ياقوت أمير حاج العراق ارحلوا بنا إلى الزاهر منزلة الشاميين، فلما حصلت الأثقال على الجمال حمل قتادة أمير مكة والعبيد فأخذوا الجميع إلَّا القليل. وقال قتادة: ما كان المقصود إلَّا أنا. والله لا أبقيت من حاج العراق أحداً. وكانت ربيعة خاتون بالزاهر ومعها ابن السلار وأخو سياروج وحاج الشام، فجاء محمد بن ياقوت أمير الحاج العراقي فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرًا بها. ومعه خاتون أم جلال الدين، فبعثت ربيعة خاتون مع ابن السلار إلى قتادة تقول له: ما ذنب الناس، قد قتلت القاتل وجعلت ذلك وسيلة إلى نهب المسلمين واستحللت الدماء في الشهر الحرام في الحرم والمال، وقد عرفت من نحن، والله لئن لم تنته لأفعلن ولأفعلن. فجاء إليه ابن السلار فخوفه وهدده، وقال: ارجع عن هذا وإلَّا قصدك الخليفة من العراق ونحن من الشام فكف عنهم، وطلب مائة ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفاً من أميرالحاج العراقي ومن خاتون أم جلال الدين، وأقام الناس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون بين قتيل وجريح ومسلوب وجائع وعريان: وقال قتادة: ما فعل هذا إلَّا الخليفة، ولئن عاد قرب أحد من بغداد إلى هاهنا لأقتلن الجميع. ويقال: إنه أخذ من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألف ألف دينار، وأذن للناس في الدخول إلى مكة، فدخل الأصحاء الأقوياء فطافوا وأي طواف، ومعظم الناس ما دخل ورحلوا إلى المدينة، ودخلوا بغداد على غاية من الفقر والذل والهوان، ولم ينتطح فيها عنزان. (¬١) وفيها كانت زلزلة شديدة هدمت بمصر والقاهرة دوراً كثيرة وكذلك بمدينة الكرك والشوبك، وهدمت من قلعتها أبراجاً، ومات خلق كثير من الصبيان والنسوان تحت الهدم، ورؤي دخان نازل من السماء إلى الأرض فيما بين المغرب والعشاء بنواحي أرض عاتكة ظاهر دمشق. وقال أبو شامة: كان ذلك في خامس عشر رمضان، وقال: كانت قوة الزلزلة من جهة أيلة مما يلي البحر، وقيل: إنه تقدمها بيوم ريح سوداء وتساقطت نجوم كثيرة. وقال أيضًا: كانت الزلزلة المذكورة في ليلة السابع والعشرين من ذي القعدة من هذه السنة. (¬٢) وفيها أمر الخليفة أن يقرأ مسند أحمد [٣٣٥] بن حنبل ﵀ بمشهد موسى بن جعفر بحضرة صفي الدين محمد بن سعد الموسوي بالإجازة عن الخليفة، وأول ما قرئ منه مسند أبي بكر الصديق ﵁ وحديث فدك (¬٣) وما جرى فيها. (¬٤) وفيها بعث الخليفة خاتمه إلى وجه السبع بالشام، وقد ذكرنا أنه قد كان هرب من بغداد إلى الشام، وبعث معه الملك العادل رسولاً، فأكرمه الخليفة وولى وجه السبع الكوفة أقطاعاً. (¬٥)وفيها في شعبان قدم أيدغمش (¬١) من همذان إلى بغداد، وكان منكلي مملوك أزبك قد طرده من همدان، فاحتفل له الخليفة وأخرج جميع أرباب الدولة للقائه، وأقام له بالضيافات العظيمة. وقال بيبرس: وفيها قدم أيدغمش صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد هارباً من منكلي؛ وسبب ذلك أن أيدغمش كان قد تمكن من البلاد وعظم شأنه وكثر عسكره حتى أنه حصر صاحبه أبا بكر بن البهلوان، فخرج عليه مملوك اسمه منكلي ونازعه في البلاد، وكثر أتباعه وأطاعه المماليك البهلوانية، وهرب منه أيدغمش إلى بغداد وأقام في بغداد إلى سنة عشر فسار عنها. (¬٢) وفيها (¬٣) توفيت والدة الملك الكامل ودفنت بجوار ضريح الإمام الشافعي، وبني عليها القبة التي هي الآن معروفة بالشافعي ﵀. وأجرى إلى المكان المذكور الماء من بركة الحبش (¬٤) بقناطر متصلة منها إليه، وأنفق على ذلك جملة كثيرة، ونقل الناس الأبنية من تلك القرافة [الكبرى] (¬٥) إلى هذه القرافة منذ ذلك الوقت. (¬٦) وفيها .................... (¬٧) وفيها حج بالناس من العراق محمد بن ياقوت نيابة عن أبيه ومعه ابن أبي فراس يثقفه ويديره. وحج من الشام الصمصام إسماعيل أخو سياروخ النجمي علي حاج دمشق وعلى حاج القدس الشجاع على بن السلار. وكانت ربيعة خاتون أخت الملك العادل قد حجت أيضًا في هذه السنة كما قد ذكرنا عن قريب. (¬٨)
  • full passagepage 853, entry [359]7,901 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ابن يونس: الشيخ عماد الدين محمد بن يونس، الفقيه الشافعي الموصلي، صاحب التصانيف والفنون الكثيرة، وكان رئيس الشافعية بالموصل، وبعث رسولاً إلىبغداد بعد موت نور الدين أرسلان شاه، وكان عنده وسوسة كثيرة، ويقال: إنه كان يعامل في الأموال بمسألة العين (¬١) فلقيه قضيب البان فقال له
    ▸ expand full passage (7,901 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ابن يونس: الشيخ عماد الدين محمد بن يونس، الفقيه الشافعي الموصلي، صاحب التصانيف والفنون الكثيرة، وكان رئيس الشافعية بالموصل، وبعث رسولاً إلىبغداد بعد موت نور الدين أرسلان شاه، وكان عنده وسوسة كثيرة، ويقال: إنه كان يعامل في الأموال بمسألة العين (¬١) فلقيه قضيب البان فقال له: يا شيخ بلغني أنك تغسل أعضاءك بأباريق من الماء فلم لا تنظف اللقمة التي تأكلها؟! ففهم الشيخ ما أشار به إليه وترك المعاملة. وكانت وفاته بالموصل في رجب عن ثلاث وسبعين سنة. (¬٢) ابن حمدون (¬٣) تاج الدين أبو سعد الحسن بن محمد حمدون، صاحب التذكرة الحمدونية، كان فاضلاً بارعاً، اعتني بجميع الكتب بالخطوط المنسوبة وغيرها، وولاه الخليفة المارستان العضدي، وكانت وفاته بالمدائن، وحمل إلى مقابر قريش. البراوى الشيخ الكبير المعمر الرحلة أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل البراوي النيسابوري، سمع أباه وجد أبيه وغيرهما وعن ابن الصلاح. وقال أبو شامة (¬٤): هو من أهل بيت الحديث رواية ودراية، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة في رمضان، وقدم بغداد حاجاً في سنة تسع وسبعين، وتوفي بنيسابور في شعبان من هذه السنة [٣٣٦] عن خمس وثمانين سنة. ابن سناء الملك (¬٥) القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن القاضي الرشيد أبي الفضل جعفر بن سناء الملك، أبي عبد الله محمد بن هبة الله بن محمد السعدي، أحد الفضلاء الرؤساء، أخذ الحديث عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي الأصبهاني، وكان كثير التخصص والتنعم وافر السعادة، محظوظاً من الدنيا، اختصر كتاب الحيوان للجاحظ وسماه روح الحيوان، وله ديوان جميعه موشحات سماه دار الطراز. ومن محاسن شعره بيتان من جملة قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل. وهما بيتان: ولو أبصر النظام جوهر ثغرها … لما شك في أنه الجوهر الفرد ومن قال إن الجيزرانة قدها … فقولوا له إياك أن يسمع القدومن شعره: لا الغصن يحكيك ولا الجؤذرُ (¬١) … حُسْنُكَ مما كثروا أكثرُ يا باسماً أبدى لنا ثغره … عقداً ولكن كلّه جوهرُ قال لي اللاحى: أما تسمعُ … فقلت: يا لاحى أما تبصر وله في غلام ضرب ثم حُبس: بنفسي من لم يضربوه لريبة … ولكن ليبدو الورد في سائر الغصنِ ولم يُودِعوه السجن إلَّا مخافة … من العين أن تعدو على ذلك الحسن وقالوا له شاركتَ في الحسن يوسفا … فشاركهُ أيضًا في الدخول إلى السجن وله أيضًا: وما كان تركي حبه عن ملامة (¬٢) … ولكن لقول (¬٣) يوجب القول بالترك أراد شريكاً في الذي هو بيننا … وإيمان قلبي قد نهاني عن الشرك وقال المؤيد: مدح توران شاه أخا السلطان صلاح الدين بقصيدة مطلعها: تقنعت لكن بالحبيب المعمم … وفارقت [لكنّ] (¬٤) كل عيش مذمم نصحن الفضلاء هذا المطلع وعابوه. وقال ابن خلكان (¬٥): توفي ابن سناء الملك في العشر الأول من رمضان من سنة ثمان وستمائة بالقاهرة، ومولده على التقدير في حدود سنة خمسين وخمسمائة. وتوفي والده جعفر يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ومولده منتصف شعبان سنة خمس وعشرين وخمسمائة. مظفر (¬٦) البغدادي: كان يقول كان وكان. ومن قوله في امرأة عجوز:مع (¬١) الكبر ما تقلع ضرس الصبا من ضرسها … وكل ضرس فيها (¬٢) من الكبر مقلوع وقد عزل ناظرها وقد علقنا بأنها … وصار ذاك الراتب من جانبي مقطوع قولوا لها لا تسألي طبيباً عن مرض … الكبر ذي علة ضاع فيها علاج بختيشوع المعين (¬٣) عبد الواحد بن الشيخ عبد الوهاب بن علي بن سكينة، مولده سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وسافر إلى الشام في أيام الملك الأفضل على بن السلطان صلاح الدين يوسف، وبسط لسانه في الدولة فأرسل إليه من بغداد ابن التكريتي لقتله فوثب عليه مراراً بدمشق فلم يقدر عليه، وكتب إلى الخليفة كتاباً يتنصل فيه مما قيل عنه [٣٣٧] ويعتذر ويسأله العفو، فعفا عنه وكتب له كتاب أمان، فقدم بغداد فولاه مشيخة الشيوخ، وأُعطي رباط المشرعة، ثم بعثه في رسالة إلى جزيرة كيش (¬٤) ومعه جماعة من الصوفية فغرق في البحر ومن معه. سمع جده لأمه أبا القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ، وأبا الفتح ابن البطي، وأبا زرعة وغيرهم. حاجب الباب كمال الدين محمد بن الناعم (¬٥)، كان حسن الصورة قبيح الفعال، صادر جماعة وماتوا تحت الضرب، فلما قبض عليه ضرب ضرباً مُبرحاً فلم يقر بشيء، فمات تحت الضرب ورمي به في دجلة - كما كان يفعل بالناس- وظهر له بعد ذلك أموال عظيمة ودفائن كثيرة. صارم (¬٦) الدين بزغش العادلي نائب القلعة بدمشق، توفي في صفر منها ودفن بتربته غربي الجامع المظفري، وهو الذي نفي الحافظ عبد الغني المقدسي إلى مصر، وبين يديه كان عقد المجلس كما ذكرناه. أيبك (¬٧) فُطَيس الأمير المعروف، قتله مملوك له تركي بظاهر حلب في حمام في خامس عشر رجب من هذه السنة.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وسلطان مصر والشام الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ونائبه في دمشق الملك المعظم، وفي مصر الملك الكامل، فاجتمعوا في هذه السنة على دمياط لمقابلة الفرنج. وكان سامة الجبلي صاحب دار سامة داخل باب السلامة، التي هي الآن مدرسة للشافعية، قد استوحش من هؤلاء الملوك المذكورين وهم اتهموه بمكاتبة الظاهر صاحب حلب. (¬١) قال السبط (¬٢): وجد له كتب إليه وأجوبة، فخرج سامة من القاهرة كأنه يتصيد، واغتنم اجتماع الملوك بدمياط وساق إلى الشام في مماليكه، بطلب قلاعه وهي كوكب وعجلون وذلك يوم الإثنين سلخ جمادى الآخرة فأرسل والي بلبيس الحمام إلى دمياط يخبرهم بذلك، فقال العادل: من ساق خلقه فله أمواله وقلاعه. فقال الملك المعظم: أنا. وركب من دمياط يوم الثلاثاء غرة رجب. قال السبط: وكنت معه فقال لي: أنا أريد أن أسوق فسق أنت مع قماشي (¬٣)، ودفع لي بغلة، فساق ومعه نفر يسير وعلى يده حصان، فكان صباح يوم الجمعة في غزة. ساق مسير ثمانية أيام في ثلاثة أيام، فسبق سامه، وأما سامة فإنه تقطع (¬٤) عنه مماليكه ومن كان معه وبقى وحده وبه نقرس فجاء إلى بلد الداروم، وكان المعظم قد أمسك عليه من البحر إلى الزرقاء، فرآه بعض الصيادين في برية الداروم، فعرفه فقال له: انزل. فقال له: هذه ألف دينار وأوصلني إلى الشام. فأخذها الصياد وجاء رفاقه فعرفوه أيضًا فأخذوه على طريق الخليل ﵇، ليحملوه إلى عجلون فدخلوا به القدس يوم الأحد سادس رجب. جاء بعد المعظم بثلاثة أيام فقال لي المعظم ﵀ ما كنت خائفاً إلَّا أن يصادفني في الطريق غلمانه فيقتلوني لو رماني أيدكين بسهم قتلني، فملّكه الله أيدكين والجميع، فأنزل سامه في صهيون وبعث إليهبثياب وطعام ولاطفه وراسله وقال له [٣٣٨] [أنت] (¬١) شيخ كبير وبك نقرس وما يصلح لك قلعة، سلّم إلى كوكب وعجلون، وأنا أحلف لك على مالك وملكك وجميع أسبابك وتعيش بيننا مثل الوالد. فامتنع وشتم المعظم، فلما يئس المعظم منه بعث به إلى الكرك، فاعتقله واستولى على قلاعه وأمواله، وذخائره، وخيله. فكان قيمة ما أخذ منه ألف ألف دينار. (¬٢) من ذلك داره وحمامه داخل باب السلامة، ثم إن المعظم خرب حصن كوكب، ونقل حواصله إلى حصن الطور، الذي استنجده كما ذكرنا. وفي تاريخ (¬٣) بيبرس: كتب العادل إلى ولده المعظم بالقبض على سامة فأمسكه وقبض على ابن فخر الدين جهاركس وأخذ معاقله التي كانت بيده. وفيها توجه العادل إلى كوكب وحاصرها حصاراً شديداً وأخذها وأخذ منها أموالًا عظيمة وهذمها وعفى أثرها. فقال الرشيد النابلسي يمتدحه ويذكر الحال: وفَّي لك المسعدان النصر والظفر … وطاوع العاصيان الدهر والقدر بغير بدع وقد جدّت سعودك أن … دانت لك الأمتان البدو والحضر أشرقت في ظلم الأيام مزدهرا … فأبلس النيران الشمس والقمر قسوت بل لنت بل مازجت … ذاك بذا فافتَّن في راحتيك النفع والضرر مازلت تصدر بالآمال ساعةَ لا … وردٌ يسوغ ولا عن مورد صدر لله ما أنت سيف الدين من بشر … لا يستطيع الذي يستطيعه بشر خطبٌ طوى وطغى حتى نَهَدْت له … فلان جامحه إذ يسهل الوعر وشامخان رفيعا الأوج يحسر عن … أن يستطيعهما التأميل والنظرُ في ذروتي مشمخر العز دونهما … من أن يُنالا تنال الأنجم الزهر أوردت حُصّنك من تلك الحصون مُنىً … لولاك عز على وُرادها الصَّدَرُ وكان أهلاهما قد أكدا حَلفا … أن ليس يُنْقَضُ من أمريهما المِرَرُ يا ويحهم أوغرتهم بُنيً شمخت … مع اغترامك واستغوتهم حدرولو صدمت به السُّد الذي أطادت … قُطراه لا ندكّ منه القطر والزَبر أورام شامخة الأهرام حل بها … ما ليس تبقى غواديه ولا تذر بل لو دعوت النجوم الزهر لا بتدرت … إليك من جنبات الأفق تبتدر لقد رأي كوكب في نفسه عجباً … وكاد كوكبه الدُّري ينكدر أضرمت جذوة بأس في جوانبه … أنفاسها في نفوس الشرك تزدفر طوقتهِ بمجانيق يلين لها … قلب الحديد ولا يستمسك الحجر أقمت عليه بمثل الشهب قاذفة … فخده بصعيد الأرض منعفر [٣٣٩] أضحت مخانق في أعناق هضبته … عقود خيلك مسدوداً بها الثغر بادرتهم برجال لا ينهنههم من … من رأيك الحزم أو من كفك البذر مُعَرديِن قراع الموت قد ألفوا … أن لا يروعهم خوف ولا ذعر جيش إذا جاش طامي لُجَّة غرقت … في جنب تياره الأفهام والفكرُ ومنها: لقد بطشت بهم بطشاً لو أنهم … صرف المقادير أو أحداثها فَتَروا واستشعروا الذل جلباباً وقادهم … قسراً إليك سُطي للأسد تقتسِرُ لله صدرك ما أقضى وعزمك ما … أمضى وقد كلت الهندية البتر يا دوحه للعلى شماء باسقة … لا يُجتنى للعَنَى من غيرها ثمر ومنها: يا راجح الحلم يعفو وهو مقتدر … ومانح النجم يعطى وهو معتذر ومنها: صلى الإله على علياك وافتتحت … تتلى على مجدك الآيات والسور ودمت تخدمك الدنيا ودولتها … ما غنت الورق أو ما أورق الشجر
  • full passagepage 862, entry [364]1,901 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان محمد (¬٢) بن إسماعيل بن أبي الضيف، اليمنى فقيه الحرم الشريف بمكه شرفها الله توفي في هذه السنة. أبو إسحق (¬٣) إبراهيم بن محمد بن أبي بكر القفصي، المقرى المحدث كتب كثيرًا وسمع الكثير مات في هذه السنة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية. أبو الفتح (¬٤) محمد بن سعد بن محمد الديباجي،
    ▸ expand full passage (1,901 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان محمد (¬٢) بن إسماعيل بن أبي الضيف، اليمنى فقيه الحرم الشريف بمكه شرفها الله توفي في هذه السنة. أبو إسحق (¬٣) إبراهيم بن محمد بن أبي بكر القفصي، المقرى المحدث كتب كثيرًا وسمع الكثير مات في هذه السنة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية. أبو الفتح (¬٤) محمد بن سعد بن محمد الديباجي، من أهل مرو، له كتاب المحصل في شرح المفصل للزمخشري في النحو، وكان عالمًا ثقة سمع الحديث، مات في هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة. الشيخ (¬٥) الصالح الزاهد العابد أبو البقاء محمود بن عثمان بن مكارم النعال، الحنبلي، كانت له عبادات ومجاهدات وسياحات، وبني رباطًا بباب الأزج يأوى إليه أهل العلم من المقادسة وغيرهم، وكان يؤثرهم ويحسن إليهم وقد سمع الحديث وقرأ القرآن، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتوفي في هذه السنة وقد جاوز الثمانين سنة. وقال أبو شامة: وكان لا يأكل إلا مِنْ غزل عمته.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة العاشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وسلطان مصر والشام الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ونائبه بمصر ولده الملك الكامل محمد. وفي دمشق ولده المعظم عيسى، وصاحب بلاد الروم عز الدين كيكاوس السلجوقي، وقد ظفر بعمه طغريل شاه وأخذ [٣٤١] بلاده وقتله وذبح أكثر أمرائه وقصد ذبح أخيه علاء الدين كيقباذ، فشفع فيه أصحابه (¬١) فعفي عنه. وصاحب حلب وما والاها الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وولد له في خامس ذي الحجه ولد سماه محمدًا ولقبه الملك العزيز غياث الدين من صفية خاتون ابنه السلطان الملك العادل، واحتفل الظاهر لمولده احتفالًا عظيمًا، فمن ذلك أنه أمر الصياغ فصاغوا من الذهب والفضة طيورًا ووحوشًا على صيغة (¬٢) ما يعرفونه من الطير والوحوش وعملوا عشر مهود من الذهب والفضة، سوى ما عملوا من الأبنوس والعود والصندل ونسج للطفل ثلاث فرجيات من اللؤلؤ في كل فرجية أربعون حبة من الياقوت والبلخش والزمرد، وعمل له ثلاثة سيوف غُلفها [وقبضاتها (¬٣)] مرصع بالجوهر النفيس، وثلاثة (¬٤) رماح من ذهب أسنتها جوهر. وهذا الصبي الذي لقب بالملك العزيز هو والد الملك الناصر صاحب دمشق واقف الناصرتين (¬٥) وهو الذي أسره هلاون ملك التتار على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
  • full passagepage 868, entry [369]10,002 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان التركستّاني الشيخ أبو الفضل أحمد بن مسعود بن على التركستاني شيخ الحنفية، ومدرس [٣٤٤] مشهد أبي حنيفة ﵁ ببغداد. وكان إليه المظالم، مات في هذه السنة ودفن بالمشهد المذكور، وكان قد تفقه وبرع في علم النظر وانتهت إليه الرئاسة في مذهب أبي حنيفة ﵁، وولاه الوزير ابن المهدي المظالم
    ▸ expand full passage (10,002 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان التركستّاني الشيخ أبو الفضل أحمد بن مسعود بن على التركستاني شيخ الحنفية، ومدرس [٣٤٤] مشهد أبي حنيفة ﵁ ببغداد. وكان إليه المظالم، مات في هذه السنة ودفن بالمشهد المذكور، وكان قد تفقه وبرع في علم النظر وانتهت إليه الرئاسة في مذهب أبي حنيفة ﵁، وولاه الوزير ابن المهدي المظالم والتدريس بمشهد أبي حنيفة (¬٤)، وأرسله إلى الأطراف، وكان عفيفا نزها، وقال ابن النجار: توفي ليلة السبت السادس والعشرين من ربيع الآخر من سنة عشر وستمائة وصلى عليه من الغد بالمدرسة النظامية ودفن بمقبرة الخيزران المجاورة لمشهد أبي حنيفة ﵀ وكان شابا. ابن الماشطة (¬٥)، الشيخ أبو محمد إسماعيل بن على بن الحسين فخر الدين الحنبلي، ويعرف بابن الماشطة، ويقال له الفخر غلام بن المني. له تعليقه فيالخلاف، وكانت له حلقة بجامع الخليفة، وكان إلى النظر في قرايا الخاص للخليفة، ثم عزله فلزم بيته فقيرًا لا شيء له إلى أن مات في هذه السنة. وكان ولده محمد مدبرًا شيطانًا مريدًا كثير الهجاء والسعاية بالناس إلى أولياء الأمر بالباطل، فقطع لسانه وحبس إلى أن مات. وفي المرأة: (¬١) وكان فصيحا وله عبارة جيدة وصوت رفيع، وكانت له حلقة بجامع الخليفة، يجتمع إليه الفقهاء ويناظرهم، وولاه الخليفة ضياع الخاص فظلم الرعية، وجبي الأموال من غير حلها فشكوه إلى الخليفة فسخط عليه وعزله، فأقام في بيته خاملًا فقيرا يعيش من صدقات الناس، إلى أن توفي في ربيع الأول ودفن في داره بدرب الجب، ثم نقل بعد مدة إلى باب حرب وبيعت الدار، وولده محمد بن إسماعيل الملقب بالشمس قدم الشام بعد سنة عشرين وستمائة، وتعاني الوعظ، وكان فاسقا مجاهرًا هجاءً خبيث اللسان، وكان معه جماعة من المردان من أبناء الناس، ويقول إنهم مماليكه، وبدت منه بدمشق ومصر هنات قبيحة، وكان يضرب الزغل (¬٢) مع هذه الهنات سامحه الله. ظهير الدين (¬٣) أبو إسحق إبراهيم بن منصور بن عسكر، الفقيه الشافعي الأديب، قاضي السَّلامية، تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الموصلي بالموصل، وسمع منه، وقدم بغداد وسمع بها من جماعة، وعاد إلى بلده الموصل، وتولى قضاء السَّلامية، إحدى قرى الموصل. وكان فقيها فاضلا، وغلب عليه النظم، ونظمه رائق. ومنه قوله: لا تنسبُوني يا ثقاتي إلى … غَدْرِ فليس الغدر من شيمتي أقسمتُ بالذاهب من عَيْشِنا … وبالمسرات التي وَلّت أنىّ على عَهْدِكُم لم أزل (¬٤) … وعقدة الميثاق ما حُلّتومن شعره أيضًا: جُودُ الكريم إذا ما كان عن عدةٍ … وقد تأخَّر لم يَسلمْ من الكدَرِ إن السحائب لا تُجَدي بَوارِقها … نفعا إِن (¬١) هي لم تمطر على الأثر [وماطلُ (¬٢)] الوعد مذمومٌ وإن سمحت … يداه من بعد طول المطل بالبِدَر يا دوحة الجود لا عَتْبٌ على رجُلٍ … يهُزُّها وهو محتاجٌ إلى الثمَر وقال ابن خلكان: توفي يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة عشر وستماتة بالسَّلَّامية؛ وهي بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء آخر الحروف ثم هاء، وهي بليدة على شط الموصل من الجانب الشرقي أسفل الموصل، بينهما مسافة يوم، وقد خربت [٣٤٥] هي، [وأنشئت] (¬٣) بالقرب منها بليدة أخرى سموها السَّلَّامية أيضا. تاج الأمناء (¬٤) أبو الفضل أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، من بيت الحديث والرواية، وهو أكبر من أخوَيْه زين الأمناء، والفخر عبد الرحمن، سمع عميه الحافظ أبا القاسم، والصائن، وكان صديقا للشيخ تاج الدين الكندي. وكانت وفاته يوم الأحد ثاني رجب منها، ودفن قبلي محراب مسجد (¬٥) القدم. تاج العلماء (¬٦) النسابة الحلبي الحسني، اجتمع بآمد بالشيخ أبي الخطاب بن دحية، وكان ينسب إلى دِحية [الكلبي] (¬٧) فقال له تاج العلماء: إنَّ دحية لم يعقب، فرماه ابن دحية بالكذب في مسائله الموصلية. وتوفي في هذه السنة. وقال أبو شامة (¬٨): رماه ابن دحية بالكفر في مسائله الموصلية.المهذب (¬١) الطبيب المشهور، وهو على بن أحمد بن مقبل الموصلي، سمع الحديث، وكان أعلم أهل زمانه بالطب، وله فيه تصنيف حسن، وكان كثير الصدقة حسن الأخلاق. وقال ابن كثير في الكامل: توفي المهذب المذكور في المحرم من سنة عشر وستمائة. الجزولي (¬٢) أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجَزُولى اليَزْدكِتني (¬٣) النحوي المغربي (¬٤)، مصنف المقدمة (¬٥) المشهورة البديعة، وقد شرحها هو وتلامذته من بعده، وكلهم معترفون بتقصيرهم عن فهم مواده في أماكن كثيرة منها. قدم مصر فأخذ عن ابن بري، ثم عاد إلى بلاده وولي خطابة مراكش، وتوفي في هذه السنة، وقيل قبلها. وقال ابن خلكان (¬٦): أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يلَلْبَخْت بن عيسى بن يُوما ريلي الجزولي اليزدكتني، كان إماما في علم النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغرائبه وشاذه، وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون، ولقد أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يُسْبَق إلى مثلها، واعتنى بها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا كله فلا تفهم حقيقتها، فإنها كلها رموز وإشارات. ويقال: إنه كان يدرى شيئا من المنطق. وأقام بمدينة بجاية مدة، والناس يشتغلون عليه، وتوفي سنة عشر وستمائة بمدينة مراكش، وقيل سنة ست أو سبع وستمائة. ويللبخت: بفتح الياء [المثناه من تحتها] (¬٧) واللام وسكون اللام الثانية وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوق، وهو اسم بربري.ويوما ريلي: بضم الياء [المثناه من تحتها] (¬١) وسكون الواو وفتح الميم وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء (¬٢) ساكنة وبعدها لام ثم ياء، وهو اسم بربري أيضا. والجُزُوْلي نسبة إلى جُزولة بضم الجيم والزاي وسكون الواو [وبعدها لام] (¬٣) ويقال لها كزولة أيضا -بالكاف- وهي بطن من البربر. والَيزْدكتني: بفتح الياء [المثناه من تحتها] (¬٤) وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوق وبعدها نون، نسبة إلى فخذ من جزولة. وقبيلة جزولة من الرَّحالة يكونون بصحارى بلاد السوس في المغرب الأقصى. ابن (¬٥) حديدة الوزير، واسمه سعيد بن على بن أحمد أبو المعالي، ولقبه معز الدين، وهو من ولد قطبة بن عامر بن حديدة الأنصاري الصحابي ﵁. ولد بكرخ سامرًا سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ونشأ ببغداد، وكان أحد الموسرين له مال كثير وجاه عريض، واستوزره الإمام الناصر لدين الله في سنة أربع وثمانين وخمسمائه، وخلع عليه خلعة الوزارة الكاملة [٣٤٦]، القميص الأطلس، والفرجية المفرّج، والعمامة القصب الكحلية بأعلام الذهب، وقلّد سيفا محلّي، وقُدّم له فرس من خيل الخليفة فركبه، وخرج وأرباب الدولة يمشون بين يديه من باب حجرة الخليفة إلى دار الوزارة. ولم يزل على الوزارة حتى ولي ابن مهدى نقابة العلوييّن، فشرع فيه ومازال بالخليفة حتى عزله واعتقله وطالبه بمال، فالتجأ إلى التربة الأخلاطية فلم تنفعه، وأدى المال وأقام في بيته إلى أن ولي ابن مهدى الوزارة فَسلِّم إليه، فاعتقله في داره بدرب البطيخ، وعزم على تعذيبه، فواطأ الموكلين به وحلق رأس نفسه ولحيته، وخرج في زى النساء إلى مراغة (¬٦)،فأقام بها حتى توفي في جمادى الأولى وحمل إلى الكوفة فدفن بمشهد أمير المؤمنين. وكان جوادًا سمحًا كثير الصدقات والمعروف متواضعا. الموفق (¬١) أحمد بن محمد بن عمر الأزجي، ويعرف بالموفق، نشأ بباب الأزج، وسمع الحديث من ابن كليب، وابن بُوش، وابن طبرزد وغيرهم. وكان فقيرًا، خرج إلى الشام واجتمع بالملك الظاهر صاحب حلب وقال له: قد بعث لك الخليفة معي إجازة، وتَقَوَّل على الخليفة، فخلع عليه وأعطاه خمسين دينارًا، ودار على ملوك البلاد، فحصل له منهم ثلثمائه دينار. قال السبط (¬٢): واجتمعت به في دمشق وقد رجع من زيارة القدس فقلت له: إلى أين انتهت زيارتك؟ فقال: إلى لوط. وكان مطبوعا وبلغني حديثه فقلت له: قد فعلت ما فعلت فلا نقرب بغداد. فقال: أتتك بخائن رجلاه. فقلت: ما أخوفني أن يصح المثل فيك. فكان كما قلت نزل إلى بغداد في سفينة من الموصل وصعد بباب الأزج إلى بيت أخته وقت المغرب، فلما كان بعد العشاء الآخرة طرق الباب طارق فقال: من هذا؟ فقال: كلّم من يطلبك. فخرج وإذا برجل فسحبه عن الباب وضربه بسكين حتى قتله، ثم صاح على الباب اخرجي خذى أخاك وما معه، فخرجت أخته وإذا به مقتول. فأخذت المال ودفنته في الليل. الأمير سنجر (¬٣) بن عبد الله الناصرى الخليفتي، كانت له أموال كثيرة وأملاك وإقطاعات متسعة، وكان مع ذلك بخيلًا ذليلًا ساقط النفس، اتفق أنه خرج أمير الحاج في سنة تسع وثمانين وخمسمائه فاعترضه بعض الأعراب في نفر يسير ومع سنجر خمسمائه فارس فذل عن الأعراب فطلب منه كبيرهم خمسين ألف دينار فجباها سنجر من الحجيج ودفعها إليه. فلما عاد إلى بغداد أخذ منه الخليفة خمسين ألف دينار وردّها إلى أصحابها وعزله وولي طاشتكين.وفي تاريخ بيبرس: وكان سنجر هذا صهر طاشتكين، وتوفي في هذه السنة. وفي المرأه (¬١): وتوفي في شوال وفتح له جامع القصر وصلي عليه قاضي القضاة ابن الدامغاني ومشى أرباب الدولة في جنازته ودفن بالشونيزية. وكان كبير الأعراب الذي طلب المال من سنجر من غُزيّة (¬٢) اسمه دهمش. فارس (¬٣) الدين ميمون القَصْري، آخر من بقي من كبراء الأمراء الصلاحية مات بحلب في رمضان من هذه السنة، وهو منسوب إلى قصر الخلفاء الفاطميين بمصر، وكان السلطان صلاح الدين ﵀ أخذه من هناك. أيدغمش (¬٤) مملوك البهلوان، قتله خشداشه منكلي وقد ذكرناه عن قريب مفصلا. سلطان المغرب محمد (¬٥) بن السلطان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن بن على القيسي الكومي الملقب بالناصر، صاحب بلاد الغرب توفي لعشر خلون من شعبان من سنة عشر وستمائة وكانت مدة مملكته نحو ست عشرة (¬٦) سنة، وكان أشقر دائم الإطراق كثير الصمت، وكان في لسانه لثغة، وكانت ولايته في سنة خمس وتسعين وخمسمائه، وقد ذكرنا ترجمة أبيه وجده وأب جده. وقال ابن خلكان (¬٧) وكان مولد السلطان محمد المذكور في سنة ست وسبعين وخمسمائه. قال والمغاربة يقولون: إن محمد بن يعقوب المذكور أوصى عبيده المشتغلين بحراسة بستانه بمراكش أن كل من ظهر لهم بالليل فهو مباح الدم، ثم أراد أن يختبر قدر أمره لهم فتنكر وجعل يمشي في البستان ليلًا فعندما رأوه جعلوه غرضًا لرماحهم، فجعل يقول: أنا الخليفة. فما تحققوا حتى هلك والله أعلم بصحة ذلك. ثم ولي بعده ولده [أبو يعقوب يوسف] (¬٨) بن محمد وتلقب بالمستنصر بالله، ومولده أول شعبان سنة أربع وتسعين وخمسمائه ولم يكن من بني عبد المؤمن أحسن وجها منه.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وسلطان مصر والشام الملك العادل أبو بكر بن أيوب، وكان في دمشق وسار إلى الديار المصرية في هذه السنة، وولده الملك الكامل محمد بن العادل نائبه في مصر، وأرسل الكامل ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف بن الكامل إلى الحجاز متوجها إلى اليمن وجهز صحبته ألف فارس من الجند والجاندارية (¬١) والرماة خمسمائة. وقال بيبرس: وكان الملك العادل قد رتب أولاده في كل إقليم ملكه، وقصد أن يُسَيَّر ولده الفائز إلى اليمن ليملكه فاتفق أن الصاحب صفي الدين بن شكر قال للكامل: مصر لك وينبغي أن يكون اليمن لك ظهرًا، والفائز أخوك كريم فاركب إليه واسأله أن يكون ولدك المسعود نائبا عنه. ففعل الكامل ذلك، فأجابه إليه الفائز، فجهز المسعود وأرسله فدخل مكة ثالث ذي القعدة من هذه السنة، وحج وخطب له وأقام بمكة ستة أيام ثم رحل عنها في العشر الثاني من ذي القعدة. وفي أول يوم من المحرم من سنة اثنتي عشرة وستمائة دخل زبيد وملكها من غير قتال. وقد ذكرناه مفصلا في السنة الماضية. وقال أبو شامة (¬٢): وفي سنة إحدى عشرة وستمائة تملك أتسيز بن الكامل بن العادل اليمن وتلقب بالمسعود وكان جبارًا فاتكًا، قيل: إنه قتل باليمن ثماني مائة شريف وخلقا من الأكابر والعظماء. وقال بيبرس (¬٣): كان والد الملك المسعود هذا يسميه أتسيز ولكن اسمه يوسف كما ذكرنا، ولكنه اشتهر باسم أتسز، ومنهم من يقول: أطسز بالطاء المهملة موضع الياء المثناة من فوق، وأتسس بسينين مهملتين يجعل موضع الزاي المعجمة في آخره سينًا، والكل يعنى واحد فافهم. وفيها (¬٤) أخذ الملك المعظم قلعة صرخد من ابن قراجا وعوضه عنها مالًا وإقطاعًا.
  • full passagepage 879, entry [374]2,747 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان إبراهيم (¬٦) بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بكروس، الفقيه الحنبلي، أفتى وناظر وعدّل عند الحكام، ثم انسلخ من هذا كله وصار شرطيًا بباب (¬٧) النوبي، فيضرب الناس ويؤذيهم غاية الأذى ثم بعد ذلك كله ضرب إلى أن مات في هذه السنة، وألقى في دجلة وفرح الناس بموته، وقد كان أبوه رجلا
    ▸ expand full passage (2,747 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان إبراهيم (¬٦) بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بكروس، الفقيه الحنبلي، أفتى وناظر وعدّل عند الحكام، ثم انسلخ من هذا كله وصار شرطيًا بباب (¬٧) النوبي، فيضرب الناس ويؤذيهم غاية الأذى ثم بعد ذلك كله ضرب إلى أن مات في هذه السنة، وألقى في دجلة وفرح الناس بموته، وقد كان أبوه رجلا صالحا. الركن (¬٨) عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر، الذي أحرقت كتبه بالرحبة، وحكم القاضي بتفسيقه، وكان متهما بالفلسفة ومخاطبة النجوم، وولي عدةولايات، وكان مصاحبا لأبي القاسم بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان الآخر مدبرا يجتمعان على الشراب والمردان، ومرض عبد السلام بعلة البطن فرمى كبده قطعًا ومات في هذه السنة سامحه الله. أبو محمد عبد العزيز (¬١) بن محمود بن المبارك البزار المعروف بابن الأخضر، ولد سنة ست وعشرين وخمسمائة، وقيل: في سنة أربع وعشرين. وقيل: هو جنابذي الأصل بغدادي الدار والمولد، سمع الحديث الكثير وصنف الكتب الحسان من الأبواب والشيوخ والفضائل، وأول سماعه سنة ثلاثين وخمسمائة، وكانت له حلقة بجامع القصر يقرأ فيها الحديث [٣٥٠] ويقرأ عليه، وتصانيفه تدل على فهمه وضبطه وحسن معرفته، وكانت له وإن بَزّفي الريحانيين، وتوفي في شوال وصلي عليه بجامع القصر وحضر جنازته العلماء والأعيان، ودفن بباب حرب، وكان فاضلا صالحا دينا عفيفا لطيفا. محمد بن (¬٢) على بن نصر الحنبلي، الواعظ الدوري أصله من الدورقريه بدجيل، سمع ابن ناصر وأبا الوقت وغيرهما وتعاني (¬٣) الوعظ ولم يكن من صنعته، وكان يضاهي ابن الجوزي حتى قيل له: أيما أعلم أنت أم أبو الفرج؟ فقال: ما أرضاه يقرأ على الفاتحه، وبلغ ذلك أبا الفرج فقال: ما أقرأ عليه الفاتحة بل أقرأ عليه قل هو الله أحد، وكان يتعصب له حاكة قطفتا (¬٤)، مات في شعبان، ودفن في رباطه بقطفتا، وكان ينتحل أشعار الناس، ادعى يوما بيتين وأنشدهما على المنبر مشيرا إلى الخليفة وهما لأبي الفتح البُسْتي وهما: علم في دجى الدجي وشهاب … كلنا في ضيائه واقتباسه متلف الأموال في وقت بؤس … وجواد بالعفو في وقت باسهالشيخ (¬١) علي بن أبي بكر الهروي، مات في هذه السنة وله التربة المعروفة قبلي حلب، وكان عارفًا بأنواع الحيل والشعبذة والسيماوية وتقدم عند الملك الظاهر غازي صاحب حلب وتغرب في البلاد، ودار غالب المعمورة. الأمير دلدروم (¬٢) بن ياروق، صاحب تل باشر، توفي في هذه السنة وولي تل باشر بعده ابنه فتح الدين.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والملك العادل توجه إلى الإسكندرية لأنه كان قد اجتمع بالإسكندرية من تجار الفرنج نحو ثلاثة آلاف رجل ووصلت بُطسة إلى المينا فيها ملكان من ملوك الفرنج، فبلغه أن الفرنج صمموا على أن يثوروا بأهل الإسكندرية فيقتلونهم ويأخذون البلد، فأمسك التجار الذين بالثغر والواصلين في البطسة واستصفى أموالهم واعتقلهم، واعتقل الملكين وجرت خطوب مع العادل من الفرنج حتى أطلق النسوة التي لهم وعاد إلى القاهرة. وفي تاريخ ابن العميد: وفي هذه السنة كشف السلطان الملك العادل عن الأموال التي أنفقت في تجهيز الملك المسعود إلى اليمن فكانت جملة عظيمة، فأنكر على القاضي الأعز فخر الدين بن شكر وضربه وقيده وحمله إلى قلعة بصري واعتقله بها.
  • full passagepage 887, entry [380]3,507 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الحافظ عبد القادر (¬٨) بن عبد الرحمن أبو محمد، المحدث الكبير المخرّج المفيد المحرر المتقن البارع المصنف المعيد، كان مولي لبعض المواصلة. وقيل لبعضالحرانيين، اشتغل بدار الحديث بالموصل، ثم انتقل إلى حران، ثم رحل إلى بلاد شتي، وسمع الكثير من المشايخ شرقًا وغربًا وأقام بحران إ
    ▸ expand full passage (3,507 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الحافظ عبد القادر (¬٨) بن عبد الرحمن أبو محمد، المحدث الكبير المخرّج المفيد المحرر المتقن البارع المصنف المعيد، كان مولي لبعض المواصلة. وقيل لبعضالحرانيين، اشتغل بدار الحديث بالموصل، ثم انتقل إلى حران، ثم رحل إلى بلاد شتي، وسمع الكثير من المشايخ شرقًا وغربًا وأقام بحران إلى أن توفي بها في هذه السنة، وكان مولده بالرها من سنة ست وثلاثين وخمسمائة وكان دينًا صالحا. وقال أبو شامة (¬١): كانت وفاته يوم السبت الثاني من جمادى الأخرى، سمع بمصر الحافظ السِلفي وببغداد ابن الخشاب وشهدة وبأصبهان أبا عبد الله الرسمتي [٣٥٤] وغيرهم وكان صدوقا ورعًا. الشيخ الفقيه كمال الدين (¬٢) مودود بن الشاغوري الشافعي، كان فقيها صالحًا دينا خيرًا متواضعا زاهدا، وكان يقرئ الناس الفقه بالجامع قبالة مقصورة الخطابة احتسابًا، ويشرح التنبيه للطلبة ويطول روحه على تعليمهم، مات في العشرين من المحرم ودفن بمقابر باب الصغير شمالي الحظيرة التي فيها قبر معاوية وغيرهم من الصحابة ﵃ وكتب على حجر على قبره أبيات حسنة من نظم الشهاب فتيان الشاغوري: كم ضم قبرك يا مودود من دين … ومن عفاف ومن بر ومن لين ما كنت تقرب سلطانا لتخدمه … لكن غنيت بسلطان السلاطين نبكي عليك وعنا أنت في شغل … برد تسليم حُور خردّ (¬٣) عين سقى الإله ضريحا أنت ساكنه … حتى تري منبتا خضر الرياحين الوجيه (¬٤) الأعمى أبو بكر المبارك بن أبي طالب المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن الدهان، النحوى الواسطى الملقب بالوجيه. ولد بواسط وقدم بغداد فاشتغل بعلم العربية والنحو، فأتقن ذلك وحفظ شيئا كثيرًا من أشعار العرب وسمع الحديث وكان حنبليا، فانتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵁ ثم صار شافعيا وولى تدريس النحو بالنظامية، وفيه يقول الشاعر:ألا (¬١) مبلغٌ عني الوجيه رسالة … وإن كان لا تجدى إليه الرسائل تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل … وذلك لما أعوزتك المأكل وما اخترت رأي الشافعي ديانة … ولكنما تهوى الذي هو حاصلُ وعما قليل أنت لا شك صائرٌ … إلى مالك فافطن (¬٢) لما أنا قايل وكان يحفظ شيئا كثيرا من الحكايات والأمثال والملحُ، ويعرف العربية والتركية والعجمية والرومية والحبشية والزنجية، وكانت له يد طولى في نظم الشعر فمن ذلك قوله: ولو وَقَعَتْ في لجة البحر قطرةُ … من المزن يومًا ثم شاء لمازها ولو ملك الدنيا فأضحى ملوكها … عبيدًا له في الشرق والغرب مازها الأول من الميز وهو البيان والتفرقة، والثاني بمعنى الزهو والعجب. وله في التجنيس أيضا قوله: أطلت ملامي في اجتنابي لمعشر … طعام لئام جودهم غير مرتجا تري بابهم لا بارك الله فيهم … على طالب المعروف أن جاء مرتجا حموا مالهم والدين والعرض منهم … مباح فما أيخشون من هجو من هجا إذا شرع الأجواد في الجود منهجا … فهم شرعوا في البخل سبعين منهجًا الأول من الرجا، والثاني من الأرتاج وهو الإغلاق، والثالث من الهجو، والرابع من النهج وهو الطريق. وله مدائح حسنة وأشعار رائقة ويبتكر معاني فائقة وربما عارض شعر البحتري بما يقاربه ويدانيه، قالوا: وكان لا يغضب قط. تراهن جماعة مع واحد إن أغضبه، فجاء إليه فسأله عن مسألة [في (¬٣)] النحو (¬٤) فأجابه فيها فقال له السائل: أخطأت [٣٥٥] أيها الشيخ، فأعاد عليه الجواب بعبارة أخرى فقال له: أخطأت أيضًا.فأعاد ثالثة فقال: كذبت فكأنك قد نسيت النحو. فقال له الوجيه: فلعلك لم تفهم ما أقول لك. فقال: بلى ولكنك تخطئ. فقال له: فقل ما عندك لنستفيده منك. فأغلظ له السائل فقال الوجيه: إن كنت راهنت فقد غلبت إنما مثلك في هذا المثل البقة يعني الناموسة سقطت على الفيل فلما أرادت الطيران قالت له: استمسك فإني أريد أن أطير. فقال لها: ما أحسست [بك (¬١)] حين سقطت فما أحتاج أن أستمسك إذا طرت. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائه بواسط، وتوفي ليلة الأحد الثاني والعشرين من شعبان من هذه السنة ببغداد ودفن من الغد بالوردية (¬٢) عند ابن فضلان ومن إنشاده: لا خير في الخمر فمن شأنها … إفقادها العقل وجلب الجنون وأن تُرِى الأقبح مستحسنا … وتظهر السر الخفى المصونفصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله وملوك البلاد. غير أن الملك الظاهر غازي توفي في هذه السنة.
  • full passagepage 897, entry [389]8,705 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان العز (¬٣) محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي؛ ولد سنة ست وستين وخمسمائة ورحل إلى بغداد وقرأ بها مسند أحمد ﵀. وكانت له حلقة بجامع دمشق، وكان من أصحاب الملك المعظم، وكان صالحا دينا، وتوفي في هذه السنة ودفن بقاسيون ﵀. [٣٥٩] أبو الفتوح (¬٤) محمد بن علي بن المبارك بن الجلاجلى ال
    ▸ expand full passage (8,705 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان العز (¬٣) محمد بن الحافظ عبد الغني المقدسي؛ ولد سنة ست وستين وخمسمائة ورحل إلى بغداد وقرأ بها مسند أحمد ﵀. وكانت له حلقة بجامع دمشق، وكان من أصحاب الملك المعظم، وكان صالحا دينا، وتوفي في هذه السنة ودفن بقاسيون ﵀. [٣٥٩] أبو الفتوح (¬٤) محمد بن علي بن المبارك بن الجلاجلى البغدادي التاجر، ويلقب بالكمال. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقرأ القرآن وسافر إلى الأقطار وسمع الشيوخ، وكان يتردد من الخليفة إلى الأشرف في رسائل خفيَّة، سمع ببغداد أبا السعادات المبارك بن على الوكيل، وابن النظر وغيرهما. وبالإسكندرية الحافظ أبا طاهر السلفي وغيرهم، وكان عاقلا دينا صالحا، ثقة صدوقا، بساما متواضعا، مات بالقدس في هذه السنة. الشريف أبو جعفر يحيي بن محمد [بن محمد بن محمد] (¬٥) بن محمد بن علي بن زيد العلوي الحسني نقيب الطالبيين بالبصرة يعد أبيه. كان شيخا أدبيا فاضلا، عالما بفنون كثيرة، لا سيما بالأنساب وأيام العرب وأشعارها، يحفظ كثيرا [منها] (¬٦)، وكان من جلساء الخليفة الناصر. ومن لطيف شعره قوله:ليهنكَ سمعٌ لا يلائمه العذلُ … وقلبٌ قسريحٌ لا يملُ ولا يسلو كأنَّ علىَّ الحبَّ أمسى (¬١) فريضةً … فليس لقلبي غيرَهُ أبدًا شغلُ وإني لأهوى الهجرَ ما كان أصلهُ … دلالا ولولا الهجرُ ما عذَبَ الوَصلُ وأما إذا كان الصدودُ ملالةً … فأيسر ما همَّ الحبيب به القتلُ وقال السبط في المرآة (¬٢): يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد أربع مرات، أبو جعفر العلوي الحسني البصري، ويعرف بابن أبي زيد، ومولده سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وقدم بغداد ومدح الإمام الناصر بقصائد، وكان رقيق الشعر مليح النظم، وهو القائل: هذا العقيق وهذا الجزعُ والبانُ … فاحبس فَلى فيه أوطارٌ وأوطان آليتُ والحرّ لا يلوي أليته … أن لا يلذّ بطيب النوم أجفان حتى تعود [ليالينا] (¬٣) التي سلفت … بالأجر عين وجيراني كما كانوا أيام أغصان وصلى غيرُ ذاوية … وروضها خَضِلٌ والعمرُ رَيْعانُ يا حبذا شجر الجرعاء من شجر … وحبذا روضُه المخضل والبانُ إذا النسيم سري مالت ذوائبه … كأنما الغصن الممطور سكرانُ فللنسيم على الأغصان هينمة … وللحمام على الأفنان ألحانُ وبارق لاح والظلماء دَاجِيَة … والنجمُ في الأفق الغربي حَيرانُ كتمت حُبَك والأجفان تُظهرُه … وليس للحبّ عند العين كتمانُ غادرت بالغدْر في الأحشاءِ نار جوي … ومذ هجرت ففيض العين غِدرانُ وكانت وفاته ببغداد في رمضان، ودفن بمقابر قريش، وكان سمع الحديث من أبيه وغيره.أبو (¬١) على مزيد بن على بن مزيد المعروف بابن الخشكري، الشاعر المشهور من أهل النعمانية، جمع لنفسه ديوانا، أورد له ابن الساعي قطعة من شعره. فمن ذلك قوله: سألتكِ يومَ النوى نظرةً … فلم تسمحي خفر (¬٢) لاسلم وأعجبُ كيف تقولين لا … ووجهك قد خُطّ فيه نعم أما النونٌ يا هذه حاجبٌ … أما العينُ عينٌ أما الميم فَم أبو الفضل (¬٣)، وسران (¬٤) بن منصور [٣٦٠] بن وسران الكردي المعروف بالمثقف (¬٥)، ولد بإربل وخدم جنديا، وكان أديبا شاعرا ثم خدم الملك العادل، ومن شعره قوله: سلا عنى الصوارم والرماحا … وخيلًا تسبق الهوج الرياحا وأسدًا جيشها سمر العَوالي (¬٦) … إذا ما الأسد حاولت الكفاحا فإني ثابتٌ عقلا ولبًا … إذا ماصائح في الحرب صاحا وكم ليلٍ سهرت وبتُّ فيه … أراعي النجمَ أرتقب الصباحا وكم من فدفد (¬٧) فرسي ونضوي (¬٨) … بقائلة الهجير غدا وراحا لعينك في العجاجة (¬٩) ما ألاقي … وأثبت في الكريهة لا براحا أبو نصر (¬١٠) النحاس محمد بن يحيى بن هبة الله، الواسطى الأديب بواسط كتب من واسط إلى ابن المظفر سبط ابن الجوزي ﵀.وقائلة لما عمرتُ وصار لي … ثمانون عاما عش كذا وابق واسلمِ ودم وانتشق رُوح الحياة فإنه … بلا طب من بيت بصَعدة مظلم فقلت لما عذرى لديك ممهد … ببيت زهير فاعلمي وتعلمي سئمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانين حولا لا محالة يسأم توفي في هذه السنة. أبو الغنائم (¬١) سعيد بن حمزة بن أحمد ويقال له ابن ساروح، الكاتب النيلي العراقي ولد بالنيل (¬٢) سنة ثماني عشرة وخمس مائه، وسمع شيوخ ذلك العصر، وسافر إلى الشام والروم ومدح الملوك والأمراء، وذكره العماد في الخريدة وقال: قدم دمشق ومدح أمراءها وعاد إلى بغداد فكبر، وأسنّ وانقطع في بيته إلى آخر عمره، وكان بارعا وله رسائل و مكاتبات وأشعار رائقة، وألفاظ فائقة شائقة. فمن شعره: يا شايم البرق من نجدي كاظمة … يبدو مرارًا وتخفيه الدياجير إذا سقيت الحيا من كل معصرة … وعاد مغناك خصبا وهو ممطور سلم على الدوحة الغناء من سلم … وعفِّر الخَدَّ إن لاح التعافير أحن شوقا إلى تلك الرياض وقد … ضاهي بنفسجُها وردٌ ومنثور ومالت السرو في خضر الثياب كما … تمايلن في الحرير الأخضر الحور والغصن سكران من طللِ الندى … فإذا دعى ابن ورقاء أضحى وهو مخمور وهاتفات على الأغصان قد رقدت … عنهن في غسق الداجي النواطيرُ فظلن يسجعن حتى كدت من ولهي … أقضى ولكنما في العمر تأخير لكن وجدي بترجيع الهُديل وما … غردن باق إلى أن يفتح الصور وكانت وفاته ببغداد في رمضان من هذه السنة.الشيخ (¬١) تاج الدين الكندي، زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة بن حمير بن الحارث بن ذي رعين أبو اليمن، البغدادي المولد والمنشأ الدمشقي الدار، الشيخ الإمام العالم العلامة وحيد عصره ونسيج وحده. ولد ببغداد ونشأ بها واشتغل وحصل ثم قدم دمشق ففاق أهل زمانه شرقا [٣٦١] وغربا في النحو والعربية وغير ذلك من فنون العلوم وعلو الإسناد، وحسن الطريقة والسيرة وصحة العقيدة والسريرة، انتفع به علماء عصره وخضعوا له وأثنوا عليه، وكان حنبليا ثم صار حنفيا، وكان مولده في اليوم الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمائة، فقرأ القرآن بالروايات وله عشر سنين وسمع الحديث على الشيوخ الثقات وعنى بذلك وتعلم العربية واللغة واشتهر بذلك، ثم صار إلى الشام فسكن بدمشق بدرب العجم وحظي عند الملوك والوزراء والأمراء وتردد إليه العلماء والكبراء والملوك وأبناؤهم، وكان الأفضل ابن السلطان صلاح الدين وهو صاحب دمشق يتردد إليه وأخوه المحسن وكذلك المعظم في أيامه على ملك الشام، فنزل إليه إلى درب العجم فقرأ عليه في المفصل. وكان المعظم يعطى لمن حفظ المفصل ثلاثين دينارا جائزة، وكان يحضر مجلسه بدرب العجم جميع المصدرين بالجامع الشيخ علم الدين السنجاوي، ويحيى ابن معطي، والوجيه البُوني والفخر التركي وغيرهم. وكان القاضي الفاضل في أيامه يثني عليه. قال السخاوي: كان عنده من العلوم ما لا يوجد عند غيره. ومن العجيب أن سيبويه قد شرح عليه كتابه، وكان اسمه عمرو واسم الشيخ أبي اليمن زيد، فقلت في ذلك: لم يكن في عهد عمرو مثله … وكذا الكندى في أخر عصره وهما زيد وعمر وإنما … بني النحو على زيد وعمر وأثنى عليه غير واحد من العلماء، منهم أبو المظفر سبط ابن الجوزي وقال (¬٢): قرأت عليه وكان حسن العقيدة ظريف الخلق لا يسأم الإنسان من مجالسته، وله النوادر العجيبة والخط المليح والشعر الرائق، وله ديوان كبير، وقال السبط في المرآة (¬٣): وفي هذه السنةتوفي شيخنا تاج الدين الكندي أبو اليمن البغدادي المولد والمنشأ الدمشقي الدار، قرأ القرآن بالروايات، وله عشر سنين على الشيخ أبي محمد عبد الله بن على سبط الشيخ أبي منصور الخياط وهو الذي رباه، وكان خصيصًا به وقرأ عليه كتاب المنهج والكامل تأليف أبي محمد، وكتاب الحجة في القراءات لأبي على الفارسي وقرأ على أبي محمد من كتب العربية كتاب سيبويه والمقتضب والإيضاح والتكملة، وقرأ العربية أيضا على أبي السعادات بن الشجري واللغة على أبي منصور بن الجواليقي، وسمع الحديث الكثير من شيوخ جدي وغيرهم، وفارق بغداد في سنة ثلاث وستين وخمسمائة وأقام بدمشق، واختص بعز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين وبولده الملك الأمجد صاحب بعلبك، وانتهت إليه القراءات والروايات وعلم النحو واللغات، وقرأت عليه من كتاب الصحاح للجوهري، وكان يحضر مجالسي بجامع دمشق وقاسيون ويقول: أنا قد صرت من زبون المجلس، ولما خرجت في سنة سبع وستمائة إلى الغزاة كتب إلى نابلس كتابًا بخطه، وكان يكتب مثل الدّر: جزى الله بالحسنى ليالي أحسنت … إلينا بإيناس الحبيب المسافر ليالي كانت بالسرور قصيرة … ولم تك لولا طيبها بالقصاير [٣٦٢] فيا لك وصلا كان وشكُ … كزورة طيف أو كنعبة (¬١) طاير قال وله ديوان شعر وحكى لي قال: كتبت إلى الملك الأمجد إلى بعلبك: لا تضجرنكم كتبي إذا كثرت … فإن شوقي أضعاف الذي فيها والله لو ملكت كفي مهادنة … من الليالي التي يخشى تعاديها لما تصرم لي في غير داركم … عُمرٌ ولا متُّ إلا في نواحيها عدُّوا احتمالكم لي حين أضجركم … من الصلات التي منكم أرجيها قال: فكتب إلى بخطه وهي له: إنا ليتحفنا بالشوق كتبكم … وإن بعدتم فإن الشوق يدنيها وكيف تضجر منها وهي مذهبيةٌ … من وحشة الشوق لوعات نعانيهاوإن ذكرتم لنا فيها اشتياقكم … فبعدنا منكم أضعاف ما فيها سلوا نسيم الصبا يهدي تحيتنا … إليكم فهي تدري كيف تهديها قال: وكان الملك المعظم عيسى ﵀ يقرأ عليه دائما، قرأ عليه كتاب سيبويه نصا وشرحا، والإيضاح والحماسة وشيئا كثيرا، وكان يمشي من القلعة راجلا إلى دار تاج الدين الكندي والكتاب تحت إبطه، ثم توفي يوم الإثنين سادس شوال وأنا يومئذ متوجه إلى الحج على بغداد وصلى عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون فدفن به ولم يتخلف عن جنازته أحد من الأعيان، وعمره ثلاث وتسعون سنة وشهر وستة عشر يوما، وكان صدوقا ثقة. وقال ابن كثير: وكان قد وقف كتبًا نفيسة وهي سبع مائة وواحد وستون مجلدا، على معتقه نجيب الدين ياقوت، ثم على ولده من بعده، ثم على العلماء في الحديث والفقه واللغة وغير ذلك. وجعلت في خزانة كبيرة بمقصورة ابن سنان (¬١) المجاورة لمشهد علي زين العابدين ﵁. ثم إن هذه الكتب تفرقت وأبيع كثير منها ولم يبق بالخزانة المشار إليها إلا القليل، وهي مقصورة الخليفة، وكانت قديما يقال لها: مقصورة ابن سنان. وقد ترك الشيخ تاج الدين نعمة وافرة وأموالا جزيلة ومماليك متعددة من الترك. وقد كان رقيق الحاشية حسن الأخلاق يعامل الطلبة معاملة حسنة فلما كبر ترك القيام لهم وأنشأ اعتذارا: تركت قيامى للصديق يزورني … ولا ذنب لي إلا الإطالة في عمري فإن بلغوا من عشر تسعين نصفها … يبين في ترك القيام لهم عذريفصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت (¬١) هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله والسلطان الملك العادل في الديار المصرية، وقد وقع في هذه السنة أمور عظيمة منها قضية السلطان علاء الدين خوارزم شاه، ومنها قضية الملك العادل بالفرنج، ومنها قضية جنكيزخان، فلنبين كل ذلك مفصلا بعون الله ولطفه.
  • full passagepage 915, entry [395]7,315 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان بهاء الدين (¬٨) أحمد بن أبي الفضائل الميهني، شيخ رباط الخلاطية من بيت التصوف، وكان أبوه أبو الفضائل عبد المنعم شيخ المشايخ وسيد الصوفية، وكان الخليفة قد سَلَّم إلى بهاء الدين رباط الخلاطية وأوقافها ثقةً به من غير مُشرف ولا عمل حساب، فأقام مدة يقصده الناس من البلاد وأطراف
    ▸ expand full passage (7,315 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان بهاء الدين (¬٨) أحمد بن أبي الفضائل الميهني، شيخ رباط الخلاطية من بيت التصوف، وكان أبوه أبو الفضائل عبد المنعم شيخ المشايخ وسيد الصوفية، وكان الخليفة قد سَلَّم إلى بهاء الدين رباط الخلاطية وأوقافها ثقةً به من غير مُشرف ولا عمل حساب، فأقام مدة يقصده الناس من البلاد وأطراف بغداد وأرباب البيوت والفقراء والفقهاء والأعيان، فما رَدَّ قاصدا ولا منع سائلا، وكان له الجاه العظيم والذكر الجميل. وكان لهمملوك عبد أسود اسمه ريحان، فخان في الأموال، وبلغ الخليفة فأخذه فأقرَّ وقال: المال عند أخت بهاء الدين، فعزل بهاء الدين عما كان إليه، فرأى الذل والهوان بعد العز والإمكان. ومرض بهاء الدين في تلك الحال، فولى الخليفة القاضي الزنجاني (¬١) أمر الرباط، وحمل بهاء الدين إلى بيت أخته على نهر عيسى، فتوفي ثامن رجب ودفن في الشونيزية في صُفَّة (¬٢) الجنيد ﵁ عند أبيه، سمع شهدة [٣٧١] الكاتبة وابن البطي وغيرهما، وصحب أباه وأخذ عنه طريقة التصوف. أبو إسحاق (¬٣) إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سُرور، الشيخ عماد الدين المقدسي، وكان أصغر من أخيه الحافظ عبد الغني بسنتين، وقدم معه إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد مرتين، وسمع الحديث، وكان عابدًا زاهدًا ورعا، كثير الصلاة كثير الصيام يصوم يوما ويفطر يوما، وكان فقيها مفتيا حنبليا له كتاب الفروع، وصَنَّف أحكاما ولم يتمه. صلي المغرب ذات ليلة وكان صائما، ثم رجع إلى بيته بدمشق فأفطر، ثم مات فجأة عشية الأربعاء سادس عشر ذي القعدة (¬٤) من هذه السنة، فغسل وقت السحر وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع وصلى عليه الموفق. وقال أبو شامة (¬٥): كان يوما لم ير في الإسلام مثله، كان أول الناس عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس، ولولا المبارز المعتمد وأصحابه القطعوا أكفانه وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار. وقال السبط (¬٦): ولما رجعت من جنازته فَكرتُ فيه فقلت: هذا كان رجلا صالحا، وربما إنه نظر إلى ربه حتى وضع في لحده، ومر بذهني أبيات [سفيان] (¬٧) الثوري التي سمع ينشدها في المنام:نظرتُ إلى ربى كفاحًا وقال لي … هنيئا رضائي عنك يابن سعيد فقد كنت قواما إذا أقبل الدجى … بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر أردته … فزرني فإني منك غير بعيد وقلت: أرجو أن العماد يري ربه كما رآه سفين عند نزول حفرته. ونمت فرأيت العماد في النوم وعليه حلة خضراء وعمامة خضراء وهو في مكان متسع كأنه روضة وهو يرقى في درج مرتفعة فقلت: يا عماد الدين كيف بت؟! فإني والله مفكر فيك. فنظر إلى وتبسم على عادته وقال: رأيت إلاهي حين أنزلت حفرتي … وفارقت أصحابي من أهلي وجيرتي فقال جزيت الخير عني فإنني … رضيت فها عفوي لديك ورحمتي دأبت زمانا تأمل الفوز والرضى … فوقيت نيراني ولقيت جنتي فانتبهت مرعوبًا وكتب الأبيات. قال: وكان الشيخ الموفق يثني عليه وكان يقول: أعرف العماد من صغره وما عرفت أنه عصى الله تعالى قط وما رأيت أشد خوفا منه لله تعالى. قال السبط (¬١): وكان يحضر مجالسي دائما بجامع دمشق وقاسيون لا ينقطع إلا من عذر. ويقول صلاح الدين يوسف: فتح الساحل وأظهر الإسلام وأنت يوسف أحييت السنة بالشام. وكان يزورني وينبسط إلى ويحبني ويفرح بمجالستي. ورثاه جماعة منهم الصلاح موسى بن الشهاب فقال: وأنشدني إياها: الحمد لله في كل الأمور فما … يفضى الإله علينا فهو مقبول ترضى بما جاءنا منه ونشكره … على الرؤوس قضاء الله محمول [٣٧٢] يا شيخنا (¬٢) يا عماد الدين قد قرحت … عيني وقلبي منك اليوم متبول أوحشت والله ربعا كنت تسكنه … لكنه الآن بالأحزان مأهول كم ليلة بت تحييها وتسهرها … والدمع من خشية الله مسبولوسجدة طال ما طال القنوت بها … قد زانها منك تكبير وتهليل فاليوم بعدك ركن الدين (¬١) منهدم … وطالب العلم حيران ومخذول قد كنت للسنة الغراء تنصرها … إذ أنت سيف على الأعداء مسلول يا ذا الذي كان للدنيا يزينها … كأنه في جبين الدهر إكليل وما يدوم سوى وجه الإله وقد … جاءت بذلك أثار وتنزيل القاضي جمال الدين بن الحرستاني (¬٢) عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل أبو القاسم الأنصاري بن الحرستاني، شيخ القضاة العالم العادل المعمر الزاهد ولد بدمشق سنة عشرين وخمسمائة وشارك الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن في كثير من مشايخه الدمشقيين سماعا وفي الغرباء أجازة، وكان أبوه من أهل حرستان فنزل داخل باب توما وأمّ بمسجد الزينبي، ونشأ ولده هذا نشأة حسنة، سمع الحديث الكثير وكان يجلس لسماع الحديث بمقصورة الخضر وعندها كان يصلي دائما لا تفوته الجماعة بالجامع، وكان منزله بالحُوَيْزَة (¬٣) ودرس بالمجاهدية (¬٤)، وعمر دهرًا طويلا على هذا القدم الصالح وناب في الحكم عن ابن أبي عصرون ثم ترك ذلك ولزم بيته وصلاته بالجامع، ثم عزل السلطان الملك العادل القاضي زكي الدين أبا العباس الظاهر ابن قاضي القضاة محيي الدين وأخذ منه مدرستين العزيزية (¬٥) والتقوى (¬٦) وأعطى التقوية للشيخ فخر الدين بنعساكر وأعطى العزيزية مع القضاء لجمال الدين بن الحرستاني، واعتنى به الملك العادل اعتناء كثيرا وأقبل عليه وأكرمه بحيث أرسل له ما يفرش تحته في مجلس الحكم لضعفه وكبره وما يستند إليه، وكان يجلس للحكم بمدرسته المجاهدية وناب عنه بها ابنه عماد الدين عبد الكريم، وكان يجلس بين يديه فإذا قام الشيخ يستبد مكانه ثم أنه منعه ذلك لشيء بلغه عنه وناب عنه أيضا أكابر شيوخ القضاة يومئذ شمس الدين الشيرازي فكان يجلس قبالته في إيوان المجاهدية وشمس الدين بن سنى الدولة وشرف الدين بن الموصلي الحنفي بمجلس المحراب بها وبقى في القضاء نحوا من سنتين وسبعة أشهر، وتوفي يوم السبت رابع ذي الحجة ودفن بجبل قاسيون، وكان عمره خمسا وتسعين سنة. قال ابن كثير (¬١): وكان يحفظ الوسيط للغزالي ﵀ قال ابن عبد السلام: ما رأيت أحدا أفقه من ابن الحرستاني، وكان من أعدل القضاة وأقومهم بالحق لا يأخذه فيه لومة لائم. وقال أبو شامة (¬٢): ولغرابة ولاية القضاء لمن هو في هذا السن قال فيه شاعر الشام الشاغوري هذين البيتين: يا من تدرع في خمل الخمول … وما معانق الهم في سر وإعلان [٣٧٣] لا تيأسن روح من نادي … قاضي القضاة الجمال بن الحرستاني على أنه امتنع من الولاية لما طلب لها حتى ألح عليه فيها. وقال السبط: ح كي لي ولد القاضي قال: كان أحد بني قوام يعامل الملك المعظم عيسى في السكر ويتجر له فمات ابن قوام فطرح ديوان المعظم يده على تركة ابن قوام، وبعث المعظم إلى القاضي يقول له: هذا الرجل كان يتاجر لي بمالي والتركة لي وأريد تسلمها فأبى عليه إلا بثبوت شرعي قال: وحكى لي جماعة من الدماشقة أن الملك العادل سيف الدين كتب لبعض خواصه كتابًا يوصيه به في حكومة بينه وبين رجل فجاء إليه ودفع إليه الكتاب فقال: إش فيه؟ قال: وصية لي. قال: أحضر خصمك. فأحضره والكتاب بيده لم يفتحه وادعي على الرجل، فظهر الرجل على حامل الكتاب، فقضى عليه ثم فتح الكتاب وقرأه ورمي به إلى حامله وقال: كتاب الله قد حكم على هذا الكتاب، فمضى الرجل إلىالعادل وبكى بين يديه وأخبره بما قال. فقال: العادل صدق كتاب الله أولى من كتابي. وكان يقول للعادل: ما أحكم إلا بالكتاب والسنة وأنا فما سألتك القضاء فإن شئت وإلا فأبصر غيري. ثم لما مات تولى القضاء بعده زكي الدين أبو العباس الظاهر بن يحيي الدين الذي كان قاضيا قبله، وعزل به الأمير الكبير بدر الدين محمد بن أبي القاسم بن محمد الهكاري باني المدرسة التي بالقدس الشريف، كان من خيار الأمراء يتمنى الشهادة أبدا فقتله الفرنج في حصن الطور في هذه السنة، ونقل إلى القدس الشريف ودفن بتربته بها وتربته مزار إلى الآن، وكان من المجاهدين وله المواقف المشهورة في قتال الفرنج وكان من أكابر أمراء المعظم يستشيره ويصدر عن رأيه ويثق به لصلاحه ودينه وكان سمحا لطيفا، دينا، عابدا، ورعا، بارا بأهله وبالفقراء والمساكين، كثير الصدقات دائم الصلات، بني بالقدس مدرسة للشافعية ووقف عليها الأوقاف وبنى مسجدا قريبا من الخليل ﵇ عند يونس على قارعة الطريق ﵀. الشجاع (¬١) محمود المعروف ابن الدباغ (¬٢) توفي في ذي القعدة، وكان من أصحاب العادل من زمن الشبيبة وبقي معه في زمن السلطنة مضحكا له، وحصلت له ثروة عظيمة، وداره بدمشق جعلتها زوجته عائشة مدرسة للفريقين، الحنفية والشافعية بخطيرة باب الفرج، ووقفت عليها أوقافا دارة. الشيخة العالمة الزاهدة شيخة العالمات بدمشق وتلقب بدهن اللوز، ماتت في هذه السنة.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة عشرة بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، ولكن وقعت في هذه السنة أمور عظيمة منها قضية الفرنج، ومنها وفاة السلطان الملك العادل، ووفاة الملك القاهر صاحب الموصل، ووفاة نور الدين أرسلان شاه بن القاهر المذكور، ومنها خروج التتار إلى بلاد الإسلام وظهورهم في هذه الأيام، فلنتبين ذلك مفصلا بعون الله وتوفيقه إن شاء الله.
  • full passagepage 946, entry [409]7,156 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان. القاضي شرف الدين أبو طالب عبد الله بن زين القضاء عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي، القرشي الدمشقي من بني عم ابن الزكي وكان أول من درس بالشامية (¬٣) البرانية وبالرواحية (¬٤) أيضا، وناب في الحكم عن ابن عمه محيي الدين ابن الزنكي، مات في شعبان من هذه السنة ودفن عند مسجد ال
    ▸ expand full passage (7,156 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان. القاضي شرف الدين أبو طالب عبد الله بن زين القضاء عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي، القرشي الدمشقي من بني عم ابن الزكي وكان أول من درس بالشامية (¬٣) البرانية وبالرواحية (¬٤) أيضا، وناب في الحكم عن ابن عمه محيي الدين ابن الزنكي، مات في شعبان من هذه السنة ودفن عند مسجد القدم. قال أبو شامة (¬٥): كانت وفاته يوم الأحد ثالث عشر شعبان، وصلى عليه بجامع دمشق، وكان فقيهًا فاضلا نزها لطيفا عفيفا. أبو سليمان (¬٦) داود بن أبي الغنائم أحمد بن يحيى العزيز البغدادي، كان ينسب إلى علم الأوائل، ولكنه كان يتستر بمذهب الظاهرية، ولهذا قال فيه ابن الساعي الداودي مذهبا المعري أدبًا واعتقادًا. ومن شعره قوله: إلى الرحمن أشكو ما ألاقي … غداة غدوا على هوج النياق سألتكم بمن ذم المطايا … أَمَرَّ بكم أَمرُّ من الفراق وهل داءٌ أَشَدُّ من التنائي … وهل عيش أَلذُّ من التلاقيقال في المرآة (¬١): أبو سلمان الملهمي من بني ملهم الضرير، كان يسكن رباط المأمونية، وكان على رأي الأوائل، وكان فاضلا إلا أنه كان يسقف من جنس ابن الراوندي. قال لي يوما: قد بلغني أنك جميل الصورة فصيح اللسان، فلا تضيع عمرك فيما ضيع جدك فيه عمره، واشتغل بعلوم الأوائل. فقلت له: حتى أتمم قراءة القرآن بالروايات. فقال: هم كذا، وذكر ألفاظا عاب بها القرآن، قرأ المعوذتين ثم قال: حجنجلة بحجنجلة. وكانت وفاته في المحرم، ودفن بالشونيزية وقد جاوز سبعين سنة. أبو المظفر (¬٢) محمد بن علوان بن مهاجر بن علي بن مهاجر الموصلي، تفقه بالنظامية وسمع الحديث، ثم عاد إلى الموصل فساد أهل وقته، وتقدم في الفتوى والتدريس بمدرسة بدر الدين لؤلؤ وغيرها، وكان صالحا دينًا. أبو الطيب رزق الله (¬٣) بن يحيى بن رزق الله بن يحيى بن خليفة بن سلطان (¬٤) بن رزق الله بن غانم بن غنام الباخرزي، المحدث الجوال الرحال الثقة الحافظ الأديب الشاعر، توفي في هذه السنة. الحُجة على بن نصر (¬٥) بن هرون النحوى الحلى، الملقب بالحجة، قرأ على ابن الخشاب وغيره. مات في هذه السنة. العميدي (¬٦) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد وقيل: أحمد بن محمد العميدي الفقيه الحنفي المذهب السمرقندي الملقب ركن الدين. كان إماما في فمن الخلاف خصوصا الجَسْتُ (¬٧)، وهو أول من أفرده بالتصنيف، ومن تقدمه كان يمزجه بخلاف المتقدمين، وكان اشتغاله فيه على رضى الدين النيسابوري وهو أحد الأركان الأربعة، فإنه كان من جملة المشتغلين على رضى الدين أربعة أشخاص تميزوا وتبحروافي هذا الفن، وكل واحد منهم ينعت بالركن، وهم: ركن الدين الطاوسي، وركن الدين السمرقندي العميدى المذكور، وركن الدين إمام زاده، والرابع شُذّ عنه. وصنف العميدي في هذا الفن طريقة وهي مشهورة بأيدي الفقهاء، وصنف الإرشاد واعتني بشرحها جماعة من أرباب هذا الشأن منهم: القاضي شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الفقيه الشافعي الخُويّ قاضي دمشق، والقاضي أوحد الدين الدوني قاضي منبج، ونجم الدين المرندي، وبدر الدين محمود المراغي وغيرهم، وصنف أيضا كتاب النفائس واختصره شمس الدين الخُوّي المذكور وسماه عرائس النفائس، وصنف أشياء مستملحة على هذا الأسلوب. واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به من جملتهم نظام الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبي المجاهد محمود بن أحمد بن عبد السيد ابن عثمان بن نصر بن عبد الملك البخاري الحنفي المعروف بالحصيري، صاحب الطريقة المشهورة، وغيره. وكان كريم الأخلاق كثير التواضع طيب المعاشرة، توفي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الآخر سنة خمس عشرة وستمائة بخاري. والعميدي: بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون التاء آخر الحروف، وفي آخره دال مهملة. قال ابن خلكان (¬١): ولا أعرف هذه السنة إلى ماذا ولا ذكرها السمعاني. أبو العباس أحمد بن برنقش بن عبد الله العمادى، كان من أمراء سنجار وكان أبوه من موالى الملك عماد الدين زنكي صاحبها، وكان أحمد هذا شاعرًا ذا مال جزيل وأملاك كثيرة، وقد احتاط على أموال قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي وأودعه سجنا فَنُسِىَ فيه ومات كمدًا. ومن شعره: تقول وقد ودعتها ودموعها … على نحرها من خشية البين تلتقي مضى أكثر العمر الذي كان نافعا … رويدك فاعمل صالحا في الدين تقي ابن الدامغاني (¬٢)، القاضي عماد الدين قاضي القضاة ببغداد واسمه أبو القاسم عبد الله بن أبي الحسين، ولد في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة وتفقه على مذهب أبي حنيفة ﵁، وعرف الفرائض والحساب وقسمة التركات معالسمت والوقار والدين والفقة، وأول ولايته القضاء في سنة ست وثمانين وخمسمائة، وعزل في رجب سنة أربع وتسعين وخمسمائة، فأقام ثماني سنين قاضيًا ثم أعاده ابن مهدي في سنة ثلاث وستمائة، ثم عزل في سنة إحدى عشرة وستمائة، فكانت ولايته الأخيرة تسع سنين وشهور، وتوفي في ذي القعدة وصلى عليه بالنظامية ودفن بالشونيزية. سمع الحديث من أبيه أبي المظفر الحسين بن أبي الحسين أحمد قاضي القضاة، ومن عمه أبي الحسن على قاضي القضاة، ومن أبي الفتح بن الميداني وغيرهم. ابن العتبري (¬١)، أبو الحسن علي بن أحمد بن روح، القاضي المعروف بابن العتبري، كان نائبا عن القضاة ببغداد، وصحب أبا النجيب السهروردي وتفقه عليه، وقرأ العربية على ابن القصار، وكان شيخا كيسًا فاضلا متواضعًا، وكانت وفاته في رمضان. ومن شعره: وقد كنت أشكوك الحوادث بُرهة … واستمرض الأيام وهي صحائح إلى أن تغشتني وقيت حوادث … تحقق أنّ السالفات مَنائح نجاح بن عبد الله (¬٢)، شرابي الخليفة، ويلقب نجم الدولة مملوك الإمام الناصر، مات في هذه السنة وكان جوادًا سمحا عاقلا دينًا، كثير الصدقات حسن المحضر، محسنًا إلى العلماء محبًا للمساكين، معظما لأهل الدين، وكان يأخذ للضعيف من القوى. وكان يسمى سلمان دار الخلافة، وكان ملازمًا للخليفة لا يغيب عنه ساعة واحدة، وكان أسمر اللون جميل الصورة فحلاً. ولما توفي في هذه السنة أمر الخليفة أن لا يتخلف عن جنازته أحد لا وزير ولا غيره، وصلى الخليفة عليه تحت التاج وحزن عليه حزنًا كبيرًا، وأخرج تابوته من باب البدرية، ومشى العالم بين يديه إلى جامع القصر، وكان بين يدي جنازته مائة بقرة، وألف شاة، ومائة قوصرة تمر، ومائة جمل على رؤوسهم الخبز، وعشرون حمالا على رؤوسهم ماء الورد، ومماليكه قد حزّوا شعورهم ولبسوا المسوح، والضجيج والبكاء قد ملأ بغداد، ولم ير في الإسلام مثل ذلك اليوم،وعَبروا به إلى الجانب الغربي إلى تربة أم الخليفة، ودفن بين يدي القبة التي فيها أم الخليفة، وتصدق عنه الخليفة من مال نجاح بعشرة آلاف دينار على المشاهد؛ مشهد علي ﵁، والحسين، وموسي بن جعفر ﵃، وبعث بمثلها إلى مكة والمدينة، وأعتق الخليفة مماليكه. وكانت له كتب خمس مائة مجلدة أوقفها في تربة أم الخليفة، وكتب عليها اسم الشرابي قال السبط (¬١) في المرآة: ومن العجائب أنه توفي في هذه السنة ثلاثة من الملوك الأكابر: الملك العادل، وخوارزم شاه، وصاحب الروم. وتوفي أيضا ببغداد ثلاثة من نواب القضاة نزل بهم القضاء المحتوم: ابن الرطبي المحتسب، وابن البندنجى العدل، وابن العنبري، الكل في شهر واحد. فابن الرطبي مات يوم الإثنين ثالث عشر رمضان، وابن البندنج في رابع عشر (¬٢)، وابن العنبري في خامس عشر (¬٣). فقلت: ذكر أبو الفتح المنشئ وفاة خوارزم شاه في سنة سبع عشرة وستمائة، وتبعه في هذا بيبرس، وقال وهو الصحيح.﷽ فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين (¬١) الله، وصاحب مصر هو السلطان الملك الكامل (¬٢) بن السلطان الملك العادل بن أيوب، وصاحب دمشق هو السلطان الملك المعظم (¬٣) بن العادل، وصاحب حلب هو الملك العزيز (¬٤) بن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين، وصاحب بلاد الروم هو السلطان علاء (¬٥) الدين كيقباذ ابن كيخسرو السلجوقي، وصاحب البلاد الشرقية مثل حران (¬٦) والرها (¬٧) وغيرها الملك الأشرف موسى (¬٨) بن الملك العادل، وصاحب الموصل ناصرالدين (¬١) محمود بن القاهر بن أرسلان شاه، والمدبر لمملكته بدر الدين لؤلؤ (¬٢)، وصاحب آمد ناصر (¬٣) الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، وصاحب خوارزم وسمرقند وبلاد تركستان وخراسان إلى بلاد العراق السلطان علاء (¬٤) الدين خوارزم شاه محمد بن تكش، ولكنه في أمور عظيمة وحروب شديدة، بسبب ظهور جنكزخان ومشيه إلى بلاد الإسلام، وصاحب مكة الأمير قتادة (¬٥) بن إدريس الحسني الزيدي، وصاحب بلاد الغرب السلطان المستنصر يوسف (¬٦) بن السلطان الناصر محمد بن السلطان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، وكان الملك الأشرف بن العادل مقيمًا بظاهر حلب يدبر أمر جندها وإقطاعها، والملك الكامل بمصر في مقابلة الفرنج، وهم محدقون محاصرون لثغر (¬٧) دمياط (¬٨).
  • full passagepage 965, entry [416]7,634 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو البقاء صاحب (¬٤) الأعراب عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، العكبرى الأصل، البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي، الحاسب [٣٩٨] الفَرَضِى النحوي الضرير، الملقب محب الدين، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب، وأخذ عن مشايخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من ابن البطي وغيره
    ▸ expand full passage (7,634 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو البقاء صاحب (¬٤) الأعراب عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، العكبرى الأصل، البغدادي المولد والدار، الفقيه الحنبلي، الحاسب [٣٩٨] الفَرَضِى النحوي الضرير، الملقب محب الدين، أخذ النحو عن أبي محمد بن الخشاب، وأخذ عن مشايخ عصره ببغداد، وسمع الحديث من ابن البطي وغيره، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه. وكان الغالب عليه النحو، وصنف فيه مصنفات مفيدة منها: شرح كتاب "الإيضاح" لأبي على الفارسي، وشرح ديوان المتنبي، وله "إعراب القرآن" في مجلد، وكتاب "إعراب الحديث"، وكتاب "شرح اللمع" لابن جني، وكتاب "اللباب في علل النحو"، وكتاب "إعراب شعر الحماسة"، وشرح "المفصل" للزمخشري شرحًا مستوفي، وشرح "الخطب النباتية" و "مقامات الحريري"، وصنف في الحساب أيضا، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، واشتهر اسمه في البلاد وهو حيّ، وبَعُد صيته، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة؛ وتوفي يوم الأحد ثامن شهر ربيع الآخر، سنة ست عشرة وستمائة، ودفن بباب حرب (¬٥) وكان صالحًا دينًا.الحافظ عماد (¬١) الدين أبو القاسم علي بن الحافظ بهاء الدين أبي محمد قاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، سمع الكثير، ورحل، فمات ببغداد في هذه السنة، ومن لطيف شعره قوله في المروحة: ومروحةٍ تروحُ كلَّ همِّ … ثلاثةُ أشهرٍ لا بد منها حُزَيران وتموزُ وآبُ … وفي أيلولَ يُغنى الله عنها أبو سعيد (¬٢) محمد بن محمود بن محمد بن عبد الرحمن، المروزي الأصل، الهمذاني المولد، البغدادي المنشأ والوفاة، كان حسن الشكل كامل الأوصاف، له خط حسن، وكان يعرف فنونا كثيرة من العلوم، شافعى المذهب، ويتكلم في مسائل الخلاف، حسن الأخلاق، ومن شعره: أرى قسم الأرزاق أعجب قسمةٍ … لذي دعةٍ مُثر ومكدّ به الكدُّ وأحمقُ ذو مالٍ وأحمقُ معدمٌ … وعقلٌ بلاحظٍ وعقلٌ له جُدُّ يعمّ الغنى والفقر ذا الجهل والحجَى … ولله من قبلُ الأمورِ ومن بعدُ أبو زكرياء يحيى (¬٣) بن القاسم بن درع بن الخضر، الشيخ تاج التكريتي، قاضيها، ثم درس بالنظامية ببغداد (¬٤)، وكان مُتْقِنًا لعلوم كثيرة منها: التفسير، والفقة، والأدب، والنحو، واللغة، وله مصنفات في ذلك كله، وجمع لنفسه تاريخًا، ومن شعره قوله: لابد للمرء من ضيق ومن سعة … ومن سرور يوافيه ومن حزن والله يطلب منه شكر نعمته … ما دام فيها ويبغى الصبر في المحنِ فكن مع الله في الحالين معتنقًا … فرضيْكَ هذين في سر وفي علن فما على شدة يبقى الزمانُ يكنْ … ولا على نعمة تبقى على الزمنِ ومن شعره قوله: لو كان قاضي الهوى علىّ ولي … ما جارَ في الحكمِ مَنْ على ولى يا يوسفي الجمال عندك لم … تبقَ له حيلة من الحيلِ إن كان قُدَّ القميصُ من دبرٍ … ففيك قُدَّ الفؤادُ من قُبُلِمات في رمضان من هذه السنة، ودفن بالشونيزية (¬١). الشيخ الإمام العلامة (¬٢) جمال الدين (¬٣) أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار بن عشائر بن عبد الله بن محمد بن شاس، الجذامي السعدي، الفقية المالكي، مصنف كتاب "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة"، وهو من أكثر [٣٩٩] الكتب فوائد في الفروع رتَّبة على طريق "الوجيز للغزالي". وقال ابن خلكان: والطائفة المالكية بمصر، عاكفة عليه لحسنه وكثرة فوائده، وكان مدرسًا بمصر، وتوفي بدمياط في جمادى الآخرة، وقيل: في رجب من هذه السنة. وكان قد توجه إليها بنية الجهاد لمَّا أخذها الفرنج. وشاس بالشين المعجمة والسين المهملة بينهما ألف. برهان الدين علي (¬٤) بن علوش بن عبد الله المغربي، إمام المالكية بدمشق، توفى يوم الأحد ثاني شعبان، ودفن بجبل قاسيون (¬٥)، وكان عالمًا بالأصول والفروع والعربية، ونشأ له ابن فاضل في علم الطب يلقب بناصر الدين منصور بن علي، توفى أيضًا وهو شاب (رحمهما الله). محمد (¬٦) بن محمد بن محمود الكشميهني (¬٧)، توفى في هذه السنة، وكان صالحًا صاحب مجاهدات ورياضات، وأوصى أن يكتب على كفنه هذا البيت طلبًا لإصلاح حاله: يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى … إليكم يلقى طيبكم فيطيب الشريف (¬٨) افتخار (¬٩) الدين عبد المطلب بن الفضل، العلوي، البلخي، المدرس بمدرسة الحلاويين بحلب، مات في حلب في هذه السنة، وكان عارفًا بمذهبأبي حنيفة ﵁ وشرح الجامع الكبيره وغيره، وكان يروي كتاب "الشمائل" للترمذي وغيره، وكان سيدا عاقلًا فاضلًا ورعًا دينا. محمد (¬١) بن جميل، صاحب مخزن الخليفة، مات ببغداد، ومولده بهيت (¬٢)، وكان فاضلًا بارعًا. محمد سبط (¬٣) العقاب، ولقبه بدر الدين، وهو الذي ضم إليه الخليفة ولدى ولده إليه لما خرجا إلى ششتر (¬٤)، وأرسله الخليفة إلى الأشرف مرارًا، وكان فقيرًا فحصل له مال عظيم، فبعثه الخليفة إلى الأشرف في هذه السنة، فبدا منه عند الأشرف دناءة نفس وسقوط هِمَّة، وبلغ الخليفة، وكان قد حظى عنده وبلغ أعلى المراتب، فلما عاد من الرسالة اعتقله في داره، وقيل له: بعثناك إلى ششتر فخُنت في المال، فاعمل حسابك. فأصبح في داره مصلوبًا. فقيل: إنه صلب نفسه. وقيل: بل غلمانه صلبوه. وقيل: بل الموكلون به. ولم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه، وحُمِل إلى مقابر المُقَتَّلين، فدفن بها. وقال الناس: إن في ذلك لعبرة. ريحان (¬٥) بن تكان بن موسك أبو الخير، المقري، شيخ السبط، كان صالحا سليم الصدر، أقام بالحربية سبعين سنة، يُقرئ الناس القرآن، فختم ألوفًا، وكان من الأبدال. وقال السبط (¬٦): قرأت عليه القرآن، وسمعت الحديث، وأُضر في آخر عمره، وكانت وفاته في صفر، ودفن بمقابر أحمد، روي عن أبي الوقت وغيره. صاحب سنجار المنصور (¬٧) محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، مات في هذه السنة، وأبوه كان ختن نور الدين محمود بن زنكي على ابنته، وكان المنصور هذاملكًا عادلًا، وهو الذي حصره الملك العادل أبو بكر بن أيوب، ثم رحل عنه بشفاعة الخليفة الإمام الناصر لدين الله، وخلف عدة أولاد: سلطان شاه، وزنكي، ومظفر الدين وغيرهم. الخاتون الجليلة المصونة ست (¬١) الشام، بنت أيوب بن شاذى، أخت الملوك: السلطان صلاح الدين، والسلطان الملك العادل، والمعظم تورانشاه، وكانت شقيقة المعظم، كان لها من الملوك محارم خمسة وثلاثون ملكًا منهم الملك المعظم تورانشاه صاحب اليمن، وهو مدفون عندها في تربتها في القبر القبلى من الثلاثة، وفي الأوسط منها زوجها [٤٠٠] وابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي صاحب حمص، وكانت قد تزوجته بعد أبي ابنها حسام الدين عمر بن لاجين، وهي وابنها حسام الدين عمر في القبر الثالث. ويقال للمدرسة والتربة: الحسامية (¬٢) نسبة إلى ابنها هذا حسام الدين عمر بن لاجين، وكان من أكابر الأمراء عند خاله صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكانت ست الشام من أكثر النساء خدمة وإحسانا إلى الفقراء والمحاويج، وتعمل في كل سنة في دارها بألوف من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك، فتفرق على الناس، وكانت وفاتها يوم الجمعة آخر النهار، السادس عشر من ذي القعدة من هذه السنة، في دارها التي جعلتها مدرسة، وهي الشامية الجوانية، ونقلت منها إلى تربتها بالشامية البرانية، وكانت جنازتها عظيمة حافلة جدا (رحمها الله تعالى).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والمسلمون في كرب شديد من أمور: (الأول): من جهة الفرنج وهم متملكون دمياط، والسلطان الملك الكامل مقيم في المنصورة لأجلهم، مرابط للجهاد. (الثاني) وهو معظمها خروج التتار من بلادهم واستيلاؤهم (¬١) على بلاد المسلمين وفسادهم. و (الثالث) وقوع الفتن في أطراف البلاد: من ذلك أن الملك الأشرف كان قد أقطع عماد (¬٢) الدين أحمد بن سيف الدين على المشطوب رأس عين (¬٣) فخرج عليه، وجمع جمعا، وحسن لصاحب سنجار (¬٤) محمود بن قطب الدين الخروج عن طاعة الأشرف، فخرج بدر الدين لؤلؤ من الموصل، وحضر ابن المشطوب بتل أعفر (¬٥) وأخذه بالأمان، ثم قبض عليه، وأعلم الملك الأشرف بذلك، فسر به غاية السرور، واستمر ابن المشطوب في الحبس، ثم سار الأشرف من حران واستولى على دنيسر (¬٦)، وقصد سنجار، فأتته رسل صاحبها محمود بن قطب الدين يسأل أن يعطى الرقه عوضا عن سنجار ليسلم سنجار إلى الأشرف، فأجاب الأشرف إلى ذلك وتسلم سنجار في مستهل جمادى الأولى، وسلم إليه الرقة (¬٧) وهذا كان من سعادة الأشرف فإن أباه الملك العادل نازل سنجار في جموع كثيرة، وطال مقامه عليها ولم يملكها، وملكها ابنهُ الأشرف بأهون سعي. وبعد أن فرغ الأشرف من سنجار سار إلىالموصل (¬١)، ووصل إليها في تاسع عشر جمادى الأولى، وكان يوم وصوله إليها يومًا مشهودًا، و كتب إلى مظفر الدين (¬٢) صاحب إربل يأمره أن يعيد صهره عماد الدين (¬٣) زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود عَلَى بدر الدين لؤلؤ القلاع التي استولى عليها، فأعادها جميعها، وترك في يده منها العمادية (¬٤)، واستقر الصلح بين الأشرف وبين مظفر الدين صاحب إربل وعماد الدين زنكي صاحب العفر (¬٥) وشوش (¬٦)، وكذلك استقر الصلح بينهما وبين صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، ولما استقر ذلك رحل الملك الأشرف من الموصل ثاني عشر رمضان وعاد إلى سنجار، وسلم بدر الدين لؤلؤ قلعة تل أعفر إلى الملك الأشرف، ونقل الملك الأشرف ابن المشطوب من حبس الموصل وجعله مقيدًا في جب بمدينة حران حتى مات سنة تسع عشرة وستمائة، ولقي بغيه وخروجه مرة بعد أخرى (¬٧).
  • full passagepage 984, entry [423]27,186 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان شيخ (¬٨) الشيوخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدين محمود بن حمويه من بيت رئاسة وإمرة عند بني أيوب، وكان شيخ الشيوخ هذا فقيهًا فاضلًا، درس بتربة الشافعي بمصر وبمشهد الحسين وولي مشيخة سعيد السعداء والنظر فيها، وكانت له حرمة وافرة عند الملوك، وأرسله الملك الكا
    ▸ expand full passage (27,186 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان شيخ (¬٨) الشيوخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدين محمود بن حمويه من بيت رئاسة وإمرة عند بني أيوب، وكان شيخ الشيوخ هذا فقيهًا فاضلًا، درس بتربة الشافعي بمصر وبمشهد الحسين وولي مشيخة سعيد السعداء والنظر فيها، وكانت له حرمة وافرة عند الملوك، وأرسله الملك الكامل إلى الخليفة يستنصره على الفرنج فمات بالموصل بالإسهال، ودفن بها عند قضيب البان عن ثلاث وسبعين سنة.وقال أبو شامة (¬١): وصل إلى الموصل في منتصف جمادى الآخرة فتوفي بها بعلة الذرب في الرابع والعشرين منه. ابن الجهني (¬٢) أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أبي بكر بن المجلى الموصلي، ويعرف بابن الجهني، كان شابًا فاضلًا، ولي كتابة الإنشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل، ومن شعره: [٤٠٨] نفسي فداءُ الذي فكرتُ فيه وقد … غدوتُ أغرق في بحر العجبِ يبدو بليل على صبح على قمر … على قضيب على وهم على كثب رضي (¬٣) الدين المؤيد بن محمد بن على الطوسي الأصل النيسابوري الدار؛ المحدث، مات في هذه السنة، وكان أعلى المتأخرين إسنادا، سمع كتاب مسلم من الفقيه أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي وكان الفراوي فاضلا، قرأ الأصول على إمام الحرمين، وسمع الفراوي صحيح مسلم على عبد الغافر في سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكانت ولادة رضي الدين في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات في شوال من هذه السنة. الشيخ (¬٤) عبد الله اليونيني؛ أسد الشام، من قرية يقال لها: يونين. من بعلبك، وكانت له زاوية يقصد فيها للزيارة، وكان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، له همة عالية في الزهد والورع بحيث أنه كان لا يقتني شيئا ولا يملك مالا ولا ثيابا، ولا يتجاوز قميصا في الصيف وفروة فوقه في الشتاء، وعلى رأسه قبع من جلد الماعز، شعره إلى ظاهره، وكان لا ينقطع عن غزاة من الغزوات، ويرمي عن قوس زنته ثمانون رطلًا بالدمشقي، وكان يجاور في بعض الأحيان بجبل لبنان، ويأتي في الشتاء إلى عيون العاسريا التي في سفح الجبل المطل على قرية دومة، شرقي دمشق، لأجل سخونة الماء فيقصد بالزيارة هنالك، ويجيء تارة إلى دمشق فينزل بسفح قاسيون عند القادسية، وكانت له أحوال ومكاشفات صالحة.وحكى السبط (¬١) عن القاضي جمال الدين يعقوب الحاكم بكرك البقاع أنه شاهده مرة وهو يتوضأ من ثورا (¬٢) عند الجسر الأبيض، إذمر نصراني ومعه حمل بغل خمرا (¬٣)، فعثرت الدابة عند الجسر، فسقط الحمل، فرأى الشيخ وقد فرغ من وضوئه ولا يعرفه، فاستعان به على رفع الحمل، فاستدعاني الشيخ، فقال: تعال يافقيه ساعدنا على تحميل هذا (¬٤) الحمل على الدابة فتساعدنا عليه، وذهب النصراني فتعجبت من ذلك، وتبعت الحمل وأنا ذاهب إلى المدينة، فانتهى به إلى العقيبة (¬٥) فأورده إلى الخَمَّار بها فإذا هو خل، فقال له الخمار: ويحك ذا خل. فقال النصراني: أنا والله أعرف من أين أتيت. ثم ربط الدابة في خان، ورجع إلى الصالحية. فسأل عن الشيخ فعرفه، فجاء إليه فأسلم على يديه. وكان لا يقوم الأحد يدخل إليه، ويقول: إنما يقوم الناس لرب العالمين. وكان يدخل إليه الملك الأمجد صاحب بعلبك ويجلس بين يديه، فيقول له الشيخ: يا مجيد فعلت كذا وكذا، ويأمره بما يأمره وينهاه بما ينهاه عنه، وهو يمتثل جميع ما يقوله، وماذاك إلا لصدقه في زهده وورعه، وكان يقبل الفتوح ولكن لا يدخر منه شيئًا الغد، وإذا اشتد جوعه أخذ من ورق اللوز فيفركهـ ويستفه ويشرب فوقه الماء البارد، وذكروا أنه كان يحج في بعض السنين في الهواء، وقد وقع هذا الطائفة كبيرة (¬٦) من الزهاد وصالح العباد (¬٧). وقال ابن كثير (¬٨): ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي من أصحاب الحسن البصري ثم من بعده من (¬٩) الصالحين. وقال السبط (¬١٠): كنت قد اجتمعت به في الشام من سنة ستمائة إلى سنة ثلاث وستمائة، وكان له تلميذ اسمه توبة، وكان من الصالحين الأجواد، وسافرت إلى العراق في سنةأربع وستمائة، وحججت، فلما كان [٤٠٩] يوم عرفة صعدت جبل عرفات وإذا بالشيخ عبد الله قاعد على رأس الجبل مستقبل الكعبة، وعليه الثوب الخام، وعلى رأسه القلنسوة (¬١) السوداء، فسلمت عليه، فرحب بي وسألني عن طريقي، وقعدت عنده (¬٢) إلى قريب الغروب، ثم قلت له: ما تقوم تروح إلى المزدلفة. قال: اسبقني أنت على رفاق. فنزلت من الجبل وأتيت المزدلفة، ووقفت بها، وجئت إلى مني فدخلت مسجد الحنيف، وإذا بالشيخ توبة خارج من المسجد، فسلم على، فقلت له: أين نزل الشيخ؟ ظنًا مني أنه قد حج معه، فقال: أيما شيخ؟ قلت: الشيخ عبد الله. قال: خلفته ببعلبك. ففطنت، فقلت: مبارك. ففهم فلزم بيدى وبكي. وقال: بالله حدثني إيش معنى هذا؟ فقلت: رأيته البارحة على عرفات وحدثته الحديث ورجعت أنا على بغداد، وجاء توبة إلى دمشق، وحدّث الشيخ عبد الله الحديث، فحدثني توبة قال: قال لي الشيخ: ماهو صحيح منك، فلان فتى، والفتى ما يكون غمازًا. فلما عدت إلى الشام عتبنى الشيخ فقلت: توبة تلميذك. فقال: لا تعد إلى مثلها. كأنه كره أن يتحدث له بكرامة في حال حيوته. وقال ابن كثير (¬٣) ناقلا عن السبط (¬٤) قال: حكى لي عبد الصمد خادِمه قال: لما كان يوم الجمعة من العشر الأول من ذي الحجة نزل فصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح ليس به شيء، ودخل الحمام قبل الصلاة، واغتسل، وكان عليه ثوبان قد سماهما لامرأتين (¬٥)، وجاءه داود المؤذن وكان يغسل الموتى، فقال له: ويحك ياداود انظر كيف تكون غدا؟ فما فهم داود. وقال: يا سيدي كلنا غدا في غفارتك. ثم صعد الشيخ إلى المغارة، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا صخرة عند اللوزة التي كان ينام تحتها ويقعد عندها، وعندها قبر، وكان في نهار الجمعة، قد نُحرت الصخرة وبقى منها مقدار نصف ذراع. فقال لهم: لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها. قال: وبات طولالليل يذكر أصحابه ومعارفه ويدعو لهم، وطلع الصبح فصلى بي، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس عليها وبيده سبحته، وقام الفقراء يتممون الصخرة، وطلعت الشمس وقد فرغوا منها، والشيخ قاعد نائم والسبحة بيده. وجاء خادم من القلعة إليه في شغل، فرآه نائمًا قاعدا، فما تجاسر أن يوقظه، فقعد ساعة، فطال عليه، فقال: يا عبد الصمد ما أقدر أقعد أكثر من هذا. قال: فتقدمت إليه وقلت: سيدي سيدي فما تكلم، فحركته فإذا به ميّت، وقد فرغوا من الصخرة، وعملوا فيها ساعة، وهو ميت، وارتفع الصياح، وكان صاحب بعلبك في الصيد، فأرسلوا وراءه فجاء، فرآه على تلك الحال لا وقع ولا وقعت السبحة من يده، وهو كأنه نائم، فقال: دعونا نبنى عليه بنيانًا وهو على حاله ليكون أعجوبة الدنيا أن الإنسان يموت وهو قاعد ولا يتغير. فقالوا: اتباع السنة أولى، وطلع داود فغسله، ودفع الثوبين إلى المرأتين. ولما ألحدوه قال له الحفار: يا شيخ عبد الله اذكر ما عاهدتنا عليه. قال: ففتح عينيه ونظر إلىَّ شزرا. ودفن عند اللوزة يوم السبت، وقد جاوز ثمانين سنة ﵁ ورحمه. وكان الشيخ محمد الفقيه اليونيني من جملة تلامذته ومن يلوذ به. وهو جد هؤلاء المشايخ بمدينة بعلبك (¬١). الملك (¬٢) المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة [٤١٠] توفي في ذي القعدة منها بقلعة حماة، وكانت مدة مرضه أحدًا وعشرين يوما، وورم دماغة قبل موته، وكان شجاعا عالما محبا للعلماء، ورد إليه منهم جماعة كثيرة، قيل: الشيخ سيف الدين الآمدي، وكان في خدمة المنصور قريب من مائتي متعمم من النحاة والعلماء والمشتغلين بغير ذلك، وصنف المنصور عدة مصنفات مثل: المضمار في التاريخ في عشر مجلدات، وطبقات الشعراء، وكان معتنيا بعمارة بلده والنظر في مصالحه، وهو الذي بنى الجسر الذي خارج باب حمص، واستقر له بعد وفاة والده من البلاد: حماة، والمعرة (¬٣)، وسلمية (¬٤)، ومنبج (¬٥)، وقلعة نجم (¬٦)، فلما فتحبارين (¬١) وكان بيد إبراهيم بن المقدم، ألزمه عمه السلطان الملك العادل أن يردها عليه، فأجاب إلى تسليم منبج وقلعة نجم عوضا عنها، وهما خير من بارين بكثير، ولكنه اختار ذلك لقرب بارين من بلده، وجرت له حروب مع الفرنج وانتصر فيها، وكان ينظم الشعر، ولما توفى الملك المنصور كان ولده الملك المظفر المعهود إليه بالسلطنة عند خالة الملك الكامل بديار مصر في مقابلة الفرنج، وكان ولده الآخر الملك الناصر صلاح الدين قليج أرسلان عند خاله الآخر الملك المعظم بدمشق، وهو في الساحل في الجهاد وقد فتح قيسارية وهدمها، وسار إلى عثليث (¬٢) ونازلها، وكان الوزير بحماة زين الدين بن فريج، فاتفق هو وأكابر الدولة على استدعاء الملك الناصر صلاح الدين لعلمهم بلين عريكته وشدة بأس الملك المظفر، فأرسلوا إلى الملك الناصر وهو مع الملك المعظم كما ذكرنا، فمنعه الملك المعظم من التوجه إلا بتقرير مالي عليه يحمله إلى الملك المعظم في كل سنة، قيل: إن مبلغه أربع مائة ألف درهم. فلما أجاب الملك الناصر إلى ذلك وحلف عليه، أطلقه الملك المعظم. فقدم الملك الناصر إلى حماة، واجتمع بالوزير زين الدين بن فريج وبالجماعة الذين كاتبوه، واستحلفوه على ما أرادوا، وأصعدوه إلى القلعة، ثم ركب من القلعة بالصناجق السلطانية، وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة لأن مولده سنة ستمائة. ولما استقر الملك الناصر في حماة وبلغ أخاه الملك المظفر ذلك استأذن الملك الكامل في المضى إلى حماة ظنا منه أنه إذا وصل إليها يسلمونها له بحكم العهد الذي كان له في أعناقهم، فأعطاه الملك الكامل الدستور، وسار حتى وصل إلى الغور، فوجد خاله المعظم صاحب دمشق هناك، فأخبره ابن أخيه (¬٣) الناصر قد تملك حماة، ويخشى عليه أنه إن وصل إليه يعتقله، فسار الملك المظفر إلى دمشق وأقام بداره المعروفة بالزنجيلي، وكتب الملك المعظم والملك المظفر إلى أكابر حماة في تسليمها إلى الملك المظفر، فلم يحصل منهم إجابة، فعاد الملك المظفر إلى مصر وأقام في خدمة الملك الكامل، وأقطعه إقطاعا بمصر. وكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى.الملك (¬١) الصالح ناصر الدين محمود بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد، توفي في هذه السنة في صفر بآمد، وكان شجاعا عاقلا جوادا محبا للعلماء، وكان مصاحبًا للملك الأشرف موسى بن السلطان الملك العادل، يجيء إلى خدمته مرارا، وملك بعده ولده الملك المسعود، وكان بخيلا فاسقًا، فأخذه الملك الكامل وحبسه بمصر ثم أطلقه، فأخذ أمواله التتار. قال أبو شامة (¬٢): أخذ الملك الكامل منه أمد وحمله إلى مصر، فحبسه في الجب مدة ثم أطلقه، فمضى إلى التتار [٤١١] ومعه أموال فأخذت منه. الملك (¬٣) الفائز غياث الدين إبراهيم بن الملك العادل، كان قد انتظم له الأمر في الملك بعد أبيه على الديار المصرية على يدي الأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب كما ذكرنا، لولا أن الملك الكامل تدارك ذلك سريعا، ثم أرسله أخوه في هذه السنة إلى أخيهما الملك الأشرف موسى يستحثه في سرعة المسير إليهم بسبب الفرنج، فمات بين سنجار والموصل، وقد ذُكِر أنه سُمَّ فَرُدِّ إلى سنجار فدفن بها عند تربة عماد الدين زنكي. الأمير (¬٤) أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم العلوي الحسني الزيدي؛ صاحب مكة شرفها الله تعالى، مات في جمادى الأولى من هذه السنة، وقد بلغ من السن سبعين سنة. وذكر ابن الأثير (¬٥) وفاته في سنة ثماني عشرة وستمائة، وكان شيخا طويلا مهيبا لا يخاف من أحد من الخلفاء ولا الملوك، ويرى أنه أحق بالأمر من كل أحد، وكان الخليفة يود أن لو حضر عنده فيكرمه، وكان يأبى من ذلك ويمتنع منه أشد الامتناع، ولم يفد إلى أحد قط ولاذل لخليفة ولا ملك: قد كتب إليه الخليفة مرة يستدعيه فكتب إليه:ولي كفُّ ضرغام أَذِلَّ ببطشِها … وأَشري بها بين الورى وأبيع وكل (¬١) ملوكِ الأرضِ تلثمُ ظَهَرهَا … وفي وسطها (¬٢) للمجد بين ربيع أأجعَلُها تحت الرحا ثم أبتغي … خلاصًا لها إني إذا لرقيع وما أنا إلا المسكُ في كل بقعة (¬٣) … يَضُوُع وأما عندكم فيضيعُ (¬٤) وقال أبو شامة (¬٥): ولما كتب إليه الخليفة، قال: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغني شهامتك وحفظك للحاج وعدلك، وشرف نفسك وعفتك ونزاهتك، وقد أحببت أن أراك وأشاهدك وأحسن إليك، فكتب إليه هذه الأبيات، وقال أيضا: ولم يرتكب كبيرة على ما قالوا، وكان في زمانه يؤذن في الحرم بحي على خير العمل على مذهب الزيدية، وكان عادلا منصفا نقمة على عبيد مكة والمفسدين، والحاج في أيامه مطمئنون آمنون على أنفسهم وأموالهم. وفي تاريخ النويري (¬٦): وكانت ولايته قد اتسعت إلى نواحى اليمن، وكان حسن السيرة في مبدء أمره، ثم أساء السيرة وجدد المظالم والمكوس (¬٧) وصورة ما جرى له أن قتادة كان مريضا فأرسل عسكرا مع أخيه ومع ابنه الحسن بن قتادة للاستيلاء على مدينة النبي ﷺ وأخذها من صاحبها، فوثب الحسن بن قتادة في أثناء الطريق على عمه فقتله، وعاد إلى أبيه قتادة بمكة فخنقه، وكان له أخ نائب (¬٨) بقلعة ينبع (¬٩) فأرسل إليه ا لحسن فحضر إلى مكة فقتله أيضا، وارتكب من ذلك أمرًا عظيما في قتل أبيه وعمهوأخيه في أيام يسيرة، ولم يمهل الله حسنا أيضا بل سلبه الملك وشرده في البلاد، وقيل: بل قتل. وذلك أن الأمير أقباش امير حاج العراق قدم مكة في هذه السنة ومعه خلع للأمير حسن بن قتادة المذكور بولايته لإمرة مكة بعد أبيه، فنازع في ذلك راجح وهو أكبر أولاد قتادة، وقال: لا يؤمر عليها غيري. فوقعت فتنة أفضت إلى قتل أقباش غلطا، وتشتت حال حسن المذكور وشرد في البلاد وقيل: بل قتل كما ذكرنا (¬١). الأمير (¬٢) أقباش بن عبد الله الناصري؛ اشتراه الخليفة وهو ابن خمس عشرة سنة بخمسة آلاف دينار، ولم يكن بالعراق أجمل صورة منه، ثم قربه [٤١٢] الخليفة إليه ولم يكن يفارقه، فلما ترعرع ولاه إمرة الحج والحرمين، وكان عاقلا متواضعا محبوبا إلى القلوب، حج ومعه خلع للتقليد لحسن بن قتادة، كان قتادة قد مات فلما وصل أقباش إلى عرفات جاءه راجح بن قتادة أخو حسن بن قتادة وسأله أن يوليه إمارة مكة وقال: أنا أكبر ولد قتادة. فلم يجبه، وظن حسن أن أقباش قد ولاه فأغلق أبواب مكة، وجاء أقباش فنزل بالشبيكة (¬٣) بعد أيام مني، ووقعت الفتنة بين حسن وأخيه، ومنع حسن الناس من الدخول إلى مكة، فركب أقباش ليسكن الفتنة ويصلح بين الأخوين، فخرج عبيد مكة وأصحاب حسن من باب المعلي يقاتلونه، فقال: ما قصدي القتال. فلم يلتفتوا عليه، وانهزم أصحابه وبقى هو وحده، وجاء عبد فعرقب فرسه فوقع إلى الأرض، فقتلوه وحملوا رأسه إلى حسن بن قتادة على رمح، فنصبه بالمسعى عند دار العباس، ثم رد إلى جسده ودفن بالمعلي (¬٤)، وأراد حسن نهب الحاج العراقي فمنعه المبارز المعتمد وخوفه الكامل والمعظم، فأجابه، ووصل الخبر إلى بغداد فحزن الخليفة حزنا عظيما، ولم يخرج الموكب للقاء الحاج، وأدخل الكوس والعَلمُ في الليل، ولم ينتطح فيه عنزان في قتل أقباش، وقد كان أولى أن يتناطح الكباش، وكان قتله في سادس عشر ذي الحجة.السلطان (¬١) علاء الدين خوارزم شاه: والكلام فيه على أنواع: (الأول) في ترجمته: هو السلطان محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسِز بن محمد بن أنوشتكين. وخوارزم شاه لقبه، سمي بذلك لأن كرسىّ مملكته كانت خوارزم، وكذلك كل من لقب بذلك كان لهذا المعنى، وكانت كُنتُه أبا الفتح، ورث المملكة عن أبيه علاء الدين تكش، وقد ذكرنا أن جده أرسلان بن أطسز توفي في سنة ثمان وستين وخمسمائة، وملك بعده ابنه الصغير سلطان شاه محمود، ودبرت والدته مملكته. وكان علاء الدين تكش مقيما بخندق أقطعه أبوه إياه (¬٢)، ولما مات سلطان شاه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة استقر في مملكة خوارزم أخوه علاء الدين تكش بن أرسلان والد السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، وفي أيامه انقرضت دولة بني سلچوق، وكان أعورا، ملك بخاري في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وكانت للخطا (¬٣)، ثم مات تكش في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وملك بعده علاء الدين محمد بن تكش الملقب بخوارزم شاه المذكور. وكان ملوك التتار في أيامه ست أنفس، كل واحد منهم سُمِّى خان (¬٤)، وكان خانهم الأعظم الكبير الذي عاصر السلطان علاء الدين المذكور ألطون خان (¬٥) توارث المملكة كابرا عن كابر بل كافرًا عن كافر، وكانوا مقيمين بطوغاج، وهي واسطة الصين، وكان من جملتهم في عصره ملك سمي دوشي خان، وكان قد تزوج بعمة جنكيزخان، وهي من قبيلة معروفة بالتمرجي سكان البراري، ومنشأهم موضع يسمى أرغون (¬٦)، وكانوامشهورين بالشر والغدر، واتفق أن دوشي خان مات فجاء إليها جنكيزخان معزيا، ولم يخلف ولدا فتولي عوض دوشي خان، فلما سمع بذلك ألطون خان الذي هو أكبر الخانات غضب غضبا شديدا حيث ولي جنكيزخان بغير أمره، فآخر الأمر بعد ماجريات كثيرة قوى جنكيزخان وملك البلاد [٤١٣] ثم قصد بلاد المسلمين، وجري بين عسكره وعسكر خوارزم شاه ماجريات كثيرة قد ذكرناها في أثناء السنين المتقدمة، فآل آخر الأمر إلى أن تشتت حال خوارزم شاه، وتوفي في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى (¬١). (الثاني) في سيرته: كان فاضلا عالما بالفقه والأصول وغيرهما، وكان صبورًا على التعب وإدمان السير (¬٢). وقال ابن كثير (¬٣): وقد كان السلطان خوارزم شاه محمد فقيها حنيفا فاضلا، له مشاركات في فنون من العلم، يفهم جيدا ولم يكن بعد ملوك بني سلجوق أكثر حرمة ولا أعظم ملكا منه؛ لأنه إنما كانت همته في الملك لا في اللذات والشهوات، ولهذا قهر الملوك بتلك الأراضي، وأحل بالخطا بأسا شديدا حتى لم يبق ببلاد خراسان وما وراء النهر وكذلك عراق العجم وغيرها من البلاد والمماليك سلطان سواه، وجميع البلاد تحت أيدي نوابه، وكان قد اتسع ملكهـ وعظم محله، مَلَكَ من حد العراق إلى تركستان، وملك بلاد غزنة، وبعض الهند وسجستان وملك بلاد غزنة وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبل وخراسان وبعض فارس. وفي المرآة (¬٤): قصد العراق في أربع مائة ألف، ووصل إلى همذان يريد بغداد، وقيل: كان معه ستمائة جتر (¬٥) تحت كل جتر ألف، وكان قد أفنى ملوك خراسان وما وراء النهر، وقتل صاحب سمرقند وأخلى البلاد من الملوك واستقل بها فكان ذلك سببا الهلاكهـ. قال: وكان لما نزل همدان سبعون ألفا من الخطا في عسكره فكاتب القمي يعني وزير بغداد عساكره ووعدهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخطا على قتله، وبعث القمي إليهم بالأموال والخيول والخلع سرًا، فكان ذلك سببا لوهنه، ولما علم خوارزم شاه بذلكسار من همذان طالبا خراسان، فنزل مرو والتقى في طريقه الخيل والخلع والكتب المنفذة إلى الخطأ فلم يمكنه الرجوع لفساد عسكره. (الثالث) فيما يختص به دون سائر الملوك لا يشاركه فيها غيره. منها الجتر منشورًا على رأسه إذا ركب. ومنها الككج وهي أنبوبة تتخذ من الذهب الأحمر بين أدني مركوبة تخرج منها المغرفة وتشد إلى طرف اللجام. ومنها الأعلام السذج السرد محمولة. ومنها أن جنائبه (¬١) كانت تجر قدامه وجنائب الملوك كانت من ورائهم. ومنها أن أذناب خيله تلف من أوساطها مقدار شبرين ولو فعل ذلك غيره قطع ذنب فرسه، ومنها الجلوس بين يديه على الركبتين لمن يريد مخاطبته. وقال أبو الفتح: من أراد أن يقضي شغلا لشخص عنده كان يبرك على ركبتيه بين يديه ثم يكلمه، وليس لأحد أن يقف حذاه ولو أنه كان ملكا أو وزيرا كبيرا. ومنها أنه كانت (¬٢) تحمل البقج (¬٣) السود على أكتاف الجمدارية (¬٤) ولا تحمل لغيره على الكتف. ومنها أن نوبة (¬٥) كانت خمس (¬٦)، وعادة النوب للأمراء أصحاب السناجق (¬٧) كانت ثلاثة (¬٨)، وكانت دبادبه (¬٩) سبعا وعشرين دبدبة من الذهب الأحمر قد رصعتبأنواع الجواهر، وكذا باقي آلات النوبتية، وجعل سبعة وعشرين ملكا يضربونها في أول يوم مرفيه، وكانوا من أكابر الملوك أولاد السلاطين منهم: ابن طغربل أرسلان السلجوقي، وأولاد غياث الدين صاحب الغور، والملك علاء الدين صاحب باميان، والملك تاج الدين صاحب بلخ، وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ، والملك سنجر صاحب بخاري وأشباهم (¬١) [٤١٤]. وكان يمد السماط بين يدي السلطان علاء الدين خوارزم شاه في أواني الذهب والفضة ليس فيها شيء غير ذلك. (الرابع) في عاداته وخاصة نفسه: كان يختص به في المراتب التي لا يشاركه فيها غيره، حيث صار بابه مُزْدْحم ملوك الأرض وعظمائها، وكانوا يفاخرون بلثم ترابه، وقل. من نجا منهم من نقمته، ورَقي إلى درجة الملوكية جماعة من مماليكه، فصار طشتداره (¬٢) ملكا، وركبداره (¬٣) ملكا، وسلحداره (¬٤) ملكا، وجماعة من أمراء أخوريته (¬٥) ملوكا، ومع هذا لم يُعطلوا ما كان من وظائفهم من خدمة الطشت والركاب (¬٦). وكان بختيار الرومى الركبدار يقف بفرس النوبة على الباب، وجهان پهلوان الطشتدار كذلك يقف في نوبته، وكان لكل طائفة من الحاشية أعلام سود تعرف بها، فعلامة الدوادارية (¬٧)الدواة، وعلامة السلحدارية القوس، وعلامة الطشدارية الطشت والإبريق، وعلامة الجمدارية البقج، وعلامة الأمير أخورية البغل، وعلامة البهلوانية الدبوس، وعلامة الجاندارية الحربة، وعلامة الجاوشية قبة من الذهب مضروبة بخيط على قلانسهم تعرف من بعيد فَيُحْتَرز منهم، وكانوا يطردون الناس ضربا من غير احتراز، وكان حجاب (¬١) الميمنة غير حجاب الميسرة، ولكل فرقة منهم كبير يعرف بخاص حاجب، وهكذا البهلوانية، والجاويشية، والملوك، والخانات (¬٢)، والأمراء أصحاب الميمنة والميسرة، وإذا حضروا مجلس السلطان لاتقف كل فرقة إلا عن جهتها. وأما السماط فكانوا يمدوه والناس وقوف، ولا يقدر أحد أن يجلس ولا يمد يده إلى القمة حتى يأكل السلطان لقمة من الخونجات (¬٣) التي بين يديه، ثم يؤمر الناس بالجلوس للأكل فتحمل الخونجات الخاص إلى الجهتين برسم الملوك والخانات، ويجلس سائر الناس على السماط العام، والزبادي كلها ذهبية وفضية. ومن عادته إذا عاد من سيره لم يخاطب إلا بالحجاب. (الخامس) في وفاته: قد ذكرنا ما جرى بينه وبين جنكيزخان، وآخر الأمر لما هرب من التتار دخل قلعته التي في وسط بحر طبرستان وهم يسمونه بحر القلزم وليس كذلك، ويحصن بها من التتار، وحصل له مرض ذات الجنب (¬٤)، وأقام هناك فريدا وحيدا طريدا لا يملك طارفا ولا تليدا، والمرض يزداد به، وكان في أهل مازندران أناس يتقربون إليه بالمأكول وما يشتهيه، وكان إذا أهدى إليه شيء وهو في تلك الحالة يطلق لمن أهدى إليه بشيء، ولم يكن عنده من يكتب فتولى ذلك بنفسه، وكان يعطى مثل السكين والمنديلعلامة بإطلاق البلاد والأموال، ثم أدركته المنية وهو بالجزيرة على تلك الحالة في هذه السنة، وغسلة شمس الدين محمود بن بلاغ الجاويش ومقرب الدين مقدم الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفمن به، فكفن في قميصه، ودفن بالجزيرة في هذه السنة على سنة سبع عشرة وستمائة (¬١). وذكر في المرآة (¬٢) وفاته في سنة خمس عشرة وستمائة والصحيح ما ذكرناه؛ لأن أبا الفتح المنشئ النَّسَائِيّ كاتب إنشائه ذكر وفاته في هذه السنة والعمدة عليه في هذا، وكانت مدة مملكته إحدى وعشرين سنة وشهورا. وفي المرآة (¬٣): ولما نزل خوارزم شاه همذان كان في عسكره [٤١٥] سبعون ألفا من الخطأ وكانوا اتفقوا على قتله، ولما علم بذلك سار من همذان طالبا خراسان، فنزل مرو وكان خاله من الخطأ وكانوا قد حلفوه أن لا يطلعه على ما دبروا عليه، فجاء إليه في الليل وكتب في يده صورة الحال، ووقف بإزائه فنظر إلى السطور وفهمها وهو يقول: خذ لنفسك فالساعة تُقْتَل، فقام وخرج من تحت ذيل الشقة ومعه ولداه جلال الدين وآخر، فركب وسار بهما، ولما خرج من الخيمة دخل الخطأ والعساكر من بابها ظنا منهم أنه فيها، فلم يجدوه فنهبوا الخزائن والخيول والخيام والجواري، وأما خوارزم شاه فإنه هرب إلى البحر وركب في مركب صغير إلى جزيرة، وهرب ولده جلال الدين إلى الهند ومعه أخوه، وصعد خوارزم شاه إلى الجزيرة وبها قلعة ليتحصن بها، فأدركه الموت دون صعود القلعة، فدفنوه على ساحل البحر، وجاء الخطا فدلوا عليه، فنبشوه وقطعوا رأسه، وأخذوه وعادوا، وتفرقت الممالك بعده، وظهر التتار على الخطأ بعد سنتين، وصار الخطأ تبعا لهم وأخذوا البلاد. (السادس) في خزائنه وأمواله: وفي المرآة (¬٤): لما نهب الخطا خزائنه في الليلة قصدوا قتله كما ذكرناه الآن، كان في خزائنه عشرة (¬٥) ألف ألف دينار، وألف حمل قماش أطلس وغيره، وكان له عشرون ألف فرس وبغل، وكان له عشرة آلاف مملوك مثل الملوك،فتمزق الجميع ونهب. وفي تاريخ بيبرس: وقد كانت جُشارات (¬١) خيله تنيف على ثلاثين ألف جشار متفرقة في البلاد، وقال أبو الفتح المنشيء كاتب إنشاء خوارزم شاه: ح كي لي الأمير تاج الدين عمر البسطامي وكان من جملة الكتاب للدرج (¬٢)، قال: وصل السلطان في مسيرة إلى العراق فاستحضرني وأحضر عشرة صناديق، ثم قال: هل تعلم ما فيها؟ قلت: السلطان أخبر بها. قال: هذه كلها جواهر لا تعرف قيمتها غير أن هذين - وأشار إلى صندوقين منها - فيهما من الجواهر ما يساوي خراج الأرض بأسرها، فأمرني بحملها إلى قلعة أَرْدَهَن (¬٣)، وهي من أحصن قلاع الأرض فحملتها إليها، وأخذت خط الوالي بها وبوصولها مختومة، ولما انتشر التتار في الأقطار، وأمنوا جانب السلطان خوارزم شاه حاصروا القلعة المذكورة إلى أن صالحهم الوالي بها على تسليم الصناديق إليهم، فتسلموها بختوُمها وحملت إلى جنكيزخان، فسبحان الملك القهار، وما الدنيا لساكنها بدار، ولا الركون إليها إلا انخداع واغترار. (السابع) في أولاده: قال بيبرس في تاريخه: وكان له من الأولاد خمسة وهم: جلال الدين منكبرتي، ومظفر الدين أزلاع شاه، وآق شاه، وهؤلاء الثلاثة كانوا معه وكانت ولاية العهد لأزلاع شاه، ولما مرض وهو في الحالة المذكورة نقل ولاية العهد من أزلاع شاه إلى جلال الدين منكبرتي، وقال: إن عرى السلطنة قد انفصمت، والدولة قد وهنت وانهزمت، وهذا العدو قد قويت شوكته، وما يأخذ ثأري منه إلا جلال الدين منكبرتي، وشد بيده سيفه على وسطه، وأوصى أخوته بطاعته، ولم يلبث بعد ذلك إلا أياما قلائل حتى مات ﵀، وابنه الرابع ركن الدين غور صانجتي، وكان بالعراق يوم مات أبوه، والخامس غياث الدين تترشاه وكان بكرمان. وقال أبو الفتح المنشي: إن السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد [٤١٦] قسم الملك بين أولاده، وكان ذلك فيقوة سلطنته، فعين لكل واحد منهم بلادا، ففوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولي عهده قطب الدين أزلاع شاه، وفوض ملك غزنة، وباميان (¬١)، والغور، وبُست (¬٢)؛ وبكبابان، وزمين دور (¬٣) وما يليها من بلاد الهند إلى ولده الكبير جلال الدين منكبرتي، واستوزر له الصدر شمس الملك شهاب الدين الهروي، وحيث كان لم ير انفصال جلال الدين عن خدمته لمحبته له، واعتقاده ببسالته استناب عنه ببلاد الهند كُرْبُز ملك، فنهض إليها وضبطها فحسنت في السياسة سيرته، وأذعنت له من الملوك جيرته، وأقام بها إلى أن سار إليها جلال الدين بعد خروج التتار على ما يأتي شرحه. ونصَّ ملك كرمان وكيش (¬٤) ومكران على ولده غياث الدين تترشاه، واستوزر له الصدر تاج الدين بن كريم الشرق النيسابوري، فسار تترشاه إليها بعد ظهور التتار، فملكها إلى أن خلت العراق ممن يقوم بضبطها بعد وفاة السلطان وتسحب جلال الدين إلى الهند. ولما سار تترشاه إلى العراق وملكها استناب الحاجب براق بكرمان، وسنذكر باقي أحواله في موضعه إن شاء الله تعالى، وسلم ملك العراق إلى ولده ركن الدين غورشاه، وكان أحسن أولاده، واستوزر له عماد الملك محمد بن سديد الساوي، وقد ناب المذكور عن نظام الملك في الوزارة عدة سنين، ونال فيها رتبة لم ينلها من قبل هؤلاء. وسبب تسميته بغور شاه أنه ولد يوم وردت البشارة على السلطان بالتملك للغور، وزوجه السلطان بابنة هزار رَسف ملك الجبال، وكان سبب تزويجه أنه كان ملكهـ مجاورا (¬٥) بلاده (¬٦).الست الجليلة تركان خاتون (¬١) والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد المذكور، وكانت من قبيلة بياورت، وهي فرع من فروع يمك (¬٢)، وهي فرع من فروع الحطابية، وكانت بنت ملك من ملوكهم، تزوج بها السلطان تكش بن أرسلان والد السلطان خوارزم شاه، ولما صار الملك إلى ولده محمد المذكور قدم إلى والدته قبائل يمك من الترك، فعظم شأن ابنها السلطان محمد، وتحكمت هي أيضا في الملك بسببهم، فلم يملك ابنها إقليما إلا وأفرد لخاصها من ناحية جليلة، وكانت ذات مهابة ورأى، وكانت تنصف المظلوم من الظالم، وكانت جسورة على القتل، وعظم شأنها بحيث أنه إذا ورد توقيعان عنها وعن ولدها السلطان محمد ينظر إلى تاريخهما فيعمل بالأخير منهما، وكان طغراء توقيعها عصمة الدنيا والدين ألغ تركان خاتون ملكة نساء العالمين، وعلامتها اعتصمت بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود الكتابة بحيث يعسر أن يزور عليها علامتها. وكان لها من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الكبراء (¬٣). قال أبو الفتح: وكان لها خيرات وسبلات (¬٤) في البلاد، ولو أتينا بما شاهدناه من عظم شأنها لطال الكلام، وكان خروجها من خوارزم في أواخر سنة ست عشرة وستمائة على ما ذكرتا، وذلك عند وصول رسول جنكيزخان إلى خوارزم، وورد الخبر بإجفال (¬٥) ابنها السلطان خوارزم شاه [٤١٧] عن حافة جيحون، فقلقت لذلك قلقا عظيما، فاستصحبت معها ما أمكنها استصحابه من حرم السلطان وصغار أولاده ونفائس خزائنه، وقد ذكرنا أنها أمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك والأسارى وأبناء الملوك، وهم اثنان وعشرون نفسا، واستصحبت معها أميرخان ابن صاحب يازر لأجل معرفته بالطرقات،فلما قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها المذكور فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا، وصعدت قلعة إيلال من أمهات قلاع مازندران، فأقامت بها إلى أن فرغ التتار من إجلاء السلطان وإلجائه إلى الجزيرة التي مات بها، وحوصرت إيلال أربعة أشهر، وبنى حولها سور، وعملت على السور أبواب تغلق بالليل وتفتح بالنهار، وهذه (¬١) عادتهم في حصار القلاع المنيعة إلى أن يخلص الحصار، ثم أُسرت تركان خاتون وحملت إلى جنكيزخان قال أبو الفتح: حدثني بدر الدين هلال الخادم - وكان من جملة خدامها - وذلك حين نجي بنفسه هاربا، أني قلت لها: هلمي نهرب إلى جلال الدين منكبرتي ولد ولدك وفلذة كبدك فإن الأخبار تواترت بشوكته وأتساع مملكته. فقالت: بُعدا وسحقا، وكيف يهون على أن أكون في نعمة ابن جيجاك بعد ولدي أزلاع شاه؟! وجيجاك هي أم جلال الدين. قالت: والأسر عند جنكيزخان بما أنا فيه من الذل والهوان أحب إلى من ذلك. وكانت تبغض جلال الدين بغضا شديدا، وسبب ذلك أن ولدها السلطان خوارزم شاه كان يهوي جارية مغنية اسمها جيجاك، وكانت جميلة غاية الجمال، وكان السلطان يحبها محبة شديدة إلى أن ملكت قياده وسلبت فؤاده، وكان لتركان خاتون والدته قرابة، وكان قصدها أن تزوجه بها فتمنع السلطان من ذلك بسبب جيجاك، فلما سمعت جيجاك أن والدة السلطان قصدت تزويجه بقرابتها منعته نفسها أياما، وبقي السلطان كلما يدخل عليها لم ينل منها مراما، وقالت له في بعض الأيام: إن كنت تحبني وتختارني فاكتب كتابي. فحملته محبتها على أن كتب كتابها وتبع إرادتها ودخل عليها، فحملت بجلال الدين من وقته وساعته، فحصلت البغضة عند ذلك من تركان خاتون لجيجاك المذكورة، ثم لازالت على السلطان حتى تزوج بقرابتها، فحملت منه بأزلاع شاه، فبهذا السبب حصلت بغضتها لجلال الدين بسبب والدته جيجاك والمحبة لأزلاع شاه بسبب قرابتها. قال أبو الفتح: وحكى لي الخادم المذكور فقال: آل أمر تركان خاتون في الأسر من العسر أنها كانت تحضر سماط جنكيزخان فتحمل منه (¬٢) ما يقوتها أياما، وكان حكمها ينفذ في أكثر أقاليم الأرض، فسبحان المغير من حال إلى حال! وأما صغار أولاد السلطان الذين كانوا معها فقتلوا جميعا إلا أصغرهم سنًا، وهو كماجي شاه، وكانت هي تستأنس به،وكانت يوما تسرح رأسها وتقول: عندي من ضيق الصدر ما لم أكن أجده قبل ذلك إذ أتاها بعض سرهنكية جنكيزخان فأخذ الصبي من عندها، وكان آخر عهدها به، فلما حضر بين يديه أمر بخنقه فخنق، فقد جوزيت في الدنيا بما ارتكبت من إهلاك بني الملوك [٤١٨] الذين ذكرناهم. وأما بنات السلطان اللاتي (¬١) كن معها فقد تزوج بكل واحدة منهن شخص من المزندة، ماخلا بنت كانت تسمى خان سلطان وكانت مزوجة بالسلطان عثمان صاحب سمرقند، فإن دوشيخان بن جنكيزخان أستخصها لنفسه، وتزوج بتركان سلطان وهي شقيقة أزلاع شاه دا نشمند الحاجب الذي ورد رسولا إلى تركان خاتون، وحملت إلى جنكيزخان مغنيات خوارزم شاه وفيهن بنت زنجية ذات حسن وجمال، وكان عند جنكيزخان كَحَّال يسمى زين السمرقندي، وكان قد داوي عين جنكيزخان من الرمد، فطلب تلك المغنية فوهبها له، وكان الكحال مفرطًا في قبح الصورة وسوء العشرة، فأبغضته هي، وحق لها ذلك حيث تكون فراشا لكحال قبيح الصورة بعد السطان خوارزم شاه الذي كان أحسن الناس وجها، وكانت بعد أن وهبها له أقامت عند الوزير نظام الملك وهو يدافع عنها، ولم يسلمها إلى الكحال، فاشتكى الكحال إلى جنكيزخان، فغضب وأمر بإحضار الوزير، وأمر بقتله، وكان هو وزير السلطان خوارزم شاه، وكان أسر فيمن جملة من أسر، ولما قتل جنكيزخان الأسرى أبقى هذا لكونه قد عزله خوارزم شاه، وكان معزولا بطالا، وأيضا أبقاه لاسترفاع حَسْبانات بعض البلاد، فلما شكاه الكحال أمر بقتله (¬٢). وأما تركان خاتون فإنها قتلت أيضا بسمرقند. قال ابن كثير (¬٣): وكان التتار أسروها كما ذكرنا، وأرسلوها بما معها من الجواهر النفيسة والذهب والفضة إلى ملكهم جنكيزخان وهو نازل بسمرقند، وكان آخر العهد بها. والملك لله الواحد القهار.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، والدنيا مكدرة، والبلاد مخبطة، بسبب الفرنج المتملكين دمياط، وبسبب استيلاء جنكيزخان على البلاد.
  • full passagepage 1018, entry [429]5,633 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ الصالح شهاب (¬١) الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي الزاهد العابد الناسك، كان يقرأ على الناس يوم الجمعة الحديث النبوي وهو جالس على أسفل منبر الخطابة بالجامع المظفري، وقد سمع الحديث الكثير، ورحل وحفظ مقامات الحريري في خمسين ليلة، وكانت له فنون كثيرة، وكان ظريف
    ▸ expand full passage (5,633 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ الصالح شهاب (¬١) الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي الحنبلي الزاهد العابد الناسك، كان يقرأ على الناس يوم الجمعة الحديث النبوي وهو جالس على أسفل منبر الخطابة بالجامع المظفري، وقد سمع الحديث الكثير، ورحل وحفظ مقامات الحريري في خمسين ليلة، وكانت له فنون كثيرة، وكان ظريفا مطبوعًا، وكانت وفاته يوم الأحد سلخ صفر، ودفن بقاسيون عند أهله. الشيخ موفق (¬٢) الدين أبو عبد الله عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل المقدسي خطيب بيت الأبار، كان شيخا صالحا، وخطب على منبر دمشق مدة غيبة جمال الدين محمد الدولعي في الرسالة العادلية إلى بلاد الشرق، [٤٢٧] مات في ليلة الجمعة الحادي والعشرين من رجب من هذه السنة. المحدث البارع تقي (¬٣) الدين أبو طاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن الأنماطي قرأ الحديث، ورحل وكتبه، وكان حسن الخط متقنا في علم الحديث حافظًا له، وكان الشيخ تقي الدين بن صلاح يثني عليه ويمدحه، ويتأسف لفقده على فوائد كانت تحصل من عنده. وقال أبو شامة (¬٤): وقرأ على الشيخ تاج الدين الكندي بدمشق تاريخ الخطيب، وطبقات ابن سعد، وشيئا كثيرا، وكان ثقة، وتوفي بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية في طريق المنيبع، وصلي عليه الموفق الحنبلي بجامع دمشق، والفخر ابن عساكر بباب النصر، والجمال المصري قاضي القضاة عند قبره. أبو الغيث (¬٥) شعيب بن أبي طاهر بن كليب بن مقبل الضرير البصري، الفقيه الشافعي، أقام ببغداد إلى أن توفي بها، وكان لديه فضائل، وله وسائل، ومن شعره قوله: إذا كنتم للناس أهل سياسة … فسوسوا كرام الناس بالجود والبذل وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا … عليه فإن الذل أصلح للنذلأبو العز (¬١) شرف بن علي بن أبي جعفر بن كامل، المقرى الضرير الفقيه الشافعي، تفقه بالنظامية، وسمع الحديث، ورواه، وأنشد عن الحسن بن عمرو الحلبي: تمثلتم لي والديار بعيدة … فخيل لي أن الفؤاد لكم مغني وناجاكم قلبي على البعد بيننا … فأوحشتم لفظا وآنستم معني أبو سليمان (¬٢) داود بن إبراهيم بن مندار الجبلي، أحد المعيدين بالمدرسة النظامية، ومما أنشده: أيا جامعًا أمسك عنائك مقصرا … فإن مطايا الدهر تكبو وتقصر ستقرع سنا أو تعض ندامة … يديك إذا خان الزمان وتقصر ويلقاك رشد بعد غيك واعظ … ولكنه يلقاك والأمر مدبر أبو المظفر (¬٣) عبد الودود بن محمود بن المبارك بن علي بن المبارك بن الحسن، الواسطى الأصل البغدادي الدار والمولد، كمال الدين، المعروف والده بالمجير (¬٤)، تفقه على أبيه وقرأ عليه علم الكلام، ودرس بمدرسته عند باب الأزج، ووكله الخليفة الناصر، واشتهر بالديانة والأمانة، وباشر مناصب كبارًا، وحج مرارًا عديدة، وكان متواضعًا حسن الأخلاق، وكان يقول: وما تركت ست وستون حجة … لنا حجة أن يركب اللهو مركبا جلال الدين (¬٥) الحسن، من أولاد الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية، وكان قد أظهر في قومه شعائر الإسلام، وحفظ الحدود المحرمات، والقيام فيها بالزواجر الشرعية، مات في هذه السنة، وتولي بعده ابنه.أبو الدر (¬١) ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب، الملقب أمين الدولة، المعروف بالملكي نسبة إلى السلطان أبي الفتح ملكشاه بن سلجوق بن محمد بن ملكشاه الأكبر، نزل الموصل وأخذ النحو عن أبي محمد سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان، النحوى، وقرأ عليه من تصانيقه جملة، وكان يلازمه، وقرأ عليه ديوان المتنبي والمقامات للحريري [٤٢٨] وغير ذلك، وكتب الكثير وانتشر خطه في الآفاق، وكان في نهاية الحسن، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه من حسن الخط، ولا يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير ونباهة تامة، وكان مُغْرى بنقل صحاح الجوهري، فكتب منها نسخا كثيرة، كل نسخة في مجلد واحد. وقال ابن خلكان (¬٢): رأيت منها عدة نسخ، وكل نسخة تباع بمائة دينار، وكتب عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وكانت له سمعة كبيرة في زمانه وقصده الناس من البلاد، مات بالموصل في هذه السنة، وقد أسن وتغير خطه من الكبر.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة عشر بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، والشرور قائمة في البلاد الخراسانية وما يتاخمها بسبب جنكيزخان، وقد ذكرنا أن جلال الدين بن السلطان علاء الدين دخل غزنة منصورا في السنة الماضية. وقال أبو الفتح المنشئ: وصل جلال الدين إلى غزنة في سنة ثماني (¬١) عشرة وستمائة، وتباشر الناس بوصوله، واتصل بخدمته سيف الدين بغراق الخلنجي (¬٢) وأعظم ملك صاحب بلخ، ومظفر ملك صاحب الأفغانية، والحسن قزلق، [كل] (¬٣) هؤلاء في ثلاثين ألف فارس، ومعه من عسكره وعسكر أمين الملك مثلها، ولما بلغ جنكيزخان ماحل بعسكره من النقمة بقندهار جرد إليه ابنه طولي خان في عسكر كثير، واستقبله جلال الدين بنفسه، فالتقيا، وحمل جلال الدين على قلب عسكر طولي خان، فأنزل الله نصره عليه، وكانت الكسرة على التتار قولوا مدبرين، وركب جلال الدين مع عسكره في طلبهم، وكيف لا يركب أقفيتهم وقد أفجعوه بأخوته وأبيه، وقتل طولي خان المذكور في معركة القتال، وكثر الأسر حتى كان الفراشون يحضرون أساراهم إلى بين يدي جلال الدين، فيدقون الأوتاد في آذانهم تشفيا منهم، وجلال الدين يتفرج ووجهه بالبشاشة ينبلج، وقد عذبوهم في الحياة الدنيا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (¬٤). ولما وصل الخبر إلى جنكيزخان قام وجمع عساكره ورحل إلى ملتقى جلال الدين في ذلك الوقت، واتفق أن العسكر الخلجية (¬٥) قد فارقوا جلال الدين صحبة سيف الدين بغراق غضابًا، وسبب ذلك أنهم لما كسروا ابن جنكيز خان ببيروان (¬٦) زاحمتهم الأتراك في المكاسب، وكان الأتراك ينفرون ويأخذون المكاسب منهم، فاشمأذت لذلك نفوسهم، ونفرت قلوبهم، ووقع الخلف بينهم، وكلما اجتهد جلالالدين في إرضائهم زادت الأتراك عصبية وشرا، ثم لما بلغ جلال الدين نهوض عدو الله إليه في معظم جيوشه وقد فارقه الأمراء وقع في قلبه الخوف حيث علم أنه لا طاقة له بهم، فرأى أن يتأخر إلى حافة ماء السند، ثم يكاتب لهؤلاء المفارقين له، فإن أجابوا، يلتقى جنكيزخان [بهم مبكرًا] (¬١) فعاجله جنكيزخان، وكان جلال الدين قد ثاربه قولنج شديد عند خروجه من غزنة، ولم يرمع ذلك الجلوس في المحفة، وكان يركب الفرس تجلدًا على ما به من الألم إلى أن من الله عليه بالعافية [٤٢٩] وقد ورد الخبر في أثناء هذه الحالة أن مقدمة جنكيزخان قد نزلت بجردير (¬٢)، فركب جلال الدين وكبسهم وقتل منهم جمعا كثيرا، ولم يفلت منهم إلا القليل، ولما بلغ جنكيزخان ذلك هاله، ثم رجع جلال الدين إلى مخيمه بحافة ماء السند، وضاق الوقت عما كان يأمله في جمع المراكب، ورجوع الأمراء الذين كانوا فارقوه، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه، فانكسر المركب، وتعذر العبور، ووصل جنكيزخان، ﴿وَإِذَا (¬٣) أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (¬٤).
  • full passagepage 1031, entry [436]2,396 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد (¬٤) القادر بن داود أبو محمد الواسطي، الشافعي، الملقب بالمحب، اشتغل بالنظامية، وكان فاضلا دينا صالحا. ومما أنشده من الشعر: الفرقدان (¬٥) كلاهما شهدا له … والبدرُ ليلةَ تَمِّه بسها دِه دَنِفٌ (¬٦) إذا أعشى (¬٧) الظلام تضرمت … نارُ الجوي في صدره وفؤاده فجرَتْ مدامع جفنه
    ▸ expand full passage (2,396 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد (¬٤) القادر بن داود أبو محمد الواسطي، الشافعي، الملقب بالمحب، اشتغل بالنظامية، وكان فاضلا دينا صالحا. ومما أنشده من الشعر: الفرقدان (¬٥) كلاهما شهدا له … والبدرُ ليلةَ تَمِّه بسها دِه دَنِفٌ (¬٦) إذا أعشى (¬٧) الظلام تضرمت … نارُ الجوي في صدره وفؤاده فجرَتْ مدامع جفنه في خده … مثل المياه (¬٨) تسيل من أطواده (¬٩) شوقا إلى مُضْنِيه لم أَرَ هكذا … مشتاق مضنى جسمه ببعاده ليت الذي أضناهُ سحرَجفونِه … قبل المماتِ يكونُ من عوادهِ (¬١٠)أبو طالب (¬١) يحيى بن على الباعقوبي، الفقيه الشافعي، أحد المعدلين ببغداد، كان شيخا مليح الشيبة، جميل الوجه، كان يلي بعض الأوقاف، ومما أنشده لبعض الفضلاء: لحملُ تهامة وجبال أحْد … وماء البحر ينقل بالزبيلِ ونقل الصخر فوق الظهر يوما … لأهون من مجالسة الثقيل اتفق أنه طولب بشيء من المال فلم يقدر عليه، فاستعمل شيئا من الأفيون المصرى، فمات من يومه، ودفن بالوردية (¬٢). إمام الحنابلة بمكة الشيخ نصر (¬٣) بن أبي الفرج المعروف بابن الحصري، جاور بمكة مدة، ثم ساقته المنية إلى اليمن، فمات بها في هذه السنة، وقد سمع الحديث من جماعة من المشايخ. وقال السبط (¬٤): سمعت منه الحديث بمكة في سنة أربع وستمائة، وكان متعبدا، لا يفتر من الطواف، صالحا ثقة. الشهاب عبد (¬٥) الكريم بن نجم الحنبلي، أخو البهاء، والناصح، كان فقيها مناظرا، بصيرا بالمحاكمات، وهو الذي أخرج مسجد الوزير من يد الشيخ علم الدين السخاوي، توفي في ربيع الأول منها في دمشق. قطب الدين (¬٦) بن العادل، توفي في هذه السنة بالفيوم، ونقل إلى القاهرة.الملك ناصر (¬١) الدين محمود بن الملك القاهر مسعود صاحب الموصل، مات في هذه السنة، وكان ظالما (¬٢)، وقد ذكرناه عن قريب. الشيخ يونس (¬٣) بن يوسف بن مساعد (¬٤)، شيخ الفقراء المعروفين باليونسية، كان رجلا صالحا وله كرامات مشهورة، وكانت وفاته في هذه السنة بقرية القنية (¬٥) من أعمال دارا، وقد ناهز تسعين سنة، وقبره مشهور هناك.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة العشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وصاحب مصر السلطان الملك الكامل بن الملك العادل، وصاحب دمشق الملك المعظم بن العادل، وصاحب حلب الملك العزيز بن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصاحب الروم الملك علاء الدين كيقباذ (¬١)، وصاحب البلاد الشرقية الملك الأشرف بن العادل، وصاحب الموصل وغيرها الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ، وصاحب أذربيجان وغيرها أزبك ابن البهلوان (¬٢)، وصاحب سمرقند وخوارزم وما وراء النهر كلها جنكيزخان، وعساكره تعبث في البلاد الإسلامية، وصاحب [٤٣٥] عراق العجم غياث الدين تترشاه بن السلطان خوارزم شاه، وصاحب مكة واليمن الملك المسعود بن الملك الكامل، وصاحب الغرب الملك المستنصر، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
  • full passagepage 1043, entry [441]7,857 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ أبو (¬١) الحسن الروزبهاري، مات في هذه السنة، ودفن في المكان المنسوب إليه بين السورين عند باب الفراديس. الشيخ عبد (¬٢) الرحمن اليمني، كان مقيما بالمنارة الشرقية، وكان شيخًا صالحًا زاهدًا ورعًا، مات في هذه السنة، ودفن في مقابر الصوفية. الرئيس عز الدين (¬٣) مظفر بن الأ
    ▸ expand full passage (7,857 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ أبو (¬١) الحسن الروزبهاري، مات في هذه السنة، ودفن في المكان المنسوب إليه بين السورين عند باب الفراديس. الشيخ عبد (¬٢) الرحمن اليمني، كان مقيما بالمنارة الشرقية، وكان شيخًا صالحًا زاهدًا ورعًا، مات في هذه السنة، ودفن في مقابر الصوفية. الرئيس عز الدين (¬٣) مظفر بن الأسعد بن حمزة التميمى القلانسي، أحد رؤساء دمشق وكبرائها، وجده أبو يعلى حمزة، له تاريخ ذيل به على تاريخ ابن عساكر، وقد سمع عز الدين هذا الحديث من الحافظ أبي القاسم بن عساكر وغيره، ولزم مجالسة الكندي وانتفع به، مات في شهر رمضان منها، ودفن بجبل قاسيون. أبو علي (¬٤) الحسن بن أبي المحاسن زهرة بن على بن زهرة العلوي الحسيني الحلبي، نقيب الأشراف بها، كان لديه فضل وعلم بالأدب وأخبار الناس والتواريخ والحديث والسير، حافظ للقرآن المجيد، وله شعر جيد. فمنه قوله: قد رأيت المعشوق وهو من الـ … الهجر بحال ينبو النواظر عنه أثَّر الدهر فيه آثار سوء … وأدالت يدُ الحوادث منه عاد مستبد ومستبدلًا عزًّا … بذلٍ كأنه لم يُصبه (¬٥) أبو علي (¬٦) يحيى بن المبارك بن الجلاجلي، من أبناء التجار، سمع الحديث، وكان جميل الهيئة، سكن بدار الخلافة، وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن، منهقوله: خير إخوانك المشارك في المرِّ … وأين الشريكُ في المرِّ أينا الذي إن شهدت سرّك في القو … م وإن غبت كان أُذنًا وعينا مثل سر العقبان إن مسّهُ النارُ … جَلاهُ الجلاءَ فازداد زَينا وأخو السوءِ إن يغبْ عنك يشـ … نئْك (¬١) وإن يحتضرْ يكن ذاك شينا (¬٢) ابن قدامه (¬٣) الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، إمام عالم بارع. لم يكن في عصره بل ولا قبل دهره بمدة أفقه منه، ولد بجماعيل (¬٤) في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقدم مع أهله إلى دمشق في سنة إحدى وخمسين، وقرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير، ورحل مرتين إلى العراق، إحداهما في سنة إحدى وستين مع ابن عمته (¬٥) الحافظ عبد الغني، والأخرى سنة سبع وستين، وحج في سنة ثلاث وسبعين، وتفقه ببغداد على مذهب الإمام أحمد ﵁، وبرع وأفتي وناظر وتبحر في فنون كثيرة، مع زهد وعبادة وورع، وتواضع، وحسن أخلاق، وجود وحياء، وحسن سمت ونور وبهاء، وكثرة تلاوة وصلاة وصيام وقيام، وطريقة حسنة واتباع للسلف الصالح، وكانت له أحوال ومكاشفات. وقد قال الشافعي ﵁: إن لم يكن العلماء العالمون أولياء الله فلا أعلم لله وليًا. وله مصنفات عديدة مشهورة منها: المغني في شرح [مختصرة] (¬٦) الخرقي، عشر مجلدات، والشافي في مجلدين، والمقنع [في الفروع] (¬٧) والروضة في أصول الفقه، وغير ذلك. وقال أبو شامة (¬٨): كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلم من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبًا كثيرةحِسانًا في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح له الأمر، له فيها على جلالته في العلم ومعرفته [٤٤٠] بمعاني الأخبار والآثار، سمعت عليه مسند الإمام الشافعي، وفاتني منه نحو ورقتين عند باب استقبال القبلة بسماعه من أبي زرعة، وسمعت عليه كتاب النصيحة لابن شاهين وغير ذلك، ومولده في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بأرض نابلس. وقال السبط (¬١): كان يحضر مجالسي دائما في جامع دمشق وقاسيون. وقال أبو شامة (¬٢): كان الموفق بعد موت أخيه أبي عمر هو الذي يَؤُم الجامع المظفري، ويخطب يوم الجمعة إذا حضر، فإن لم يحضر فابنه عبد الله بن أبي عمر هو الخطيب والإمام، وكانت وفاته يوم السبت يوم عيد الفطر، أول شوال، ودفن من الغد بجبل قاسيون خلف الجامع المظفري في مقبرتهم المشهورة، وكانت له جنازة عظيمة. وقال السبط (¬٣): وأنشدني لنفسه: أَبعْدَ بياضِ الشعر أعمرُ سكنًا … سوى القبر إني [إن] (¬٤) فعلتُ لأحمقُ يخبّرني شيبي بأنّي ميتٌ. … وشيكًا فينعاني إلىّ فيصدقُ يخرق عمرى كلّ يوم وليلةٍ … فهل مستطيعٌ رقع ما يتخرقُ كأني بجسمي فوق نعشي ممددًا … فمن ساكتٍ أو معولٍ يتحرق إذا سئلوا عنى أجابوا وأعوْلوا … وأدمعهم تنهلُّ هذا الموفقُ وغيبت في صدع من الأرض ضيقٍ … وأودعتُ لحدًا فوقهُ الصخر مطبقُ ويحثو على التِّرب أوثقْ صاحبٍ … ويسلمنى للقبر من هو مشفقٌ فياربُّ كنْ لي مؤنسًا يوم وحشتي … فإني بما أنزلته لمصدِّقُ وما ضرَّني أني إلى الله صائرُ … ومن هو من أهلي (¬٥) أبرُّ وأرفقة (¬٦)وكان له أولاد: أبو الفضل محمد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى، ماتوا كلهم في حياته. وقال ابن كثير (¬١): وكان له أولاد ذكور وإناث ماتوا في حياته، ولم يعقب منهم سوي ابنين، ثم ماتا وانقطع نسله. ابن عساكر (¬٢)، الشيخ فخر الدين عبد الرحمن بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، أبو منصور الدمشقي، شيخ الشافعية بها، وليس في أجداده من اسمه عساكر، وإنما هي تسمية اشتهرت في بيتهم، ولعله من قبل أمهات بعضهم، وهذا البيت بيت جليل كبير من الدمشقيين، كثير الفضلاء والحفاظ والأمناء، جمع هذا البيت رئاسة الدين والدنيا، وأجلّهم في زماننا دينًا وعلمًا، هذا الفخر ابن عساكر، وفي القرن الذي قبله عمّاه صائن الدين هبة الله، والحافظ أبو القاسم [ثم] (¬٣) ابن عمه الحافظ أبو محمد بن أبي القاسم وابنه العماد بن القاسم، وأخو الفخر تاج الأمناء أحمد، وزين الأمناء الحسن، واشتغل الشيخ فخر الدين من صغره بالعلم، فاشتغل بالفقه على شيخة قطب الدين مسعود النيسابوري حتى برع في ذلك، وانفرد بعلم الفتوى، كانت الفتاوي ترسل إليه من الأقطار. وقال السبط (¬٤): ولد فخر الدين في سنة خمس وخمسمائة، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، منقطعًا إلى العلم والعبادة، شيخًا حسن الأخلاق قليل الرغبة في الدنيا، وكانت وفاته يوم الأحد (¬٥) عاشر رجب، ودفن على الشرف القبلي عند مقابر الصوفية، وكانت له جنازة عظيمة، وقبره ظاهر يُزار، وصلى عليه الملك العزيز بن العادل. وقال ابن كثير (¬٦): اشتغل بالعلم الشريف على شيخه قطب الدين مسعود النيسابوري، وتزوج بابنته، ودرس مكانه بالجاروخية (¬٧)، وبها كان يسكن في إحدى القاعتين اللتين أنشأهما، وبها توفيغربي الإيوان، ثم ولى تدريس الصلاحية (¬١) الناصرية بالقدس الشريف، ثم ولاه الملك العادل [٤٤١] تدريس التقوية (¬٢)، وكان عنده أعيان فضلاء، ثم تفرغ فلزم المجاورة بالجامع في البيت الصغير إلى جانب محراب الصحابة، يخلو فيه للعبادة والمطالعة والفتاوي، ﵀. الأمير الكبير أحد حجاب الخليفة محمد (¬٣) بن سليمان بن قتلمش بن تركانشاه أبو منصور السمرقندي، وكان من أولاد الأمراء، وولي حاجب الحجاب بالديوان العزيز الخليفتي، وكان يكتب جيدًا جدًا، وله معرفة حسنة كثيرة منها: الأدب، والعلوم الرياضية، وعَمَّر دهرًا، وله شعر حسن، ولما توفي في هذه السنة صلى عليه بالنظامية، ودفن بالشونيزية، ورآه بعضهم في المنام، فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: تجافيت (¬٤) اللقاءَ لسوءِ فعلي … وخوفًا في المعادِ من الندامة فلما أن قدمتُ على إلهي … وحاقق في الحساب على قلامهُ (¬٥) وكان العدلُ أن أصلى جحيما … تعطّف بالمكارم والكرامة وناداني لسانَ العفو منه … ألا يا عبدُ يهنيك السلامة (¬٦) السلطان الملك (¬٧) المستنصر، ملك المغرب، يوسف بن السلطان الناصر محمد بن السلطان المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وقد تولى في سنة عشر وستمائة،وكان منهمكًا في اللذات، فدخل الوهن على الدولة بسبب ذلك، ولم يخلف يوسف المذكور ولدًا، فاجتمع كبراء الدولة وأقاموا عم أبيه، وهو عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن ولقبوه المستضئ، وكان عبد الواحد المذكور قد صار فقيرا بمراكش وقاسي شدائد الدهر، فلما تولى اشتغل باللذات والنعيم في المآكل والملابس من غير أن يشرب خمرًا، ثم خلع عبد الواحد المذكور بعد تسعة أشهر من ولايته وقُتل، وملك بعده ابن أخيه عبد الله، ويلقب بالعادل، وهو عبد الله بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن. نُجز تحرير هذا الجزء صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر الله المحرم اثنين وثلاثين وثمانمائة في المنزل، بحذاء المدرسة البدرية (¬١) بالقرب من الجامع الأزهر على يد جَامِعَةُ ومؤلفه فقير رحمة ربه، الغني، أبو محمد محمود بن أحمد العيني، عامله ربه ووالديه بلطفه الجلى والخفى. ويتلوه الجزء الذي أوله. فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والعشرين بعد الستمائة. الحمد لله جميع الجزء المبارك بخط المصنف المرحوم المذكور، ﵀ وترحم عليه وأموات المسلمين، كتبه الفقير طوغان شيخ المحمدي الأشرفي ناظر الحرم الشريف، كان الله له في الدنيا والآخرة بمحمد وآله. ٨٦١ هـ"بسم الله الرحمن الرحيم" فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية والعشرين بعد الستمائة [٢] استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وأصحاب جنكيزخان دائرون في البلاد بالفساد بين العباد، ووصلت سرية منهم إلى الرى، وكانت قد عمرت قليلا فقتلوا أهلها أيضا، وكانوا قد وردوا إليها قبل هذه المرة مرتين، ثم لما فرغوا منه ساروا إلى ساوة (¬١) ثم إلى قم (¬٢) وقاشان (¬٣)، ولم يكونا طرقا (¬٤) إلا هذه المرة، ففعلوا بهما مثلما تقدم من القتل والسبي، ثم ساروا إلى همذان فقتلوا أيضا وسبوا، ثم ساروا خلف الخوارزمية إلى أذربيجان فكسروهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، فهزموهم إلى تبريز فلحقوهم، وكتبوا إلى أزبك بن البهلوان صاحب تبريز: إن كنت مصالحا لنا فابعث إلينا بالخوارزمية وإلا فأنت مثلهم، فقتل منهم خلقا كثيرا وأرسل برؤوسهم إليهم مع تحف وهدايا كثيرة، هذا كله والسرية ثلاثة آلاف، والخوارزمية وأصحاب ابن البهلوان أضعاف أضعافهم، ولكن الله ألقى عليهم الخذلان والفشل، فإنا لله وإنا إليه راجعون (¬٥).
  • full passagepage 1057, entry [446]1,396 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد (¬٢) بن محمد بن على القادسي: الضرير الحنبلي والد صاحب الذيل على تاريخ ابن الجوزي، وكان القادسي هذا يلازم حضور مجلس ابن الجوزي ويزهزه لما سمعه من الغرائب. ويقول: والله [٩] إن ذا مليح. فاستقرض منه ابن الجوزي مرة عشرة دنانير فلم يعطه، وصار يحضر ولا يتكلم. فقال الشيخ ابن
    ▸ expand full passage (1,396 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد (¬٢) بن محمد بن على القادسي: الضرير الحنبلي والد صاحب الذيل على تاريخ ابن الجوزي، وكان القادسي هذا يلازم حضور مجلس ابن الجوزي ويزهزه لما سمعه من الغرائب. ويقول: والله [٩] إن ذا مليح. فاستقرض منه ابن الجوزي مرة عشرة دنانير فلم يعطه، وصار يحضر ولا يتكلم. فقال الشيخ ابن الجوزي مرة: هذا القادسي لا يقرضنا شيئًا، ولا يقول: والله إن هذا لمليح. توفي في هذه السنة. أبو الكرم (¬٣) المظفر بن المبارك بن أحمد بن محمد البغدادي الحنفي، شيخ مشهد أبي حنيفة ﵁ وغيره، وولي الحسبة (¬٤) بالجانب الغربي من بغداد، وكان فاضلا دينا شاعرا، مات في هذه السنة.محمد (¬١) بن أبي الفرج بن بركة، فخر الدين أبو المعالي الموصلي، قدم بغداد، واشتغل بالنظامية (¬٢) وإعادتها، وكانت له معرفة بالقراآت، وصنف كتابا في مخارج الحروف، وأسند الحديث، وله شعر لطيف. أبو بكر (¬٣) بن حلبة الموازيني البغدادي: كان فردا في علم الهندسة وصناعة الموازين، يخترع أشياء غريبة عجيبة، من ذلك: أنه ثقب حبة خشخاش سبعة ثقوب، وجعل في كل ثقب شعره، وكانت له حظوة عند الدولة. مات في هذه السنة. أحمد (¬٤) بن جعفر بن أحمد بن محمد أبو العباس الدثيني البيع الواسطي، شيخ أديب فاضل، له نظم ونثر، عارف بالأخبار والسير، وعنده كتب جيدة كثيرة، وله شرح قصيدة لأبي العلاء المعري في ثلاثة مجلدات. مات في هذه السنة، والله أعلم.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والعشرين بعد الستمائة استهلت هذه السنة والخليفة توفي فيها وبقية أصحاب البلاد على حالهم، ولكن أهل ماوراء النهر وخراسان وغيرها في تشويش عظيم من جهة جنكيز خان وأصحابه الأشقياء.
  • full passagepage 1072, entry [453]9,003 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الفخر (¬٧) بن تيمية، محمد بن أبى القاسم بن محمد بن الشيخ فخر الدين أبو عبد الله بن تيمية الحرانى، عالمها وخطيبها وواعظها، اشتغل على مذهب الإمام أحمد ﵀ وبرع فيه، وبرز وحصل وجمع تفسيراً حافلاً في مجلدات كثيرة، وله الخطب المشهورة المنسوبة إليه، وهو عم الشيخ مجد الدين صاحب [ا
    ▸ expand full passage (9,003 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الفخر (¬٧) بن تيمية، محمد بن أبى القاسم بن محمد بن الشيخ فخر الدين أبو عبد الله بن تيمية الحرانى، عالمها وخطيبها وواعظها، اشتغل على مذهب الإمام أحمد ﵀ وبرع فيه، وبرز وحصل وجمع تفسيراً حافلاً في مجلدات كثيرة، وله الخطب المشهورة المنسوبة إليه، وهو عم الشيخ مجد الدين صاحب [المنتقى في] (¬٨) الأحكام. وقال السبط (¬٩): سمعته يوم الجمعة بعد الصلاة وهو يعظ الناس وينشد: أحبابنا قد نَدرَتْ مقلتى … لا تلتقى بالنوم أو نلتقى رفقا بقلب مغرم واعطِفوا … على سقام الجسد المحرقِ كم تمطلونى بليالى اللقا … قد ذهب العمرُ ولم نلتقِوقال ابن خلكان (¬١): ومولده في اليوم الثامن والعشرين من شعبان، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بمدينة حران، وتوفى بها في "حادي عشر من صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة". وقال السبط (¬٢): مات في خامس صفر من هذه السنة. وذكره أبويوسف محاسن بن سلامة الحرانى في "تاريخ حران" وأثنى عليه، ثم قال: توفى يوم الخميس بعد العصر عاشر صفر، سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وذكره أبو البركات بن المستوفى في "تاريخ إربل" فقال: ورد إربل حاجاً في سنة أربع وستمائة، وذكر فضله، وقال: سألته عن اسم تيمية ما معناه؟ فقال: حج أبى أو جدى، أنا أشك أيهما قال: وكانت امرأته حاملا، فلما كان بتيما رأى جُوَيرية (¬٣) قد خرجت من خباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعَت جارية، فلما رفعوها إليه قال: ياتيميه، يا تيمية، معنى أنها تشبه التي رآها بتيما، فَسُمِّى بها، أو كلاماً هذا معناه. وتيماء: بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الميم بعدها همزة ممدودة، وهي بليدة في بادية تبوك إذا خرج [٢٢] الإنسان من خيبر إليها يكون على منتصف طريق الشام، وتيميه منسوبة إلى هذه البليدة، وكان ينبغى أن يقال: تيماوية لأن النسبة إلى تيماتيماوى، لكنه هكذا اشتهر (¬٤). الوزير ابن شكر (¬٥) صفى الدين أبو محمد عبد الله بن على بن عبد الخالق بن شكر، ولد بالدميرة، بلدة "بين مصر والإسكندرية" سنة أربعين وخمسمائة، ومات في هذه السنة في شعبان ودفن بتربته عند مدرسته بمصر، وقد وُزر للملك العادل، وعمل أشياء في أيامه منها: تبليط جامع دمشق، وإحاطة سور المصلى عليه، وعمل الفوارة (¬٦) ومسجدها، وعمارة جامع المِزَّة (¬٧)، وقد نكب وعزل في سنة خمس عشرة وستمائة،وبقي معزولا في هذه السنة، فتوفى فيها وكان مشكور السيرة. وقال السبط (¬١): وكان وزيراً مهيبا عالما فاضلا له معرفة بقوانين الوزارة، وكان مالكى المذهب، محبا لمن في العلم يرغب، وصنف كتابا سماه "البصائرُ" برواية الأوائل والأواخر، وله في القاهرة مدرسة مشهورة وآثار مأثورة، ومنهم من يقول: كان ظالما. وقال: أنشدنا الحافظ السلفى لنفسه: مهما تهاون في أمرى أمرؤ … وغدا مصارما لا أرى إلا مبجله فإن أساء مسئ فوق طاقته … أحسنت مجتهدا حتى أخجله (¬٢) وقال: أنشدنا الحافظ السلفى لابن رشيق وقد قيل له: لم لا تركب البحر للحج؟ فقال معتذرا: البحر صعب المرام هول … لا جعلتُ حاجتي إليه "أليس (¬٣) ماء وطين" … فهل ترى صبرنا عليه (¬٤) ولعبد الجبار الكاتب: لا أركب البحر خوفا … علىَّ منه المعاطب طين أنا وهو ماءٌ … والطين في الماء ذايب (¬٥) أبو إسحاق (¬٦) إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن على، المعروف بابن البدى (¬٧)، الواعظ البغدادى، أخذ الفن عن شيخه ابن الجوزى، وسمع الحديث الكثير، مات في هذه السنة. أبو الحسن (¬٨) على بن الحسن الرازى ثم البغدادى الواعظ، عنده فضائل وله شعر حسن، توفى في هذه السنة.البها السنجارى (¬١) أبو السعادات، أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهيب بن وهبان بن سرد (¬٢) بن عبد الله بن رُفيَع بن [٢٣] ربيعة بن هبار (¬٣)، السلمى السنجارى، الفقيه الشافعى، الشاعر المنعوت بالبها، وكان فقيها فاضلا وتكلم في الخلاف، إلا أنه غلب عليه الشعر وأجاد فيه، واشتهر به، وخدم الملوك به، وأخذ جوائزهم، وطاف البلاد، ومدح الأكابر، وشعره كثير في أيادى الناس، يوجد قصائد ومقاطيع. قال ابن خلكان (¬٤): لم أدر هل دَوَّن شعره أم لا، ثم وجدت في كتب التربية الأشرفية بدمشق له ديوانا في مجلد كبير. وله من جملة قصيدة: كَتَبَ العِذَارُ على صحيفة (¬٥) خده … نُونا وأعجَمَها بنُقطِة خالهِ فسَوادُ طُرَّيَه كليل (¬٦) صُدُودِه … وبياضُ غُرَّته كيوم (¬٧) وصالهِ وله أيضا: ومُهَفْهَفٍ حُلْو الشمائلِ فاتر … الألحاظِ فيه طاعَةُ وعقوقٌ وقفَ الرَّحيقُ على مراشف ثغره … فجَرَى من خدِّهِ راوُوقُ سدَّت محاسنُهُ على عُشَّاقِه … سُبلَ (¬٨) السلوِّ فما إليه طريق وكان للبهاء المذكور صاحب، وبينهما مودة أكيدة واجتماع كثير، ثم جرى بينهما في بعض الأيام عِتَاب (¬٩) وانقطاع، وانقطع ذلك الصاحب، فسير إليه يعتبه لانقطاعه، فكتب إليه بيتى الحريرى اللذين (¬١٠) ذكرهما في المقامة الخامسة عشرة (¬١١). وهما: لا تَزُرْ مَنْ تحبُّ في كلِّ شهر … غير يوم ولا تزدْهُ علَيِه فاجتِلاء الهلال في الشهر يوم … ثم لا تنظر العُيون إليهفكتب إليه البهاء من نظمه: إذا حققت من خِلِّ (¬١) ودادًا … فزُره ولا تخفْ منه مَلالا وكن كالشمس تطلع كل يوم … ولا تكُ في (¬٢) زيارته هلالا وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفى في أوائل هذه السنة بمدينة سنجار. عثمان بن (¬٣) عيسى بن درباس بن جهم بن عبدوس، الهذباني المارانى، ضياء الدين أخو القاضى صدر الدين عبد الملك، الحاكم بالديار المصرية في الدولة الصلاحية. وضياء الدين هذا هو "شارح المهذب" إلى "كتاب الشهادات" في نحو من عشرين مجلدا، وشرح اللمع في أصول الفقه" للشيرازى، وكان بارعا عالما بالمذهب، توفى في هذه السنة. أبو محمد (¬٤) عبد الله بن أحمد [٢٤] البوازيجى، ثم البغدادى، شيخ فاضل، له رواية، ومما أنشده: ضيق العُذرَ في الضراعة أنَّا … لو قنعنا بقسمنا لكفانا ما لنا نعبد العباد إذا كان … إلى الله فقرنا وغنانا أبو الفضل (¬٥) عبد الرحيم بن نصر الله بن على بن منصور بن الكيال الواسطى [من] (¬٦) بيت الفقه والقضاء، وكان أحد المعدلين ببغداد ومن شعره: فتبا لدنيا لا يدوم نعيمها … تسرُ يسيرا ثم تُبْدى المساويا تريك رياء (¬٧) في النقاب وزخرفا … وتسفر عن شوهاء … (¬٨)أبو على الحسن (¬١) بن على بن الحسن بن على بن عمار بن مهدى (¬٢) بن وقاح الياسرى نسبة إلى عمار بن ياسر، شيخ بغدادى فاضل، له مصنفات في التفسير والفرائض، وله خطب ورسائل وأشعار حسنة، وكان مقبول الشهادة عند الحكام. أبو بكر (¬٣) محمد بن يوسف بن الطباخ، الواسطى البغدادى الصوفى، باشر بعض الولايات ببغداد، ومما أنشده: ما وهب الله لامرئ هبة … أحسن من عقله ومن أدبه نعما جمال الفتى فإن فقدا … ففقده للحياة أجملُ به ابن يونس (¬٤) شارح التنبيه، أبو الفضل أحمد بن الشيخ العلامة كمال الدين أبى الفتح موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قيس بن إبراهيم الإربلى الأصل ثم الموصلى، من بيت العلم بها والرئاسة، اشتغل على أبيه في فنونه وعلومه، فبرع وتقدم ودرس، وشرح كتاب "التنبيه"، واختصر "إحياء علوم الدين" للغزالى مرتين صغيراً وكبيرا. وقال ابن خلكان (¬٥): وقد ولى بإربل مدرسة الملك المظفر بعد موت والديه في سنة عشر وستمائة، وكنت أحضر عنده وأنا صغير، ولم أر أحدا يُدَرِّس مثله، ثم صار إلى بلده في سنة سبع عشرة، ومات يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة [٢٥] عن سبع وأربعين سنة. أبو الدرياقوت (¬٦) بن عبد الله الرومى الملقب مهذب الدين الشاعر المشهور، مولى أبى منصور الجيلى، التاجر، اشتغل بالعلم وأكثر من الأدب، واستعمل قريحته في الشعر والنظم فأجاد فيه، ولما تميز ومهر سمى نفسه عبد الرحمن، وكان مقيما بالمدرسة النظامية ببغداد، وأكثر نظمه في التصابى والغزل وذكر المحبة، وراق شعره، وتحفظه الناس، وله ديوان شعر، وشعره متداول بالعراق وبلاد الشرق والشام.وقال ابن خلكان (¬١): رأيت في بعض التواريخ أن أبا الدُر المذكور وجد ميتا بمنزله ببغداد في الثانى عشر من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة من هذه السنة. وقال الناس: إنه توفى قبل ذلك بأيام. الشيخ على (¬٢) بن عبد الله الكردى الموله، المقيم بظاهر باب الجابية، قال أبو شامة (¬٣): وقد اختلفوا فيه، فبعض الدماشقة يزعم أنه صاحب الكرامات، وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: مارآه أحد يصلى ولا يصوم، ولا لبس مداسا بل كان يدوس النجاسات، ويدخل المسجد على حاله، وقال آخرون: كان له تابع من الجن يتحدث على لسانه. وحكى السبط (¬٤) عن امرأة قالت: جاء خبر بموت أمى باللاذقية أنها ماتت. وقال لي بعضهم: لم تمت. قالت: فمررت به وهو قاعد عند المقابر، فوقفت عنده، فرفع رأسه وقال لي: ماتت ماتت إش تعملين؟ فكان كما قال، ومثل ذلك كثير. الأمير سيف (¬٥) الدين على بن الأمير علم الدين سليمان بن جندر، مات في هذه السنة في أواخر جمادى الآخرة بحلب، وكان من أكابر الأمراء بحلب، وله الصدقات الكثيرة، وقف بها مدرستين، إحداهما على الشافعية والأخرى على الحنفية، وبنى الخانات والقناطر وغير ذلك من سبل الخيرات. الأمير عز (¬٦) الدين خضر بن إبراهيم بن أبى بكر بن قرا أرسلان، صاحب خرت برت (¬٧)، مات في هذه السنة، وملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه. الملك الأفضل (¬٨) نور الدين على بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب [٢٦]، كان ولى عهد أبيه، وقد ملك دمشق بعده مدة سنتين، ثم أخذها منهالملك العادل عمه، ثم كان ملك الديار المصرية بعد أخيه العزيز عثمان، فأخذها منه عمه العادل أيضا، ثم اقتصر على ملك صرخد (¬١) فأخذها منه العادل، ثم آل به الحال أن كان ملك شميساط، وبها توفى في هذه السنة. وكان موته فجاءة في شهر صفر وعمره سبع وخمسون سنة، ونقل إلى حلب ودفن بتربته بظاهر حلب بالقرب من مشهد الهروى (¬٢)، وملك البلده بعده أخوه المفضل قطب الدين موسى بن صلاح الدين، وهو شقيقه، وكان الأفضل فاضلا متأدبا حليما عادلا جامعا للفضائل والمناقب، إلا أنه كان قليل الحظ والسعادة، ولم ينتظم له حال منذ توفى والده صلاح الدين، وكان جيد الشعر، فمن شعره قوله في خضاب الشعر، وتعرض فيه بسوء حظه: يا من يسود شعره بخضابه … لعساه من أهل الشبيبة يحصل ها فاختضب بسواد حظى مرة … ولك الأمان بأنه لا ينصل (¬٣) وله أيضا: أما آن للسعد الذى أنا طالب … لإدراكه يوما يرى وهو طالبى ترى هل يرينى الدهر أيدى شيعتى … تمكن يوما من تواصى النواصب وقال ابن خلكان (¬٤): كانت ولادته يوم عيد الفطر وقت العصر، سنة ست، وقيل: خمس وستين وخمسمائة بالقاهرة، ووالده صلاح الدين يومئذ وزير المصريين، وشميساط بضم الشين المعجمة، وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح السين المهملة، وبعد الألف طاء مهملة، وهى قلعة في بر الشام على الفرات من ناحية بلاد الروم بين قلعة الروم وملطية.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الظاهر بأمر الله، ولكنه مات في هذه السنة [٢٧] ولم ينتفع بخلافته.
  • full passagepage 1092, entry [460]7,340 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة جمال (¬١) الدين يونس بن بدران بن فيروز المصرى، قاضى القضاة بدمشق، كان فقيها كثير الاشتغال، واختصر كتاب "الأم" للشافعى ﵀ وله كتاب مطول فى الفرائض، وولي تدريس الأمينية (¬٢) بعد التقى الضرير الذى قتل نفسه، ولاه إياها الوزير صفى الدين بن شكر، وكان معتنيا بأمره، ثم
    ▸ expand full passage (7,340 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة جمال (¬١) الدين يونس بن بدران بن فيروز المصرى، قاضى القضاة بدمشق، كان فقيها كثير الاشتغال، واختصر كتاب "الأم" للشافعى ﵀ وله كتاب مطول فى الفرائض، وولي تدريس الأمينية (¬٢) بعد التقى الضرير الذى قتل نفسه، ولاه إياها الوزير صفى الدين بن شكر، وكان معتنيا بأمره، ثم ولاه وكالة بيت المال بدمشق، وترسل إلى الملوك والخلفاء عن صاحب دمشق، ثم ولاه الملك المعظم قضاء القضاة بدمشق، بعد عزله الركن (¬٣) الطاهر، وولاه تدريس العادلية الكبيرة (¬٤)، حتى كمل بناؤها، فكان أول من درس بها، وحضر عنده الأعيان كما ذكرنا، وكان يقول أولا درسا فى التفسير حتى أكمل التفسير إلى آخره، ثم توفى عقيب ذلك. وقال أبو شامة (¬٥): كان حسن الطريقة، لم ينقل عنه ما ينقم عليه بأنه أخذ شيئًا لأحد، وإنما كان ينقم عليه بعض الورثة بمصالحة بيت المال، وأنه استناب ولده التاج محمد، ولم يكن يرضى الطريقة، وأما هو فكان عفيفا فى نفسه، نزها مهيبا. وقال أبوشامة: وكان يدعى أنه قرشى شيبنى، فتكلم الناس فيه بسبب ذلك، وكانت وفاته فى آخر ربيع الأول من هذه السنة، وتولى بعده شمس (¬٦) الدين أحمد بن خليل الخُويىّ (¬٧).وقال ابن كثير (¬١): ودفن بداره التى فى رأس درب الريحان (¬٢)، من ناحية الجامع، ولتربته شباك شرقى المدرسة الصدرية (¬٣) اليوم، وقد قال فيه ابن عنين (¬٤) الشاعر، وكان هجاء: ما أقصر المصرى فى فعله … إذ جعل التربةَ فى داره أراح للأحياء من رحمه … وأبعد الأمواتَ من ناره البُلْدَجى (¬٥) الحنفى مصنف "المختار" فى مذهب أبى حنيفة (رضى الله عنه). وهو الشيخ الإمام أبو محمد محمود بن مودود بن محمود بن بلدجى الحنفى الموصلى، وله (¬٦) بها مدرسة تعرف به، وكان من أبناء الترك، وصار من مشايخ العلماء الحنفية، وله دين متين وشعر حسن، وكانت وفاته بالموصل فى السادس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وله نحو من ثمانين سنة، أقول: ومن تصانيفه المشهورة: كتاب المختار وشرحه الاختيار، ونسبته إلى بلدجى أحد أجداده، وهو اسم تركى بضم الباء الموحدة، وسكون اللام، وفتح الدال المهملة، وكسر الجيم، وفى آخره ياء آخر الحروف ساكنة. المعتمد (¬٧) والى دمشق، "مبارز" (¬٨) الدين ابراهيم بن موسى، ولد بالموصل، وقدم الشام فخدم فرخشاه بن شاهشاه بن أيوب، وتقلبت به الأحوال، واستنابه أخو فرخشاه لأمه بدر الدين مودود الشحنة بدمشق، ثم ولاه العادل الشحنكية (¬٩) استقلالا، فأحسنالسياسة، ولطف بالرعية، وكان بين يديه نقيب له يعرف بسويد، من أصدق الناس وأعرفهم بتدبير وقائع الولاية، وكان المعتمد دينا ورعا عفيفا نزها، اصطنع عالما عظيما من النساء والرجال، وستر عليهم كبائر الأحوال، وكانت دمشق وأعمالها فى أيام ولايته لها حرمة ظاهرة، وهى حرة طاهرة. وفى المرآة (¬١): ومما جرى له أنه كان فى دمشق رجل فاتك، وإلى جانب بيته قوم لهم ولد صغير، فى أذنيه (¬٢) حلق من ذهب، فاغتاله الرجل يوما فخنقه، وأخذ الحلق من أذنه، وأخرجه فى قفة ودفنه بالباب الصغير (¬٣)، وفقدته أمه، فاتهمت الرجل، فعذبه المبارز عذابا أليما فلم يقر، فأطلق، وفى قلب المرأة النار من ولدها، فطلقها زوجها، وتزوجت الرجل القاتل وأقامت معه مدة، فقالت له يوما وهى تداعبه: قد مضى الابن وأبوه، وكان منهما ما كان وكان الزوج قد مات، أنت قتلت الصغير. فقال: نعم، وأخذت الحلق ودفنته بالباب الصغير. فقالت: قم فأرنى قبره. فأخذها وخرج بها إلى المقابر، وحفر القبر، فرأت ولدها فلم تتمالك وضربت القاتل بسكين أعدتها له، فشقت بطنه، ودفعته فألقته فى القبر، وجاءت إلى المبارز فحكت له الحكاية فقام وخرج معها إلى القبر، فكشفته له، قال لها: أحسنت والله، ينبغى لنا كلنا أن نشرب لك فتوة. قال السبط (¬٤): وكان لداره بابان، الكبير عليه الغلمان والنواب، وباب السر فى زقاق آخر، فكان "البوابون" (¬٥) إذا مسكوا فى الليل امرأة من بيت معروف وحملوها إليه على حالها، يقول لهم أنزلوا (¬٦) حتى أقررها، ثم يقول لها: يابنتى، أنت من بيت كبير، وأهلك رجال معروفون، فما الذى جرأك على هذا؟ فتقول: ياسيدى قضاء الله. فيقول لها: ستر الله عليك، ويبعث (¬٧) معها الخادم من باب السر إلى بيتها، فأقام على هذا نحو من أربعين سنة.قال السبط (¬١): وكان فى قلب المعظم له شحناء لأنه كان يشفق عليه ويحفظه فى أماكن يدخل إليها بدمشق فى الليل وهو شاب، فيأمر غلمانه أن يتبعوه من بعيد، وكان العادل فى مصر يكتب إليه بذلك، فلما مات العادل أظهر ما كان فى قلبه منه، فاعتقله مدة فى القلعة، فلم يظهر عليه ولا على أحد من أولاده وحاشيته أنه أخذ من الرعية ما قدره مثقال حبة من خردل، ولاغَيَّرَ ما كان عليه من العفة والأمانة والصلاح والديانة، ثم أنزله من القلعة إلى داره وحجز عليه فيها، وبالغ فى التشديد عليه، وكانت وفاته يوم السبت الحادى والعشرين من ذى القعدة، عن ثمانين سنة، ودفن بجبل قاسيون (¬٢) فى التربة التى أنشأها بالجبل. قال السبط (¬٣): وحكى لى أنه ولى دمشق نيابة عن بدر الدين الشحنة أول ولاية صلاح الدين، ثم استقل بالولاية إلى أن عزل فى سنة سبع عشرة وستمائة، فكانت ولايته نيابة واستقلالا قريبا من خمسين سنة، قالوا: ولم يوجد على المبارز شئ إلا أنه كان يحبس وينسى، فعوقب بمثل ذلك، أقام محبوسا خمس سنين إلا أياما. قال ابن كثير (¬٤): وتربته مجاورة لمدرسة أبى عمر (¬٥) قبلى السوق، وله عند تربته مسجد يعرف به. شبل (¬٦) الدولة كافور الحسامى، نسبة إلى حسام الدين محمد بن لاجين، وَلَد ست الشام، وهو الذى كان مستحثا على عمارة الشامية البرانية (¬٧) لمولاته ست الشام (¬٨)،وهو الذى بنى المدرسة الشبلية للحنفية، والخانقاة (¬١) للصوفية إلى جانبها، وكانت منزله، وأوقف عليها أوقافا جليلة، وبنى القناة والمصنع والساباط، وفتح للناس طريقا من عند المقبرة غربّى الشامية البرانية إلى طريق عين الكرش، ولم يكن للناس لهم طريق إلى الجبل من هناك، إنما كانوا يسلكون من عند مسجد الصفى (¬٢) بالعُقيَبة (¬٣) وكان خادما عاقلا دينا صالحا مهيبا، له حرمة وافرة فى الدولة، ومنزلة عالية عند الملوك، وكان حنفى المذهب، وله صدقات دارة وإحسان كبير، ودفن بتربته إلى جانب مدرسته المذكورة، وكانت وفاته فى رجب من هذه السنة، وقد سمع الحديث من الشيخ تاج (¬٤) الدين الكندى وغيره. البَدْرُ الجَعْبرى (¬٥)، والى قلعة دمشق، مات فى هذه السنة، أقام واليا بها مدة فى أيام المعظم، وخدم الظاهر بحلب وغيره، فحمل إلى بالس (¬٦) فدفن عند أهله. واقف الرواحية (¬٧) بدمشق وحلب، أبو القاسم هبة الله المعروف بابن رواحة، من أكابر العدول والتجار أولى الثروة، وبنى بحلب مدرسة (¬٨) للشافعية وبدمشق مثلها داخل باب الفراديس (¬٩)، ووقف عليها أوقافا حسنة، وقنع بعد ذلك باليسير، وكان يسكن فىبيت بالمدرسة الدمشقية، وهو الذى فى إيوانها من الشرق، ويقابله من الغرب خزانة الكتب التى وقفها، وهى كتب جليلة، وكان ﵀ تام الخلقة طولا وعرضا، إلا أنه كان لا لحية له أصلا، وكان مبجلا عند القضاة، توفى (¬١) فى هذه السنة فى رجب، ودفن بمقابر الصوفية، وكان فوض تدريس مدرسته التى بدمشق والنظر عليها إلى الشيخ تقى الدين بن الصلاح الشهرزورى، وبعد وفاته شهد محيى (¬٢) الدين بن عربى الطائى، وتقى الدين خزعل (¬٣) النحوى المصرى، ثم المقدسى، ثم الدمشقى، إمام مشهد على بن رواحة بأنه قد عزل الشيخ تقى الدين عن هذه المدرسة، فجرت خطوب طويلة، ولم ينتظم ماراموه من الأمر. وقال أبو شامة (¬٤): وكان ابن الصلاح أسند النظر إلى شخص أسنده ذلك الشخص إلى ولد له، فغلب على وقف المدرسة وتدريسها بغير أهليَّة، ولا استحقاق، ولا أمانة، ولا عدل، ولا اشفاق، والأمر على ذلك إلى الآن، والله المستعان. قلت: تقى (¬٥) الدين خزعل بن عسكر بن خليل الثنائى (¬٦) المصرى النحوى، مات أيضا فى رجب أو شعبان من هذه السنة، ودفن بباب الصغير، وكان شيخا حسنا فاضلا مفتيا (¬٧) متواضعا.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وصاحب مصر السلطان الملك الكامل بن الملك العادل، وصاحب دمشق الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، ولكنه مات فى هذه السنة على ما نذكره، وصاحب حلب الملك العزيز (¬١) بن الظاهر صلاح الدين، وصاحب الروم السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو، وصاحب البلاد الشرقية الملك الأشرف، ولكنه عند أخيه المعظم على ما نذكره، وصاحب أذربيجان وبعض بلاد الكرج وعراق العجم (¬٢) وغيرها السلطان جلال الدين خوارزم شاه بن السلطان علاء الدين (¬٣) خوارزم شاه بن تكش، وسلطان الغرب الملك العادل عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، ولكنه مات فى هذه السنة، وسلطان البلاد السمرقندية والخوارزمية وما وراء ذلك ومادون ذلك إلى بلاد عراق العجم جنكيزخان، ولكنه "مات فى هذه السنة" (¬٤). فلنذكر أولا ماجريات بنى أيوب ثم ماجريات جلال الدين خوارزم شاه، ثم نذكر وفيات هؤلاء المذكورين.
  • full passagepage 1135, entry [471]2,094 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو المعالي أسعد بن يحيى، بن موسي بن منصور بن عبد العزيز بن وهب، الفقيه الشافعي السنجاري، شيخ أديب فاضل خَيِّر، له نظم ونثر ظريف، وله نوادر حسنة، وقد جاوز التسعين، وقد استوزره صاحب حماة في وقت (¬٣)، وله شعر رائق أورد منه ابن الساعي قطعة جيدة، فمن ذلك قوله: وهواك ما خطر ال
    ▸ expand full passage (2,094 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو المعالي أسعد بن يحيى، بن موسي بن منصور بن عبد العزيز بن وهب، الفقيه الشافعي السنجاري، شيخ أديب فاضل خَيِّر، له نظم ونثر ظريف، وله نوادر حسنة، وقد جاوز التسعين، وقد استوزره صاحب حماة في وقت (¬٣)، وله شعر رائق أورد منه ابن الساعي قطعة جيدة، فمن ذلك قوله: وهواك ما خطر السلوُّ بباله (¬٤) … ولأنت أعلمُ في الغرام بحاله فمتي وشي واش إليك بأنه … سالٍ هواك فذاك من عُذَّاله أو ليس للدَّنف المعنَّى شاهِدٌ … من حاله يُغْنيك (¬٥) عن تسآله جددت ثوب سقامه وهتكت ستـ … ر غرامه وصَرَمت حبل وصاله يا للعجائب من أسير دأبُهُ … يَفْدِى الطليق بنفسه وبماله (¬٦)وله أيضا: لام العواذلُ في هواك فأكثروا … هيهات ميعادُ السلو المحشرِ جهلوا مكانَك في القلوب فطولوا … لو أنهم وجدوا كوجدي أقصروا صبرا على عذب الهوى وعذابِهِ … وأخو الهوى أبدًا يلامُ ويُعذَرُ (¬١) أبو القاسم (¬٢) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن حمدان الطيبي، المعروف بالصائن، أحد المعيدين بالنظامية، ودرس بغيرها، وكان عارفا بالمذهب والفرائض والحساب، صنف شرحا للتنبيه ذكره ابن الساعي. أبو النجم (¬٣) محمد بن القاسم بن هبة الله التكريتي، الفقيه الشافعي، تفقة على أبي القاسم بن فضلان، ثم أعاد بالنظامية، ودرس في غيرها، وكان يشغل في كل يوم عشرين درسا، وليس له دأب إلا الاشتغال وتلاوة القرآن ليلا ونهارا، وكان بارعا كثير العلوم، قد أتقن المذهب والخلاف، وكان يُفتي في مسألة الطلاق الثلاث بواحدة، فتغيظ عليه قاضي القضاة أبو القاسم عبد الله بن الحسين الدامغاني، فلم يسمع منه، ثم أخرج إلى تكريت (¬٤)، فأقام بها، ثم استدعى إلى بغداد، فعاد إلى الاشتغال، وأعاده قاضي القضاة نصر (¬٥) بن عبد الرزاق، إلى إعادته بالنظامية، وأعاده إلى ما كان عليه من الاشتغال والفتوى والوجاهة، إلى أن توفي في هذه السنة، ذكره ابن الساعي. الإمام (¬٦) الرافعي أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل، الرافعي القزويني، الإمام المسحر في مذهب الشافعي ﵀ له تصانيف منها: كتابه الشرح في بضعة عشر مجلدا، وله تصانيف أخرى، وكان من الصالحين، وله الكرامات الكثيرة الظاهرة، توفي في هذه السنة.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله (¬١)، وصاحب مصر الملك الكامل، وصاحب دمشق الملك الناصر داود بن الملك المعظم، وصاحب حلب الملك العزيز بن الملك الظاهر، وبقية الملوك على حالهم في بلادهم (¬٢).
  • full passagepage 1150, entry [476]1,032 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان القاضي (¬٥) جمال الدين عبد الرحيم بن علي بن اسحاق بن شيث، القرشي العالم الفاضل، كان الله تعالى قد جمع له بين الفضل والمروة والكرم والفتوة والإحسان إلى الخلق، ما قصده أحد في شفاعة فرده خائبا، وكان يمشي بنفسه مع الناس في قضاء حوائجهم، وكان كثير الصدقات، واسع المعروف، غزير ا
    ▸ expand full passage (1,032 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان القاضي (¬٥) جمال الدين عبد الرحيم بن علي بن اسحاق بن شيث، القرشي العالم الفاضل، كان الله تعالى قد جمع له بين الفضل والمروة والكرم والفتوة والإحسان إلى الخلق، ما قصده أحد في شفاعة فرده خائبا، وكان يمشي بنفسه مع الناس في قضاء حوائجهم، وكان كثير الصدقات، واسع المعروف، غزير الإحسان، وكان القاضي الفاضل يحتاج إليه في علم الرسائل، وكان إماما في فنون العلوم من المنثور والمنظوم، مات له ولد صغير، فخرج في جنازته يبكي ويقول: ما الذي أطمع في الدنيا … وقد فارقت بعضي هكذا تنفلت الدنيا … من الأيدي وتمضى (¬٦) وله تصانيف كثيرة ظريفة، ورسائل وأشعار لطيفة، وكانت وفاته بدمشق سابع المحرم، ودفن بقاسيون. الشيخ (¬٧) الصالح الفقيه أبو الحسن على المراكشي، المقيم بمدرسة المالكية (¬٨)، مات في أوائل رجب منها، ودفن في المقبرة التي وقفها الرئيس خليل (¬٩) بن زويزان قبلي مقابر الصوفية، وكان أول من دفن بها.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وملوك أيوب مفترقون مختلفون قد صاروا أحزابا وفرقا، فلذلك آل الأمر إلى أن سلموا القدس الشريف إلى الإفرنج (¬١).
  • full passagepage 1173, entry [484]6,463 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو الفتوح (¬١) نصر بن على البغدادي الفقيه الشافعي، ويلقب بثعلب، اشتغل في المذهب والخلاف، ومن شعره قوله: جسمي معى غير أن الروح عندكم … فالجسم في غربة والروح في وطني فليعجب الناس مني أن لي بدنا … لاروح فيه ولي روح بلا بدن أبو الفضل (¬٢) جبريل بن منصور بن هبة الله بن جبريل
    ▸ expand full passage (6,463 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو الفتوح (¬١) نصر بن على البغدادي الفقيه الشافعي، ويلقب بثعلب، اشتغل في المذهب والخلاف، ومن شعره قوله: جسمي معى غير أن الروح عندكم … فالجسم في غربة والروح في وطني فليعجب الناس مني أن لي بدنا … لاروح فيه ولي روح بلا بدن أبو الفضل (¬٢) جبريل بن منصور بن هبة الله بن جبريل بن الحسن بن غالب بن يحيي بن موسي بن يحيي بن حسن بن غالب بن الحسن بن عمرو بن الحسن بن النعمان بن المنذر، المعروف بابن زطينا (¬٣) البغدادي، كاتب الديوان، بها أسلم، وكان نصرانيا فحسن إسلامه. وكان من أفصح الناس وأبلغهم موعظة، وأورد له ابن الساعي شعرا حسنا فمنه قوله: إن سهرت عيناك (¬٤) في طاعة … فذاك خير لك من نوم أَمْسُكَ قد فات (¬٥) بعِلاتِه … فاستدرك الفائت في اليوم ومنه قوله: إنَّ رَبًّا هداك بعد ضلال … سبلَ الرشد مستحقُ العبادة فتعبد له تجد منه عتقا … واستدم فيضه بطول الزَّهَادَة العبادي (¬٦) الشاعر أبو الحسن علي بن سالم بن يزبك (¬٧) بن محمد بن مقلد، العبادي الشاعر، من الحديثة (¬٨)، قدم بغداد مرارا، وامتدح المستنصر بالله وغيره، وكان فاضلا شاعرا، يكثر التغزل.أبو يوسف (¬١) بن صابر الحراني، ثم البغدادي المنجنيقي، كان فاضلا في فنه، وشاعرا مطبقا لطيف الشعر، حسن المعاني، قد أورد له ابن الساعي (¬٢) قطعة جيدة، ومن أحسن ما أورد له من قصيدة فيها تعزية عظيمة لجميع الناس وهي قوله: هل لمن يرتجي البقاء خلود … وسوى الله كل شي يبيد والذي كان من تراب وإن … عاش طويلا إلى التراب يعود فمصير الأنام طرًا إلى ما … صار فيه آباؤهم والجدودُ أين حواء؟ أين آدمُ؟ إذ فا … تهم الخلد والثوي والخلود؟ أين هابيل؟ أين قابيل؟ إذ هـ … ذا لهذا معاندٌ وحسودُ أين نُوح ومن نجَا معه بالفد … ك والعالمون طرًّا فقيدُ أسلمتهُ الأيامُ كالطفل للمو … تِ ولم يغنِ عمرهُ الممدودُ أين عادُ؟ بل أين جَنَّةُ عادٍ … أم ترى أين صالحٌ وثمودُ؟ أين ابراهيمَ الذى شاد بيـ … ت الله فهو المعظَّمُ المقصودُ حسدوا يوسفًا أخاهم فكادو … هُ وماتَ الحاسدُ والمحسودُ وسليمانُ في النبوةِ والملكُ … قضي مثلَ ماقضى داودُ فعدوا بعد ما أطيعُ له الخلـ … قِ وهذا ألين له الحديدُ وابن عمرانَ بعد آياته التسـ … ع وشق الخضمَ فهو صعيدُ والمسيحُ ابن مريم وهو روح الل … هـ كادتْ تقضى عليه اليهودُ وقضى سيد النبيين والها … دي إلى الحق أحمد المحمود وتبنوه (¬٣) وآله الطاهرو … نَ الزهرُ صلى عليهمُ المعبودُ ونجومُ السماءِ منتشراتٌ … بعد حينٍ وللهواءِ ركودُولنارِ الدنيا التي توقد الصخـ … رَ خمود للماءِ (¬١) جمودُ وكذا للثرى غداةُ يوم للـ … ناس فيها تزلزلٌ وهمود هذه الأمهاتُ نارٌ وترب … وهواءٌ رطبٌ وماءٌ برودُ سوفَ يفني كما فَنَيْنا فلا … يبقى من الخلق والدٌ ووليدُ لا الشقىُّ الغوىُّ من نوبِ الأيا … م ينجو ولا السعيدُ الرشيدُ ومتي سلَّت المنايا سيوفًا … فالموالي حصيدها والعبيدُ مات في هذه السنة. محمد (¬٢) السبتي النجار، كان يعده بعضهم من الأبدال (¬٣)، قال أبو شامة (¬٤): هو الذي بنى المسجد غربي دار الزكوة، عن يسار المار في الشارع من ماله، مات في هذه السنة، ودفن في الجبل وكانت جنازته مشهودة. الحاجب حسام (¬٥) الدين على الموصلي، قتل في هذه السنة، قتله عز الدين أيبك الأشرفي بأخلاط، وقد ذكرناه عن قريب، وكان هذا من أهل الموصل، وخدم الملك الأشرف فجعله نائبه بأخلاط، وأحسن إلى الرعية، وحفظ البلاد، واستولى على عدة من بلاد أذربيجان، مثل: نقجوان وغيرها. وكان كثير الخير والمعروف، بنى الخان الذي بين حران ونصيبين، والخان الذي بين حمص ودمشق وهو الخان المعروف بخان برج العطش. الملك المسعود (¬٦) يوسف بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب اليمن، الملقب بأطسز، المعروف بين العامة بأقسِسْ، وقد ذكرنا وجهتلقيبه بذلك، مات في هذه السنة بمكة، ودفن بالمعلى (¬١)، وكان قد مرض في اليمن مرضا شديدا وكره الإقامة بها، وعزم على مفارقتها والتوجه إلى الديار المصرية، فسار إلى مكة وهي له كما ذكرنا، واشتد مرضه بها، فتوفي فيها وعمره ست وعشرون سنة، وكانت مدة ملكه اليمن أربع (¬٢) عشرة سنة. وكان لما سار من اليمن استخلف عليها على بن رسول، وكان أستاداره، فاستقر باليمن نائبا لبني أيوب، واستمر في النيابة إلى أن مات قبل سنة ثلاثين وستمائة (¬٣)، واستولى على اليمن بعده ولده عمر (¬٤) بن علي، على ما نذكره إن شاء الله. ولم تزل اليمن إلى الآن في أولاده، ولما وصل الخبر بوفاة الملك المسعود المذكور إلى أبيه الملك الكامل وهو على حصار دمشق جلس للعزاء، وخلف المسعود ولدًا صغيرا اسمه أيضا يوسف (¬٥)، وبقي يوسف هذا حتى مات في سلطنة عمه الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، وخلف يوسف ولدا صغيرا اسمه موسى (¬٦)، ولقب بالملك الأشرف، وهو الذي أقامه الترك في مملكة مصر بعد قتل المعظم بن الملك الصالح ابن الملك الكامل كما سنذكره إن شاء الله (¬٧).وقال ابن كثير (¬١): قد ملك الملك المسعود مكة من سنة تسع عشرة وستمائة، فأحسن بها المعدلة (¬٢)، ونفى الزيدية (¬٣) منها، وأمنت الطرقات والحجاج، ولكنه كان مسرفا على نفسه، فيه عسف وظلم أيضا. وفي تاريخ بيبرس: وكان شجاعا مقداما ذا بأس شديد، وهمة عالية، وكان أبوه يخاف منه على بقية أولاده، ولما ملك اليمن سفك دماء كثير من المفسدين، فخافته العرب وغيرهم، وعظمت هيبته، وكان قد قدم إلى أبيه زائرا، فأقام بالقصر بالقاهرة مدة، ثم عاد كما ذكرناه، ولما قدم مصر امتدحه البهاء (¬٤) زهير (¬٥) كاتب أخيه الصالح (¬٦) بقصيدة مطلعها: لكم أينما كنتم مكان وإمكان … ومُلْك له تعنوا الملوك وسلطان ضربتم من العز المنيع سرادقا … فأنتم له بين السماكين سكان ومنها: قدمت قدوم الليث والليث باسل … وجئت مجئ الغيثِ والغيثُ هتان وما برحت مصرُ إليك مشوقة … ومثلك من يشتاق لُقياه صديان (¬٧) ومنها: فحسبك قد وافاكِ يا مصر يوسف … وحسبك قد وافاك يانيل طوفان (¬٨)وفي المرآة (¬١): وفي سنة ست وعشرين وستمائة توفي أقسيس الملك المسعود بن الكامل صاحب اليمن، وكان قد بلغه موت الملك المعظم في سنة خمس وعشرين وستمائة، فطمع في الشام فتجهز جهازا لم يسبقه إليه أحد من الملوك، ونادي في بلاد اليمن في التجار من أراد صحبة السلطان إلى الديار المصرية فليتجهز، فجاء التجار من الهند بأموال الدنيا، والأقمشة والجواهر، فلما تكاملت المراكب بزبيد (¬٢) جمع التجار، وقال: اكتبوا إلى بضائعكم وما معكم، لأحميها من الزكاة والمؤن، فكتبوها له، فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله إلى بعض بلاد اليمن، ففعل بالجميع كذا، فاجتمعوا واستغاثوا، وقالوا: نحن قد جئنا من بلدان شتي، وفينا من أهل اسكندرية والقاهرة ومصر والشام والروم، ولنا مدة سنين عن أهلنا، وقد اشتقنا إليهم فخذ أموالنا وأطلقنا نروح إلى أهلنا، فلم يلتفت إليهم وأخذ الجميع. قال السبط (¬٣): فبلغني أنه كان نقله في خمسمائة مركب، ومعه ألف خادم، ومائة قنطار عنبر وعود ومسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق أموال وجواهر، وركب الطريق إلى مكة، ولما وصل بعض الطريق مرض مرضا مزمنا، فما دخل مكة -شرفها الله- إلا وقد فلج (¬٤) ويبست يداه ورجلاه، ورأى في نفسه العبر، فلما احتضر بعث إلى رجل مغربي بمكة، فقال: والله ما أرضى لنفسي من جميع مامعي كفنا أتكفن به، فتصدق على بكفن. فبعث له نَصْفِيّتَيْن (¬٥) بغدادي، ومائتي درهم، فكفنوه فيهما، ودفن بالمعلى. قال السبط (¬٦): وبلغني عن الكامل أنه سر بموته، ولما جاء خزنداره إليه ما سأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال والتحف؟ قال: وقد ذكرنا ما فعل الأقسيس وضربه في الحرم بالبندق (¬٧)، فعوقب سريعا، وضربه القدر ضربا وجيعا.فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وصاحب مصر الملك الكامل بن العادل، وصاحب دمشق أخوه الملك الأشرف (¬١).
  • full passagepage 1204, entry [491]2,810 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ الصالح أبو (¬٨) البركات الحسن بن محمد بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله بن الحسن الشافعي، المعروف بزين الأمناء، ابن عساكر، وكانت له روايات كثيرة الكتب الحديث وغيرها من عَمَّيْه الحافظ أبي القاسم على، والصائن أبي الحسين هبة الله ابني الحسن، وكان قد أقعد في آخر عمره،
    ▸ expand full passage (2,810 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ الصالح أبو (¬٨) البركات الحسن بن محمد بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله بن الحسن الشافعي، المعروف بزين الأمناء، ابن عساكر، وكانت له روايات كثيرة الكتب الحديث وغيرها من عَمَّيْه الحافظ أبي القاسم على، والصائن أبي الحسين هبة الله ابني الحسن، وكان قد أقعد في آخر عمره، وكان يُحْمل في محفة [١١٩] إلى الجامع وإلى دار الحديث [النورية] (¬٩)، مات ليلة الجمعة، السادس عشر من صفر من هذهالسنة، ودفن عند قبر أخيه الفقيه أبي منصور عبد الرحمن بن محمد، المعروف بالفخر ابن عساكر، بالشرف القبلي بظاهر دمشق، وعُمِّرَ، وتَفّرَّد بالرواية، وجاوز الثمانين بثلاث سنين ﵀. الشيخ بيرم (¬١) المارديني، كان صالحا منقطعًا محبًا للعزلة عن الناس، وكان مقيما بالزاوية الغربية من الجامع، وهي التي يقال لها الغزالية (¬٢) وكانت تعرف (¬٣) بزاوية الدولعي، وقبله بزاوية القطب النيسابوري، وقبله بزاوية الشيخ أبي نصر المقدسي. ابن الجاموس (¬٤) عز الدين كان الأمير شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين استخدمه على ديوانه في هذه السنة، وأعطاه الكوسات (¬٥) والأعلام، وقدمه على جماعة، ودُعي بالصاحب الأمير عز الدين، ومكنه غازي من البلاد والعباد، فبدا منه من الكبر والجبروت، والظلم والعدوان، بحيث كان الجُلَنْدى [الذي يأخذ كل سفينة غصبا] (¬٦) عنده كسرى أنو شروان، وكان غازي قد اقترض من البدر بن المسخف الشاعر لما توجه إلى مكة عشرة آلاف درهم، وكتب له بها توقيعًا على أنَضِّ الجهات، فمطله ابن الجاموس، وأحاله على جهات منكسرة، ولقى منه أمورًا عسرة، فهجاه بأبيات، وكتب بها إلى غازي، فمنها:أبوه الذي أفتى قديما بسبكم … جهارا وهذا الابن من ذلك الصلب فأبْعِدُه وُقِيتَ الردى عن دياركم … وقابِلْه بالإعراض والفتك والصَّلْبِ فقد قيل بيتًا سائرًا في مثاله … وسار مسير الشمس في الشرقْ والغرب ومن ربط الكلب العقور بِبَابه … فعقر جميع الناس من رابط الكلب (¬١) مات ابن الجاموس في هذه السنة بميافارقين، فاستولي غازى على تركته ودوابه وغلمانه، ولعنه غازي، وقال: لقد ظلم الرعية ووسخ أعراضنا، فدعوا علينا بسببه، وجماعة من دمشق طلبوا تركته، فسبهم غازي، وقال: بأي شيء جاءني ما جاء إلا بِجُبة (¬٢) وبرطوس (¬٣) وأعطى عمه ألف درهم [١٢٠].فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله (¬١)، والسلطان الملك الكامل صاحب مصر بالديار المصرية، وأخوه الملك الأشرف بدمشق، وقد تخلى عن البلاد الشرقية، فإن حران وما معها صارت لأخيه الملك الكامل، وأما أخلاط وبلادها التي كانت للأشرف فقد صارت خرابًا يبابًا، بإفساد جلال الدين خوارزم شاه على ما ذكرناه، ولم يكن للأشرف ولد ذكر، فقنع بدمشق، واشتغل باللهو والملاذ، ثم في هذه السنة قد سار الأشرف إلى أخيه الكامل فأقام عنده بالديار المصرية متنزها (¬٢). وصاحب حلب الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح يوسف بن أيوب، اشتغل في هذه السنة بالممالك الحلبية ودبَّرها، وتصرف في أحوالها، وبلغ من العمر ثماني عشرة سنة، وسلم إليه أتابكه (¬٣) شهاب (¬٤) الدين طغريل الخزائن، وخرج العزيز من القلعة ودار القلاع والحصون التي له، ونزل الأتابك شهاب الدين من القلعة، وكان له بها نحو خمس عشرة سنة ملازمًا من حين مات السلطان الملك الظاهر غازي (¬٥).
  • full passagepage 1223, entry [499]2,831 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ابن معطى (¬٦) النحوي يحيي بن معطي بن [عبد] (¬٧) النور الزواوي، صاحب الألفية وغيرها [١٣٢] من المصنفات النحوية المفيدة ويلقب بزين الدين، أخذ عن الكندي وغيره في الشام، ثم سافر إلى مصر، وكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، وشهد جنازته الشيخ شهاب (¬٨) الدين أبو
    ▸ expand full passage (2,831 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان ابن معطى (¬٦) النحوي يحيي بن معطي بن [عبد] (¬٧) النور الزواوي، صاحب الألفية وغيرها [١٣٢] من المصنفات النحوية المفيدة ويلقب بزين الدين، أخذ عن الكندي وغيره في الشام، ثم سافر إلى مصر، وكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، وشهد جنازته الشيخ شهاب (¬٨) الدين أبو شامة، وكان قد رحل إلى مصر في هذه السنة. وحكى أن الملك الكامل شهد جنازته، وأنه دفن قريبا من قبر المزني بالقرافة في طريق الشافعي عن يسرة المار.وقال ابن خلكان (¬١): وكان الملك الكامل أرغبه في الانتقال إلى مصر، فسافر إليها وتصدر بالجامع العتيق بمصر لإقراء الأدب، ولم يزل إلى أن توفي في سلخ ذي القعدة من هذه السنة، ودفن من الغد على شفير الخندق بقرب تربة الإمام الشافعي، وقبره هناك ظاهر، ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة. والزواري: بفتح الزاي نسبة إلى زواوة، وهي قبيلة كبيرة بظاهر بجاية، من أعمال إفريقية، ذات بطون وأفخاذ. قلت: كان يحيى بن معطى المذكور من سادات الأئمة الحنفية ذكره صاحب الطبقات فيهم. وكذا قال ابن خلكان: يحيى بن معطى النحوى الحنفي ﵀. الدخوار (¬٢) الطبيب، واقف الدخوارية بدمشق، مهذب الدين عبد الرحيم بن على بن حامد، المعروف بالدخوار، شيخ الأطباء بدمشق، وقد وقف داره بدرب العميد بالقرب من الصاغة العتيقة على الأطباء بدمشق مدرسة لهم، وكانت وفاته في صفر من هذه السنة، ودفن بسفح جبل قاسيون، وعلى قبره قبة على أعمدة في وسط الجبل شرقي الركنية (¬٣)، وقد ابتلي بستة أمراض متعاكسة منها ريح اللقوة، وكان مولده سنة خمس وستين وخمسمائة، وعمره ثلاث وستون سنة. وقال القوصى: أنشدني الحكيم (¬٤) الفاضل في الإسرائيلى صاحب المعتبر: لنا صديق يهودي [من حماقته] (¬٥) … إذا تكلم تبدو آفته (¬٦) من فيه يتيه والكلب خير منه منزلة … كأنه بعد لم يخرج من التيه (¬٧)ابن العديم (¬١) الشيخ الصالح القاضي أبو غانم، كان من المجتهدين في العبادة والرياضة، والعاملين بعلمهم. وقال ابن (¬٢) الأثير: إنه من شيوخنا، سمعنا عليه الحديث، وانتفعنا برؤيته وكلامه، مات في هذه السنة. أبو اسحق (¬٣) إبراهيم بن عبد [١٣٣] الكريم بن أبي السعادات بن كريم الموصلي، أحد الفقهاء الحنفية، شرح قطعة كبيرة من القدوري، وكتب الإنشاء لصاحبها بدر الدين لؤلؤ، ثم استقال من ذلك، وكان فاضلا شاعرا. فمن شعره قوله: دعوه كما شاء الغرامُ يكونُ … فلستُ وإن خان العهود أخونٌ ولينوا له في قولكم ما استطعتم … عسى قلبه القاسي علىَّ يلينُ وبثوا صباباتي إليه وكرروا … حديثي عليه فالحديثُ شجون وسلوا على العشاق يوم تحملوا … سيوفا لها وطفُ (¬٤) الجفونِ جفونُ (¬٥) المجد (¬٦) البهنسي، وزير الملك الأشرف، من بيت الفضل والعلم، كان أبوه فاضلا، كتب شرح الحماسة بخطه في ست مجلدات للتبريزي، ووقفه في الخانقاه (¬٧) الشُمَيْساطيَّة، ليس في الشام نسخة أصح منها، وكان المجد فاضلا، وُزِّرَ للأشرف مدة، ولم يقطع رزق أحد، وكان حسن المحضر عاقلا، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا استهتاره، والله يعفو عنه، وكان الأشرف قد عزله عن الوزارة واستأصله، وأخذ جميع ماله، وتوفي بدمشق، ودفن بتربته التي أنشأها بقاسيون، ووقف عليها وقفا، وأوصى بكتبه تكون فيها.جمال (¬١) الدولة خليل بن زويزان، رئيس قصر حجاج، كان كيسا ذا مروءه، له صدقات كثيرة، وله زيارة في مقابر الصوفية من ناحية القبلة، مات في هذه السنة ودفن بتربته عند مسجد فلوس (¬٢).
  • snippetshamela_bodypage 273, entry [78]300 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان مبارك بن علي بن الحسين بن الطباخ أبو محمد البغدادي (¬٥)؛ نزيل مكة، أقام بها أربعين سنة يؤم الناس، حطيم لا يراه أحد في غير المحرم، ويعتمر كل يوم ويتعبد ولا يراه أحد، فتوفي فيها بشوال، ودفن بالمعلي، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته، وكان صالحًا ثقة. [سعيد] (¬٦) بن عبد الله ب
  • snippetAḥmad b. Ḥanbalpage 820, entry [347]300 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو الفتح (¬٢) محمد بن أحمد بن بختيار بن علي بن محمد بن إبراهيم بن جعفر الواسطى المعروف بابن الميداني (¬٣)، آخر من روي مسند الإمام أحمد ﵀ عن أبي الحصين، وكان من بيت فقه وقضاء وديانة، وكان ثقة عدلًا متورعًا في النقل، ومما أنشده من حفظه: ولو أن ليلى مطلع الشمس دونها … وكنت
  • snippetshamela_bodypage 915, entry [395]300 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان بهاء الدين (¬٨) أحمد بن أبي الفضائل الميهني، شيخ رباط الخلاطية من بيت التصوف، وكان أبوه أبو الفضائل عبد المنعم شيخ المشايخ وسيد الصوفية، وكان الخليفة قد سَلَّم إلى بهاء الدين رباط الخلاطية وأوقافها ثقةً به من غير مُشرف ولا عمل حساب، فأقام مدة يقصده الناس من البلاد وأطراف

بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

full-text

· 62 entries

  • full passagepage 41, entry [18]5,727 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عبد الملك بن عبد السلام بن الحسن اللمغانى (¬١) الحنفى، مدرس مشهد أبى حنيفة رضى الله عنه، وهو أخو عبد الرحمن، وعم محمد بن علىّ بن عبد السلام ابن الحسن اللمغانى (¬٢). وكان رجلا فاضلا من بيت العلم والرئاسة، توفى فى هذه السنة، ودفن بمقبرة الخيزران. الحافظ المسند أبو الحجاج يو
    ▸ expand full passage (5,727 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عبد الملك بن عبد السلام بن الحسن اللمغانى (¬١) الحنفى، مدرس مشهد أبى حنيفة رضى الله عنه، وهو أخو عبد الرحمن، وعم محمد بن علىّ بن عبد السلام ابن الحسن اللمغانى (¬٢). وكان رجلا فاضلا من بيت العلم والرئاسة، توفى فى هذه السنة، ودفن بمقبرة الخيزران. الحافظ المسند أبو الحجاج يوسف (¬٣) بن أبى الصفا خليل بن عبد الله الدمشقى الآدمى المنعوت بالشمس، نزيل حلب. مات بحلب فى العاشر من جمادى الآخرة، ودفن بظاهر باب الأربعين، ومولده بدمشق فى سنة خمس وخمسين وخمسمائة، سمع الكثير، ومعجم شيوخه يزيد على أربعمائة شيخ.أمين الدولة أبو الحسن غزال (¬١) المتطبب، وزير الملك الصالح عماد الدين إسماعيل. وكان سامريا كما ذكرناه وكان سببا على هلاك نفسه، وعلى سلطانه، وسبب زوال النعمة عنه وعن مخدومه، وهذا هو الوزير السوء. وقال السبط: فسبحان من أراح المسلمين بقتله (¬٢)، وقد ذكرنا قتله عن قريب (¬٣). قال: وما كان مسلما، ولا سامريا بل كان يتستر [٣٢٧] بالإسلام، ويبالغ فى هدم شريعة المصطفى ﵇، وبلغنى أن الشيخ إسماعيل الكورانى ﵀ قال له يوما وقد زاره: لو بقيت على دينك كان أصلح لأنك تتمسك بدين فى الجملة (¬٤)، أما الآن فأنت مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ولقد ظهر له من الأموال والجواهر واليواقيت والتحف والذخائر ما لا يوجد فى خزائن الخلفاء ولا السلاطين، وأقاموا ينقلونه مدة سنين، فبلغنى أن قيمة ما ظهر ثلاثة آلاف ألف دينار، غير الودائع التى كانت له عند أصدقائه والتجار، ووجد له عشرة آلاف مجلد من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة، فتمزق الجميع فى زمان يسير (¬٥).الملك الصالح عماد الدين إسماعيل (¬١) أبو الجيش بن الملك العادل أبى بكر ابن أيّوب واقف تربة أم الصالح (¬٢). وقد كان ملكا عاقلا حازما، تقلّبت به الأحوال أطوارا كثيرة. وقد كان الملك الأشرف بن العادل أوصى له بدمشق من بعده، فملكها شهورا، ثم انتزعها منه أخوه الملك الكامل، ثم ملكها من يد الملك الصالح نجم الدين أيّوب خديعة ومكرا، فاستمر فيها أزيد من أربع سنين، ثم استعادها منه الملك الصالح أيّوب عام الخوارزميّة سنة ثلاث وأربعين وستمائة (¬٣)، واستقرت بيده بلداه بعلبك وبصرى، ثم أخذتا منه كما ذكرنا، ولم يبق له بلد يأوى إليه، فلجأ إلى المملكة الحلبية فى جوار الملك الناصر يوسف صاحب حلب، فلما كان فى هذه السنة ما ذكرنا من القتال بين الشاميين والمصريين أسر الصالح وأحضر إلى القاهرة (¬٤). وقال ابن كثير: عدم بالديار المصرية فى المعركة، فلا يدرى ما فعل به، وهو واقف التربة والمدرسة ودار الحديث والقراء بدمشق (¬٥).وفى تاريخ النويرى: وفى ليلة الأحد السابع والعشرين من ذى القعدة من هذه السنة هجم جماعة على الملك الصالح إسماعيل بن العادل بن أيوب وهو يمصّ قصب السكّر، وأخرجوه إلى ظاهر قلعة الجبل وقتلوه (¬١). وقال القاضى جمال الدين بن واصل (¬٢): من أعجب ما مرّ بى أن الملك الجواد مودود لما كان فى حبس الملك الصالح إسماعيل، [٣٢٨] وأنه سيّر إليه من خنقه وفارقه ظنا أنه قد مات فأفاق، فرأته امرأة هناك، فأخبرتهم أنه قد أفاق، فعادوا إليه وخنقوه حتى مات. وفى هذه الليلة لما أخرجوا الملك الصالح إسماعيل بأمر أيبك التركمانى إلى ظاهر القلعة، وكان معهم ضوء فأطفأوه (¬٣)، فخنقوه وفارقوه، ظنا أنه قد مات، فأفاق، فرأته امرأة هناك، فأخبرتهم أنه قد أفاق، فعادوا إليه وخنقوه حتى مات، فانظر ما أعجب هذه الواقعة (¬٤). ودفن هناك، وعمره قريب من خمسين سنة، وكانت أمّه رومية من حظايا الملك العادل. الأمير شمس الدين لؤلؤ (¬٥) مدبر مملكة حلب. وكان من خيار عباد الله الصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر،قتل فى هذه السنة فى المعركة التى وقعت بين المصريين والشاميين كما ذكرناه مفصلا. وقال السبط: كان أميرا حسنا، صالحا عابدا زاهدا، مدبرا، وكان يحكى واقعات جرت له، منها قوله عن بركة خان: أريد رأسه، فكان كما قال، وأمثال ذلك كثيرة، وما كان يدعى ذلك كرامات، وإنما كان يخبر عن نفسه وما به بأس إلا أنه قتل قتلة شنيعة، وبقى مدّة لا يوارى. الملك المنصور (¬١) عمر بن على بن رسول صاحب اليمن. وكان علىّ بن رسول هذا أستاذ الدار للملك المسعود ابن السلطان الملك الكامل، فلما سار المسعود قاصدا الشام ومات بمكة كما ذكرنا، استناب علىّ بن رسول هذا باليمن، فاستقر بها نائبا لبنى أيوب، وكان لعلى المذكور إخوة، فأحضروا إلى مصر، وأخذوا رهائن خوفا من تغلبه على اليمن، واستمر المذكور نائبا باليمن حتى مات قبل سنة ثلاثين وستمائة، واستولى على اليمن بعده ولده عمر بن علىّ المذكور على ما كان عليه أبوه من النيابة، فأرسل من مصر أعمامه ليعزلوه ويكونوا نوّابا موضعه، فلما وصلوا إلى اليمن قبض عمر المذكور عليهم واعتقلهم، واستقلّ عمر المذكور بملك اليمن يومئذ وتلقّب بالملك المنصور، واستكثر من المماليك التركفقتلوه فى هذه السنة (¬١)، [٣٢٩] واستقرّ بعده فى ملك اليمن ابنه يوسف (¬٢) بن عمر وتلقّب بالملك المظفّر، وصفا له ملك اليمن، وطالت أيام مملكته، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. الخاتون أرغوان (¬٣) الحافظية، سميت الحافظية لخدمتها وتربيتها الحافظ صاحب قلعة جعبر. وكانت عتيقة الملك العادل الكبير أبى بكر بن أيّوب، وكانت امرأة عاقلة، مدبرة، عمّرت دهرا، ولها أموال جزيلة عظيمة، وهى التى كانت تصلح الأطعمة للملك المغيث عمر بن الصالح أيّوب، فصادرها الصالح إسماعيل، وأخذ منها أربعمائة صندوق من المال. وقد وقفت دارها بدمشق على خدامها، واشترت بستان النجيب ياقوت الذى كان خادم الشيخ تاج الدين الكندى، وجعلت فيه تربة (¬٤) ومسجدا، ووقفت عليها أوقافا جيدة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التّاسعة والأربعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وصاحب الديار المصرية: الملك الأشرف موسى بن الملك المسعود بن الكامل ابن الملك العادل بن أيوب، ومدبر المملكة وأتابك العساكر عز الدين أيبك التركمانى. وصاحب المملكة الحلبية: السلطان الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الظاهر بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو متغلّب على دمشق كما ذكرنا، وقد جهز عسكرا من جهته لقصد المعاودة إلى الديار المصرية، وقدّم على العسكر الملك الأمجد بن العادل، وتجهز الملك المعز أيبك والعساكر للخروج وبلغهم نزول العساكر الشامية على تل العجول، فتوجهوا ونزلوا السانح، فأقاموا به، ولم يزالوا مقيمين إلى أن خرجت هذه السنة، والرسائل مترددة بين الفريقين. وفى تاريخ ابن كثير: ولما عاد الملك الناصر صاحب حلب إلى دمشق بعد انهزامه قدمت عساكر المصريين، فحكموا على بلاد السواحل إلى حدّ الشريعة (¬١)، فجهّز إليهم الناصر جيشا، فطردوهم حتى ردوهم إلى الديار المصرية (¬٢). وفى تاريخ النويرى: وأنفق الناصر الأموال واستخدم الرجال، وجهّزعسكرا إلى غزة [٣٣٠]، وخرج المصريون إلى السانح وأقاموا كذلك حتى خرجت السنة (¬١). وقال السبط: وخرجت السنة [و] التى (¬٢) بعدها أيضا (¬٣) على هذا.
  • full passagepage 52, entry [22]12,005 chars
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان أقضى القضاة أبو الفضل عبد الرحمن (¬١) بن عبد السلام بن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن إبراهيم اللمغانى الحنفى. من بيت العلم والقضاء. درس بمشهد أبى حنيفة رضى الله عنه، وناب عن قاضى القضاة بن فضلان الشافعىّ، ثم عن قاضى القضاة أبى صالح نصر بن عبد الرزاق الحنبلى، ثم عن قاضى القضا
    ▸ expand full passage (12,005 chars)
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان أقضى القضاة أبو الفضل عبد الرحمن (¬١) بن عبد السلام بن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن إبراهيم اللمغانى الحنفى. من بيت العلم والقضاء. درس بمشهد أبى حنيفة رضى الله عنه، وناب عن قاضى القضاة بن فضلان الشافعىّ، ثم عن قاضى القضاة أبى صالح نصر بن عبد الرزاق الحنبلى، ثم عن قاضى القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطى، ثم بعد وفاته استقر القاضى عبد الرحمن اللمغانى بولاية الحكم ببغداد، ولقب أقضى القضاة، ولم يخاطب بقاضى القضاة، ودرس للحنفية بالمستنصرية فى سنة خمس وثلاثين وستمائة، وكان مشكور السيرة فى أحكامه ونقضه وإبرامه. ولما توفى تولى بعده قضاء القضاة ببغداد شيخ النظامية سراج الدين النهر قلى كما ذكرنا. وقال صاحب طبقات الحنفيّة: إن أقضى القضاة عبد الرحمن المذكور توفى يوم الجمعة ضاحى نهار الحادى عشر من رجب سنة تسع وأربعين وستمائة، ودفن بمقابر أبى حنيفة رحمة الله، وكان مولده فى المحرّم سنة أربع وستين وخمسمائة. واللمغانى - بفتح اللام وسكون الميم (¬٢) وفتح العين المعجمة - نسبة إلى لمغان وهى مواضع بين جبال غزنه.بهاء الدين على (¬١) بن هبة الله بن سلامة الجميزى خطيب القاهرة. رحل من صغره إلى إلعراق، فسمع بها وبغيرها، وكان فاضلا، أتقن مذهب الشافعى، وكان دينا، حسن الأخلاق، واسع الصدر، كثير البر، قلّ إن قدم عليه أحد إلا أطعمه شيئا، وقد سمع الكثير على الحافظ السلفى وغيره، وأسمع الناس كثيرا من مروياته. وكانت وفاته فى ذى [٣٣٢] الحجة من هذه السنة وله تسعون سنة، ودفن بالقرافة. ابن عمرون الحلبى، هو الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبى علىّ ابن سعد بن عمرون الحلبى النحوى. مات فى شهر ربيع الأول ودفن من يومه بالمقام، ومولده فى سنة ست وخمسمائة تقديرا، سمع من أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد (¬٢)، وحدّث، وقرأ الأدب وبرع فيه، وأقرأ مدة، وانتفع به جماعة. أبو الفتح الصوفى، الشيخ الفقيه الحنفى الصوفى، أحمد بن يوسف ابن عبد الواحد بن يوسف الأنصارى الدمشقى الأصل، الحلبى المولد. توفى فى السادس عشر من شعبان بحلب، ودفن من الغد بالمقام ظاهر حلب.تفقه على مذهب الإمام أبى حنيفة رضى الله عنه، وقرأ علم النظر والخلاف وبرع فيهما، واستدعى إلى بغداد، وولى بها تدريس الفرقة الحنفية بالمدرسة المستنصرية (¬١) مدة، ثم استأذن فى العود إلى وطنه، فأذن له فى ذلك، فعاد إلى حلب ودرس بها بالمدرسة المقدمية (¬٢)، وبمدرسة الحدادين (¬٣)، وكان قد ولى مشيخة رباط سنقرجاه بعد موت أبيه، رحمهما الله. علم الدين قيصر (¬٤) بن أبى القاسم بن عبد الغنى بن مسافر، الفقيه الحنفى المقرئ، المعروف بتعاسيف. كان إماما فى العلوم الرياضية، اشتغل بالديار المصرية والشام، ثم سافر إلى الموصل، وقرأ على الشيخ كمال الدين بن يونس علم الموسيقى، ثم عاد إلى الشام، وتوفى بدمشق فى شهر رجب منها، ومولده سنة أربع وخمسين (¬٥) وخمسمائة بأصفون (¬٦) بليدة بالصعيد.جمال الدين بن مطروح أبو الحسين يحيى (¬١) بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين ابن على بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح، الملقب جمال الدين. من أهل صعيد مصر، ونشأ هناك، وأقام بقوص مدة، وتقلبت به الأحوال فى الخدم والولايات، ثم انصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل بن السلطان الملك العادل بن أيوب [٣٣٢]، وكان إذ ذاك نائبا عن أبيه الكامل بالديار المصرية، ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، فصار له آمد وحصن كيفا وحرّان والرّها والرقة ورأس عين وسروج وما انضم إليها، سيّر إليها ولده الصالح المذكور نائبا عنه وذلك فى سنة تسع وعشرين وستمائة، فكان ابن مطروح المذكور معه، ولم يزل ينتقل فى البلاد إلى أن وصل الملك الصالح إلى مصر مالكا لها فى سنة سبع وثلاثين وستمائة، كما ذكرنا، ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية فى أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة، فرتبّة السلطان ناظرا فى الخزانة، ولم يزل يتقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الصالح دمشق فى الدفعة الثانية من سنة ثلاث وأربعين وستمائة، كما ذكرناه، ثم إن السلطان بعد ذلك رتب لدمشق نوابا، فكان ابن مطروح فى صورة وزير لها، ومضى إليها، وحسنت حاله، وارتفعت منزلته، ثم عزله الصالح لأمور نقمها عليه، وهو مواظب للخدمة مع إعراض الملك الصالح عنه. ولما توفى الملك الصالح بالمنصورة، كما ذكرناه، وصل ابن مطروح إلى مصر، وأقام بها فى داره إلى أن مات ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة بمصر، ودفن بسفح المقطم.وقال ابن خلكان: وحضرت الصلاة عليه ودفنه، وأوصى أن يكتب عند رأسه دو بيت نظمه فى مرضه وهو: أصبحت بقعر حفرة مرتهنا … لا أملك من دنياى إلا الكفنا (¬١) يا من وسعت عباده رحمته … من بعض عبادك المسيئين أنا وكانت ولادته يوم الإثنين ثامن رجب سنة إثنتين وتسعين وخمسمائة بأسيوط، وهى بليدة بالصعيد الأعلى من ديار مصر. وقال ابن خلكان: وكانت أدواته جميلة، وخلاله حميدة، جمع بين الفضل والمروءة والأخلاق الرضية، وكانت بينى وبينه مودّة أكيدة، ومكاتبات فى الغيبة، ومجالس فى الحضرة، تجرى فيها مذاكرات لطيفة، وله ديوان شعر. أنشدنى [أكثره]. (¬٢) وكان فى بعض [٣٣٤] أسفاره قد نزل فى طريقه بمسجد وهو مريض فقال: يا ربّ إن عجز الطبيب فداونى … بلطيف صنعك واشفنى يا شافى أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من … شيم الكرام البرّ بالأضياف (¬٣) وله أيضا: يا من لبست عليه أثواب الضنى … صفراء (¬٤) موشّعة بحمر الأدمع أدرك بقيّة مهجة لو لم تذب … أسفا عليك نفيتها عن أضلعىوكان فى مدّة انقطاعه فى داره، وضيق صدره بسبب عطلته، وكثرة كلفته، قد حدث فى عينيه ألم انتهى به إلى مقاربة العمى. وقال ابن خلكان أيضا: وكنت أجتمع به فى كل وقت، فتأخرت عنه مديدة لعذر أوجب ذلك، وكنت فى ذلك الوقت أنوب فى الحكم بالقاهرة عن قاضى القضاة بدر الدين أبى المحاسن يوسف (¬١) بن الحسن بن على الحاكم بالديار المصرية المعروف بقاضى سنجار، فكتب إلىّ ابن مطروح [يقول] (¬٢): يا من إذا استوحش طرفى له … لم يخل قلبى منه من أنس والطرف والقلب على ما هما … عليه مأوى البدر والشمس وكان بينه وبين بهاء الدين زهير (¬٣) صحبة قديمة من زمن الصبا، وإقامتهما ببلاد (¬٤) الصعيد، حتى كانا كالأخوين وليس بينهما فرق فى أمور الدنيا، ثم اتصلا بخدمة الملك الصالح وهما على تلك المودّة، وبينهما مكاتبات بالأشعار فيما يجرى لهما (¬٥)، فأخبرنى بهاء الدين زهير أن جمال الدين بن مطروح كتب إليه فى بعض الأيام يطلب منه درج ورق، و [كان قد (¬٦)] ضاق به الوقت، وأظنهما كانا ببلاد الشرق [معا] (¬٧):أفلست يا سيدى من الورق … فجد بدرج كعرضك اليقق وإن أتى بالمداد مقترنا … فمرحبا بالخدود والحدق (¬١) وفى تاريخ المؤيد: وفى سنة تسع وأربعين وستمائة توفى الصاحب محيى الدين ابن مطروح، وكان متقدما عند الملك الصالح أيوب، كان (¬٢) يتولى له - لما كان الصالح (¬٣) بالشرق - نظر الجيش، ثم استعمله على دمشق، ثم عزله، وولى ابن يغمور، وكان [ابن مطروح المذكور (¬٤)] فاضلا فى النثر والنظم ومن شعره (¬٥): [٣٣٥] عانقته فسكرت من طيب الشذا … غصنا رطيبا (¬٦) بالنسيم قد اغتذا نشوان ما شرب المدام وإنما … أمسى بخمر رضابه متنبّذا جاء العذول يلومنى من بعد ما … أخذ الغرام علىّ فيه ماخذا لا أرعوى لا أنثنى لا أنتهى … عن حبّه فليهذ فيه من هذا إن عشت عشت على الغرام وإن أمت … وجدا به وصبابة يا حبذا (¬٧)فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: المستعصم بالله. وسلطان الديار المصرية: الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحى التركمانى. وصاحب دمشق وحلب: السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن السلطان الملك العزيز محمد بن السلطان الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أبوب. وصاحب حمص: الملك الأشرف موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادى. وصاحب حماة: الملك المنصور محمد بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. وصاحب عينتاب: الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غارى ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وصاحب بلاد الروم: السلطان غياث الدين كيخسرو بن السلطان علاء الدين كيقباد السلجوقى.وصاحب ماردين: « ...... » (¬١). وصاحب الموصل: بدر الدين لؤلؤ. وأما بلاد عراق العجم وبلاد خراسان وغيرها إلى بلاد ماوراء النهر وبلاد الدشت وغيرها: ففى أيادى أولاد جنكز خان. وصاحب اليمن: صلاح الدين يوسف بن عمر بن على بن رسول. ثم اعلم أن الديار المصرية والشامية انتهت بعد إنقضاء الدولة العبيدية الفاطمية إلى الدولة الأيوبية كما ذكرناه مفصلا، ثم لما شاء الله تعالى انقراض الدولة الأيوبية وذريتها سبق فى علمه الأزلى أن [٣٣٦] صلاح هذه المملكة بتولية أولى النجدة والبأس، وأن الترك من بينهم هم أصلح الأجناس، وأن فى هدايتهم إلى الإيمان صلاحا خاصا وعاما، فأخرج طائفة منهم من الظلمات إلى النور، وحباهم بأنواع العطايا بالبهجة والسرور، وقيض الله تجارا أخرجوهم إلى الآفاق خصوصا فى أيام استيلاء التتار على البلاد المشرقية والشمالية وعلى الأتراك القفجاقية (¬٢)، فجاءت منهم طائفة إلى البلاد الشامية والديار المصرية فى أواخر الدولة الأيوبية، فاشتراهم ملوك بنى أيوب بأبخس الأثمان ليزينوا بهم مواكبهم فى البلدان، وليتخذوهم عدة (¬٣) عند النوائب، لما فيهم من الشجاعة والإقدامفى المصائب، ثم صارت منهم جماعة أمراء كبارا مقدّمين، وجماعة منهم ملوكا سلاطين، فملك منهم من الذين جلبوا وبيعوا إلى يومنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة (¬١) أحد عشر نفسا وهم: الملك المعزّ أيبك التركمانى: وهو أول الملوك الأتراك الذين ملكوا الديار المصريّة، والملك المظفر قطز، والملك الظاهر بيبرس، والملك المنصور قلاون (¬٢)، والملك العادل كتبغا، والملك المنصور لاجين، والملك المظفر بيبرس الجاشنكير، والملك الظاهر برقوق، والملك المؤيد شيخ، والملك الظاهر ططر، والملك الأشرف برسباى. قال بيبرس فى تاريخه: وأوّل من اهتم بتحصيلهم واحتفل بتجميلهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأخوه الملك العادل أبو بكر، ثم ولده الملك الكامل، ولما آلت المملكة إلى ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب استكثر منهم استكثارا بذل فيهم المجهود، وبلغ منهم المقصود، وبذل فيهم الأموال الكثيرة، وأصرف لأجلهم الأشياء الغزيرة، ثم لما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب، وقتل ابنه الملك المعظم، ولّوا زوجة أستاذهم الملك الصالح المسماة بشجر الدرّ لقصدهم استمرار الملك فى البيت الأيّوبى ولا يخرج عنه، وتصدر الأمور كلها منه فكانوا لها أطوع من البنان برهة من الزمان، ثم لما رأوا أنّ ذلك قصر بحقوق الملك وأزرى عليه، واشتدّت [٣٣٧] أطماع من كان بالشام إليه، فاحتاجوا إلى إقامة رجل يزاحم بمنكبه المناكب، ويباهى بموكبهالمواكب، ويقوم بتدبير البلاد والعباد، ويحسم مادّة الفساد والعناد، ويبنى الملك على الأساس والعماد. قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهّالهم سادوا والبيت لا يبنى إلاّ بأعمدة … ولا عمادا إذا لم ترسّ أوتاد فإن تجّمع أوتاد وأعمدة … فقد بلغوا الأمر الذى كادوا فأقاموا الأمير عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحىّ مدبّر الممالك مضافا اسمه إلى اسم الملك الأشرف موسى بن الملك المسعود المعروف بأطسز بن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب فى التواقيع والمناشير وسكة الدراهم والدنانير، فاستقر الأمر على ذلك. ثم لما ظهرت (¬١) أطماع الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب البلاد الحلبيّة والشاميّة، وتبع على ذلك الإرجاف بما تواتر من الأخبار بحركة التتار، ولا سيما دخول هلاون بلاد العراق، واستيلائهم على تلك الآفاق، ورأوا صغر سنّ الملك الأشرف، وعدم قيامه بواجب أمور المملكة، اجتمعت الآراء، واتفقت الأمراء على استقلال عز الدين أيبك التركمانى الجاشنكير بالسلطنة، واستقلاله بها على انفراده، فأقاموه على ذلك، وأزالوا عن الأشرف اسم السلطنة، وأسقطوا اسمه من السكة والخطبة. قال بيبرس فى تاريخه: وذلك فى شهور هذه السنة، أعنى سنة خمسين وستمائة.قلت: ذكر بيبرس هذا فى السنة الماضية، أعنى فى سنة تسعة وأربعين وستمائة، وقال هناك: عزم الملك المعزّ أيبك على تزويج شجر الدر والاستقلال بالسلطنة وإبطال أمر الملك الأشرف من الملك، فأبطله وخلعه وأزاله ونزعه، ثم قال هاهنا: إن الاتفاق على سلطنته كان فى هذه السنة، أعنى سنة خمسين وستمائة (¬١). ومع هذا ذكر هو وغيره أن [٣٣٨] الملك المعز أيبك إنما كانت سلطنته فى سنة ثمانية وأربعين وستمائة. قلت: التوفيق فى هذا الكلام أنه تسلطن فى سنة ثمانية وأربعين وستمائة، ولكنه ما أقام إلا شيئا يسيرا جدّا، كما ذكرناه هناك، ولم يعتبروا هذه السلطنة حيث لم تمتد أيامها ولا ظهرت أحكامها، فكانت كسلطنة الأمير بيدرا عند قتله الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون (¬٢) عند الطرّانة (¬٣)، فإنه تسلطن وتلقب بالملك القاهر وأقام نصف نهار، ثم ضربت رقبته كما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى، ثم كان عزمه للسلطنة واستقلاله بها فى أواخر سنة تسعة وأربعين وستمائة، فلذلك ذكروا أن سلطنته كانت فى هذه السنة، أعنى سنة تسعة وأربعين وستمائة، ولكن لما وقع استقلاله التامّ بها، وظهوره بها، ونفاذكلمته، وانتشار مراسيمه فى هذه السنة، أعنى سنة خمسين وستمائة، أسندت سلطنته وظهورها التامّ إلى هذه السنة، أعنى سنة خمسين. ثم لما استقلّ بذلك فى هذه السنة شرع فى تحصيل الأموال، واستخدام الرجال، واستوزر شخصا من نظار الدواوين يسمّى شرف الدين هبة (¬١) الله بن صاعد الفائزى، كان من القبط الكتّاب، ثم عدل عن أهل الكتاب، وأسلم فى الدولة الكاملية، وتقدّم فى المناصب الديوانيّة، فقرر أموالا على التجار وذوى اليسار وأرباب العقار، ورتّب مكوسا وضمانات وسماها حقوقا (¬٢) ومعاملات، واستقرّت وتزيّدت إلى يومنا هذا. ثم فى هذه السنة أمرّ الملك المعزّ كبار مماليكه، ورتّب سيف الدين (¬٣) قطز نائب السلطنة، وكان أكبرهم وأقدمهم هجرة، وأعظمهم لديه أثرة، وقطع خبز حسام الدين بن أبى علىّ الهذبانى الذى كان نائبا بالديار المصريّة، ثم لما قطع الملك المعزّ خبزه طلب دستورا أن يروح إلى الشام، فأعطاه دستورا، فسافر إلى الملك الناصر يوسف وأعطاه إمرة خمسمائة فارس. وفى هذه السنة تسلم (¬٤) المصريون الشوبك من نائب الملك المغيث فتح الدين عمر، ولم يبق بيده غير الكرك والبلقاء [٣٣٩] وبعض الغور.
  • full passagepage 68, entry [25]6,863 chars
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان صاحب المشارق فى الحديث، والعباب فى اللغة، الصاغانى أبو الفضائل الحسن (¬١) بن محمد بن الحسن بن حيدر بن على بن إسماعيل القرشى العدوىّ العمرى، من ولد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، الصاغانى المحتد، اللوهورى، البغدادى الوفاة، الفقيه الحنفى المحدّث اللغوى المنعوت بالرضى. ولد بلو
    ▸ expand full passage (6,863 chars)
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان صاحب المشارق فى الحديث، والعباب فى اللغة، الصاغانى أبو الفضائل الحسن (¬١) بن محمد بن الحسن بن حيدر بن على بن إسماعيل القرشى العدوىّ العمرى، من ولد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، الصاغانى المحتد، اللوهورى، البغدادى الوفاة، الفقيه الحنفى المحدّث اللغوى المنعوت بالرضى. ولد بلوهور - بفتح اللام وسكون الواوين بينهما هاء مفتوحة وفى آخرها راء - وهى مدينة كبيرة من بلاد [٣٤١] الهند، كثيرة الخير، ويقال لها: لهاوور أيضا، سنة سبع وسبعين وخمسمائة، يوم الخميس عاشر صفر، ونشأ بغزنة، ودخل بغداد فى صفر سنة خمس عشرة وستمائة، وتوفى بها ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان سنة خمسين وستمائة، ودفن بداره فى الحريم الظاهرى، ثم نقل إلى مكة ودفن بها، وكان أوصى بذلك، وجعل لمن يحمله ويدفنه بمكة خمسين دينارا. وسمع (¬٢) بمكة وعدن والهند.وصنف مجمع البحرين (¬١) فى اثنى عشر سفرا، وصنّف العباب (¬٢)، ومات قبل أن يكمله بثلاثة أحرف أو أكثر، وصنف الشوارد فى اللغات (¬٣)، وشرح القلادة السمطيّة فى توشيح الدريدية (¬٤)، وكتاب فعال على وزن جذام وقطام وفعلان على وزن شيبان، وكتاب الإنفعال، وكتاب مفعول، وكتاب الأضداد، وكتاب العروض، وكتاب فى أسماء الأسد، وكتاب فى أسماء الذئب، وكتاب مشارق الأنوار النبويّة فى الحديث (¬٥)، وشرح البخارى فى مجلد (¬٦)، ومصباح الدجى والشمس المنيرة فى الحديث (¬٧)، ودرر السحابة فى وفيات الصحابة، ومختصر الوفيات، وكتاب الضعفاء، وكتاب الفرائض (¬٨). وكان عالما صالحا. والصاغانى نسبة إلى قرية بمرو يقال لها: جاغان، فعرّبت وقيل: صاغان.الركن البخارىّ الحنفى محمود بن الحسين بن محمود بن فلان أبو القاسم، المنعوت بالركن البخارىّ. فقيه، عالم بالخلاف، والأصلين، وعلم البديع، والشعر. مولده ببخارى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وتوفى بدمشق ليلة الأحد سادس رمضان من سنة خمسين وستمائة. ومن تصانيفه شرحان للجامع الكبير أحدهما مختصر والآخر مطول سماه البحرين، وصنف كتابا سماه خير مطلوب، صنفه للملك الناصر داود بن الملك المعظم. وكان عالما فاضلا، ﵀. شمس الدين محمد (¬١) بن سعد المقدسى، الكاتب الحسن الخط كثير الأدب. سمع الكثير، وخدم السلطان الصالح إسماعيل والناصر داود، وكان دينا فاضلا شاعرا، له قصيدة يمدح فيها [٣٤٢] الصالح إسماعيل وما يلقاه الناس من وزيره وقاضيه وغيرهما من حواشيه، مات فى هذه السنة. عبد العزيز بن علىّ بن عبد الجبار، المغربى أبوه. ولد ببغداد، وسمع بها الحديث، وعنى بطلب الحديث والعلم، وصنّف كتابا فى مجلدات على حروف المعجم فى الحديث، وحرّر فيه حكاية مذهب الإمام مالك رضى الله عنه.الشيخ أبو عبد الله محمد بن غانم بن كريم الأصبهانى. قدم بغداد، وكان إماما فاضلا، فتتلمذ (¬١) للشيخ شهاب الدين السهروردى (¬٢)، فانتفع به، وتكلم بعده على الناس فى الوعظ، وفاق أهل زمانه، وكان حسن الطريقة، له يد فى التفسير، وله تفسير على طريقة التصوف، وفيه لطافة، ومن أشعاره: وقوفى بأكناف العقيق عقوق … إذا لم أرد والدمع فيه عقيق وإن لم أمت شوقا إلى سكن الحمى … فما أنا فيما أدعيه صدوق أيا ربع ليلى ما لمجنون فى الهوى … سواه ولا كلّ الشراب رحيق ولا كلّ من يلقاك قلبه واعى … ولا كلّ من يحنو إليك مشوق تكاثرت الدعوى على الحبّ فاستوى … أسير صبابات الهوى وطليق توفى الشيخ بن غانم فى هذه السنة، ﵀. أبو الفتح نصر الله (¬٣) بن هبة الله بن عبد الباقى بن هبة الله بن الحسين بن يحيى الغفارى الكنانى المصرى، ثم الدمشقى. كان من أخصّاء الملك المعظم وولده الملك الناصر داود، وقد سافر معه إلى بغداد فى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكان أديبا مليح المحاضرة، ومن أشعاره:ولما أبيتم سادتى عن زيارتى … وعوضتمونى بالبعاد عن القرب ولم تسمحوا بالوصل فى حال يقظتى … ولم يصطبر عنكم لرقية قلبى نصبت لصيد الطيف نومى … حبالة فأدركت بالنوم بالنصب الشريف أبو عبد الله محمد (¬١) بن الحسين الأرموى، الفقيه الشافعى، المعروف بقاضى العسكر. تولى نقابة الأشراف، وقضاء العسكر، وترسّل إلى بغداد وغيرها، وصحب شيخ الشيوخ أبا الحسن بن حمويه (¬٢) وتفقه عليه، وكان [٣٤٣] من الرؤساء المذكورين والفضلاء المشهورين، توفى فى هذه السنة بمصر. باطو (¬٣) خان بن دوشى خان بن جنكز خان. مات فى هذه السنة ببلاد الشمال، وكان لقبه صاين خان، ومعناه الملك الجيدّ، وكانت مدّة مملكته ببلاد الشمال ونواحى الترك والقفجاق مدّة عشر سنين، وهو ثانى ملك تملكها من ذرّية جنكز خان، وكرسىّ هذه المملكة تسمى صراى (¬٤)، وخلّفمن الأولاد ثلاثة وهم: صغان (¬١) وبركة وبركجار، فنازعهم أخوه المملكة، واستبدّ بها دونهم، وكان اسمه صرطق (¬٢) بن دوشى خان بن جنكز خان، فاستقرّ فى هذه السنة فى الملك بالمملكة المذكورة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الحادية والخمسين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وصاحب الديار المصريّة: الملك المعز أيبك الجاشنكير التركمانى الصالحىّ. وصاحب الديار الدمشقيّة والحلبيّة والحمصيّة: الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وصاحب تدمر والرحبة: الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور. وصاحب حماة: الملك المنصور ناصر الدين محمد بن المظفر تقى الدين محمود ابن المنصور بن المظفر تقى الدين محمود بن المنصور بن المظفر عمر بن شاهين شاه ابن أيوب. وصاحب الكرك: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل. وصاحب بعلبك وبصرى: الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن العادل. وصاحب عينتاب: الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازى ابن صلاح الدين، ولكنه توفى فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.وصاحب ميافارقين: الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازى بن العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وصاحب الموصل: الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ. وصاحب الروم ثلاثة وهم: عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، أولاد غياث الدين كيخسرو، والسلطان الأكبر بالروم علاء الدين كيقباذ، وكرسيّه قونية. وصاحب بلاد الشمال صرطق. [٣٤٤] وصاحب قراقروم: منكوقان. وصاحب العراق: هلاون. وكان نائب السلطنة بالديار المصريّة: سيف الدين قطز، والوزير بها: الصاحب شرف الدين الفائزى، وقاضى القضاة بدر الدين السنجارىّ استقلالا بالقاهرة ومصر المحروستين والوجهين القبلى والبحرىّ. وكان الأمير الكبير فى الديار المصريّة فارس الدين أقطاى الجمدار الصالحى النجمىّ، واستفحل أمره فى هذه السنة، وانحازت إليه البحريّة، وأرسل إلى ابن الملك المظفر صاحب حماة (¬١) يلتمس وصلته، ويخطب إليه ابنته، وكان الرسول إليه الصاحب فخر الدين محمد (¬٢) بن الصاحب بهاء الدين المعروف بابن حنّا، ولميكن والده وزّر بعد، وإنما كان مرشّحا لذلك، فلما وصل إلى صاحب حماة تلقّاه بالإجلال وإجابة السّؤال، وجهّز ابنته بما يليق بمثلها. فسمت نفس الأمير فارس الدين، وعلت رتبته، وكثرت أتباعه وشيعته على البحريّة وغيرهم من الخوشداشيّة بالإقطاعات والصلات والإطلاقات، وكانوا لا يعبأون بالملك المعزّ، ولا يلبّسونه ثوب عزّ؛ بل يهضمون جانبه، ويعطّلون مراسمه ومآربه، وينتقصون حرمته، ويغضون منه، وهو يسرّ ذلك كلّه ويخفيه، ويضمره فى نفسه ولا يبديه، وأعمل الحيلة على قتل الأمير فارس الدين أقطاى لأنه الرأس، وإذا قتله لا يثبت بنيان البحرية بغير أساس، فانقضت هذه السنة وهم على هذه الحال، والبحريّة منهمكون على اللّذات والصيد، والمعزّ ينصب لهم حبائل الكيد. وفيها قدّم (¬١) فى الجيش المصرىّ بالفرنج، ووعدوهم أن يسلّموا إليهم بيت المقدس إن نصروهم على الشاميّين، وكان قد اشتدّت الحرب بينهم ونشبت، ودخل الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة بينهم وأصلحهم. وقال السبط: وقدم الشيخ البادرائى والنظام بن المولى (¬٢) القاهرة، وحلّفا الملك المعزّ والأمراء، وخلّصا الأمراء المعظم وأخاه النصرة (¬٣)، وابن صاحبحمص، وغيرهم، [وبنت الأشرف (¬١)] وأولاد الصالح إسماعيل (¬٢)، وغيرهم من المحبوسين. وفيها: « ............... (¬٣)». وفيها: حج القاضى بدر الدين (¬٤) قاضى مصر على البحر وعاد على البرّ، والأصح أن حجه [٣٤٥] كان فى السنة الثانية والخمسين، وحج بالناس « ...... (¬٥)» عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ٦
  • full passagepage 78, entry [27]2,404 chars
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ المسند أبو القاسم عبد الرحمن (¬١) بن أبى الحرم، المعروف بابن الحاسب، سبط الحافظ أبى طاهر السّلفى، توفى فى هذه السنة بمصر. الشيخ الفاضل أبو الفضائل أحمد بن يوسف المغربى القفصى، توفى فى هذه السنة بمصر، وله شعر حسن، ونثر جيّد، ومصنّفات فى عدّة فنون. الشيخ الأديب أبو إ
    ▸ expand full passage (2,404 chars)
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ المسند أبو القاسم عبد الرحمن (¬١) بن أبى الحرم، المعروف بابن الحاسب، سبط الحافظ أبى طاهر السّلفى، توفى فى هذه السنة بمصر. الشيخ الفاضل أبو الفضائل أحمد بن يوسف المغربى القفصى، توفى فى هذه السنة بمصر، وله شعر حسن، ونثر جيّد، ومصنّفات فى عدّة فنون. الشيخ الأديب أبو إسحاق إبراهيم (¬٢) بن سليمان بن حمزة الدمشقّى، الكاتب المعروف بابن النجار. توفى فى هذه السنة بدمشق. وله شعر حسن، وكان أحد الكتاب المشهورين بجودة الحطّ، وقوّة الكتابة، وسافر إلى حلب، وإلى ديار مصر، وغيرها. سعد الدين محمد (¬٣) بن المؤيّد بن حمويه، ابن عمّ صدر الدين شيخ الشيوخ، توفى فى هذه السنة بخراسان.وكان زاهدا عابدا ورعا لطيفا، يتكلّم فى الحقيقة، وله مجاهدات ورياضات، وقدم مصر، وحج، وسكن الشام، فأقام بقاسيون مدة فى زاوية يتعبّد، ومعه جماعة من أصحابه، وكان فقيرا جدّا، ومع ذلك لم يكن يتردد إلى أحد من أبناء الدنيا، ولا إلى بنى عمه، ولما ضاق به الحد توجه إلى خراسان واجتمع بملوك التتار، فأحسنوا فيه الظن، وأعطوه مالا كثيرا، وأسلم على يده خلق كثير منهم، وبنى بآمد خانكاة وتربة إلى جانبها، وأقام يتعبّد، وله قبول عظيم هناك، فقال فى بعض الأيام: أريد أزور جّدى محمد بن حمّويه بجراباذ، ومضى إليه وزاره، وأقام عنده أسبوعا، فمات ودفن هناك إلى جانب جدّه، وقيل: إنه مات فى سنة خمسين وستمائة (¬١). الإمام جواهر زاده، العالم العلاّمة بدر الدين محمد (¬٢) بن محمود بن عبد الكريم الكردرىّ المعروف بجواهر زاده، ابن أخت الشيخ شمس الدين الكردرىّ شمس الأئمة. تفقه على خاله شمس الأئمة الكردرىّ، وتوفى سلخ ذى القعدة من سنة إحدى وخمسين وستمائة، ودفن عند خاله. كمال الدّين أبو المكارم عبد الواحد (¬٣) بن خطيب زملكا (¬٤).كان فاضلا، عالما خيّرا، متميّزا فى علوم متعددّة، وتولى قضاء صرخد، ودرّس [٣٤٦] ببعلبك، ثم توفى فى دمشق فى ثامن المحرم (¬١) من هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفيّة. وكان أبوه عبد الكريم الخطيب، توفى فى سنة خمس وثلاثين وستمائة. الملك الصّالح صلاح الدين أحمد (¬٢) بن الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب عينتاب (¬٣). توفى فى شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة (¬٤) بعينتاب ودفن فيها. وكانت ولادته فى صفر سنة ستمائة بحلب، وكان ملكه عينتاب من سنة أربع وعشرين وستمائة، وكان أولا بيده الشغر وبكاس، فانتزعهما الأتابك طغرل وعوّضه عنهما بعينتاب والراوندان، واستمّر فى عينتاب إلى أن توفى بها فى هذه السنة، ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثانية والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وأصحاب البلاد وملوك الأطراف على حالهم، غير صاحب الشمال صرطق ابن دوشى خان بن جنكز خان، فإنه هلك فى هذه السنة على ما نذكره عن قريب، وكذلك هلك الأمير فارس الدين أقطاى قتيلا.
  • full passagepage 90, entry [36]10,041 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الخسرو شاهى المتكلم عبد الحميد (¬١) بن عيسى شمس الدين. أحد مشاهير المتكلمين، وممن اشتغل على الفخر الرازى فى الأصول وغيرها، ثم قدم الشام فلزم الملك الناصر داود بن الملك المعظم وحظى عنده. وقال أبو شامة: وكان شيخا نبيها (¬٢) فاضلا متواضعا حسن الظاهر. وقال السبط: كان كيّسا، م
    ▸ expand full passage (10,041 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الخسرو شاهى المتكلم عبد الحميد (¬١) بن عيسى شمس الدين. أحد مشاهير المتكلمين، وممن اشتغل على الفخر الرازى فى الأصول وغيرها، ثم قدم الشام فلزم الملك الناصر داود بن الملك المعظم وحظى عنده. وقال أبو شامة: وكان شيخا نبيها (¬٢) فاضلا متواضعا حسن الظاهر. وقال السبط: كان كيّسا، محضر خير، لم ينقل عنه أنه أذى أحدا، فإن قدر على نفع وإلا سكت (¬٣). توفى ﵀ بدمشق، [٣٥٢] ودفن بقاسيون على باب تربة المعظم. الشيخ كمال الدّين [محمد بن أحمد بن هبة الله (¬٤)] ابن طلحة الذى ولى الخطابة بدمشق بعد الدولعى، ثم عزل وصار إلى الجزيرة، فولى قضاء نصيبين، ثم صار إلى حلب، فتوفى فيها فى هذه السنة.وقال أبو شامة: وكان فاضلا، عالما، طلب أن يلى الوزارة فامتنع من ذلك، وكانت وفاته فى السابع والعشرين من رجب منها (¬١). السّديد (¬٢) بن علان، آخر من روى عن الحافظ ابن عساكر سماعا، مات فى هذه السنة بدمشق. الناصح فرج (¬٣) بن عبد الله الحبشى. كان كثير السماع مسندا خيّرا صالحا، مواظبا على سماع الحديث وإسماعه إلى أن مات بدار الحديث النوريّة بدمشق فى هذه السنّة (¬٤). القاضى الفقيه أبو القاسم محمد بن أبى إسحاق إبراهيم الحموى الشافعى المعروف بابن المنقشع المنعوت بالعباد. ولى القضاء بحماة، وترسّل عن صاحب حمص إلى بغداد مرارا، ودخل مصر، وتولى القضاء بها، ثم خرج إلى الشام فتوفى فيها.الشيخ أبو شجاع بكبرس (¬١) بن عبد الله التركى الفقيه الحنفى المعروف بنجم الدين الزاهد مولى الخليفة الناصر لدين الله (¬٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بتربة الإمام أبى حنيفة، رضى الله عنه، ببغداد وقال صاحب طبقات الحنفيّة: بكبرس بن يلنقح أبو الفضائل وأبو شجاع الفقيه الأصولىّ الملقّب نجم الدين التركىّ الناصرى مولى الإمام الناصر لدين الله، وله مختصر فى الفقه على مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه نحو من القدورى (¬٣) اسمه الحاوى، وله شرح العقيدة للطحاوى، فى مجلد كبير ضخم فيه فوائد، سماه بالنور اللامع والبرهان الساطع (¬٤).وذكره الصاحب ابن العديم فى تاريخ حلب، وقال: فقيه حسن، عارف بالفقه والأصول، وكان يلبس لبس الأجناد: القباء (¬١) والشربوش (¬٢)، عرض عليه المستنصر قضاء القضاة ببغداد وأن يلبس العمامة، فامتنع من ذلك (¬٣). قال ابن العديم: وبلغنى أنه كان اسمه أولا منكو برس فسمىّ بكبرس، وكان خيّرا، ورعا تقيّا، فاضلا، حسن الطريقة، وتوفى فى أوائل ربيع الأول من هذه السنة، ودفن إلى جانب قبر أبى حنيفة ﵀[٣٥٣] فى القبّة فى الرّصافة. وبكبرس بفتح الباء الموحّدة، وسكون الكاف، وفتح الباء الثانية، وسكون الراء، وفى آخره سين مهملة. ويلنقلح: بفتح الياء آخر الحروف، واللام، وسكون النون، وكسر القاف، وكسر اللام الثانية، وفى آخره حاء مهملة. الشيخ أبو الخير بن عثمان بن محمد بن حاجى المقرئ توفى بمصر فى هذه السنة. الشيخ الفقيه العالم أبو البركات عبد السّلام (¬٤) بن عبد الله الحرانى الحنبلى، مات فى هذه السنة بحرّان.الأديب أبو الفتوح ناصر (¬١) بن ناهض اللحمى المعروف بالحصرى. كان شاعرا محسنا، ومن شعره المعشّرات المشهورة التى مطلعها: أما لك باداء المحبّ دواء … بلى عند بعض الناس منك شفاء وغيرها من القصائد. مات فى هذه السنة بمصر، ﵀. شهاب الدين بن كجبابات، شرب الخمر (¬٢)، فأصبح سكرانا، ميّتا.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثالثة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وصاحب الديار المصرية: السلطان الملك المعز أيبك. وصاحب الديار الشامية: السلطان الملك يوسف بن العزيز. وصاحب الروم: أولاد الملك غياث الدين كيخسرو وهم ثلاثة: كيكاوس وقليج أرسلان وكيقباذ، وأبوهم مات فى سنة أربعة وخمسين وستمائة على ما نذكره، وعند بعض المؤرخين مات فى سنة إحدى وخمسين وستمائة، فاستقر أولاده الثلاثة فى السلطنة متشاركين فيها، وإن كان تأخر موته إلى سنة أربعة وخمسين كما ذكرناه الآن، فى حياة أبيهم، والله أعلم. وصاحب البلاد الشمالية: بركة خان. وصاحب العراق: هلاون اللعين. وصاحب إفريقية فى الغرب: محمد بن أبى زكريا يحيى، ولكنه مات فى ستة خمس وسبعين وستمائة. قال السبط: وفى سنة الثانية والخمسين وستمائة وصلت الأخبار من المغرب باستيلاء إنسان على إفريقية، وادعى الخلافة (¬١)، وتلقب بالمستنصر، وخطب لهفى تلك البلاد والنواحى، وأظهر العدل والإحسان (¬١) والإنصاف، وبنى له برجا، وأجلس الوزير والقاضى والمحتسب [٣٥٤] والوالى بين يديه يحكمون بين الناس (¬٢). وقال الشيخ الفاضل ركن الدين (¬٣): الحفصيون الذين ملكوا تونس أولهم أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، بتاءين مثناتين من فوق، وهى قبيلة من المصامدة، ويزعمون أنهم قرشيّون من بنى عدى بن كعب رهط عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكان أبو حفص المذكور من أكبر أصحاب ابن تومرت (¬٤) بعد عبد المؤمن (¬٥)، وتولى عبد الواحد بن أبى حفص المذكور [إفريقية (¬٦)] نيابة عن بنى عبد المؤمن فى سنة ثلاث وستمائة، ومات فى ذى الحجة (¬٧) سنة ثمانية عشر وستمائة، وتولى بعده أبو العلاء (¬٨) من بنى عبد المؤمن، ثم توفى، فعادت إفريقية إلى ولاية الحفصيين، وتولى منهم عبد الله بن عبد الواحد بن أبى حفص فى سنةثلاث وعشرين وستمائة (¬١)، ولما تولى ولى أخاه أبا زكريا يحيى قابس (¬٢)، وأخاه أبا إبراهيم إسحاق بلاد الجريد (¬٣)، ثم خرج على عبد الله - وهو على قابس - أصحابه ورجموه وطردوه، وولوا موضعه أخاه أبا زكريا بن عبد الواحد سنة خمس وعشرين (¬٤) وستمائة. فنقم بنو عبد المؤمن على أبى زكريا ذلك، وأسقط أبو زكريا اسم عبد المؤمن من الخطبة، وبقى متملكا لإفريقية وخطب لنفسه بالأمير المرتضى، واتسعت مملكته، وفتح تلمسان، والمغرب الأوسط، وبلاد الجريد والزاب، وبقى كذلك إلى أن توفى على بونة فى سنة سبع وأربعين (¬٥) وستمائة. وأنشأ فى تونس بنايات عظيمة شامخة، وكان عالما بالأدب، وخلف أربع بنين وهم: أبو عبد الله محمد، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو حفص عمر، وأبو بكر وكنيته أبو يحيى، وخلف أخوين وهما أبو إبراهيم إسحاق، ومحمد اللحيانى ابنى عبد الواحد بن أبى حفص. وكان محمد اللحيانى صالحا منقطعا يتبرك به الناس.ثم تولى بعده ابنه أبو عبد الله محمد بن أبى زكريا، ثم سعى عمه أبو إبراهيم فى خلعه، وبايع لأخيه محمد اللحيانى الزاهد على كره منه لذلك، فجمع أبو عبد الله [محمد (¬١)] المخلوع أصحابه فى يوم خلعه، وشد على عميه فقهرهما وقتلهما، واستقر فى ملكه، وتلقب بالمستنصر بالله أمير المؤمنين أبى عبد الله محمد ابن الأمراء الراشدين (¬٢). وفى أيامه [فى سنة ثمان وستين وستمائة (¬٣)] وصل الفرنسيس (¬٤) إلى إفريقية بجموع الفرنج، وأشرفت [٣٥٥] إفريقية على الذهاب، فقصمه الله تعالى، ومات الفرنسيس لعنه الله، وتفرقت تلك الجموع. وفى أيامه خاف أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبى زكريا، فهرب، ثم أقام بتلمسان، وبقى المستنصر المذكور كذلك حتى توفى حادى عشر ذى الحجة سنة خمس وسبعين وستمائة (¬٥). وملك بعده ابنه يحيى بن محمد بن أبى زكريا وتلقب بالواثق بالله أمير المؤمنين، وكان ضعيف الرأى، فتحرك عليه عمه أبو إسحاق إبراهيم الذى هرب وأقام بتلمسان، وغلب على الواثق فخلع نفسه، واستقر أبو إسحاق إبراهيم فى المملكة فى ربيع الأول سنة ثمان وسبعين (¬٦) وستمائة، وخطب لنفسه بالأمير المجاهد، وتركزى الحفصييّن، وأقام على زىّ زناته، وأقام على الشرب، وفرق المملكة على أولاده، فوثب أولاده على الواثق المخلوع، فذبحوه وذبحوا معه ولديه الفضل والطيّب ابنى يحيى الواثق، وسلم للواثق ابن صغير يلقّب أبا عصيدة، لأنهم يصنعون للنفساء (¬١) عصيدة فيها أدوية يهدى منها للجيران، فعملت أم الصبى ذلك، فتلقب ولدها بأبى عصيدة، ثم ظهر إنسان [ادعى (¬٢)] أنه الفضل بن الواثق الذى ذبح مع أبيه (¬٣)، واجتمعت عليه الناس، وقصد ابا إسحاق إبراهيم وقهره، فهرب أبو إسحاق إلى بجاية، وبها ابنه أبو فارس عبد العزيز بن إبراهيم، فترك أبو فارس أباه ببجاية، وسار بإخوته (¬٤) وجمعه إلى الدعى بتونس، والتقى الجمعان، فانهزم عسكر بجاية، وقتل أبو فارس وثلاثة من إخوته، ونجا له أخ اسمه يحيى بن إبراهيم وعمه أبو حفص عمر بن أبى زكريا. ولما هزم الدعى عسكر بجاية وقتل المذكورين أرسل إلى بجاية من قتل أبا إسحاق إبراهيم وجاءه برأسه، ثم تحدث الناس بدعوة الدعى، واجتمعت العرب على عمر بن أبى زكريا بعد هروبه من المعركة وقوى أمره، وقصد الدعى ثانيا بتونس وقهره، واستتر الدعى (¬٥) فى بعض المواضع (¬٦) بتونس، ثم أحضر واعترف بنسبه وضربت عنقه.وكان الدعى (¬١) المذكور من أهل بجاية واسمه أحمد (¬٢) بن مرزوق بن أبى عمارة (¬٣)، وكان أبوه يتجر إلى بلاد السودان، وكان الدعىّ المذكور مجازفا قصّيفا (¬٤)، وسار إلى ديار مصر ونزل بدار الحديث الكاملية، [٣٥٦] ثم عاد إلى المغرب، فلما مر (¬٥) على طرابلس، كان هناك شخص أسود يسمى نصيرا كان خصيصا بالواثق المخلوع قد هرب لما جرى للواثق ما جرى، وكان فى أحمد الدعىّ بعض الشبه من الفضل بن الواثق، فدبر مع نصير المذكور الأمر، فشهد له أنه الفضل بن الواثق، واجتمعت عليه العرب، وكان منه ما ذكرناه حتى قتل. وكان الدعى يخطب له بالخليفة الإمام المنصور بالله القائم بحق الله أمير المؤمنين [ابن أمير المؤمنين (¬٦)] أبى العباس الفضل. ولما استقر أبو حفص عمر فى المملكة، وقتل الدعى تلقب بالمستنصر بالله [أمير المؤمنين (¬٧)]، وهو المستنصر الثانى. ولما استقر فى المملكة سار ابن أخيه يحيى بن إبراهيم بن أبى زكريا الذى سلم من المعركة إلى بجاية وملكها، وتلقب بالمنتخب لإحياء (¬٨) دين الله أمير المؤمنين،واستمر المستنصر بالله فى مملكته حتى توفى فى أوائل المحرم سنة خمس وتسعين وستمائة (¬١)، ولما اشتد مرضه بايع لإبن صغير له، واجتمعت الفقهاء وقالوا له: أنت صائر إلى الله، وتولية (¬٢) مثل هذا لا يحل، فأبطل بيعته، وأخرج ولد الواثق المخلوع الذى كان صغيرا وسلم من الذبح (¬٣) الملقب بأبى عصيدة، وبويع له صبيحة موت أبى حفص عمر المذكور الملقب بالمستنصر، وكان اسم أبى عصيدة أبا عبد الله محمد، وتلقب أيضا بالمستنصر، وهو المستنصر الثالث. وفى أيامه توفى صاحب بجاية المنتخب يحيى بن إبراهيم، وملك بعده بجاية ابنه خالد بن يحيى، وبقى أبو عصيدة كذلك حتى توفى سنة تسع وسبعمائة (¬٤)، وملك بعده شخص من الحفصيين يقال له أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر بن أبى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص صاحب ابن تومرت، فأقام فى الملك ثمانية عشر يوما (¬٥)، ثم وصل خالد بن المنتخب صاحب بجاية ودخل تونس، وقتل أبا بكر المذكور فى سنة تسع وسبعمائة (¬٦)، ولما جرى ذلك كان زكريا اللحيانى بمصر، فسار مع [٣٥٧] عسكر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون إلى طرابلس الغرب (¬٧)وبايعه [العرب (¬١)]، وسار إلى تونس، فخلع خالد بن المنتخب، وحبس (¬٢)، ثم قتل قصاصا بأبى بكر بن عبد الرحمن المقدّم ذكره. واستقر اللحيانى فى ملك إفريقية، وهو أبو يحيى (¬٣) زكريا بن أحمد بن محمد الزاهد بن عبد الواحد بن أبن حفص صاحب ابن تومرت. ثم تحرك على اللحيانى أخو خالد وهو أبو بكر بن يحيى المنتخب، وهرب اللحيانى إلى الديار مصر وأقام بالإسكندرية، وملك أبو بكر المذكور تونس وما معها خلا طرابلس والمهدية، فإنه بعد هروب اللحيانى بايع (¬٤) ابنه محمد بن اللحيانى لنفسه واقتتل مع أبى بكر فهزمه أبو بكر، واستقر محمد بن اللحيانى بالمهدية وله معها طرابلس. وكان استيلاء أبى بكر وهروب اللحيانى إلى ديار مصرفى سنة عشرين وسبعمائة (¬٥)، وأقام اللحيانى فى الإسكندرية، ثم وردت عليه مكاتبات من تونس فى ذى القعدة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة إلى الإسكندرية يذكر (¬٦) فيها أن أبا بكر متملك تونس المذكور قد هرب وترك البلاد، وأن الناس قد اجتمعوا على طاعة اللحيانى وبايعوانائبه وهو محمد بن أبى بكر من الحفصيين، وهو صهر زكريا اللحيانى المذكور، وهم فى انتظار وصول اللحيانى إلى مملكته (¬١). وقال المؤيد فى تاريخه: اللحيانى المذكور قدم إلى مصر قبل أن يملك، ورأيته بها فى سنة تسع وسبعمائة، وكان حسن الشكل، ضخم الخلقة، قدم إلى ديار مصر وربما أنه حج، ثم عاد إلى بلاد المغرب فملك تونس، وهو مقهور فيها مع العرب، فإنهم يتغلبون عليه. وقال: وهو صاحب تونس فى زماننا هذا، وهو سنة ثمانى عشرة وسبعمائة (¬٢).
  • full passagepage 107, entry [41]5,443 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الفقيه ضياء الدين صقر (¬١) بن يحيى بن صقر، مات فى حلب ليلة الإثنين [٣٦٠] الثامن عشر من صفر من هذه السنة. وكان شيخا فاضلا دينا، ومن شعره: من ادّعى أنّ له حاجة (¬٢) … تخرجه عن منهج الشرع فلا تكوننّ له صاحبا … فإنّه ضرّ بلا نفع واقف القوصيّة أبو العزّ إسماعيل (¬٣) بن حامد بن
    ▸ expand full passage (5,443 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الفقيه ضياء الدين صقر (¬١) بن يحيى بن صقر، مات فى حلب ليلة الإثنين [٣٦٠] الثامن عشر من صفر من هذه السنة. وكان شيخا فاضلا دينا، ومن شعره: من ادّعى أنّ له حاجة (¬٢) … تخرجه عن منهج الشرع فلا تكوننّ له صاحبا … فإنّه ضرّ بلا نفع واقف القوصيّة أبو العزّ إسماعيل (¬٣) بن حامد بن عبد الرحمن الأنصارى القوصى، واقف داره التى بالقرب من الرحبة على أهل الحديث وبها قبره. وكان ظريفا مطبوعا، حسن المحاضرة، وقد جمع له معجما حكى فيه عن مشايخه أشياء كثيرة مفيدة.وقال أبو شامة: وقد طالعته بخطه، فرأيت فيه أغاليط وأوهاما فى أسماء الرجال وغيرها، فمن ذلك أنه انتسب إلى سعد بن عبادة بن دليم، فقال سعد ابن عبادة بن الصامت: وهذا غلط فاحش (¬١). وكانت وفاته يوم الإثنين سابع عشر ربيع الأول من هذه السنة. الشيخ الصالح الجليل مجد الدين أبو المجد على بن عبد الرحمن الأخميمى الخطيب. وكان أحد المشايخ المشهورين بالدين والعلم، وله قبول تامّ، من الخاص والعامّ، وكرم الأخلاق، توفى فى هذه السنة ودفن بالقرافة، وقبره ظاهر يزار. الشريف المرتضى نقيب الأشراف بحلب وهو أبو الفتوح المرتضى بن أبى طالب أحمد (¬٢) [بن أحمد (¬٣)] بن محمد بن جعفر بن زيد بن جعفر بن محمد بن أحمد ابن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين الحلبى النقيب، المنعوت بالعز. مات فى ليلة السادس عشر من هذه السنة فجاءة، ودفن بعد ثلاثة أيام بجبل الجوش، ومولده فى سنة تسع وسبعين وخمسمائة بحلب. الشيخ الأصيل أبو المكارم محمد بن أبى بكر محمد بن عبد الله بن علوان ابن عبد الله بن علوان بن عبد الله الأسدى الحلبىّ المنعوت بالنجم.مات فى صبيحة الخامس والعشرين من شوال من هذه السنة بحلب، ودفن بالمقام، ومولده فى الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة [٣٦١] ثمان وثمانين وخمسمائة بحلب، سمع من أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وحدث بحلب، وله شعر حسن. الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس بن تامتيت المغربى (¬١). توفى بالقرافة بمصر، وقد جاوز مائة سنة. وسئل يوما عن الحكم فى تارك الصلاة فقال: أنشدنى بن الرمامة واسمه محمد ابن جعفر العبسى الحافظ قال: أنشدنى أبو الفضل طاهر النحوىّ لنفسه هذه الأبيات: فى حكم من ترك الصلاة وحكمه … إن لم يقرّ بها كحكم الكافر فإذا أقرّ بها وجانب فعلها … فالحكم فيه للحسام الباتر وبه يقول الشافعىّ ومالك … والحنبلىّ تمسّكا بالظّاهر وأبو حنيفة لا يقول بقتله … ويقول بالضرب الشديد الزاجر هذا أقاويل الأئمة كلّهم … وأجلّها ما قلته فى الآخر المسلمون دماؤهم معصومة … حتى تراق بمستنير باهر مثل الزنا والقتل فى شرطيهما … وانظر إلى ذاك الحديث السّائر عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ٨ومعنى قوله: تمسكا بالظاهر، معنى قوله ﵇: «بين العبد والكفر ترك الصلاة (¬١)». ومعنى قوله: فى الآخر، قوله ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (¬٢)» .. الحديث. الشيخ الأصيل أبو بكر بن أبى الفوارس مرهف بن الأمير مؤيّد الدولة أبى المظفر أسامة بن أبى أسامة مرشد بن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى الحلبى الشيزرىّ الأصل، المصرى الدار، المنعوت بالحسام. توفى بالقاهرة فى الثامن والعشرين من شعبان، وقيل: فى السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة، ومولده فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهو من بيت الإمارة والفضيلة والتقدّم، وقد حدّث منهم جماعة وحدث هو أيضا. أبو عبد الله محمد (¬٣) بن محمد بن محمد بن عثمان البلخى، ثم البغدادىّ، ثم الحلبىّ المنعوت بالنظام. أحد السادات الحنفيّة، درس بحلب، وسمع من المؤيد الطوسى. قال الذهبى: وحدّث عنه بصحيح مسلم، [٣٦٢] وسمع ببخارى وسمرقند، وتفقّه بخراسان على المحبوبى، وحدّث بحلب وأفتى، وكتب عنه الحافظ الدمياطىوذكره فى معجم شيوخه، وقال: توفى بحلب ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وستمائة، ودفن بالجبيل خارج باب الأربعين، ومولده ببغداد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. صاحب فاس من بلاد المغرب أبو بكر (¬١) بن عبد الحق المزينى؟؟؟. مات فى فاس فى هذه السنة حتف أنفه، وقام بعده ولده عمر (¬٢) بن أبى بكر ابن عبد الحقّ، وكان ولى عهد أبيه، وهو الثانى من ملوك بنى مرين، فأقام نصف سنة أو دون ذلك، فثار عليه عمه يعقوب بن عبد الحق، وجرت بينهما حروب كثيرة، ثم اصطلحا على أن يخلع عمر نفسه، فخلع نفسه وأعطاه عمّه مكناسة الزيتون (¬٣) وأعمالها، فاستقرّ بها مدّة، ثم أرسل عمه بعد مديدة إلى أقوام من بنى عمه يقال لهم: أولاد عثمان بن عبد الحق، كانوا مطالبيه بدم لهم على أبيه، فاتبعوه فقتلوه. وقام عمّه يعقوب بن عبد الحق، وهو الثالث من سلاطين بنى مرين، وكان رجلا صالحا، حسن السيرة، محبا فى الصالحين، واجتمع عليه أعيان بنىمرين، ولما جلس فى السلطنة (¬١) سار إلى جزيرة الأندلس لغزو الفرنج فى ألف فارس، واجتمع إليه من المسلمين الذين بالأندلس ثلاثمائة فارس، فخرج قائد من زعماء الفرنج للقائه يقال له: دوالنتو (¬٢) فى نحو عشرة آلاف فارس مدرعين، وخلق كثير من الرجالة، فالتقاهم أبو يوسف المذكور فهزمهم وقتل عامتهم، ورجع إلى برّ العدوة (¬٣)، فكان منه ما سنذكره إن شاء الله. ***فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو المستعصم بالله. وصاحب الديار المصرية: السلطان الملك المعز أيبك التركمانى الصالحى. وصاحب الديار الشامية: السلطان الملك الناصر يوسف [٣٦٣]، وكان قد أرسل فى هذه السنة كمال الدين المعروف بابن العديم الحلبى رسولا إلى الخليفة المستعصم بالله وصحبته تقدمة جليلة، وطلب خلعة من الخليفة لمخدومه. ووصل أيضا من جهة الملك المعزّ أيبك صاحب الديار المصريّة رسول إلى الخليفة وهو شمس الدين سنقر الأقرع، من مماليك المظفّر غازى صاحب ميّافارقين، وصحبته تقدمة جليلة إلى الخليفة، وسعى فى تعطيل خلعة الناصر يوسف صاحب دمشق. فبقى الخليفة متحيّرا، ثم أنه أحضر سكّينا كبيرة من اليشم وقال للوزير: إعط هذه السكين لرسول صاحب الشام علامة منى فى أن له خلعة عندى فى وقت آخر، وأما فى هذا الوقت فلا يمكننى، فأخذ كمال الدين بن العديم السكين وعاد الى الملك الناصر بغير خلعة (¬١). وفيها قبض المعز على الأمير علاء الدين أيدغدى العزيزى لأنه اتهمه، فأمسكه وسجنه.وفيها أرسل المعزّ إلى صاحبى حماة والموصل يخطب ابنتيهما لنفسه، وبلغ ذلك شجر الدر والدة خليل الصالحيّة وأنكرته وأكبرته، لأنه بها وصل إلى ما وصل، وبوصلها حصّل من الدولة والصولة على ما حصل، فدبرت على إعدامه وقررت قتله مع خدامها وخدامه، على ما يأتى إن شاء الله تعالى.
  • full passagepage 127, entry [45]6,445 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن على بن عبد الوهاب بن مناس الطرابلسى المالكى. وكان قد ولى القضاء بطرابلس المغرب والمهديّة، ثم استوطن الإسكندرية. وكان شيخا صالحا. توفى فى هذه السنة. الشيخ عماد الدين عبد الله (¬١) بن النحاس الزاهد الورع. خدم الملوك ووزر بالعجم، وانقطع فى
    ▸ expand full passage (6,445 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن على بن عبد الوهاب بن مناس الطرابلسى المالكى. وكان قد ولى القضاء بطرابلس المغرب والمهديّة، ثم استوطن الإسكندرية. وكان شيخا صالحا. توفى فى هذه السنة. الشيخ عماد الدين عبد الله (¬١) بن النحاس الزاهد الورع. خدم الملوك ووزر بالعجم، وانقطع فى آخر عمره بجبل قاسيون، وأقام ثلاثين سنة مشغولا بالله، ويقضى حوائج الناس بنفسه وماله. توفى فى هذه السنة، ودفن بقاسيون بدمشق. وهو الذى قال له ابن شيخ الشيوخ فخر الدين: والله لأسبقنك إلى الجنة بمدة، فسبقه فخر الدين. الشيخ شمس الدين عبد الرحمن (¬٢) بن نوح المقدسى، الفقيه الشافعى، مدرسالرواحية (¬١) بعد شيخه تقى الدين بن الصلاح (¬٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بالصوفية (¬٣). وكانت له جنازة حافلة. سبط ابن الجوزى: الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف (¬٤) بن الأمير حسام الدين قزغلى بن عبد الله، عتيق الوزير عون (¬٥) بن هبيرة الحنفى، أحد السادات الحنفية البغدادى، ثم الدمشقى، سبط ابن الجوزى، أمّه رابعة بنت الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى (¬٦) الواعظ. وقد كان حسن الصورة، طيّب الصوت، حسن الوعظ، كثير الفضائل والمصنفات، وله مرآة الزمان فى عشرين مجلدا (¬٧) من أحسن التواريخ، انتظم فيهاالمنتظم (¬١) تاريخ جدّه وزاد عليه، وذيل إلى زمانه، وهى من أحسن التواريخ وأبهجها، قدم دمشق فى حدود الستمائة، وحظى عند ملوك بنى أيوب، وقدّموه وأحسنوا إليه. وكان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار عند السارية التى يقوم عندها الوعاظ اليوم عند مشهد على بن الحسين زين العابدين، وقد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع ويتركون البساتين [٣٧٢] فى الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذاكرون ما قاله من الفوائد والكلام الحسن على طريق جدّه. وقد كان الشيخ تاج الدين الكندى (¬٢) وغيره من المشايخ يحضرون عنده تحت قبّة يزيد التى عند باب المشهد ويستحسنون ما يقول. ودرّس بالعزية البرانية (¬٣) التى بناها الأمير عز الدين أيبك (¬٤) المعظمى أستادار الملك المعظم وهو واقف العزية الجوانية (¬٥) التى بالكشك أيضا، وكانت قديما تعرف بدور ابن منقذ.ودرّس السبط أيضا بالشبلية (¬١) التى بالجبل عند جسر كحيل، وفوض إليه البدرية (¬٢) التى قبالتها، فكانت سكنه، وبها توفى ليلة الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة، وحضر جنازته سلطان البلد الملك الناصر يوسف ابن العزيز فمن دونه. وأثنى عليه أبو شامة فقال: كان فاضلا، عالما، ظريفا، منقطعا، منكرا على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات، وقد كان مقتصدا فى لباسه، مواظبا على المطالعة والاشتغال، والجمع والتصنيف، ربى فى طول زمانه فى حياة طيبة وجاه عريض عند الملوك والعوامّ نحو خمسين سنة، وقد كان مجلس وعظه مطربا، وصوته فيما يورده فيه حسنا (¬٣) طيبا. وقد سئل يوم عاشوراء فى زمن الملك الناصر يوسف صاحب حلب أن يذكر للناس شيئا من مقتل الحسين رضى الله عنه، فصعد المنبر وجلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه وبكى، ثم أنشأ يقول وهو يبكى شديدا: ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصور فى نشر الخلائق ينفخ لابدّ أن ترد القيامة فاطم … وقميصها بدم الحسين ملطخثم نزل عن المنبر وهو يبكى، وصعد إلى الصالحية وهو يبكى (¬١). وقال صاحب طبقات الحنفيّة: روى السبط عن جدّه ببغداد، وسمع من أبى الفرج بن كليب وأبى حفص بن طبرزد، وسمع بالموصل ودمشق وحدّث بها وبمصر، وله تصانيف منها: مرآة الزمان، وشرح الجامع الكبير، وإيثار [٣٧٣] الإنصاف وغير ذلك، مات فى التاريخ المذكور، وصلّى عليه بباب جامع جبل قاسيون الشمالى، وصلّى عليه السلطان الملك الناصر يوسف، وكان مولده نحو سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد. ورثاه الشهاب أحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن مصعب ارتجالا بأبيات: ذهب المؤّرّخ وانقضت أيامه … فتكدّرت من بعده الأيّام قد كان شمس الدين نورا هاديا … فقضى فعمّ الكائنات ظلام كم قد أتى فى وعظه بفضائل … فى حسنها تتحيّر الأفهام حزن العراق لفقده وتأسّفت … مصر وناح أسى عليه الشّام فسقى ثرى واراه صوب غمامة … وتعاهدته تحيّة وسلام مجير الدين يعقوب (¬٢) بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب. توفى فى هذه السنة، ودفن عند والده بتربة العادلية (¬٣).الأمير مظفر الدين إبراهيم (¬١) بن صاحب صرخد عز الدين أيبك، أستاذ دار الملك المعظم، واقف العزيزيتين الجوانية والبرانية على الحنفية. توفى فى هذه السنة، ودفن عند والده بالتربة تحت القبة عند الوراقة. الأمير الكبير سيف الدين أبو الحسن يوسف (¬٢) بن أبى الفوارس موسك القيمرى الكردىّ، أكبر أمراء القيمريّة. كان يقفون بين يديه كما يفعل بالملوك، ومن أكبر حسناته وقفه (¬٣) المارستان الذى بسفح جبل قاسيون، وكانت وفاته ودفنه بالسفح فى القبّة التى تجاه المارستان المذكور، وكان ذا مال كثير وثروة. السلطان الملك غياث الدين كيخسرو (¬٤) بن السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش ابن أرسلان بن سلجوق. وخلّف من الأولاد ثلاثة وهم: عزّ الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، ولما توفى والدهم استقرّوا فى السلطنة ولم ينفردبها أحد عن الآخر، وضربت السكّة بأسمائهم مشتركة، وخطب لهم جميعا، [٣٧٤] وكان أبوهم قد فوض ولاية عهده إلى ولده علاء الدين كيقباذ الذى هو من كرجى خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه إلى منكوقان يطلب منه الصلح والهدنة، ويقرّر له الإناوة، ليكفّ عساكره المتوالية، ويمنع جيوشه العادية، وأما التتار فإنهم استولوا على قيسارية وأعمالها وصار إليهم مسافة شهر من بلاد الروم (¬١) وأقاليمها فى هذه البرهة اللطيفة يقتلون ويأسرون وينهبون، ثم لما استأصلوا شعبها وبالغوا فى تخريبها عادوا إلى مستقرهم. وكانت تولية غياث الدين كيخسرو المذكور فى السنة التى مات فيها والده علاء الدين كيقباذ وهى سنة أربع وثلاثين وستمائة (¬٢)، فيكون مدة مملكته عشرين سنة، وكان والده علاء الدين قد زوّجه بكرجى خاتون ابنة ملك الكرج، فلما صارت إليه السلطنة صيّر أخاها - وكان نصرانيا لم ينتقل عن ملته - مقدّما على الجيش، فكرهه الأمراء وكرهوا السلطان غياث الدين لتقديمه إياه عليهم، وقد خبّط نفر من المؤرخين فى تاريخ وفيات هؤلاء وتاريخ ولاياتهم، منهم: بيبرس الدوادار، والصواب ما ذكرناه. فإن قلت: أنت قد ذكرت فى أول سنة إحدى وخمسين وستمائة أن صاحب الروم ثلاثة وهم (¬٣): عز الدين كيكاوس وركن الدين قليج أرسلان وعلاء الدينكيقباذ أولاد غياث الدين كيخسرو، فكيف يلتئم هذا الكلام بالذى ذكرته آنفا؟ قلت: هذا نقلته هناك فى تاريخ بيبرس، ولكنه أطلق كلامه بحيث أنه يوهم أن غياث الدين كيخسرو الذى هو والد الثلاثة مات فى تلك السنة، أعنى سنة إحدى وخمسين وليس كذلك، بل وجهه أنه كأنه قسم بلاده فى حياته بين أولاده الثلاثة المذكورين فى السنة المذكورة، واستقلّ كل منهم سلطانا، إلا أنه مات فى تلك السنة، واستقلوا سلاطين فيها، فافهم، والله أعلم. ***فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخامسة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: وهو المستعصم بالله. [٣٧٥] وسلطان الديار المصرية: الملك المعز أيبك الصالحى، ونائبه فيها الأمير سيف الدين قطز، ولكن أيبك قتل فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله. وسلطان الشام وحلب: الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز ابن الظاهر بن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وصاحب بلاد الروم: الأخوة الثلاثة وهم: عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ، أولاد غياث الدين كيخسرو، ولكن كبيرهم علاء الدين كيقباذ، وهو كيقباذ الصغير، وجده هو كيقباذ الكبير، وعلاء الدين كيقباذ الأصغر، مات هو أيضا فى هذه السنة. ولنذكر أولا وفاة الملك المعز أيبك، ثم وفاة كيقباذ الأصغر.
  • full passagepage 155, entry [57]5,730 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الإمام الزاهد الشيخ تقى الدين [٣٨٧] عبد الرحمن بن أبى الفهم (¬١) اليلدانى (¬٢)، توفى بقريته (¬٣) فى ثامن ربيع الأول ودفن بها. وكان شيخا صالحا، مسندا مشتغلا بالحديث سماعا وكتابة وإسماعا إلى أن توفى، وله نحو من مائة سنة. قال أبو شامة: أخبرنى أنه كان مراهقا فى سنة تسع وستين
    ▸ expand full passage (5,730 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الإمام الزاهد الشيخ تقى الدين [٣٨٧] عبد الرحمن بن أبى الفهم (¬١) اليلدانى (¬٢)، توفى بقريته (¬٣) فى ثامن ربيع الأول ودفن بها. وكان شيخا صالحا، مسندا مشتغلا بالحديث سماعا وكتابة وإسماعا إلى أن توفى، وله نحو من مائة سنة. قال أبو شامة: أخبرنى أنه كان مراهقا فى سنة تسع وستين وخمسمائة حين طهّر نور الدين بن زنكى ﵀ ولده، وأنه حضر الطهور، وأخبرنى أنه رأى النبىّ ﷺ، وقال له يا رسول الله: بالله ما أنا رجل جيّد. فقال: بلى، أنت رجل جيد (¬٤). الشيخ شرف الدين محمد (¬٥) بن أبى الفضل المرسى.كان شيخا فاضلا مفنّنا (¬١)، محقق البحث، كثير الحج، له مكانة عند الأكابر، وقد اقتنى كتبا كثيرة، وكان أكثر مقامه بالحجاز ومصر والشام، وحيث حلّ عظّمه رؤساء تلك البلدة، وكان مقصدا فى أموره، وكانت وفاته بالزعقة (¬٢) بين العريش والداروم فى منتصف ربيع الأول من هذه السنة، ودفن فيها. البادرائى الشيخ نجم الدين عبد الله (¬٣) أبو محمد بن أبى الوفا بن الحسن بن عبد الله بن عثمان بن أبى الحسن بن حسنون البغدادى البادرائى الشافعى، مدرس النظاميّة ببغداد، ورسول الخلافة إلى ملوك الآفاق فى الأمور المهمّة، وإصلاح الأحوال المدلهمّة. وقد كان فاضلا بارعا، رئيسا متواضعا، وقد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة (¬٤) مكان دار الأمير أسامة، وشرط على المقيم بها العزبة؛ ولكن حصل بسبب ذلك خلل كثير، وشرّ لبعضهم كبير.وقال ابن كثير: وقد كان شيخنا الإمام العلامة شيخ الشافعية وغيرهم برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم (¬١) بن الشيخ تاج الدين الفزارى مدرّس هذه المدرسة وابن مدرّسها (¬٢)، يذكر أنه لما حضر الواقف فى أول يوم درس بها وحضر عنده السلطان الملك الناصر يوسف بن العزيز قرئ كتاب الوقف وفيه: ولا تدخلها إمرأة، فقال السلطان: ولا صبىّ. فقال الواقف: يا مولانا ربنا ما يضرب بعصاتين، فإذا ذكر هذه الحكاية تبسّم عندها، وكان هو أول (¬٣) من درّس بها، ثم ولده كمال الدين من بعده، وجعل نظرها إلى وجيه الدين بن سويد، ثم صار فى ذريته إلى الآن. وقد أوقف البادرائى على هذه المدرسة أوقافا حسنة دارّة، وجعل بها خزانة كتب حسنة نافعة، [٣٨٨] وقد عاد إلى بغداد فى هذه السنة، وتولّى بها قضاء القضاة كرها منه، فأقام فيه سبعة عشر يوما، ثم توفى إلى رحمة الله فى مستهل ذى الحجة من هذه السنة، ودفن بالشونيزية (¬٤). المشدّ الشاعر الأمير سيف الدين على (¬٥) بن عمر بن قزل، مشدّ الدواوين بدمشق.كان شاعرا مطبقا، وله ديوان مشهور، وقد رآه بعضهم بعد موته، فسأله عن حاله فأنشده: نقلت إلى رمس القبور وضيقها … وخوفى ذنوبى أنها بى تعثر وصادفت رحمانا رءوفا وأنعما … حبانى بها لما كنت أحذر ومن كان حسن الظن فى حال موته … جميلا بعفو الله فالعفو أجدر بشارة (¬١) بن عبد الله الأرمنى الأصل، بدر الدين الكاتب، مولى شبل الدولة (¬٢) المعظّمى. سمع الكندىّ وغيره، وكان يكتب خطّا جيّدا، وأسند إليه مولاه النظر فى أوقافه، وجعله فى ذريته، فهؤلاء ينظرون فى الشبليتين (¬٣). وكانت وفاته فى النصف من رمضان من هذه السنة. القاضى تاج الدين أبو عبد الله محمد (¬٤) بن قاضى القضاة جمال الدين المصرى. ناب عن أبيه، ودرس بالشامية (¬٥)، وله شعر، فمنه قوله:صيّرت فمى لفيه باللثم (¬١) … غدا [عمدا (¬٢)] ورشفت من ثناياه مدام فازوّر؟؟؟ وقال أنت فى الفقه إمام … ريقى خمر وعندك الخمر حرام الشيخ الأسعد هبة الله (¬٣) بن صاعد بن شرف الدين الفائزى. خدم قديما للملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل، وكان نصرانيا فأسلم، وكان كثير البرّ والصدقات والصلات. استوزره الملك المعزّ، وكان حظيّا عنده جدّا لا يفعل شيئا إلا بمراجعته ومشاورته. وكان قبله فى الوزارة القاضى تاج الدين بن بنت الأعز، وقبله القاضى بدر الدين السنجارى، ثم صارت بعد ذلك كله إلى هذا الشيخ الأسعد المسلمانى، وقد كان المعزّ يكاتبه بالمملوك، ثم لما قتل المعزّ أهين الأسعد حتى صار شقيا، وأخذ الأمير سيف الدين قطز خطه بمائة ألف دينار، وقد هجاه [٣٨٩] بعضهم: لعن الله صاعدا … وأباه فصاعدا وبنيه فنازلا … واحدا ثم واحدا (¬٤) ثم قتل بعد ذلك كله ودفن فى القرافة.ابن أبى الحديد الشاعر العراقى عبد الحميد (¬١) بن هبة الله بن محمد بن محمد ابن الحسين، أبو حامد بن أبى الحديد، عز الدين المدائنى، الكاتب الشاعر المطيق الشيعى الغالى. له شرح نهج البلاغة فى عشرين مجلدا. ولد بالمدائن سنة ست وثمانين وخمسمائة، ثم صار إلى بغداد، وكان أحد الكتاب والشعراء للديوان الخليفتى، وكان حظيّا عند الوزير ابن العلقمى لما بينهما من المناسبة والمهاربة والمشابهة فى التشيّع والأدب والفضيلة، وكان أكثر فضيلة وأدبا من أخيه أبى المعالى موفق الدين أحمد (¬٢) بن هبة الله، وإن كان الآخر فاضلا بارعا أيضا، وقد ماتا فى هذه السنة. الشريف الأديب أبو الحسن (¬٣) على بن محمد الموسوى، المعروف بابن دفتر خوان (¬٤)، له شعر حسن، ومصنفات كثيرة، توفى فى هذه السنة. الشيخ أبو جعفر (¬٥) بن الشيخ شهاب الدين أبى عبد الله عمر السهروردىّ الصوفى، مات ببغداد فى هذه السنة.شجر الدّر (¬١) بنت عبد الله أم خليل التركيّة. كانت من حظايا الملك الصالح نجم الدين أيّوب بن السلطان الملك الكامل ابن العادل ايّوب، وكان له ولد منها يسمى خليل، كان من أحسن الصور، مات صغيرا، وكانت تكون فى خدمة الملك الصالح لا تفارقه حضرا وسفرا من شدّة محبته لها، وقد ملكت الديار المصرية بعد مقتل ابن زوجها الملك المعظم توران شاه (¬٢)، فكان يخطب لها ويضرب السكة باسمها، وعلّمت على المناشير مدّة ثلاثة أشهر كما ذكرنا، ثم تملك الملك المعز أيبك، ثم تزوجها بعد تملكه الديار المصرية، ثم غارت عليه لما بلغها أنه يريد أن يتزوج ابنة (¬٣) صاحب الموصل كما ذكرناه، فعملت عليه حتى قتلته كما تقدّم، فتمالى عليها مماليك المعزّ فقتلوها وألقوها على مزبلة ثلاثة أيام، ثم نقلت إلى تربة لها (¬٤) بالقرب من قبر الست نفيسة. وفى تاريخ النويرى: وفى سادس عشر ربيع الآخر من هذه السنة [٣٩٠] قتلت شجر الدرّ وألقيت خارج البرج الأحمر (¬٥) وحملت إلى تربة كانت قد عملتها فدفنت بها.وكانت تركية الجنس، وقيل: كانت أرمنية الجنس، وكانت مع الملك الصالح فى الإعتقال بالكرك (¬١). وفى تاريخ ابن كثير: وكانت قوية النفس، ولما علمت أنها قد أحيط بها أتلفت شيئا كثيرا من الجوهر واللآلى كسرته فى الهاون لا لها ولا لغيرها (¬٢). وقال: لما سمع مماليك المعزّ بقتله أقبلوا صحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز، فقتلوها وألقوها على مزبلة غير مستورة العورة بعد الحجاب المنيع والمقام الرفيع (¬٣).فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السادسة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وفيها فتن ومصائب، وأعظمها قتل الخليفة المستعصم بالله، وانقراض الخلافة العباسيّة من بغداد، واستيلاء هلاون على بغداد، وفساد التتار فى البلاد، ووقوع الحرب بين بنى أيوب وبين المماليك البحرية، وبين الشاميّة والمصريّة، على ما نذكره مفصّلا.
  • full passagepage 180, entry [63]16,040 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان واقف الجوزية بدمشق أستاذ دار الخلافة الصاحب محيى الدين أبو المظفر (¬١) يوسف بن الشيخ جمال الدين بنى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن عبيد الله ابن عبد الله بن حماد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النصر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القا
    ▸ expand full passage (16,040 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان واقف الجوزية بدمشق أستاذ دار الخلافة الصاحب محيى الدين أبو المظفر (¬١) يوسف بن الشيخ جمال الدين بنى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن عبيد الله ابن عبد الله بن حماد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النصر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، القرشى التيمى البكرى البغدادى الحنبلى، المعروف بابن الجوزى. ولد فى [٤٠٢] ذى القعدة سنة ثمانين وخمسمائة، ونشأ شابا حسنا، وحين توفى أبوه وعظ فى موضعه، فأحسن وأجاد وأفاد، ثم تقدم وولى حسبة بغداد، مع الوعظ الرائق، والأشعار الحسنة الفائقة، وولى تدريس الحنابلة بالمستنصريّة ببغداد فى سنة ثنتين وثلاثين وستمائة، وكانت له مدارس أخرى، ثم لما ولى مؤيد الدين بن العلقمى الوزارة وشغر عنه الاستادارية وليها محيى الدين هذا، وانتصب ابنه عبد الرحمن فى الحسبة والوعظ، فأجاد وأفاد، ثم كانت الحسبة تنتقل فى بنيه الثلاثة: عبد الرحمن، وشرف الدين عبد الله، وتاج الدين عبد الكريم، وقد قتلوا معه فى هذه السنة فى قضية هلاون كما ذكرنا (¬٢)، ولمحيى الدين مصنففى مذهب الإمام أحمد ﵀، وقد وقف المدرسة الجوزية (¬١) بدمشق على الحنابلة. الصرصرىّ (¬٢) المادح يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمر بن عبد السلام، الشيخ الإمام، العالم العلامة، البارع، جمال الدين أبو زكريا الصرصرى، الشاعر المادح، الحنبلى، الضرير، البغدادى. وشعره فى مديح رسول الله ﷺ مشهور، وديوانه فى ذلك معروف غير منكور. ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث، وحفظ الفقه واللغة، وكان يقال: إنه يحفظ صحاح الجوهرى بكمالها، وصحب الشيخ على بن إدريس تلميذ عبد القادر الكيلانىّ، وكان ذكيا يتوقد ذكاء، ينظم على البديه سريعا أشياء حسنة فصيحة بليغة، وقد نظم الكافى للشيخ موفق الدين بن قدامة ومختصر الحزقى، وأما مدائحه فى رسول الله ﷺ فيقال: إنها تبلغ عشرين مجلدا. ولما دخل التتار بغداد دعى إلى دار بها فرمان من هلاون، فأبى أن يجيب إليه وأعد فى داره أحجارا، فحين دخل عليه التتار رماهم بتلك الأحجار، فهشممنهم جماعة، فلما خلصوا إليه قتل بعكازه أحدهم، فقتلوه شهيدا، ﵀، وله من العمر ثمانون (¬١) سنة. البهاء زهير (¬٢) صاحب الديوان المشهور: أبو الفضل زهير بن محمد بن على بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبى العتكىّ، الملقب بهاء [٤٠٣] الدين الكاتب. كان من فضلاء عصره، وأحسنهم نظما ونثرا. وخطا، ومن أكثرهم مروّة، وكان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبى الفتح أيوب بن السلطان الملك الكامل بالديار المصرية، وتوجه فى خدمته إلى البلاد الشرقية وأقام بها إلى أن ملك الملك الصالح مدينة دمشق، فانتقل إليها فى خدمته، وأقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح وخرجت عنه دمشق وخانه عسكره وهو على نابلس وتفرقوا عنه، وقبض عليه الملك الناصر داود صاحب الكرك واعتقله بقلعة الكرك (¬٣)، وأقام بهاء الدين زهير بنابلس محافظة لصاحبه الملك الصالح، ولم يتصل بخدمة غيره، ولم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديارالمصرية، وقدم إليها فى خدمته، وذلك فى أواخر ذى القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة. وقال ابن خلكان: وكنت يوم ذاك مقيما بالقاهرة، وأودّ لو اجتمعت به لما كنت أسمع عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة، وأنشدنى كثيرا من شعره، فمما أنشدنى قوله فى جارية له اسمها روضة: يا روضة الحسن صلى … فما عليك ضير فهل رأيت روضة … ليس لها زهير قال: وأخبرنى أن مولده فى خامس ذى الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمكة حرسها الله. وقال لى مرة أخرى: إنه ولد بوادى نخلة وهو قريب من مكة، وأخبرنى أن نسبه إلى المهلب بن أبى صفرة (¬١). ثم حصل بالقاهرة مرض عظيم لم يكد يسلم منه أحد، وكان حدوثه يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمائة، وكان بهاء الدين المذكور ممن مسّه منه ألم، فأقام به أياما، ثم توفى قبل المغرب فى يوم الأحد رابع ذى القعدة من السنة المذكورة، ودفن من الغد بعد الظهر بتربته فى القرافة الصغرى بالقرب من قبة الشافعى ﵀ فى جهتها القبلية، ولم يتفق لى الصلاة عليه لاشتغالى بالمرض (¬٢).وفى تاريخ المؤيد: وفى سنة ست وخمسين وستمائة توفى الصاحب بهاء الدين زهير بن محمد المهلبى كاتب إنشاء الملك الصالح أيوب، وفى آخر عمره انكشف [٤٠٤] حاله، وباع (¬١) موجوده وكتبه، وأقام فى بيته بالقاهرة إلى أن أدركته وفاته بسبب الوباء العام، ومن شعره وهو موزون (¬٢) مخترع ليس بخرجة العروض أبيات منها: يا من لعبت به الشمول (¬٣) … ما ألطف (¬٤) هذه الشّمائل مولاى يحقّ لى بأنى … عن حبّك فى الهوى أقاتل ها عبدك واقفا ذليلا … بالباب يمدّ كفّ سائل من وصلك بالقليل يرضى … والطّل من الحبيب وابل (¬٥) الحافظ زكى الدين عبد العظيم (¬٦) بن عبد القوى بن عبد الله بن سلام بن سعد ابن سعيد، الإمام العالم العلامة، الحافظ أبو محمد زكى الدين المنذرى الشافعى المصرى.وأصله من الشام، ولكنه ولد بمصر، وكان شيخ الحديث بها مدة طويلة، وإليه الوفادة والرحلة من سنين متطاولة، وسمع الكثير ورحل، وطلب، وصنف، وخرّج، واختصر صحيح مسلم، وسنن أبى داود، وله يد طولى فى اللغة، والفقه، والتاريخ، وكان ثقة حجة متحرّزا، زاهدا. وتوفى فى يوم السبت الرابع من ذى القعدة من هذه السنة بدار الحديث الكاملية، ودفن بالقرافة. النور أبو بكر محمد (¬١) بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم بن رستم الأسعردى، الشاعر المشهور الخليع. كان القاضى صدر الدين (¬٢) بن سنىّ الدولة قد أجلسه مع شهود تحت الساعات (¬٣)، ثم استدعاه الناصر صاحب البلد، وجعله من جلسائه وندمائه، وخلع عليه خلع الأجناد، فانسلخ من هذا الفن إلى غيره، وجمع كتابا سماه الزرجون فى الخلاعة والجنون، وذكر فيه أشياء كثيرة من النظم والنثر فى الخلاعة، ومن شعره: لذّة العمر خمسة فاقتنيها … من خليع غدا أديبا فقيها فى نديم وقينة وحبيب … ومدام وسبّ من لام فيهامحمد بن (¬١) عبد الصمد بن عبد الله بن حيدرة فتح الدين بن العدل، محتسب دمشق، وكان (¬٢) من الصدور المشكورين، حسن الطريقة، وجدّه العدل نجيب الدين أبو محمد عبد الله (¬٣) بن حيدره، هو واقف المدرسة بالزبدانى فى سنة تسعين وخمسمائة. توفى محمد بن عبد الصمد المذكور فى مستهل جمادى الآخرة من هذه [٤٠٥] السنة، وتولى فى الحسبة أخوه ناصر الدين. القرطبى - صاحب المفهم فى شرح مسلم. أحمد (¬٤) بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس الأنصارى القرطبى المالكى، الفقيه، المحدّث، المدرس بالإسكندرية. ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير هناك، واختصر الصحيحين (¬٥)، وشرح صحيح مسلم بكتابه المسمى بالمفهم (¬٦)، وفيه أشياء حسنة مفيدة، توفى فى هذه السنة.الكمال إسحاق (¬١) بن أحمد بن عثمان، أحد مشايخ الشافعية، أخذ عنه الشيخ محيى الدين النووى (¬٢) وغيره، وكان مدرسا بالرواحية (¬٣)، وكانت وفاته فى ذى القعدة من هذه السنة. العماد داود (¬٤) بن عمر بن يحيى بن عمر بن كامل أبو المعالى وأبو سليمان الزبيدى المقدسى، ثم الدمشقى خطيب بيت الآبار (¬٥). وقد خطب بدمشق ست سنين بعد انفصال الشيخ عز الدين بن عبد السلام عنها، ودرس بالغزالية (¬٦)، ثم عزل عنها، وعاد إلى بيت الآبار، فمات بها فى هذه السنة. شيخ الشيوخ ببغداد على (¬٧) بن محمد بن الحسين، صدر الدين أبو الحسن بن النيار.كان أولا مؤدّبا للإمام المستعصم بالله، فلما صارت إليه الخلافة رفعه (¬١) رفعة عظيمة، وولاه مشيخة الشيوخ ببغداد، وانتظمت إليه أزمة الأمور برهة من الدهر، ثم أنه ذبح بدار الخلافة كما تذبح الشاة، فى هذه السنة، وذلك فى وقعة التتار. وكان أول ما مثل المستعصم بالله هاذين البيتين، وذلك حين أراد تعليمه فى أول أمره وهما: ما طار بين الخافقين … أقلّ عقل من معلّم ولقد دخلنا فى الصناعة … ربّ سلّم ربّ سلّم الشيخ العابد الزاهد على (¬٢) الخباز. كان له أتباع وأصحاب ببغداد، وله زاوية يزار فيها، قتلته التتار، وألقى على مزبلة بباب زاويته ثلاثة أيام حتى أكلت الكلاب من لحمه، ويقال إنه أخبر بذلك عن نفسه فى حياته. الشيخ العارف أبو الحسن على (¬٣) بن عبد الله، من ولد الحسن بن على بن أبى طالب، الشاذلى الضرير. مات بصحراء عيذاب وهو قاصد الحجاز، ودفن بحميثرا (¬٤) حيث توفى.وكان أحد المشايخ المشهورين بمعرفة الطريق، وله فى ذلك كلام كثير، وتصانيف معروفة (¬١)، ونسبته إلى شاذلة قرية بإفريقية ورد منها [٤٠٦] إلى الإسكندرية وسكنها، وحج مرارا، وصحبته جماعة فانتفعوا بصحبته، وله حزب يقرأه الناس مشتمل على أدعية مباركة ولطائف حسنة يتبرك بقراءته. الخطيب أبو عبد الله (¬٢) محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبى الفتح المقدسى خطيب مردا (¬٣). سمع الكثير، وعاش تسعين سنة، وقدم فى سنة ثلاث وخمسين، فسمع الناس عليه الكثير بدمشق، ثم عاد فمات ببلده فى هذه السنة. النجيب نصر الله (¬٤) بن أبى العز مظفر بن أبى طالب عقيل بن حمزة، نجيب الدين ابن شقيشقة الدمشقى المحدّث. أحد العدول بدمشق، سمع الحديث وعنى به، ووقف داره بدرب البانياسى على المحدثين (¬٥). عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ١٣وقال ابن كثير: وقد سكنها شيخنا الحافظ أبو الحجاج (¬١) المزّى قبل انتقاله إلى دار الحديث الأشرفية بدمشق (¬٢). وقال أبو شامة: وكان ابن شقيشقة وهو النجيب أبو الفتح نصر الله بن أبى العز بن أبى طالب الشيبانى، مشهورا بالكذب ورقة الدين وغير ذلك، وهو أحد الشهود المقدوح فيهم، ولم يكن بحال أن يؤخذ عنه. قال: وقد أجلسه أحمد بن يحيى بن هبة الله الملقّب بالصدر بن سنى الدولة فى حال ولايته قضاء القضاة بدمشق، فأنشد فيه بعض الشعراء: جلس الشقيشقة الشقى ليشهدا … بأبيكما ماذا عدا فيما (¬٣) بدا هل زلزل الزلزال أم قد أخرج ال … دجال أم عدم الرجال ذوو الهدى عجبا لمحلول العقيدة جاهل … بالشرع قد أذنوا له أن يعقدا (¬٤) أبو عبد الله الفاسى (¬٥)، شارح الشاطبية، اشتهر بالكنية، قيل: إن اسمه القاسم.وكان عالما فاضلا فى العربية والقراءات، وقد أجاد فى شرحه للشاطبية وأفاد، واستحسنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة شارحها أيضا، وكانت وفاته بحلب فى هذ السنة. سيف الدين ابن صبره (¬١) متولى شرطة دمشق، ذكر أبو شامة أنه حين مات جاءته حية، فنهشت أفخاذه ويقال: إنها إلتفت فى أكفانه وأعيى الناس دفعها. قال وقيل لى: إنه كان نصيريّا [٤٠٧] رافضيا خبيثا، مدمن خمر، قبحه الله (¬٢). تاج الدين أبو الفتح يحيى (¬٣) بن (¬٤) الشيخ أبى غانم محمد بن أبى الفضل هبة الله بن أبى غانم محمد بن أبى الفضل هبة الله بن أبى الحسن أحمد بن يحيى بن زهير (¬٥) بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد [بن (¬٦)] عامر أبى جرادة بن ربيعة ابن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل العقيلى الحلبى الحنفى، المنعوت بالتاج، المعروف بابن العديم. مات فى سحر النصف من شهر صفر من هذه السنة بحلب ودفن يومه بالمقام، ومولده بحلب فى النصف من ذى الحجة سنة ثمانين وخمسمائة، سمع من أبيه ابنغانم، وعمه أبى الحسن، ومن الشريف أبى هاشم عبد المطلب (¬١) بن الفضل الهاشمى، ومن الشيخ تاج الدين الكندى (¬٢) بدمشق وآخرين، وهو من بيت مشهور. الشيخ الجليل الأصيل أبو عبد الله محمد (¬٣) بن أبى الحسن أحمد بن أبى الفضل هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير (¬٤) بن هارون، المعروف بابن أبى جرادة الحلبى الحنفى، المنعوت بالمحى، المشهور بابن العديم. مات فى العاشر من جمادى الآخرة من هذه السنة بحلب، ودفن فى مقام إبراهيم ﵇، خارج باب العراق، ومولده فى الثالث من رجب سنة تسعين وخمسمائة بحلب، سمع من أبيه وعمه أبى غانم وبدمشق من تاج الكندى وآخرين. وكان رئيسا مقدّما، وبيته معروف بالعلم والحديث والرئاسة، وقد تقدم الان ذكر ابن عمه أبى الفتح المنعوت بالتاج. الشريف أبو الحسن على بن أبى على الحسن بن زهرة أبى الحسن بن زهرة ابن على بن محمد العلوى الحسينى الإسحاق الحلبى.مات بحلب فى العشر الأواخر من صفر من هذه السنة، وولد بها فى الثانى عشر من شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. كانت له معرفة بالحديث، والفقه، والقراءات، والتواريخ، والعربية، وله نظم جيد وترسّلّ حسن، وكتب الإنشاء بحلب مدة، وترسل إلى بغداد، وولى نقابة الأشراف بحلب، وسمع من غير واحد من الشيوخ، وحدّث. الشيخ أبو المناقب محمود بن أحمد، الفقيه الشافعى. وكان رئيس [٤٠٨] الشافعية ببغداد، قتل شهيدا فى وقعة التتار. الأمير الأديب سيف الدين أبو الحسن على (¬١) بن قزل بن جلدك. مات بدمشق فى هذه السنة، ومولده بمصر، وتولّى شدّ الدواوين بالديار المصرية مدة، وكان أميرا مقدما فى دولة الملك الناصر يوسف صاحب الشام، وله شعر حسن، فمنه قوله: باكر كؤوس المدام واشرب … واستجل وجه الحبيب واطرب ولا تخف للهموم داء … فهو دواء له مجرّب فى يد ساق له رضاب … كالشهد لكن جناه أعذب (¬٢)الملك الناصر داود (¬١) بن الملك المعظم عيسى بن السلطان الملك العادل أبى بكر ابن أيّوب. توفى فى هذه السنة بظاهر دمشق فى قرية يقال لها البويضاء، ومولده سنة ثلاث وستمائة، وكان عمره نحو ثلاث وخمسين سنة، وقد ذكرنا أحواله وما جرى عليه فى السنين الماضية، وكان أصاب الناس فى الشام فى تلك المدة وباء مات فيه الناصر داود، وخرج الملك الناصر يوسف صاحب دمشق إلى البويضاء، وأظهر عليه الحزن والأسف، ونقله ودفنه بالصالحية فى تربة والده الملك المعظّم. وكان الناصر داود فاضلا، ناظما، ناثرا، وقرأ العلوم العقلية على الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى تلميذ الإمام فخر الدين الرازى (¬٢)، وكان حنفى المذهب مثل والده. وله أشعار جيّدة، فمنها قوله: عيون عن السّحر المبين تبين … لها عند تحريك القلوب سكون تصول ببيض وهى سود فرندها … ذبول فتور والجفون جفون إذا ما رأت قلبا خليّا من الهوى … تقول له كن مغرما فيكون (¬٣)وله أيضا: طرفى وقلبى قاتل وشهيد … ودمى على خديك منه شهود أما وحبّك لا أضمر سلوة … عن صبوتى ودع الفؤاد يبيد منّى بطيفك بعد ما منع الكرى … عن ناظرىّ البعد والتسهيد ومن العجائب أن قلبك لم يلن … لى والحديد ألانه داود (¬١) [٤٠٩] وقال أبو شامة: وكان الملك الناصر داود سلطان دمشق بعد أبيه نحوا من سنة، ثم اقتصر له على الكرك وأعماله، ثم سلب ذلك كله وصار متنقلا (¬٢) فى البلاد موكلا عليه، وتارة فى البرارى (¬٣) إلى أن مات موكّلا عليه بالبويضاء، وهى (¬٤) قرية قبلىّ دمشق، كانت تكون لعمه مجير الدين بن العادل وحمل منها، فصلى عليه عند باب النصر، ودفن بجبل قاسيون عند أبيه بالمقبرة المعظمية بدير مران، وخلّف أولادا كثيرة (¬٥). الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ (¬٦) صاحب الموصل.توفى فى شعبان من هذه السنة، عن ثمانين سنة، وقد ملك الموصل نحوا من خمسين سنة. وكان ذا عقل ودهاء ومكر، لم يزل يعمل على أولاد أستاذه، وزالت الدولة الأتابكية عن الموصل، وقد ذكرنا مسيره إلى هلاون اللعين، فمكث بعد مرجعه بالموصل أياما يسيرة، ثم مات ودفن بمدرسته البدرية بالموصل، فتأسّف الناس عليه لحسن سيرته وجودته وعدله. وقد جمع له الشيخ عز الدين (¬١) بن الأثير كتابه المسمى بالكامل فى التاريخ، فأجازه عليه وأحسن إليه، وكان يعطى لبعض الشعراء ألف دينار وغيرها. وقام فى الملك بعده ولده الصالح إسماعيل. وقد كان بدر الدين لؤلؤ أرمنيّا اشتراه رجل خياط، ثم صار إلى الملك نور الدين أرسلان (¬٢) بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى بن آقسنقر الأتابكى صاحب الموصل، وكان مليح الصورة فحظى عنده، وتقدّم فى دولته إلى أن صارت الكلمة دائرة عليه، والوفود من سائر جهات ملكهم إليه، ثم أنه أخنى على أولاد أستاذه فقتلهم غيلة، واحدا بعد واحد، إلى أن لم يبق معه أحد منهم، فاستقلّ بالمملكة حينئذ، وصفت له الأمور وراقت.وكان يبعث فى كل سنة إلى مشهد على رضى الله عنه قنديلا زنته ألف دينار. وكان قد بلغ من العمر فوق ثمانين سنة، فكأنه شابّ حسن الشباب من نضارة وجهه وحسن شكله، وكانت العامّة تلقبه بقضيب الذهب، وكان ذا همّة عالية، وداهية، شديد المكر، بعيد الغور. [٤١٠] وقال بيبرس: واستقرّ بعده ولده الملك الصالح إسماعيل، وأما ولده علاء الدين على فإنه فارق أخاه وحضر إلى الشام، وكان منهما ما نذكره (¬١)، إن شاء الله تعالى: بيجو (¬٢): ويقال له باجو أيضا، مقدّم التتار. هلك فى هذه السنة. ويقال: إن هلاون نقم عليه لما بلغه من إضمار الخلاف، وإنه قصد التأخر عنه لما استدعاه، وأراد الإنفراد ببلاد الروم، فلما فرغ هلاون من فتوح بغداد وبلاد العراق دسّ إليه سمّا، فشربه فمات. وقيل: إنه كان أسلم قبل موته، ولما احتضر أوصى بأن يغسل ويدفن على عادة المسلمين. وكان له من الأولاد أفاك وسكتاى، وأفاك هذا هو أبو سلامش وقطقطو الوافدين إلى الديار المصريّة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.الوزير ابن العلقمى الرافضى قبّحه الله، واسمه محمد (¬١) بن أحمد (¬٢) بن على بن أبى طالب، الوزير مؤيّد الدين بن العلقمى البغدادى. خدم فى أيام المستنصر بالله استادار الخلافة مدة طويلة، ثم استوزره المستعصم بالله، ولم يكن وزير صدق، فإنه كان من الفضلاء الأدباء إلا أنه كان رافضّيا خبيثا، ردئ الطويّة على الإسلام وأهله، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة فى أيام المستعصم ما لم يحصل لكثير من قبله من الوزراء، ثم مالأ على الإسلام وأهله التتار، أصحاب هلاون، حتى جاءوا فجاسوا خلال الديار، وكان أمرا مفعولا، ثم حصل له من الأهنه فى أيامهم والقلّة والذّلة وزوال ستر الله ما لا يحد ولا يوصف. رأته امرأة وهو راكب فى أيام التتار برذونا وسائق يضرب فرسه (¬٣)، ووقفت إلى جانبه فقالت يا بن العلقمى: هكذا كان بنو العباس يعاملونك (¬٤)، فوقعت كلمتها فى قلبه، وانقطع فى داره إلى أن مات كمدا فى مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر ثلاث وستون سنة، ودفن فى قبور الروافض (¬٥)، وقد سمعبأذنيه ورأى بعينيه من التتار والمسلمين ما لا يحد ولا يوصف، وتولى بعده الوزارة ولده، ثم أخذه الله سريعا. وقد هجاه بعض الشعراء فقال: [٤١١] يا فرقة الإسلام نوحوا واندبوا … أسفا على ما حلّ بالمستعصم دست الوزارة كان قبل زمانه … لابن الفرات فصار لابن العلقمى (¬١) هذا كله ذكره ابن كثير فى تاريخه. وقال بيبرس فى تاريخه: وأما الوزير فهو (¬٢) مؤيّد الدين [محمد (¬٣)] بن العلقمى، فإن هلاون استدعاه بين يديه وعنّفه على سوء سيرته وخبث سريرته وممالاته على ولىّ نعمته، وأمر بقتله جزاء لسوء فعله، فتوسّل وبذل الالتزام بالأموال (¬٤) يحملها، وإتاوة من العراق يحصّلها، فلم يذعن لقبوله ولا أجاب إلى سؤاله (¬٥)، بل قتل بين يديه صبرا [وتحسى من يد المنون صبرا (¬٦)] وأوقعه الله فى البئر التى احتفر، وخانه فيما قدّره صرف القدر (¬٧).الصّاحبة غازية (¬١) خاتون، والدة الملك المنصور، بنت السلطان الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب. توفيت فى ذى القعدة من هذه السنة بقلعة حماة، وكان قدومها إلى حماة فى سنة تسع وعشرين وستمائة، وولد لها من زوجها الملك المظفر (¬٢) ثلاث بنات أيضا، فتوفيت الكبرى منهن وكان اسمها ملكة خاتون قبل وفاة والدها بقليل، وتوفيت الصغرى وهى دنيا خاتون بعد وفاة أخيها الملك المنصور (¬٣). وقال الملك المؤيد فى تاريخه: وولد لها من (¬٤) الملك المظفر محمود صاحب حماة ثلاثة بنين (¬٥)، مات أحدهم صغيرا وكان اسمه عمر، وبقى الملك المنصور [محمد (¬٦)] صاحب حماة، وأخوه والدى الملك (¬٧) الأفضل على، وولد لها منه ثلاث بنات أيضا، كما ذكرنا. وكانت غازية خاتون المذكورة من أحسن النساء سيرة وزهدا وعبادة، وحفظت الملك لولد لها الملك المنصور حتى كبر، وسلّمته إليه قبل وفاتها، رحمها الله (¬٨).
  • full passagepage 221, entry [73]3,576 chars
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ الصالح المحدث أبو العباس أحمد (¬١) بن محمد بن تامتيت (¬٢) اللواتى، مات بمصر فى هذه السنة، وأصله من مدينة فاس بالمغرب، وكان رجلا صالحا مقصودا للزيارة والتبرك بدعائه. الشيخ فتح الدين بن أبى الحوافر (¬٣) رئيس الأطباء بمصر والقاهرة، توفى فى هذه السنة وكان شيخا فاضلا حس
    ▸ expand full passage (3,576 chars)
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ الصالح المحدث أبو العباس أحمد (¬١) بن محمد بن تامتيت (¬٢) اللواتى، مات بمصر فى هذه السنة، وأصله من مدينة فاس بالمغرب، وكان رجلا صالحا مقصودا للزيارة والتبرك بدعائه. الشيخ فتح الدين بن أبى الحوافر (¬٣) رئيس الأطباء بمصر والقاهرة، توفى فى هذه السنة وكان شيخا فاضلا حسنا. القاضى أبو عبد الله محمد (¬٤) بن القاضى الأشرف بن القاضى الفاضل أبى على عبد [٤٢٢] الرحيم البيسانى وزير الإنشاء الصالحى، وقد تقدّم ذكر جدّه واقف الصدرية. الرئيس صدر الدين أسعد (¬٥) بن المنجى بن بركات بن مؤمّل التنوخى المعرّى، ثم الدمشقى الحنبلى. عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ١٥أحد المعدّلين ذوى الأموال والثروة والصدقات الدارّة البارّة، وقف مدرسة للحنابلة بدمشق (¬١) مقابلة لتربة سيف الدين بن قليج (¬٢)، وقبره بها إلى جانب تربة القاضى جمال الدين المصرى (¬٣) فى رأس درب الريحان من محلة ناحية الجامع، وقد ولى نظر الجامع مدة، وقد استجدّ أشياء كثيرة منها: سوق النحاس قبلى الجامع، ونقل الصاغة إلى مكانها الان، وقد كان قبل ذلك حيث يقال الصاغة العتيقة، وعدد الدكاكين التى بين أعمدة الزيادة، وكانت له صدقات كثيرة. وذكر عنه أنه كان يعمل صنعة الكيمياء، وأنه صح عنده عمل الفضة، والله أعلم، مات فى مستهل رمضان من هذه السنة. الشيخ يوسف (¬٤) القمينى، كان يعرف بالقمينى لأنه كان سكن قمين حمام نور الدين الشهيد، وكان يلبس ثيابا طوالا تححف (¬٥) على الأرض، ويبول فى ثيابه، ورأسه مكشوف، وله أحوال وكشوف كثيرة.وقال ابن كثير: وكان كثير من العوام وغيرهم يعتقدون صلاحه وولايته، وذلك لأنهم لا يعلمون أن الكشوف قد تصدر من المؤمن والكافر، ومن البر والفاجر كابن صياد (¬١)، فلا بدّ من اختبار صاحب الحال بالكتاب والسنة، فمن وافق حاله وطريقته الكتاب والسنة فهو رجل صالح سواء كاشف أم لا (¬٢)، ومن لم يوافق فليس برجل صالح سواء كاشف أم لا. قال الشافعى رضى الله عنه: إذا رأيتم الرجل يمشى على الماء ويطير فى الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. ولما مات دفن بتربة فى سفح جبل قاسيون، وهى مشهورة شرقى تربة أبى عمر المقدسى (¬٣)، وهو مزخرفة قد اعتنى بها من كان يعتقد فيه، وكانت وفاته فى سادس شعبان من هذه السنة (¬٤). ابن الفخر بن البديع (¬٥). قال أبو شامة: كان زنديقا يتعاطى علوم الفلاسفة، والنظر فى علم الأوائل، وسكن مدارس الفقهاء، وقد أفسد عقائد جماعة من المسلمين الشباب المشتغلين، وكان متجاهرا بانتفاص الأنبياء [٤٢٣] ﵈، كان معروفا بابن الفخرابن البديع البندهى، كان أبوه يزعم أنه من جملة تلامذة الفخر الرازى ابن خطيب الرى صاحب المصنفات (¬١). المعين المؤذن العادلى. مات فى سابع صفر منها، وكان معمما قد جاوز المائة سنة، وكان ممن أدرك دولة نور الدين الشهيد، وخدم صلاح الدين فمن بعده من الملوك إلى أن أقعد فى بيته زمنا قبل موته بسنتين. سيف الدين بن الغرس خليل. كان أحد حجاب السلطان، وكان مشكورا فى ذلك، وكان أبوه والى شرطة دمشق فى زمن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، مات فى أول شهر رمضان من هذه السنة. الأمير أبو بكر (¬٢) بن الملك الأشرف أبى الفتح محمد بن السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. مات فى الثانى والعشرين من ذى الحجة من هذه السنة بحلب، ودفن بالياروقية، ومولده فى النصف الأخير من شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بمصر، سمع بحلب وبغداد، وحدّث بدمشق وغيرها.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والخمسين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، أولها يوم الخميس، وليس للمسلمين خليفة. وملك العراقين وخراسان وغير ذلك من بلاد الشرق هلاون بن طولى خان ابن جنكز خان ملك التتار، وأخوه منكوقان بن طولى خان ملك الأقاليم المتصلة ببلاد خطا وغيرها، وماوراء النهر وغيرها. وصاحب الديار المصرية، السلطان الملك المظفر قطز. وصاحب دمشق وحلب: الملك الناصر يوسف. وصاحب الكرك والشوبك: الملك المغيث بن الملك العادل أبى بكر بن الملك الكامل بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، وهو حزب مع الملك الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، وكان عزمهم قتال المصريين وأخذ البلد منهم، ولكن التتار أشغلوا كل أحد بنفسه، ووقع الجفل فى البلاد الشامية بمجئ هلاون إليها.
  • full passagepage 269, entry [94]8,853 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة أحمد (¬١) بن يحيى بن هبة الله بن الحسن (¬٢) بن يحيى بن محمد بن على ابن يحيى بن صدقة بن الخياط، صدر الدين أبو العباس أحمد بن سنى الدولة الثعلبى الدمشقى. وسنىّ الدولة هو الحسن بن يحيى المذكور. كان قاضيا لبعض ملوك دمشق فى حدود الخمسمائة، وله أوقاف على ذريته، وابن
    ▸ expand full passage (8,853 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة أحمد (¬١) بن يحيى بن هبة الله بن الحسن (¬٢) بن يحيى بن محمد بن على ابن يحيى بن صدقة بن الخياط، صدر الدين أبو العباس أحمد بن سنى الدولة الثعلبى الدمشقى. وسنىّ الدولة هو الحسن بن يحيى المذكور. كان قاضيا لبعض ملوك دمشق فى حدود الخمسمائة، وله أوقاف على ذريته، وابن الخياط الشاعر - صاحب الديوان - هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علىّ بن يحيى بن صدقة الثعلبىّ، عم سنى الدولة. ولد القاضى صدر الدين سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع ابن طبرزد، والكندى، وغيرهما، وحدّث ودرّس فى عدّة مدارس، وأفتى، وكان فاضلا عارفا بالمذهب، وقد ولى الحكم بدمشق استقلالا سنة ثلاث وأربعين، واستمر إلى هذه السنة، فسار حين عزل بالكمال التفليسىّ هو والقاضى محيى الدين بن الزكى إلى هلاون كما ذكرنا، ثم عادا من عنده، وقد تولى ابن الزكىّ، فاجتاز عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان - م ١٨ابن [٤٥٠] سنىّ الدولة ببعلبك، وهو متمّرض فمات بها، ودفن عند الشيخ عبد الله اليونينى. وكان الملك الناصر يثنى عليه، كما كان الملك الأشرف يثنى على والده قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدولة. ولما استقرّ أمر السلطان الملك الظاهر بيبرس ولىّ ولده القاضى نجم الدين أبا بكر بن قاضى القضاة صدر الدين القضاء بدمشق، وعزل ابن الزكىّ، ثم عزله بعد سنة، على ما سيأتى إن شاء الله. وقال ابن كثير: والقاضى صدر الدين بن سنى الدولة هذا هو الذى أحدث فى زمن المشمش بطالة التدريس لأنه كان له بستان بأرض السهم، فكان يشقّ عليه النزول منه فى ذلك الوقت إلى الدرس، ثم اتبعه الناس فى ذلك (¬١). شرف الدّين عبد الرحمن (¬٢) بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن ابن طاهر بن محمد بن الحسين بن علىّ، أبو طالب شرف الدين بن العجمى الحلبى الشافعى. من بيت العلم والرئاسة بحلب، درس بالظاهريّة، ووقف بها مدرسة، ودفن فيها، وكانت وفاته حين دخل التتار حلب فى صفر، فعذّبوه بأن صبّوا عليه ماء باردا فى الشتاء، فتشنّج حتى مات.الشيخ الحافظ الحسين (¬١) أبو حامد الدمشقىّ الشافعى المعروف بابن عساكر. مات فى هذه السنة بنابلس، وهو متوجه من مصر إلى دمشق، وجدّه الإمام الحافظ أبو القاسم علىّ صاحب التصانيف المشهورة منها: تاريخ دمشق. الشيخ الفقيه عمر (¬٢) بن عبد المنعم بن أمين الدولة الحلبىّ الحنفى. استشهد فى الوقعة المذكورة بحلب فى هذه السنة. الشيخ أبو الفتح بن أبى المكارم الطرسوسىّ. استشهد فى الوقعة المذكورة بحلب فى هذه السنة. الشيخ محمد (¬٣) اليونينى الحنبلى البعلبكى الحافظ: هو محمد بن أحمد بن عبد الله ابن عبد الله بن عيسى بن أبى الرجال أبو عبد الله بن أبى الحسين اليونينى الحنبلى، تقى الدين الحافظ المفيد البارع العابد الناسك. ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع الخشوعى، والكندى، والحافظ عبد الغنى المقدسىّ وكان يثنى عليه، وتفقه على الشيخ الموفق ولزم صحبة الشيخ عبد الله اليونينى، [٤٥١] وانتفع به، وكان الشيخ عبد الله يثنى عليه ويقدّمه ويقتدى به فى الفتاوى الشرعيّة، وقد لبس الخرقة من شيخه عبد الله البطائحى، وبرع فى علم الحديث، وجمع الجمع بين الصحيحين بالفاء والواو، وقطعة صالحةمن مسند الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه، وكان يعرف العربيّة، أخذ ذلك عن تاج الدين الكندى، وكتب مليحا حسنا، وكان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، وحصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك وغيرهم. وكان ولده يقول: إن والدى لا يقبل شيئا من الصدقة، ويزعم أنه من ذرية جعفر الصادق رضى الله عنه بن محمد الباقر زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهم، وذكر أنه مات فى التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة. وقال أبو شامة: وكان رجلا (¬١) ضخما، وحصل له قبول كثير من الأمراء وغيرهم، وكان يلبس قبعا صوفه إلى خارج (¬٢)، يعنى كما كان شيخه عبد الله اليونينى. قال: وصنف شيئا فى المعراج، فرددت عليه فى كتاب سميته: الواضح الجلى فى الردّ على الحنبلىّ (¬٣). الملك السّعيد نجم الدين إيل غازى (¬٤) بن المنصور أرتق بن أرسلان بن إيل غازى بن تمرتاش بن إيل غازى بن أرتق. مات فى هذه السنة وكان شيخا معظما.الملك المعظّم توران شاه (¬١) بن الملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب. كان نائبا للملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر على حلب حين تملك دمشق، وقد حصّن حلب من أيدى المغول مدّة شهر، ثم سلمها بعد محاصرة شديدة صلحا، ثم كانت وفاته فى هذه السنة بحلب، ودفن بدهليز داره، وذلك بعد الوقعة بأيام. الملك السعيد حسن (¬٢) بن الملك العزيز عثمان بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب. صاحب الصبيبة وبانياس بعد أبيه، ثم أخذتا منه وحبس بقلعة البيرة، فلما جاءت التتار كان معهم، وردوا عليه بلاده، فلما كانت وقعة عين جالوت جاء بعد الوقعة أسيرا إلى حضرة الملك المظفر قطز، [٤٥٢] فضرب عنقه لأنه كان قد لبس سراقوج (¬٣) التتار، فناصحهم. الملك منكوقان (¬٤) بن طلو خان بن جنكز خان ملك التتار. هلك فى هذه السنة بمقام نهر الطاى من بلاد أيغور وهو قاصد غزو الخطا، وكان فيما يقال يتمذهب بمذهب النصرانيّة والفلاسفة ويميل إليها، فمات عليها، لعنة الله.وكان (¬١) موته فتحا للإسلام، لأنه أوجب عود هلاون اللعين عن ديار الشام، وبذلك تمت للمسلمين النصرة، وطمّت المشركين الكسرة. وذلك أن أربيكا (¬٢) أخا منكوقان كان نائبه فى المملكة بكرسى قرا قروم، فلما مات أخوه منكوقان أراد الاستيلاء على المملكة، وكان أخوه قبلاى خان مجّردا ببلاد الخطا، جّرده إليها أخوه منكوقان من حين جلوسه فى الدست (¬٣)، وأرسل بركة يقول لأربيكا: أنت أحقّ بالقانيّة لأن منكوقان رتبك فيها فى حياته، وانضم إليه بنو عمّه مجئ بن أوكديه (¬٤) وإخوته، واتفق عود أخيه قبلاى من بلاد الخطا، وسار أربيكا لحربه والتقيا فاقتتلا، فكانت الكسرة على قبلاى، وانتصر عليه أربيكا، فأخذ الغنائم والسبايا واحتجزها لنفسه، ولم يسهم لبنى عمّه بشئ، فوجدوا عليه. ونفروا منه، ومالوا إلى قبلاى، فأعاد القتال معه، فاستظهر عليه وأخذ أربيكا أسيرا. واستقرّ قبلاى فى القانيّة (¬٥)، وسقى أخاه سمّا فمات، وطالت مدّة قبلاى فى المملكة، واستقرّ إلى سنة ثمان وتسعين وستمائة (¬٦).فبلغ ذلك هلاون (¬١)، وهو نازل على حلب، فانزعج وعاد رجاء أن يكون له فى الأمر نصيب، فلما وجد أخاه قبلاى مستقرّا استقرّ بالأقاليم التى فتحها، فصارت فى يده ويد ذريته إلى يومنا هذا (¬٢). وكان عز الدين كيكاوس وأخوه ركن الدين قليج أرسلان سلطانا الروم فى خدمة هلاون لما فتح حلب، ولما رفع السيف من أهلها تقدّم إليه البرواناه وضرب الجوك (¬٣) وقال: إن أذن لى القان أقول كلمتين بين يديه، فقال له: قل. قال: من قصة عيسى [٤٥٣] ابن مريم ﵉ أنه أحيى الأموات، فأطاعه أهل الأرض وآمنوا به حتى تغالوا فى قصته، وقالوا بربوبيّته، والقان فى هذا الوقت أحيى هذه النفوس وصان هذه الرءوس، فلابدّ أن تطيعه البقاع والأقاليم والقلاع، وينفذ حكمه فى الشرق والغرب، ويثقون بعهده ووعده، فحسن موقع كلامه عنده وسأل عن حسبه ونسبه، فعرف به، وهو أن أباه فى أيام السلطان علاء الدين كيقباذ حضر إلى سعد الدين المستوفى بالروم، وكان نافذ الحكم فى الإطلاق وإجراء الأرزاق، فسأله أن يجرى عليه جاريا يقتات به من بعض المدارس يكون درهما فى اليوم؛ وكان شابّا جميلا وسيما من طلبة العلم، واسمه مهذب الدين على، وأصله من الديلم، فمال إليه المستوفى لما رآه من سمته وسمته فقال له: أريد أن أصيرك منى مكان الولد، وأجود لك بماأجد، ثم قرّبه وأدناه، وأحبّه، وزوّجه من إبنته، وخوّله فى نعمته، واتفقت وفاة المستوفى بعد ذلك، فوصف مهذب الدين للسلطان علاء الدين بالفضيلة والمعرفة والكفاية والأهليّة للمناصب، فرشحه للوزارة وألقى عليه مقاليد الإمارة، فرزق معين الدين سليمان المسمّى برواناه (¬١)، فهو ابن وزير السلطان غياث الدين. ولما أخبر هلاون بأمره قال للسلطان ركن الدين: من الآن لا يتردّد إلىّ فى الأشغال أحد سواه، فترقت منزلته من يومه ذلك حتى صار فيما بعد حاكما على الممالك. وفارق المذكوران هلاون، وعاد كل منهما إلى مستقره، إلى أن كان منهما ما سنذكره إن شاء الله تعالى. الأمير كتبغا (¬٢) نوين: نائب هلاون على بلاد الشام، وقد فتح لأستاذه هلاون من أقصى بلاد العجم إلى الشام، وقد أدرك جنكز خان جدّ هلاون. وكان كتبغا نوين هذا يعمل للمسلمين ببلاد خراسان والعراق فى حروبه أشياء لم يسبقه إليها أحد، كان إذا فتح بلدا ساق المقاتلة منه إلى البلد الذى يليه، ويطلب من أهل البلد أن يأوا هؤلاء إليهم، فإن فعلوا حصل مقصوده فى مضيق الأطعمة والأشربة عليهم، فتقصر مدة حصارهم، وإن امتنعوا قاتلهم [٤٥٤] بهؤلاء حتى يفنى هؤلاء، فإن حصل، [يكون (¬٣)] الفتح، وإلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء، ثماستأنف قتالهم بجنده حتى يفتحه، وكان يبعث إلى الحصن يقول لهم: إنّ ماءكم قد قلّ، فافتحوا صلحا قبل أن آخذه قسرا، فيقولون إن الماء عندنا كثير، فيقول: إن كان كثيرا انصرفت عنكم، فيقولون: ابعث من يشرف على ذلك، فيرسل رجالا من جيشه معهم رماح مجوّفة محشوّة سمّا، فإذا دخلوا قاسوا ذلك الماء بتلك الرماح، فيفسح ذلك السمّ ويستقرّ فى الماء، فيكون سبب هلاكهم ولا يشعرون. وكان لعنه الله شيخا كبيرا قد أسنّ، وكان يميل إلى دين النصارى ولكن لا يمكنه الخروج عن حكم جنكز خان من الياساق. وقال الشيخ قطب الدين اليونينى: وقد رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها، وكان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة رقيقة قد ظفّرها مثل الدبّوقة، وتارة يعلقها فى حلقة بأذنه، وكان مهيبا، شديد السطوة. قال: وقد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها، ثم خرج من الباب الغربى، فدخل دكانا خرابا فقضى حاجته، والناس ينظرون إليه وهو مكشوف العورة، ولما فرغ مسحه بعضهم بقطن ملبّد مسحة واحدة. قال: ولما بلغه بروز الملك المظفّر إليه بالعساكر المصريّة تلوّم فى أمره، ثم حملته نفسه الأبيّة على لقائهم، وظنّ أنه ينصر كما كانت عادته، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها، ثم أيّد الله المسلمين وثبّتهم، فحملوا حملة صادقة على التتار، فهزموهم هزيمة لا تنجبر أبدا، وقتل كتبغا نوين فى المعركة وأسر ابنه، وكان شابا حسنا، فأحضر بين يدى المظفر قطز فقال له: أهرب أبوك؟ فقال: إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه بكى وصرخ، فلما تحققهالمظفر قال، هذا كان سعادة التتار، وبقتله ذهب سعدهم، وكذا كان كما قال: لن تفلحوا بعده أبدا. وكان قتله يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، وكان الذى تولى قتله فى المعركة الأمير جمال الدين أقوش الشمسى (¬١). ونوين - بضم النون، وكسر الواو، وسكون الياء آخر الحروف، وفى آخره نون - ومعناه [٤٥٥] أمير عشرة آلاف، وكل اسم من أسماء ملوكهم فى آخره نوين معناه رأس عشرة آلاف، ويسمّى أيضا رأس تومان.
  • full passagepage 321, entry [103]2,694 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد البارع الورع فريد عصره ووحيد دهره أثير الدين بن نجيب بن محمد الكاسانى، أحد الأعيان الحنفية الكبار. وكان إماما فاضلا صاحب تصانيف مفيدة منها كتاب «بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع (¬١)» فى عشر مجلدات، وهو كتاب عظيم مفيد مشهور فى الآفاق، وروى
    ▸ expand full passage (2,694 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد البارع الورع فريد عصره ووحيد دهره أثير الدين بن نجيب بن محمد الكاسانى، أحد الأعيان الحنفية الكبار. وكان إماما فاضلا صاحب تصانيف مفيدة منها كتاب «بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع (¬١)» فى عشر مجلدات، وهو كتاب عظيم مفيد مشهور فى الآفاق، وروى الحديث وغيره عن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبى بكر محمود بن الحسن البلخىّ، وعن الشيخ الإمام شمس الأئمة الكردرى، وكان يروى كتاب «التيسير فى التفسير» للإمام نجم الدين (¬٢) النسفى عن الشيخ الأجل برهان الدين الحسن بن محمد الكاسانى، وهو عن الشيخ الإمام نجم الدين عن المصنف. توفى ليلة الثلاثاء السادس عشر من محرم هذه السنة ببلده كاشغر. ورثاه الإمام العلامة كمال الدين بن أبى المظفر بقوله: فقدنا إماما كان لو نسبته … إلى جميع الورى بالعلم والفضل أشرفا وكان على ما فيه من بشريّة … على كل أسرار الملائك أشرفا ولو سئلوا من ذا الذى ينصر الهدى … ويدعو إليه عيّن الكلّ أشرفا الشيخ تاج الدين أبو عبد الله محمد (¬٣) بن أبى البقاء صالح بن محارب التنوخى المحلى ناظر ثغر الإسكندرية. كان رئيسا فاضلا جليلا، مات فى هذه السنة.الشيخ أبو بكر مفضل بن الشيخ أبى الفتح بن أبى سراقة. مات بمصر فى هذه السنة. الشيخ الخطيب أبو البركات عبد الرحمن (¬١) بن أبى بكر محمد بن عبد القاهر بن موهوب الحموى الشافعى. توفى بحماة ودفن بمدرسته فيها. الجمال أبو عمرو عثمان (¬٢) بن الشيخ أبى الحرم مكى السارعى. كان فاضلا مشهورا بالدين والصلاح، وكان يجلس للوعظ، وله اليد الطولى فى معرفة المواقيت وعمل الساعات، توفى فى هذه السنة بالقاهرة. الشيخ المحدث الحافظ أبو بكر محمد (¬٣) بن أحمد بن سيد [٤٧٨] الناس اليعمرى الأندلسى. وكان أحد حفاظ المحدثين المشهورين وفضلائهم المذكورين، وبه ختم هذا الشأن بالمغرب، توفى فى هذه السنة بمدينة تونس، ﵀. الصاحب صفى الدين أبو إسحاق إبراهيم (¬٤) بن عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن على بن مرزوق العسقلانى الكاتب التاجر، وزّر للملك الكامل. وكان أحد الرؤساء المعروفين بالثروة وسعة ذات اليد، توفى هذه السنة بمصر.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الستين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: المستنصر بالله الذى نصبه السلطان الملك الظاهر قد قتل فى ثالث المحرم فى هذه [السنة (¬١)] على ما نذكره الآن. وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك الظاهر بيبرس البندقدارى. ونائبه بدمشق: الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى. وكان المتغلب على حلب: الأمير شمس الدين أقوش البرلى العزيزى، ثم أخذت منه على ما نذكره الآن. وصاحب بلاد الروم: السلطان ركن الدين قليج أرسلان السلجوقى. وصاحب العراق وكرسيه بغداد، وإقليم خراسان وكرسيه نيسابور، وعراق العجم وكرسيه أصبهان، وأذربيجان وكرسيها تبريز، وخوزستان وكرسيها ششتر، وبلاد فارس وكرسيها شيراز، وديار بكر وكرسيها الموصل: هلاون بن طلو خان ابن جنكز خان، وهذه البلاد كلها تحت يد هلاون وأولاده، وكذلك بلاد الروم تحت يده، ولكنه قرر صاحبها ركن الدين قليج أرسلان وهو فى طاعة هلاون وتحمل إليه الإتاوة.وصاحب البلاد الشمالية وكرسيها صراى: بركة خان صاين بن دوشى خان ابن جنكز خان، وهو أعظم ملوك التتار.
  • full passagepage 334, entry [108]6,457 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الحسن (¬١) بن محمد بن أحمد بن نجا الصوفى، من أهل نصيبين. ونشأ بأربل واشتغل بعلوم كثيرة من علوم الأوائل، وكان يشغل أهل الذمة وغيرهم، ونسب إلى الإنحلال وقلة الدين وترك الصلوات، وكان ذكيا مفرطا، وله شعر رائق، وكان ضريرا، وهذا الضرير شبيه بأبى العلاء المعرى الضرير فى أموره. ا
    ▸ expand full passage (6,457 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الحسن (¬١) بن محمد بن أحمد بن نجا الصوفى، من أهل نصيبين. ونشأ بأربل واشتغل بعلوم كثيرة من علوم الأوائل، وكان يشغل أهل الذمة وغيرهم، ونسب إلى الإنحلال وقلة الدين وترك الصلوات، وكان ذكيا مفرطا، وله شعر رائق، وكان ضريرا، وهذا الضرير شبيه بأبى العلاء المعرى الضرير فى أموره. ابن عبد السلام: الشيخ الإمام العالم العلامة عز الدين عبد العزيز (¬٢) بن عبد السلام ابن أبى القاسم الحسن بن محمد بن المهذب أبو محمد السلمى الدمشقىّ الشافعى. شيخ المذهب، ومفيد أهله، وصاحب المصنفات الحسان منها: التفسير، واختصار النهاية، والقواعد الكبرى والصغار، وكتاب الصلاة، والفوائد الموصلية، وغير ذلك (¬٣). ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع كثيرا، واشتغل على الشيخ فخر الدين بن عساكر، وغيره، وبرع فى المذهب، ودرّس بعدة مدارس بدمشق،وولى خطابتها، ثم انتقل عنها إلى الديار المصرية بسب إنكاره على الصالح إسماعيل تسليمه صفد والشقيف إلى الفرنج وغير ذلك، ووافقه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكى، فأخرجهما من بلده، فسار أبو عمرو بن الحاجب إلى الناصر دواد صاحب الكرك، فأكرمه، وسار عز الدين إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، فأكرمه وولاه قضاء مصر وخطابة الجامع العتيق، ثم انتزعهما منه وأقره على تدريس الصالحية، فلما حضره الموت أوصى بها للقاضى تاج الدين بن بنت [٤٨٥] الأعز. وكانت وفاته فى العاشر من جمادى الأولى من هذه السنة، وقد نيف على الثمانين، ودفن من الغد بسفح جبل المقطم، وحضر جنازته الملك الظاهر وخلق من الأئمة. كمال الدين بن العديم: عمر (¬١) بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد ابن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبى جرادة ابن عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل العقيلى الحلبى الحنفى، كمال الدين أبو القاسم، الأمير الوزير، الرئيس الكبير. ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث، وحدث وتفقه، وأفتى ودرس، وصنف، وكان إماما فى فنون كثيرة، وترسّل إلى الخلفاء والملوكمرارا عديدة، وكان يكتب حسنا طريقة مشهورة، وصنّف لحلب تاريخا مفيدا (¬١) يقرب من أربعين مجلدا، وكان جيد المعروف بالحديث، حسن النظر بالفقراء والصالحين، كثير الإحسان إليهم، وقد أقام بدمشق فى الدولة الناصرية المتأخرة. وكانت وفاته بمصر، ودفن بسفح الجبل المقطّم بعد الشيخ عز الدين بعشرة أيام. وفى تاريخ النويرى: وكان قد قدم إلى مصر لما جفل الناس من التتار، ثم عاد إلى حلب بعد خرابها، فلما نظر إليها ورأى ما فعله التتار بها تأسف وقال فى ذلك قصيدة طويلة، من جملتها هى هذه: هو الدّهر ما تبنيه كفّاك يهدم … وإن رمت إنصافا لديه فيظلم أباد ملوك الأرض كسرى وقيصرا (¬٢) … وأصمت لدى فرسانها منه أسهم وملك بنى العباس زال ولم يدع … لهم أثرا من بعدهم وهم هم وأعتابهم أضحت تداس وعهدها … تباس بأفواه الملوك وتلثم وأفنى بنى أيوب كثر جميعهم (¬٣) … وما منهم إلاّ مليك معظم (¬٤) وعن حلب ما شئت قل من عجائب … أحلّ بها يا صاح إن كنت تعلمغداة أتاها للمنيّة بغتة … من المغل جيش كالسحاب عرمرم أحاطوا كأسراب القطا يربوعها … على سبّق جرّد من الخيل طهّم ومن بعد ست هاجموها وما لهم … من الموت واق لا ولا منه معصم فما دفعت أسوارها عنهم الذى … دهاهم ولا ما شيّدوه ورمّموا [٤٨٦] أتوها كأمواج البحار زواخر … بيض وسمر والقتام مخيّم فلو حلب البيضاء عاينت تربها … وقد عندم الفضّىّ من تربها الدّم وقد سيّرت تلك الجبال وسجرت … بهنّ بحار الموت والجوّ أقتم وقد عطّلت تلك العشار وأذهلت … مراضع عما أرضعت وهى هيّم فيا لك من يوم شديد لغامه … وقد أصبحت فيه المساجد تهدم وقد درست تلك المدارس وارتمت … مصاحفها فوق الثرى وهى تهضم (¬١) وقد جززت تلك الشعور وضمّخت … وجوه بأمواه الدماء وهى تلطم وكلّ مهاة قد أهينت سبيّة … وقد طال ما كانت تعزّ وتكرم تنادى إلى من لا يجيب نداءها … وتشكو إلى من لا يرقّ ويرحم فما غادروا إلا اليسير وقد أتى … الحساب على الباقين بالحرف يقسم وأقوت رسوم كنّ فيها وأقفرت … ربوع بهم كانت تنهر وترسم فأيقنت أن الأرض مادت وأقبلت … بها الصاخّة الكبرى والآن التنقّم فيا حلبا أنّى ربوعك أقفرت … وأعيت جوابا فهى لا تتكلّم وكنت لمن وافاك بالأمس جنّة … فما بال هذا اليوم أنت جهنّمبأىّ جنا منك استحقّيت ذى الذى … أصابك والأعداء فيك تحكّموا وكيف أصابتك الحوادث غرّة … بعين الرّدى والبؤس عنك يترجم أما كنت ملجأ لمن خاف حايرا … وفيك لذى البأساء والضرّ أنعم أما كنت غوثا للوفود ومقصدا … يخافك ذو شرّ ويرجوك معدم أما كنت للداعى إذا ما دعى جدا … وفيك لمن يبغى من البغى مقدم يعزّ على قلبى المعنّى بأنّنى … أرى ربعك المأنوس قفرا ويعظم فأين أحبّائى الذين عهدتهم … بربعك والقطّان فيك مخيّم وأين شموس كنّ بالأمس طلّعا … فأين استقلّوا بالرّكاب ويمّموا فها أنا ذو وجد يحيد بأضلعى … عليك وعيشى فى البلاد يذمّم [٤٨٧] أنوح على أهليك فى كلّ منزل … وأبكى الدّجى شوقا وأسأل عنهم ولكنّما لله فى ذا مشئة … فيفعل فينا ما يشاء ويحكم (¬١) يوسف (¬٢) بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن جعفر بن سليمان بن محمد الفافا الزينبى بن إبراهيم بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، محيى الدين أبو العز، ويقال أبو المحاسن الهاشمى العباسى الموصلى، المعروف بابن زبلاق الشاعر. قتلته التتار لما فتحوا الموصل فى هذه السنة، عن سبع وخمسين سنة، فمن شعره قوله فى بعض قصيدة من ديوانه:بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى … سهادا يذود الجفن أن يألف الوسنا (¬١) وأبصر جسمى حسن خصرك ناحلا … فحاكاه لكن زاد فى دقّة المعنى وأبرزت وجها أخجل الشمس (¬٢) … طالعا [ومالت بقد علم الهيف الغصنا (¬٣)] حكيت أخاك البدر فى حال تمه (¬٤) … سنا وسناء اذ تشابهتما سنا البدر المراغى (¬٥) الخلافى، المعروف بالطويل، مات فى ثانى عشر جمادى الآخرة من هذه السنة. وقال أبو شامة: كان قليل الدين، تاركا للصلاة، مغتبطا بما كان فيه من معرفة الجدال والخلاف على طريقة إصطلاح المتأخرين (¬٦). محمد (¬٧) بن داود بن ياقوت الصارمى المحدث. كتب كثيرا، وكان دينا خيرا، يعير كتابه، ويداوم على الاشتغال بسماع الحديث، مات فى هذه السنة.الشيخ المحدث أبو الحسن عبد الوهاب (¬١) بن الشيخ أبى البركات الحسن المعروف بابن عساكر، حدث بدمشق ومصر وغيرهما، وتولى مشيخة دار الحديث النورية وغيرها بدمشق، توفى فى هذه السنة بمكة ﵀. الأمير سيف الدين بلبان (¬٢) المعروف بالزردكاش، الذى كان استنابه طيبرس موضعه بدار العدل على دمشق لما سافر إلى حصار أنطاكية. مات فى ثامن ذى الحجة من هذه السنة، وكان دينا خيرا يحب العدل والصلاح.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الحادية والستين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وفى اليوم الثانى منها عقد للخليفة الحاكم بأمر الله عوضا عن المستنصر بالله الذى قتله التتار، كذا قال بيبرس فى تاريخه. وقال ابن كثير فى تاريخه: وفى يوم الخميس [٤٨٨] ثانى (¬١) المحرم من هذه السنة بويع له بالخلافة (¬٢). وقال المؤيد فى تاريخه: وفى يوم الخميس فى أواخر ذى الحجة فى هذه السنة أعنى سنة ستين وستمائة جلس الملك الظاهر وبايع له بالخلافة (¬٣). وقال أبو شامة: ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمائة وسلطان الديار المصرية والشامية الملك الظاهر بيبرس الصالحى المعروف بالبندقدارى، ولا خليفة للناس يذكر بل السكة تضرب باسم المستنصر بالله على ما كان الأمر عليه، والنائب بدمشق عن السلطان جمال الدين أقوش النجيبى، وقاضيها شمس الدين ابن خلكان (¬٤).وفيها: فى يوم الجمعة سادس عشر محرم خطب بجامع دمشق وسائر الجوامع للخليفة الحاكم أبى العباس أحمد، بويع له بقلعة القاهرة ومصر فى ثامن المحرم من السنة المذكورة (¬١). فنحن نبين ذلك مفصلا فنقول:
  • full passagepage 363, entry [123]6,472 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عبد (¬١) الرزاق بن رزق الله بن أبى بكر بن خلف عز الدين أبو محمد الرسعنى (¬٢) المحدث المفسر. سمع الكثير وحدث، وكان من الفضلاء الأدباء، له مكانة عند بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وكذلك عند صاحب سنجار، وبها توفى ليلة الجمعة الثانى عشر من ربيع الآخر، وقد جاوز السبعين. ومن شعره:
    ▸ expand full passage (6,472 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عبد (¬١) الرزاق بن رزق الله بن أبى بكر بن خلف عز الدين أبو محمد الرسعنى (¬٢) المحدث المفسر. سمع الكثير وحدث، وكان من الفضلاء الأدباء، له مكانة عند بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وكذلك عند صاحب سنجار، وبها توفى ليلة الجمعة الثانى عشر من ربيع الآخر، وقد جاوز السبعين. ومن شعره: نعب الغراب فدّلنا نعيبه (¬٣) … إن الحبيب دنا أوان مغيبه يا سائلى عن طيب عيشى بعدهم … جد لى بعيش ثم سل عن طيبه محمد (¬٤) بن أحمد بن عنتر السلمىّ الدمشقى محتسبها، وكان من عدولها وأعيانها، وله بها أملاك وثروة وأوقاف، توفى بالقاهرة، ودفن بسفح جبل المقطم.علم الدين أبو محمد القاسم (¬١) بن أحمد بن الموفق بن جعفر المرسى اللورقى (¬٢) اللغوى النحوى المقرئ. شرح الشاطبية شرحا مختصرا، وشرح المفصل فى عدّة مجلدات، وشرح الجزولية، وقد اجتمع بمصنفها وسأله عن بعض مسائلها، وكان ذا فنون متعددة، حسن الشكل، مليح الوجه، له هيئة حسنة وبزة وجمال، وقد سمع الكندى وغيره. توفى فى سابع رجب من هذه السنة، ودفن من الغد فى مقابر توما بدمشق، قريبا من قبر الشيخ رسلان [٤٩٩] وكان معمرا. واللّورقى نسبة إلى لورقة بليدة من أعمال مرسية. الشيخ أبو بكر (¬٣) الدينورى أحد الصلحاء، تلميذ الشيخ عز الدين الدينورى. وهو بانى الزاوية بالصالحية بدمشق، وكانت له فيها جماعة مريدون يذكرون بأصوات حسنة طيبة، توفى فى هذه السنة. الشيخ الإمام كمال الدين أبو الحسن على (¬٤) بن أبى الفوارس شجاع بن العباس ابن عبد المطلب القرشى الهاشمى المصرى المقرئ، الشافعى الضرير.وكان قد تصدر بمصر والقاهرة لإقراء القرآن الكريم، وانتفع الناس به انتفاعا كثيرا، وإليه انتهت رئاسة الإقراء بالديار المصرية، توفى فيها بالقاهرة ﵀. الشريف أبو العباس أحمد بن الصقلى، وكان شاعرا خليعا، توفى فى هذه السنة. الأمير مجير الدين (¬١) بن خوشتر بن الكردى. كان من أمراء مصر، وحضر كسرة التتار بعين الجالوت مع الملك المظفر قطز، وغزا يومئذ حتى فتح الله على المسلمين. مات بدمشق فى التاسع والعشرين من شعبان منها، ودفن بالجبل، وأبوه الأمير حسام الدين، مات محبوسا مع عماد الدين بن المشطوب فى البلاد الشرقيّة التى للأشرف. وقال ابن كثير: الأمير مجير الدين أبو الهيجاء عيسى (¬٢) بن خوشتر بن الأزكثى الكردى. كان من أعيان الأمراء الكبار (¬٣) وشجعانهم، وله يوم عين جالوت اليد البيضاء، ولما دخل الملك المظفر قطز إلى دمشق بعد الوقعة جعله مع الأمير علم الدين الحلبى- نائب البلد - مستشارا، ومشاركا (¬١) فى الرأى والتدبير والمراسيم، وكان يجلس معه فى دار العدل، وله الأقطاع الكامل والرزق الواسع. وقال ابن كثير أيضا: وولده الأمير عز الدين تولى ولاية دمشق مدة، وكان مشكور السيرة، وإليه ينسب درب ابن سنون بالصاغة العتيقة، فيقال له: درب بن أبى الهيجاء، لأنه كان به سكنه، وكان يعمل الولاية فيه، فيعرف به: وبعد موته بقليل كان نزولنا حين قدمنا من حوران به، فختمت فيه القرآن العظيم (¬٢). الملك المغيث فتح الدين الدين عمر (¬٣) بن الملك العادل الصغير أبى بكر بن الملك العادل الكبير أبى بكر بن أيوب بن [٥٠٠] شادى صاحب الكرك. قتل فى هذه السنة، وسببه أنه كان فى قلب الملك الظاهر منه غيظ عظيم لأمور كانت بينهما. قيل: إن المغيث المذكور أكره امرأة الملك الظاهر بيبرس، لما قبض المغيث على البحرية وأرسلهم إلى الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، وهرب الملك الظاهر بيبرس المذكور، وبقيت امرأته فى الكرك. وكان من حديث مقتله أن الملك الظاهر مازال يجتهد على حضوره، وحلف لوالدته على غزّة كما ذكرنا، وكان عند المغيث شخص يسمى الأمجد، وكانيبعثه فى الرسلية إلى الملك الظاهر، فكان الظاهر يبالغ فى إكرامه وتقريبه، فاغتر الأمجد بذلك، وما زال على مخدومه الملك المغيث حتى أحضره إلى الملك الظاهر (¬١). وقال المؤيد فى تاريخه: حكى لى شرف الدين بن مزهر، ناظر خزانة المغيث، قال: لما عزم المغيث على التوجه إلى خدمة الملك الظاهر، لم يكن قد بقى فى خزانته شئ من القماش ولا المال، وكانت لوالدته حواصل بالبلاد، فبعناها بأربعة وعشرين ألف درهم، واشترينا بإثنى عشر ألفا خلعا من دمشق، وجعلنا فى صناديق الخزانة الإثنى عشر الألف الأخرى، ونزل المغيث من الكرك، وأنا والأمجد وجماعة من أصحابه معه فى خدمته. قال: وشرعت البريدية تصل إلى المغيث فى كل يوم بمكاتبات الملك الظاهر، ويرسل صحبتهم غزلانا ونحوها، والمغيث يخلع عليهم حتى نفذ ما كان بالخزانة من الخلع. ومن جملة ما كتب إليه فى بعض المكاتبات، أن المملوك ينشد فى قدوم مولانا: خليلىّ هل أبصرتما أو سمعتما … بأكرم من مولى تمشّى إلى عبد قال: وكان الخوف فى قلب المغيث شديدا من الملك الظاهر، قال ابن مزهر المذكور: ففاتحنى فى شئ من ذلك بالليل، فقلت له: احلف لى أنك ما تقول للأمجد ما أقوله لك حتى أنصحك، فحلف لى، فقلت له: أخرجالساعة من تحت (¬١) الخام، واركب حجرتك (¬٢) النحيلة، ولا يصبح لك الصباح إلا وأنت قد وصلت إلى الكرك، فتعصى فيه، وما تفكر بأحد. قال ابن مزهر: فغافلنى وتحدّث مع الأمجد فى شئ من ذلك، فقال له الأمجد: هذا رأى ابن مزهر، إياك من ذلك، وسار المغيث. حتى وصل إلى بيسان، فلقى الظاهر كما ذكرناه، فقبض عليه وأرسله [٥٠١] على الفور معتقلا إلى مصر، وكان آخر العهد به. قيل: إنه حمل إلى امرأة الملك الظاهر بيبرس بقلعة الجبل، فأمرت جواريها فقتلته بالقباقيب، ثم قبض الملك الظاهر على جميع أصحاب المغيث ومن جملتهم ابن مزهر المذكور، ثم بعد ذلك أفرج عنهم. وقال المؤيد: ولما قبض الظاهر على المغيث أحضر الفقهاء والقضاة وأوقفهم على مكاتبات من التتار إلى المغيث أجوبة عما كتب إليهم به فى أطماعهم فى ملك مصر والشام، وكتب بذلك مشروح، وأثبت على الحكام (¬٣). الملك الأشرف موسى (¬٤) بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شير كوه ابن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شير كوه بن شادى بن مروان صاحب حمص.مات فى هذه السنة بعد عوده من خدمة السلطان الملك الظاهر بيبرس إلى حمص بمرض اشتدّ به، فتوفى وأرسل الملك الظاهر فتسلّم حمص فى ذى القعدة من هذه السنة. وهذا الملك الأشرف هو آخر الملوك الذين ملكوا حمص من بيت شيركوه. وكان من ملك منهم حمص خمس ملوك أولهم أسد الدين بن شيركوه ابن شادى، ملكه إياها نور الدين الشهيد ﵀، ثم ملكها من بعد أولاده المذكورون واحدا بعد واحد، فآخرهم موسى المذكور، وانقرض بموته ملكهم حمص (¬١). وذكر ابن كثير وفاة الملك الأشرف المذكور فى سنة اثنتين وستين وستمائة، قال: وكان من الكرماء الموصوفين، والكبراء الدماشقة المترفين، فيعتنى بالمأكل والمشارب والملابس والمراكب، وقضاء الشهوات والمآرب، وكثرة التنعمّ بالمغانى والحبايب، ولما توفى وجد له حواصل من الجواهر النفيسة، والأموال الكثيرة، وعاد ملكه إلى الدولة الظاهرية (¬٢)، واستناب ببلاده من المماليك البحرية. قال أبو شامة: وقبله بقليل توفى الزين خضر (¬٣) المعروف بالمسخرة، وكان من ندماء الأشرف موسى بن العادل (¬٤).فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثانية والستين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العباسى، وهو مقيم بالقاهرة. وسلطان البلاد المصرية والشامية: هو الملك الظاهر بيبرس البندقدارى الصالحى؛ وقاضى القضاة [٥٠٢] بها تاج الدين بن بنت الأعز، ونائبه بدمشق: الأمير جمال الدين أقوش النجيبى، وقاضى القضاة بدمشق شمس الدين بن خلكان. ونائبه بحلب: الأمير نور الدين على الهكّارى. وصاحب البلاد الرومية: السلطان ركن الدين قليج أرسلان السلجوقى. وصاحب العراقين وخراسان وغيرها: هلاون بن طلو خان بن جنكز خان. وصاحب البلاد الشمالية: بركة خان. وصاحب بلاد الغرب: أبو يوسف يعقوب المرينى. وصاحب مكة: الشريف نجم الدين بن أبى نمى الحسنى. وصاحب المدينة: عز الدين جماز بن سالم الحسينى. وصاحب اليمن: الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر.
  • full passagepage 385, entry [129]4,846 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان القاضى الخطيب عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم (¬١) بن قاضى القضاة جمال الدين عبد الصمد بن محمد الحرستانى. كان خطيبا بدمشق وناب فى الحكم عن أبيه فى الدولة العادلية، ثم عن ابن خليل الحوىّ، ثم استقل بقضاء القضاة بدمشق فى الدولة الأشرفية، ثم كان خطيب دمشق، ومدرس الغزالية (¬
    ▸ expand full passage (4,846 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان القاضى الخطيب عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم (¬١) بن قاضى القضاة جمال الدين عبد الصمد بن محمد الحرستانى. كان خطيبا بدمشق وناب فى الحكم عن أبيه فى الدولة العادلية، ثم عن ابن خليل الحوىّ، ثم استقل بقضاء القضاة بدمشق فى الدولة الأشرفية، ثم كان خطيب دمشق، ومدرس الغزالية (¬٢)، وشيخ دار الحديث الأشرفية، بعد ابن الصلاح إلى أن توفى بدار الخطابة فى التاسع والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن عبد الكريم (¬٣) بسفح جبل قاسيون وقد جاوز الثمانين بخمس سنين. وتولى بعده الخطابة والغزالية ولده مجير الدين (¬٤)، وباشر بعده مشيخة دار الحديث الشيخ شهاب الدين أبو شامة، ﵀. محيى الدين محمد (¬٥) بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة، الحافظ المحدث الأنصارى الشاطبى أبو بكر المغربى.عالم فاضل ديّن، وأقام بحلب مدة، ثم اجتاز بدمشق قاصدا الديار المصرية، وقد ولى دار الحديث الكاملية بعد زكى الدين عبد العظيم المنذرى، وقد كان له سماع جيد ببغداد وغيرها من البلاد، وقد جاوز السبعين، مات فى هذه السنة بالقاهرة. القبارى الشيخ الصالح محمد (¬١) بن منصور بن يحيى القبارى الأسكندرانى. كان يكون مقيما بغيط يقتات من ثماره وزرعه، ويتورع فى تحصيل نذره. قال أبو شامة: بلغنى أنه كان إذا رأى ثمرة ساقطة فيه تحت [٥١٢] أشجاره ولا يشاهد سقوطها من شجره يتورع من أكلها، خوفا أن يكون من شجر غيره قد حملها طائر فسقطت منه فى غيطه (¬٢). وكانت وفاته فى السادس من شعبان منها بالإسكندرية، وله خمس وستون سنة، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويردع الولاة من الظلم، فيسمعون منه ويطيعونه، وإذا جاء الناس إلى زيارته يكلمهم من طاقة المنزل وهم راضون منه بذلك. ولما توجه الملك الظاهر إلى الإسكندرية فى العام الماضى، قصد زيارته، فركب إلى بستانه، فلم يفتح له الباب، ولما توفى دفن فى بستانه بوصية منه. وقال ابن كثير: وغريب ما حكى عنه أنه باع دابة له من رجل (¬٣)، فلما كانبعد أيام جاء الرجل فقال: يا سيدى إن الدابة [التى اشتريتها منك (¬١)] لا تأكل عندى شيئا، فنظر إليه الشيخ فقال: ما تعانى من الصنائع (¬٢)؟ فقال: رقاص عند الوالى. فقال: إنّ دابتنا لا تأكل الحرام، ودخل منزله فأعطاه دراهمه ومعهما دراهم كثيرة قد اختلطت بها أيضا معها، فاشترى الناس من الرقاص كل درهم بثلاثة دراهم لأجل البركة، [وأخذ دابته (¬٣)] وترك من الأثاث (¬٤) ما يساوى خمسين درهما فأبيع بمبلغ عشرين ألفا (¬٥)، ﵀. محيى الدين عبد الله (¬٦) بن صفى الدين إبراهيم بن مرزوق، توفى فى الثامن والعشرين من رمضان منها بداره بدمشق المجاورة للمدرسة النورية. وقال ابن كثير: داره هى التى جعلت مدرسة للشافعية، وقفها الأمير جمال الدين أقوش النجيبى وبها إقامتنا، وقد كان أبوه صفىّ الدين وزر مدة للملك الأشرف، وملك من الذهب ستمائة ألف دينار خارجا عن الأملاك والأثاث والبضائع، وكانت وفاة أبيه بمصر فى سنة تسع وخمسين، ودفن بتربة عند جبل المقطم (¬٧).القاضى أبو البقاء صالح (¬١) بن أبى بكر بن سلامة المقدسى الفقيه الشافعى الحاكم بمدينة حمص. وكان حسن الطريقة محمود السيرة، توفى فى هذه السنة بحمص. القاضى زين الدين أبو الفتح محمد بن (¬٢) القاضى الموفق بن أبى الفرج الإسكندرانى. وهو من رؤساء بلده المشهورين، [٥١٣] وتولى القضاء والخطابة بها مدة، وتوفى فى الإسكندرية فى هذه السنة. كمال الدين أحمد (¬٣) بن القاضى زين الدين بن الأستاذ. كان تولى قضاء حلب بعد أبيه، فبقى على ذلك إلى أن أخذ التتار حلب، فنكب مع من نكب، وجاء مع أهله إلى دمشق، وخرج إلى مصر فبقى فيها إلى هذه السنة، فرجع إلى حلب فتوفى بها فى خامس عشر شوال، وكان فاضلا وابن فاضل، وجده من الصالحين، وجمع كتابا فى شرح الوسيط كان تعب فيه أبوه من قبل.سليمان (¬١) بن المؤيد بن عامر العقربانى المعروف بابن الزين الحافظى. قتله هلاون فى هذه السنة، وقتل معه جميع أولاده وأهل بيته وأقاربه، وقال له هلاون قبل قتله: ثبتت خيانتك عندى، خدمت صاحب بعلبك طبيبا فخنته، واتققت مع غلمانه على قتله، ثم خدمت الملك الحافظ فباطنت عليه الملك الناصر صاحب الشام حتى أخرجته من قلعة جعبر، ثم خدمت الملك الناصر فخنته معى حتى أخرجت ديارة، ثم خدمتنا فشرعت تباطن صاحب مصر علينا، فأنت تشبه القرعة على وجه الماء كيف ما ضربها الهوى مالت معه. وقال ابن كثير: وقد كان هذا المغتر لما قدم التتار سنة هلاون (¬٢) مالأ على المسلمين [وآذاهم (¬٣)] ودل على عوراتهم، ثم لما عادت الدولة الإسلامية صار إلى التتار، فكان عندهم حتى سلطهم الله عليه فأهلكوه: من أعان ظالما سلطه الله عليه (¬٤). الأمير حسام الدين (¬٥) الجوكندار العزيزى، من غلمان العزيز بن الظاهر بن السلطان صلاح الدين. وكانت له يد طولى فى كسر التتار على حمص، وقتل مقدمهم بيدرا، وكان تولى نيابة حلب، مات فى تاسع عشر المحرم من هذه السنة.الشمس الوتار الموصلى (¬١). كان قد حصل شيئا من علم الأدب وخطب بجامع المزة مدة. قال أبو شامة: أنشدنى لنفسه فى الشيب والخضاب: وكنت وإياها مذ اختط عارضى … كروحين (¬٢) فى جسم وما نقضت عهدا فلما أتانى الشيب يقطع بيننا … توهمته سيفا فألبسته غمدا (¬٣)فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثالثة والستين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: هو الحاكم بأمر الله، وهو مقيم بالقاهرة. وسلطان الديار المصرية والشامية: الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وتوجه الظاهر إلى أعراس والعباسة للصيد، ثم عاد إلى قلعة الجبل، وكان سبب عوده وصول الأخبار إليه بأن مقدّما من مقدّمى التتار يسمّى درباى قد قصد البيرة بتمان من التتار وشرع فى المنازلة والحصار، فأسرع العود إلى القلعة، وجرّد الأمير عز الدين يوغان (¬١) الملقّب سم الموت بمقدمة العساكر، ومن جرّد معه من الجند المتوجهين جرائد، فتوجهوا فى رابع ربيع الأول من هذه السنة، ثم جرد السلطان.
  • full passagepage 407, entry [137]1,636 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ زين الدين خالد (¬١) بن يوسف بن سعد الحافظ النابلسى شيخ دار [٥٢١] الحديث النورية بدمشق. كان عالما بصناعة الحديث، حافظا لأسماء الرجال، اشتغل عليه فى ذلك الشيخ محيى الدين النووى وغيره، وكان فيه خير وصلاح، توفى فى هذه السنة، ودفن بمقابر الباب الصغير، وتولى بعده مشيخة ال
    ▸ expand full passage (1,636 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ زين الدين خالد (¬١) بن يوسف بن سعد الحافظ النابلسى شيخ دار [٥٢١] الحديث النورية بدمشق. كان عالما بصناعة الحديث، حافظا لأسماء الرجال، اشتغل عليه فى ذلك الشيخ محيى الدين النووى وغيره، وكان فيه خير وصلاح، توفى فى هذه السنة، ودفن بمقابر الباب الصغير، وتولى بعده مشيخة النورية الشيخ تاج الدين الفزارى. قاضى القضاة بدر الدين يوسف (¬٢) بن حسن بن على الكردى السنجارى، باشر قضاء القضاة بالديار المصرية مرارا. قال أبو شامة: كانت له سيرة معرفة من أخذ الرشا من قضاة الأطراف والشهود والمتحاكمين، إلا أنه كان كريما جوادا، وحصل له ولأتباعه بآخره تشتت ومصادرات (¬٣).مات فى الرابع عشر من رجب من هذه السنة، ودفن بتربته بالقرافة، وكان تقدم عند الملوك، وتولى الوزارة أياما قلائل، ودرس بالمدرسة الصالحية بالقاهرة بالطائفة الشافعية، وسمع وحدث. الشيخ أبو القاسم الحوارى يوسف (¬١) بن أبى القاسم بن عبد السلام الأموى، الشيخ المشهور صاحب الزاوية بحوارى، توفى ببلده. وكان خيرا صالحا، له أتباع وأصحاب يحبونه، وله مريدون فى كثير من قرى (¬٢) حوران، وهم حنابلة لا يرون الضرب بالدف؛ بل بالكف، وهم أمثل من غيرهم (¬٣). الحافظ أبو بكر محمد (¬٤) بن أبى أحمد يوسف بن موسى المهلبى الأندلسى. وكان فاضلا حسن المعروفة برواية الحديث، توفى فى هذه السنة بمكة. القاضى أبو يعلى حمزة (¬٥) البهرانى الشافعى الحموى. كان قاضيا بحماة توفى بها فيها. الأمير جمال الدين أبو الفتح موسى (¬٦) بن يغمر بن جلدك بن بلهان بن عبد الله.مات فى مستهل شعبان بالقصير (¬١) من أعمال الفاقوسية (¬٢) بين الغرابى والصالحية، وحمل إلى تربة والده بسفح المقطم، فدفن بها فى رابع الشهر المذكور. ومولده فى جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالغزية، قرية بالقرب من سمهود من أعمال قوص. وكان أحد الأمراء المشهورين والرؤساء المذكورين، موصوفا بالكرم والمعرفة، معروفا بالرأى والتقدمة.
  • full passagepage 426, entry [153]3,783 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المعمّر أبو بكر بن إبراهيم الشيبانى البغدادى الصوفى بخانقاه سعيد السّعداء. مات فى ليلة الثانى عشر من ذى القعدة بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم. ذكر أنه ولد فى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكان شيخا صالحا وصوفيا حسنا من أكابرهم المعروفين، كتب عنه. الشيخ بهاء الدين اب
    ▸ expand full passage (3,783 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المعمّر أبو بكر بن إبراهيم الشيبانى البغدادى الصوفى بخانقاه سعيد السّعداء. مات فى ليلة الثانى عشر من ذى القعدة بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم. ذكر أنه ولد فى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكان شيخا صالحا وصوفيا حسنا من أكابرهم المعروفين، كتب عنه. الشيخ بهاء الدين ابو المواهب الحسن (¬١) بن عبد الوهاب بن الشيخ أبى الغنائم سالم بن الشيخ أبى المواهب الحسن بن هبة الله بن [٥٣١] محفوظ بن الحسن ابن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى الثعلبى الدمشقى. مات فى الرابع من صفر من هذه السنة بدمشق، ومولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة تخمينا، سمع من الكندى وغيره، وحدث بدمشق والقاهرة. الشريف النقيب أبو الحسن (¬٢) على بن الحسين بن محمد بن الحسين بن زيد بن الحسن بن محمد بن ظفر الحسينى الأرموى الأصل المصرى المولد والدار.مات فى ليلة الحادى والعشرين من صفر منها بالقاهرة، وتولى نقابة الأشراف بمصر مدة، ومولده سنة ثلاث وستمائة بمصر سمع من شيخ الشيوخ أبى الحسن على بن عمر بن حمويه وحدث. الشيخ المعمر أبو على بن منصور بن ذبيان بن طلائع الإسكندرانى المالكى. مات فى السادس من شهر ربيع الأول بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم، وقد نيف على المائة، كتب عنه. الشيخ الصالح أبو الحجاج يوسف (¬١) بن صالح بن صارم بن مخلوف الأنصارى الخزرحى القوصى المنعوت بالنور. مات فى العشر الأوسط من شهر ربيع الأول بمدينة قوص من صعيد مصر الأعلى، فى عوده من الحج، سمع وحدث، وكان شيخا صالحا حسن الطريقة، ومولده فى الخامس والعشرين من ذى الحجة سنة سبع (¬٢) وتسعين وخمسمائة. الشيخ الأصيل أبو عبد الله محمد (¬٣) بن الشيخ أبى الطاهر منصور بن الخضرمى الصقلى الأصل الأسكندرانى المولد والدار، المالكى العدل بالإسكندرية. مات بالأسكندرية فى العشرين من جمادى الأولى، وهو من بيت الحديث، حدث هو وأبوه وجده، وجد أبيه، وجد جده خمسة منهم على نسق. الأمير شهاب الدين أبو الجود جلدك بن عبد الله الرومى الفائزى.مات فى السابع عشر من شوال منها بالقاهرة، ودفن بالقرافة، وتولى عدة ولايات، وقال الشعر الحسن، وحدث بشئ من شعره. الأمير جمال الدين أيدغدى (¬١) بن عبد الله العزيزى. كان من أكابر الأمراء وأحظاهم عند السلطان الملك الظاهر بيبرس، لا يكاد يخرج عن رأيه، وهو الذى [٥٣٢] أشار عليه بولاية القضاء من كل مذهب على سبيل الاستقلال. وكان ﵀ متواضعا، لا يلبس محرما، كريما، وقورا، رئيسا، معظما فى الدول، أصابته جراحة فى حصار صفد، ولم يزل ضعيفا منها حتى مات ليلة عرفة، ودفن بالرباط الناصرى بسفح جبل قاسيون، وكان سمع وحدث.فصل فيما وقع من الحوادث في السّنة الخامسة والسّتين بعد السّتّمائة (¬*) استهلت هذه السّنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة: الملك الظاهر، ونائبه بدمشق: الأمير جمال الدين أقوش (¬١) النجيبى، وبحلب: نور الدين على (¬٢) الهكّارى، وبحماة: الملك المنصور (¬٣). وكان أول السنة يوم الأحد (¬٤)، وفي اليوم الثانى خرج السلطان من دمشق إلى مصر، وقد ذكرنا أنه أرسل العساكر بين يديه إلى غزة، وعدل هو إلىناحية الكرك (¬١) لينظر في أحوالها، ولما وصل إلى القاهرة واستقرّ ركابه فيها نظر في أمور الناس. ثم في ثامن عشر ربيع (¬٢) الأول نزل السلطان إلى الجامع الأزهر وصلى فيه الجمعة، ولم تكن تقام فيه الجمعة من زمن العبيديين (¬٣) إلى هذا الحين، وهو أول مسجد وضع بالقاهرة، بناه جوهر القائد، وكان تقام فيه الجمعة إلى أن بنى الحاكم جامعه فحول إليه الجمعة وترك الأزهر (¬٤)، فأمر السلطان بعمارته وبياضه وإقامة الخطبة فيه، وكان فراغ جوهر القائد من بنائه فى سنة إحدى وستين وثلاثمائة فى خلافة المعز بن المنصور بعد بناء القاهرة بثلاث سنين، ويقال إن به طلسما لا يسكنه عصفور ولا يفرخ به، واستمرت إقامة الجمعة فيه إلى يومنا هذا. وقال بيبرس في تاريخه (¬٥): وقد كانت انقطت الخطبة فيه مدة تناهز مائة سنة، فأراد الله إعادتها للإمام الحاكم والملك الظاهر.ثم وصل الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة السلطان بالديار المصريّة، ثم طلب منه الدستور (¬١) بأن يتوجه إلى الإسكندرية ليتفرج فيها، فرسم له بذلك، وأمر لأهل الإسكندريّة بإكرامه واحترامه، وفرش الشقق (¬٢) بين يدى فرسه، فتوجه إليها وتفرج، ثم عاد إلى الديار المصريّة مكرّما محترما، ثم خلع عليه السلطان وأحسن إليه على جارى عادته، ورسم له بالعود [٥٣٣] إلى بلده، فعاد. وقال بيبرس: وتوجّه الملك المنصور إلى العباسة (¬٣) أيضا صحبة السلطان للصيد، وعاد صحبته، ثم سافر إلى محلّ ولايته.
  • full passagepage 464, entry [159]4,328 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة بالديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب (¬١) بن خلف بن بدر العلامى المصرى، الفقيه الشافعى المعروف بابن بنت الأعز. تفقه على مذهب الشافعى، وسمع وحدّث، ووزّر لغير واحد من الملوك وتقدّم عندهم، وكان ديّنا عفيفا نزها، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يقبل [٥٣٥] شفاعة أح
    ▸ expand full passage (4,328 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة بالديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب (¬١) بن خلف بن بدر العلامى المصرى، الفقيه الشافعى المعروف بابن بنت الأعز. تفقه على مذهب الشافعى، وسمع وحدّث، ووزّر لغير واحد من الملوك وتقدّم عندهم، وكان ديّنا عفيفا نزها، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يقبل [٥٣٥] شفاعة أحد، وجمع له قضاء الديار المصريّة بكمالها، والخطابة، والحسبة، ومشيخة الشيوخ، ونظر الأحباس (¬٢)، وتدريس الشافعىّ، والصالحيّة (¬٣)، وإمامة الجامع، وكان بيده خمس عشرة وظيفة، وباشر الوزارة في بعض الأوقات، وكان السلطان يعظمه، والوزير ابن الحنّا (¬٤) يخاف منه كثيرا وكان يحبّ أن ينكبه عند السلطان فلا يستطيع ذلك.وكان مولده في سنة أربع وستمائة، وتوفى في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب من هذه السنة بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، وكانت جنازته مشهودة، وتولى بعده القضاء تقى الدين بن رزين (¬١). أبو شامة، الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن (¬٢) بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان ابن أبي بكر بن عباس، أبو محمد وأبو القاسم، المقدسىّ، الشيخ الصالح الإمام العلامة الحافظ المحدث المقرئ، الفقيه الشافعى المعروف بأبي شامة. شيخ دار الحديث الأشرفية (¬٣)، وتدريس الركنية، وصاحب المصنفات المفيدة منها: مختصر تاريخ دمشق، وشرح الشاطبيّة، وكتاب البعث والإسراء، وكتاب الروضتين في الدولتين النورية والصلاحية، وله الذيل على ذلك، وغير ذلك. ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وتفقه على الفخر بن عساكر (¬٤)، وابن عبد السّلام (¬٥)، والشيخ سيف الدين الآمدى (¬٦)،والشيخ موفق الدين بن قدامة (¬١)، وكان يقال إنه بلغ رتبة الاجتهاد، وقد كان ينظم أشعارا، وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في تفننه وديانته وثقته وأمانته، وكان قرأ القرآن بالقراءات على الشيخ علم الدين السخاوى (¬٢) وصحبه مدة، وقرأ عليه العربيّة، وتفقه على الشيخ تقى الدين بن الصلاح (¬٣)، وقد كانت وفاته بسبب جماعة ألبوا عليه، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان (¬٤)، وكان قد اتهم بأمر، الظاهر براءته منه. وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم: إنه كان مظلوما، ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى رجب من هذه السنة، فذكر [٥٣٦] أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان، وكان الذين قتلوه جاؤوه قبل ذلك فضربوه ليموت فلم يمت، فقيل له: ألا تشتكى؟ فلم يفعل، وأنشأ يقول: قلت لمن قال ألا تشتكى … ما قد جرى فهو عظيم جليل فقيّض (¬٥) … الله تعالى لنا من يأخذ الحقّ ويشفى الغليل إذا توكلنا عليه كفى … فحسبنا الله ونعم الوكيلوكانهم عادوا إليه مرة ثانية وهو في منزله المذكور، فقتلوه في ليلة الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان منها، ودفن من يومه بمقابر باب الفراديس، وباشر بعده مشيخة الحديث الأشرفية الشيخ محيي النورى (¬١)، ﵀. الشيخ الأصيل أبو يوسف يعقوب بن أبي البركات عبد الرحمن بن القاضى أبي سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن على بن المطهر بن أبي عصرون التميمى الشافعى، المنعوت بالسعد. أجاز له جماعة منهم: الحافظ بن الجوزى (¬٢)، ودرس بالمدرسة القطبيّة (¬٣) بالقاهرة مدة، وهو من ذوى البيوتات المشهورة بالفقه والحديث والتقدّم، مات في الثالث والعشرين من شهر رمضان بالمحلة. الأمير الكبير ناصر الدين أبو المعالى الحسّين (¬٤) بن أبى الفوارس القيمرىّ الكردىّ.كان من أعظم الأمراء وأرفعهم منزلة عند الملوك، وهو الذى سلم الشام إلى الملك الناصر يوسف صاحب حلب حين قتل توران شاه بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب بمصر، وهو واقف المدرسة القيمريّة (¬١) عند مئذنة فيروز، وعمل على بابها سامات لم يسبق إلى مثلها ولا عمل على شكلها، فيقال: إنه غرم عليها أربعين ألف درهم، مات يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول من هذه السنة، وكان موته بالساحل. بركة خان (¬٢) بن صاين خان بن دوشى خان بن جنكز خان، ملك التتار ببلاد الشمال، وهو ابن عم هلاون خان. وكان قد دخل فى بلاد الإسلام كما ذكرناه، وكان بينه وبين السلطان الملك الظاهر صحبة ومودّة، وكان لا يقطع مكاتبته [٥٣٧] ولا مراسلته من الظاهر، وقد وقع بينه وبين هلاون من الحروب ما ذكرناه، وكان يحبّ العلماء والصالحين، ومن أكبر حسناته كسره لهلاون وتفريقه جنوده، وكان أعظم ملوك التتار، وكرسىّ مملكته مدينة صراى، توفى فى هذه السنة ولم يكن له ولد ذكر، فاستقرّ عوضه ابن أخيه منكوتمر (¬٣) بن طوغان بن دوشى خان بن جنكز خان، وجلس علىكرسىّ صراى (¬١)، وصارت إليه مملكته التتار ببلاد الشمال والترك والقفجاق وباب الحديد وما يليه، ثم وقعت بينه وبين أبغا (¬٢) بن هلاون حروب كثيرة، فكسره أبغا وغنم منه شيئا كثيرا، وعاد أبغا إلى بلاده، والله أعلم.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّادسة والسّتين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة والحلبّية: الملك الظاهر بيبرس. وسلطان الروم: الملك ركن الدين قليج أرسلان. وصاحب العراقين وغيرهما: أبغا بن هلاون. وصاحب البلاد الشمالية التى كرسيّها صراى: منكوتمر بن طوغان، وكتب إليه الملك الظاهر بالتعزية لأجل بركة خان، والتهنئة لأجل ولايته عوضه، وأغراه على قتال أبغا بن هلاون.
  • full passagepage 487, entry [171]3,336 chars
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ عفيف الدين يوسف (¬١) البقال، شيخ رباط المرزبانيّة. كان صالحا، ورعا زاهدا، حكى عن نفسه قال: كنت بمصر فبلغنى ما وقع ببغداد من القتل [٥٤٦] الذريع فأنكرته بقلبى، وقلت: يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له، فرأيت فى المنام رجلا وفى يده كتاب فأخذته فإذا فيه: دع الاع
    ▸ expand full passage (3,336 chars)
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان الشيخ عفيف الدين يوسف (¬١) البقال، شيخ رباط المرزبانيّة. كان صالحا، ورعا زاهدا، حكى عن نفسه قال: كنت بمصر فبلغنى ما وقع ببغداد من القتل [٥٤٦] الذريع فأنكرته بقلبى، وقلت: يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له، فرأيت فى المنام رجلا وفى يده كتاب فأخذته فإذا فيه: دع الاعتراض فما الأمر لك … ولا الحكم فى حركات الفلك ولا تسأل الله عن فعله … فمن خاض لجّة بحر هلك [إليه تصير أمور العباد … دع الاعتراض فما أجهلك (¬٢)] ابن الخشكرى النعمانى الشاعر: قتله الصاحب علاء الدين صاحب الديوان ببغداد، وذلك أنه اشتهر عنه أشياء عظائم، منها: أنه يعتقد تفضيل شعره على القرآن الكريم، واتفق أن الصاحب انحدر إلى واسط، فلما كان بالنعمانية حضر ابن الخشكرى عنده وأنشد قصيدة قد قالها فيه، فبينما هو ينشدها بين يديه إذ أذّن المؤذن للصلاة، فاستنصته الصاحب، فقال ابن الخشكرى: يا مولانا أسمعشيئا جديدا وأعرض عن شئ له سنون (¬١)، فثبت عند الصاحب ما كان يقال عنه، ثم باسطه ولا يظهر أنه ينكر عليه شيئا حتى استعلم ما عنده، فلما ركب قال لإنسان معه: استفرده فى الطريق واقتله، فسايره ذلك الرجل حتى انقطع به عن الناس، ثم قال لجماعة معه: أنزلوه عن فرسه كالمداعب له، فأنزلوه وهو يشتمهم ويلعنهم، ثم قال: انزعوا عنه ثيابه، فسلبوها عنه، فتقدّم إليه أحدهم فضربه بسيف فى رقبته فأبان رأسه (¬٢). الشيخ أبو الصّبر أيّوب (¬٣) بن عمر بن علىّ بن شدّاد الدمشقى، المعروف بابن الفقّاعى. مات بدمشق في يوم عاشوراء من هذه السنة، سمع وحدّث. الشّريف أبو العباس أحمد بن أبى محمد عبد المحسن بن أبى العباس أحمد بن محمد بن على بن الحسن بن علىّ بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن الحسين بن علىّ ابن أبى طالب، رضى الله عنهم، الواسطى الغرّافى التاجر. مات بثغر الأسكندريّة فى ليلة الخامس من صفر، ودفن من الغد بين الميناءين، ومولده بالغّراف (¬٤)، بفتح الغين المعجمة وتشديد الرّاء وبعد الألف فاء،من أعمال واسط القصب، سمع بمرو من أبى المظفر عبد الرحيم (¬١) بن الحافظ أبى سعد عبد الكريم السمعانى، وببغداد عن غير واحد، وحدّث. الشيخ [٥٤٧] نظام الدّين أبو عمرو عثمان بن أبى القاسم عبد الرحمن بن رشيق الربعى المصرى المالكّى، المنعوت بالنظام. مات فى ليلة الحادى والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، سمع وحدّث. الشيخ الإمام العلاّمة أبو الحسن على (¬٢) بن عدلان بن حماد بن على الربعى الموصلى النحوى المترجم. مات بالقاهرة فى التاسع من شوال من هذه السنة، ودفن من الغد بسفح المقطم، ومولده بالموصل فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، قرأ الأدب على غير واحد، منهم أبو البقاء العكبرى (¬٣)، وسمع ببغداد عن جماعة كثيرين، وحدّث، وأقرأ العربيّة، وكان أحد الأئمة المشهورين بمعرفة الأدب، وكانت له اليد الطولى فى حلّ التراجم والألغاز، وله مصنفات فى ذلك وغيره (¬٤).وفى هذه السنة ولد الشيخ شرف الدين عبد الله (¬١) بن تيمية والخطيب جلال الدين القزوينى (¬٢)، رحمهما الله.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنّة السّابعة والسّتيّن بعد الستّمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العبّاسىّ. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة والحلبيّة: الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارىّ الصّالحى، وقد جدّد فى صفر البيعة لولده الملك السعيد بركة خان محمد (¬١)، وأحضر الأمراء كلهم والقضاة والأعيان، وأركبه ومشى بين يديه، وكتب له ابن لقمان تقليدا هائلا بالملك من بعد أبيه، وأن يحكم أيضا فى حياته، وبنى مصطبة بميدان العيد بباب النصر لرمى النشاب (¬٢)، وتوجّه إلى الجامع الظاهرىّ الذى أنشأه بالحسينيّة، ورتّب أوقافه، ونظر فى أحواله. وكان ببابه جماعة من الرسل من جهة الملوك، فجهّزهم، وسفّر صحبتهم رسله وهداياه، وهم رسل منكوتمر، ورسل جارلا أخى الريذا فرنس (¬٣)، ورسل العرب، ورسل الأشكرى (¬٤) صاحب القسطنطينيّة.
  • full passagepage 504, entry [175]3,732 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان شرف الدين أبو الطاهر محمد (¬١) بن الحافظ أبى الخطاب عمر بن دحية المصرى. ولد سنة عشر وستمائة، وسمع أباه وجماعة، وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية (¬٢) مدة، وكان فاضلا، مات فى العشرين من شهر رمضان بالقاهرة، ودفن بالقرافة. القاضى تاج الدين أبو عبد الله محمد (¬٣) بن وثاب بن راف
    ▸ expand full passage (3,732 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان شرف الدين أبو الطاهر محمد (¬١) بن الحافظ أبى الخطاب عمر بن دحية المصرى. ولد سنة عشر وستمائة، وسمع أباه وجماعة، وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية (¬٢) مدة، وكان فاضلا، مات فى العشرين من شهر رمضان بالقاهرة، ودفن بالقرافة. القاضى تاج الدين أبو عبد الله محمد (¬٣) بن وثاب بن رافع البجيلى الحنفى. درس وأفتى وناب عن ابن [٥٥٥] عطاء بدمشق، ومات بعد خروجه من الحمام على المصاطب فجاءة، ودفن بقاسيون. الطّبيب الماهر شرف الدين أبو الحسن على (¬٤) بن يوسف بن حيدره الرحبى،شيخ الأطباء بدمشق، ومدرسة الدخواريّة (¬١) عن وصية واقفها له بذلك، لتقدمه فى هذه الصناعة على أقرانه وأهل زمانه. ومن شعره: يساق بنى الدنيا إلى الحتف عنوة … ولا يشعر الباقي بحالة من يمضى كأنهم الأنعام فى جهل بعضها … بما تمّ من سفك الدماء على البعض الشيخ نصير الدين المبارك (¬٢) بن يحيى بن أبى الحسن أبو البركات بن الطباخ الشافعىّ. العلامة فى الفقه والحديث، ودرّس، وأفتى، وصنفّ، وانتفع به ناس، وعمّر ثمانين سنة، وكانت وفاته بالقاهرة فى الحادى عشر من جمادى الآخرة (¬٣) من هذه السنة، ودفن خارج باب النصر. الشيخ أبو الحسن على (¬٤) بن عبد الله بن إبراهيم (¬٥) الكوفى المغربى النحوى، الملقب بسيبويه.كان فاضلا، بارعا فى صناعة النحو، توفى بالمارستان بالقاهرة. ومن شعره: عذبت قلبى بهجر منك متّصل … يا من هواه ضمير غير منفصل ما زادنى غير تأكيد صدودك لى … فما عدولك عن عطف إلى بدل (¬١) الشيخ أبو الفضائل محمد بن أبى الفتوح نصر بن غازى بن هلال بن عبد الله الأنصارى، المقرئ الحريرى. مات فى الثالث من المحرم من هذه السنة بالقاهرة، ودفن من يومه ظاهر باب البرقية (¬٢)، ومولده فى مستهلّ المحرم سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بباها من أعمال كورة كوش، سمع وحدّث. الشيخ المسند أبو الطاهر إسماعيل (¬٣) بن الشيخ أبى محمد عبد القوى بن أبى العزّ عزّون بن داود بن عزّون بن الليث بن منصور الأنصارى، الغزىّ الأصل، المصرى المولد والدار، الشافعىّ، المنعوت بالزين. مات فى ليلة الثانى عشر من المحرم من هذه السنة بمسجد الذخيرة ظاهر القاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، ومولده فى سنة تسع وثمانين وخمسمائة تقديرا، سمع الكثير وحدّث.الشيخ الفقيه الإمام أبو الحسن على (¬١) بن أبى العطايا وهب بن مطيع بن أبى الطاعة القشيرى المنفلوطىّ المالكى، المنعوت بالمجد. وكان أحد العلماء المشهورين، [٥٥٦] والأئمة المذكورين، جامعا لفنون من العلم، معروفا بالصلاح والدين والخير، توفى فى الثالث عشر من المحرم بمدينة قوص من صعيد مصر الأعلى، ومولده فى شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمنفلوط من صعيد مصر. الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن رجا التنوخى الإسكندرانى، العدل بالإسكندرية. مات فى السادس والعشرين من المحرم بالإسكندرية، ودفن من الغد بين الميناءين، سمع وحدّث، وناب فى الحكم بثغر الإسكندرية. الشيخ الصالح المحدث أبو الفتح محمد (¬٢) بن أبي بكر الكوفنى الأبيوردى الصوفى الشافعى. كان من أهل الدين والصلاح والعفاف. مات فى ليلة الحادى عشر من جمادى الأولى بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم، سمع كثيرا وحدّث، وخرج لنفسه معجما عن مشايخه الذين سمع منهم، ووقف كتبه. والكوفنى: بضم الكاف وسكون الواو وفتح الفاء وبعد النون ياء النسب، نسبة إلى كوفن بلدة قريبة من أبيورد (¬٣).الشيخ الصالح أبو العباس أحمد (¬١) بن عبد الواحد المقدسى الحورانىّ. كان أحد المشايخ المشهورين الجامعين بين العقل والدين والتجرد والانقطاع، توفى فى هذه السنة بالمدينة النبويّة. الأمير الكبير عز الدين أيدمر (¬٢) بن عبد الله الحلى الصالحى. كان من أكابر الأمراء، وأحظاهم عند الملوك، ثم عند الملك الظاهر بيبرس، كان يستنيبه فى غيبته، ولما كانت هذه السنة أخذه معه، وكانت وفاته فى قلعة دمشق، ودفن بتربته بالقرب من اليغموريّة (¬٣)، وخلف أموالا جزيلة، وأوصى إلى السلطان فى أولاده، وحضر السلطان فى عزائه بجامع دمشق.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثامنة والسّتين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ، وهو متوطن بالقاهرة. وسلطان البلاد المصرية والشاميّة: الملك الظاهر بيبرس الصالحى، وكان قد وصل إلى دمشق من الحجاز الشريف فى ثانى محرم هذه السنة على الهجن، ثم راح إلى حلب فدخلها فى سادس [٥٥٧] الشهر، ثم عاد إلى دمشق، ثم سار إلى مصر فدخلها فى ثالث صفر من هذه السنة، كما ذكرناه مفصلا فى السنة الماضية (¬١).
  • full passagepage 517, entry [181]3,657 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصاحب زين الدين يعقوب (¬١) بن عبد الرفيع (¬٢) بن زيد بن مالك المصرى، المعروف بابن الزبير. كان فاضلا، رئيسا، وزر للملك المظفر قطز، ثم للملك الظاهر فى أول دولته، ثم عزله وولىّ بهاء الدين بن الحنّا، فلزم منزله حتى أدركته المنيّة فى الرابع عشر من ربيع الآخر، وله نظم جيّد. ال
    ▸ expand full passage (3,657 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصاحب زين الدين يعقوب (¬١) بن عبد الرفيع (¬٢) بن زيد بن مالك المصرى، المعروف بابن الزبير. كان فاضلا، رئيسا، وزر للملك المظفر قطز، ثم للملك الظاهر فى أول دولته، ثم عزله وولىّ بهاء الدين بن الحنّا، فلزم منزله حتى أدركته المنيّة فى الرابع عشر من ربيع الآخر، وله نظم جيّد. الشيخ موفق الدين أحمد (¬٣) بن القاسم بن الخزرجى، المعروف بابن أبى أصيبعة (¬٤). له تاريخ الأطباء فى عشر مجلدات لطاف، وهو وقف بمشهد أبى عروة، وكانت وفاته بصرخد، وقد جاوز السبعين. الشيخ زين الدين أحمد (¬٥) بن عبد الدائم [٥٦١] بن نعمة بن أحمد بن محمد ابن إبراهيم بن أحمد بن أبى بكر أبو العباس المقدسى النابلسى.تفرّد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان مولده فى سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقد سمع الحديث، ورحل إلى بلدان شتى، وكان فاضلا، يكتب سريعا، وحكى الشيخ علم الدين أنه كتب مختصر الخرقى (¬١) فى ليلة واحدة، وخطه حسن، قوى، حلو، وكتب تاريخ ابن عساكر مرتين، واختصره لنفسه أيضا، وأضرّ فى آخر عمره أربع سنين، وله شعر جيد، وكانت وفاته بسفح قاسيون، وبه دفن، فى بكرة الثلاثاء عاشر رجب، وقد جاوز التسعين. قاضى القضاة محيى الدين أبو الفضل يحيى (¬٢) بن قاضى القضاة محيى الدين أبى المعالى محمد بن على بن محمد بن يحيى بن على بن عبد العزيز بن على بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، رضى الله عنه، القرشىّ الأموىّ، ابن الزكىّ. تولى قضاء دمشق غير مرة، وكذلك آباؤه، كل وليها، وقد سمع الحديث من حنبل، وابن طبرزد، والكندىّ، وابن الحرستانى، وجماعة، وحدّث، ودرّس فى مدارس كثيرة، وقد ولى القضاء فى الدولة الهلاونيّة فلم يحمد، على ما ذكره أبو شامة، وكانت وفاته بمصر فى الرابع عشر من رجب، ودفن بجبل المقطم، وقد جاوز السبعين، وقد كان فاضلا، وله شعر جيد قوىّ. ومن شعره: قالوا أما فى جلق برهة (¬٣) … تسليك عن من أنت به مغرايا عاذلى دونك من لحظه (¬١) … سهما ومن (¬٢) عارضه سطرا وحكى الشيخ قطب الدين فى ذيله عن ولده القاضى شهاب الدين: أن والده كان يذهب إلى تفضيل علىّ رضى الله عنه على عثمان رضى الله عنه موافقة لشيخه محيى الدين بن عربى (¬٣). الصّاحب فخر الدين محمد (¬٤) بن الصاحب بهاء الدين علىّ بن محمد بن سليمان بن الحنّا المصرىّ. كان وزير الصحبة، وقد كان فاضلا، بنى رباطا بالقرافة الكبرى، ودرس بمدرسة والده (¬٥) بمصر، وبالشافعى بعد ابن بنت الأعز، وقد كانت وفاته فى شعبان، ودفن بسفح المقطم، وفوض السلطان وزارة الصحبة إلى ولده تاج الدين (¬٦). الشيخ أبو نصر محمد (¬٧) بن [٥٦٢] الحسن الحرار الصوفى البغدادى الشاعر.له ديوان حسن، وكان جميل المعاشرة، حسن المذاكرة، دخل عليه بعض أصحابه فلم يقم له، وأنشده قوله: نهض القلب حين أقبلت … إجلالا لما فيه من صحيح الوداد ونهوض القلب بالودّ أولى … من نهوض الأجساد للأجساد الشيخ الأصيل أبو عبد الله محمد بن أبى الفتح الحسن بن الحافظ مؤرّخ الشام المعروف بابن عساكر. وهو من بيت الحفظ والعلم والحديث، توفى فيها بدمشق. الشيخ المحدث المسند أبو العباس أحمد (¬١) بن عبد الدائم، توفى فيها بدمشق. الشيخ القاضى تقى الدين أبو التقى صالح (¬٢) بن الحسين الهاشمى الجعفرىّ. كان أحد الفضلاء العارفين بالأدب وغيره، وتولى الحكم بمدينة قوص ونظرها أيضا، وله خطب حسنة، ونظم جيد، وتصانيف عدّة، توفى فى هذه السنة بالقاهرة. الطواشى جمال الدين محسن الصالحى النجمى، شيخ الخدام بالمدينة النبويّة بحرم رسول الله ﷺ، توفى فى هذه السنة. إدريس (¬٣) بن قتادة، وثب عليه ابن أخيه أبو نمى صاحب مكة فقتله، واستبدّ بالإمرة على مكة، شرّفها الله.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التاسعة والسّتين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان الديار المصرية والشاميّة: الملك الظاهر بيبرس الصالحى النجمى، ففى مستهل صفر منها ركب وتوجّه إلى الشام، واستصحب معه ولده الملك السعيد، والأصح أنه ما استصحب ولده إلاّ فى السفرة الثانية (¬١)، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى، ومعه طائفة من العسكر، وجاز على عسقلان، وهدم ما بقى من سورها، مما كان أهمل، ووجد فيما هدم كوزين (¬٢) فيهما ألف دينار، ففرقهما على الأمراء (¬٣). وجاءت البشارة هناك بأن منكوتمر كسر جيش أبغا، ففرح بذلك، ثم عاد إلى القاهرة مؤيّدا منصورا.
  • full passagepage 536, entry [188]4,390 chars
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان قاضى القضاة شرف الدين أبو حفص عمر (¬١) بن عبد الله بن صالح بن عيسى السبكى المالكى. ولد سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث، وتفقه، ودرس، وأفتى بالصالحية (¬٢)، وولى حسبة القاهرة، ثم ولى قضاء القضاة سنة ثلاث وستين، لما ولّوا من كل مذهب قاضيا، وقد مرّ أنه امتنع أشدّ الامت
    ▸ expand full passage (4,390 chars)
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان قاضى القضاة شرف الدين أبو حفص عمر (¬١) بن عبد الله بن صالح بن عيسى السبكى المالكى. ولد سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث، وتفقه، ودرس، وأفتى بالصالحية (¬٢)، وولى حسبة القاهرة، ثم ولى قضاء القضاة سنة ثلاث وستين، لما ولّوا من كل مذهب قاضيا، وقد مرّ أنه امتنع أشدّ الامتناع، وإنما أجاب بعد إكراه، وشرط أن لا يأخذ جامكية، وكان مشهورا بالعلم والدين، روى عنه القاضى بدر الدين بن جماعة وغيره، وكانت [٥٧٠] وفاته لخمس بقين من ذى القعدة بالقاهرة، ودفن بمقابر باب النصر الشيخ عمر السنجارى (¬٣) من أصحاب على بن وهب. وسبب وفاته: أن الفقراء اجتمعوا فى زاوية الشيخ مذكور الجفارى ببلبيس، وكانت ليلة جمعة: ومعهم قوّال يسمى أسد الفاقوسىّ، فقرأ القارئ: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ (¬٤). فتواجد الشيخ عمر المذكور وقام وقعد، فأنشد القوّال:لئن عاد جمع الشمل فى ذلك الحمى … غفرت لدهرى كل ذنب تقدّما وإن لم يعد منّيت نفسى بعودة … وماذا عسى تجدى الأمانى وكلّما بحق لقلبى أن يذوب صبابة … وللعين أن تجرى مدامعها دما على زمن ماض بكم قد قطعته … لبست به ثوب الخلاعة معلما فقام الشيخ وتواجد ووقع إلى الأرض، فانقطع حسّه فحركوه فإذا هو ميّت (¬١). الشيخ أبو إبراهيم إسحاق (¬٢) بن أبى الثناء محمود بن أبى الفياض بن على البروجردى (¬٣) الصوفى المشرف، المنعوت بالشمس. مات فى ضحوة النهار الخامس من المحرم بالقاهرة، ودفن من يومه بسفح المقطم، ومولده فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وخمسمائة ببروجرد، سمع وحدّث، وكان يكتب خطا حسنا، وكان من أكابر مشايخ الصوفية، مشهورا عندهم، مقدّما فيهم. ابن سبعين قطب الدين أبو محمد عبد الحق (¬٤) بن أبى إسحاق إبراهيم بن سبعين المرسى الرقوطى، نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من سبته.ولد سنة أربع عشرة وستمائة، واشتغل بعلوم الأوائل والفلسفة، فتولد له من ذلك نوع من الإلحاد، وصنّف فيه، وكان يعرف السيمياء، [وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء] (¬١) أنه حال، وله مصنّفات منها كتاب «الهوّ»، وقد أقام بمكة واستحوذ على عقل صاحبها أبى نمى، وجاور فى بعض الأوقات بغار حراء، يرتجى فيما نقل عنه أن يأتيه فيه وحى [٥٧١] بناء على معتقده الفاسد من أن النبوة مكتسبة، فما حصل له إلا الخزى فى الدنيا، ويوم القيامة يردّ إلى أمّه الهاوية، إن كان مات على ما ذكر عنه من العظائم، وكانت وفاته فى الثامن والعشرين من شوال بمكة، وقد حط عليه ابن تيميّة فى كتابه المسمى ببغية المراد حطّا شنيعا، عليه وعلى أمثاله ممن ذهبوا إلى الحلول والإتحاد. القاضى شمس الدين إبراهيم (¬٢) بن البازرى، قاضى القضاة بحماة. مات فى هذه السنة. الشيخ الفقيه أبو الرضى عمر (¬٣) بن علىّ بن أبى بكر بن محمد بن بركة بن محمد الحنفى، المعروف بابن الموصلى، المنعوت بالرضى. مات فى الثانى عشر من شهر رمضان بالقاهرة، ودفن من يومه بسفح المقطم، ومولده بميّافارقين فى سنة أربع عشرة وستمائة، تفقه على مذهب الإمامأبى حنفية رضى الله عنه، ودرّس، وأفتى، وحدّث، وكان أحد المشايخ المشهورين بالفضل، المعروفين بالرئاسة، وله نظم حسن، وخطّ جيّد. الأمير شرف الدين أبو محمد عيسى (¬١) بن الأمير أبى عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كامل الكردى الهكارىّ. مات بدمشق فى الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بجبل قاسيون، سمع من ابن طبرزد، والكندىّ، وغيرهما، وحدّث، وكان أحد الأمراء المشهورين بالشجاعة، المعروفين بالإقدام، وله وقائع معروفة مع العدوّ المخذول بأرض الساحل وغيرها. الملك تقى الدين عباس (¬٢) بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب. وهو آخر من بقى من أولاد العادل، وقد سمع الحديث من الكندى، وابن الحرستانى (¬٣)، وغيرهما، وكان محترما عند الملوك، لا يرفع عليه أحد فى المجالس ولا فى المواكب، وكان دمث الأخلاق، حسن العشرة، لا تمل مجالسته، وتوفى يوم الجمعة الثانى والعشرين من جمادى الأولى بدرب الريحان بدمشق، ودفن بسفح جبل قاسيون. الطواشى شجاع الدين مرشد (¬٤) المظفرى الحموى.كان من الأبطال المشهورين، ذوى الرأى، وكان ابن أستاذه لا يخالفه، وكذلك الملك [٥٧٢] الظاهر، ومات بحماة ودفن بتربته بالقرب من مدرسته التى بناها بحماة. الملك (¬١) المجير هيثوم بن قسطنطين، صاحب سيس. هلك فى هذه السنة، وملك بعده ابنه ليفون بن هيثوم الذى كان المسلمون أسروه.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة: الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ الصالحى. وصاحب بلاد الروم: ركن الدين قليج أرسلان السلجوقى، ولكنه تحت حكم التتار. وصاحب البلاد العراقية وخراسان وأذربيجان وغيرها من البلاد: أبغا ابن هلاون. وصاحب البلاد الشماليّة: منكوتمر. وصاحب الغرب: أبو يوسف يعقوب المرينى. وفى يوم الأحد الرابع عشر من محرم هذه السنة ركب السلطان الملك الظاهر إلى البحر لإلقاء الشوانى التى حملت (¬١) عوضا عما غرق بجزيرة قبرس، فركب فى شينىّ منها، ومعه الأمير بدر الدين الخازندار، فمال بهم المركب، فسقط الخازندار (¬٢) فى البحر، فغاص فى الماء، فألقى رجل نفسه وراءه، فأخذ بشعره وأنقذه من الغرق، فخلع السلطان على ذلك الرجل وأحسن إليه جزيلا (¬٣).
  • full passagepage 548, entry [194]3,209 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الفقيه أبو على الحسن (¬١) بن أبى عمرو عثمان بن على القابسىّ المالكى المحتسب بالإسكندرية. توفى بها فى هذه السنة عن سنّ قريب من مائة سنة، وكان معروفا بالخير والصلاح. الشيخ أبو الحسن علىّ (¬٢) بن عثمان بن محمد الإربلى الصوفى المعروف بالسليمانى، توفى فيها بمدينة الفيوم،
    ▸ expand full passage (3,209 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الفقيه أبو على الحسن (¬١) بن أبى عمرو عثمان بن على القابسىّ المالكى المحتسب بالإسكندرية. توفى بها فى هذه السنة عن سنّ قريب من مائة سنة، وكان معروفا بالخير والصلاح. الشيخ أبو الحسن علىّ (¬٢) بن عثمان بن محمد الإربلى الصوفى المعروف بالسليمانى، توفى فيها بمدينة الفيوم، وكان أحد المشايخ الصوفية المعروفين، وكان دينا، فاضلا، شاعرا. الشيخ الإمام الفقيه أبو الفضائل سلار (¬٣) بن الحسن بن عمر بن سعد الأربلى الشافعى، المنعوت بالكمال. توفى فيها بدمشق، وكان أحد الفقهاء المشهورين بالشام، وقد اشتغل عليه الشيخ محيى الدين النّورىّ، وقد اختصر البحر للرؤيانى فى مجلدات عديدة. الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد (¬٤) بن على بن محمد الموصلىّ المعروف بابن الطباخ.توفى فى الرابع والعشرين من جمادى الآخرة بسارية من قرافة مصر الصغرى، ودفن بها من يومه، حدّث عن الشيخ مرهف بشئ من نظمه، وكان أحد المشايخ المعروفين بالصلاح والخير، وله زاوية بسارية، وكان يقصد للزيارة والتبرك به. الشيخ الصالح العارف أبو العباس أحمد (¬١) بن سعد النيسابورىّ اللهاورى الصوفى المنعوت بالصفى. وكان أحد مشايخ الصوفية المشهورين بالخير والصلاح والعفّة والانقطاع، [٥٧٦] وكانت وفاته بالقاهرة فى الحادى عشر من شهر رمضان، ﵀. وجيه الدين محمد (¬٢) بن على بن أبى طالب بن سويد التكريتى التاجر، الصدر الكبير ذو الأموال الكثيرة. وكان معظما عند الدولة ولا سيما عند الملك الظاهر لأنه كان قد أسدى إليه جميلا فى أيام إمرته، مات فى هذه السنة ودفن بتربته بالقرب من الرباط الناصرىّ، وكانت (¬٣) كتب الخليفة ترد إليه، وكانت مكاتباته مقبولة عند جميع الملوك حتى ملوك الفرنج من السواحل، وكان كثير البرّ والصدقات.الصاحب نجم الدين يحيى (¬١) بن عبد الواحد بن اللبودى. واقف اللبوديّة (¬٢) التى عند حمام فلك المسيرى على الأطباء، وكان فاضلا لديه معرفة، وقد ولى نظر الدواوين فى دمشق ودفن بتربته عند اللبوديّة. الشيخ على البكاء (¬٣) صاحب الزاوية بالقرب من مدينة الخليل ﵇. كان مشهورا بالصلاح والعبادة وطعم من يجتاز به من المارّة والزوّار، وقد ذكرنا من مكاشفاته حين أتى إليه ركن الدين بيبرس البندقدارىّ وسيف الدين قلاون الألفىّ لما هربا من عند صاحب الكرك. وذكر الشيخ قطب الدين اليونينى: أن سبب بكائه الكثير أنه صحب رجلا له أحوال، وأنه خرج معه من بغداد فانتهوا فى ساعة واحدة إلى بلدة بينها وبين بغداد مسيرة سنة، وأن ذلك الرجل قال له: إنى سأموت فى الوقت الفلانى، واشهدنى فى ذلك الوقت فى [المكان] (¬٤) الفلانى. قال الشيخ: علىّ، فلما كان فى ذلك الوقت حضرت عنده وهو فى السياق، وقد استدار إلى الشرق، فحولته إلى القبلة، فعاد فاستدار إلى الشرق فحولته. فقال لى: لا تتعب فإنى لا أموت إلا على هذه الجهة، وجعل يتكلم بكلام الرهبان حتى مات، فحملناه وجئنا به إلى دير هناك، فوجدناهم فى حزن عظيم، فقلنا: ما شأنكم؟ قالوا: كان عندنا شيخكبير ابن مائة سنة، فلما كان اليوم مات على دين الإسلام، فقلنا: خذوا هذا بدله وسلموه إلينا، فوليناه وصلينا عليه ودفناه. وتوفى الشيخ على البكاء، ﵀، المذكور فى رجب من هذه السنة ببلد الخليل [٥٧٧] ﵇. الأمير أبو يوسف يعقوب بن الأمير أبى إسحاق إبراهيم بن موسى بن يعقوب ابن يوسف العادلى الدمشقى الحنفى، المنعوت بالشرف المعروف بابن المعتمد. مات فى الثالث عشر من رجب بجبل قاسيون، ودفن به، وحدّث بدمشق والقاهرة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الحادية والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله، والسلطان الملك الظاهر كان فى دمشق، كما ذكرنا، وخرج منها على البريد ليلة السادس من المحرم من هذه السنة، ووصل إلى قلعة الجبل يوم الثالث عشر من المحرم، وأمر بتجهيز العساكر إلى الشام، وأقام بالقلعة خمسة عشر (¬١) يوما وخرج (¬٢).
  • full passagepage 559, entry [200]4,248 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ تاج الدين أبو الفضل يحيى (¬١) بن محمد بن أحمد بن حمزة بن على بن هبة الله بن الحسن بن علىّ الثعلبى الدمشقى المحتسب، المعروف بابن الحبوبى المنعوت بالتاج. مات فى الرابع والعشرين من شهر ربيع [٥٨١] الآخر بدمشق، ومولده فى سنة عشر وستمائة، وهو من بيت الحديث، وتولى الحسبة ب
    ▸ expand full passage (4,248 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ تاج الدين أبو الفضل يحيى (¬١) بن محمد بن أحمد بن حمزة بن على بن هبة الله بن الحسن بن علىّ الثعلبى الدمشقى المحتسب، المعروف بابن الحبوبى المنعوت بالتاج. مات فى الرابع والعشرين من شهر ربيع [٥٨١] الآخر بدمشق، ومولده فى سنة عشر وستمائة، وهو من بيت الحديث، وتولى الحسبة بدمشق مدة. قال ابن كثير: وكان من أعيان أهل دمشق، ولى نظر الأيتام، ثم الحسبة، ثم وكالة بيت المال، وسمع الكثير، وخرّج له ابن بلبان مشيخته، قرأها عليه الشيخ شرف الدين الفزارى بجامع دمشق، فسمعها جماعة من الأعيان والفضلاء (¬٢). والثعلبىّ: بالثاء المثلثة، والعين المهملة، والحبوبى: بضم الحاء المهملة، والباء الموحدة، وبعد الواو باء أخرى. الخطيب فخر الدين أبو محمد عبد القاهر (¬٣) بن عبد الغنى بن محمد بن أبى القاسم ابن محمد بن تيميّة الحرّانى، الخطيب بها كان. وبيته معروف بالعلم والخطابة والرئاسة، مات فى الحادى عشر من شوال منها بدمشق، ودفن من الغد بمقابر الصوفية، ومولده سنة إثنتى عشرة وستمائة.العلاّمة تاج الدين عبد الرحيم (¬١) بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن مسعر ابن مالك بن محمد، أبو القاسم الموصلى. من بيت الفقه والرئاسة، ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسمع، وحدّث؛ وصنّف، واختصر الوجيز [من كتابه التعجيز] (¬٢) والمحصول، وله طريقة فى الخلاف، أحدهما من طريق ركن الدين الطاووس، وكان جدّه عماد الدين ابن يونس شيخ المذهب فى وقته، ﵀. الشيخ أبو الفتح عبد الله (¬٣) بن أبى الفضل جعفر بن أبى محمد عبد الجليل بن علىّ بن محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز اللخمى القمودى الأصل الإسكندرانى المولد والدار، المالكى. مات فى عشية الثالث من المحرم من هذه السنة بالإسكندرية، ودفن بالديماس، سمع، وحدّث، ودرّس، وكان شيخا فاضلا. والقمودى نسبة إلى قموده من بلاد إفريقية مسافة يومين من القيروان. الشيخ المحدث أبو المظفر يوسف (¬٤) بن الحسن بن بكار النابلسى الشافعى، المنعوت بالشرف. كان مشهورا بالصلاح والإفادة، وتولى مشيخة دار الحديث النورية (¬٥) بدمشق إلى أن توفى فيها فى هذه السنة.الشيخ المسند أبو الفتح عبد الهادى (¬١) بن عبد [٥٨٢] الكريم بن على ابن عيسى بن تميم القيسى المصرى المقرئ الشافعى الخطيب بمصر. مات فى الليلة الرابع والعشرين من شعبان بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم، ومولده سنة سبع وتسعين وخمسمائة بمصر، سمع كثيرا، وحدث، وانفرد بالرواية من غير واحد من شيوخه، وخطب بجامع المقياس مدة، ﵀. الشيخ الأصيل أبو عبد الله محمد بن الشيخ الخطيب أبى حفص عمر بن يوسف ابن يحيى بن عمر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن قابس بن حابس بن مالك بن عمرو بن معدى كرب، الزبيدى، المقدسى الأصل، الدمشقى المولد والدار، الشافعى الخطيب، المنعوت بالموفق، المعروف بابن خطيب بيت الأبار. مات فى السابع عشر من صفر من هذه السنة ببيت الأبار ودفن بها: سمع الكندىّ وجماعة آخرين، وحدّث، وهو من بيت الحديث. الشيخ خضر (¬٢) الكردى شيخ الملك الظاهر.ذكرنا عن قريب أنه اعتقله السلطان الملك الظاهر، ومات فى السجن فى هذه السنة، وقيل السلطان أمر بإعدامه، وقيل ابن الحنّا كما ذكرنا، وكان حظيّا عند السلطان جدّا حتى كان ينزل بنفسه إلى زاويته التى بناها له بالحسينيّة فى كل أسبوع مرة أو مرتين، وبنى له عندها جامعا يخطب فيه للجمعة، وكان يعطيه كثيرا، ويطلق له؛ ووقف على زاويته شيئا كثيرا جدا، وكان معظما عند الخاصّ والعام، وكان فيه خير وصلاح، وقد كاشف السلطان بأشياء كثيرة، وقد دخل مرة كنيسة قمامة، فذبح قسّيسها بيده، وأنهب ما فيها لأصحابه، وحولها مدرسة أنفق عليها أموالا كثيرة من بيت المال، وسماها المدرسة الخضراء، وكذلك فعل بكنيسة اليهود بدمشق دخلها ونهب ما فيها، ومدّ بها سماطا، وعمل فيها سماعا، واتخذها مسجدا مدّة، ثم سعوا فى عودها إليهم واستمرارها عليهم، ثم اتفق له ما ذكرناه حتى سجنه السلطان، ومات فى هذه السنة. الملك المغيث فتح الدين أبو الفتح عمر (¬١) بن الملك الفائز [٥٨٣] أبى إسحاق إبراهيم بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب الملقب بالمغيث. مات فى السابع والعشرين من ذى الحجة مسجونا بخزانة البنود (¬٢) بالقاهرة، وأخرج منها فى يومه، ودفن بتربتهم المجاورة لضريح الإمام الشافعىّ، ﵀،ومولده فى صفر سنة ست وستمائة بالقاهرة، حدث بالإجازة عن أبى الروح عبد العزيز بن محمد الهروى. الأمير سيف الدين أحمد (¬١) بن مظفر الدين عثمان بن منكبرس صاحب صهيون. توفى فى هذه السنة، وكان قد أوصى أولاده بأن يسلموا الحصن إلى السلطان الظاهر، ويلجأوا إليه، ففعلوا كذلك، وسلّموا الحصن إلى نوّابه، ووفدوا إلى أبوابه، وهما: سابق الدين، وفخر الدين، فأكرم مثواهما، وأحسن إليهما، وأمّر الأمير سابق الدين بطبلخاناه، وأعطى أخاه إقطاعا فى حلقة دمشق واستمرّا بها إلى أن ماتا، رحمهما الله تعالى. الأمير بلبوش أمير عربان برقة، مات فى هذه السنة، وقد ذكرنا أمره من قريب.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثانية والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. والسلطان الملك الظاهر فى الديار المصرية، ولكنه خرج إلى ناحية الشام.
  • full passagepage 573, entry [208]7,771 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصدر الرئيس مؤيّد الدين أبو المعالى أسعد (¬١) بن عز الدين أبى غالب المظفرى الوزير مؤيد الدين أسعد بن حمزة بن أسعد بن على بن محمد التميمى ابن القلانسى. جاوز السبعين، وكان رئيسا كبيرا، واسع النعمة، لا يباشر (¬٢) شيئا من الوظائف، وقد ألزموه بعد ابن سويد بمباشرة مصالح السلطا
    ▸ expand full passage (7,771 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصدر الرئيس مؤيّد الدين أبو المعالى أسعد (¬١) بن عز الدين أبى غالب المظفرى الوزير مؤيد الدين أسعد بن حمزة بن أسعد بن على بن محمد التميمى ابن القلانسى. جاوز السبعين، وكان رئيسا كبيرا، واسع النعمة، لا يباشر (¬٢) شيئا من الوظائف، وقد ألزموه بعد ابن سويد بمباشرة مصالح السلطان، فباشرها بلا جامكية (¬٣)، وكانت وفاته ببستانه، ودفن بسفح قاسيون يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم، وهو والد الصدر عز الدين حمزة (¬٤) رئيس البلدين دمشق والقاهرة، وجدّهم مؤيد الدين أسعد بن حمزة الكبير، كان وزير الملك الأفضل نور الدين على (¬٥) بنالسلطان الملك الناصر يوسف بن أيوب فاتح القدس، وكان رئيسا فاضلا، له كتاب الوصية فى الأخلاق المرضيّة، وغير ذلك، وكانت له يد جيّدة فى النظم، فمن ذلك قوله: يا ربّ جد لى إذا ما ضمّنى جدثى … برحمة منك تنجينى من النار أحسن جوارى إذا ما أصبحت جارك فى … لحدى فإنك أوصيت بالجار وأما والد حمزة بن أسعد بن على بن محمد التميمى فهو العميد فكان كتب جيدّا (¬١)، وصنف تاريخا من بعد سنة أربعين وأربعمائة إلى سنة وفاته خمس وخمسين وخمسمائة. الشيخ عبد الله (¬٢) بن غانم بن علىّ بن إبراهيم بن عساكر بن الحسين المقدسى. له زاوية بنابلس وله أشعار رائقة، وكلام قوى فى علم التصوف، مات فى هذه السنة. قاضى القضاة كمال الدين أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر بن (¬٣) علىّ التفليسى الشافعى.كان مولده بتفليس (¬١) سنة إحدى وستمائة، وكان فاضلا أصوليا مناظرا، ولى نيابة الحكم بدمشق مدة، ثم استقل بالقضاء فى دولة هلاون، وكان عفيفا نزها، ولما انقضت أيامهم تعصّبت عليه بعض الناس، ثم التزم بالمسير إلى القاهرة، فأقام بها يفيد الناس إلى أن توفى بها فى ربيع الأول منها، [٥٨٩] ودفن بالقرافة الصغرى. إسماعيل (¬٢) بن إبراهيم بن شاكر التنوخى، وتنوخ من قضاعة. كان صدرا كبيرا، سمع كثيرا، وكتب الإنشاء للناصر داود (¬٣) بن الملك المعظم، وتولى نظر المارستان (¬٤) النورى وغيره، وكان مشكور السيرة، وقد أثنى عليه غير واحد، وقد جاوز الثمانين سنة. جمال الدين بن مالك أبو عبد الله محمد (¬٥) بن عبد الله بن مالك الطائى الجيانى النحوى.صاحب التصانيف المفيدة، من ذلك الكافية الشافية، وشرحها، والتسهيل، وشرح نصفه، والألفيّة التى شرحها ولده بدر الدين شرحا مفيدا، ولد بجيّان (¬١) سنة ستمائة، أو إحدى وستمائة، وأقام بحلب مدة، ثم بدمشق، وكان كثير الإجتماع بالقاضى شمس الدين بن خلكان، وأثنى عليه غير واحد، وروى عنه القاضى بدر الدين بن جماعة، وكانت وفاته بدمشق ليلة الأربعاء ثانى عشر رمضان، ودفن بتربة القاضى عز الدين بن الصايغ بقاسيون. النّصير الطويسىّ محمد (¬٢) بن محمد بن الحسن أبو عبد الله الطوسى. وكان يقال له المولى نصير ويقال أيضا: خواجا نصير، اشتغل فى شبيبته، فحصل علم الأوائل جدا وصنف فى ذلك، وفى علم الكلام، منه: كتاب التجريد المشهور، وله شرح على الإشارات، ووزّر لأصحاب قلاع الموت من الإسماعيلّية، ثم وزّر لهلاون، وكان معه فى واقعة بغداد، ومن الناس من يزعم أنه أشار على هلاون بقتل الخليفة، والله أعلم. وقال ابن كثير: وعندى أن هذا لا يصدر من فاضل ولا عاقل، وقد ذكره بعض البغاددة، فأثنوا عليه، وقالوا: كان عالما فاضلا، كريم الأخلاق، توفى ببغداد فى ثامن عشر ذى الحجة منها، وله خمس وتسعون سنة (¬٣)، ودفن فى مشهدموسى بن جعفر فى سرداب كان قد أعدّ للخليفة الناصر لدين الله، وهو الذى كان قد بنى الرصد لمراغة ورتّب عنه الحكماء من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمحدثين والأطبّاء وغيرهم من الأنواع، وبنى له قبة عظيمة، وجعل فيه كتبا عظيمة جدّا من الكتب التى نهبت من بغداد والجزيرة والشام، حتى [٥٩٠] قيل تجمّع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلّد، وأصل اشتغاله على المعين سالم بن بدر بن على المصرى المعتزلى المتشيّع، فنزع فيه عروق كثيرة. (¬١) الشيخ الجليل المسند أبو الفرج عبد اللطيف (¬٢) بن الشيخ أبى محمد عبد المنعم ابن على بن نصر بن منصور بن هبة الله النميرى الحرّانى الحنبلى، التاجر المنعوت بالنجيب، المعروف والده بابن الصيقل. مات فى مستهل صفر بقلعة الجبل بظاهر القاهرة، ودفن من يومه بسفح المقطم، ومولده بحرّان فى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، سمع الكثير، وحدث بالكثير ببغداد ودمشق والقاهرة ومصر وغيرها، وبقى حتى تفرد بالرواية عن كثير من شيوخه، وتولى مشيخة دار الحديث الكامليّة بالقاهرة، فحدّث بها مدة إلى حين وفاته. الشيخ الصالح العارف أبو محمد عبد الله (¬٣) بن عمر بن يوسف أبى عبد الله الصنهاجى الحميدى القصرى.مات فى ليلة الرابع من شهر ربيع الآخر بظاهر القاهرة، ودفن بسفح المقطم، وقد قارب المائة من عمره، صحب جماعة من المشايخ، وكان مشهورا بالعلم والدين، مذكورا بالصلاح والخير، مقصودا للزيارة والتبرك به. القاضى محيى الدين أبو المكارم محمد (¬١) بن محمد بن الشيخ أبى محمد عبد الرحمن ابن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن الشيخ بن رافع الأسدىّ الحلبى. مات فى الثالث عشر من جمادى الأولى بحلب، ودفن بتربة جدّه، ومولده بحلب فى الخامس من شعبان سنة اثنتى عشرة وستمائة، سمع، وحدّث، ودرّس بالمدرسة المسروريّة (¬٢) بالقاهرة، ثم تولى القضاء بحلب إلى حين وفاته، وبيته معروف بالعلم والدين والتقدم. الشيخ الصالح محيى الدين (¬٣) أحمد بن الصاحب بهاء الدين أبى الحسن على بن القاضى السديد أبى عبد الله محمد بن سليم المصرى الشافعى. مات فى ليلة الثامن من شعبان بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم، سمع من جماعة، وحدّث، وكان منقطعا عن المناصب الدنياوية، محبا للتخلى والإنفراد [٥٩١] كثير الصدقة والمعروف، وبنى رباطا حسنا بمصر، ودرس بمدرسة والده مدة إلى حين وفاته.الشيخ ضياء الدين أبو العباس (¬١) أحمد بن الشيخ أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن عبد المنعم الأنصارى المعروف بابن القرطبي. مات فى النصف من شوال بقنا من صعيد مصر، ومولده فى سنة إثنتين وستمائة، سمع وحدّث، وله النظم الحسن، والنثر الجيّد. الشيخ الصالح المكرّم (¬٢) بن المظفر بن أبى محمد العين زربى. مات فى ليلة الثامن عشر من شوال بالقرافة الصغيرة ودفن بها، ومولده فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بمصر، سمع، وحدّث، وكان شيخا صالحا. ومكرّم - بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة وآخره ميم -. الأمير حسام الدين لاجين (¬٣) بن عبد الله الأيدمرى الدوادار المعروف بالدرفيل. مات فى الرابع عشر من شهر رمضان ببستان الخشاب ظاهر القاهرة، ودفن من يومه بسفح المقطم، سمع، وكان محبا لأهل العلم، مؤثرا للاجتماع بهم، ذكيا، حسن السمت، ﵀. الأمير يغمراس صاحب تلمسان. توفى فى هذه السنة، وأخذ يعقوب بن عبد الحق المرينى مكانه. الأمير مبارز الدين أقوش المنصورى.مملوك الملك المنصور صاحب حماة ونائب سلطنته، وكان أميرا جليلا، شجاعا، عاقلا، قفجاقى الجنس. الأمير فارس الدين أفطاى (¬١) الأتابك المستعرب الصالحى النجمى. من كبار الأمراء، وهو أول من دعا بعد قتل السلطان الملك المظفر قطز إلى سلطنة الملك الظاهر بيبرس، فأجابه الأمراء إلى ذلك، وكان الظاهر يعرف له ذلك، واستمر عنده عالى المنزلة، نافذ الكلمة إلى أن مات فى جمادى الأولى من هذه السنة. وقال بيبرس: فى السنة الآنية (¬٢). الشيخ جلال الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن قاسم بن المسيب بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، ابن أبى قحافة القرشى، المعروف بمولانا جلال الدين القونوى. كان رجلا [٥٩٢] عالما بمذهب أبى حنفية رضى الله عنه واسع الفقه، عالما بالخلاف وبأنواع العلوم، قصده الشيخ قطب الدين الشيرازى شارح المفتاح وغيره، وجرى بينهما محاورات، ثم إن جلال الدين المذكور ترك الاشتغال وانقطع، وترك أولاده ومدرسته وساح فى البلاد، واشتغل بالأشعار، غالبها بالفارسيّة، وألف كتابا وسماه المثنوى، وفيه كثير مما يرده الشرع والسنّةالطاهرة، وضلّت بسببه طائفة كثيرة، ولا سيما أهل الروم، وقد ينقل عنهم من الإطراء فى حق جلال الدين المذكور ما يؤدّى إلى تكفيرهم وخروجهم عن الدين المحمدىّ والشرع الأحمدىّ. ويقال: إنّ سبب عدول الجلال المذكور عن التصدّى بالإشتغال بالعلوم، وإنّ توجّهه إلى الحال التى تنقل عنه، أنه كان جالسا يوما فى بيته وحوله الكتب والطلبة، فدخل عليه الشيخ شمس الدين التبريزى، فسلّم وجلس فقال: ما هذا؟ وأشار إلى الكتب والحالة التى هو عليها، فقال جلال الدين: هذه لا تعرفها، فما فرغ الجلال من هذه اللفظة إلا والنار قد عملت فى البيت والكتب، فقال الجلال للتبريزى: ما هذا؟ فقال له التبريزى: هذا لا تعرفه، ثم قام وخرج من عنده: فقام الشيخ جلال الدين وخرج وراءه ولم يجده، ثم ترك كتبه واشتغاله وأولاده وخرج منقطعا، ولم يحصل له الاجتماع بالتبريزى المذكور بعد. ويقال: إن حاشية جلال الدين قصدوه واغتالوه والله أعلم، مات الجلال فى خامس جمادى الآخرة من هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وسبعين وستمائة بمدينة قونية، ودفن بها، وبنيت عليه تربة عظيمة، ولقد زرته فى سنة « ...... » (¬١) وثمانمائة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثالثة والسبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العبّاسى. وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة: الملك الظاهر، ﵀. وبقيّة أصحاب البلاد على حالهم. وفيها اطّلع [٥٩٣] السلطان على ثلاثة عشر أميرا من المصريّة، منهم قجقار الحموىّ، قد كاتبوا التتار، فأخذهم، فأقّروا بذلك، وجاءت كتبهم مع البريد، فكان آخر العهد بهم.
  • full passagepage 587, entry [212]3,625 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ابن عطاء قاضى القضاة شمس الدين أبو محمد عبد الله (¬١) بن الشيخ شرف الدين محمد بن عطاء بن حسن بن جبير بن جابر بن وهب الأذرعى الحنفى. ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وتفقه على مذهب الإمام أبى حنفية رضى الله عنه، وناب فى الحكم عن الشافعى مدة، ثم استقل بالقضاء للحنف
    ▸ expand full passage (3,625 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان ابن عطاء قاضى القضاة شمس الدين أبو محمد عبد الله (¬١) بن الشيخ شرف الدين محمد بن عطاء بن حسن بن جبير بن جابر بن وهب الأذرعى الحنفى. ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وتفقه على مذهب الإمام أبى حنفية رضى الله عنه، وناب فى الحكم عن الشافعى مدة، ثم استقل بالقضاء للحنفيّة أول ما ولى القضاء من المذاهب الأربعة، ولما وقعت الحوطة على أملاك الناس أراد السلطان منه أن يحكم له بها بمقتضى مذهبه، فغضب من ذلك وقال: هذه بأيدى أربابها ولا يحل لمسلم أن يتعرض إليها، ونهض من المجلس، وغضب السلطان غضبا شديدا، ثم سكن غضبه، وكان يثنى عليه بعد ذلك ويقول: لا تثبتوا كتبا إلا عنده (¬٢)، وكان ﵀ من العلماء الأعيان، كثير التواضع، قليل الرغبة فى الدنيا، روى عنه ابن جماعة وغيره، وأجاز للبرزالى، وكانت وفاته يوم الجمعة التاسع من جمادى الأولى، ودفن بالقرب من المعظمية بسفح جبل فاسيون، ﵀.الشيخ مسلّم (¬١) - بتشديد اللام المفتوحة - البرقى البدوى، شيخ [٥٩٦] الفقراء. مات فى ليلة الخامس من شهر ربيع الأول من هذه السنة، ودفن من الغد بقرافة مصر الصغرى، كان أحد المشايخ المشهورين مقصودا للدعاء والتبرك، وله رباط بقرافة مصر الصغرى وأصحاب معروفون به. الشيخ الصالح أبو الطاهر محمد بن الشيخ المحدّث أبى الحسن مرتضى بن أبى الجود حاتم بن المسلم بن أبى العرب بن عباس الحارثى، المقدسى الأصل، المصرى المولد والدار، الضرير. كان شيخا صالحا من أهل الخير، مات فى ليلة السادس والعشرين من جمادى الأول بالقاهرة، ودفن من الغد بسفح المقطم بقرب المسجد المعروف بالفتح، ومولده فى ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسعين وخمسمائة، سمع، وحدث، وأبوه الشيخ أبو الحسن أحد المشايخ المعروفين بالطلب والحديث، وكتب بخطه كثيرا، وجمع، وحدث، وكان موصوفا بالخير والصلاح. الشيخ المحدّث أبو المظفر منصور (¬٢) بن سليم بن منصور بن فتوح الهمدانى الإسكندرانى، الفقيه الشافعى المنعوت بالوجيه.مات فى ليلة الحادى والعشرين من شوال بالإسكندرية، ودفن من الغد بالميناوين، ومولده فى الثامن من صفر سنة سبع وستمائة بالإسكندرية، وكان فقيها فاضلا، ومحدثا حافظا، وقدم بغداد وأقام بها مدة، وسمع بها الكثير، ثم لما قدم الإسكندرية تولى بها الحسبة، ودرس بها، وحدث، وجمع، وصنف، وخرج معجم شيوخه، وألف تاريخا لبلده الإسكندرية. الشيخ أبو الفتح عمر بن يعقوب بن عثمان بن طاهر بن المفضل الأربلى الصوفى. مات بدمشق فى يوم عيد الأضحى، ومولده فى ليلة الثامن والعشرين من شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بأربل، حدث بالإجازة من جماعة. الأمير الأصيل شهاب الدين أبو العباس أحمد (¬١) بن الأمير جمال الدين أبى [٥٩٧] الفتح موسى بن يغمور بن جلدك. مات فى الرابع والعشرين من جمادى الأولى بالمحلة من الأعمال الغربية، وكان واليا بها، وحمل إلى القرافة ودفن بتربتهم، حدّث بشئ من نظمه، وكان معروفا بالشدة والصرامة فى ولايته، وكان فاضلا فى الأدب والشعر، عارفا بصنعة الألحان وعلم الموسيقى.الأبرنس بيمند (¬١) بن بيمند صاحب طرابلس، هلك فى هذه السنة، ووصل ابن عمّه صاحب قبرس إلى طرابلس معزّيا لولده (¬٢)، وسألوا السلطان إرسال بعض أمرائه ليقرّروا معه الإتفاق، فأرسل إليهم الأمير سيف الدين بلبان الرومى الدّوادر (¬٣)، فقرر عليهم القيام بعشرين ألف دينار صورية وإطلاق عشرين أسيرا. وقال ابن كثير: وكان جدّ بيمند بن بيمند المذكور نائبا لبنت صنجيل الرومى الذى تملك طرابلس من ابن عمار فى حدود الخمسمائة كما تقدم، وكانت مقيمة ببعض جزائر البحر، فتغلّب على البلد لبعدها منه، ثم استقلّ بها ولده، ثم حفيده هذا، وكان شكلا مليحا. وقال قطب الدين اليونينى: رأيته ببعلبك فى سنة ثمان وخمسين وستمائة حين جاء مسلما على كتبغا نوين، ورأى أن يطلب منهم بعلبك، فشق ذلك على المسلمين، ولما توفى دفن بكنيسة طرابلس، ولما فتحت فى سنة ثمان وثمانين بعد الستمائة نبش الناس إياه من قبره، وألقوا عظامه على المزابل للكلاب (¬٤).فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الرابعة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. والسلطان الملك الظاهر بيبرس فى دمشق، وأرسل الأمير بدر الدين الخزندار إلى مصر فى الرابع والعشرين من المحرم لإحضار ولده الملك السعيد، فتوجّه وأحضره، ودخل دمشق فى سادس صفر من هذه السنة، وكان يوما مشهودا.
  • full passagepage 603, entry [219]2,520 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام الأديب العلامة تاج الدين أبو الثناء محمود (¬١) بن عابد (¬٢) بن الحسن ابن محمد بن على التميمى الصرخدى الحنفى. كان مشهورا بالفقه، والأدب، والعفّة، والصلاح، ونزاهة النفس، ومكارم الأخلاق، وكان مولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وروى، وتوفى فى هذه السنة،
    ▸ expand full passage (2,520 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام الأديب العلامة تاج الدين أبو الثناء محمود (¬١) بن عابد (¬٢) بن الحسن ابن محمد بن على التميمى الصرخدى الحنفى. كان مشهورا بالفقه، والأدب، والعفّة، والصلاح، ونزاهة النفس، ومكارم الأخلاق، وكان مولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع الحديث، وروى، وتوفى فى هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفية فى ربيع الآخر من هذه السنة وله ست وتسعون سنة. الشيخ الإمام عماد الدين عبد العزيز (¬٣) بن محمد بن عبد القادر بن عبد الله بن خليل بن مقلد الأنصارى الدمشقىّ المعروف بابن الصائغ. كان مدرسا بالعذراوية (¬٤)، وشاهدا بالخزانة بالقلعة، وكان يعرف الحساب جدّا، وله سماع ورواية، توفى فى هذه السنة ودفن بقاسيون. الشيخ أبو العباس أحمد السلاوى (¬٥) المغربى.مات فى السابع عشر من شهر ربيع الأول بمصر ودفن من يومه بسفح المقطم، وكان أحد المشايخ المشهورين بالصلاح المقصود للدعاء والتبرك. الشيخ أبو المعالى عبد الرحمن (¬١) بن الشيخ أبى القاسم عبد العزيز الأسكندرى المقرئ. مات فى هذه السنة بالإسكندرية. الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن (¬٢) بن الشيخ الإمام أبى العز مظفر الأنصارى الخزرجى المصرىّ. كان أحد الأئمة المشهورين بالفضل والعلم، وتوفى فى هذه السنة. ابن السّاعى المؤرخ تاج الدين على (¬٣) بن أنجب البغدادى. سمع الحديث، واعتنى بالتاريخ، ولم يكن بالحافظ ولا الضابط المتقن، وقد أوصى إليه ابن النجار (¬٤) حين توفى، وله تاريخ كبير ومصنفات أخر مفيدة (¬٥)، وآخر ما صنّف كتاب فى الزهد (¬٦)، ولد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومات [٦٠٧] فى هذه السنة، ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الخامسة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلّت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسى. والسلطان الملك الظاهر بيبرس ﵀ فى الكرك، وتوجّه منها إلى دمشق، فدخلها فى الثالث عشر من المحرم منها (¬١)، ولما وصلها بلغه وصول الأمراء الرومييّن المهاجرين إلى أبوابه، فسار من دمشق إلى حلب، فوصل بنجار الرومىّ (¬٢)، وبهادر ولده، وأحمد بن بهادر، واثنى عشر من أمراء الروم بأولادهم وأهليهم، من جملتهم: قرمشى وسكتاى ابنا قراجين بن جيغان نوين ونفرهما (¬٣) من قبيلته، بيسون وجيغان جدّهما كان سلحدار جنكزخان ملك التتار هو وبيجو، وكان قرمشى وسكتاى المذكوران قد أقاما بالروم عند البرواناه، وتزوج البرواناه بعمتهما، فطلبا إلى الأردو فامتنعا، وقتلا الذى جاء فى أثرهما، وقتلا كلّ من معه، ولحقا بنجار المذكور وحضرا معه، ولما حضروا إلى خدمة السلطان أحسن إليهم، وتلقاهم بالقبول، وجهّزهم وحريمهم إلى الديار المصريّة، وأجرى عليهم الأرزاق.ولما أفضت السلطنة إلى الملك المنصور قلاون تزوّج بنت سكتاى المذكور على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ثم وصل بعدهم سيف الدين جندربك صاحب الأبلستين (¬١)، والأمير مبارز الدين أمير شكار (¬٢)، وبلغ السلطان أن التتار وصلوا إلى كوك صو (¬٣) مع توقو وتداون، فعاد السلطان إلى الديار المصريّة لمهمات كانت بين يديه منها دخول الملك السعيد ولده بيته.
  • full passagepage 621, entry [230]3,757 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ أبو الفضل عيسى (¬١) بن الشيخ عبد الله بن عبد الخالق الدمشقى. مات فى هذه السنة، ودفن بالقرب من الشيخ رسلان، وكان مولده سنة أربع وستين وخمسمائة. الشيخ المحدّث شمس الدين أبو العباس أحمد (¬٢) بن محمد بن عبد الله بن أبى بكر الموصلى، ثم الدمشقىّ الصوفىّ. سمع الكثير، وكتب
    ▸ expand full passage (3,757 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ أبو الفضل عيسى (¬١) بن الشيخ عبد الله بن عبد الخالق الدمشقى. مات فى هذه السنة، ودفن بالقرب من الشيخ رسلان، وكان مولده سنة أربع وستين وخمسمائة. الشيخ المحدّث شمس الدين أبو العباس أحمد (¬٢) بن محمد بن عبد الله بن أبى بكر الموصلى، ثم الدمشقىّ الصوفىّ. سمع الكثير، وكتب الكتب الكبار بخط رفيع جيّد واضح، وجاوز السبعين، مات فى هذه السنة، ودفن بباب الفراديس، ﵀. الشاعر شهاب الدين أبو المكارم محمد (¬٣) بن يوسف بن مسعود بن بركة بن سالم بن عبد الله الشيبانى التلّعفرى (¬٤).صاحب ديوان الشعر، جاوز الثمانين، وكانت وفاته بحماة فى هذه السنة، وكان الشعراء معترفين بفضيلته وتقدّمه فى هذا الفن. القاضى شمس الدين علىّ (¬١) بن محمود بن علىّ بن عاصم الشهرزورى، ثم الدمشقى. مدرّس القيمريّة (¬٢)، شرط واقفها له ولذريّته من بعده، وقد سافر مع ابن العديم إلى بغداد؛ فسمع بها، مات فى هذه السنة، ودفن فى مقابر الصوفيّة بالقرب من ابن الصلاح. الشيخ الصالح العالم الزاهد أبو إسحاق إبراهيم (¬٣) بن سعد الله بن جماعة بن علىّ ابن جماعة بن حازم بن صخر الكنانىّ الحموىّ. له معرفة بالفقه [٦١٧] والحديث، ولد سنة ست وتسعين بحماة؛ وكانت وفاته بالقدس الشريف، ودفن بماملا، وسمع من الفخر بن عساكر، وروى عنه ولده قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة (¬٤).الشيخ الصالح جندل (¬١) بن محمد المنينى. كانت له عبادة وزهد، وكان الناس يترددون لزيارته بمنين، وكان من أهل الطريق، وعلماء التحقيق، وتوفى فى رمضان من هذه السنة وعمره خمس وتسعون سنة، ودفن فى زاويته المشهورة به بقرية منين (¬٢)، ﵀. محمد (¬٣) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحافظ بدر الدين أبو عبد الله بن الفويرة السلمى الحنفىّ. اشتغل على الصدر سليمان، وابن عطاء، وفى النحو على ابن مالك، وحصّل، وبرع، ونظم، ونثر، ودرّس بالشبّلية (¬٤)، والقصّاعين (¬٥)، وطلب لنيابة القضاء فامتنع، وكتب الكتابة المنسوبة، رآه بعض أصحابه فى المنام بعد وفاته فقال: ما فعل الله بك؟فأنشأ يقول: ما كان لى من شافع عنده … غير اعتقادى أنه واحد وكانت وفاته فى جمادى [الآخرة] (¬١) منها، ودفن بظاهر دمشق. محمد (¬٢) بن عبد الوهاب بن منصور بن شمس الدين أبو عبد الله الحرّانى الحنبلى. تلميذ الشيخ مجد الدين بن تيميّة (¬٣)، وهو أول من حكم بالديار المصريّة من الحنابلة نيابة عن القاضى تاج الدين بن بنت الأعزّ، ثم لما ولى شمس الدين ابن العماد القضاء مستقلا استنابه، ثم ترك ذلك ورجع إلى الشام يشتغل ويفتى ويناظر إلى أن توفى وقد نيّف على الستين. الشيخ رشيد الدين أبو محمد عبد الله (¬٤) بن نصر بن سعيد القوصىّ النحوى. توفى فيها بمصر، وكان متصدّرا لإقراء العربيّة، ﵀. الشيخ أبو المعالى أحمد (¬٥) بن أبى العباس بن عصرون التميمى الشافعى.وبيته مشهور بالعلم والتقدّم، توفى فى هذه السنة (¬١) بحلب. القاضى الفقيه أبو إسحاق إبراهيم (¬٢) بن محمد بن علىّ البوشىّ المالكىّ. وكان صالحا، تولى قضاء الإسكندريّة، وتوفى فى هذه السنة بمصر، ﵀. الشيخ [٦١٨] نجيب الدين أبو الفضل محمد (¬٣) بن علىّ بن الحسين بن حمزة الخلاطى. تولى الإعادة بالمدرسة السروريّة بالقاهرة، وذكر أنه شرح الوجيز فى عدة مجلدات، وتوفى فيها بالقاهرة. الأمير أبو عبد الله محمد (¬٤) بن الأمير أبى زكريا يحيى بن أبى محمد عبد الواحد ابن أبى حفص عمر صاحب تونس. مات فى هذه السنة. الأمير الطواشى يمن (¬٥) الحبشىّ، شيخ الخدّام بالحرم الشريف النبوىّ. توفى فى هذه السنة، وكان دينا عادلا، صادق اللهجة، وكان فى عشر السبعين، ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السّادسة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله. والسلطان الملك الظاهر قد دخل دمشق بعد رجوعه من بلاد الروم وكسره التتار على الأبلستين، وإقامته بعد ذلك على مرج حارم شهرا كما ذكرنا، فى اليوم الخامس (¬١) من محرم هذه السنة، فنزل بالقصر الأبلق الذى بناه غربىّ دمشق بين الميادين الخضر، وتواترت الأخبار بأن أبغا بن هلاون قد عزم على قصد بلاد الشام، فأمر عند ذلك بجمع الأمراء وضرب الدهليز منشورا، ثم جاء الخبر بأنّ أبغا عاد إلى بلاده، فرسم بردّ الدهليز، وأقام فى القصر الأبلق يجتمع عنده الأمراء، والدولة فى أسرّ حال، معتقدا أن الدنيا قد حصلت فى يده، والأقدار تخدمه فى بلوغ مقصده، وإذا بالعافية قد شمّرت الذيل، والصحّة قد انجابت كما ينجاب ضوء النهار من سدفة الليل، وأمر الله قد أدركه فلم تغن الحيلة ولا الحيل.
  • full passagepage 645, entry [245]6,194 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة شمس الدين أبو بكر محمد (¬١) بن الشيخ عماد الدين بن أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن علىّ بن سرور المقدسىّ. أول من ولى قضاء القضاة للحنابلة بمصر، سمع الحديث حضورا على ابن الطبرزد، وغيره، ورحل إلى بغداد، واشتغل بالفقه، وتفنن فى علوم كثيرة، وتولى مشيخة سعيد الس
    ▸ expand full passage (6,194 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة شمس الدين أبو بكر محمد (¬١) بن الشيخ عماد الدين بن أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن علىّ بن سرور المقدسىّ. أول من ولى قضاء القضاة للحنابلة بمصر، سمع الحديث حضورا على ابن الطبرزد، وغيره، ورحل إلى بغداد، واشتغل بالفقه، وتفنن فى علوم كثيرة، وتولى مشيخة سعيد السعداء (¬٢)، وكان شيخا مهيبا، حسن الشيبة، كثير التواضع والبرّ والصدقة، وقد اشترط فى قبول الولاية أن لا يكون له عليه جامكية، وقد عزله السلطان عن القضاء قبل موته سنة سبعين، واعتقله بسبب الودائع التى كانت عنده، ثم أطلقه بعد سنين، فلزم منزله واستقرّ فى تدريس الصالحيّة إلى أن توفى فى أواخر المحرم، ودفن عند عمه الحافظ عبد الغنى (¬٣) بسفح جبل المقّطم، وقد أجاز للحافظ البرزالى.الشيخ محيى الدّين النووى الإمام العالم العلامة أبو زكريّا يحيى (¬١) بن شرف [٦٣٠] بن مرى بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحزامى النووى، ثم الدمشقى، الشافعىّ. شيخ المذهب وكبير الفقهاء فى زمانه، ومن حاز قصب السبق دون أقرانه، ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى، وقدم دمشق سنة تسع وأربعين، وقد حفظ القرآن، فشرع فى قراءة التنبيه (¬٢). يقال: إنه قرأه فى أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع العبادات من المذهب فى بقيّة السّنة، ثم لزم المشايخ تصحيحا وشرحا، فكان يقرأ كل يوم عشر دروس على المشايخ، ثم عنى بالتصنيف، فخرّج أشياء كثيرة منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله، فمما كمله: شرح صحيح مسلم، والروضة، والمنهاج، ورياض الصالحين، والأذكار، والتبيان، وتحرير التنبيه وتصحيحه، وتهذيب الأسماء، واللغات، وطبقات الفقهاء، وغير ذلك، ومما لم يتمّمه: شرحه للمهذّب الذى سّماه المجموع وصل فيه إلى كتاب الربو، فأبدع فيه وأجاد وأفاد، وقد كان من الزّهادة والعباد والتحرّى والورع والانجماع عن الناس والتخلىّ لطلب العلم والتحلى به على جانب عظيم لا يقدر عليه غيره، وقد كان يصوم الدهر ولايجمع بين أذانين، وغالب قوته ما يحمله أبوه إليه من حوران، وقد باشر تدريس الإقبالّية نيابة عن القاضى شمس الدين بن خلكان، وكذلك فى الفلكية، والركنية، وكان لا يضيّع شيئا من أوقاته، وحج فى مدة إقامته بدمشق، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم، وكانت وفاته فى ليلة الرابع والعشرين من شهر رجب من هذه السنة بنوى ودفن فيها. على (¬١) بن على بن اسفنديار نجم الدين. الواعظ بجامع دمشق أيام السبوت فى الأشهر الثلاثة، وكان شيخ الخانقاة المجاهديّة (¬٢)، وبها توفى فى هذه السنة، وكان فاضلا بارعا، وكان جدّه يكتب الإنشاء للخليفة الناصر، وأصلهم من بوشح، ومن شعر نجم الدين هذا: إذا زار بالجثمان غيرى فإننى … أزور مع الساعات ربعك بالقلب وما كل ناء عن ديار بنازح … ولا كل دان فى الحقيقة ذو قرب [٦٣١] الشيخ الفخر أبو عبد الله محمد (¬٣) الفارسى. توفى ليلة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة منها بالقاهرة، رحمة الله. الشيخ عماد الدين عبد الرحمن (¬٤) بن داود ضاحى المعروف بالسمرباىّ.كان فاضلا، وله نظم حسن، ومن شعره: اجعل لربّك ما تأتى وما تذر … تفز لديه بما لا تبلغ الفكر وبادر الوقت بالخيرات مجتهدا … إن النفيس لخوف الفوت (¬١) يبتدر ولا تضع لاهيا عمرا شرفت به … فالعمر عقد له ساعاته درر لله كل الورى ملك فطاعته … أحقّ ما اكتسبته (¬٢) البدو والحضر فى الله فى كل (¬٣) … شئ فائت عوض إذا المعانى تحلّت غابت الصّور ومن يدم شغله بالله كان له … سمعا وعينا كذاك الخبر والخبر الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك (¬٤) بن الملك الناصر داود بن الملك المعظم ابن الملك العادل بن أيوب. توفى يوم السبت خامس عشر المحرم من هذه السنة مسقيّا كما ذكرنا عن أربع وستين سنة، وكان رجلا جيّدا، سليم الصدر كريم الأخلاق، ليّن الكلمة، كثير التواضع، يعانى ملابس العرب ومراكبهم، وهو معظم فى الدول، وكان كريما شجاعا مقداما، وكان يسكن البّر، وتزوج فى العرب، وأقام بينهم، يسير معهم حيث ساروا، وإذا غزوا غزا معهم، فحضر من الغزاء إلى دمشق، فشرب من كأس الظاهر الذى فيه حمامه كما ذكرنا.الأمير الكبير بدر الدين بيليك (¬١) بن عبد الله الخزندار نائب الديار المصرية للملك الظاهر. وكان خيّرا جوادا ممدّحا، له إلمام ومعرفة بأيام الناس والتواريخ، وقد وقف درسا بالجامع الأزهر بالقاهرة على الشافعيّة، ويقال: إنه سمّ فمات، وذلك بعد أيام يسيرة من موت السلطان الملك الظاهر. ويقال: إنه مات حتف أنفه والله أعلم، وانتقض بعده حبل الملك السعيد واضطربت أموره. الأمير شمس الدين آقسنقر (¬٢) بن عبد الله الفارقانى الظاهرى، أستاذ الدار. وكان يباشر [٦٣٢] نيابة السلطنة بالديار المصرية عند سفر السلطان الملك الظاهر، مات فى هذه السنة معتقلا فى القلعة بعد وفاة الأمير بدر الدين بيليك بأيام قليلة، ﵀. وممن توفى فى هذه السنة من الأمراء الأمير جمال الدين أقوش المحمدى، والأمير عز الدين الدمياطى، والأمير بلطا البيرى، والأمير بدر الدين الوزيرى، والأمير سنقر الرومىّ.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّابعة والسبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة وأولها يوم الأربعاء، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسى. وسلطان الديار المصريّة والشاميةّ والحلبيّة: الملك السعيد بن الملك الظاهر بيبرس. ونائبه بدمشق عز الدين أيدمر الظاهرىّ، وبحلب الأمير نور الدين على الهكارىّ. وصاحب حماة: الملك المنصور. وسلطان بلاد الروم: غياث الدين بن ركن الدين قليج أرسلان، وهو سلطان إسما، والحكم للتتار. وصاحب العراق وأذربيجان وغيرهما من تلك البلاد: أبغا بن هلاون. وصاحب اليمن: الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر. وصاحب مكة: الشريف نجم الدين بن أبى نمى الحسنى. وصاحب المدينة: عز الدين جماز بن سالم الحسينى. وفى أوائل المحرم جاء الخبر إلى دمشق بأن شمس الدين بن خلكان، تولى قضاء القضاة الشافعيّة بدمشق، عودا على بدء، وذلك بعد أن عزل عن قضاءدمشق مدة سبع سنين، فلما جاء الخبر بذلك امتنع قاضى القضاة عز الدين ابن الصائغ عن الحكم، وقد كان منصب القضاء بينهما دولا، ثم وصل ابن خلكان إلى دمشق، فدخلها يوم الخميس الثالث والعشرين من المحرم، فخرج نائب السلطنة الأمير عز الدين أيدمر، ومعه جميع الأمراء والموكب لتلقيه، وفرح الناس به فرحا شديدا، ومنهم من تلقاه إلى الرملة، ومدحه الشعراء، فكان فيمن أنشد الفقيه شمس الدين محمد بن جعفران: لما تولّى قضاء الشام حاكمه … قاضى القضاة أبو العباس ذو الكرم [٦٣٣] من بعد سبع شداد قال خادمه … ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم (¬١) وفى يوم الأربعاء ثالث صفر ذكر ابن خلكان الدرس بالظاهريّة التى بنيت موضع دار العقيقى بدمشق، ولم تكن المدرسة تكاملت بعد، وحضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر وبقيّة القضاة والأعيان، وكان مدرس الشافعية رشيد الدين عمر (¬٢) بن إسماعيل الفارقىّ، ومدرّس الحنفية الشيخ صدر الدين سليمان الحنفىّ (¬٣).وفى جمادى الأولى: باشر قضاء الحنفيّة بدمشق الشيخ صدر الدين سليمان المذكور، عوضا عن القاضى مجد الدين بن العديم بحكم وفاته، ثم توفى صدر الدين المذكور فى رمضان من هذه السنة، وتولى عوضه القاضى حسام الدين أبو الفضائل الحسن (¬١) بن القاضى تاج الدين أحمد بن القاضى جلال الدين الحسن ابن أبى شروان الفرازينى (¬٢) الذى كان قاضيا بملطية قبل هذا. وفى العشر الأواخر من ذى القعدة: فتحت المدرسة النجيبيّة (¬٣)، وحضر تدريسها القاضى شمس الدين بن خلكان بنفسه، ثم نزل عنها لولده كمال الدين موسى (¬٤)، وفتحت الخانقاة النجيبيّة، وكانتا وأوقافهما تحت الحوطة إلى الآن.
  • full passagepage 657, entry [249]9,274 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة صدر الدين سليمان (¬١) بن أبى العزّ وهيب بن نظام أبو الفضل الأذرعى، ثم الدمشقىّ الحنفى. الإمام العالم المتبحر العارف بدقائق الفقه وغوامضه، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر والشام، وشيخ الحنفيّة فى وقته شرقا وغربا، تفقه على الشيخ جمال الدين الحصيرىّ (¬٢) وغيره، ثم
    ▸ expand full passage (9,274 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى القضاة صدر الدين سليمان (¬١) بن أبى العزّ وهيب بن نظام أبو الفضل الأذرعى، ثم الدمشقىّ الحنفى. الإمام العالم المتبحر العارف بدقائق الفقه وغوامضه، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر والشام، وشيخ الحنفيّة فى وقته شرقا وغربا، تفقه على الشيخ جمال الدين الحصيرىّ (¬٢) وغيره، ثم سكن مصر، وحكم بها، ودرس بالصالحية، ثم رجع إلى دمشق فاتفق موت قاضى القضاة مجد الدين بن العديم، فولى القضاء عوضا عنه، فلم يبق فيه إلا ثلاث شهور حتى مات ليلة الجمعة سادس شعبان من هذه السنة ودفن من الغد بعد الصلاة بدار بسفح قاسيون، وله ثلاث وثمانون سنة، وولى القضاء بعده بدمشق حسام الدين الرومىّ، وكان الملك الظاهر بيبرس يحبّه ويبالغ فى احترامه، وأذن له أن يحكم حيث حلّ وكان لا يكاد يفارقه فى غزواته، وحج معه، ولم يخلف بعده مثله فى المذهب، وله شعر حسن ومنه ما قاله فى مملوك حسن الصور من مماليك الملك المعظم بن العادل زوّجه بجارية من جواريه موصوفة بالحسن:يا صاحبىّ قفا (¬١) … وانظرا عجبا أتى بنا (¬٢) الدهر فينا من عجائبه البدر أصبح فوق الشمس منزلة … وما العلوّ عليها من مراتبه أضحى يماثلها حسنا وصار لها (¬٣) … كفوا وسار إليها فى مواكبه (¬٤) فاشكل الفرق لولا وشى نمنمة … بصدغه واخضرار فوق شاربه قاضى القضاة مجد الدين عبد الرحمن (¬٥) بن كمال الدين (¬٦) عمر بن أحمد المعروف بابن العديم الحلبى، ثم الدمشقى الحنفىّ. ولى قضاء الحنفية بعد ابن عطاء بدمشق، وكان رئيسا ابن رئيس، له فضل ومكارم أخلاق، وقد ولى الخطابة بجامع القاهرة الكبير، وهو أوّل حنفىّ وليه، وكانت وفاته بجوسقه فى ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بالتربة التى أنشأ عند زاوية الحريرى على الشرف القبلى غربىّ الزيتون. الشيخ جمال (¬٧) الدين عبد الرحمن (¬٨) بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن عبد الله ابن الحسن بن عثمان بن الشيخ نجم الدين البادرائى البغدادى، ثم الدمشقى.[٦٣٧] درس بمدرسة أبيه من بعده إلى حين وفاته يوم الأربعاء سادس رجب، ودفن بسفح قاسيون، وكان رئيسا حسن الأخلاق، جاوز خمسين سنة. جمال الدين [طه بن] إبراهيم (¬١) بن أبى بكر الهمدانى الأربلى. كان أديبا، فاضلا، شاعرا، له قدرة فى تصنيف دو بيت، وقدم القاهرة حتى كانت وفاته بها فى جمادى الأولى من هذه السنة، اجتمع مرة بالملك الصالح نجم الدين، فجعل أيّوب يتكلم فى علم النجوم، فأنشده على البديهة: دع النجوم لطرقىّ يعيش بها … وبالعزيمة فانهض أيها الملك (¬٢) إن النبىّ وأصحاب النبى نهوا … عن النجوم فقد أبصرت ما ملكوا (¬٣) وكتب إلى صاحب له اسمه شمس الدين يستزيره بعد رمد أصابه وبرأ منه: يقول لى الكحّال عينك قد هدت … فلا تشغلن قلبا عليها وطب نفسا (¬٤) ولى مدة يا شمس لم أركم بها … وآية برء العين أن تبصر الشّمسا الوزير بهاء الدين أبو الحسن على (¬٥) بن محمد بن سليم المعروف بابن حنا المصرى.وزّر للملك الظاهر، ثم لولده الملك السعيد إلى أن توفى فى سلخ ذى القعدة منها، وكان ذا رأى وحزم وتدبير، وكان قد تمكن فى الدولة الظاهرية، لا تمضى الأمور إلا عن رأيه وأمره، وله مكارم على الأمراء وغيرهم، وقد امتدحه الشعراء، وكان ابنه تاج الدين وزير الصحبة وقد صودر فى الدولة السعيديّة. وقال النويرىّ: لما توفى الصاحب بهاء الدين بن حنّا احتاطوا على ابنه تاج الدين وأخيه زين الدين وعلى ابن عمه عز الدين بن محيى الدين، وأخذ خط كل واحد منهم بمائة ألف دينار بدمشق، وسيّروا الجميع تحت الحوطة إلى مصر، وتولى الوزارة بعد موت بهاء الدين المذكور الصاحب برهان الدين السنجارى. وقال النجم بن النجيب يهجو الصاحب بهاء الدين بن الحنّا المذكور: خربت ديارك يا بن حنّا وانقضى … زمن به أسرفت فى الطغيان ونقلت من دار النعيم إلى لظى … بفضاضة ملأت فضا النيران وتركت رهطك فى العذاب فلم يفد … ما نلت من عزّ بذ الخسران كم ذا تزخرف باطلا لبطالة … قام الدليل عليه بالبرهان [٦٢٨] ابن الظّهير اللغوىّ الحنفىّ محمد (¬١) بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبى شاكر مجد الدين أبو عبد الله الأربلى الحنفى المعروف بابن الظهير.ولد بأربل سنة إثنتين وستمائة، ثم أقام بدمشق، ودرّس بالقيمازية (¬١) وأقام بها حتى توفى فيها ليلة الثانى عشر من ربيع الأول منها، ودفن بمقابر الصوفية، وكان بارعا فى النحو واللغة، وكانت له اليد الطولى فى النظم، وله ديوان مشهور وشعر رائق حسن قوىّ، سمع الكثير من أصحاب أبى الوقت (¬٢) وغيره، قدم القاهرة فسمع بها وحدّث، وسمع ببغداد وبدمشق، روى عنه الحافظ الدمياطى (¬٣)، وتفقه فى مذهب أبى حنيفة على عبد الرحمن بن الفقيه محمد البغدادىّ. ومن شعره: طرفى وقلبى ذا يسيل دما وذا … دون الورى أنت العليم بقرحه (¬٤) وهما بحبّك شاهدان وإنما … تعديل كلّ منهما فى جرحه نجم الدين أبو المعالى محمد (¬٥) بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل ابن الحسن بن على بن محمد بن الحسين الشيبانى الدمشقى.ولد فى ضحى يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول من سنة ثلاث وستمائة، وصحب الشيخ على (¬١) بن أبى الحسن (¬٢) بن منصور البسرى (¬٣) الحريرىّ فى سنة ثمانى عشرة، وكان قد لبس الخرقة قبله من الشيخ شهاب الدين السهروردى (¬٤) وزعم أنه أجلسه فى ثلاث خلوات، وكان ابن إسرائيل يذكر أن أهله قدموا الشام مع خالد بن الوليد رضى الله عنه، فاستوطنوا دمشق، وكان أديبا فاضلا فى صناعة الشعر، بارعا فى النظم الفائق الرائق، ولكن فى كلامه ما يشير به إلى نوع من الحلول والإلحاد على طريقة ابن الفارض (¬٥) وابن عربىّ، والله أعلم بحاله وحقيقة أمره، وكانت وفاته بدمشق ليلة الأحد الرابع عشر من ربيع الآخر من هذه السنة عن أربع وسبعين سنة، ودفن فى تربة الشيخ رسلان داخل القبّة، وكان الشيخ رسلان شيخ الشيوخ على المغربل الذى تخرج على يديه الشيخ على الحريرى شيخ ابن إسرائيل.ابن العود الرافضىّ أبو القاسم الحسين (¬١) بن العود نجيب الدين الأسدىّ الحلىّ [٦٣٩] شيخ الشيعة، وإمامهم، وعالمهم فى أنفسهم. كانت له فضيلة، ومشاركة فى علوم كثيرة، حسن المحاضرة والمعاشرة، لطيف النادرة، وكان كثير التعبّد فى الليل والنهار، وله شعر جيّد، ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وتوفى فى شعبان (¬٢) من هذه السنة عن ست وتسعين سنة. الأمير الكبير جمال الدين أقوش (¬٣) بن عبد الله النجيبى أبو سعيد الصالحىّ. أعتقه الملك الصالح نجم الدين أيّوب وجعله من أكابر الأمراء، وولاه استاداريته، وكان يثق إليه ويعتمد عليه، وكان مولده فى سنة تسع أو عشر وستمائة، وولاه الملك الظاهر استاداريته، ثم استنابه بالشام تسع سنين فاتخذ فيها المدرسة النجيبية (¬٤) والخانقاة (¬٥) ووقف عليهما أوقافا دارّة واسعة؛ ولكن لم يقرّر للمستحقين قدرا يناسب ما وقفه عليهم، ثم عزله السلطان واستدعاه إلى الديار المصريّة، فأقام بهابطّالا، ثم مرض بالفالج أربع سنين، وقد عاده فى بعضها الملك الظاهر، ولم يزل به حتى كانت وفاته ليلة الجمعة خامس عشر ربيع الآخر بالقاهرة بدرب ملوخيا، ودفن فى يوم الجمعة قبل الصلاة بتربته التى أنشأها بالقرافة الصغرى، وقد كان ابتنى لنفسه تربة بالمدرسة النجيبيّة وفتح لها شباكين فى الطريق، فلم يقدّر دفنه فيها، وكان كثير الصدقة، محبا للعلماء محسنا إليهم، حسن الاعتقاد، شافعىّ المذهب، متغاليا فى السنة ومحبة الصحابة رضى الله عنهم، وبغض الروافض، ومن جملة أوقافه الخان الذى فى طريق الجسورة قبلىّ جامع كريم الدين (¬١) اليوم، وعليه أوقاف كثيرة، وجعل النظر فى أوقافه للقاضى شمس الدين بن خلكان ﵀. الأمير الكبير علاء الدين أيدكين (¬٢) بن عبد الله الشهابى واقف الخانقاة الشهابيّة (¬٣). وقد كان من أكابر الأمراء بدمشق، وقد ولى النيابة بحلب مدة، وكان من خيار الأمراء وشجعانهم، وله حسن ظن بالفقراء والإحسان إليهم، ومات فى خامس عشر ربيع الأول منها، ودفن بتربة الشيخ عثمان الرومىّ بسفح قاسيون وهو فى عشر الخمسين، والخانقاة المذكورة داخل باب الفرج، وكان لها شباك إلى الطريق. [٦٤٠] والشهابى نسبة إلى الطواشى شهاب الدين رشيد الكبير الصالحىّ.السّلطان عزّ الدين كيكاوس (¬١) بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق. مات فى هذه السنة عند منكوتمر ملك التتار بمدينة صراى، وكيكاوس المذكور هو الذى كان محبوسا فى قلعة من قلاع القسطنطينية كما تقدم ذكره عند القبض عليه فى سنة اثنتين وستين وستمائة (¬٢)، وذكر خلاصه واتصاله بملك التتار فى سنة ثمان وستين وستمائة (¬٣)، وخلّف عزّ الدين المذكور ولدا اسمه مسعود وقصد منكوتمر أن يزوّجه بزوجة أبيه عز الدين كيكاوس وهى أرباى خاتون، فهرب مسعود ابن كيكاوس واتصل ببلاد الروم، فحمل إلى أبغا، فأحسن إليه أبغا وأعطاه سيواس وأرزن الروم وأرزنجان (¬٤)، واستقرت هذه البلاد لمسعود بن عز الدين المذكور، ثم بعد ذلك جعلت سلطنة لمسعود المذكور، وافتقر جدّا وانكسر حاله، وهو آخر من سمى سلطانا بالروم من السلجوقيّة. وقال بيبرس: ولما هرب مسعود من عند منكوتمر استصحب معه ولدين كانا له أحدهما اسمه ملك والآخر قرامرد، وعدّى البحر المحيط، وجاء (¬٥) إلى قيسارية، فحمل إلى أبغا كما ذكرنا، وأما امرأة أبيه فإنها لم تصبر على فراقه، فجمعت أموالهاوسارت فى إثره وعدّت البحر ووصلت إلى الروم، فصادفتها كرسالية الفرنج فى البحر، فقطعوا عليها الطريق وأخذوا أموالها، وخرجت إلى ساحل صمصون (¬١)، ثم جاءت إلى أماسية، فصادفت بها زوجة سيف الدين طرنطاى، فأحسنت إليها وأنزلتها فى منزلها وأضافتها مدة شهر، وبلغ أبغا وصولها، فأمر بأن تحمل إلى الأردو مكّرمة، فلما وصلت إلى قريب الأردو خرجت الخواتين ونساء أبغا لتلقّيها، وسألها أبغا عما اتفق لها ومن من أهل الروم أكرمها أو خدمها، فأخبرته بإكرام كرجى خاتون زوجة طرنطاى لها وما عاملتها به من الخير، وكانت كرجى خاتون قد أعلمتها [٦٤١] بحال سنان الدين الرّومىّ ولدها وأنه معتقل بالديار المصريّة، وأنها تختار أن تتحيّل له فى الخلاص، وتخشى من أبغا أن تسيّر رسولا إلى مصر أو هدية أو غير ذلك، فأجرت أرباى خاتون الحديث مع أبغا، فأمر بأن يكتب مرسوم إلى صمغار نائبه فى الروم أن يقطع انطالية - باللام - لوالدة سنان الدين الرومىّ لتكون بها قريبة من ولدها، وأن يؤذن لها فى التحيّل على خلاصة بما تختاره من الرسل وغيرهم إما ظاهرا وإما سرّا، فتوجه الأمير سيف الدين طرنطاى وزوجته من أماسية إلى انطاليه وجهّزا رسولا وهدية إلى الديار المصريّة بسبب ولدهما، فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى (¬٢).فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثّامنة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*). استهلت هذه السّنة، وأولها يوم الأحد والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. والسلطان الملك السعيد بن الملك الظاهر بدمشق، والعساكر الذين خامروا عليه الذين كانوا بالمرج، ثم رحلوا إلى الكسوة هناك، وقد اتفق فى هذه السنة أمور عجيبة من وقوع الخلف بين الممالك كلها، قد اختلفت التتار فيما بينهم واقتتلوا، فقتل منهم خلق كثير، واختلفت الفرنج الذين فى الساحل وقتل بعضهم بعضا، وكذلك الفرنج الذين هم فى البحر اختلفوا واقتتلوا، وافتتلت قبائل الأعراب بعضهم فى بعض قتالا شديدا، وكذلك وقع [الخلف] (¬١) بين العشير من الحوارنة بعضهم على بعض وقامت الحرب بينهم على ساق، وهكذا وقع الخلف بين الأمراء الظاهرية كما ذكرنا فى العام الماضى (¬٢).
  • full passagepage 690, entry [266]3,347 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عبد السلام (¬١) بن أحمد بن غانم بن على بن إبراهيم بن عساكر بن حسين، عز الدين أبو محمد الأنصارى المقدسىّ، الواعظ المطيق المغلق، الشاعر الفصيح الذى ينسج على منوال ابن الجوزى وأمثاله. وقع من موضع مرتفع فتوجع قليلا، ومات يوم الأربعاء الثامن عشر من شوال من هذه السنة بالقاهرة،
    ▸ expand full passage (3,347 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عبد السلام (¬١) بن أحمد بن غانم بن على بن إبراهيم بن عساكر بن حسين، عز الدين أبو محمد الأنصارى المقدسىّ، الواعظ المطيق المغلق، الشاعر الفصيح الذى ينسج على منوال ابن الجوزى وأمثاله. وقع من موضع مرتفع فتوجع قليلا، ومات يوم الأربعاء الثامن عشر من شوال من هذه السنة بالقاهرة، ودفن بمقابر باب النصر، ولم يبلغ خمسين سنة، وله تصانيف كثيرة منها: تفسير القرآن فى مجلّد، وتلبيس إبليس وغيرهما، وكان له قبول من الناس، وقد تكلم مرة تجاه الكعبة المعظمة وفى الحضرة الشيخ تاج الدين الفزارىّ والشيخ تقى الدين بن دقيق العيد وابن العجيل من اليمن وغيرهم من سادات العبّاد والعلماء، فأجادوا وأفادوا، وخطب فأبلغ، وأحسن نقل هذا المجلس بحروفه الشيخ شرف الدين الفزارى، وأنه كان سنة خمس وسبعين وستمائة. الشيخ عمر (¬٢) بن مزاحم. والشيخ أبو الفضل على (¬٣) بن رضوان العدوىّ.وصاين الدين عبد الله (¬١) الخوارزمى أحد الصوفية بخانقاة سعيد السعداء. والشيخ الكبير قدوة المشايخ الروز بهارىّ الكازرونى. والشيخ الصالح مبارك الحبشىّ خادم الشيخ أبى السعود، ماتوا كلهم فى هذه السنة. الأمير نور الدين على (¬٢) بن عمر (¬٣) بن مجلى الهكارىّ. ولى نيابة السلطنة بحلب وأعمالها من سنة تسع وخمسين وستمائة إلى هذه السنة، وعزل عنها قبل موته بالأمير علاء الدين [٦٥٣] أيدغدى الكبكى، وتوفى بعد عزله بأيام قليلة فى هذه السنة بحلب ودفن بها، وكان حسن السيرة، كثير التواضع للعلماء والفقراء، وكان والده الأمير عز الدين من أكابر الأمراء بحلب. الأمير جمال الدين أقوش (¬٤) الركنى المعروف بالبطاح. أحد أمراء دمشق، كان مجردا مع العسكر فى سيس، فلما عاد مرض بحلب ومات بها، ونقل إلى حمص ودفن بمقبرة خالد بن الوليد رضى الله عنه.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التّاسعة والسّبعين بعد السّتمائة (¬*) استهلّت هذه السنة أولها يوم الخميس ثالث أيّار، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان الديار المصرية: الملك المنصور سيف الدين قلاون الألفى الصالحىّ، وبيده بعض بلاد الشام أيضا. وأما دمشق وأعمالها فقد استحوذ عليها الملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر. وصاحب الكرك: الملك المسعود نجم الدين خضر بن السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ. وصاحب حماة: الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقى الدين محمود. وفى صفد: علاء الدين الكبكى. وفى حلب: أقوش الشمسى. وصاحب بلاد الروم: السلطان غياث الدين بن السلطان ركن الدين قليج أرسلان، ولكن لا حكم له سوى الإسم، والحاكم عليها التتار.وبلاد العراق، وخرسان، والجزيرة، والموصل، وأربل، وأذربيجان، وديار بكر، وأخلاط، وغيرها بأيدى التتار وكبيرهم أبغا بن هلاون. وصاحب اليمن: الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن على بن رسول. وصاحب مكة: الشريف نجم الدين بن أبى نمى الحسنى. وصاحب المدينة: عز الدين جمّاز بن سالم الحسينى. ففى مستهلّ هذه السنة ركب سنقر الأشقر الذى تسلطن فى دمشق وتلقب بالملك الكامل من القلعة إلى الميدان الأخضر، وبين يديه الأمراء ومقدّمو الحلقة رجّالة يحملون الغاشية وعليهم الخلع، والقضاة والأعيان راكبون بالخلع، فسيّر فى الميدان ساعة، ثم رجع إلى القلعة، وجاء إلى خدمته الأمير شرف الدين عيسى ابن مهنّا ملك العرب، فقبّل [٦٥٤] الأرض بين يديه، وجلس إلى جانبه وهو على السماط، وقام له الكامل، وكذلك جاء إلى خدمته ملك أعراب الحجاز، وأمر الكامل أن تضاف البلاد الحلبيّة إلى ولاية القاضى شمس الدين بن خلكان ﵀، وولاّه تدريس الأمينية (¬١) وانتزعها من يد نجم الدين بن سنىّ الدولة، فدرس بها ابن خلكان (¬٢).ولما بلغ السلطان الملك المنصور ذلك أرسل إليه جيشا كثيفا على ما نذكره عن قريب، وقد ذكرنا فى السنة الماضية أن المنصور قد أرسل الأمير عز الدين الأفرم فى عسكر ليرهب بذلك الجماعة الذين بالكرك، وأن سنقر الأشقر أرسل أيضا طائفة من العسكر وتقاتلوا على غزّة، فانكسر عسكر الشام ورجعوا منهزمين إلى سنقر الأشقر، ثم أن سنقر الأشقر تجهّز وخرج بنفسه (¬١).
  • full passagepage 711, entry [275]2,683 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عز الدين أبو بكر (¬١) بن محمد بن إبراهيم الإربلى. توفى فى هذه السنة بدمشق فى الثالث عشر من ذى القعدة ودفن بمقابر الصوفية، وكان أديبا مطبقا مقتدرا على عمل الألغاز، ومن نظمه: الألفيّة فى الألغاز المخفيّة، وهى ألف لغز فى ألف اسم. شمس الدين محمد بن أيوب بن أبى رحلة الحمصى [٦٦
    ▸ expand full passage (2,683 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان عز الدين أبو بكر (¬١) بن محمد بن إبراهيم الإربلى. توفى فى هذه السنة بدمشق فى الثالث عشر من ذى القعدة ودفن بمقابر الصوفية، وكان أديبا مطبقا مقتدرا على عمل الألغاز، ومن نظمه: الألفيّة فى الألغاز المخفيّة، وهى ألف لغز فى ألف اسم. شمس الدين محمد بن أيوب بن أبى رحلة الحمصى [٦٦٥] مولدا وسكنا، البعلبكى وفاة. كان يستحضر الأشياء الحسنة، والأشعار اللطيفة. الشيخ الصالح داود (¬٢) بن حاتم بن عمر الحبّال. كان حنبلىّ المذهب، له كرامات وأحوال صالحة، ومكاشفات صادقة، وأصل آبائه من حرّان، وكانت إقامته ببعلبك، وبها توفى عن ستة وتسعين سنة. الشيخ الصالح على (¬٣) المعمر المعروف بطير الجنة. توفى فيها، ودفن بسفح المقطم بتربة سنقر الأشقر.الجزّار (¬١) الشاعر الماجن المعروف بالجزار. مدح الملوك والأمراء والوزراء والكبراء، وكان ماجنا ظريفا حلو المحاضرة، سمع الحديث، وكان مولده فى حدود ستمائة بعدها بسنة أو سنتين، وتوفى يوم الثلاثاء ثانى عشر شوال من هذه السنة، ودفن بالقرافة. قال: وقد تزوج أبوه بعجوز: تزوج الشيخ أبى شيخة … ليس لها عقل ولا ذهن كأنها فى فرشها رمّة … وشعرها من حولها قطن وقائل قال لى كم سنّها … فقلت ما فى فمها سنّ (¬٢) لو سفرت (¬٣) … غرّتها فى الدجى ما جسرت تبصرها الجنّ الأمير الكبير جمال الدين أقوش (¬٤) الشمسى. أحد أمراء الإسلام، وهو الذى باشر قتل كتبغا نوين مقدّم التتار يوم عين جالوت، وهو الذى أمسك عز الدين أيدمر الظاهرى، وقد ناب فى حلبفى السنة الماضية، وتوفى فى حلب فى خامس المحرم من هذه السنة، وتولى عوضه فى حلب علم الدين سنجر (¬١) الباشقردى. الأمير (¬٢) على بن عمر الطورى. كان من أبطال المسلمين وشجعانهم، وله صيت عظيم عند الفرنج، وتنقل فى الولايات الجليلة فى عدة جهات من بلاد الشام، توفى فى هذه السنة بجبل الصالحيّة ظاهر دمشق، ودفن بسفحه، وقد نيّف على تسعين سنة. الأمير سيف الدين أبو بكر (¬٣) بن أسبا سالار والى مصر. ولى مصر عدّة سنين وكان سمينا عظيما، مات فى ربيع الآخر (¬٤) من هذه السنة، ودفن بتربته فى القرافة، وكان خيرا فى أموره يشكره الناس.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثمانين بعد السّتمائة (¬*). استهلت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان الديار [٦٦٦] المصريّة والشاميّة: الملك المنصور قلاون الألفى الصالحى، وهو على الروحاء (¬١) بالقرب من عكا. ونائب دمشق: الأمير حسام الدين لاجين المنصورى. ونائب حلب: الأمير علم الدين سنجر الباشقردى. وفى عاشر المحرم انعقدت الهدنة بين أهل عكا وبين السلطان وهو على الروحاء. وفى تاريخ بيبرس: جاءت رسل الإفرنج إلى أبواب السلطان، وهو على الروحاء، يسألونه تقرير الهدنة، والزيادة على الهدنة الظاهرية، والصلح لأهل المرقب، ولم يزالوا يترددون إلى أن تقرر الحال على أن يكون لهم مناصفة الربض وبلنياس، على أن يردّوا كل من عندهم من أسرى المسلمين الذين أخذوهم فى الفسخ، وكانوا جماعة كثيرة، وتقرّرت الهدنة فى المحرم من هذه السنة، وحلف السلطان لهم ونودى بالصلح، وسير الأمير فخر الدين إياز المقرئ أمير حاجب ليحلفالفرنج ومقدّم بيت الاسبتار واسمه افربرتنكول لكورن (¬١)، فحلف على ما انعقد عليه الصلح (¬٢).
  • full passagepage 764, entry [298]5,675 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصّدر الكبير عماد الدين أبو الفضل محمد (¬١) بن القاضى شمس الدين أبى نصر محمد بن هبة الله بن الشيرازى. صاحب الطريقة المنسوبة فى الكتابة، سمع الحديث، وكان من رؤساء دمشق وأعيانها، توفى فى هذه السنة فى شهر صفر (¬٢). الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو محمد عبد الر
    ▸ expand full passage (5,675 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الصّدر الكبير عماد الدين أبو الفضل محمد (¬١) بن القاضى شمس الدين أبى نصر محمد بن هبة الله بن الشيرازى. صاحب الطريقة المنسوبة فى الكتابة، سمع الحديث، وكان من رؤساء دمشق وأعيانها، توفى فى هذه السنة فى شهر صفر (¬٢). الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن (¬٣) بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلىّ. أول من ولى قضاء الحنابلة بدمشق، ثم تركه وولى ابنه نجم الدين (¬٤) القضاءوتدريس الأشرفيّة بالجبل، وقد سمع الحديث الكثير، وكان من علماء المسلمين، وأكبرهم ديانة فى عصره وأمانة، مع هدى صالح، وسمت حسن، وخشوع ووقار، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر من هذه السنة، عن خمس وثمانين سنة، ودفن فى مقبرة والده (¬١). العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد (¬٢) بن محمد بن عباس بن أبى بكر بن جعوان الأنصارى الدمشقى، المحدّث، الفقيه الشافعىّ، البارع فى النحو واللغة. وقال ابن كثير: سمعت الشيخ تقى الدين بن يميّة، وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزىّ يقول كل واحد منهما: إن هذا الرجل قرأ مسند الإمام أحمد، ﵀، وهما يسمعان فلم يعدّا عليه لحنة (¬٣)، وناهيك بهذين ثناء، هذا وهماهما (¬٤). الخطيب محيى الدين يحيى (¬٥) بن الخطيب قاضى القضاة عماد الدين عبد الكريم بن قاضى القاضى جمال الدين بن الحرستانى الشافعىّ، خطيب دمشق، ومدرس الغزاليّة (¬٦).وكان فاضلا بارعا، أفتى ودرّس، ولى الخطابة، والغزالية بعد أبيه، وكانت وفاته فى جمادى الآخرة منها، عن ثمان وستين سنة، ودفن بسفح جبل قاسيون. الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم (¬١) بن الشيخ الإمام العلاّمة العالم تقى الدين بن تيمية مفتى الفرق. وكان الشيخ شهاب الدين له فضيلة حسنة ولديه فوائد كبيرة، وكان له كرسىّ [٦٨٨] بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظهر قلبه، وإليه مشيخة دار الحديث السكريّة بالقصاعين، وبها سكنه، ثم درس ولده الشيخ تقى الدين أول السنة الآتية، ودفن بمقابر الصوفية. الشيخ محمد اليمنى، خادم الشيخ سفيان أبى عبد الله. أقام فى القاهرة على قدم التجريد عشر سنين، وكان يأكل فى كل عشرة أيام أكلة واحدة، وكان لا يلبس المخيط، وكانت إقامته بباب سعادة، وتوفى يوم الاثنين الثانى عشر من جمادى الآخرة، ودفن بباب النصر. الشيخ عبد الرحمن (¬٢)، رسول الملك أحمد سلطان ملك التتار. توفى فى هذه السنة، وكانت وفاته قريبة من وفاة مرسله، وقد ذكرنا بعض ترجمته، وكان هو تلميذ الشيخ موفق الدين الكواشى.ويقال: إن موفق الدين أعطاه كتابا فى علم السيمياء، وقال له: اخرج اغسل هذا فى البحر، فخرج فأودعه عند من يثق به، وادعى أنه غسله، وبعد ذلك اشتغل به وتمهّر فيه، ودخل على الخواتين بهذا العلم، وحظى عند المغول، وعند الملك سلطان أحمد، كما ذكرناه. الأمير الكبير ملك عرب آل مرين أحمد (¬١) بن حجى، توفى فى هذه السنة بمدينة بصرى. الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد (¬٢) بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب، صاحب حماة. توفى فى هذه السنة، كذا أرّخ بيبرس تاريخ وفاته فى هذه السنة (¬٣). وذكره الملك المؤيّد ابن ابنه فى تاريخه فى سنة ثلاث وثمانين وهو أجدر بذلك (¬٤)، فقال، ابتدأ به المرض فى أوائل شعبان بعد عوده من خدمة السلطان مندمشق، وكان مرضه حمى صفراويّة داخل العروق، ثم صلح مزاجه بعض الصّلاح، فأشار الأطبّاء بدخوله الحمام، فدخلها، فعاوده المرض، وأحضر له الأطبّاء من دمشق مع من كان فى خدمته منهم، واشتدّ به ذات الجنب، وعالجه بما يصلح لذلك فلم يفد شيئا، وفى مدة مرضه أعتق مماليكه، وتاب توبة نصوحا، وكتب إلى السلطان الملك المنصور قلاون يسأله فى إقرار ابنه الملك المظفر محمود (¬١) فى ملكه على قاعدته، واشتدّ به مرضه حتى توفى بكرة حادى عشر شوال من سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وكانت ولادته فى الساعة [٦٨٩] الخامسة يوم الخميس لليلتين يقينا من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، فيكون عمره إحدى وخمسين سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوما، وملك حماة يوم السبت ثامن جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وهو اليوم الذى توفى فيه والده الملك المظفر محمود، فيكون مدة ملكه إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام. وكان أكبر أمانيه أن يعيش حتى يسمع جوابه من السلطان فيما سأله من إقرار ولده الملك المظفر محمود على حماة، فاتفقت وفاته قبل وصول الجواب، وكان قد أرسل فى ذلك على البريد مملوكه سنقر أمير آخور، فوصل بالجواب من السلطان. بعد البسملة. المملوك قلاون. أعز الله أنصار المقام العالى المولوى السلطانى الملكى المنصورى الناصرى، ولا عدمه الإسلام، ولا فقدته السيوف والأقلام، وحماه من ذى داء، وعودعوّاد، وإلمام الآلام، المملوك يجدّد الخدمة التى كان يودّ تجديدها شفاها، ويصف ما عنده من الألم لما ألّم بمزاجه الكريم، حتى أنه لم يكد يفتح بحديث فاها، ولما وقفنا على كتاب المولى المتضمن بمرض الجسد المحروس، وما انتهى إليه الحال، كادت القلوب تنشق، والنفوس تذوب حزنا، والرجاء من الله أن يتداركه بلطفه، وأن يمنّ بعافيته التى رفع فى مسألتها يديه وبسط كفيه، وهو يرجو من كرم الله معاجلة الشفاء، ومداركة العافية الموردة بعد الكدر مورد الصفا، وأن الله يفسح فى أجل المولى، ويهبه العمر الطويل. وأما الإشارة الكريمة إلى ما ذكره من حقوق يوجبها الإقرار، وعهود آمنت بدورها من السرار، ونحن نحمد الله، فعندنا تلك العهود ملحوظة، وتلك المودّات محفوظة، فالمولى يعيش قرير العين، فما تمّ إلاّ ما يسرّه من إقامة ولده مقامه، لا يحول ولا يزول، ولا يرى على ذلك ذلّة ولا ذهول، ويكون المولى طيب النفس، مستديم الأنس بصدق العهد القديم، وبكل ما يؤثر من خير مقيم. ولما وصل الكتاب اجتمع لقراءته الملك الأفضل، والملك [٦٩٠] المظفر، وعلم الدين سنجر المعروف بأبى خرص، وقرئ عليهم، فتضاعف سرورهم بذلك. وكان الملك المنصور محمد ملكا ذكيا، فطنا، محبوب الصورة، وكان له قبول عظيم عند ملوك الترك، وكان حليما إلى الغاية، يتجاوز عما يكره ويكتمه، ولا يفضح قائله، من ذلك أن الملك الظاهر بيبرس قدم مرة إلى حماة ونزل بالدار المعروفة الآن بدار المبارز، فرفع إليه أهل حماة عدة قصص يشكون فيها على الملكالمنصور، فأمر الملك الظاهر دواداره سيف الدين بلبان الرومى أن يجمع القصص ولا يقرأها، ويضعها فى منديل ويحملها إلى الملك المنصور صاحب حماة، فحملها الدوادار المذكور، وأحضرها إلى الملك المنصور، فقال: إنه والله لم يطلع السلطان - يعنى الملك الظاهر على قصة منها، وقد حملها إليك، فتضاعف دعاء الملك المنصور لصدقات الملك الظاهر، وخلع على الدوادار؛ وأخذ القصص، فقال بعض الجماعة: سوف يرى من تكلم بشئ لا ينبغى ما يلتقى، وتكلموا بمثل ذلك، فأمر الملك المنصور بإحضار نار وحرق تلك القصص، ولم يقف على شئ منها، لئلا يتغير خاطره على رافعها، وله مثل ذلك كثير.
  • full passagepage 785, entry [303]3,454 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان صاحب مجمع البحرين والبديع، الشيخ الإمام العالم العلاّمة، مظفر الدين أحمد (¬١) بن على بن تغلب بن أبى الضياء البغدادى، البعلبكى الأصل، المعروف بابن الساعاتى. سكن بغداد ونشأ بها، وأبوه هو الذى عمل الساعات المشهورة على باب المستنصريّة ببغداد، وكان مظفر الدين إماما عظيما فاضلا
    ▸ expand full passage (3,454 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان صاحب مجمع البحرين والبديع، الشيخ الإمام العالم العلاّمة، مظفر الدين أحمد (¬١) بن على بن تغلب بن أبى الضياء البغدادى، البعلبكى الأصل، المعروف بابن الساعاتى. سكن بغداد ونشأ بها، وأبوه هو الذى عمل الساعات المشهورة على باب المستنصريّة ببغداد، وكان مظفر الدين إماما عظيما فاضلا، وله تصانيف منها: مجمع البحرين فى الفقه، جمع فيه بين مختصر القدورىّ، والمنظومة (¬٢) مع زوائد، ورتبه فأحسن، وأبدع فى اختصاره، وأسّسه على قواعد لم يسبق إليها، وشرحه فى مجلّدين كبار، وسمعت بعض المشايخ أنّه سودّه ولم يبيّضه، وإنما بيّضته ابنته الستّ الجليلة فاطمة خاتون، وكانت قد تفقهت على والدها وبرعت. وقال صاحب طبقات الحنفيّة: ورأيت مجمع البحرين بخطها. قال العبد الضعيف مؤلّف هذا الكتاب: لقد اختصرت هذا الشرح وسميته: كتاب المستجمع فى شرح المجمع، وزدت فيه مذهب الإمام أحمد بن حنبلرضى الله عنه، وتعرّفت إلى عبارته وحلّ ألفاظه، فبحمد الله وعونه وقع موقع القبول، وكتبت منه نسخ وسارت بها إلى الآفاق: بلاد الروم والشام والعراق. ومن تصانيف الشيخ مظفر الدين: كتاب البديع فى أصول الفقه، وهو كإسمه بديع غريب عجيب، جمع فيه بين أصول فخر الإسلام البزدوىّ (¬١) والأحكام للآمدىّ (¬٢) وأسّسه على قواعد المعقول. واعتنى بشرحه جماعة من الفضلاء المتأخرين منهم: الشيخ الإمام شمس الدين الأصفهانى، وقاضى القضاة سراج الهندى وغيرهما، وكانت وفاته بعد سنة ثنتين وثمانين وستمائة، لأنه كان حيا فى سنة إثنتين وثمانين وستمائة. ويقال: إنه [٦٩٩] توفى وهو شاب، ومن جملة فضائله أنه كان يكتب خطّا حسنا جدا، ﵀. قاضى القضاة الإمام عز الدين أبو المفاخر محمد (¬٣) بن شرف الدين عبد القادر ابن عفيف الدين عبد الخالق بن خليل الأنصارى الشافعىّ الدمشقىّ [الشهير بابن الصائغ] (¬٤).ولى قضاء القضاة بدمشق مرتين، عزل به ابن خلكان، ثم ولى ابن خلكان، ثم عزل نائبه وسجن، وولى بعده بهاء الدين بن زكى، واستمرّ عز الدين المذكور معزولا إلى أن توفى ببستانه فى تاسع ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون، وكان مولده سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان مشكور السيرة، له عقل وتدبير، واعتقاد كثير فى الصالحين، وقد سمع الحديث وروى. القاضى نجم الدين عمر (¬١) بن نصر بن منصور [البيانى] (¬٢) الشافعى. توفى فى شوال، وكان فاضلا، ولى قضاء زرع، ثم قضاء حلب، ثم مات فى دمشق بالرواحية. القاضى جمال الدين أبو يعقوب يوسف (¬٣) بن عبد الله بن عمر الزواوى قاضى القضاة المالكية ومدرسهم بعد القاضى زين الدين (¬٤) الزواوى الذى عزل نفسه. وكانت وفاته فى الخامس من ذى القعدة من هذه السنة وهو فى طريق الحجاز، وكان عالما فاضلا قليل التكلف، وقد شغر المنصب بعده ثلاث سنين.الملك السّعيد فتح الدين عبد الملك (¬١) بن الملك الصالح أبى الحسن إسماعيل ابن الملك العادل، وهو والد الملك الكامل ناصر الدين محمد. توفى ليلة الاثنين ثالث رمضان، ودفن من الغد بتربة أم الصالح (¬٢)، وكان من خيار الأمراء، محترما، كبيرا، رئيسا، روى موطأ يحيى بن بكير عن مكرم (¬٣) ابن أبى الصقر، وسمع ابن الليثىّ وغيره. الشيخ طالب (¬٤) الرفاعىّ، توفى فى هذه السنة بقصر حجاج، وله زاوية مشهورة به. الإمام ناصر الدين أبو العباس أحمد (¬٥) بن محمد بن منصور بن أبى بكر بن قاسم ابن مختار الجذامى الجروى المالكى، المعروف بابن المنير، الحاكم بالإسكندرية.توفى فيها فى مستهل ربيع الأول، ومولده فى ثالث ذى القعدة سنة عشرين وستمائة بالإسكندرية، وكان إماما عالما متبحّرا فى العلوم خصوصا فى الأدب. الشيخ شرف الدين بن الميدومىّ (¬١) المحدّث بالمدرسة الكاملية. توفى فى هذه السنة بالقاهرة. [٧٠٠] الأمير شرف الدين عيسى (¬٢) بن مهنّى أمير آل فضل وأكبر أمراء عربان الشام. توفى فى هذه السنة، وكان دينا صالحا، وله اليد الطولى فى وقعة حمص، وتولى مكانه ولده الأكبر حسام الدين مهنّى (¬٣).فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والثمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. وحكام البلاد على حالهم غير صاحب الغرب، فإنه مات فى هذه السنة على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.
  • full passagepage 796, entry [308]5,195 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ [٧٠٣] عز الدين محمد (¬١) بن علىّ بن إبراهيم بن شداد الأنصارى الحلبى. توفى فى صفر، ودفن بسفح المقطم، وكان فاضلا مشهورا، وله تصنيف فى سيرة الملك الظاهر (¬٢)، وكان معتنيا بالتواريخ. الشيخ الصالح العابد الزاهد شرف الدين أبو عبد الله محمد (¬٣) بن الحسن بن إسماعيل الإخميم
    ▸ expand full passage (5,195 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ [٧٠٣] عز الدين محمد (¬١) بن علىّ بن إبراهيم بن شداد الأنصارى الحلبى. توفى فى صفر، ودفن بسفح المقطم، وكان فاضلا مشهورا، وله تصنيف فى سيرة الملك الظاهر (¬٢)، وكان معتنيا بالتواريخ. الشيخ الصالح العابد الزاهد شرف الدين أبو عبد الله محمد (¬٣) بن الحسن بن إسماعيل الإخميمى. توفى فى هذه السنة، ودفن بجبل قاسيون، وكانت له جنازة حافلة. الشيخ الصالح المقرئ شمس الدين أبو عبد الله محمد (¬٤) بن عامر بن أبى بكر الغسولى الحنبلى. سمع الحديث من الشيخ موفق الدين بن قدامة، وغيره، وكان شيخ الميعاد ليلة الأحد، توفى يوم الأربعاء حادى عشر جمادى الآخرة، ودفن بالقرب من تربة الشيخ عبد الله الأرمنى.القاضى عماد الدين داود (¬١) بن يحيى بن كامل القرشىّ البصروى الحنفى. مدرّس المعزيّة بالكشك، وناب فى الحكم عن مجد الدين بن العديم، وسمع الحديث، وتوفى ليلة النصف من شعبان من هذه السنة، وهو والد الشيخ شمس الدين (¬٢) القحفازى شيخ الحنفية وخطيب جامع تنكز. الشيخ حسن (¬٣) الرومى، شيخ سعيد السعداء، توفى فيها بالقاهرة، وولى مشيختها بعده شمس الدين الأيكى (¬٤). الرشيد سعيد (¬٥) بن على بن سعيد، الشيخ رشيد الدين الحنفى. مدرس الشبلّية (¬٦)، وله تصانيف مفيدة كثيرة ونظم حسن، وتوفى يوم السبت ثالث رمضان، وصلى عليه بعد العصر بالجامع المظفرى، ودفن بالسفح.أبو القاسم على (¬١) بن بلبان بن عبد الله الناصرى، المحدّث، المفيد الماهر. توفى يوم الخميس مستهل رمضان. الشيخ العارف شرف الدين أبو عبد الله (¬٢) محمد بن الشيخ عثمان بن على الرومى. توفى فيها، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون، ومن عندهم خرج الشيخ جمال الدين السّاوجى وخلق ودخل فى زىّ الجوالقيّة وصار شيخهم ومقدّمهم. الأمير مجير الدين محمد (¬٣) بن يعقوب بن على [الأسعردى] (¬٤)، المعروف بابن تميم الحموىّ الشاعر صاحب الديوان فى الشعر. فمن شعره قوله: عاينت ورد الروض يلطم خدّه … ويقول وهو على البنفسج محنق (¬٥) [٧٠٤] لا تقربوه وإن تضوّع نشره … ما بينكم فهو العدوّ الأزرقالأمير الكبير علاء الدين أيدكين (¬١) البندقدار الصالحىّ، أستاذ الملك الظاهر بيبرس. كان من خيار الأمراء، وقد كان الملك الصالح نجم الدين أيوبّ غضب عليه وصادره، وأخذ منه مملوكه بيبرس، وأضافه إليه لشهامته ونهضته، فتقدّم عنده على خشداشيته، وتوفى أيدكين المذكور فى ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بتربته بالشارع الأعظم قبالة حمام الفارقانى بظاهر القاهرة. السلطان يعقوب بن يوسف المرينى (¬٢). مرض وهو نازل على حصن الجزيرة بأطراف الأندلس، فاتفقت وفاته فى شهر المحرم (¬٣) هناك؛ وكان فى صحبته ولده أجيلد، فحمله إلى سلا ودفنه بها، وكان له من الأولاد يوسف، وأبو سالم، وعلى، ومحمد أجيلد، ومنديل، وجلس ابنه يوسف (¬٤) مكان أبيه، وكان مقيما بفاس، فركب وسار إلى الأندلس فى البحرلأجل جيش أبيه وخزائنه، فتلقاه أصحابه وأقاربه وبايعوه، وحضر إليه محمد ابن الأحمر معزّيا بأبيه، فتلّقاه بالإكرام، وأعاد إليه أكثر البلاد التى استولى أبوه عليها، وعاد أبو يعقوب إلى بلاده، وأغظ على إخوته وأفاربه، وكان شديد الوطأة عليهم، فقتل منهم جماعة من جملتهم أخوه محمد أجيلد، وأخوه منديل، وأظهر الشدة والغلظة والحزم والعزم.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الخامسة والثّمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العبّاسىّ. والسلطان فى البلاد المصرية والشاميّة الملك المنصور قلاون الألفىّ، وجرّد عسكرا كثيفا صحبة الأمير حسام الدين طرنطاى إلى الكرك وأمره بمنازلتها، فتوجّه إليها (¬١)، ونزل عليها، وأحضر آلات الحصار من البلاد الشامية والحصون الإسلاميّة، وشرع فى مضايقتها، وقطع الميرة عنها من سائر الجهات، وأظهر الجدّ والإجتهاد، وجرّد صوارم العزم من الأغماد، وخلط الترهيب بنوع من الترغيب، [٧٠٥] فاستدعى بعض رجالها، وخاطبهم بلسان الإحسان، وطيّب قلوبهم، فتسلّل أكثر الرجال إليه، فلما رأى الملك المسعود جمال الدين خضر وأخوه بدر الدين سلامش أنه قد أسلمهما رهطهما، وبقيا وحدهما مع انقطاع الميرة منهما. بذلا الطاعة وجنحا إلى الإذعان، وسألا خاتم الأمان من عند السلطان، فضمن الأمير حسام الدين عنه الإحسان والأمان والإيمان، فقالا: لا غنى لنا عن حضور خاتمه لنسكن إليه (¬٢)، ونعتمد عليه، فبادر بمطالعة الأبواب الشريفة السلطانيةصحبة البريديّة بحصول المقصود، والإذعان إلى الوفود، فإنّ الأمر بقى متوقفا على على مجئ أحد من خاصّة السلطان بخاتم الأمان. قال بيبرس فى تاريخه: فندبنى السلطان إليهم، ومعى أمانه الشريف، فسرت على البريد إلى الكرك، فاجتمعت بالأمير حسام الدين، فأعلمهما «بحضورى، فدخلت إليهما بالأمان، وأبلغتهما رسالة السلطان (¬١)» بمواعيد الإحسان، فطابت قلوبهما، (¬٢) وانشرحت صدورهما، واطمأنّت خواطرهما، ونزلا من الكرك إلى الأمير حسام الدين، فتلقّاهما بالإجلال والإعظام، وركب صبيحة ذلك اليوم إلى الصيد وركبا معه معا، وتصيّدنا يومنا ذلك، وعدنا إلى الوطاق، ورتّب الأمير حسام الدين الأمير عزّ الدين أيبك الموصلى المنصورى فى نيابة السلطنة بالكرك، فإنه كان نائبا فى الشوبك منذ تسلّمها السلطان، وحضر إلى الأمير حسام الدين عند نزوله على الكرك، ووقف بين يديه إلى أن سلمت إليه، فرتّبه فيها ورتّب فى ولاية القلعة الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وفى ولاية المدينة الأمير عزّ الدين أيبك النجمى، وكان السلطان قد عينّهما، وخلع المشار إليه عليهم، وعلى رجال القلعة، ومقدمى المدينة، وأمراء العربان، ورتّب أحوالها، ورحل عائدا إلى الديار المصريّة، وولدا الملك الظاهر صحبته. قال بيبرس: فلما وصلا إلى قريب القلعة ركب السلطان والعساكر والأمراء فى موكب حفل وتلقاهما، وأقبل عليهما، وأطلعهما القلعة، ولم يعرض [٧٠٦]إليهما بسوء؛ بل وفّى لهما بأمانة، وغمرهما بإحسانه، وأعطى كلاّ منهما إمرة بمائة فارس، واستمرّا يركبان معه فى الموكب، ويلعبا مع ولديه فى الميدان، ونزلهما منزله، وشرط عليهما أن يسلكا ما يجب من الأدب، ويتجنّبا مناهج الرّيب، فلبثا فى ذلك برهة فى أرغد عيشة وأهنى معيشة، ثم بلغه عنهما أمور أنكرها، فقبض عليهما واعتقلا، وبقيا فى الإعتقال إلى أيام ولده الملك الأشرف، فسيّرهما إلى القسطنطينيّة (¬١)، فكان منهما ما نذكره إن شاء الله.
  • full passagepage 808, entry [311]2,606 chars
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان أحمد (¬١) بن شيبان بن ثعلب الشيبانى، أحد مشايخ الحديث المسندين المعمّرين. توفى فى هذه السنة فى دمشق فى شهر صفر عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بقاسيون. الشيخ الإمام العالم البارع جمال الدين أبو بكر محمد (¬٢) بن أحمد بن عبد الله البكرى الشريشى المالكى. ولد بشريش (¬٣) فى سنة إحد
    ▸ expand full passage (2,606 chars)
    ذكر من توفّى فيها من الأعيان أحمد (¬١) بن شيبان بن ثعلب الشيبانى، أحد مشايخ الحديث المسندين المعمّرين. توفى فى هذه السنة فى دمشق فى شهر صفر عن ثمان وثمانين سنة، ودفن بقاسيون. الشيخ الإمام العالم البارع جمال الدين أبو بكر محمد (¬٢) بن أحمد بن عبد الله البكرى الشريشى المالكى. ولد بشريش (¬٣) فى سنة إحدى وستمائة، ورحل إلى العراق فسمع بها من المشايخ كالقطيعى وابن الليثى وغيرهما، واشتغل [٧٠٩] وحصّل وساد أهل زمانه وبنى أقرانه، ثم عاد إلى مصر فدرس بالفاضلية، ثم أقام بالقدس شيخ الحرم، ثم جاء إلى دمشق فولى مشيخة الحديث بتربة أم الصالح، ومشيخة الرباط الناصرى، ومشيخة المالكية، وعرض عليه القضاء فلم يقبل، وتوفى يوم الاثنين الرابع والعشرين من رجب بالرباط الناصرى، ودفن بسفح جبل قاسيون.قاضى القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف (¬١) بن قاضى القضاة محيى الدين أبى الفضل يحيى بن محمد بن علىّ بن محمد بن يحيى بن على بن عبد العزيز بن علىّ بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان رضى الله عنه القرشى الدمشقى، المعروف بابن الزكى الشافعىّ. وكان أحد الفضلاء البارعين؛ والعلماء المبرّزين، وهو آخر من تولى القضاء من بنى الزكى إلى يومنا هذا، وكان مولده فى سنة أربعين، وسمع الحديث، وتوفى ليلة الإثنين حادى عشر ذى الحجة، ودفن بقاسيون، وتوفى بعده ابن الجوزى. شهاب الدين الشيخ مجد الدين يوسف (¬٢) بن محمد بن عبد الله المصرىّ، ثم الدمشقىّ الشافعىّ الكاتب المعروف بابن المهتار. كان فاضلا فى الحديث والأدب، كان يكتب كتابة حسنة جدا، وتولى مشيخة دار الحديث النورية، وقد سمع الكثير، وانتفع الناس به، وبكتابته، وتوفى تاسع عشر ذى الحجة (¬٣)، ودفن بباب الفراديس. الشاعر الأديب شهاب الدين أبو عبد الله محمد (¬٤) بن عبد المنعم بن محمد المعروف بابن الخيمى.كانت له مشاركة فى علوم كثيرة، ويد طولى فى النظم الرائق الفائق، جاوز الثمانين سنة، وقد تنازع هو ونجم الدين بن إسرائيل (¬١) [فى] (¬٢) قصيدة بائية (¬٣)، فتحاكما إلى ابن الفارض، فأمرهما بنظم أبيات على رويهما، فنظم كل منهما فأحسن، ولكن حكم لابن الخيمى، وكذلك فعل القاضى شمس الدين بن خلكان، ﵀. البيضاوى هو القاضى الإمام العلامة ناصر الدين عبد الله بن (¬٤) عمر الشيرازى، قاضيها، وعالم أذربيجان وتلك النواحى. مات بتبريز فى هذه [٧١٠] السنة ومن مصنفاته: المنهاج فى أصول الفقه، وهو مشهور وقد شرحه غير واحد، وله منهاج آخر فى أصول الدين، ومنهاج آخر فى الفروع وشرحه هو، وله شرح التنبيه فى أربع مجلدات، وله الغاية القصوى فى دراية الفتوى، وشرح المنتخب والكافية فى المنطق، وله الطوالع، وشرح المحصول أيضا، وله غير ذلك من التصانيف المفيدة، وقد أوصى القطب الشيرازىّ أن يدفن إلى جانبه بتبريز، رحمهما الله. الأمير ركن الدين إباجى (¬٥) الحاجب، توفى فى هذه السنة، ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّادسة والثمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلّت هذه السنة، والخليفة هو الحاكم بأمر الله العباسىّ. وسلطان الديار المصريّة والشاميّة: الملك المنصور قلاون الألفى الصالحىّ. وبقية أصحاب البلاد على حالهم.
  • full passagepage 817, entry [315]6,894 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العلاّمة القدوة قطب الدين أبو بكر محمد (¬١) بن الشيخ الإمام أبى العباس أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن الميمون القيسى التوزرى (¬٢)، ثم المصرى، ثم المكى الشافعى المعروف بابن القسطلانى. شيخ دار الحديث الكاملية (¬٣) بالقاهرة، ولد سنة أربع عشر
    ▸ expand full passage (6,894 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العلاّمة القدوة قطب الدين أبو بكر محمد (¬١) بن الشيخ الإمام أبى العباس أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن الميمون القيسى التوزرى (¬٢)، ثم المصرى، ثم المكى الشافعى المعروف بابن القسطلانى. شيخ دار الحديث الكاملية (¬٣) بالقاهرة، ولد سنة أربع عشرة وستمائة، ورحل إلى بغداد وغيرها، وسمع الكثير وحصّل علوما، وكان يفتى على مذهب الشافعى، وأقام بمكة مدة طويلة، ثم صار إلى مصر، ثم تولى مشيخة الحديث بها، وكان حسن الأخلاق، محببا إلى الناس، وكانت وفاته فى أواخر المحرم، ودفن بالقرافة الكبرى، وله شعر حسن.الشيخ الإمام محمد (¬١) بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، بدر الدين ابن العلامة جمال الدين الطائى الجيانى، ثم الدمشقى. كان إماما فى النحو وغيره، أخذ عن والده، ومن تصانيفه: شرح ألفية والده، وله مقدمة فى المنطق، ومقدمة فى العروض، ومات قبل الكهولة من قولنج كان يعتريه كثيرا فى سنة ست وثمانين وستمائة بدمشق، ودفن بمقبرة باب الصغير. عماد الدين محمد (¬٢) بن عباس الدنيسرى الطبيب الماهر الحاذق الشاعر. خدم الأكابر والوزراء وعمّر ثمانين سنة، وتوفى فى صفر منها بدمشق. قاضى القضاة برهان الدين الخضر (¬٣) بن الحسن بن على السنجارى، ولى الحكم بديار مصر غير مرة وولى، الوزارة أيضا، وكان رئيسا وقورا مهيبا، وقد باشر بعده القضاء تقى الدين بن بنت الأعز.شرف الدين سليمان (¬١) الشاعر المشهور، له ديوان شعر رائق، توفى فى صفر منها. الشيخ الصالح عز الدين عبد العزيز (¬٢) بن عبد المنعم بن صيقل الحرانى. وله سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير، ثم استوطن مصر حتى كانت وفاته بها فى رابع عشر رجب وقد جاوز السبعين، وقد سمع منه الحافظ علم الدين للبرزالى لما رحل إلى مصر فى سنة أربع وثمانين. وحكى عنه أنه شهد جنازة ببغداد، فتبعهم نبّاش، فلما كان الليل جاء إلى ذلك القبر، ففتح عن الميت، وكان شابا قد أصابته سكتة، فلما فتح القبر نهض الميّت جالسا، فسقط النباش ميتا فى القبر، وخرج الشابّ من قبره وحكى له: كنت مرة بقليوب وبين يدى صبرة قمح، فجاء زنبور فأخذ حبّة من القمح، ثم جاء فأخذ أخرى، [٧١٤] ثم جاء فأخذ أخرى أربع مرّات، فذهبت فاتبعته، فإذا هو يضع الحبّة فى فم عصفور أعمى فى تلك الأشجار التى هناك. قال: وحكى لى الشيخ الصالح عبد الكافى أنه شهد مرة جنازة، فإذاعبد أسود معنا، فلما صلّى الناس لم يصل، فلما حضرنا الدفن نظر إلىّ وقال: أنا عمله، ثم ألقى نفسه فى القبر، فنظرت فلم أر شيئا. الحافظ أبو اليمن عبد الصمد (¬١) بن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن عسكر الدمشقى. ترك الرئاسة والأملاك، وجاور بمكة ثلاثين سنة مقبلا على العبادة والزهادة، وقد حصل له قبول تامّ من الناس من الشاميين والمصريّين وغيرهم، ثم كانت وفاته بالمدينة النبويّة فى ثانى رجب، ﵀. الشيخ الإمام الورع الزاهد الحافظ المجوّد صاحب الرياضات والمجاهدات صدر الدين محمد (¬٢) بن الشيخ سديد الدين القزوينى. إمام صفة صلاح الدين بخانقاة سعيد السعداء بالقاهرة، توفى فيها فى هذه السنة. الأمير سيف الدين قجقار (¬٣) المنصورى. نائب السلطنة بصفد، توفى فى هذه السنة.الأمير ركن الدين أباجى الحاجب (¬١)، توفى يوم الأحد عاشر رمضان من هذه السنة. الأمير سيف الدين كراى الظاهرى، توفى فى هذه السنة وكان أميرا كبيرا. الأمير حسام الدين لاجين (¬٢) الزينى السّعيدى، توفى فى هذه السنة. الأمير علم الدين سنجر (¬٣) الباشقردى الصالحى. توفى بالقاهرة ليلة الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان، وكان قد تولى نيابة حلب، ثم عزل عنها بالأمير قرا سنقر فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. الأمير بدر الدين بيليك (¬٤) الأيدمرىّ. توفى فى رابع المحرم منها ودفن بتربته قرب مشهد الإمام الشافعىّ رضى الله عنه، وحزن السلطان عليه حزنا عظيما.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّابعة والثمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. والسلطان الملك المنصور قلاون صاحب الديار المصريّة [٧١٥] والشامية والحلبيّة، وقد عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعىّ المنصورىّ عن الوزارة، وصادره، وأخذ أمواله، وكان أكثر حنقه عليه أنه بلغه عنه أنه قد أفحش فى المظالم، واستجلب الدعاء على دولته من العالم، وأن فى سجنه جماعة كثيرة عدتهم مئون، وقد مرت عليهم شهور وسنون، وقد صار موجودهم كله جعلا للرسل وبرطيلا للمقدّمين، فرسم لبهاء الدين بغدى الدوادار بأن يخرج إلى أماكن هؤلاء المصادرين، ويكشف أمرهم عن يقين، فخرج فى الليل إلى دار الفلوس التى هى مجمع الدواوين، فوجد فيها خلقا، فقاموا إليه مستصرخين، فأعلم السلطان بأمرهم، فأمر الأمير حسام الدين طرنطاى نائبه يعرضهم، وأمر [بإطلاق] (¬١) من يجب إطلاقه منهم، فعرضهم (¬٢) وأفرج عن جميعهم، وباء بأجرهم كما باء الشجاعىّ بإثمهم، ووجد سوء عاقبة ظلمهم، وكانت هذه النقمة الحالّة به بأدعيهم، فلله درّ القائل:أتهزأ بالدعاء وتزدريه … وما يدريك ما فعل الدعاء سهام الليل ما تخطئ ولكن … لها أجل وللأجل انقضاء (¬١) ثم ولّى السلطان الأمير بدر الدين بيدرا (¬٢) المنصورى الوزارة، وكان أولا أمير مجلس، ثم صار أستاذالدار، ثم نقله إلى الوزارة عوضا عن علم الدين سنجر الشجاعى المذكور، فأحسن فيها السيرة، وعامل الناس فى اللطف (¬٣)، وانكفّت فى أيامه المرافعات، وقلّت المصادرات، وانجلت ظلم الظلمات، وذاقت الدواوين حلاوة الأمن من بعد مرارة الخوف، ولم يزل مستمرا (¬٤) إلى أن انقضت الدولة المنصورية، وأقبلت الدولة الأشرفية، فنقل إلى نيابة السلطنة، فكان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى (¬٥). قلت: بيدرا هذا هو ثانى الوزراء من الترك أرباب السيوف، وأولهم الشجاعى المذكور، وكانت ولاية بيدرا للوزارة فى السابع والعشرين من ربيع الأول [٧١٦] من هذه السنة. وفيها: بنى السلطان ببنت الأمير شمس الدين سنقر التكريتى الظاهرىّ، وأفرج عنه من الإعتقال، وأعطاه إمرة بالشام، ثم بانت (¬٦) عنه.وفيها: فى شهر رمضان كبس نصرانىّ وعنده مسلمة وهم يشربون الخمر فى نهار رمضان، فأمر نائب السلطنة بدمشق حسام الدين لاجين بتحريق النصرانى، فبذل فى نفسه أموالا جزيلة، فلم تقبل منه، وحرّقه بسوق الخيل. وفيها: وقعت الحرب بين قبلاى خان صاحب التخت والتاج وبين قيدو وابن قجى وابن أوكديه بن جنكزخان أحد ملوك التتار، وكان سبب الواقعة أن أميرا من أمراء قبلاى يسمّى طردغا أحس [بأن] (¬١) قبلاى قد تغيّر عليه، وعزم على الإيقاع به، فهرب ولحق بقيدو، وحسّن له قصد قبلاى وحربه، وأطمعه فى أخذ مملكته، وقال له: إنه قد كبر سنّه وما بقى ينهض بتدبير ملكه، وإنما أولاده هم الذين يتولون الأمور وهم صبيان، فسار قيدو بجيوشه لقصده وسار طردغا صحبته، وبلغ ذلك قبلاى، فجهز جيوشه، وأرسلها صحبة ولده نمغان لحربه، فلما وصل قيدو قريبا من القوم، بلغه أنهم فى جمعية كثيرة، فأراد الرجوع من فوره، فقال له طردغا: يعطينى الملك تومان من نقاوة العسكر وأنا أدبر له الحيلة وأكسرهم. قال له قيدو: وكيف تصنع؟ قال: إن الطريق الذى قدامنا فيها واد بين جبلين، فأتوجّه بالتومان، فأكمن فى الوادى، ويتقدّم الملك إلى القوم حتى إذا وقعت العين على العين يرجع موليا، فهم لا بد لهم أن يتبعونه، فإذا تبعوه يستدرجهم إلى أن يصيروا بين الوادى وبينه، فأخرج إليهم ويلتفت العسكر عليهم، ففعل قيد وكذلك، وكمن الكمين مع طردغا نوين، وسار حتى تقابلالعسكران، ووقع العيان على العيان، فطمع عسكر قبلاى فيهم لقلتهم وحملوا عليهم، فما ثبتوا لحملتهم وانهزموا قدامهم راجعين، وتبعوهم طامعين حتى إذا تجاوزا مكان الكمين خرج عليهم طردغا نوين [ومن] (¬١) معه من نقاوة [٧١٧] التوامين، ثم كرّ عليهم قيدو بمن معه، فكسر عسكر قبلاى أشدّ كسرة، وأثخنوا فيهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم ساروا فى آثارهم حتى أشرفوا على ديارهم فنهبوها، ونهبوا من النساء والصبيان خلقا عظيما، وجلب من ذلك السبى عدّة من المماليك إلى الديار المصريّة، ونجا نمغان ابن قبلاى فى عدّة من أصحابه، فلما وصل إلى أبيه سخط عليه وأرسله إلى بلاد الخطا، فمات بها (¬٢). وفيها: « ...... » (¬٣). وفيها: حج بالناس سيف الدين بلبان الدكاجلى المعروف بالشحنة، فبارز عليه الأمير أبو نمى الحسنى صاحب مكة، وأمسكه باتفاق مع الحجاج، وسيّره إلى السلطان، فأرسله إلى الكرك، فاعتقل فيها مدة، ثم أطلق فيما بعد.
  • full passagepage 826, entry [317]4,651 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الخطيب الإمام قطب الدين أبو الوفا عبد المنعم (¬١) بن يحيى بن إبراهيم بن على ابن جعفر بن عبد الله بن محمد بن سعيد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف رضى الله عنه، القرشىّ الزهرىّ. خطيب القدس الشريف أربعين سنة، وكان من الصلحاء الكبار، مجموعا عن الناس، حسن ال
    ▸ expand full passage (4,651 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الخطيب الإمام قطب الدين أبو الوفا عبد المنعم (¬١) بن يحيى بن إبراهيم بن على ابن جعفر بن عبد الله بن محمد بن سعيد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف رضى الله عنه، القرشىّ الزهرىّ. خطيب القدس الشريف أربعين سنة، وكان من الصلحاء الكبار، مجموعا عن الناس، حسن الهيئة، مهيبا، عزيز النفس، يفتى الناس، ويذكر التفسير من حفظه فى المحراب بعد الصبح، وقد سمع الكثير، وكان من الأخيار، ولد سنة ثلاث وستمائة، وتوفى ليلة السابع والعشرين من رمضان عن أربع وثمانين سنة، وتولى موضعه بدر الدين بن جماعة (¬٢). الشيخ الصالح العابد إبراهيم (¬٣) بن معضاد بن شداد بن ماجد الجعبرىّ، تقى الدين أبو إسحاق.أصله من قلعة جعبر، ثم أقام بالقاهرة وكان يعظ الناس وكان الناس ينتفعون بكلامه كثيرا، توفى بالقاهرة يوم السبت الرابع والعشرين من المحرّم، ودفن فى تربته بالحسينية، وله نظم حسن، وكان من الصالحين المشهورين. ومن أشعاره قوله: أرى غراما وتعذيبا وفرط جوى … وحرقة فى الهوى تعلو على سقر ولست أدرى بمن وجدى ولا نظرت … عيناى حبّى فى بدو ولا حضر [٧١٨] فهل رأيتم جميع الناس أعجب من … حالى وقد سمعتم مثل ذا الخبر أذوب شوقا إلى من لست أعرفه … ولأى خيالا منه فى عمر (¬١) الحكيم الفاضل العلامة علاء الدين على (¬٢) بن أبى القرشى الدمشقى، المعروف بابن النفيس. نشأ بدمشق واشتغل بها على مهذب الدين الدخوارى، وإليه انتهت رئاسة الطبّ، وصنف التصانيف المفيدة منها: كتاب الشامل فى الطبّ، وكتاب المهذّب فى الكحل، وكتاب الموجز وهو من أحسن الكتب، وشرح القانونفى مجلدات كثيرة، وشرح مسائل حنين، وفصول أبقراط، وغير ذلك (¬١)، توفى بالقاهرة فى الحادى والعشرين من ذى القعدة منها. الشيخ بدر الدين أبو عبد الله محمد (¬٢) بن الشيخ جمال الدين بن مالك النحوى. شارح الألفية التى لأبيه وهو من أحسن الشروح وأكثرها فوائد، وكان لطيفا ظريفا فاضلا، توفى يوم الأحد الثامن من المحرم، ودفن من الغد بباب الصغير بدمشق. الشيخ الصالح ياسين (¬٣) بن عبد الله المقرئ، الحجّام. شيخ الشيخ محيى الدين النووى، وقد حج عشرين حجة، وكانت له أحوال وكرامات، توفى يوم الأربعاء الثالث من ربيع الأول. الشيخ أبو العباس أحمد (¬٤) بن عمر المرسى، من أصحاب الشيخ الشاذلى (¬٥)، توفى فى هذه السنة (¬٦).الشيخ الصالح عثمان (¬١) بن خضر بن سعد الكردى المراكشى العدوىّ صاحب الكرامات. توفى فى هذه السنة، وحكى عنه تلميذه قال: لما كان فى اليوم الذى التقى الملك الظاهر مع التتار بالأبلستين حصل للشيخ غفوة من الوسن، ثم أفاق من سنته فقال: كنت فى هذه الساعة فى بلاد الروم، ورأيت الملك الظاهر وقد انتصر على التتار ونصب دهليز على قيسارية، فورّخ الوقت والساعة، فكان الأمر كما أخبر الشيخ، ﵀ (¬٢). ناصر الدين حسن (¬٣) بن شاور النقيب الشاعر. وله أشعار ومقطعات رائقة، توفى فى هذه السنة، ومن أشعاره: عاش صبّا بكم ومات محبّا … فسقى الله منه مهدا وتربا ما قضى أو قضى حقوق هواكم … وأباح « ...... » (¬٤) جسما وقلبا [٧١٩] قام والله ما الذى أوجب العشق … على مثله وإن كان صعبا رضى الموت فى الغرام ولم … يرض ملاما عليه فيه وعتباهكذا هكذا وإلا فلا لا … كلّ من هام أو صبا أو أحبّا يا محبّين هذه صفة الحبّ … وذا وصف من يسمّى محبّا لو صدقتم محبّة ما نطقتم … لا تظنوا الغرام لهوا ولعبا ليس من يشهد القتال بعينيه … كمن يلتقى طعانا وضربا ريح صبّ لسوقه الحبّ للموت … فينقاد وهو لا يتأبّى وكان حس الدعابة، وجرّد فى وقت إلى بعض البياكر فقال: وجرّدت مع فقرى وشيخوختى إلى … غربتى فعينىّ مثل نومى مشرّدا فلا يدّعى غيرى مقامى فإنّنى … أنا ذلك الشيخ الفقير المجرّد محمد (¬١) بن محمد بن محمد العلامة أبو الفضائل، عرف بالبرهان النسفى الحنفى، صاحب التصانيف الكلامية والخلافيّة، مولده سنة ستمائة تقريبا، ولخّص تفسير الإمام فخر الدين، وله مقدّمة فى الخلاف مشهورة، وأجاز للإمام البرزالى فى سنة أربع وثمانين وستمائة، وكتب بخطه الملقب بالبرهان النسفى، توفى فى هذه السنة (¬٢)، ودفن تحت قبة مشهد أبى حنيفة رضى عنه. الملك الصّالح علاء الدين على (¬٣) بن الملك المنصور قلاون.مرض بالدوسنطاريّة الكبديّة، وهى من الأمراض القاتلة الرديّة، فتوالى عليه رمى الدم، وأعيى الأطبّاء دواءه، فقدّر الله منيّته فى هذه السنة. وقال ابن كثير: توفى ليلة الجمعة رابع شعبان من هذه السنة، فوجد عليه السلطان وجدا عظيما (¬١)، وكان قد عهد إليه فى الأمر (¬٢) من بعده، وخطب له معه (¬٣) على المنابر من مدة سنين، ودفنه فى تربته، وجعل ولاية [العهد من] (¬٤) بعده إلى ابنه الملك الأشرف (¬٥) خليل، وكتب بذلك إلى الآفاق، وخطب له بعد أبيه فى البلاد. وقال بيبرس: وخلف الملك الصالح ولدا ذكرا وهو الأمير مظفر الدين أمير موسى، ولما أفضت الدولة إلى عمّه السلطان الملك الناصر صار فى زمرة الأكابر وأمّره بمائة فارس: [٧٣٠] ورث السعادة عن أبيه وجدّه … وحوى السيادة كابرا عن كابر فالله يحرسه ويرفع مجده … فى ظلّ مولانا المليك الناصر الخونده غازية (¬٦) خاتون بنت السلطان الملك المنصور قلاون وزوجة الملك السعيد بن الظاهر، توفيت بعد الصالح المذكور ببرهة يسيرة، وهى أخته لأبيه، والله أعلم.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثّامنة والثمانين بعد السّتمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسىّ. والسلطان الملك المنصور قلاون صاحب الديار المصرية والشّاميّة والحلبّية، ونائبه فى الديار المصرية الأمير حسام الدين طرنطاى، وفى دمشق الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، وفى حلب الأمير قراسنقر المنصورى.
  • full passagepage 840, entry [321]10,619 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الإصبهانى شارح المحصول، محمد (¬١) بن محمود بن محمد بن عباد الكافى، العلامة شمس الدين الأصبهانى. قدم دمشق بعد الخمسين وستمائة، وناظر الفقهاء، واشتهرت فضائله، وسمع الحديث، وشرح المحصول لفخر الدين الرازىّ (¬٢)، وصنف القواعد فى أربعة فنون: أصول الدين والفقه والمنطق والخلاف، و
    ▸ expand full passage (10,619 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الإصبهانى شارح المحصول، محمد (¬١) بن محمود بن محمد بن عباد الكافى، العلامة شمس الدين الأصبهانى. قدم دمشق بعد الخمسين وستمائة، وناظر الفقهاء، واشتهرت فضائله، وسمع الحديث، وشرح المحصول لفخر الدين الرازىّ (¬٢)، وصنف القواعد فى أربعة فنون: أصول الدين والفقه والمنطق والخلاف، وله معرفة جيدة بالمنطق والخلاف والنحو والآداب، وقد رحل إلى مصر فدرس بمشهد الحسين رضى الله عنه، وبالشافعىّ ﵀، وغيرهما، ورحل إليه الطلبة، وكانت وفاته فى العشرين من رجب بالقاهرة عن ثنتين وسبعين سنة. الشمس محمد (¬٣) بن العفيف سليمان بن علىّ بن عبد الله بن على التلمسانى الشاعر المطبق.كانت وفاته فى حياة أبيه، فتألّم له، ووجد عليه وجدا شديدا، ورثاه بأشعار كثيرة، توفى يوم الأربعاء الرابع عشر من رجب، وصلى عليه بالجامع الأموىّ، ودفن بمقبرة الصوفية. ومن رائق شعره: لحاظك أسياف ذكور فما لها … كما نقلوا مثل الأرامل تغزل وما بال برهان العذار مسلّما … ويلزمه دور وفيه تسلسل وله: وإنّ ثناياه نجوم لبدره … وهنّ لعقد الحسن فيه فرائد وكم يتجافى خصره وهو ناحل … وكم يتحالى (¬١) ثغره وهو بارد وله يذمّ الحشيشة: ما للحشيشة فضل عند آكلها … لكنّه غير مصروف إلى رشده صفراء فى وجهه خضراء فى فمه … حمراء فى عينه سوداء فى جسده (¬٢) وله: بدا وجهه من فوق ذابل قدّه (¬٣) … وقد لاح من سود الذّوائب فى جنح فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجى … وقد طلعت شمس النهار على رمحوله من جملة أبيات: من أنت عندى والقضيب … اللّدن فى حدّ سوا هذا حرّكه الهوى … وأنت حرّكت الهوى (¬١) الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن (¬٢) بن يوسف بن محمد البعلبكى الحنبلى. شيخ دار الحديث النورية، ومشهد بن عروة، وشيخ الصدريّة، وكان يفتى ويفيد [٧٢٦] الناس مع ديانة وصلاح وعبادة، ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وتوفى فى رجب من هذه السنة. العلم الصاحب أحمد (¬٣) بن يوسف بن عبد الله بن شكر. كان من بيت علم ورئاسة، وقد درس هو فى بعض المدارس، وكانت له وجاهة ورئاسة، ثم ترك ذلك كله وأقبل على صحبة الحرافشة والتشبّه بهم فى اللباس والطريقة، واستعمل ما كان عندهم من الفهم فى الخلاعة والمجون، وقد كان له أولاد فضلاء ينهونه عما هو فيه فلا يلتفت إليهم، ولم يزل كذلك حتى توفى ليلة الجمعة الحادى والعشرين من ربيع الآخر.وقال بمدح الحشيشة: فى خمار الحشيش معنى مرامى … يا أهيل العقول والأفهام حرّموها من غير عقل ونقل … وحرام تحريم غير الحرام وله: يا نفس ميلى إلى التصبّى … فما للهو منه الفتى يعيش (¬١) ولا تملى من سكر يوم … إن أعوز الخمر والحشيش وله: جمعت بين الحشيش والخمر … فرحت لا أهتدى من السكر يا من يرمنى لباب مدرستى … يربح والله غاية الأجر الشيخ الحافظ ضياء الدين محمد بن الزرزارىّ، توفى فى ثامن جمادى الأولى من هذه السنة. الملك المنصور شهاب الدين محمود (¬٢) بن الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل. توفى يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان، وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن من يومه بتربة جدته، وكان ناظرها، وقد سمع الحديث الكثير، وكان يحبّ أهله، وكان فيه لطف وتواضع.الأمير عزّ الدين مغان أمير شكار، والأمير ركن الدين منكوبرس الفارقانى استشهدا فى غزوة طرابلس كما ذكرناه. قبلاى خان بن طلو بن دوشى خان بن جنكزخان ملك التتار بالصين. وهو أكبر الخانات لأنه الجالس على التخت، والحاكم على كرسى جنكزخان، وكان قد طالت مدته، وامتدت مملكته، توفى فى هذه السنة، وجلس بعده ولده شرمون بن قبلاى خان، وكان له ثلاثة أولاد وهم: نمغان وشرمون [٧٢٧] وكملك، فأما يمغان فإنه أرسله إلى بلاد الخطا لما غضب عليه عند رجوعه من كسرة قيدو منهزما، فمات ببلاد الخطا كما ذكرنا (¬١). وأما شرمون فإنه أكبر من أخيه، فأجلسوه فى الملك والله أعلم. الشّيخة فاطمة (¬٢) بنت الشيخ إبراهيم الزعيبى زوجة النجم إسرائيل. كانت من بيت الفقر، لها إقدام وترجمة وكلام فى الحريرية وغيرهم، ماتت فى هذه السنة، وحضر جنازتها خلق كثير، ودفنت بخوزستان. ***قد انتجز هذا الجزء المبارك على يد مؤلّفه ومسطره العبد الفقير إلى الله الغنى أبى محمد محمود بن أحمد بن موسى العينى الحنفى، عامله ربّه ووالديه بلطفه الجلىّ والخفى، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، بعد طلوع الفجر الصادق، وحلول صلاة الصبح، يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عام اثنتين وثلاثين وثمانمائة من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلوات، وأزكى التحيات، وعلى آله وصحبه وعترته وأزواجه إلى يوم الدين، وذلك فى منزله بحذاء مدرسته البدرية بحارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر، عمّره الله بالعبادات، مع تخلّلات الحوادث والأعراض، وتجرّع الغصص من أصحاب الشر والأعراض، فنسأل الله العظيم متوسّلين بنبيه الكريم أن يحرسنا من شرّ كل ذى شرّ وحسد، ومن عداوة كل ذى حقد ونكد، وأن يجعلهم مشغولين بأنفسهم حتى لا يشتغلون بالحط علينا، وببلوغ المنكّدات إلينا، إنه على ذلك قدير، وبدفعهم عنا هو القادر الجدير. ويتلوه الجزء الذى أوّله فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التاسعة والثمانين بعد الستمائة. انتهى كلام المصنف شيخنا. ***وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء فى ضحوة يوم الثلاثاء السابع من شهر جمادى الأولى عام خمس وتسعين وثمانمائة على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى عفوه ورحمته ومغفرته محمد بن أحمد بن محمد بن الأنصارى الحنفى، بمنزله بباب الجوانية داخل باب النصر بالقاهرة المحروسة، حامدا لله، ومصليا على رسوله، ومسلما، ومحسبلا، ومهللا، ومحوقلا. ***مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد .. فهذا هو الجزء الثالث من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك من كتاب بدر الدين محمود العينى المسمى «عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان» وهو عبارة عن ١٩٢ ورقة من الجزء ١٩ من نسخة دار الكتب المصرية رقم ١٥٨٤ تاريخ، وهى النسخة الملفقة من هذا الكتاب (¬١)، وهو نفس الجزء الذى يحمل رقم ١٥ من نسخة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة. وللجزء ١٩ من نسخة دار الكتب (١٥ فى معهد المخطوطات العربية بالقاهرة) أهمية خاصة إذ أنه بخط المؤلف، ويتناول أحداث وتراجم الفترة من ٦٨٩ - ٧٠٧ هـ، وقد اعتمد فيه العينى اعتمادا أساسيا على مصدرين معاصرين للأحداث، وشارك مؤلفاهما فى العديد من الأحداث. فالمصدر الأساسى الأول الذى اعتمد عليه العينى فى هذا الجزء من كتابه هو كتاب «زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة» لمؤلفه بيبرس بن عبد الله المنصورى قلاوون الدوادار، كبير الدولة الناصرية محمد بن قلاوون، ونائب السلطنة بالقاهرة، والذى توفى سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٤ م، والذى شارك فى العديد من الأحداث التى أوردها العينى فى هذا الجزء من كتابه.أما المصدر الأساسى الثانى الذى اعتمد عليه العينى فى هذا الجزء من كتابه فهو كتاب «نزهة الناظر فى دولتى المنصور والناصر» لمؤلفه موسى بن محمد بن يحيى اليوسفى، أحد أجناد الحلقة، والمتوفى سنة ٧٥٩ هـ/ ١٣٥٨ م. ونلاحظ أن العينى كان حريصا على أن ينقل الروايات والأحداث التى شاهدها اليوسفى بنفسه أو استقى معلوماته عنها من المشاركين فى الأحداث، كما حرص العينى على إثبات ذلك توثيقا لما يورده من روايات وأحداث. وأول نص ينقله العينى عن نزهة الناظر فى أوائل سلطنة الأشرف خليل ويتحدث فيه اليوسفى عن السبب فى مسك طرنطاى، وذلك فى حوادث سنة ٦٨٩ هـ، وبعد وفاة المنصور قلاوون، رغم أن عنوان الكتاب كما أورده العينى هو «نزهة الناظر فى دولتى المنصور والناصر»، ويبدو أن العينى وجد أن ما أورده اليوسفى عن دولة المنصور إنما نقله من مصادر أخرى، ولم يكن اليوسفى مشاركا فى الأحداث أو شاهد عيان، وبدأ يعتمد عليه فى الأجزاء التى تلت أخبار وفاة المنصور قلاوون. ومن الأمثلة التى تدل على حرص العينى فى هذا المجال ما يذكره مثل: «وقال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى جماعة منهم» أو «قال صاحب نزهة الناظر: أخبرنى علم الدين الطيبرسى» أو «قال صاحب نزهة الناظر ذكرلى زردكاش بيدرا» … الخ. وابتداء من حوادث سنة ٦٩٢ هـ نجد أن العينى ينقل عن اليوسفى باعتباره شاهد عيان، ويحرص العينى على إثبات ذلك فيقول: «قال صاحب التاريخ: ورأيته فى ذلك اليوم» أو «وقال صاحب التاريخ: كنت فى ذلك اليوم مع والدى أشاهد ما وقع» أو «قال: وقد خرجت مع والدى صحبة العسكروالسلطان لما خرجوا لقصد فتح قلعة الروم، وكان والدى مع جماعة المقدمين». وإذا كان كتاب «زبدة الفكرة» وبخاصة الجزء التاسع منه متداول ومعروف عند الباحثين والدارسين لعصر سلاطين المماليك، فإن كتاب «نزهة الناظر فى دولتى المنصور والناصر» يعتبر فى عداد الكتب المفقودة، اللهم فيما عدا الجزء الذى نشر أخيرا فى بيروت بعنوان «نزهة الناظر فى سيرة الملك الناصر» (¬١) والذى يتضمن أحداث الفترة ٧٣٣ - ٧٣٨ هـ، وهى فترة محدودة بالقياس إلى عنوان الكتاب كما أورده العينى «دولتى المنصور والناصر»، والمفترض أنه يتناول أحداث الفترة من ٦٧٨ - ٧٤١ هـ، ويصبح لنص العينى فى هذا الجزء أهمية خاصة إذ حفظ لنا مصدرا أساسيا لفترة هامة من عصر سلاطين المماليك. واعتماد العينى على هذين المصدرين - بصفة أساسية - فى هذا الجزء يزيد من أهمية الكتاب، ولا أبالغ إذا قلت أن العينى قد رفع هذا الجزء من كتابه إلى مستوى كتابات المعاصرين وشاهدى العيان والمشاركين فى الأحداث. وتبعا لخطة النشر فإن الجزء ١٩ من نسخة دار الكتب سوف ينشر فى جزئين - إن شاء الله - هما الثالث والرابع من القسم الخاص بعصر سلاطين المماليك. والجزء الثالث - الذى نقدمه اليوم - يتناول حوادث وتراجم الفترة من ٦٨٩ - ٦٩٨ هـ/ ١٢٩٠ - ١٢٩٨ م، وهى الفترة المحصورة بين وفاة السلطان الملك المنصور قلاوون، وبداية السلطنة الثانية للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتضمنت عهود ثلاثة من سلاطين المماليك هم: الأشرف خليلابن قلاوون، وزين الدين كتبغا، وحسام الدين لاجين، فضلا عن السلطنة الأولى للناصر محمد. وفى ختام هذا التعريف الموجز لا يسعنى إلا أن أتقدم بالشكر إلى الأستاذ على عبد المحسن زكى مدير عام مركز تحقيق التراث، وإلى أعضاء لجنة التاريخ بالمركز الذين قاموا بمراجعة تجارب المطبعة، وشاركوا فى إعداد كشافات الكتاب وهم: السيدة/نجوى مصطفى كامل، والسيد/على صالح حافظ، والسيد/عوض عبد الحليم حسن، والسيدة/إلهام محمد خليل، كما أوجه الشكر إلى السيد/عبد المنعم عبد الفتاح الناسخ بمركز تحقيق التراث. وبعد، فالكمال لله وحده، ولا يسعنى إلا أن أذكر قوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا»، وأدعوه ﷾ أن يوفقنا لإتمام هذا العمل ولخدمة التراث الإسلامى. والله ولى التوفيق، دكتور محمد محمد أمين (لوحة رقم ١ بداية الجزء ١٩ (لوحة رقم ٢ ورقة ٣ ويظهر بها مواضع الثقوب وطمس الكلمات (لوحة رقم ٣) ورقة ١٩١ (لوحة رقم ٤) ورقة ١٩٢ وبها نهاية الجزء المنشور﷽ فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التاسعة والثمّانين بعد الستمائة (¬*) استهّلت هذه السنة، والخليفة: الحاكم بأمر الله العباسى أبو العباس أحمد (¬١). وسلطان البلاد المصريّة والشاميّة: الملك المنصور قلاون (¬٢) الألفى الصالحى. وصاحب الروم: مسعود (¬٣) بن السلطان عز الدين كيكاوس، وليس له إلا الاسم، والحكم فيها للتتار. وصاحب البلاد الشمالية والتى كرسيّها صراى: تلابغا (¬٤) بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشى خان بن جنكز خان. وصاحب الصين الذى هو أكبر الخانات، والحاكم على كرسىّ مملكة جنكز خان: شرمون بن قبلاى خان بن طلو خان بن دوشى خان بن جنكز خان.وصاحب خراسان والعراقين وما والاها من البلاد: أرغون (¬١) بن أبغا بن هلاون الذى هو ملك التتار فى هذه البلاد. وفى هذه السنة اتصل الخبر بالسلطان المنصور قلاون أن الفرنج الذين فى عكا، قد عاثوا وأفسدوا ونهبوا (¬٢) إلى أن وصل إلى البلاد تجار من المسلمين ومعهم مماليك قاصدين بهم الأبواب السلطانية، فاحتاطوا عليهم وقتلوهم (¬٣)، وأخذوا ما معهم من المماليك والبضاعة. وذكر بيبرس فى كتابه المسمّى باللطائف (¬٤): أنهم قتلوا ثلاثين نفرا، فلما سمع السلطان بذلك غضب لله ولرسوله ﵇، وأرسل إليهم بالإنكار واسترجاعهم عن الغدر والإضرار، فأبوا إلا التمادى والإصرار (¬٥)، وإبداء الأعذار بما لا يقبل. فتأهب السلطان عند ذلك لقصدهم، وتجهز للسفر وأمر العساكر بالتجهيز، وخرج من القلعة وخيّم على مسجد التّبر (¬٦) فى العشر الأخير من شوال،واستخلف بالقلعة: ولده الملك الأشرف خليل (¬١)، والأمير زين الدين كتبغا (¬٢) نائب السلطنة، وكان قد أعاد الأمير علم الشجاعى (¬٣) إلى الوزارة، وكان أمر أيضا لنائب الشام (¬٤) أن يعمل مناجيق وزردخاناه لأجل حصار عكا. وكان قد سفّر بسبب ذلك الأمير عز الدين الأفرم (¬٥) أمير جاندار (¬٦)، وكان قد أفرج أيضا عن الأمير علم الدين سنجر الحلبى (¬٧) فى شوال، وكانت مدّة اعتقاله ست سنين، ولما خرجت العساكر ولم يبق إلا الرحيل عاقه القدر عما يرومه، وأدركه أمر الله، فتوفى إلى رحمة الله تعالى.
  • full passagepage 914, entry [333]9,485 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الإمام العلاّمة رشيد الدين أبو حفص عمر (¬١) بن إسماعيل بن مسعود الفارقى (¬٢) الشافعى، المدرس بالمدرسة الظاهرية (¬٣) بدمشق. ذكر الدرس بها فى الرابع من محرم هذه السنة، ثم دخل إلى مسكنه، فدخل عليه شخصان ممن يلوذون به، فخنقاه لأجل ماله - وعرفا بعد ذلك - وصلى عليه بالجامع الأم
    ▸ expand full passage (9,485 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الإمام العلاّمة رشيد الدين أبو حفص عمر (¬١) بن إسماعيل بن مسعود الفارقى (¬٢) الشافعى، المدرس بالمدرسة الظاهرية (¬٣) بدمشق. ذكر الدرس بها فى الرابع من محرم هذه السنة، ثم دخل إلى مسكنه، فدخل عليه شخصان ممن يلوذون به، فخنقاه لأجل ماله - وعرفا بعد ذلك - وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن بمقابر الصوفية. ومولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة (¬٤)، وقد جاوز التسعين، وكان من أفراد الزمان فى سائر العلوم من الفقه، والأصلين، والنحو، وعلمى المعانى والبيان، وحل الترجمة، والكتابة والإنشاء، ونظم الشعر، وعلم الفلك، وضرب الرمل، والحساب، وغير ذلك.ومن شعره ما ذكره الشيخ علم الدين البرزالى (¬١) قال. أشدنى الشيخ رشيد الدين لنفسه. مرّ النسيم على الروض الوسيم (¬٢) … فما شككت أنّ سليمى حلّت السّلما ولاح برق على أعلى الثنيّة لى … فقلت برق الثنايا لاح وابتسما مثنى الحبيبة روّاك السحاب فكم … ظمئت فيك وكم رويت فيك ظما به رأيت الهوى حلوا ومنزلنا … للّسهو خلوا وذاك الشمل ملتئما والدار دانية والدهر فى شغل … عما نريد وفى طرف الرقيب عمى والشمس تطلع من ثغر وتغرب فى … ثغر وتجلو سنا أنوارها الظلما وظبية من ظباء الإنس ما اقتنصت … ولا استباح لها طرف الزمان (¬٣) حما وجفنها فيه خمر وهو منكسر … والخمر فى القدح المكسور ما علما وثغرها يجعل المنظوم منتثرا … من اللآلى والمنثور منتظما تبسّمت فبكت عينى وساعدها … قلبى ولولا لما الثغر البسيم لما ولفظها فيه ترخيم فلو نطقّت … يوما لا عصم وافاها وما اعتصما [١٣] ولح لاح عليها قلت لا تكن لى … .... (¬٤) تعذيبها لى عذب والشفاه شفا … تجنى وأجنى ولا يبقى الّلما (¬٥) الماخود تجمّع فيها كلّ مفترق … من المعانى التى تستغرق الكلما عطت غز الاسطت ليثا خطت غصنا … لاحت هلالا هدت نجما بدت صنما (¬١) لما سرت أسرت … ... .... (¬٢) وصار مربعها قلبى ومربعها … .... (¬٣) ولم أكن راضيا منها بطيف كرى … فاليوم من لى .... (¬٤) الخطيب جمال الدين أبو محمد عبد الكافى (¬٥) بن عبد الملك بن عبد الكافى الربعى، خطيب جامع دمشق (¬٦). توفى بدار الخطابة بعد أن صلّى الصبح، وصلى عليه الشيخ برهان الدين السكندرى، وحمل نعشه على رؤوس الأصابع، وامتد الناس إلى الصالحية، ودفن برباط الشيخ يوسف الفقاعى (¬٧)، وباتت عنده الجهات، وأقام الناس عنده أياما ولياليا، ومولده فى شعبان سنة اثنتى عشرة وستمائة، وكان موته سلخ جمادى الأولى من هذه السنة.الشيخ الزاهد العابد العالم أبو طاهر فخر الدين إسماعيل (¬١) بن عز القضاة أبو الحسن على بن محمد بن عبد الواحد بن أبى اليمن. توفى فى العشرين (¬٢) من رمضان، ودفن بقاسيون بتربة بنى الزكى. محبة فى محى الدين بن عربى (¬٣)، فإنه كان يكتب من كلامه كل يوم ورقتين، ومن الحديث ورقتين. وكان من الصالحين الكبار المعرضين عن متاع الدنيا (¬٤). قال الشيخ علم الدين البرزالى: رأيت له المنامات الصالحة، فمن ذلك أنه رآه وهو يقول: أن الله تعالى لما فرغتم من غسلى غسّلنى بيده بالماء والثلج والبرد، ورآه أيضا وهو يقول: إن الله ﷿ إذا توفى رجلا صالحا أمر بضرب نوبة له فى السماء، فقال له الرائى: يا سيدى أنت أيضا، فتبسم. وله نظم كثير، فمن ذلك قوله: والنهر (¬٥) … قد جنّ بالغصون هوى (¬٦) فراح فى سرّه (¬٧) يمثلهافغار منه النسيم عاشقها … فجاء عن وصله يميّلها وله: لم أنت فى حق الصديق مفرّط (¬١) … ترضى بلا سبب عليه وتسخط يا من تلّون فى الوداد أما ترى … ورق الغصون إذا تلون (¬٢) يسقط وله: وملتثم بالشعر من فوق ثغره (¬٣) … غدا قائلا شبهه بى بحياتى (¬٤) فقلت سترت الصبح بالليل (¬٥) … قال لا ولكن سترت الدر (¬٦) بالظلمات قاضى القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد (¬٧) بن شمس الدين أبى محمد عبد الرحمن ابن أبى عمر محمد بن قدامة المقدسى الحنبلى.توفى فى الثانى عشر (¬١) من جمادى الأولى منها، وحضر جنازته الناس، ونائب السلطنة، ودفن بقاسيون، وله من العمر أربعون سنة سواء (¬٢). وكان فاضلا، بارعا، خطيبا، مدرس أكثر المدارس، شيخ الحنابلة، وابن شيخهم، وتولى بعده القضاء شرف الدين حسن (¬٣) بن عبد الله بن أبى عمر. الشيخ نور الدين [١٤] أبو الحسن على (¬٤) بن ظهير بن شهاب المصرى، ابن الكفتى، شيخ الاقراء بديار مصر. الشيخ الصالح العالم الفاضل شمس الدين محمد (¬٥) بن عبد الرزاق بن أبى بكر ابن رزق الله الرسعنى (¬٦) الحنبلى، المعروف بابن المحدث (¬٧).وفد إلى دمشق فاستوطنها، «وسافر إلى مصر فى شهادة، وعاد إلى الشام، فعند وصوله إلى نهر الشريعة (¬١) وقف ليسقى فرسه، فجفل الفرس فوقع فى النهر فغرق (¬٢). وله نظم حسن، فمن ذلك قوله: ولو أنّ إنسانا يبلّغ لوعتى … ووجدى وأشجانى إلى ذلك الرشا (¬٣) لأسكنته عينى ولم أرضها له … ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا (¬٤) وله: أأحبابنا إن جادت المزن أرضكم … فما هى إلاّ من دموعى تمطر وإن لاح برق فهو برق أضالعى … وإن ناح ورق عن أنينى يخبر وإن نسمت ريح الصبا وتأرّجت … فمن طيب أنفاسى بكم تتعطّر وإن رنحت أغصان دجلة فانثنت … فعنّى بابلاغ النسيم تخبّر ومن عجب أنى أكتم لوعة … وأودعها طىّ الصبا وهى تنشر الشيخ الجليل نجم الدين عبد الجليل بن محمد. « … » (¬٥). كان عنده فضيلة تامة، ومكارم خلق، وحسن عشرة، وكان « … » (¬٦) المزاح والهزل « … » (¬٧).وله نظم حسن، منه (¬١): « … (¬٢)» قبيلة ببلاد الحبشة، وكان سافر إليها فى هذه السنة، فعند وصوله إليها جفل من أهلها « … (¬٣)»، وضربه بحربة فقتله. وكان رجلا دينا، وعنده صيانة تامة، وكان يكتب خطا حسنا [١٥] وعمل مثمنات (¬٤). مليحة وأتى فيها بكل غريبة، وله نظم حسن، فمنه قوله فى عطار مليح: وعطّار كبدر التمّ حسنا … مررت به لأمر قد عنانى فقلت له أعندك ما ورد … فقال معرّضا بل ماء لسانى الشيخ الصالح أبو الزهر بن سالم بن زهير الغسولى. مات بقاسيون ودفن به، وكان شيخا مباركا خيرا مقصودا بالزيارة والتبرك. الطواشى شرف الدين مختص (¬٥) الظاهرىّ، مقدم المماليك السلطانية فى الدولة الظاهريّة والسعيديّة والمنصوريّة. مات فى هذه السنة (¬٦)، ودفن بالقرافة، وكان مهيبا، ذا حرمة وافرة، مبسوط اليد.الأمير الكبير علاء الدين الحاج طيبرس (¬١) الوزيرى، صهر السلطان الملك الظاهر. مات فى ذى الحجة (¬٢) من هذه السنة، ودفن بتربته التى أنشأها بسفح المقطم. وكان من أكابر الأمراء وأعيان الدولة ذوى الحل والعقد، وكان دينا كثير الصدقات، له خان بدمشق بالعقيبة على الصدقة، وله فى فكاك الأسرى وغير ذلك، وأوصى عند موته بثلاثمائة ألف [درهم (¬٣)] تصرف إلى الجند [الضعفاء (¬٤)] بالشام ومصر، فجعل لكل واحد خمسون درهما.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة التسعين بعد السّتمائة (¬*) استهلت، والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وسلطان البلاد المصرية والشامية: صلاح الدين خليل بن الملك المنصور قلاون، ونائبه بمصر: بدر الدين بيدرا، ووزيره شمس الدين بن سلعوس، ونائبه بدمشق: حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى. وصاحب تونس بالمغرب: عمر (¬١) بن يحيى بن محمد. وصاحب اليمن: الملك المظفر شمس الدين يوسف (¬٢) بن المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول. وصاحب مكة: نجم الدين أبو نمىّ محمد بن إدريس بن على بن قتادة الحسنى. وصاحب المدينة: عزّ الدين جماز (¬٣) بن شيحة الحسينى.وصاحب الروم: «مسعود بن السلطان عز الدين كيكاوس (¬١)». وصاحب ماردين: الملك المظفر قرا أرسلان (¬٢) بن الملك السعيد إيل غازى الأرتقى. وملك بلاد العراق وخراسان وتلك النواحى: أرغون بن أبغا بن هلاون بن باطو بن جنكزخان. وملك التتار بالصين، الحاكم على كرسى مملكة جنكزخان: عرمون بن قبلاى خان بن طلوخان بن دوشى خان بن جنكزخان. وملك التتار بالبلاد الشمالية، التى تختها مدينة صراى: تلابغا بن منكوتمر ابن طوغاى بن باطو بن دوشى خان بن جنكزخان. وفيها فى أول السنة، وكان يوم الخميس، تصدق الأشرف عن والده المنصور بأموال كثيرة جدا من الذهب والفضة، وأنزل السلطان إلى تربته (¬٣) فى ليلة الجمعة، فدفن فيها تحت القبة، ونزل فى القبر بدر الدين بيدرا، وعلم الدين الشجاعى. وفى ليلة الجمعة الثامن والعشرين من صفر، عمل الأشرف ختمة عظيمةلوالده أنفق فيها أموالا كثيرة، فنزل بنفسه وفرق فى الفقهاء والقراء من جميع أهل المدارس والزوايا والربط خمسة وأربعين ألف درهم وألف قميص. وفى أوائل العشر الأول (¬١) من المحرم ورد شمس الدين بن سلعوس من مكة، وقد ذكرنا أن الأشرف كان أرسل إليه نجابا يستدعيه، فحضر فى هذا [١٦] التاريخ، وولاه الوزارة (¬٢). والسبب إلى وصول هذا للأشرف واتصاله بالأمور التى لم يصلها متعمم قبله من أبناء جنسه فى الوزارة أن أباه كان رجلا تاجرا فى متجر القماش، توفى وورث منه مالا جزيلا، وشرع يصحب للصاحب تقى الدين توبة ناظر الشام ويتردد إليه إلى أن حصل أخذ المرقب، ودخل التقى إلى مصر صحبة السلطان المنصور، فدخل معه ابن سلعوس هذا، فرأى مصر وجندها وأمراءها (¬٣)، فأعجبه ذلك، وقال للتقى: أشتهى أن أكون مباشرا عند أحد من الأمراء ممن له تعلق فى دمشق، واتفق أن فخر الدين ابن الخليلى كان فى ذلك الوقت ناظر ديوان الأشرف، فسأل التقى توبة أن يحصل له شخصا من أهل دمشق يباشر ديوان الأشرف فى دمشق، فقال له: إن ههنا شخصا من دمشق، وهو صاحب مال جزيل من بيت كبير، فأحضره إليه، ودخلوا به إلى الأشرف، وتحدث معه التقى فى أمره، فقبله وخلع عليه، وولاه أمر ديوانه، ثم إنه عند وصوله إلى دمشق جهز للأشرف تقدمة هائلة، ثم لم تزل هداياه متواردة متوالية، واتفقبعد ذلك بمدة أن محتسب دمشق توفى، فجهز تقدمة لها صورة، فسأل مباشرة الحسبة، فسعى له الأشرف عند والده، وأخذ له توقيعا بالولاية، واستمر على ذلك إلى أن دخل مصر، وباشر ديوان الأشرف، ثم حصل له ما ذكرنا مع طرنطاى (¬١) نائب السلطنة من الأمور المنكرة حتى أنه خرج من مصر بعد شدّة رآها إلى أن جهز نفسه فى السنة الماضية إلى الحجاز الشريف، واتفق موت السلطان المنصور وتولية ابنه الأشرف، فكتب إليه كما ذكرنا فى السنة الماضية، ووصل فى أوائل هذه السنة، ولما وقف بين يدى الأشرف أكرمه إكراما عظيما، وقربه، وجعل يشكر فيه عند الأمراء، وخلع عليه خلعة الوزارة يوم الإثنين الثانى عشر من المحرم، ورسم لبيدرا والشجاعى وبقية الأمراء أن يخرجوا فى خدمته، فمشوا فى خدمته. وبغدى الدوادار حامل الدواة بين يديه. وكان له نهار عظيم ما وقع لوزير مثله. ثم رسم السلطان أن يركب الخدام يوم الإثنين والخميس فى موكبه، وولى بدر الدين مسعودى شد الدواوين فعظمت مهابته. ولما استقر أمره طلبه السلطان وعرّفه أن والده الشهيد كان قد عزم على الغزاة، وفتح حصن عكا، فأدركته الوفاة، وأنه قد عزم على ذلك، وأمره أن يجهز الأموال للنفقات على الأمراء والأجناد، وأذن للأمراء أيضا أن يجهزواأحوالهم، وأمر الأمير عز الدين الأفرم أمير جندار أن يذهب إلى نائب الشام، ويقول له: رسم السلطان أن تجهز جميع ما يحتاج إليه المجانيق (¬١) وآلات الحصار، ويتقدم بها إلى حيث يصل ركابه، فمضى من يومه على البريد. وأما ابن سلعوس فإنه قد بسط يده ولسانه، وأظهر من العظمة والكبرياء أمرا عظيما، ورسم لبعض مماليك السلطان أن يركبوا فى خدمته، فصار يركب فى موكب كبير، ووسع له السلطان فى الجامكية والرواتب، وألقى مقاليد (¬٢) [الدولة] إليه، فكان الزهو والكبرياء سببا لوباله، على ما تذكره إن شاء الله، فلله در القائل: من ناط بالعجب عرى أخلاقه … نيطت عرى المقت إلى تلك العرى [١٧] من طال فوق منتهى بسطته … أعجزه نيل الدّنى بله القضا من لم يقف عند انتهاء قدره … تقاصرت عنه فسيحات الخطا (¬٣)
  • full passagepage 963, entry [342]15,052 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المسند المعمر الرحلة فخر الدين بن البخارى، وهو أبو الحسن على (¬١) ابن أحمد بن عبد الواحد المقدسى الحنبلى، المعروف بابن البخارى. (¬٢) ولد فى سلخ سنة خمس أو مستهل سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتوفى ضحى نهار الأربعاء ثانى ربيع الآخر منها عن خمس وتسعين سنة، ودفن عند والده ال
    ▸ expand full passage (15,052 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المسند المعمر الرحلة فخر الدين بن البخارى، وهو أبو الحسن على (¬١) ابن أحمد بن عبد الواحد المقدسى الحنبلى، المعروف بابن البخارى. (¬٢) ولد فى سلخ سنة خمس أو مستهل سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتوفى ضحى نهار الأربعاء ثانى ربيع الآخر منها عن خمس وتسعين سنة، ودفن عند والده الشيخ شمس الدين [٣٣] أحمد (¬٣) بن عبد الواحد بسفح جبل قاسيون. كان (¬٤) رجلا صالحا، عابدا زاهدا، ورعا نسكا، تفرد بروايات كثيرة لطول عمره، وخرجت له مشيخات (¬٥)، وسمع منه الخلق الكثير، والجم الغفير، وكان متصديا لذلك حتى كبر، وأسن وضعف عن الحركة. وله شعر حسن، منه قوله: إليك اعتذارى من صلاتى قاعدا … وعجزى عن سعى إلى الجمعاتوتركى صلاة الفرض فى كل مسجد … تجمعّ فيه الناس للصلوات فيارب لا تمقت صلاتى ونجنى … من النار واصفح لى عن الهفوات وله: تكررت السنون على حتى … بليت وصرت من سقط المتاع وقلّ النفع عندى غير أنى … أعلل بالرواية والسّماع فإن يك خالصا فله جزاء … وإن يك مالقا فإلى ضياع الشيخ تاج الدين عبد الرحمن (¬١) بن [إبراهيم بن] (¬٢) سباع بن ضياء أبو محمد الفزارى، الإمام العالم، شيخ الاسلام، شيخ الشافعية فى زمانه. وهو والد الشيخ العلامة شيخ الأسلام برهان الدين، (¬٣) شيخ ابن (¬٤) كثير. وكان مولد الشيخ تاج الدين فى ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة، (¬٥) وتوفىضحى يوم الإثنين خامس جمادى الآخرة، بالمدرسة البادرائية (¬١) بدمشق، وكان مدرسا بها، ودفن عند والده بباب الصغير. وله مصنفات منها: إختصار الموضوعات لابن الجوزى. وقد ولى التدريس بعده بالبدرائية، والحلقة، والفتيا بالجامع ولده برهان الدين، فمشى على طريقة والده. وله نظم حسن، فمن ذلك قوله لما جفل الناس من التتار فى سنة ثمان وخمسين وستمائة: لله أيام جمع الشّمل ما برحت … بها الحوادث حتى أصبحت سمرا ومبتدا الحزن من تاريخ مسألتى … عنكم، فلم ألق لا عينا ولا أثرا يا راحلين قدرتم فالنجاة لكم … ونحن للعجز لا نستعجز القدرا (¬٢) وله: يا كريم الآباء والأجداد … وسعيد الإصدار والايراد كنت سعدا لنا بوعد كريم … لا تكن فى وفائه كسعاد (¬٣)الطبيب الماهر عز الدين إبراهيم (¬١) بن محمد بن طرخان السويدى الأنصارى. (¬٢) فاق أهل زمانه فى الطب، وله فيه مصنفات منها: كتاب الباهر فى الجواهر، وكتاب التذكرة فى الطب (¬٣) فى ثلاث مجلدات وهى من أحسن كتب الطب، وفيه فوائد جمة. قال ابن كثير: فاق أهل زمانه فى صناعة الطب، وصنف كتبا فى ذلك، وكان يرمى بقلة الدين وترك الصلوات، وانحلال العقيدة، وإنكار أمور كثيرة مما يتعلق باليوم الآخر. وفى شعره ما يدل على قلة عقله ودينه وعدم إيمانه، واعتراضه على تحريم الخمر (¬٤). ومن شعره: لو أن تغيير لون شيبى … يعيد ما فات من شبابى لما وفى لى بما تلاقى … روحى من كلفة الخضابوله: وعدته الوصال يقظى وزارت … فأرته المعدوم بالموجود فهو لا يطعم الرقاد فيستي … تظ إلا على فراق جديد وقال مواليا: البدر والسعد … ذا شبهك وذا نجمك والقد واللحظ … ذا رمحك وذا سهمك والحب والبغض … ذا قسمى وذا قسمك والمسك والحسن … ذا خالك وذا عمك (¬١) علاء الدين أبو الحسن على (¬٢) ابن الشيخ الإمام العلامة كمال الدين [عبد الواحد بن] (¬٣) عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصارى الزملكانى، مدرس الأمينية (¬٤). وهو والد الشيخ الإمام العلامة كمال الدين أبى المعالى محمد (¬٥) بن على الزملكانى، شيخ ابن كثير، وقد درس بعد أبيه بالأمينية، وكانت وفاة والده هذا ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الآخر بالأمينية، ودفن بمقابر الصوفية.الإمام فخر الدين أبو حفص عمر (¬١) بن يحيى بن عمر الكرخى، (¬٢) صهر الشيخ تقى الدين بن الصلاح، وأحد تلاميذه. ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ومات يوم الأربعاء ثانى ربيع الآخر منها، ودفن إلى جانب قبر الشيخ تقى الدين بن الصلاح بمقابر الصوفية. الشيخ نجم الدين محمد بن (¬٣) عثمان الكرباج، خادم الشيخ شهاب الدين السهروردى. (¬٤) توفى فى الحادى والعشرين من شعبان منها. العفيف التلمسانى أبو الربيع سليمان (¬٥) بن على بن عبد الله بن على بن يس العابدى الكوفى، ثم التلمسانى، الشاعر المتفنن فى علوم كثيرة (¬٦) منها: النحو، والأدب، والفقه، والأصول، والمعقول، والرياضيات، وله فى ذلك مصنفات.ويذكر عنه أنه عمل أربعين خلوة، كل خلوة أربعين يوما، يخرج من واحدة ليدخل فى غيرها، «قال الشيخ شمس الدين: هذا الكلام فيه مجازفة ظاهرة فاذ مجموع ذلك ألف وستمائة يوم. قال: وله فى كل علم تصنيف، وقد شرح الأسماء الحسنى، وشرح مقامات النفرى، وحكى بعضهم: قال: طلعت إليه يوم قبض، فقلت له: كيف حالك؟ قال: بخير! من عرف الله كيف يخافه؟ والله منذ عرفته ما خفته وأنا فرحان بلقائه (¬١)!» وله نظم حسن [٣٥] منه قوله: هذا المصلّى وهذه الكتب … لمثل هذا يهزّك الطرب والحىّ قد شرعت مضاربه … وحسمه عنه زالت الحجب وكل صبّ صبتى لساكنه … يسجد من شوقه ويقترب أنخ مطاياك دون ربعهم … كيلا تطأك الرجال والنجب واسع على « ..... (¬٢) …» خاضعا فعسى يشفع فيك الخضوع والأدب وارج قراهم إذا نزلت بهم … فأنت ضيف وأنهم عرب عندى لكم يا أهيل كاظمة … أسرار وجد حديثها عجب أربى بكم خاطرى يلاحظنى … من أين هذا الإخاء والنسب وقال: ما دون رامه للمحبّ مرام … سيّما إذا لاحت له الأعلاملا تملك العبرات مقلته … ولا يثنى أعنّة شوقه الأسوام وورا هاتيك الستور محجب … لتهتدى لجماله الأفهام لو لاح أدنى بارق من حسنه … ليكون ريحه جوّى وغرام يا عرب نجد ما مضى من عيشنا … أترى تعود لنا به الأيّام ردّوا الكرى إن طال عزّ وصا … لكم فعسى تمثله لى الأحلام لو لم يلذ الموت فى حبى لكم … لم أصب نحو الشرق وهو حسام ولما اعترضت بنار قلبى للهوى … ولكل نار بالنسيم ضرام صبّ يرى نار الصبابة أنها … فى حبكم برد له وسلام حفظ المودة زاده ولحبذا … فى الزاد حفظ مودّة وذمام وإذا أتتكم آية بإمامها … وافيتكم ولى الغرام إمام هذا دمى لكم ألا حلال وإنما … عنكم فسلوانى علىّ حرام وقال: على ربع سلمى بالعقيق سلام … وجاد عليها أدمع وغمام منازل لولاهن لم يعرف الهوى … ولا رغبتا لوعة وهيام وبين بيوت الحىّ هيفاء قامة … لها البدر وجه والسحاب لثام فنراها على كل القلوب فريضة … تؤدى ومثلى فى الغرام إمام أسير ولو أن الصباح صوارم … وأسرى ولو أن الظلام قتام وأغشى بيوت الحىّ لا مترقبا … وأطرق ليلى والوشاة نيام إذا لم يكن للصبّ إقدام صبوة … تحل تلاف النفس وهو حرامفليس له بين المحبّين رحلة … ولا بين هاتيك الخيام مقام وقال: إن كان قتلى فى الهوى يتعيّن … يا قاتلى فبسيف طرفك (¬١) أهون حسبى وحسبك أن تكون مدامعى … غسلى وفى ثوب السّقام أكفّن عجبا بخدك (¬٢) … وردة فى بانة والورد فوق البان مالا (¬٣) يمكّن [٣٦] أدنته لى سنة الكرى فلثمته … حتى تبدل بالشقيق السوسن ووردت كوثر ثغره فحسبتنى … فى جنة من وجنتيه أسكن ما راعنى إلا بلال الخال من … خديه (¬٤) فى صبح الجبين يؤذّن نثرت من جوف (¬٥) … الصباح ذؤابة هى كالدجى وظللت فيها أكمن يا نظرة كم رمت أسرق أختها … من مقلة هى للنعاس معيدن يا فاتنا ما بال مفتون به حد … وفيه يلام من لا يفتن ألوم فيك الصبر إن هو خاننى … قلبى العزيز علىّ منه وأهون يا جيرة العلمين لا عاش امرؤ … أحشاؤه لسوى هواكم مسكن فدعوا مريضكم يفور بسقمه … طرس المحبّة بالسقام مغبونوقال: لا تلم صبوتى فمن حبّ يصبو … إنما يرحم المحبّ المحبّ كيف لا يوقد النسيم غرامى … وله فى خيام ليلى مهبّ ما اقتدارى إذا خبت نار قلبى … وحبيبى أنواره ليس تخبو شاهدت حسنه القلوب فأمسى … وله (¬١) فى القلوب نهب وسلب نصبوا حان حبّه ثم زادوا … يا نيام القلوب للراح هبّوا وقال: كم فى جفونك من حانات خمّار … وكم بخديك من روضات أزهار وكم نسيم مرى أودعته نفسا … مالت به عذبات الشيح والغار هواك أفصح من أنى أكتمه … من بعد ما هتكت بالدمع أستارى لولاك ما رقصت بالدوح قضب … نقا ولا تغنت حمامات بأشجار ولولا حمت ترى تلك الرياض … ولا سقيت من ماء دمعى ساحة الدار وقال: مرح العيون بفترة الأجفان … فتمايل الصّاحى على النشوان وأراك من أنغامه وقوامه … سجع الحمام على غصون البان حدث بعيشك يا نسيم عن الحمى … وأغث بمائك غلة الظمآن واستبق منى يا سقام بقية … يدرى بها طيف الحبيب مكانى وقال دو بيت: يا برق حمى الأراك دون الشعب … ما علّملك الخفوق إلا قلبىفاضحك طربا ودع جفونى تبكى … واشرب غدقا فمن دموعى شربى الشيخ الصالح علاء الدين على بن الشيخ أبى صادق الحسن بن يحيى بن صباح المخزومى. مات بدمشق وصلّى عليه بجامعها، ودفن بسفح قاسيون، روى عن والده (¬١)، وعن الزبيدى، وابن اللتى، وغيرهم. الشيخ الإمام القاضى شمس الدين أبو محمد عبد الواسع (¬٢) بن عبد الكافى بن عبد الواسع الأبهرى (¬٣) الشافعى. مات بمنزله بالخانقاة الأسدية (¬٤) بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، كان تفرد بإجازات وأسمع كثيرا، ومولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وكان موته فى شوال منها. الشيخ الإمام المسند الأصيل المعمر الفاضل نجم الدين أبو الفتح يوسف (¬٥) بن الصاحب شهاب الدين يعقوب [٣٧] بن محمد بن على بن المجاور الشيبانى. مات بدمشق، ودفن بتربة والده بسفح قاسيون، ومولده فى سنة إحدى وستمائة، وكان موته فى الثامن والعشرين من ذى القعدة منها، وهو آخر منحدّث عن الخضر (¬١) بن كامل وزينب القيسية (¬٢)، وعبد الرحمن بن نسيم. الشيخ المسند، بقية الشيوخ، محمد (¬٣) بن عبد المؤمن بن أبى الفتح الصورى. مات بمنزله بقاسيون، وصلى عليه بالجامع المظفرى، ودفن بالسفح، وهو آخر من حدث عن الكندى (¬٤)، ومولده سنة إحدى وستمائة، وموته فى الخامس عشر من ذى الحجة منها. الشيخ الزاهد، مفتى المسلمين، بقية السلف، تقى الدين أبو الربيع سليمان (¬٥) ابن عثمان بن يوسف الحنفى، المعروف بالتركمانى. مات بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، ولى نيابة القضاء عن قاضى القضاة مجد الدين بن العديم بدمشق مدّة يسيرة، ثم ترك الحكم تورعا وتزهدا. الأمير بدر الدين يوسف بن درباس بن يوسف الحميدى، أحد مقدمى عساكر الشام. كان متقدما فى الدولة، ولى البقاع بعد أخيه الأمير جمال الدين، وكان يخدم أولا ببغداد وقدم إلى دمشق بعد استيلاء التتار عليها، ومات فى هذه السنة.وله نظم جيد، منه قوله فى العذار الشايب: ولما بدا فى الخدّ ممن أحبّه … مشيب به قد زاد حسنا ومنظرا تزايد وجدى إذ تزايد حسنه … وأحسن شئ أن ترى الغصن مزهرا وحضر ليلة فى سماع وفيه شاب حسن الصورة لطيف الشمائل، فقام يقطّ الشمع ويصلحه بريقه، والناس يرقصون، فتواجد بعض الجماعة الحاضرين ورمى الشمعة، فوقع لهيبها فأحرق فم الشاب، فنظم بدر الدين المذكور بديها: وبدر دجى زارنا موهنا … فأمسى به الهمّ فى معزل فحنّت لتقبيله شمعة … ولم تحتشم ذلك فى المحفل فقلت لصحبى وقد مكنت … صوارم جفنيه فى مقتلى أتدرون شمعتنا لم هوت … لتقبيل ذا الرّشأ الأكحل درت أن ريقته شهدة … فحّنت إلى إلفها الأوّل الشيخ الفاضل شرف الدين عيسى (¬١) بن فخر الدين إياز، والى حماة. مات فى هذه السنة، ودفن بنقيرين، كان من الفضلاء الأدباء. ومن نظمه: تحنّ إلى لقائكم القلوب … فهل لى فى زيارتكم نصيب ويصبو نحوكم طرفى وقلبى … فذا فيكم يصاب وذا يصوب أجيران الغّضا عودوا مريضا … سلامته هى العجب العجيب لقد سئم العواذل طول سقمى … لفرقتكم وأيأسنى الطبيب أيا قمرى لأن غيّبت عنى … كذا الأقمار عادتها المغيبيعزّ علىّ بعدك عن عيانى … بعدت وأنت من قلبى قريب وقال: زدنى عن الحىّ أو عن أهله خبرا … إن كنت حققت مسرى الركب أين سرى قل لى بعيشك يوم البين أين نأى قلبى … وصف لى حديث الدمع كيف جرى [٣٨] كرر علّى أحاديث الحمى لأرى … بالسمع سرحته إن فاتنى النظرا لقد تقادم عهدى بالديار ولى … قلب يطير اشتياقا كلّما ذكرا يا عاذلى أنت أولى فى المحبة … من أولى على الحب إنصافا ومن عذرا الأمير جك الناصرى. مات بالشام فى الثالث عشر من رجب منها، ودفن بقاسيون وكان من الأمراء المشهورين بالفروسية، وكان رأس ميسرة عسكر الشام، وله غارات وآثار جيدة فى العدوّ. الأمير سيف الدين قطز (¬١) المنصورى. توفى فى هذه السنة، وكان الملك المنصور ولاّه نيابة حمص. الأمير تنكز (¬٢) بن عبد الله الناصرى، ناظر الرباط بالصالحية (¬٣) عن أستاذه.توفى فى هذه السنة ودفن بالتربة الكبيرة داخل الرباط. الملك العادل بدر الدين سلامش (¬١) بن الملك الظاهر الذى كان قد بويع بالملك بعد أخيه الملك السعيد، لما استنزل عن الملك وجعل المنصور قلاون أتابكه كما ذكرناه مفصلا (¬٢)، ثم استقل بالملك وأرسله إلى الكرك، ثم أعاده إلى القاهرة، ثم سفره الأشرف فى أول دولته إلى القسطنطينية، (¬٣) ومعه والدته وأخوه نجم الدين خضر، فمات سلامش هناك وصبرته أمه وجعلته فى تابوت إلى أن اتفقت عودتها فأعادته إلى ديار مصر، فدفنته بها. وكان سلامش من أحسن الشباب شكلا وأبهاهم منظرا، افتتن به خلق كثير من الناس، وشبب به الشعراء، وكان عاقلا رئيسا مهيبا وقورا، وكان له شعر طويل جدا يقال فيه وفيمن يشاكله فى وقته بالحسن بعض الظرفاء من أهل زمانه: وأربعة كل الأنام تحبهم … من الخلق سكران الفؤاد ومنتشى قوام ابن كيكلدى ووجه أبى بيسرى … وثغر أبى بيبرس وشعر سلامش الملك أرغون (¬٤) بن أبغا بن هلاون ملك التتار.توفى فى هذه السنة حتف أنفه على شاطئ نهر الكر من بلاد آران (¬١)، فى شهر ربيع الأول، وكانت مدة مملكته سبع سنين. وقيل: إنه مات مغتالا بسمّ اغتاله به وزيره. وقيل: إنه كان يدين بدين النجيشيين وهم الطائفة المشهورة بعبادة الأصنام والسحر ويعظم طريقتهم خصوصا الطائفة المنتسبة منهم إلى براهمة الهند، وكان يجلس فى السنة أربعين يوما فى خلوة يتحنث بها ويجتنب أكل لحوم الحيوان، فوفد عليه من الهند شخص يزعم أنه يعلم [علم] (¬٢) الأديان ويطبب الأبدان، فأوحى إليه أن يتخذ له معجونا من داوم تداوله طالت حياته، فركبه له، فتناول منه، فأوجب له انحرافا وصرعا، وكانت فيه منيته، فقصر الله به عمره من حيث رام امتداده. وخلّف من الأولاد الذكور قازان وخربندا، وكانا بخراسان، فاتفق الخانات ومقدمو التمانات وكبراء الأمراء وأرباب الأمراء على إقامة كيخاتو (¬٣) أخيه، فأقاموه فى المملكة ورتبوه فى السلطنة، فلما استقر أمره ونفذ حكمه أساء السيرة، وخرج عن الياساق المقررة، وأفحش فى الفسق بنسوان المغل واللواط بأولادهم، فكان من أمره ما نذكره. (¬٤) وقال النويرى: ويقال إن أرغون بن أبغا قتله وزيره بالسم وهو سعد الدولة وذلك أنه وقع مع بعض الخواتين، فحشى أن يطلع عليه أرغون، فسقاه[٣٩] سما فقتل، فلما تحقق ذلك قتلوا اليهود كلهم عن آخرهم. (¬١) وفى نزهة الناظر: فكان وزيره سعد الدولة يهوديا، وقد تولى أمره، وقام على المغول كلها، وصار فى نفوسهم منه أمر عظيم، ولما سقى سعد الدولة. ملكهم أرغون قتلوه، وسلبوا جميع أمواله، وقتلوا جماعة من أهله (¬٢). وقال ابن كثير: وكان أرغون شهما، شجاعا، سفاكا للدماء، قتل عمه السلطان أحمد بن هولاكو فعظم فى أعين المغول (¬٣)، وعظم شأنه. وجاء الخبر بوفاة أرغون إلى السلطان الأشرف، وهو محاصر عكا، ففرح بذلك. وكانت مدة ملك أرغون ثمان سنين (¬٤)، وقد وصفه بعض مؤرخى العراق بالعدل والسياسة الجيدة. تلابغا (¬٥) بن منكوتمر بن طغان بن طربو (¬٦) بن دوشى خان بن جنكزخان، ملك التتار بالبلاد الشمالية، الجالس على كرسى بركة (¬٧).توفى فى هذه السنة، وذلك أنه لما سار إلى غزو بلاد الكرك - كما ذكرنا - وسار نوغيه إليه، وقضيا منها الوطر، وعاد كل منهما إلى مقامه ومشتاه، سلك نوغيه الطريق المستسهل، فوصل بعسكره سالما، وسلك تلابغا السبل المستصعبة، فهلك أكثر من معه جوعا وبردا وضياعا على ما شرحناه، فتمكنت العداوة (¬١) بينه وبينه، وساءت فيه ظنونه، وأزمع الإيقاع به، واتفق على ذلك مع من حوله من بطانته وأولاد منكوتمر المنحازين إلى فئته. وكان نوغيه شيخا مجربا، وبممارسة المكائد مدربا، فنمى إليه ما هم به تلابغا فيه، وأنه جمع له العساكر، ثم أرسل يستدعيه موهما أنه يحتاجه لمشورة يحضرها عنده (¬٢). فراسل نوغيه والدة تلابغا، وقال لها: إن ابنك هذا ملك شاب، وأنا أشتهى أنصحه وأعرفه مصالح تعود على ترتيب قواعده، [وتقرير مصادره وموارده (¬٣)]، ولا يسعنى أن أبديها له إلا فى خلوة، بحيث لا يطلع عليه سواه، وأشتهى أن (¬٤) القاه فى نفر يسير، [ولا يكون حوله أحد من العساكر التى جمعها إليه (¬٥)]، فمالت المرأة إلى مقالته (¬٦)، وانخدعت لرسالته، فأشارت على ولدها بموافقته، [وثنت عزمه عن مفاسدته (¬٧)]، ففرق تلابغا العسكر الذى كان قد جمعه، وأرسل إلى نوغيه ليحضر إليه.فتجهز وجمع عسكره، وأرسل إلى أولاد منكوتمر الذين كانوا يميلون إليه، وهم: طقطا، وبرّلك، وصراى بغا، وتدان بان، فلحقوا به، ثم أسرع السير حتى قرب من مقام تلابغا الذى أعد للاجتماع فيه (¬١). وترك العسكر الذين معه، ومن حضر إليه من أولاد منكوتمر المذكورين كمينا فى مكان، واستصحب معه نفرا قليلا، وتوجه نحو تلابغا، فسار ليتلقاه، وحضر معه ألغى، وطغرلجا، وملغان، وقدان، وقتغان، أولاد منكوتمر. فاجتمع تلابغا ونوغيه، وأخذا فى الحديث والاستشارة، فلم يشعر تلابغا إلا والخيول قد أقبلت إليه، فتحير فى أمره، وحاق به ما أبرمه نوغيه من مكيدته ومكره، ووقف العسكر ينتظرون ما يأمرهم نوغيه بفعله ليفعلوه، فتقدم إليهم بإنزال تلابغا وأولاد منكوتمر الذين معه (¬٢) عن خيولهم، فأنزلوهم، وأشار بربطهم فربطوهم. وقال لطقطا (¬٣): إن هذا تغلب على ملك أبيك وملكك، وهؤلاء بنو أبيك وافقوه على أخذك [٤٠] وقتلك، وقد سلمتهم إليك فاقتلهم أنت كما تشاء، فكمرت رؤوسهم وكسرت، وهم: تلابغا، وألغى، وطغرلجا، وملغان، وقدان، وقتغان أولاد منكوتمر. وتسلطن طقطا بن منكوتمر بعد تلابغا ببلاد الشمال فى سنة تسعين وستمائة (¬٤)، ولما سلم له نوغيه الملك ورتبه فيه رتب عنده إخوته المنتفعين معه وهم: برلك،وصراى بغا، وتدان، وقال: هؤلاء إخوتك يكونون فى خدمتك، فاستوص بهم خيرا. وعاد نوغيه إلى مقامه، وبقى فى نفسه من الأمراء الذين كانوا اجتمعوا مع تلابغا عليه عندما أرسل يستدعيه إليه، فدبر عليهم، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.فصل فيما وفع من الحوادث فى السنة الحادية والتسعين بعد الستمائة (¬*) فى الرابع والعشرين من محرم (¬١) من هذه السنة وقع حريق عظيم بقلعة الجبل، ببعض الخزائن، وقد أتلف شيئا كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب، ومن بينها كتب عظيمة من ذخائر الملوك التى تحتوى على العلوم الشريفة (¬٢).
  • full passagepage 1009, entry [348]55,345 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الخطيب الإمام العالم زين الدين أبو حفص عمر (¬١) بن مكى بن عبد الصمد الشافعى، المعروف بابن المرحل (¬٢). وهو والد الشيخ صدر الدين بن الوكيل (¬٣)، سمع الحديث وبرع فى الفقه، وفى علوم شتى منها علم الهيئة وله فيه وفى غيره تصانيف، وقد ولى خطابة جامع دمشق (¬٤)، ودرس، وأفتى، وكانت
    ▸ expand full passage (55,345 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الخطيب الإمام العالم زين الدين أبو حفص عمر (¬١) بن مكى بن عبد الصمد الشافعى، المعروف بابن المرحل (¬٢). وهو والد الشيخ صدر الدين بن الوكيل (¬٣)، سمع الحديث وبرع فى الفقه، وفى علوم شتى منها علم الهيئة وله فيه وفى غيره تصانيف، وقد ولى خطابة جامع دمشق (¬٤)، ودرس، وأفتى، وكانت وفاته ليلة السبت الثالث والعشرين من ربيع الأول، ودفن بباب الصغير. جلال الدين الخبازى: هو الشيخ الإمام العلامة عمر (¬٥) بن محمد بن عمر أبو محمد الخجندى، أحد مشايخ الحنفية الكبار.أصله من بلاد ما وراء النهر، واشتغل هناك، ودرس بخوارزم، وأعاد ببغداد، ثم قدم دمشق فدرس بالعزية البرانية (¬١)، والخاتونية البرانية (¬٢)، وكان فاضلا، بارعا، منصفا مصنفا فى فنون كثيرة. وقال الذهبى فى حقه: المفتى الزاهد الحنفى، رأيته لما قدم دمشق فدرّس بالمعزية البرانية، ثم حج، ودرّس بالخاتونية البرانية. قلت: ومن تصانيفه «الحواشى على الهداية (¬٣)» المشهورة، وكتاب «المغنى فى أصول الفقه» وهو كتاب نافع عظيم، ومختصر لطيف كاف شاف، وشرحه كثير من المتأخرين، فأوضحها بيانا شرح الإمام العالم سراج الدين الهندى (¬٤) الحنفى، وهو أول كتاب قرأته فى الأصول على المشايخ الكبار فى البلاد الشمالية فى حدود سنة ثمانين وسبعمائة، وكانت وفاته لخمس بقين من ذى الحجة، وله ثمان وستون سنة، ودفن بمقابر الصوفية.الشيخ الفاضل الأديب نجم الدين أبو بكر بن (¬١) أبى العز بن مشرف الأنصارى الكاتب. مات فى هذه السنة، وصلّى عليه بجامع دمشق، ودفن بسفح قاسيون. وكان من الفضلاء، وكان يكتب خطا منسوبا على طريقة ابن البواب (¬٢)، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله يمدح علم الدين الدوادارى: إنّ المحّل إذا علا … وقف المفوّه فى الملا وأجاد فى وصف القري … ض مجملا ومفصّلا وأراك قسّا فى عكا … ظ إذا محاسنكم تلا وعلى الحقيقة مجدكم … بعطى البليغ المقولا يعطى النضار مع البيا … ن مع البديع على الولا (¬٣) الشيخ الإمام العالم، المقرئ الزاهد العابد، بقية السلف، رضى الدين أبو الفضل جعفر بن (¬٤) القاسم بن جعفر بن على بن محمد بن حبيش الربعى، المعروف بابن دبوقا.مات فى هذه السنة ودفن بقاسيون، قرأ بالسبع وروى عن الشيخ [٥٢] علم الدين السخاوى (¬١) وغيره، وله نظم كثير، فمن ذلك قوله: إنّ الكبائر سبع عشر فاعلمن … للقلب منها أربع فتعلّم إشراكه إصراره وقنوطه … والأمن من مكر الإله المنعم وكذا للسّان الشرك قذف المحصنا … ت السحر قول الزور فافهم واعلم والبطن أموال اليتامى والربا … والخمر جماع لسائر ما ذم يختصّ بالفرج اللواط مع الزنا … ويد إذا سرقت ونيل يحرّم للرجل واحدة إذا من زحفها … فرت محافقة ولما تقدم ولسائر البدن العقوق فإن نجت … ما قد ذكرت وقيت حر جهنم وقال: جميع عذاب منك للصبّ يعذب … وكل كريه منك فى الحبّ طيّب فعذب بما تختار فى كل حالة … فأنت على كل الأمور محبّب تساوى العطا والمنع والوصل والجفا … لدىّ وبعدى فى الهوى والتقرّب فهل ترى فى كل حال إلى سوى … جنابك إذ ما تبتلينى أهرب بحق الذى أعطاك فى الحسن غاية … إلى بعضها كل الملاحة ينسب واطلع من فوق القضيب على النقا … لنا قمرا من حسنه الطرف يعجب ونمنم فى الياقوت خط زمرّد … يسطرّه ماء الصبا ويرتب وقال لماء الحسن قف صحن خدّه … فما زج فيه النّار وهى تلهب أمرت الدّجى أن يستطير ظلامه … بها صبحه حتّى القيامة يذهبوقلت لسقمى قد أبحتك جسمه … فأعضائى فى أيدى النوائب تنهب ترفق فما أبقيت غير حشاشة … وقلب على جمر الغضى يتقلب جنيت وقد عادت على جنايتى … فياليت شعرى من ألوم وأعتب نديمى حدّثنى قديم حديثه … فإن حديث الحبّ للسمع مطرب تعلقته فى عنفوان شبيبتى … وها مفرقى مما أعانيه أشيب فدعنى من لبنى ولبلى وزينبا … فمن فى الورى ليلى ولبنى وزينب وعد عن الأوطان لاتلو نحوها … وخلّ وقوفا بالديار يشبّب قل الله واتركهم ولا تشتغل بهم … وشاهد فإن القوم عن ذاك غيّب لعمرك ما فى الكون إلا جلاله … ألم ترنى إن بعد أفنى وأذهب فيا من إليه يرجع الأمر كله … ومنه بدا فى الكون ما فيه يعزب اقلنى ذنوبا أوثقتنى جمة … فإنك ذو عفو وإنّى مذنب ولا تخزنى فى حين عرض صحيفتى … فوا خجلتنى مما جنيت ويكتب قصدتك أبغى رحمة منك سيّدى … وأنت كريم قاصد لا تخيب [٥٣] لئن ضقت ذرعا بالذنوب فإنّنى … لأعلم حقا أن عفوك أرحب وصلّ على المختار من آل هاشم … نبىّ الهدى ما لاح فى الأفق كوكب وعترته ثم الصحابة كلهم … صلاة كنشر المسك بل هى أطيب الصدر الرئيس سعد الدين سعد (¬١) الله بن مروان بن عبد الله الفارقى الشافعى،الكاتب بالمدرسة الناصرية (¬١) بدمشق. مات فى هذه السنة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، وكان نسيبا بليغا، شاعرا محسنا، كتب الدرج للصاحب بهاء الدين بن حنا (¬٢) بمصر، فلما مات ابن حنا سافر إلى دمشق كاتب إنشاء. وله شعر فمنه قوله: قف بى على نجد فإن قبض الهوى … روحى فطالب خدّ ليلى بالدّم وإذا دجى ليل الفراق فناده … يا كافرا حلّلت قتل المسلم وله: تاه على عشّاقه واستطال … مذ قصّر الحسن عليه وطال كل سماء وجهه (¬٣) … أشرقت فليت (¬٤) ما أشرقت للزوال قد فصّل الشّعر على خدّه … ثوب حداد حين مات الجمالوقال، وكتب به إلى الصاحب بهاء الدين بن حنا: يممّ عليّا فهو بحر النّدى … وناده فى المضلع المعضل يسرع إذا سيل نداه وهل … أسرع من سيل أتى من عل فرفده مجد على مجدب … ورفده مفض على مفضل (¬١) وقال: بحبك فى شرع الغرام يدين … محبّ برته لوعة وحنين إذا كتم الأسرار منه فؤاده … فإنّ لسان الدمع منه مبين وإن قابلته نسمة حاجرية … ثنى عطفه نوح لها وأنين فليتك يا من علّم الغصن ينثنى … تعلم منك القلب كيف يلين وليت قديما من هواك مجدّد … رضاك لتقضى من جفاك ديون سكنت سواد القلب والطرف دائما … فما لبياض العيش فيك سكون وألبسك الإحسان والحسن عزّة … فكل عزيز فى هواك يهون الشيخ الإمام العالم مجد الدين عبد الله (¬٢) بن محمد بن محمد بن أبى بكر الطبرىّ، إمام صخرة بيت المقدس، وشيخ الحرم الشريف. مات فى هذه السنة، ودفن بمقبرة ماملا ظاهر القدس، كان من الصلحاء الأخيار، وروى عن جماعة.وله شعر فمنه: يروق لى منظر البيت العتيق إذا بدا … لطرّفىّ فى الإشراق والطفل كأن حلّته السّوداء قد نسجت … من حبة القلب أو من أسود المقل أبو المكارم محمد (¬١) بن عبد المنعم بن نصر الله بن جعفر بن أحمد بن حوارى، المغربى الأصل، الدمشقى الحنفى، المعروف بابن شقير، الأديب الشاعر. مولده فى سنة ست وستمائة، وهو من شعراء [٥٤] الملك الناصر (¬٢) صاحب حلب، سمع الزبيدىّ وابن اللتىّ والهمدانىّ وابن رواحة والسخاوىّ والقطيعىّ وابن رواح وجماعة أخرى بديار مصر، وعنى بالحديث عناية كثيرة، وكتب الكثير، وتعب وحصّل، وروى عنه ابن الخباز والدمياطى وابن العطار وآخرون، توفى فى هذه السنة ووقف أجزائه بالضيائية (¬٣). وله فى الملك الناصر صاحب حلب مدائح كثيرة، ومن شعره قوله: ما ضرّ قاضى الهوى العذرىّ حين ولى … لو كان فى حكمه يقضى علىّ ولى وما عليه وقد صرنا رعيّته … لو أنه مغمد عنّا ظبى المقل يا حاكم الحب لا تحكم بسفك دمى … إلاّ بفتوى فتور الأعين النجلويا غريم الأسى الخصم الألدّهوى … رفقا على فجسمى فى هواك بلى أخذت قلبى رهنا يوم كاظمة … على بقايا دعا وللهوى قبلى ورمت منى كفيلا للهوى (¬١) … عبثا وأنت تعلم أنى بالغرام ملى وقد قضى حاكم التبريح مجتهدا … علىّ بالوجد حتى ينقضى أجلى لذا قذفت شهود الشرع فيك عسى … أنّ الوصال بجرح الجفن يثبت لى لا تسطونّ بعسّال القوام على … ضعفى فما أفتى إلا من الأسل هددتنى بالقلى حسبى الجوى (¬٢) … وكفى أنا الغريق فما خوفى من البلل (¬٣) وله: وا حيرة القمرين منه إذا بدا … وإذا انثنى يا خجلة الأغصان كتب الجمال ويا له من كاتب … سطرين فى خدّيه بالريحان (¬٤) القاضى الصاحب فتح الدين أبو عبد الله محمد (¬٥) بن القاضى محيى الدين عبد الله ابن عبد الظاهر بن نشوان.صاحب ديوان الإنشاء الشريف، وكاتب الأسرار فى الدولة المنصورية بعد ابن لقمان حين تولى الوزارة، وكان ماهرا فى هذه الصناعة، وحظى عند المنصور، وكذا عند ابنه الأشرف. توفى يوم السبت النصف من رمضان بمدينة دمشق، وخلّف من الأولاد القاضى علاء الدين على (¬١)، فأجرى السلطان عليه ما كان باسم والده من الجامكية والجراية والراتب، فاستقر بديوان الإنشاء وله من العمر دون عشرين سنة، فاستصغر السلطان سنه فى ذلك الأوان. فرتب القاضى تاج الدين أبا العباس أحمد (¬٢) بن شرف الدين سعيد بن شمس الدين أبى جعفر محمد بن الأثير الحلبى التنوخى صاحب ديوان الإنشاء الشريف، لأنه كان ماهرا فى هذه الصناعة، فلم يلبث إلا شهرا أو حول شهر حتى أدركته الوفاة، فقضى إلى رحمة الله فى العشر الأوسط من شوال (¬٣) من هذه السنة بظاهر غزة، وعمره (¬٤) أحد وسبعون سنة، وكان ماهرا فى حل المترجم، بلغ فيه إلى أن حلّه بأحد عشر شكلا، وولى بعده ولده القاضى عماد الدين أبو الطاهر إسماعيل (¬٥) ابن أحمد، ولم يزل به إلى آخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة.وللقاضى فتح الدين شعر حسن، فمنه قوله: إذا كنت ذا أصل فكن متواضعا … إن التواضع من زكاة المغرس وإذا حللت بمجلس فاجلس به … حيث انتهيت فذاك صدر المجلس وله: وكتب بها إلى ابنه فى مرضه الذى مات فيه: [٥٥] إن شئت تنظرنى (¬١) … وتنظر حالتى قابل إذا هب النسيم قبولا فتراه مثلى رقّة ولطافة (¬٢) … ولأجل قلبك لا أقول عليلا وهو الرسول إليك منى ليتنى … كنت «اتخذت مع الرسول سبيلا» (¬٣) الأمير عماد الدين يونس (¬٤) بن على بن رضوان بن قرقس (¬٥). توفى فى شوال منها، ودفن بتربة والده بالحزيميين داخل دمشق، وكان عنده فضيلة ومكارم أخلاق، وكان بعد موت أبيه أعطى طبلخاناة، وبقى على إمرته إلى أواخر الدولة الناصرية، ثم بطل الإمرية فى الدولة المظفرية، وباع أملاكه ونفقها، وبقى يتقوت من وقف والده، وكان الملك الظاهر يكرمه. الأمير شرف الدين بن (¬٦) خطير أحد أمراء دمشق.استشهد فى فتح قلعة الروم، وكان من بيت كبير فى بلاد الروم، ولوالده عدة مماليك وردوا صحبته، وصار له فى مصر سمعة وشأن، وتأمرت منهم جماعة كثيرة. الأمير شهاب الدين أحمد (¬١) بن الركن أمير جندار، مات شهيدا على قلعة الروم. الأمير سابق الدين (¬٢) الميدانى. مات بدمشق فى العشرين من شوال، ودفن بقاسيون، كان أميرا كبيرا شجاعا ذا مهابة، وتأمر بعض مماليكه فيما بعد. الأمير علم الدين سنجر (¬٣) الحلبى. مات فى عاشر ذى القعدة (¬٤) وكان قد مرض بعد حصار قلعة الروم، فحمل فى محفة إلى مصر، فمات بعد حضوره بسبعة أيام، وكان من أكابر الأمراء الصالحية، عصى على الظاهر وتسلطن بالشام كما تقدم، وكان طويل القامة، مخلا بعينه اليسرى، ذكروا عنه أنه أصيب بسهم، وكان ذا بأس وشهامة، وقوة وشجاعة، وإقدام شديد.وقيل: إنه كان فى الدولة الظاهرية إذا نزل من الخدمة إلى بيته لا ينزل عن فرسه حتى يقدم له قنطارته محشوة برصاص فيلعب بها وهو راكب، ثم يأتى إلى فردة تبن فيطعنها ويشيلها من الأرض، ثم ينزل ويأخذ عمودا حديدا زنته قنطار فيلف به يمينا ويسارا، ثم يجلس على سماطه فيأكل خروفا، ومات وهو فى عشر التسعين وقد انحنى وبان عليه الكبر، وقيل: مات وعمره إثنان وتسعون سنة. الملك المظفر قرا أرسلان (¬١) بن إيلغازى (¬٢) بن أرتق الأرتقى (¬٣)، صاحب ماردين. توفى فى هذه السنة، وله ثمانون سنة، وكانت دولته ثلاثا وثلاثين سنة، وقام من بعده ولده شمس الدين داود (¬٤) ولقب بالملك السعيد. الملك الكامل بن الملك المعظم، أحد ملوك بنى أيوب. توفى بدمشق فى هذه السنة، وكانت له حشمة وأدب.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثانية والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون الصالحى الألفى. وفيها: ظهرت نار بأرض المدينة النبوية، نظير ما كان فى سنة أربع وخمسين (¬١) على صفتها إلاّ أن هذه يعلو لهيبها كثيرا، وكانت تحرق الصخر [ولا تحرق السعف] (¬٢)، واستمرت ثلاثة أيام، كذا ذكر فى تاريخ ظهير الدين الكازرونى (¬٣). وفيها: ورد كتاب من نائب حلب يذكر فيه أن صاحب سيس (¬٤) قد تعرض لبعض التجار وأخذ أموالهم، وأخذ منهم جماعة أسرى، وأنه أرسل إليه كتابا، فأمره بردّ مالهم والأسرى إليه، وإلاّ سيّر إلى بلاده عسكرا للغارة؛ وأنه أرسل إليه كتاب يذكر فيه أنه ما تعرض لشئ من ذلك ولا عنده أسرى، واستأذن نائب حلب [٥٦] من السلطان فى تجريد عسكر من حلب إلى بلاده، ويضيف إليهم جماعة من التركمان.فلما وقف السلطان على كتابه طلب الأمراء وعرّفهم بذلك، فشرع كل واحد منهم يحسن للسلطان أمر الغزاة وفتح القلاع، وأن سيس من أجل البلاد، ولأهلها سعادة كبيرة، وبلادها عامرة بالخير، وذكروا له ما فعله السلطان الظاهر فى سائر غزواته والقلاع التى أخذها، وأنه ملكها لأكابر أمرائه ومماليكه، فأضمر السلطان فى نفسه أن يركب إلى سيس بنفسه ويملكها، ثم طلب الوزير وأمره أن يكتب بتجهيز الإقامات والعلوفات، وأن يكتب إلى سائر النواب من البلاد الشامية أن يتأهبوا ويجهزوا ما يحتاجون إليه من آلات الحصار وغيرها، وعرفهم أن قصده أخذ السيس. ثم ركب بعزم قوى إلى أن وصل إلى دمشق، (¬١) فخرجت إليه سائر أهل دمشق، وفرحوا بحضوره، فما أقام فيه يومين حتى حضر مملوك نائب حلب وأخبر أن رسل صاحب سيس قد حضروا صحبة نائب تكفور وجماعة من أكابر الأرمن، وبعد يومين وصلوا إلى دمشق، وجلس السلطان فى الميدان وأحضرهم، فاندهش نائب تكفور ومن معه مما عاينوه من عظمة عسكر السلطان، وكان السلطان الأشرف يحب الزينة فى اللباس، فلما دخلوا قبلوا الأرض بين يديه وأخرجوا كتاب تكفور، فقرئ على السلطان، وفيه تضرع كثير، وإظهار ذله، وأنه بلغه أن السلطان قصده من غير سبب، وأن ما نقل عنه غير صحيح، فإن ثبت عليه شئ من ذلك أو على أحد من بلاده كان عليه أضعاف ما ذكروا عنه من أخذ أموال التجار وغيرهم، وأن السلطان يرسل إليه من يثق به، فيحلفه أنه لا يدع فى بلاده أسيرا من المسلمين، وأنه يضاعف الحمل المقررعليه، ثم أحضروا ما كانت صحبتهم من البلور الفاخر والأوانى الذهب والفضة والأوانى المرصعة، فالفصوص والبسط الهائلة، وأشياء غير ذلك من التحف التى تصلح للملوك. وفى كتابه أيضا: أن البلاد بلاد السلطان، وأنه نائبه فيها. وقرئ أيضا كتاب نائب حلب: وفيه يشير على السلطان بقبول هداياهم والسكوت عنهم، فقبل السلطان هداياهم، وآخر ما انفصل عليه أمرهم على أن يسلموا إلى السلطان قلعة بهسنى (¬١)، وقلعة مرعش (¬٢) وتل حمدون (¬٣)، وأنه يبعث إليه مفاتيح القلاع الثلاث، وإن لم يسلمها غزاه السلطان، فخرجت الرسل من عنده على هذا، وأقام السلطان فى دمشق إلى أن حضر رسله وصحبتهم مفاتيح القلاع المذكورة وهدية أخرى. وفى كتابه: سأل السلطان أن تكون بهسنى للسلطان ولكن يكون هو نائبه فيها، ويقوم بجميع ما يصل إليها، فأبى السلطان ذلك وتسلم المفاتيح، وقرر عليه زيادة مائة ألف درهم، ورسم للأمير سيف الدين طوغان المنصورى أن يكون نائبا فى بهسنى، وأوصاه بحفظها، لأنها من أجل القلاع وأحصنها ولها ضياع كثيرة وأراضى ومزدرعات، وكانت من أعمال حلب، وهى للمسلمين، وكان الحاكم عليها صاحب حلب الملك الناصر، فبقيت إلى أن دخل هلاون إلى حلب وتسلم سائر البلاد، فبلغ تكفور صاحب سيس أن هلاون تسلمها، فسيرإليه وأرغبه بالهدية وحمل له مالا وسأله أن تكون بهسنى له، فسلمها إليه، وبقيت فى يده إلى أن طلبها السلطان الأشرف [٥٧] فلم يمكنه منعها منه على ما ذكرنا. ثم كتب السلطان إلى نائب حلب بمنع الغارة على بلاد تكفور، وبإكرامه. وأقام السلطان فى دمشق، ثم سير عسكره، ودخل هو البرية للصيد، ثم عاد إلى مصر، وعند دخوله طلب الأمير بيدرا وسأله عمن بقى من الأمراء فى السجن، فعرفه أن الأمير بدر الدين بيسرى فى السجن، فأمر بإطلاقه، وقد ذكرنا كيفية إطلاقه فى السنة التسعين (¬١) على ما ذكره بعض المؤرخين. وذكر بيبرس فى تاريخه إطلاقه فى هذه السنة وقال: وفيها أفرج السلطان عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى من الإعتقال، وكان له فيه حول ثلاثة عشر سنة، وأعطاه منية بنى خصيب دربستا (¬٢) ومائة فارس، واتخذه لمنادمته وملازمة حضرته، وكان يأنس إلى دعابته، ويضحك من مجانته، وبقى كذلك إلى ما كان منه ما نذكره (¬٣). وفيها عزم السلطان على التوجه إلى الوجه القبلى متصيدا ومنفرجا، فتقدمه وزيره شمس الدين بن سلعوس لتجهيز التقادم والإقامات من جهة العربان والولاة والأعيان، فكتب إليهم بالاهتمام والاستعداد التام، وأقام الأمير بدر الدين بيدرا بالقلعة (¬٤)، وخرج السلطان متوجها إلى الوجه القبلى.فلما تحدث الوزير فى الأعمال لتحصيل الأموال وتقرير التقادم من الخيل والجمال، وجد لبيدرا عدة من البلاد محمية باسمه (¬١)، وله بها كثير من الحواصل والغلال، مع شغور الشون السلطانية، ووجد نوابه الذين بكل جهة يدافعون عنها، فأوحى إلى السلطان من أمره ما غيّره عليه، وبلغ ذلك بيدرا (¬٢) فحصل فى قلبه تغير. ولما قضى السلطان الوطر من الصيد، ووصل إلى قوص (¬٣)، عاد إلى قلعته، واهتم له الأمير بيدرا بضيافته عند عوده، وضرب له بالعدوية (¬٤) خيمة من الأطلس الأحمر بأطناب من الإبريسم الملون (¬٥)، وعمد صندلية (¬٦) محلاة بفضة مطلية (¬٧) منقوشة بأنواع النقوش، مرقشة بإبداع الرقوش، مفروشة ببسط من الحرير، مصورة بغرائب التصوير، وعمل له ضيافة بالغ فيها ليتلافى سعاية ابن السلعوس إن أمكنتلافيها. فنزل السلطان فى الخيمة قدر ساعة، ثم ركب إلى القلعة، ولم يظهر بشاشة لقبولها، ولا استحسانا لها (¬١). وجاء فى نزهة الناظر: وفى هذه السفرة حط الوزير على بيدرا نائب السلطان، وتمكن من الحديث فيه والتهمة له لأجل « ...... » (¬٢) واتهامه هو بالسلطان، وكان فى نفسه من بيدرا أمور كثيرة، فسعى الوزير فى طول الطريق يجهز « ...... » (¬٣) كفاية، وإذا استعجزه السلطان يقول: يا خوند، ما كل ما يعلم يقال، « ...... » (¬٤) البلاد العامرة لبيدرا، والذين فيها نوابه، لا يمكّن منهم الوالى ولا غيره، والبلاد الخراب كلها للسلطان، وما فيها شئ، وأنه يشترى كل شئ بالدراهم من بلاد بيدرا، لكونها عامرة، وبقى كذلك طول الطريق، وإذا خرج من عند السلطان، يقول للأمراء: يا مسلمين الأمير بيدرا يأخذ بلادى وما أجد الإقامات إلا من بلاد الأجناد، وهو مالك البلاد وأنا أشترى الإقامات. وكل من كان من الأمراء والخاصكية من جهة بيدرا يكتبون إليه بذلك، ويعرفونه، فانحصر بيدرا لذلك انحصارا شديدا، فسير بعد ذلك إلى سائر بلاده بعمل الإقامات إلى السلطان والأمراء، ومع هذا كله أضمر له السلطان السوء.وكان قراسنقر وبكتمر السلحدار [٥٨] وبعض المماليك من جهة بيدرا، فسيروا إليه، وقالوا له: تحيل فى دفع ما أضمر له السلطان فى خاطره مما قاله الوزير، وأعمل ضيافة هائلة عند تعدية السلطان وقدم له « ......... » (¬١) من جميع الأشياء « ......... » (¬٢) وعلى هذا شرع فى تجهيز هذه الأشياء، وكتب إليهم، وسألهم أن يحسنوا بالقضية مع السلطان ويعرفوه أنه يريد أن يعمل ضيافة فى العدوية عند تعدية السلطان، ويقدم له تقادم جليلة، فقالوا ذلك للسلطان فلم يلتفت إليهم، فلم يزالوا به إلى أن أرضوه بذلك، ثم استشار الأمراء الكبار فى ذلك، فقالوا له: بيدرا مملوكك على كل حال، ولا بأس أن تجبر خاطره. فأرسلوا بذلك يعرفون بيدرا، فنهض بيدرا عندما قرب نزول السلطان فى العدوية، وضرب خيمة أطلس - على ما ذكرنا -، وعمل فى وسط الدهليز كرسيا مصفحا بالذهب، وخلفه خركاة. وقال صاحب النزهة: ذكر لى زردكاش بيدرا أن الخركاة بمفردها غرم عليها بيدرا ستين ألف دينار. وشرع فى عمل الطعام، فأقام ستة مطابخ، ولم يبق أحد فى مصر والقاهرة إلا وقد خرج إلى العدوية، ونصب حول الدهليز أحواضا فيها السكر والليمون، وأحواضا فيها القمز، وأحواضا فيها السويق، فكانت مائة حوض، وأما « ...... » (¬٣) فأخبر صاحب النزهة أنه ألف وأربعمائة رأس من الغنم، ومائة إكديش، وستون رأسا من البقر.ولما قرب السلطان نزل بيدرا وقبل الأرض، ثم قام وشد وسطه بمنديل وبسط له عشرة ثياب أطلس، فدخل السلطان الدهليز فدهش وصار يردد بصره فيه ويعجب، وقال: يا نائب السلطان متى عملت هذه، فقال: يا خوند، لى مدة سنة حتى شرعت فى أستعد لها بما يسر خاطر السلطان؛ والمملوك يسأل مرة أخدم السلطان « ...... » (¬١) وقبل الأرض « ...... » (¬٢) وكان قد جهز لكل أحد منهم « ...... » (¬٣) ذهب، وكنبوش زركش، فصار كل أمير يخرج ثم يجئ ويقبل الأرض، فقال السلطان: لقد أفقرتم النائب، ثم بعد ذلك قام السلطان وركب. وكان الأمير طقجى خصيصا بالسلطان، ومن جهة بيدرا، فقال: يا خوند، كم تقولون بيدرا أخذ الكل، والله لو مسكته ما لقيت نصف ما غرم فى هذه المدة، فتبسم السلطان، وقال: صدقت، والله أفقرناه. ثم بعد أن رحل السلطان نهبت العوام والحرافيش باقى الأطعمة والحلاوات جميعها. قال صاحب النزهة: وسألت علاء الدين أمير جاندارية والركن الطقجقى بعد مدة من انقضاء الدولة الأشرفية عما غرمه بيدرا على تلك الضيافة، فأخبرانى أن مجموع ما غرمه فى الدهليز الأطلس والخركاة والتقادم للأمراء والسلطان نحو مائة وخمسين ألف دينار.وفيها أرسل السلطان وأحضر الملك المظفر صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل على البريد إلى الديار المصرية، فتوجها من حماة، وعندهما خوف عظيم بسبب طلبهما على البريد، ووصلا إلى قلعة الجبل فى اليوم الثامن من خروجهما، وحال وصولهما شملتهما الصدقات السلطانية، وأدخلا الحمام بقلعة الجبل فأنعم عليهما بملبوس يليق بهما، وأقاما فى الخدمة أياما. ثم خرج السلطان على الهجن إلى الكرك (¬١)، فسار فى الطريق البعدية من جهة البرية (¬٢)، وسارت العساكر على الجادة إلى دمشق، وأركب صاحب [٥٩] حماة وعمه على الهجن صحبته، لأنهما حضرا إلى مصر على البريد ولم يكن معهما خيل ولا غلمان، وسارا فى خدمته فى الكرك، ولاقتهما تقادمهما إلى بركة زيزا، فقدّماها للسلطان. ولما وصل السلطان إلى الكرك والشوبك أعطى الأمير جمال الدين نائبه بها سبع بلاد من أعمالها، ثم سار إلى دمشق فى جمادى الآخرة (¬٣)، فالتقيه العساكر فيها، ثم سار من دمشق فى ثانى رجب نحو حمص وسلمية ومعه أكثر الجيش، وأخذ وجه البرية متصيدا، ووصل إلى القرقليس وهو جفار فى طرف بلد حمص من الشرق، ونزل عليه، وحضر إلى خدمته هناك مهنى (¬٤) بن عيسى أمير العرب،وأخواه محمد وفضل (¬١)، وولده موسى بن مهنى، فقبض السلطان على الجميع وأرسلهم إلى مصر، فحبسوا فى قلعة الجبل؛ ووصل السلطان إلى قصير، وأعطى صاحب حماة الدستور، فتوجه إلى بلده. وعاد السلطان إلى مصر، ووصل إليها فى الثامن والعشرين من رجب بعد أن جرد عسكرا ليقيم بحمص صحبة ثلاثة من المقدمين وهم: الأمير بدر الدين أمير سلاح، والأمير شمس الدين كرتيه، والأمير سيف الدين بلبان الحمصى. قال بيبرس فى تاريخه: وكنت من مضافى الأمير بدر الدين أمير سلاح، فأقمنا بحمص ثلاثة أشهر (¬٢). وقال النويرى فى تاريخه: ثم رسم السلطان للمجردين هناك، وصاحب حماة وعمه بالمسير إلى حلب والمقام بها لما فى ذلك من إرهاب العدو، فسارت العساكر إليها، وخرج المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل معهم من حماة يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان، ودخلوا حلب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شعبان وأقاموا بها. وذكر فى نزهة الناظر سبب مسك مهنى وإخوته: وذلك أن السلطان لما ورد إلى كرك تلقى هؤلاء السلطان من غزة وقدموا له خيلا وهجنا، ومشوا فى صحبة السلطان، وكانت سائر العرب فى ذلك الوقت لا يلبسون إلا طراطير حمر مترفعة عن العمائم ولهم عذبات مطولة، ونزل السلطان على نهر يجرى، فلما دخلتالأمراء إلى الخدمة وحضر مهنى وإخوته أيضا والأمير برغشة وأخوه مظفر صحبة مهنى، اتفق للسلطان انشراح فى ذلك الوقت، فشرع يمزح مع العرب، فالتفت إلى مهنى وقال: يا مهنى أريد أن أقلع هذه الطراطير من رءوسكم وألبسكم كلوتات مثل العسكر، فنظر مهنى إليه نظر المغضب من قوله، وقال يا خوند: تريد أن تجعلنا مساخر ومضحكة للعرب، معاذ الله من ذلك، فتغير السلطان من قوله وسكت على غيظ منه، ثم قاموا وتفرقوا. ولما حضروا فى المجلس الثانى إلى الخدمة على العادة، أراد السلطان أن يعمل به شيئا ينتكى به، وكان قد عمل على النهر خشبا يمشون عليه مثل الجسر، فكل من كان يحضر من ذلك الجانب يمشى عليه، وأمر السلطان لبعض الجمدارية أن يقصر الخشب قليلا ويدوس عليه برجله، فإذا رأى مهنى وقد أراد الجواز عليه وتوسط، يرفع رجله حتى يقع فى النهر، ففعل مثل ما قال السلطان، وجاء مهنى ومشى عليه إلى أن توسط، فرفع ذلك الجمدار رجله فخرج الخشب عن موضعه، فوقع مهنى فى وسط النهر إلى حلقه وغطس غطسة، فأدركوه وأخرجوه وهو فى حالة عجيبة، فضحك السلطان حتى نهض من كرسيه ويقول: ويلكم، شيلوا أمير العرب، وهو يضحك. فغضب مهنى من ذلك غضبا شديدا وقال: والله ما سوى هذا إلا خبيث بن خبيث، فردّ عليه برغشة [٦٠] وقال له يا أمير: لا تقل هذا القول، حاشى أن يكون فى الملوك وأولاد الملوك خبيث. فتغير السلطان من ذلك تغيرا كثيرا. وقال مهنى: يا أمير ما عنيت الملوك ولا أولاد الملوك، وإنما عنيت الذى سواها من المماليك. فالتفت السلطان إلى الأمراء الحاضرين وقال: سمعتم مهنى وهو يقول لى: خبيث بن خبيث، فنهض الجميع، ومهنىمعهم، وقبلوا الأرض، أنه ما أراد بهذا السلطان، وبقى مهنى بقبل الأرض ويحلف أنه ما نوى هذا، والأمراء يعتذرون عنه. وقال الأمير حسام الدين الأستاذدار: يا خوند لا تؤاخذ العرب فإنهم لا يعرفون هذه الأمور، ويتكلمون بكلام ولا يقصدون بذلك شيئا، فقاموا بعد ذلك وخرجوا، والسلطان يقول: يا مهنى، وهو خارج من عنده مع الأمراء، أوريك إن كنت خبيث بن خبيث أو خليل بن قلاون. ثم أن مهنى صبر إلى أن دخل الليل، فجاء لى حسام الدين الأستاذدار وعرفه ما هو فيه من القلق بسبب ما وقع منه، وكان يركن إليه وبينهما مودة، فاستشاره أنه يقيم أو يرحل إلى أهله، فأشار عليه أن يرحل ولا يعود يقابل السلطان، لما كان يعلم ما فى باطنه من أمره، واتفق معه على الرحيل، وترك عنده من يثق به أنه يسير معه، ويقف على ما يقع من السلطان فى أمره من الخير والشر، ثم يرسله إليه ويعرفه بالإشارة، ثم رحل باكر النهار. وعلم بذلك السلطان، فسكت عنه إلى أن اتفق ما اتفق من رواح السلطان إلى الشام، ثم إلى حمص وخروجه إلى الصيد كما ذكرنا، فلما فرغ سأل عن الطريق التى تاتى على أبيات مهنى فى البرية حتى يجعل طريقه عليها، وأحس الأمير حسام الدين أن فى نفس السلطان القبض عليه، فطلب ذلك الرجل الذى تركه مهنى عنده، فقال له: اذهب إلى مهنى وسلم عليه من عندى واعطه هذه السلة، ولم يقل له شيئا غير ذلك، فسبق القاصد إلى مهنى وعرفه أن السلطان جعل طريقه عليه، فقال: وأش قال لك الأمير حسام الدين فقال: لم يقل لى شيئا غير أنه أعطانى هذه السلة التى فيها الحشكنابك، ففتح مهنى السلة فوجدفيها بين الحشكنابك جملا مصنوعا من شمع وعليه قتب وخرج محمل، فعلم أنه أشار برحيله. فطلب إخوته وعرفهم الأمر، واتفق رأيهم على الرحيل. وهم فى ذلك، فإذا صاحب حماة قد تقدّم ليلاقى السلطان، فركب إليه هو وإخوته وعرفوه بأمورهم، واستشاروه فيما يفعل، فقال صاحب حماة: يا أمير إن سمعت منى فانظر فى نفسك، فأىّ شئ قويت نفسك عليه فافعل واتكل على الله فقال: والله قويت نفسى على لقياه، وإن كان قدّر على أمر صبرت له، ثم قال له صاحب حماة: إن كان لا بد من الملاقاة فاملأ عينه بالضيافة والتقدمة وفارقه على ذلك. ثم ركب هو وأخواه فضل ومحمد وتلقوا السلطان، وترجلوا عن بعد، وقبلوا الأرض، وكان فى نفس السلطان أن مهنى ما يقابله، فأقبل السلطان عليهم وسألوه فى العزيمة، فأجاب السلطان إلى سؤالهم، وقصده القبض عليهم، وعند وصوله أبياتهم قد وجد طعامهم قد جهز، وكان قد احتفل له فى ذلك اليوم احتفالا عظيما، فذبح فى ذلك اليوم ثمانمائة رأس غنم، [٦١] وثلاثين إكديشا، وخمسين فصيلا، وأحضر مائتى منسف حلوى، وعشرة أحواض سكر، وسويق، وأحضر التين والزيت والفستق أكواما مكومة، فشرعت الأمراء فى الأكل، والسلطان ينظر إلى مهنى وإخوته ويرى القبض عليهم، فتنظر مهنى إليه وعرف ما عنده من ذلك، فتقدم وباس الأرض، وقال يا خوند نحن اليوم من جملة رعيتك وقد شرفتنا وقبلت عزيمتنا، ونريد منك أن تتم خيرك وتأكل من طعامنا، فإن كان فى نفس السلطان شئ يفعله فها نحن بين يديه.وكان إلى جانب السلطان الأمير برغشه، فمد السلطان يده فأكل، وبرغشه يتحدث معه قليلا قليلا. فقال له يا خوند: أزل ما فى خاطرك فإنا نحن كلنا عبيدك. فقال يا برغشه: أنسى قول مهنى: ما سوّاها إلا خبيث بن خبيث. فقال له يا خوند: صدقت، ولكن بقى له حق عليك حيث أجبت دعوته ونزلت أبياته وأكلت طعامه، فإن فعلت ما أضمرت فى نفسك لا يبقى بدوى يأمن إلى السلطان، فعند ذلك سكن ما فى نفس السلطان من الغيظ، وعلم أن الذى قاله برغشه صحيح. ثم شرع يتحدث مع مهنى ويطيب خاطره إلى أن طاب خاطره، ثم ركب السلطان ومهنى صحبته إلى أن نزل على حماة وأكل ضيافة المظفر، ثم خلع على صاحب حماة ومهنى عند رحيله. وبقى الأمر فى نفسه إلى أن اتفق خروجه من مصر، فوقفت له جماعة كبيرة من التجار وعرفوه أن عرب مهنى تعرضت لهم فى الطريق وأخذوا منهم شيئا كثيرا، وشكوا أمرهم إلى مهنى فقال لهم: ما هم عربى ولكن هؤلاء من بنى كلاب، فردهم السلطان إلى دمشق، وبقى فى نفسه إلى أن اتفق سفر السلطان بدخول البر، وأشار أن يكون العسكر والأمراء على حمص حين عودته، فراح السلطان إلى أن توصل إلى مكان منزل مهنى، وكان فى ذلك اليوم حر شديد، ومهنى جالس فى بيته، وقد رفع أطراف البيت، وزوجته إلى جانبه، فنظر فإذا بجماعة على بعد راكبين الهجن، فصاح لحاجبه وقال: رأيت جماعة قاصدين فلاقهم وأنزلهم فى بيت الضيافة إلى أن يسكن الحر، فرجع الرجل وقد عاينهم وهم سبع نفر وهم قاصدون البيت، فالرجل يومئ بكمه إليهم أن يرجعوامن بيت الأمير، وهم لا يلتفتون إليه إلى أن وصلوا إلى البيت، فجاءهم الحاجب وقال، يا موالى انزلوا بيت الضيافة فإن الأمير هو وحريمه فى البيت، فقال له السلطان: ارجع وقل لمهنى كلّم الخليل. فقال يا مولاى: ابعدوا عن البيت قليلا، فصاح السلطان عليه وقال: ويلك قل له كلم الخليل، فاستهابه الرجل فرجع فوجد مهنى وقد خرج لما رآهم بقرب البيت واقفين فقال: ويلك ما قلت لك أنزلهم ببيت الضيافة. فقال يا مولاى: ما يسمعون منى وينهروننى، ويقول واحد منهم: قل لمهنى كلم خليلا، فعند ذلك رجف فؤاد مهنى، ووضع عمامته على رأسه، ونهض يجرى إلى أن علم أنه السلطان، فصار يجرى ويقبل الأرض ويقول: يا سلطان الإسلام فضحتنا اليوم. فقال له: ما عليك نحن جئنا برسم الصيد. فقال يا خوند: لا بد من نزولك. قال: لا ولكن اطلب اخوتك حتى يكونوا معنا فى الصيد، فركب وبعث إليهم، فحضر محمد وأخوه الآخر وابنه، وقبلوا الأرض بين يدى السلطان، ثم قال له محمد: [٦٢] يا خوند يقبح علينا أن ترجع ولم تأكل ضيافتنا. فقال: أنا ما جئت إلا لصيد الغزال. فقال محمد: يا خوند وحياتك قد ظفرت بالصيد ونحن غلمانك. فقال: حتى نعود، فركبوا ودخلوا البرية وقضى السلطان وطره من الصيد يومين، وقد جهز له مهنى ضيافة كبيرة وسألوه، فرجع إلى بيوتهم فوجدهم قد جهزوا كل شئ حسن أعظم من ضيافتهم الأولى. قال صاحب التاريخ: وأخبرنى جماعة كثيرة: لم يبق أحد من الغلمان من العسكر إلا وقد ملأ خرجه من سائر النقل وأنهم قد عملوا كل صنف من الأصناف على ناحية حتى عملوا مائة فصيل مصنوع من الحلوى، كل فصيلعلى منسف، فلما فرغت الأمراء من السماط طلب السلطان قراسنقر والأفرم أمير جندار وجماعة من الأمراء، فخرجوا إلى مهنى وإخوته ووضعوا الزناجير فى رقابهم، وركب السلطان من البيوت، وخرجت النسوان وبكين وصحن وهن مكشوفات الوجوه، ثم أركبوهم الهجن وهم مقيدون. ولما نزلوا على حمص سأل مهنى الأمراء أن يسألوا السلطان فى أن يطلق أحد إخوته، فإن بيوتهم ليس فيها رجل يدبرهم، فسألوا السلطان فأطلق أصغر إخوته، وأنعم بإمريات آل عيسى على آل مرا، ثم ألزم السلطان مهنى وإخوته أن يحضروا مال التجار الذين شكوهم، فالتزموا به. ثم ركب السلطان إلى الصيد أيضا، ورسم للعسكر أن يذهبوا إلى دمشق فيقيموا هناك حتى يحضر السلطان، وبعد أيام قدم السلطان إلى دمشق وكان يوم دخوله يوما مشهودا. وفيها: سير السلطان الأمير عز الدين الأفرم إلى قلعة الشوبك ليخربها، فتوجه إليها وهدمها، وكان ذلك فى غاية ما يكون من الحطأ وسوء التدبير، وحكى أنه وجد بقلعتها أربعين ألف ختمة بخطوط منسوبة مذهبة، وربعات كثيرة كذلك، وكتبا عظيمة مدخرة من عهد بنى أيوب، وزردخانة عظيمة القدر، ووجد فى جملة ذلك سيفا عرضه شبر وأربعة أصابع مفتوحة وطوله أربعة أذرع. قيل: إنه سيف خالد بن الوليد رضى الله عنه، وقيل: هو صمصامة سيف عمرو بن معدى كرب.وذكر فى نزهة الناظر: أن السلطان لما استقر بمصر بعد عوده من الشام قبض على الأمير عز الدين أيبك الأفرم (¬١) الصالحى أمير جندار (¬٢)، وكان سبب ذلك أنه حصل للسلطان حنق بسبب عرب الشوبك وأنهم يقيمون فيها ويطلعون قلعتها، فكتب بذلك نائب الكرك إليه، فطلب الأفرم المذكور ورسم له أن يركب وينزل على قلعة الشوبك ويخربها. فقال له الأفرم: يا خوند كيف تخرب مثل هذه القلعة وهى قلعة عامرة آهلة، وهى حصن من حصون المسلمين، فنظر إليه نظر المغضب وقال: أنتم نفوسكم كبار وما خرج من رؤوسكم دعوى البحرية، وتزعمون أنكم أصحاب رأى ولا يجئ رأيكم إلا على رؤوسكم، ثم رسم بأخذ سيفه وتقييده فى وقته، ورسم للوزير بالحوطة على موجوده بمصر والشام وكان له موجود عظيم جدا، وتمكن الوزير من ماله. قال صاحب النزهة: فأخبرنى ولده أسد الدين أن من جملة ما حمل لبيت المال من جهته مائة ألف وستون ألف دينار، وسته وتسعون ألف أردب غلة [٦٣]، وكتب إلى دمشق بالحوطة على ما كان له فيها. وقبض أيضا على الأمير عز الدين أزدمر العلائى (¬٣) أحد الأمراء بدمشق، وكان له موجود كثير، وأحضر إلى مصر. وفيها أمر السلطان الوزير أن يكتب إلى المباشرين بدمشق لاستعمال (¬٤) مائة شمعدان مكفت؛ ويكتب اسمه عليها (¬٥)، وخمسين شمعدان ذهب، وخمسينفضة، ومائة وخمسين سرجا زركشا، ومثلها مخيشا، ويجهزون ألف شمعة، وأشياء كثيرة من هذا الصنف. وكان هذا لأجل المهم بسبب زوجته بنت نكيه (¬١)، وكانت حاملا، وقرب ميلادها. ثم فى شهر ذى الحجة رسم السلطان للعساكر بالتأهب للعرض والقيام من العدد، والتجمل بالنافلة والفرض، فاهتموا بالعدد الجميلة من الجواشن والقرقلات والخود والبركستوانات [والتراكشى والكاسات (¬٢)] وغير ذلك [من العدد الفاخرة (¬٣)]. وكان الباعث له على ذلك قرب ميلاد زوجته، فاهتم بذلك عند قرب النفاس، مؤملا أن يكون المولود ذكرا يحيى به ذكره، ويشرح له صدره، ويرث الملك من بعده، وتجمل العساكر تجملا لم ير مثله، وغالوا فى أثمان العدد، حتى بلغ ثمن الجوشن الذى قيمته مائة درهم إلى ألف درهم وفوق ذلك. وفى اليوم الثالث من لعب القبق هبت رياح عاصفة، ونار من العجاج ما يملأ الفجاج، فصار النهار كالليل، وكان السلطان قد أمر باتخاذ الأطعمة، والإكثار من أنواعها، وتجهيز القمز والفواكه، وأصناف الحلوى، فكان المولود بنتا فلم يتم له ما رام، ولا انشرح لهذا الاهتمام. وذكر فى نزهة الناظر أن السلطان لما جاء له بنت خشى أن يسأل عن ما كان قد استهم فيه، فأظهر أنه يريد أن يطهر أخاه محمدا وابن أخيه مظفرالدين موسى بن الملك الصالح، ورسم لنقيب الجيش والحجاب أن يعرفوا الأمراء والعساكر أن يلبسوا عدد الحرب هم وخيولهم، ويجتمع الجميع بالميدان الأسود خارج باب النصر، فأخذت الأمراء فى الاهتمام لذلك. وبعد ثلاثة أيام خرجت السوقة ونصبوا سائر ما يحتاجون إليه من الصواوين والخيام والأخصاص، ونقلوا إليها سائر الأطعمة والنقل، وعملوا سوقا عظيما. ونزل السلطان فى موكب عظيم، ولم يبق أحد من الناس من أكابر البيوت وغيرهم إلا وخرج يمضى ذلك اليوم، وهم فى الزينة المذكورة من العدد. وفى اليوم الثانى رسم السلطان للعسكر أن يبدأ القبق (¬١)، وعرّف الحجاب أن أحدا لا يرد لا من الجند، ولا من مماليك الأمراء، وكل من أراد الرمى يدخل ويرمى. وطلب السلطان فى ذلك الوقت الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير سلاح (¬٢)، وقال أنتم أكابر الأمراء ومشايخ هذا الحال، فاشتهى أن تبدأوا وترموا القبق، حتى أبصر همة الشيوخ. فقال البيسرى: يا خوند ينبغى أن نتفرج هذا اليوم على هؤلاء الشبان الملاح إيش بقى فينا ونحن شيوخ، وقد ذهبت علينا. فقال: وحياتى عليك أن لا بد من أن ترمى.وكان بيسرى قد علم أن السلطان يكرمه بهذا، وكان قد أعد له سرجا يليق لرمى القبق، وهو السرج الذى يكون قربوسه الورانى وطئة حتى إذا مال على قفاه لا يؤلمه ذلك، فركب ذلك السرج، واستعمل القبق وهو نائم على علاق قفاه إلى أن وصل إلى مكان الرمى رماه فأصابه، ثم عاد ورماه على يساره فأصابه (¬١)، ثم دخل بعده أمير سلاح، ثم أمير بعد أمير، [٦٤] ومقدم بعد مقدم، وجندى بعد جندى. وكان ذلك اليوم يوما عظيما، ما عهد يوم قبله مثل ذلك، ثم إن السلطان رجع وهو مسرور بذلك إلى الدهليز، ودارت على الأمراء السقاة بأوانى الذهب والفضة والبلور، وشرع الجند إلى الأحواض التى نصبت للشرب، وكانت قدر مائة حوض، وأقام السلطان فى ذلك يومين والثالث، وفى اليوم الثالث قال السلطان لبيسرى: بقى هذا اليوم، ادخل وارم. قال: يا خوند، خل عنا الشيوخ، وخلنا نتفرج اليوم على هؤلاء الشبان الذين كل واحد منهم أحسن من الحور فى الجنة، فتبسم السلطان، وأشار إلى خاصكيته أن يتقدموا ويرموا القبق، فدخل طغج، وعين الغزال، وأمير عمر، وكيكلدى وقشتمر العجمى، وبرلغى وأعناق الحسامى، وبكتوت الصهيونى، ونحو من خمسين أميرا من الخاصكية، وعليهم تتريات [حرير] (¬٢) أطلس بطرازات زركشى، وكلوتات زركشى، وحوائص الذهب، ودخل كل واحد منهم مداخل بحسب الجانبين، وأنار بواضح سناه على النيرين، ورمى وهو يهز عطفيه فأصاب الغرض قبل الإيماءإليه، وتخيل كل منهم على ذلك بالجوزاء، وهو راكب، وحنايا قسيهم من حنايا تلك الحواجب. قال صاحب النزهة: ولمؤلفه: عوذة البارى رب الفلق … لما تلفت عند رمى القبق ولاح من واضحة بهجته … ما بين عينيه وفرق فرق فقلت للناظر من دهشتى … انظر إلى صحة هذا القبق وكان السلطان قد رسم بحضور سائر الملاهى فى ذلك اليوم، وكان يوما عظيما، ولما رجع « ...... » (¬١)، لما صفا (¬٢) إليه زمانه، أبدل الله ذلك الفرح بالترح، والنجاح بالإيجاح، وذلك فقد أظلم الجو فى ذلك الوقت، وجاءت ريح عاصف، وريح « ...... » (¬٣) طبقت الأرض، فقلعت سائر الخيام، وأرمت الدهليز وذرت الغبار والرمل فى وجوه الناس حتى كان الرجل لا يعرف رفيقه إلى جنيبه، واختلطت الأجناد بالأمراء، ووقع النهب فى الخيام والسوق، وطلب السلطان القلعة والأمراء معه، واختلفت عليهم الطرق، وما دخل السلطان من باب الاصطبل إلا بالجهد العظيم، وهتكت حريم كثيرة، ونهبت أشياء غير عديدة. وكان يوما كأنه من أيام البعث والنشور. وكأن الناس لم يروا شيئا من السرور، واشتغل كل أحد بنفسه، وبقى الحال على هذه الهيئة مقدار ساعة فلكية، ثم سكنت الرياح، وأشرقت الشمس، وحمد الناس الله تعالى وشكروه على لطفه (¬٤).ثم لما أصبح السلطان أمر بإحضار سائر الملاهى لأجل ختان أخيه وابن أخيه، وعمل المهم فى القاعة التى عمرها وسماها الأشرفية (¬١) باسمه، وعمل مهما لم يعهد مثله فى سائر الدول، وحضر الأمراء، ورسم السلطان للخاصكية أن تدخل واحد بعد واحد فيرقص بمفرده، وهو واقف يتفرج عليهم والخازندارية واقفون بين يديه أكياس الذهب، وهو ينثر الذهب على كل واحد بمفرده (¬٢)، ولما فرغ الختان رسم لكل أمير بفرس مسروج وتشريف، ورسم للبيسرى وأمير سلاح كل واحد بألف دينار. [٦٥] وطلب الأمير طقجى، وكان عنده أحظى الخاصكية، فكتب بخطه رسم السلطان خليل بن قلاون أن ينعم على الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى من الخزانة الشريفة بمائة ألف دينار، وعلامته، وكتابته بقلم غليظ، فأخذ طقجى الورقة عنده، وكان السلطان رسم عند الختان أن يرمى كل مقدم ألف فى الطشت مائة دينار، والطبلخاناة خمسين دينارا، ووكل (¬٣) الوزير بأمر الطشت وأمر للخازندارية أن يحفظوا الطشت، فلما فرغوا أمر السلطان أن يكون النصف لأصحاب الملاهى والنصف للمزين، فعرفوا الوزير بذلك، فأخذ الطشت عنده وأرضى هؤلاء بالبعض، ووصاهم أن لا يظهروا ذلك للسلطان.ثم طلب السلطان الوزير وقال له: اعط للبليبل ألف دينار، وكان البليبل يغنى فى المجلس وعلى السماط، وكان له صوت عظيم إلى الغاية، وكان الأشرف يحب سماعه فى حياة والده، فقال الوزير: يا خوند وكم من ألف خرج فى هذا المهم؟ فالتفت السلطان إلى البليبل فقال: ويحك غنى إذا أسعدك الزمان فلا تبالى، فصار يلعلع بصوته والسلطان يعجبه قوله، فقال: يا صاحب إملأ طشت بالذهب فقال: السمع والطاعة، ثم جاء إلى الوزير استاذ الدار لطقجى وديوانه، وأوقفوه على ما كتبه السلطان، فلما رأى علامة السلطان نهض من المجلس وقبل الأرض ووضعه على رأسه وبهت له ساعة، وقال: مرسوم السلطان على الرأس والعين، ولكن أمهلونى قليلا، ثم نهض من المجلس ودخل على الأمير بيدرا نائب السلطنة، ورمى نفسه عليه، وقال يا خوند: ارحمنى وادركنى وإلا أموت، من أين أجد مائة ألف دينار بعد عمل هذا المهم العظيم، فلما وقف على المرسوم أعذره ونهض معه، فدخل إلى السلطان، فقال له: يا خوند، من أين يجد الوزير بعد عمل هذا المهم مائة ألف دينار، وشرع يسأل التنقيص من ذلك، والوزير أيضا يسأله، فنظر إليهما السلطان نظر المغضب، فقال: مثلى ينعم على مملوكه بشئ اليوم وينقصه غدا. فقالوا (¬١): يا خوند: نحن ندخل على طقجى ليحط من هذا القدر بشئ. فقال: هذا له وليس لى، فنهضوا من عنده، فصادفوا طقجى داخلا إلى الخدمة، فأخذ بيدرا بيده فأجلسه إلى جانبه، وطلب بكتمر السلحدار وبعض الخاصكية، وخاطبوه أن تكون المائة ألف دينار مائة ألف درهم، فقال للوزير: أنت فى عقلك؟ تقول إنى آخذ عوض مائة ألف دينار مائة ألف درهم، فلما رأى بيدرا تصميمه على الطلب قام ووقف وقال: يا أمير أنا أروحاليوم إلى بيتك وأطلب ضيافتى، فنهض طقجى وقال: يا خوند مثل ما وهبنى أستاذى أنا قد وهبتك الجميع، وبعد ذلك حمل له الوزير مائة ألف درهم. وقال صاحب النزهة: وجدت دفترا بخط شخص من مماليك الحاج طيبرس بعد وفاته؛ وكان والدى وصيه، فنظرت فيه، وقد كتب كل ما نفق فى هذا المهم، فوجدت جميع ما غرم من أوله إلى آخره: ثلاثة آلاف رأس غنم، وستمائة رأس بقر، وخمسمائة أكديش (¬١) وألفين (¬٢) وثمانمائة قنطار سكر للمشروب، ومائة وستين قنطارا لعمل الحلاوات، وذكر أنه عجز ما نفق من الذهب، وقدره على سبيل [٦٦] التقريب مائتى ألف دينار. قال: ثم بعد قتل الأشرف لما تولى الأميران سلار وبيبرس وباشر علم الدين أبو شاكر ناظر الحوشخاناة سألته عما نفق من بيت المال فى المهم المذكور، فقال: وجدت أوراق المصروف نحو الثلاثمائة ألف دينار، سوى ما خص الأقبية والطرز والسروج وقماش العساكر، ولم يعهد أن أحدا من ملوك الترك صنع مهما مثله، ولا نفق فيه مثله. وفيها: كانت واقعة القاضى تقى الدين بن بنت الأعز مع الوزير، وقد ذكرنا طرفا منها فيما مضى (¬٣). وذكر فى نزهة الناظر ما جرى عليه مع الوزير فى هذه السنة، وقال: ولم يذكر أحد أفحش من هذه الواقعة ولا أشنع منها فى حق هذا الرجل، وكان السبب فى ذلك أن الصاحب شمس الدين بن سلعوس لما قدم مصر فى الدولةالمنصورية، كما ذكرنا، وباشر فى ديوان ولده الأشرف كان رفيقه فى المباشرة رجل يقال له نجم الدين بن عطايا، كان شاهدا بديوان الأشرف، فحصل بينه وبين ابن سلعوس إلمام عظيم ومودة عظيمة، واتفق أن ابن سلعوس خرج من مصر وأقام بدمشق، فكان هذا الرجل يكتب إليه كل ما يتفق فى مصر من الوقائع ويعلمه بذلك، وكان يهادى بعضهما إلى بعض. وكان نجم الدين هذا يسعى عند الأمراء وحاشية السلطان فى أن يوليه القاضى تقى الدين فى شئ من الوظائف الدينية، وكان ابن سلعوس أيضا بعث إليه من من الشام وسأله فى أمره، فلما حضر قاصده إلى القاضى قال: يا سيدى القاضى شمس الدين يسلم عليكم، فقال القاضى: أى شمس الدين؟ فقال: صاحب ديوان الملك الأشرف. قال: تاجر البطاين، فرجع القاصد وعرف ابن سلعوس بذلك، فمضت على ذلك مدة وجماعة كثيرة يسعون له عند القاضى وهو يسوف من وقت إلى وقت إلى أن حضر نجم الدين مع جماعة عند القاضى فى أمر ميراث وتوكل فيه، وادّعى على الأخصام بدعوى غير سائغة، فنظر القاضى إليه وقال: يا نجم الدين أصلح دعواك، فخرج وعاد ثانيا، فردّه القاضى وقال: أصلح دعواك، فلما فرغ من الدعوى طلبه وسأله عن مسألة، فلم يجب عنها، وصار القاضى يفهمها له، فلم يفهم، ثم قال له: يا نجم الدين كيف يحل لك تسعى أن تتولى مجلسا من مجالس الحكام ولا تحسن طريق الدعوى السائغة، ولا تجيب عن مسألة، ارجع إلى الله تعالى ولا نثقل على بعد ذلك بأحد فى ولايتك، واذهب واشتغل بالعلم، ولا ألقى الله وفى صحيفتى ولايتك. وتطاولت المدة على ذلك إلى أن تولى الملك الأشرف بعد وفاة والده المنصور وحضر ابن سلعوس واستقر فى الوزارة كما ذكرنا، وعزل القاضى تقى الدين منوظيفة القضاء ثم صار يأخذ منه وظيفة بعد وظيفة إلى أن بقى معه نظر الخزانة وشئ من وظائفه، وحصلت سفرة عكا، فكتب السلطان إلى نائب الغيبة من غير علم الوزير أن يطلب ناظر الخزانة وسائر مباشريها ويأمرهم بكتابة ما فيها من الحواصل، وسيرها صحبة البريدى، فكتب نجم الدين بن عطايا المذكور إلى الوزير وعرفه بذلك، وأن القاضى هو الذى فعل ذلك بسعايته، فبقى فى نفس الوزير ذلك، فلما قدم إلى مصر تلقاه الناس على العادة والقاضى فيهم، فأقبل يسلم على الوزير فلم ينصفه فى الجواب، ثم قال له يا مولانا تقى الدين: جهز عشرين [٦٧] ثوبا أطلس لأجل الفرش عند دخول مولانا السلطان، فقال يا مولانا الصاحب: ما سبقك بهذا أحد ولا سبقنى أيضا قاض بهذا، ورجع عنه وفى وجهه التغير، ثم عمل القاضى تقى الدين للوزير قصيدة من نظمه وعظمه فيها، وقصد بذلك ملاطفته ومداراته، فلما دخل إليه أراد أن ينشدها وهو واقف، فمنعه من ذلك (¬١)، وهى قصيدة طويلة أولها هو قوله: شكر الله ما صنعت ويرعى … فهو قد حل فى البرية وقعا وكانت هناك جماعة كثيرة، فدخلوا على الوزير أن يسمعوا القصيدة، فأمر بذلك، ولما فرغ من إنشادها تبسم الوزير، وقال: يا مولانا تقى الدين: عظمت تاجر البطاين كثيرا، فخجل القاضى، ثم قال: يا مولانا الوزير: المرء بنسبه لا بحسبه، وليس رئيس القوم من يحمل الحقد، ثم شرع الوزير بعد ذلك فى العمل عليه إلى أن طلب بعض الكتاب، فكتبوا عليه بمائة وعشرين ألفدرهم، فطلبه إليه وخاطبه فى أمرها، فقال تقى الدين: ما عهدت منى خيانة قبلها، فنهره ورسم عليه وأقامه من المجلس، ثم دخل إلى السلطان وعرفه بذلك، ورسم السلطان بأن يستخرجها منه. وكتب تقى الدين ورقة إلى نائب السلطان، وذكر فيه ما جرى عليه مع الوزير، فسير إليه النائب الأمير الموصلى الحاجب يقول له: هذا القاضى كان رفيقى فى الوزارة، وله على خدمة كثيرة، وما رأيت منه فى مباشرته ما يشينه فى دينه ولا دنياه، وإن كان الصاحب ما يقبل سؤالى فيه، فمهما كان فى جهته أنا أقوم به عنه لبيت المال، فقال فى جوابه: بسم الله ولكن نحتاج إلى تحقق حساب الديوان يومين أو ثلاثة، ثم أسيره إلى خدمته. وتحقق الوزير أنه ما ينال منه غرضه لأجل قيام بيدرا فى طريقه، فسعى ابن عطايا وأصلح جماعة من شهود القلعة وغيرهم ممن لا يتق الله، فحضروا عند الوزير، واتفقوا معه على أن يشهدوا على القاضى بما يدعيه الوزير، فأصبح الوزير ودخل إلى السلطان فقال: كلما أطلب أحدا ممن له تعلق بأمور المباشرة وعليه مال السلطان يقوم بيدرا لأجله ويمنعه عنى، ويرسل إلى الرسالات الفاحشة فغضب السلطان وقال: اخرج واطلب مالى حيث ما كان وفى جهة من كان، ثم شرع يسب بيدرا، فخرج الوزير وطلب القاضى تقى الدين ونهره، ورسم عليه أربع (¬١) رسل وقال له: انزل واحمل المال وإلا فعلت بك كذا وكذا، وأمر أن لا يركب. قال صاحب التاريخ: ورأيته فى ذلك اليوم عند باب الإصطبل وهو يقاول الرسل على الركوب وهم يمنعونه وعليه دراعة وعمامة وعذبة صغيرة، وكانالأمراء فى ذلك الوقت طالعين إلى الخدمة فرآه أمير سلاح على هذه الحالة، فضرب الرسل وأركبه، وقامت العوام على الرسل وقصدوا رجمهم وضربهم، فمنعهم بعض الناس، وصارت الأمراء ينظرون إليه وتألموا بسببه، ولما طلعوا إلى القلعة عرفوا النائب بيدرا بما رأوا مما عليه القاضى من الذلة والإهانة بين العامة والخاصة، فنألم بيدرا بسبب ذلك غاية ما يكون. ثم أن الوزير اتفق مع الشهود المذكورين وصوروا عليه محضرا يتضمن فصولا كثيرة، منها: أنه يشرب الخمر، ومنها أنه يلوط بالصبيان، ومنها أنه يتلفظ بألفاظ يصطلح بها [٦٨] النصارى من الألفاظ التى يترتب على قائلها الكفر، وأنهم عاينوه وقد شدّ فى وسطه زنارا من تحت ثيابه على صفة النصارى، وأثبتوا المحضر على هذا الوجه، ثم أخذه الوزير ودخل به إلى السلطان، فقرأوه عليه، واتفق معه على أن يحضروه إلى مجلس الحكم ويدّعى عليه بذلك، فإن أنكر شهد عليه شهود المحضر، ثم يعمل بمقتضاه من القتل ونحوه. ولما خرج الوزير من عند السلطان دخل النائب، فتلمح السلطان فى وجهه الغيظ، فسأله فقال يا خوند: كيف لا يكون وفى أيامك ينزل قاضى المسلمين، وهو رجل كبير القدر، صاحب علم ودين، وسلف صالح، راجلا يمشى بين العوام، ويهان بين الرسل، وشرع بيدرا يذكر أمثال ذلك، فقال السلطان: اسكت أنت ما تعرف، هذا رجل زنديق، فشرع يذكر له المحضر وما كتب فيه من المصائب، وأن الوزير إلتزم أن يثبت ذلك جميعه، فلم يتمالك بيدرا من حنقه على ذلك حتى قال يا خوند: ارجع إلى الله فى مثل هذا الرجل ولا تسمع فيه قول رجل عامى، فغضب السلطان من قوله، وقال له: يا مأبون تقول فى حق وزيرى قطعة عامى، والله لولا خدمتك على وإلا خليتكتمشى فى خدمته وتحمل مداسه، فخرج بيدرا من عنده، وهو أعمى من الغيظ والحنق، فوصل إلى دار النيابة ولم يجلس للحكم، واختل بنفسه وبكى بكاء كثيرا، فبلغ الوزير ذلك ففرح وانبسط، ولم يدر ما يكون عقيب ذلك. وأنشد صاحب التاريخ لنفسه: كلمة قلتها فقالت مهلا … عن قريب تريك قولا وفعلا سترى حمرة نار نارا … كأن إشعالها سنانا ونصلا فسمعت الأمراء بذلك، فأتوه سرا وصبّروه وهوّنوه عليه، وقالوا له: إن أستاذك حادّ الخلق، فاصبر على ذلك، فكلهم تألموا له بسبب ذلك، ثم أجمعوا كلهم على الكلام مع السلطان، ولما دخلوا عليه أخذ السلطان يذكر لهم حديث القاضى، فقال له أمير سلاح، والبيسرى: يا خوند الله الله حاشى فى القاضى هذه الأمور، فصار السلطان يحاجج الأمراء، فقال له أمير سلاح: يا خوند نحن ما نريد أن يكون فى ذمة السلطان من ذلك شئ، فتجتمع مع نائب السلطان وسائر القضاة، وتعمل عقد مجلس لهذا الرجل وتسمع صحته، فإن ثبت عليه شئ مما ذكروه عرفنا مولانا السلطان فيرى بما فيه مقتضى الشرع ويبرأ ذمته من جهته، فأجابهم السلطان على ذلك ونهضوا كلهم واجتمعوا فى موضع، وأحضروا القاضى وشهود المحضر، وكان منهم نجم الدين بن عطايا، وابن السبتى، والتكرورى الإمام، وكان هؤلاء من شهود القلعة، وأقاموا شخصا يدعى عليه بذلك، فنهض القاضى تقى الدين وقال:بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال الله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ)﴾ (¬١) - الآية. ثم قال: يا أمراء الإسلام يا مجاهدين فى سبيل الله أنا فلان بن فلان بن فلان، وذكر سائر أجداده إلى أن قال ما فى نسبى بطرس ولا جرجس ولا مجوسى ولا نصرانى، وإذا قالوا إنى أشرب الخمر ربما يكون فيه لذة على زعم من يستعمله، أو أنى ألوط ربما يكون من عليه شهوة النفس، ولكن النصرانية وشدّ الزنار من أين وإلى أين وما فيه من اللذة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وتمثل: جلوا صارما وتلوا باطلا … وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم [٦٩] ثم بكى، فانهملت عيناه بالدموع، فما قام أمير منهم إلا وهو يمسح عينيه من البكاء، ويقول: والله يحق على من يشهد على مثل هذا بالنصرانية أن يضرب عنقه، فانقضى المجلس على ذلك، وكان مجلسا عظيما، وقصدت العوام أن يرجموا الشهود، فمنعتهم الحجّاب، ثم دخل الأمراء إلى السلطان، فرأى فى وجوهم أثر البكاء والحزن وقد تنكرت، وصار الأمير بدر الدين يتحدث معه ودموعه تجرى، وقال يا خوند: إش يقال فى بلاد الأعداء إذا سمعوا أن الشهود شهدوا أن قاضيهم الذى هو قاضى القضاة نصرانى، وشرع البيسرى وبكتمر السلحدار وغيرهما من أكابر الأمراء فتحدثوا مع السلطان، فقال السلطان: أما فى ذمتى ذنب، ورسم بالإفراج عنه، وأن لا يعارضه أحد، فخرج الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار بنفسه ومشى مع القاضى إلى باب القلعة. وقال صاحب التاريخ: كنت فى ذلك اليوم مع والدى أشاهد ما وقع، ولم أر مثل ذلك اليوم من اجتماع الناس حتى لا يمكن أن يرى أحد القاضى بينهم.وأصبح الأمير بيدرا يدخل إليه، فطلبه وطيب خاطره وخلع عليه وقال: لأجلك أطلقت القاضى وما سمعت فيه قول أحد، فقبل الأرض ودعى للسلطان، وفى قلبه من تلك الكلمة أمور. قال صاحب التاريخ: أخبرنى الشيخ زين الدين ابن الكنانى الشافعى فى سنة أربع وسبعمائة، وقد أجريت عنده ما جرى على القاضى تقى الدين. فقال: أصيب بدعوة دعيت عليه، وهو أن القاضى تقى الدين كانت له وظائف شتى. من جملتها نظر الخانقاة الصلاحية، وكان شيخها فى ذلك الوقت الشيخ شمس الدين الأيكى (¬١)، وكان القاضى يحضر الوظيفة، واتفق فى بعض الأيام بحث بينهما فى نظم الشيخ شرف الدين بن الفارض (¬٢)، وكان قد بلغ القاضى عن الشيخ أنه يعتقد الحلول، فقال له: بلغنى أنك رجل حلولى على مذهب ابن الفارض، وأنك كل وقت تنشد قصيدته التى فيها ذكر الحلول، وهذا مذهب نحس، فصعب على الشيخ كلامه، وأخذ يجاوب القاضى بالفظاظة فقال له القاضى: الآن ظهر صدق ما قيل فيك، وسفه عليه، وقام من غيظه عليه، فضربه بيده فأخرق عمامته فى حلقه، فنظر إليه الشيخ، وأجرى دمعه، وقال: نكلت بى، نكل الله بك، فأجيبت دعوته، وجرى عليه ما جرى، ولما أفرج الله عنه جاء إلى الشيخ واستغفر الله تعالى، وأشار الشيخ إلى خادم من خدام أم الملك السعيد، وكان حسن الصوت، فقام وأنشد قصيدة ابن الفارض إلى أن أتى إلى قوله: وبى من أتم الرؤيتين إشارة … تنزه عن رؤيا الحلول عقيدتىفبكى القاضى عند ذلك بكاء كثيرا، فقال: والله لقد قرأت هذه القصيدة مرارا عديدة ولم أقع على هذا البيت، ونحن نستعيذ الله من ذلك الذنب. وفيها: عزل القاضى عماد الدين بن الأثير (¬١) كاتب الإنشاء، وكان السبب لعزله أن السلطان قال له: اكتب إلى نائب الكرك باتلاف بعض الأمراء، فكان جوابه له: يا خوند عاهدت الله أنى لا أكتب بخطى فى إتلاف مسلم، فنظر إليه نظر المغضب فقال: ويلك، أقول لك اكتب فما تكتب، فأخذ الدواة فضربه بها ورفصه فى صدره، فنهض وهو يقول: رضيت بغضب السلطان ولا غضب الله تعالى (¬٢)، فطلب السلطان النائب وعرفه بذلك، وقال له: افتكر من يكون كاتب السر، وكان فى ذلك [٧٠] الوقت نوبة الأمير لاجين فى السلاح فقال: يصلح لهذا شرف الدين بن فضل (¬٣) الله، وأنه من بيت كبير وله دراية بالوظيفة، فعند ذلك رسم بطلبه على البريد، فلما حضر خلع عليه واستقر بالوظيفة. وفيها: أفرج السلطان عن يعقوبا (¬٤) أمير الأكراد الشهرزوية، وكان قد أتى إلى بلاد الشام ومعه نحو من أربعة آلاف نفس من الشهرزوية، وجرتله وقائع كثيرة، وبقى إلى أن حضر السلطان الملك المظفر قطز والتقى مع المغول فى عين جالوت، وكان قد حضر المصاف وشكر فيه هو وقومه، ولما تسلطن الملك الظاهر حبسه، فبقى فى الحبس إلى أن أطلقه الأشرف فى هذه السنة، وكان الساعى له عند السلطان الأمير برغشه، وكان قد حضر عند السلطان بتقدمة جليلة من الخيل وغيرها، فشفع فيه عند السلطان، وساعده الأمير بيدرا أيضا، وكان بينه وبين برغشه صحبة من أيام وصول يعقوبا إلى البلاد، ولما أطلقه السلطان أنعم عليه بألف دينار وكسوة وخيل، وكان رجلا طوالا وشكلا عجيبا جميلا. وفيها: ركب السلطان ونزل إلى الميدان ولعب بالأكرة، فضرب الأكرة فوقعت على وجه بيدرا، فقطع حاجبه وجرى الدم وتشوش السلطان لأجله، فقصد أن يبطل لعبه، فحلف عليه بيدرا أن لا يبطل. ونظم شرف الدين ابن الوحيد فى ذلك أبياتا منها قوله: يا بدر دين الله يا مشبها … سميّه فى كل حسن بهر مملوكك الجوكان تأثيره … فى وجه مولانا أتى واعتذر وقال قصدى أن أرى وجهه … كوجه بدر التم فيه اثر وفيها: كانت واقعة أهل الذمة وإسلام كثير منهم، وكانوا فى الدولة المنصورية فى غاية الذلة والإهانة خصوصا فى أيام الشجاعى الذى كان له حرمة عظيمة على العامة والكتاب وأرباب الأقلام حتى أنه كان أكبر من فيهم يكون راكب حمار وزناره فى وسطه، ولا يجسر يتحدث مع مسلم وهو راكب، ولا يمكن أن يرى عليه فرجية مصقولة ولا بيضاء إلا القليل منهم مع ذلة ومسكنة، فلما تغيرت الدولة وملك الأشرف وحدثت الأمور وانتشأت الخاصكية وكبرتنفوسهم، كبر قدر النصارى أيضا بسبب بعض الخاصكية الذين يحامونهم، وكان من جملة الخاصكية مملوك يعرف بعين الغزال، وكان صاحب صورة جميلة جدا، وكانت له منزلة ومكانة عند السلطان، واتفق أن بعض النصارى خدم عنده، واتفق أنه لقى يوما عند زين العابدين سمسارا باع قماشا لتاجر، وعلى التاجر دين للديوان، فلما رآه السمسار نزل وباس رجله، وشرع النصرانى يسبه ويشتمه، والرجل يعتذر إليه فلا يقبل منه، ثم صاح لغلامه وقال له: انزل وكتف هذا الفاعل الصانع، فنزل إليه وكتفه، فاجتمعت عليه خلق وما وصل إلى الصليبة حتى اجتمع عليه خلق كثير، وهم يسألون النصرانى أن يطلقه وهو يأبى عليهم، فقاموا عليه وأرموه من حماره وأطلقوا الرجل، وكان قد قرب إلى اصطبل أستاذه، فجرى غلامه وأتى إلى الاصطبل وأخبر أهلها بما جرى، فخرجت الغلمان والوشاقية وخلصوا النصرانى منهم، والناس يصيحون ما يحل ما يحل حتى وصلت صيحتهم وغلبتهم إلى تحت القلعة، [٧١] وصاحوا نصر الله السلطان، فسمع السلطان بذلك، فأرسل جماعة من الوشاقية ليكشفوا الخبر، فعرفوهم بذلك، فطلب عين الغزال فقال: ويلك تسلط غلمانك على المسلمين لأجل كاتب نصرانى، فخشى عين الغزال فقال: يا خوند أنا فى خدمة السلطان هاهنا ما أعرف هذه القضية، فغضب السلطان وطلب الوشاقية وقال: انزلوا هاتوا كل من فى اصطبل الأمير، وقولوا للعوام: رسم لكم السلطان أن أى نصرانى رأيتموه أحضروه إلى، وطلب الشجاعى والنائب، وقال: لا تخلوا نصرانيا حتى تحضرون به إلى، وقرر معهم أن ينادى أن أميرا أو غيره لا يستخدم نصرانيا ولا يهوديا إلا إذا خرج عن دينه وتمسك بالإسلام، وأمر لسائر الأمراء أن كل من عنده كاتب نصرانى يعرض عليه الإسلام، فإن أبى يضرب عنقه وإن أسلميستخدمه، ورسم للنائب أن يعرض سائر المباشرين فى ديوان السلطان ويفعل فيهم ما رسم به من الذى ذكرناه، فهربت جماعة كثيرة من الكتاب، وسمعت العوام بذلك، فتتبعوا آثارهم وهجموا عليهم فى بيوتهم، وأخرجوا حريمهم مسبيات، وقتلوا جماعة منهم بأيديهم، وبلغ ذلك إلى السلطان، فأمر الوالى أن ينادى أن أى من نهب بيت نصرانى يشنق، ومسكوا جماعة من الحرافيش فأشهروهم. وكان أعظم ما جرى فى مصر بقصر الشمع، والكنيسه المعلقة، وعدمت أموال كثيرة للنصارى ولليهود أيضا، فلما نادى السلطان كفوا عن ذلك، وجمعوا جماعة من الكتاب الذين يكتبون فى دواوين الأمراء وديوان السلطان ودخل بهم النائب إلى السلطان، فأوقفهم من بعيد، فرسم للشجاعى وأمير جندار أن ينزلا سوق الخيل ويحفرا حفيرة كبيرة وبرميانهم فيها، ثم يرمون عليهم الحطب والنار، فأخذوهم وخرجوا، وتقدم النائب وقال يا خوند: هؤلاء أصحاب دواوين يحفظون الأموال والخراج، وليس للسلطان غنى عنهم. فقال أنا ما أريد أن يكون فى دولتى ديوان نصرانى، وما زال بيدرا يسأله إلى أن اتفق الحال على أن من أسلم منهم يستخدم ومن لا يسلم يضرب عنقه، وخرج نائب السلطان فأحضر الجميع بين يديه، وكان فيهم رجل يعرف بالمكين ابن السقاعى، ولما كان بيدرا وزيرا كان يستظرف كلامه ويمزح معه لأنه كان ظريفا صاحب هزل وجواب خاطر فى وقته، فأول كلام بيدرا كان معه وقال يا جماعة: وصلت قدرتى مع السلطان فى أمركم أن من أسلم خلع عليه ويباشر وظيفته ومن أبى قتل، فابتدره المكين بالجواب وقال يا خوند: أىّ قواد يختار القتل على هذا الدين الخرعى، والله دين نقتل عليه يروح لا كتب اللهعليه سلامه، قولوا لنا الدين الذى تختارونه نروح إليه، فعلته الضحك، وكل من كان حاضرا، فقال بيدرا: ويلك نحن نختار غير دين الإسلام! فقال يا خوند ما نعرف. قولوا: نحن نتبعكم، فأحضروا الشهود واستنطقهم بالشهادة، وكتبوا، ودخل بهم إلى السلطان، فألبسهم التشاريف، وجعلوا فى مجلس الوزير. واستفتح بعض المدراء، فناول المكين ورقة، وقال: يا مولانا القاضى، اكتب على هذه الورقة والوزير يسمعه: وقال يا ابنى: ما كان لنا هذا القضاء فى خلد، فتبسم الوزير فبقوا إلى العصر، فحضر الحاجب من جهة النائب وعرف الوزير أن [٧٢] الجماعة يقومون كلهم إلى مجلس النائب، ويريد أن يجدد إسلامهم عند القضاة، فرسم بقيامهم، فقال المكين: يا مولانا الصاحب صارت هذه عادة كل يوم نقولها، فتبسم وقال: نعم، نقولها كل يوم خمس مرات قبل الصلاة وبعدها، فلما نهضوا كان القاضى تاج الدين بن السفلورى جالسا مع الوزير، فقال يا مولانا تاج الدين: ما تقول فى إسلام هؤلاء الجماعة؟ قال: أقول إن الذليل منهم صار عزيزا، والعزيز من المسلمين صار ذليلا لهم، فإنه كان يمنعهم من ظلم الناس ومن التكبر عليهم كونهم نصارى، فالآن يقولون: نحن مسلمون، فيتسلطون عليهم والله يتولى سرائرهم. وكان من جملة من أسلم منهم: أمين الملك بن غنام، وابن السقاعى، وابن لفيقه كاتب ديوان النائب. وكتب بعضهم لبيدرا بيتين وسيّرهما إليه، وهما لابن البغدادى: اسلم الكافرون بالسيف قهرا … وإذا ما خلوا فهم مجرموناأسلموا من رواح مال وروح … فهم سالمون لا مسلمونا وقال صاحب التاريخ ولمؤلفه: قل للمليك الأشرف ما تنتظر … يا ناصر الدين ويا منتصر قد أمكن الله من أعدائه … فى يوم بؤس نحسه مستمر فقلّد السيف لأرقابهم … واجعله على الكافر يوما عسر فلا يغرنك إسلامهم … فكل من أسلم كذّاب أشر وفيها: اشتهى السلطان أن يتفرج على لعب الشوانى (¬١) فى البحر، فطلب الوزير وقال له ذلك، فنزل إلى الصناعة (¬٢) وطلب الرئيس، وجهز كل ما يحتاج إليه من العمل، وأقاموا أياما قليلة وجهزوا نحوا من ستين شينيا، وحملت فيها سائر العدد من السلاح، ورتبوا فى كل مركب مماليكا ملبسه مقاتلة ومماليكا زرادين. فهرعت إلى الفرجة على ذلك من قبل ركوب السلطان بثلاثة أيام أهل مصر والقاهرة؛ وصنعوا قصورا من الخشب، وبنوا أخصاصا على ساحل مصر وساحل الروضة، فبلغ كرا كل ساحة من الساحات التى بين يدى البيوت إلى مائة درهم ومائتين، ويوم ركوب السلطان كان الناس مثل الجراد المنتشر من المقياس إلى بولاق، فما رأى أحد مثل ذلك اليوم، وأراد الحجاب منع الناسفلم يجدوا لذلك سبيلا، ورسم السلطان أن لا يتعرضوا لأحد، وأرمت جماعة كثيرة نفسها فى البحر، ووقف الناس صفوفا صفوفا، ووقف السلطان والنائب والخاصكية قدام دار النحاس (¬١)، فدارت الشوانى بين يديه، وقد صنعت فى وسطها أبراج وقلاع، وفيها مقاتلون، والنفط، والمكاحل، ونحو ذلك، وأظهر كل مركب صنعة تفتخر بذلك على غيره من المراكب، فلم يزل السلطان يتفرج على ذلك إلى قريب الظهر، ثم رجع إلى القلعة والذى اتفق فى ذلك اليوم ما اتفق لأحد من الملوك. قال صاحب التاريخ: وأخبرنى جماعة من أهل المراكب أن أحدا منهم قد استكمل أجرة مركبه سنة كاملة فى هذا اليوم، وأن الراكب فى مركب كبير قد استكراه فى ذلك اليوم بسبعمائة درهم وأكثر، وأبيع سبعة أرطال خبز بدرهم بعد أن كان اثنى عشر رطلا بدرهم، وكذلك اللحم وغيره زاد سعره من كثرة الزحام والخلق. قال الراوى: وأنشدنى الشيخ فتح الدين، [٧٣] شيخ الحديث بيتين لابن عنين فى لعب الشوانى فى أيام الأشرف وهما: يا أيها الملك المسرور أمله … هذى شوانيك تجرى يوم سرّاء كأنها شبه أطيار بها ظمأ … طارت إلى الجو وانتثرت على الماء وفيها رسم للأمير عز الدين أيبك الخزندار بنيابة طرابلس، عوضا عن الأمير سيف الدين طغريل اليوغانى (¬٢) ورسم بحضوره إلى مصر.وتولى الأمير سيف الدين طوغان نيابة السلطنة بقلعة الروم، عوضا عن الأمير عز الدين الموصلى. وفيها أرسل السلطان الأمير علم الدين الدوادارى إلى صاحب القسطنطينية، وإلى أولاد بركة، ومعه تحف كثيرة جدا، فلم يتفق خروجه من قبل السلطان، فعاد إلى دمشق. وفيها وصل مملوك نائب حلب يخبر بحضور رسل كيخاتو ملك المغول، وهم جماعة كثيرة، ويستأذن لدخولهم، ورسم له بذلك، ورتبوا الإقامات عند ما وصلوا إلى الصالحية، وخرج المهمندار (¬١) إلى لقائهم، وأمر السلطان الأمراء والجند - يوم عبورهم فى الخدمة - أن يزينوا أنفسهم، فيلبسوا الكلوتات الزركش والمطرز وغيرها، واستقبالهم من باب القلعة، وقد ترتبوا من خارج الباب إلى الايوان صفين أمراء وأجناد ومقدمون، فلما رأوهم إندهشوا من مهابتهم وترتيبهم، فأوصلوا الكتب، وتكلموا مشافهة أيضا، على أن القان يقصد أن يدخل إلى مدينة حلب ويقيم فيها، ويجعل مقامه فيها، فإنها مما فتحه أبوه هلاون بسيفه، وهى فى ملكه، وإن لم يسمح بذلك فهو يقصد العبور إلى الشام. فأسرع السلطان بالجواب، وهو يبتسم، وقال: الحمد لله الذى وافق أخى القان ما كان فى نفسى فكنت قد تحدثت مع أمراء دولتى أن أسيّر طالبا من أخى بغداد، وإن لم يسمح لى بها ركبت ودخلت بعسكرى وأخربت بلاده، وقتلترجاله، وفتحتها قهرا، وجعلت فيها نائبا من جهتى، فإن بغداد هى دار السلام، وأرجو أن أعيدها للإسلام كما كانت، ولكن إذا وصلتم إليه عرفوه من يسبق إلى بلاد صاحبه ويدخل فيها. فلما خرج الرسل طلب الوزير ورسم أن يكتب إلى سائر البلاد والعواصم بتجهيز الإقامات، وكذلك للعساكر أن يجهزوا لدخول الفرات وأخذ بغداد، ورسم إلى سائر الأمراء لا يدخل أحد منهم (¬١) الميدان - يوم الميدان - إلا وهو لابس عدة الحرب هو وفرسه، ورسم للمهمندار أن يأخذ الرسل معه إلى الميدان ليروا الموكب. وانتظم يوم الميدان بما حيرهم هناك، وكان يوما عظيما، واجتمعت فيه خلق لا يحصى عددهم، وخلت الأسواق بأجمعها، وانتشرت الخلائق مثل الجراد، فرأى الرسل نهارا عظيما إلى أن أذن الظهر، وركب السلطان، وقد لبس قرقلا (¬٢) خفيفا، [و] بيده شطفة، وناهيك من ملبوس ملك فى مثل ذلك اليوم، وتواترت الأمراء بعده بالدخول أولا فأولا، وكل أمير يدخل وقد لبس أفخر لباس الحرب، وبيده شطفة برنكه (¬٣)، ورسم لهم السلطان أن يتصارعوا كل أمير مع أمير على قدر مراتبهم، وشرعوا فى كروفر، وصدور وورود، وكل منهم قد أظهر فروسيته فى ذلك اليوم، وكان يوما مشهودا.وفيها جهز نوغيه زوجته بيلق خاتون إلى الملك طقطا برسالة تحملها إليه، وإشارة تشير بها عليه، فلما وصلت إلى الأردو تلقاها بالإكرام [٧٤] واحتفل لها فى الضيافة والتقادم، وأقامت فى الضيافة أياما، ثم سألها عن سبب مجيئها، فقالت له: يقول لك أبوك أنه قد بقى فى طريقك قليل شوك، فنظفه، فقال: وما هو الشوك؟ فسمت له الأمراء الذين ذكرهم نوغيه لها وهم: كلتكاى، يوفق، قراكيوك، ماجار، بارين طقطا، كبى، يوكو، طراتمر، التمر، تكا، بى طرا، بيملك تمر، بى طقتمر، بيغور افطاجى، باروه، ملجكا، برلغى، كبجك، سودق، قراجين، خاجزى، ابشقا، بيينجى، وهؤلاء هم الذين كانوا اتفقوا مع تلابغا على نوغيه. فلما أبلغته بهذه الرسالة، وقصت عليه هذه المقالة طلب هؤلاء الأمراء، واحدا بعد واحد، وقتلهم جميعا. فعادت بيلق خاتون إلى نوغيه، فأعلمته بقتلهم، فسكن قلقه، وزال فرقه، وتحكم أولاده، وأولاد أولاده. وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة وهم: جكا، وتكا، وكانا من أم واحدة، وطراى من إمرأة أخرى، وابنة تسمى جغلجا، وابن بنت يسمى اقطاجى، وكانت ابنته هذه مزوجة لشخص يسمى طاز بن منجك، فقويت شوكتهم وتمكنت مهابتهم وسطوتهم (¬١).وفيها: حج بالناس فى الركب المصرى الأمير بدر الدين بكتاش المعروف بالطيار، وفى الركب الشامى الأمير الباسطى، وكان ممن حج فى هذه السنة الشيخ تقى الدين بن تيمية، ونالهم فى مكة ريح شديدة جدا، مات بسببها جماعة، وحملت جمالا من أماكنها، وطارت العمائم، واستل كل أحد بنفسه.
  • full passagepage 1064, entry [350]9,960 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح القدوة العارف، أبو إسحاق إبراهيم (¬١) بن الشيخ الصالح أبى محمد عبد الله بن يوسف بن يونس بن سليمان بن البكر الأرموى (¬٢). المقيم بزاويته بسفح قاسيون، وفيها كان ميلاد الشيخ، وكانت وفاته بها أيضا. ومولده سنة خمس عشرة وستمائة، كانت له عبادة وانقطاع، وله أوراد وأذ
    ▸ expand full passage (9,960 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح القدوة العارف، أبو إسحاق إبراهيم (¬١) بن الشيخ الصالح أبى محمد عبد الله بن يوسف بن يونس بن سليمان بن البكر الأرموى (¬٢). المقيم بزاويته بسفح قاسيون، وفيها كان ميلاد الشيخ، وكانت وفاته بها أيضا. ومولده سنة خمس عشرة وستمائة، كانت له عبادة وانقطاع، وله أوراد وأذكار، وكان محببا إلى الناس. وله شعر جيد منه: سهرى عليك ألذ من سنة الكرى … ويلّذ فيك تهتّكى بين الورى وسوى جمالك لا يروق لناظرى … وعلى لسانى غير ذكرك ما جرى وحياة وجهك لو بذلت حشاشتى … لمبشرى برضاك كنت مقصرا أنا عبد حبّك لا أحول عن الهوى … يوما ولو لام العذول وأكبرا (¬٣)الشيخ الفاضل المقرئ كمال الدين (¬١) على بن الشيخ ظهير الدين محمد بن المبارك ابن سالم بن أبى الغنائم الدمشقى، المعروف بابن الأعمى. ولد سنة عشرة وستمائة، وتوفى فى المحرم منها، ودفن بمقابر الصوفية. وكان فاضلا بارعا، له قصائد يمتدح بها رسول الله ﷺ، سماها الشفعية، عدد كل قصيدة اثنان وعشرون بيتا (¬٢). قال البرزالى: سمعت عليه أوله المقامة المشهورة (¬٣) فى الفقراء المجردين. ومن شعره قوله: أنا فى حالة اللذة والتهانى (¬٤) … لست أثنى عن الغرام عنانى لا يروم السلو قلبى ولا يف … تر عن ذكر من أحبّ لسانى وسواء إذا المحبة (¬٥) … دامت نظرى بالعيان أو بالجنان [فاقتراب الديار لفظ وقرب ال … ودّ معنى، فاسلك سبيل المعانى (¬٦)][٧٥] لست ممنّ أرضى (¬١) … بطيف خيال قانعا فى هواهم بالهوان إن طيف الخيال دلّ على أنّ … الكرى قد يلمّ بالأجفان غير أنى تشتاق عينى إلى … من حلّ فى (¬٢) مهجتى أعزّ مكان وبروحى ظبى (¬٣) … يغار غصون ال بان منه ويخجل النيّران ذو قوام يغنيه عن حمله الرم … ح وجفن وسنانه كالسنان كتب الحسن فوق خدّيه بين ال … ماء والنار فيهما جنّتان حرس الورد منهما نرجس اللح … ظ فلم سيّجوه بالريحان عارض عوّذته ياسين لمّا … أن تبدّا كالنمل أو كالدّخان يلبس الحسن كلّ وقت جديدا … فلهذا أخلقت ثوب الثوانى يا خليلىّ خليانى ووجدى … وامزجا لى بذكره واسقيانى وإذا ما قضيت سكرا من الوج … د فلا تحزنا ولا تدفنانى فأيادى ذا الناصر الملك تح … يبنى كاحيائها الندى وهو فان (¬٤) وقال فى حمام ضيّق شديد الحرّ ليس فيه ماء بارد: إنّ حمامنا الذى نحن فيه … قد أناخ العذاب فيه وخيم مظلم الأرض والسماء والنواحى … كل عيب من عيبه يتعلم حرج بابه كطاقة سجن … شهد الله من يجز فيه يندمو (¬١) … به مالك غدا خازن النا ربلى مالك أرقّ وارحم كلما قلت قد أطلت عذابى … قال لى إخسأ فيها ولا تتكلّم قلت لما رأيته يتلظى … ﴿(رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ)﴾ (¬٢) الشيخ تقى الدين أبو اسحاق إبراهيم (¬٣) بن على بن أحمد بن فضل الواسطى، ثم الدمشقى الحنبلى، شيخ الحديث بالظاهرية (¬٤) بدمشق. توفى يوم الجمعة آخر النهار الرابع عشر (¬٥) من جمادى الآخرة منها عن تسعين سنة، وكان رجلا صالحا عابدا، تفرد بعلو الرواية، ولم يخلف بعده مثله، وقد تفقه [ببغداد (¬٦)]، ثم رحل إلى الشام، ودرس بالصاحبية (¬٧) مدّة عشرين سنة،وولى فى آخر عمره مشيخة الحديث بالمدرسة الظاهرية، وكانت وفاته بسفح قاسيون، ودفن فى تربة الشيخ الموفق، ومولده سنة ثلاث وستمائة (¬١). الشيخ جمال الدين إبراهيم (¬٢) بن داود بن ظافر العسقلانى الفاضلى. مات بدرب السلسلة بدمشق، ودفن بتربة الشيخ علم الدين السخاوى بقاسيون، وكان من أخص أصحابه (¬٣)، وجمع عليه القراءات السبع. وله شعر، فمنه قوله: مضوا عصبة كانوا كراما أعزّة … وأبقوا من الإنسان ما فيه معتبر فهم كبيوت الماء قائمة فلم يصبها … انهدام فهى وعظ لمن نظر الشيخ محمود الشيرازى المعروف بسابقان، المقيم بالكلاسة (¬٤). مات فى هذه السنة، ودفن بزاوية الجوالقية خارج باب الصغير، وكان من أحاسن الفقراء وظرفائهم، وله قبول من الناس، وعنده كرم. قاضى القضاة معين الدين النعمان (¬٥) بن الحسن بن يوسف الحنفى.مات يوم الخميس السابع عشر [٧٦] من شعبان منها، ودفن بالقرافة، وتولى القضاء بعده بالديار المصرية قاضى القضاة شمس الدين أحمد (¬١) السروجى. الصاحب محيى الدين عبد الله (¬٢) بن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان ابن عبد الظاهر بن على بن نجده السروجى السعدى، الكاتب الناظم الناثر، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وأحد من برز فى هذا الفن على أهل زمانه، وسبق سائر أقرانه. وهو والد الصاحب فتح الدين القاضى فتح الدين المتقدم ذكر وفاته قبل والده، وكانت وفاته يوم الثلاثاء الرابع من رجب (¬٣)، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرافة، ومولده سنة عشرين وستمائة بالقاهرة، وله مصنفات منها سيرة الملك الظاهر (¬٤)، وأبدع فيها نظما ونثرا، وكان ذا مروءة تامّة وتعصب.وله النظم البديع الرائق، فمنه قوله: يا من رأى غزلان رامة هل رأى … بالله فيهم مثل طرف غزالى أحيا علوم العاشقين بلحظه ال … غزّال والإحياء للغزّالى (¬١) وله فى مليح يسمى بالنسيم: تقضّى ليلنا طربا ورقصا … على شدو من الرّشا الرخيم تمايلنا وقد غنّى وفينا … مليح الدّل معطار الشميم فملنا كالغصون وغير بدع … لأغصان تميل مع النسيم وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان (¬٢) ﵀: كنت قد نظمت قصيدة، ووقع لى فيها معنى غريب فى مليح فى أنفه خال، وهو: عجبت لخال حلّ فى وسط أنفه … وعهدى به وسط الخدوديرى وشيا ولكنما خدّاه فيه تغاير لهوى … فاتبعا من أنفه أوسط الأشيا وحسن الفتى فى الأنف والأنف عاطل … فكيف إذا ما الخال كان له حليا فلما وقف القاضى محيى الدين عليه نظم فى هذا المعنى عدّة مقاطيع منها: أرى الخال من وجه الحبيب بأنفه … وموضعه الأولى به صفحة الخدّ وما ذاك إلاّ أنه من تلهب توارى … يريد البعد من شدّة الوقد وقال: فى أنفه الخال الذى … شغل البرّية وصفه فبحسنه وبظرفه … قد صار شمخ أنفهوقال وبى مليح حسنه … على الملاح قد حكم بأنفه خال به … على الجمال قد ختم يا حسنه من شامة … أمسى بها الأنف الأشم وقال: ميدان حسن وجهه … سبحان ربّ صوّره يلوى بلب ولا يلوى … على من نظره جوكانه حاجبه … والخال فى الأنف الكره ومن شعره: يا سيّدى إن جرى من مدمعى ودمى … للعين والقلب مسفوح ومسفوك لا تخش من قود يقتصّ منك به … فالعين جارية والقلب مملوك الملك الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود (¬١) بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، بن ناصر الدين محمد بن الملك المعظم أسد الدين شيركوه ابن شادى بن مروان. توفى ببستانه، [٧٧] بستان شامة بظاهر دمشق، ودفن بسفح قاسيون، وصلّى عليه بالجامع المظفرى (¬٢)، وكان عمره ثمانين سنة، وكان دينا كثير الصلاةفى الجامع، وله إجازة من المؤيد الطوسى (¬١)، وكان ظريفا متواضعا، حسن الأخلاق، وكانت وفاته فى جمادى الآخرة (¬٢). الملك الأفضل نور الدين على (¬٣) بن الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. توفى بدمشق وصلى عليه بجامعها، وخرج به من باب الفراديس محمولا إلى مدينة أبيه حماة، ودفن بتربتهم بها، وكانت وفاته بداره المعروفة بدار الدعوة (¬٤)، وهو والد الأميرين الكبيرين: بدر الدين حسن (¬٥) وعماد الدين إسماعيل (¬٦) الذى تملك حماة بعد جدّه، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. الأمير الكبير علم الدين سنجر الحلبى (¬٧) الذى كان نائب قطز على دمشق،فلما جاءته بيعة الظاهر دعى إلى نفسه فبويع وتسمى بالملك المجاهد، ثم حوصر وهرب إلى بعلبك وحوصر، فأجاب إلى خدمة السلطان فسجنه مدة، ثم أطلقه الأشرف واحترمه وأكرمه وكان بلغ الثمانين، توفى فى هذه السنة. وقال صاحب نزهة الناظر: بلغنى عن بعض من كان يلازمه أنه مات فى عشر التسعين، ورأيته وقد انحنى ظهره وكان من أطول الرجال وأشدهم قوة وأقدمهم شجاعة، وكان فى الدولة الظاهرية إذا نزل من الخدمة دخل البيت ولا ينزل عن فرسه حتى يقدم له قنطارية محشوة برصاص لأجل الثقل، فيأخذها ويلعب بها على فرسه، ثم يأتى إلى فردة تبن فيطعنها ويرفعها من الأرض ويحذفها، ثم ينزل ويأخذ بيده عامودا حديدا زنته مائة وعشرة أرطال ويلف به اليمين واليسار مرات، ثم يجلس على السماط ويتغدى فى أكلة بالرأس الغنم. الملك الكامل ناصر الدين محمد (¬١) بن الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب بن شادى بن مروان. توفى يوم الخميس الخامس من رجب من هذه السنة، ومولده بالكرك بعد العشاء الآخرة ليلة الأربعاء السادس عشر من شوال من سنة تسع وخمسين وستمائة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثالثة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك الأشرف خليل ابن الملك المنصور قلاون. والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وفى أوائل المحرم (¬١) منها: تجهز السلطان الأشرف للصيد، وعدّى إلى بر الجيزة وسار قاصدا التوجه إلى الإسكندرية والحمامات الغربية، فتقدم وزيره الصاحب شمس الدين بن سلعوس إلى الثغر المحروس لتجهيز الأقمشة، وتحصيل أصناف الأمتعة، واستخراج المال، وترتيب الأحوال بين يدى قدوم الركاب، فوجد نواب الأمير بيدرا بالثغر قد استولوا على المتاجر (¬٢) وادخروا منها ما ليس فى الحواصل السلطانية، فأرسل يعرف السلطان بذلك، فاستشاط السلطان غضبا على بيدرا واستدعاه بحضور الخاصكية والأمراء، فأغلظ له فى الكلام، وتوعده بأشدّ الوعيد، وتهدده بأتم النهديد حتى خاف أن يسطو فى ذلك الوقت عليه، فتلطف حتى خرج من بين يديه، فجمع خوشداشيته (¬٣) الأعيان، [٧٨] وأطلعهم على ما فى باطن السلطان من الشنان وهم: الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، وفىقلبه ما فيه من الأهنة التى نالته والنكبة التى أصابته، والأمير قراسنقر، وهو واجد لعزله من الممالك الحلبية وإحضاره فى غير شئ إلى الديار المصرية، وغيرهما من الأمراء الذين كانوا مطلعين على سريرته، وما منهم إلا من هو متغير الخاطر والنية لتأخرهم وتقدّم صغار الخاصكية، فاتفقوا على الوثوب على السلطان قبل أن يثب هو عليهم (¬١). وفى نزهة الناظر: لما رسم السلطان للوزير شمس الدين أن يذهب إلى الإسكندرية لاستعمال الأقمشة، فركب من فوره وقدم إليها. وكان إذ ذاك الوالى عليها بدر الدين الجالى، فتلقاه بجميع من فيها من التجار والأعوام (¬٢)، وكان يوما مشهودا، فذكروا أنه لم يروا وزيرا مثله قبله دخل كدخوله إلى الإسكندرية فلما استقر بها طلب المباشرين وألزمهم بعمل الحساب، ورسم عليهم، وعلى الوالى، وطلب سائر التجار، وكتب أسماءهم، وجعل على كل واحد منهم شيئا على قدره، وكتب عليهم أوراقا، وجلس فى الخمس، وطلب الجميع، وألزمهم بالحمل، وهددهم بالإحراق، وبقيت الإسكندرية فى نار تتوقد. ثم كتب كتابا إلى السلطان وذكر فيه أنه دخل الإسكندرية فلم يجد صانعا يعمل له شيئا، وأن سائر الصناع يشتغلون فى أعمال بيدرا، وأن نوابه مستولية على سائر الأشياء، ولم أتمكن الحديث معهم، وحط على بيدرا فى كتابه حطا عظيما، فلما وقف السلطان على كتابه غضب غضبا شديدا، وطلب بيدرا منساعته، فلما دخل عليه شرع يسبه ويهينه، وحمل عليه ليضربه بشئ من عنده، ولم يترك شيئا حتى قال له، غير أنه لم يقل خذوا سيفه، فتقدمت الأمراء الخاصكية وسكنوا غضب السلطان، وصاحوا على بيدرا: أخرج أخرج من وجه السلطان، ودفعوه بأكتافه، فخرج وهو أعمى لا يدرى كيف يمشى ودموعه تنزل على لحيته. ولما خرج شرع السلطان يقول: أنا أعرف ما مراد بيدرا، والله لا خليت له مالا ولا زوجا، فطلب كاتب السر ورسم له أن يكتب إلى الوزير بأن يوقع الحوطة على نواب بيدرا، ويضرب الجميع بالمقارع، ويأخذ أموالهم، فأىّ شئ وجده لبيدرا من الأموال يحتاط عليه ويحضره صحبته، وتكلم بكلام كثير قدام الخاصكية، وتوعده أنه إذا دخل المدينة يقبض عليه. ثم أن بعض الخاصكية بعثوا فى السر إلى بيدرا وأخبروه بجميع ما جرى من السلطان فى حقه، وأنهم هم الذين صبروا السلطان فى القبض عليه إلى أن يدخل السلطان المدينة، وقالوا له: احترز وخذ لنفسك، فلما وقف عليه بيدرا اجتمع بالأمراء الذين ذكرناهم وتحالفوا على قتله والهجوم عليه، وكان بيدرا قد استجلب خواطر هؤلاء الخاصكية بالإحسان والخدمة.
  • full passagepage 1120, entry [363]9,632 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام تاج الدين موسى (¬١) بن محمد بن مسعود المراغى، المعروف بابن الحيوان (¬٢) الشافعى. توفى فجأة يوم السبت، ودفن بمقابر باب الصغير، وقد جاوز السبعين، درس بالإقبالية (¬٣) وغيرها، وكان من الفضلاء، له يد طولى فى الفقه والأصول والنحو، وكان له فهم جيد قوىّ. قاضى القضاة
    ▸ expand full passage (9,632 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام تاج الدين موسى (¬١) بن محمد بن مسعود المراغى، المعروف بابن الحيوان (¬٢) الشافعى. توفى فجأة يوم السبت، ودفن بمقابر باب الصغير، وقد جاوز السبعين، درس بالإقبالية (¬٣) وغيرها، وكان من الفضلاء، له يد طولى فى الفقه والأصول والنحو، وكان له فهم جيد قوىّ. قاضى القضاة شهاب الدين أبو عبد الله [٩٧] محمد (¬٤) بن قاضى القضاة شمس الدين أبى العباس أحمد بن خليل بن سعادة بن جعد بن عيسى بن محمد الشافعىّ الخوى. أصلهم من خوىّ - بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وتشديد الياء آخر الحروف - وهى بلد كبير مشهور بأذربيجان، توفى يوم الخميس الخامس عشر من رمضان منها عن سبع وستين سنة، ودفن بتربة والده بسفح قاسيون، ومولده فى شوال (¬٥) سنة ست وعشرين وستمائة، اشتغل وحصل علوما كثيرة، وصنفكتبا جمة منها كتاب فيه عشرون فنا، وله نظم علوم الحديث، وكتاب التحفظ وغير ذلك، سمع الحديث الكثير، وكان محبا له ولأهله، وقد درس وهو صغير، ثم ولى قضاء القدس، ثم ولى قضاء حلب، ثم ولى قضاء القاهرة، ثم قدم على قضاء الشام مع تدريس العادلية والغزالية وغيرهما، وقد خرج له الحافظ المزى أربعين حديثا مثبتا فيه الإسناد، وخرج له تقى الدين عبد الله الأسعردى مشيخة على حروف المعجم اشتملت على مائتين وستة وثلاثين شيخا. قال البرزالىّ: وله نحو ثلاثمائة شيخ لم يذكروا فى هذا المعجم. وله نظم حسن، فمنه قوله: بلطفك مما خفته اليوم أستكفى … فلا تقطع الألطاف يا دائم اللطف وحط بى من كل الجهات بعصمة … لما حل من داء المخافة بى يشفى يمينى ومن فوقى وتحتى ويسرتى … ولا تخلنى منها أمامى ولا خلفى أريد أمدّ الكفّ للخير سائلا … فتأبى ذنوبى أن أمدّ له كفىّ وكيف يناجى العبد سيده وقد … تظاهر بالعصيان دهرا وبالخلف مضى ما مضى والآن مالى حيلة … سوى قصده والد مع مسترسل الوكف أدق عليك الباب فى الليل واثقا … بأن العظيم الحليم يسمح بالعطف سألت وظنى فيك أن لا تردنى … وإحسان ظنى فيك لى شافع يكفى بوصفك عاملنى فإنك محسن … كريم ولا تجعل جزائى على وصفى الشيخ الأصيل الكاتب فخر الدين محمد (¬١) بن بهاء الدين محمد المعروف بابن التبتى (¬٢).مات بالمدرسة الجاروخية ودفن بمقابر الصوفية وكان يكتب على طريقة ابن البواب. الشيخ العارف محمد (¬١) بن الشيخ الكبير عبد الله بن الشيخ القدوة غانم النابلسى. مات فى هذه السنة، وكان صالحا متورعا، كثير التلاوة، وزاويته مأوى لكل من تقدم إلى نابلس، وكان الوارد عليه كثيرا، وأهل تلك البلاد كانوا يعتقدون فيه، ومجمعين على صلاحه. الشيخ الإمام ركن الدين يونس (¬٢) بن على بن مرتفع بن أفتكين المصرى، ثم الدمشقى الصالحى. مات فى هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، وكان مدرس المسرورية (¬٣) وناظرها، وكان كثير المداخلة لأرباب الدولة، وبسعى فى قضاء حوائج الناس، وكان حسن الملتقى، كثير التواضع. الشيخ الإمام الفاضل الأديب شمس الدين محمد (¬٤) بن على بن محمد بن الساكن الطوسى الشافعى. مات فى هذه السنة (¬٥) بالقاهرة فى المارستان المنصورى، وكان قدم دمشقوأقام بها مدة، ثم سافر إلى الديار المصرية ومات بها، وكان قد نسخ بخطه كتبا كثيرة فأبيعت، وكان من الأدباء الفضلاء، فمن شعره قوله: يا ليلة الوصل بالأحباب لى عودى … فالهجر أحرقنى كالنار فى العود [٩٨] وقد بقيت نحيف الجسم كالعود … أحنّ شوقا أليهم حنّة العود وقال: إلهى تب على وّغطّ عيبى … فقد أوبقت نفسى بالمعاصى وخلّصنى من الآثام واغفر … ذنوبى يوم يؤخذ بالنواصى (¬١) الشيخ الفاضل تقى الدين عبد الله (¬٢) بن على بن منجد بن ماجد السروجى (¬٣). مات فى هذه السنة بالقاهرة، ودفن بمقبرة الفخرى ظاهر الحسينية جوار من كان يهواه. وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان: كان رجلا خيرا، تاليا للقرآن، وعنده حظ جيد من النحو واللغة والأدب، متقللا من الدنيا، غلب عليه حب الجمال مع العفة التامّة والصيانة، نظم كثيرا، وغنى المغنون بشعره، وكان مأمون الصحبة، طاهر اللسان لا يكاد يظهر إلا يوم الجمعة، يصلى بالجامع الأزهر مع أصحابه وينادمهم بعد الصلاة وينشدهم شعره.ومن أشعاره قوله. دنيا المحبّ ودينه أحبابه … فإذا جفوه تقطعت أسبابه وإذا أتاهم فى المحبّة صادقا … كشف الحجاب له وعزّ جنابه ومتى سقوه شراب أنس منهم … رقّت معانيه وراق شرابه وإذا تهتك ما يلام لأنه … سكران عشق لا يفيد عتابه بعث السلام مع النسيم رسالة … فأتاه فى طىّ النسيم جوابه قصد الحمى وأتاه جهد (¬١) … فى السرى حتى بدت أعلامه وقبابه ورأى لليلى العامريّة منزلا … بالجود يعرف والندى أصحابه فيه الأمان لمن يخاف من الردى … والخير قد ظفرت به طلابه قد أشرعت بيض الصوارم والقنا … من حوله فهو المنيع جنابه (¬٢) وعلى حماه جلالة من أهله … فلذلك طارقة العيون تهابه قد أخصبت منه الأباطح والربا … للزائرين وفتّحت أبوابه (¬٣) وقال سألتك وقفة قدر التشاكى … أبثّ إليك ما بى من هواك ونظرة مشفق فى حال صبّ … لرحمة حاله تبكى البواكى فتاة الحىّ كيف أبحت قتلى … وقد أصبحت ضيفا فى ماكوقومك سادة عرب كرام … حكى الإحسان عنهم كل حاكى على وادى الأراك لهم خيام … أنار بحسنها وادى الأراك أطوف بها لعل القلب يهدأ … من الأشواق أو عينى تراك وأسأل من أبى الأعراب جمعا … ليذكر لى محدّثها أباك أيا دارا حوت من أهل نجد … غرارا ليس تقنصه شباكى سقاك الغيث من دار وحيى … فكم صبّ بأدمته سقاك إذا رمدت عيون من بكاها … فشافى كحلها شافى ثراك [٩٩] الصدر الرئيس جمال الدين إبراهيم بن الصدر الرئيس شرف الدين عبد الرحمن ابن الحافظ العدل أمين الدين سالم بن الحسن بن هبة الله بن صصرى التغلبى، ناظر دمشق. مات فى هذه السنة، ودفن بتربتهم بقاسيون، ﵀. الأمير علاء الدين طيبرس (¬١) الركنى الضرير، الناظر فى أوقاف حرم القدس الشريف ومنشئ العمارات والربط به وبالجليل ﵇. مات فى هذه السنة بالقدس الشريف، كأن من أحسن الناس سيرة وأجودهم طريقة، حسن التصرف، كان الله نور قلبه بالإيمان وإن كان أذهب بصره، ﵀.الأمير علاء الدين أيدغدى (¬١) بن عبد الله الصالحى النجمى. توفى فى شوال منها، كان من أكابر الأمراء، فلما أضر أقام بالقدس الشريف وولى نظره، فعمره وثمره، وكان مهيبا لا مخالف مراسيمه، وهو الذى بنى المطهرة قريبا من المسجد النبوى فانتفع الناس بها فى الوضوء، وأنشأ بالقدس ربطا كثيرة وآثارا حسنة، وكان يباشر الأمور بنفسه، وله حرمة وافرة. الأمير بدر الدين بكتوت (¬٢) العلائى من أكابر أمراء الدولة المنصورية. وعظم أمره فى أول الدولة الناصرية محمد بن قلاون، وكان ينتمى إلى السلطان الأشرف فى أيام الملك المنصور ويخدم الأشرف دون أخيه الملك الصالح، وكبره الأشرف عند سلطنته، وكان يجلس فوق أكابر الأمراء مع كتبغا، والتفت عليه جماعة من المماليك الأشرفية، وكان قد أصابه مرض فى رجله، وكان إذا طلع القلعة يدخل من باب القلعة راكبا إلى دار النيابة، وذكر أن كتبغا خشى عاقبة أمره من قرب الأشرفية إليه. وأنه اتفق مع حمدان بن صلغيه، فصنع طعاما وأحضر العلائى وقعد حمدان يقطع به اللحم بسيخ مسموم فأطعمه، وقيل: بل سقاه فى مشروب فأقام بعد ذلك أربعة أيام ومات (¬٣).السلطان الملك المظفر قرا (¬١) أرسلان بن الملك السعيد إيلغازى بن البى بن تمرتاش ابن إيل غازى بن أرتق، صاحب ماردين. مات فى هذه السنة، وتولى بعده ولده الملك السعيد إيل غازى، وكان قرا أرسلان جوادا، سمحا، عادلا، دينا، سيرته جميلة، وأفعاله حميدة، قليل الظلم، كثير الإحسان. الملك الحافظ غياث الدين محمد (¬٢) بن الملك السعيد معين الدين شاهنشاه بن الملك الأمجد بهرام شاه بن المعز عز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب. مات فيها (¬٣)، ودفن يوم الجمعة السادس من شعبان عند جده لأمه ابن المقدم (¬٤) ظاهر باب الفراديس، وكان فاضلا بارعا، سمع الحديث، وروى البخارىّ، ويحب العلماء والفقراء. الصاحب فخر الدين أبو إسحاق إبراهيم (¬٥) بن لقمان بن أحمد بن محمد الشيبانى الأسعردى، رئيس الموقعين بالديار المصرية.توفى فى جمادى الأولى منها ودفن بالقرافة، وكان مولده سنة إثنتى عشرة وستمائة، ولى الوزارة مرتين للملك المنصور قلاون، وتولى وزارة الصحبة للملك السعيد، وكان فى جميع ولاياته: حسن السيرة. محمود الطريقة، قليل الظلم، كثير الإحسان إلى الناس، وكان يتولى الوزارة بجامكية (¬١) الإنشاء، وعند ما يعزل من الوزارة يأخذ دواته ويدخل إلى ديوان الإنشاء، كأنه ما جرى عليه شئ. وكان أصله من بلاد إسعرد (¬٢) من العدن (¬٣)، ولما فتح الكامل بن العادل آمد (¬٤) كان ابن لقمان بها يكتب على عرصة القمح، وكان البهاء زهير (¬٥) يرأس الموقعين ووزير الصحبة للكامل، وكانوا يستدعون من إسعرد حوائج، فتحضر الرسالة بخط ابن لقمان فيعرضونها على بهاء الدين زهير فيعجبه خطه، [١٠٠] فطلبه إليه، ولما حضر بين يديه سأله عن حاله وعن جامكيته فقال: دون الدينارين. فقال له: تسافر معى حتى أستنيبك، فقال: ومن لى بهذا الحال، فاستصحبه معه وناب عنه فى ديوان المكاتبات إلى دولة الملك الصالح (¬٦)، ثم استقل بمفرده.وله ترسل كثير من إنشائه ونظم ورواية. ومن شعره فى غلام له (¬١)، وكان يحبه ويتغالى فيه: لو وشى فيه من وشى … ما تسلّيت غلمشا أنا قد بحت باسمه … يفعل الله ما يشا وله فيه أشعار كثيرة، وله أيضا: كن كيف شئت فإننى بك مغرم … راض بما فعل الهوى المتحّكم ولئن كتمت عن الوشاة صبابتى … بك بالجوانح فالهوى يتكلّم (¬٢) أشتاق من أهوى وأعجب أننى … أشتاق من هو فى الفؤاد مخيم يا من بصدّ عن المحبّ تدلّلا … وإذا بكى وجدا غدا يتبسّم أسكنتك القلب الذى أحرقته … فحذار من نار به تتضرّم الخاتون الكبيرة المعمّرة مؤنسة (¬٣) خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبى بكر ابن أيوب.توفيت بالقاهرة ودفنت بالقرافة الصغرى، وكانت تعرف بالدار القطبية وبدار إقبال، وهى أخت الأمير قطب الدين (¬١) وهى التى أطلق عليها اسم دار القطبية، وكانت دارها المارستان المنصورى، اشتروها منها (¬٢) على كره وأخربوها (¬٣)، وعمروها، وتركوا القاعة بحالها، واتفق لها مع السلطان الملك المنصور، لما سير الشجاعى إليها ليشترى الدار المذكورة، لأجل عمل المارستان والتربة، ونزل الشجاعى فلم تلتفت إلى نزوله وردته ردا جميلا، ثم سير السلطان الطواشى حسام الدين وعرّفها أن السلطان يقصد أن يعمّر هذه الدار مارستانا ويقف عليه أوقافا، فقالت: شئ يكون لنا فيه أجر ففيه السمع والطاعة، وأما لأجل السكن فنحن أحق بالسكنى من غيرنا. وكانت ذات عقل وأدب وفطنة، وروت بالإجازة عن عفيفة (¬٤) الفارقانية، وعين الشمس (¬٥) بنت أحمد بن أبى الفرج، وأوقفت قبل وفاتها أوقافا كثيرة على أهلها وقرابتها، وعلى الفقراء والمساكين، وخلّفت بالقصر آثارا حسنة من الزجاج وغيرها مما فيه نفع بنقوش وطلسمات وآيات من الكتاب العزيز، من الأشياءالنافعة للدغ الحية والعقرب وعضّ الكلب الكلب والقولنج ومغل الخيل، وكتب لها إجازة بحديث النبى ﵇، وخلفت مالا جزيلا، وأوصت أن يعمل لها مدرسة بجميع ما تحتاج إليه من الفقهاء والقراء، وهى إلى الآن باقية تعرف بالمدرسة القطبية (¬١)، ولدت سنة ثلاث وستمائة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وسلطان البلاد: الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو ابن اثنتى عشرة سنة (¬١) وشهور. ومدبر المماليك وأتابك العساكر: زين الدين كتبغا. ونائب الشام: الأمير عز الدين أيبك الحموى. ونائب حلب «» (¬٢). وصاحب حماة: الملك المظفر تقى الدين. وصاحب ماردين: الملك السعيد. وصاحب مكة: نجم الدين [١٠١] أبو نمى الحسنى.وصاحب المدينة: عز الدين بن شيحة، وكان بينه وبين أبى نمى معاندة، واتفقت لهم وقائع كثيرة، وقتل من بنى حسن ومن بنى حسين جماعة كثيرة. وصاحب المغول: بيدو بن هلاون.
  • full passagepage 1156, entry [368]19,933 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح القدوة الزاهد العابد العارف أبو الرجال (¬١) بن مرى بن بحتر المنينى (¬٢). مات بقرية منين فى عاشر المحرم منهما، ودفن فى زاويته بالقرية المذكورة، وخرج الناس من دمشق فمنهم من أدرك الدفن ومنهم من صلى على قبره، وكانت له أحوال ومكاشفات، من المشايخ الأجلاء المعروفين
    ▸ expand full passage (19,933 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح القدوة الزاهد العابد العارف أبو الرجال (¬١) بن مرى بن بحتر المنينى (¬٢). مات بقرية منين فى عاشر المحرم منهما، ودفن فى زاويته بالقرية المذكورة، وخرج الناس من دمشق فمنهم من أدرك الدفن ومنهم من صلى على قبره، وكانت له أحوال ومكاشفات، من المشايخ الأجلاء المعروفين بالخير والصلاح والورع، وكان أهل البلد يزورونه، وربما قدم هو بنفسه إلى دمشق فيكرم ويضيفّ، ومات وقد جاوز الثمانين، وكان شيخه الشيخ جندل من كبار الصالحين أيضا، ومن الأبدال، وكان من القرية المذكورة. الشيخ الصالح العابد الزاهد الورع بقية السلف جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد (¬٣) بن قاضى القضاة وخطيب الخطباء عماد الدين بن عبد الكريم بن قاضى القضاة جمال الدين عبد الصمد بن الحرستانى.سمع الحديث وناب عن أبيه فى الإمامية وتدريس الغزالية (¬١)، ثم ترك المناصب وأقبل على العبادة، وتوفى فى آخر ربيع الآخر، ودفن بالسفح عند أهله وقد جاوز الثمانين. الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ مفتى بلاد الحجاز فى زمانه محب الدين أبو العباس أحمد (¬٢) بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر [١١١] بن محمد بن إبراهيم الطبرى المكى الشافعى. وكان شيخ الشافعية، وفقيه الحرم، ومحدث الحجاز، وسمع الكثير وصنف فى فنون كثيرة (¬٣)، من ذلك: كتاب الأحكام فى ست مجلدات وهو كتاب مفيد، وكتاب على ترتيب جامع المسانيد أسمعه لصاحب اليمن. وكان مولده يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة عشر وستمائة (¬٤)، وماتفى هذه السنة، ودفن بمكة. وله شعر جيد، فمنه قصيدته فى المنازل بين مكة (¬١) والمدينة تزيد على ثلاثمائة بيت (¬٢)، كتبها عنه الحافظ شرف الدين الدمياطى فى معجمه. الشيخ الإمام العلامة الخطيب المدرس المفتى القاضى شرف الدين أحمد (¬٣) ابن الشيخ جمال الدين أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حماد المقدسى الشافعى. ولد سنة ثنتين وعشرين وستمائة (¬٤)، وتوفى يوم الأحد السابع عشر من رمضان منها، ودفن بمقابر باب كيسان عند والده وأخيه، سمع الكثير، وكتب حسنا، وصنف (¬٥) فأجاد وأفاد، وكان مدرس الغزالية ودار الحديث النورية مع الخطابة، ودرس فى وقت بالشامية البرانية، وأذن لجماعة من الفضلاء فى الإفتاء منهم الشيخ الإمام أبو العباس ابن تيمية، وكان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت لابن تيمية فى الإفتاء، وكان يتقن فنونا من العلم، وصنف كتابا فى أصولالفقه جمع فيه شيئا كثيرا ولم يخلف بعده مثله لأنه فيه ما لم يجمع لأحد من العلماء من علم الفقه والأصلين والحديث والنحو واللغة وحسن الخط والدين والعفة والتواضع والفصاحة وحسن الهيئة والمسارعة إلى قضاء حوائج الناس. وله شعر جيد فيه ما قاله فى زهر اللوز: أحجّ إلى الزهر وأسعى به (¬١) … وأرم جمار الهم مستنفرا (¬٢) من لم يطف بالزهر فى وقته … من قبل أن يحلق قد قصّرا وله لغز فى الناعورة (¬٣): وما أنثى وليست ذات فرج … وتحمل دائما من غير فحل وتلقى كل آونة جنينا … فيجرى فى الفلاة بغير رجل وتبكى حين تلقيه عليه … بصوت حزينة فجعت بطفل وقال يمدح سيدنا رسول الله ﷺ: تحيّة مشتاق بعيد مزاره … إلى من بأكناف العقيق دياره وشكوى بعاد أنفد الدمع بعضه … وأفنى مدى الصبر الجميل انتظاره وصب عرته للصّبابة حسرة … تنّم بها أنفاسه واصفرارهووجد بأكناف (¬١) … الحمى سقى الحمى ولا زال يندى شيحه وعراره ودمع بأسرار المحبّة ناطق … إذا لمعت دون المحصّب ناره وجسم غدا إثر الضغائن قلبه … وإن كان فى أرض البعاد قراره ركائب تحدو (¬٢) … باسم خير مؤمل بنّى علا فى العالمين مناره فوا أسفا لو كان يجدى تاسّف … ووا حسرتا إذ شطّ عنى مزاره [١١٢] إذا قدم الزّوار تربة يثرب … وفاضت من الدمع المصون غزاره فكم خائف جان يلوذ بظله … وكم تائب ثوب الخضوع شعاره أحنّ إلى ربع زكت تراب أرضه … وأصبح نور المصطفى وهو جاره نبىّ أضاء الكون من نور وجهه … وعاد ظلام الشرك يبدو استناره وحنّ إليه الجذع والجذع يابس … وجاء بعير القوم يعلو خواره سلام على من سلّم الذئب خاضعا (¬٣) … عليه كذاك الظبى زال نفاره له معجزات يبهر العقل بعضها … وآيات مجد ليس تحصى فخاره فطوبى لمن زار النبىّ محمدا … وأضحى إلى البيت العتيق انتشاره ولبّى مشوقا ثم طاف ملبيا … وأصبح بعد السعى والبيت دارهوسار وقد نال المنى بعد حجه … مشوقا ودمع العين ثجّ قطاره وبعد منى نال المنى بوقوفه … وعاد وجمر الشوق يذكو أواره فيا خير مأمول وأشرف ماجد … تعطّف على صبّ عراه انكساره وهبه ثواب الصابرين فإنّه … على ألم الأشواق قل اصطباره (¬١) الشيخ الإمام العالم المفتى الخطيب الطبيب مجد الدين أبو محمد عبد الوهاب (¬٢) ابن أحمد بن أبى الفتح بن سحنون التنوخى الحنفى، خطيب جامع النيرب (¬٣)، ومدرس الدماغية (¬٤) للحنفية، وكان طبيبا بجامع الصالحية. وكان فاضلا جيدا، وله مشاركة فى كل فن، وروى شيئا من الحديث، توفى ليلة السبت الخامس من ذى القعدة منها عن خمس وسبعين سنة، ﵀. وله شعر حسن فمنه قوله: فو الله ما هجرى لأهل مودّتى … ملالا ولكنّى سكنت إلى العجزوما كان لى عنهم غنى غير أننى … قنعت وحسبى بالقناعة من كنز وأعرضت عنهم لا ملالا وإنما … رأيت مقام الذل فى منزل العزّ وقال: لا تجزعنّ فما طول الحياة سوى … روح تردّد فى سجن من البدن ولا يهولك أمر الموت تكرهه … فإنما موتنا عود إلى الوطن وسمع قول مجير الدين بن تميم فى تفضيل الورد على النرجس بالبيتين وهما: من فضّل النرجس وهو الذى … يرضى بحكم الورد إذ يغرس أما ترى الورد غدا جالسا … إذ قام فى خدمته النرجس فقال فى جوابه: ليس جلوس الورد فى مجلس … قام به نرجسه يوكس وإنما الورد غدا باسطا … خدّا تمشّى فوقه النرجس وله فى مشاعلى: بأبى غزال جاء يحمل مشعلا … يكسو الدجى بملاء ثوب أصفر فكأنّه غصن عليه باقة … من نرجس أو زهرة من نوفر [١١٣] وقال وقد أهدى إليه نرجس: لما تحجبت عن عينى وأرّفنى … بعدى ولم تحظ عينى منك بالنظر أرسلت مشبهها من نرجس عطر … كيما أراك بأحداق من الزهروقال فى الياسمين: لله حسن الياسمين يلوح فو … ق الورد للجلساء والندمان مثل الثنايا والخدود نواضرا … أو كالفراش هوى على النيران وقال فى الورد: وورد أبيض قد زاد حسنا … فعند الصد للخجل احمرار يمثله النديم إذا رآه … مداهن فضة فيها نضار الشيخ الإمام العالم الزاهد الخطيب عز الدين أبو العباس أحمد (¬١) بن الشيخ محيى الدين إبراهيم بن عمر بن فرج بن أحمد بن محمد (¬٢) بن على بن سابور الفاروثى الواسطى. ولد سنة أربع عشرة (¬٣) وستمائة، وسمع الحديث ورحل فيه، وكانت له فيه يد جيدة، وفى التفسير والفقه، والمواعظ.وكان دينا عالما ورعا، قدم إلى دمشق فى الدولة الظاهرية، فأعطى تدريس الجاروخية (¬١)، ثم عاد إلى وطنه فمات فى واسط فى مستهل ذى الحجة، وكان يوما مشهودا بواسط. وكان قد لبس خرقة التصوف من السهروردى، وقرأ القراءات العشر، وخلف ألفى مجلد ومائتى مجلد، وحدث بالكثير، وسمع منه البرزالى كثيرا من الصحاح والمسند. الشيخ جمال الدين أحمد (¬٢) بن عبد الله بن الحسين الدمشقى، المعروف بالمحقق. كان فاضلا فى الطب، ومدرسا فى عدة مواضع (¬٣)، شارك فى فنون كثيرة. مات فى هذه السنة، ودفن فى مقابر الصوفية عند قبر الشيخ جمال الدين الحصيرى الصدر جمال الدين يوسف (¬٤) بن على بن مهاجر التكريتى. أخو الصاحب تقى الدين توبة، مات فى هذه السنة بدمشق، ودفن بتربة أخيه بالسفح.وكان ذا ثروة ومروءة وتواضع، وخلف ثلاثة بنين: شمس الدين محمد، وعلاء الدين على، وبدر الدين حسن. وكان قد ولى حسبة دمشق فى وقت. الصدر الكبير العدل علم الدين أبو بكر محمد (¬١) بن عياش بن أبى المكارم التميمى الجوهرى. واقف المدرسة الجوهرية (¬٢) على الحنفية. توفى ليلة الثلاثاء السابع عشر (¬٣) من شوال بدمشق، ودفن بمدرسته، وقد جاوز الثمانين. وكانت له خدم على الملوك وغيرهم. الشيخ الفاضل عبد العزيز (¬٤) الديرينى. كان فاضلا، عالما بالنحو واللغة والأصولين، وله فى كل فن فضل، وكان مع ذلك راضيا ببذاذة الحال، توفى ببلدته ديرين (¬٥) فى هذه السنة (¬٦)، ودفن فيها.عمر (¬١) بن يحيى بن عبد الواحد الهنتاتى، سلطان أفريقية. توفى فى هذه السنة، وكانت مدة ملكه أحد عشر سنة. صاحب اليمن، شمس الدين يوسف (¬٢) بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على ابن رسول التركمانى. أقام فى مملكة اليمن بعد أبيه سبعا وأربعين سنة، وعمر ثمانين، وكان أبوه قد ولى قبله أزيد من عشرين سنة بعد الملك المسعود أقسيس (¬٣) بن الملك الكامل (¬٤)، وكان عمر بن رسول مقدم عساكر أقسيس، فلما مات، وثب على الملك فتم له، وتسمى المنصور (¬٥)، واستمر فيه أزيد من عشرين سنة، ثم ابنه المظفر سبعا وأربعين سنة.وتوفى المظفر المذكور بقلعة تعز على فراشه فى رجب من هذه السنة. وكان حاكما جيدا، كفيفا عن أموال الرعايا، حسن السيرة، كثير العدل والصفح، قليل المؤاخذة، وما قصده أحد إلا [١١٤] ناله منه خيرا كثيرا. وكان يحب الحديث، ويسمعه، وجمع لنفسه منها أربعين حديثا. واستقر فى الملك بعده ولده الأكبر الملك الأشرف نجم الدين عمر. وكان للملك المظفر من الأولاد: الأشرف، والمؤيد، والواثق، والمسعود، والمنصور. وقال ابن كثير: فلم يمكث الأشرف بعد أبيه المظفر سنة حتى مات، ثم قام أخوه المؤيد هزبر (¬١) الدين داود بن المظفر، فاستمر فى المملكة. وفى بعض التواريخ: لما مات المظفر ملك بعده ولده الملك الأشرف ممهد الدين، وهو ولى عهد أبيه، ثم نازعه أخوه الملك المؤيد هزبر الدين داود، وكان المؤيد - لما مات والده - ببلاد الشحر (¬٢) فجمع جمعا كثيرا لوقته، ومال إلى عدن فملكها، ثم توجه نحو تعز، فجرد الأشرف لقتاله الشريف على ابن عبد الله بجماعة من الجيش، ومعه ولده جلال الدين بن الأشرف، فالنقيا فيما بين تعز وعدن، بمكان يسمى الدعيس (¬٣)، واقتتلوا، فخذل المؤيد، وتفرقوا عنه،وبقى فى نفر يسير، فقدم إليه جلال الدين ابن أخيه، وأشار عليه بالدخول فى الطاعة، ومدله يد المحالفة، فرجع إلى الطاعة، وأراد جلال الدين أن يتوجه به إلى والده على ذلك، فامتنع عليه، ثم توجه إلى قلعة تعز، فاعتقل بها (¬١)، إلى أن مات الأشرف سنة ست وتسعين وستمائة، فأخرج من الاعتقال لأجل دفن أخيه، فأمر بدفنه، واستمر المؤيد إلى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، كما سنذكره إن شاء الله. وفى تاريخ النويرى: توفى المظفر المذكور مسموما، سمته بعض جواريه، والله أعلم. الأمير بدر الدين بكتوت (¬٢) بن عبد الله الأقرعى. مات بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير، بقرية ابن العيد، ولى شدّ الشام زمن الملك الظاهر، وعزل زمن الملك السعيد، وعاد فى زمن المنصور قلاون، وتولى أيضا شدّ الصحبة، وهو الذى حبس قاضى القضاة عز الدين بن الصائغ، وتعصب عليه، وكان جبارا، عنيدا، عسوفا بالفعل والقول، سلطا، معجبا جدا بنفسه، غير أنه كان عفيفا عن أموال الناس، وبيت المال، وكان عليه الديون، ولم يتناول من أحد شيئا فى مدة ولايته، لا هو ولا حاشيته، ولا قبل من أحد هدية، وكان ينتمى إلى أصحاب الشيخ عدى وانتفعت به العدوية. الأمير ركن الدين أمير عمر أخو تمر. توفى فى هذه السنة، وكان قد ورد فى الدولة المنصورية مع جماعة.الأمير بكتوت (¬١) الفارسى، مملوك فارس (¬٢) الأتابك. كان من أجل الأمراء، والشجعان المجاهدين، حسن السيرة، توفى فى هذه السنة. الأمير علاء الدين كشتغدى، حمو السلطان الملك العادل، توفى فى هذه السنة. الأمير عساف (¬٣) بن الأمير أحمد بن حجى، أكبر عربان آل برمك وآل مرى. مات فى هذه السنة مقتولا، قتله جماز بن سليمان، ابن أخيه، بالقرب من مدينة النبى ﵇، وكان قصد الغارة على أهل المدينة وغار على بعضهم، فركب جماز ومعه جماعة، والتقوا معه، فقتله جماز، وتباشرت الناس بقتله، وكان كثير الفتن، وسفك الدماء، وكان شجاعا مقداما، وانتشر له صيت فى البلاد، وكان يدعى أنه من نسل البرامكة، فكان القاضى شمس الدين ابن خلكان يصدقه، وكان يقدم معه عند الملوك إذا اشتد به أمر، وآخره فى الدولة المنصورية. جمال الدين (¬٤) بن مصعب، توفى فى هذه السنة بدمشق، وكان له فيها إقطاع، وكان ظريفا لطيفا شاعرا، وكان يلبس بالفقير (¬٥).[١١٥] فمن شعره فى قصيدة يتشوّق فيها إلى دمشق: دمشق سقاها من دموعى السحائب (¬١) … وحيّا رباها مدمع لى ساكب ولا برحت أيدى النسيم عواطفا … غصونا لأعطاف الحبيب تناسب (¬٢) بحيث يمدّ الظل فاضل برده … على الغوطة الفيحاء وتصفو المشارب ويا حبذا وادى المقاسم واديا … لقد جمعت فى جانبيه العجائب ترى السّبعة الأنهار فيه جواريا … فهذا لهذا صاحب ومجانب وفى النيرب المعمور فضّ بنفسج (¬٣) … به عطّرت تلك الرّبا والرّبائب (¬٤)فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخامسة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت وخليفة الوقت: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وسلطان البلاد: الملك العادل زين الدين كتبغا، ونائبه بمصر: الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى، والوزير: فخر الدين بن الخليلى، ونائب الشام: عز الدين الحموى. وصاحب حلب: سيف الدين بلبان الطباخى. وفى مستهل هذه السنة كان الغلاء والفناء بديار مصر شديدا، وقد تعانى الناس به، وكانوا يحفرون الحفيرة فيدفنون فيها القيام من الناس، والأسعار والأقوات فى غاية القلة والغلاء، فمات بها فى شهر صفر مائة ألف وثمانون ألفا، وامتد الغلاء بديار مصر حتى قيل إنه أبيع الفروج بالإسكندرية بستة وثلاثين درهما وبالقاهرة بتسعة عشر درهما، والبيض كل ثلاثة بدرهم، وأفنيت الحمر والخيل والبغال والكلاب، ولم يبق شئ من هذه الحيوانات. وقال بيبرس فى تاريخه: وكنت فى الإسكندرية فى أيام هذه المحن والفناء والغلاء، وعدت منها إلى الأبواب السلطانية فى هذه السنة، فوجدت حال أهل القاهرة قد آل إلى التلف من المرض الشامل والموت العاجل، ولقد أبيع الفروجالواحد بعشرين درهما، والبطيخ الواحد بمائة درهم، والسفر جلة بثلاثين درهما، ومكث الناس على ذلك إلى أن [لطف الله بهم و] (¬١) فرج الله هذه الشدّة عنهم (¬٢). وفى نزهة الناظر: دخلت هذه السنة والحال مستمر على تمادى الغلاء وقلة الجلب، وقبل إدراك الزرع هاجت فى ناحية بلاد المغرب وبرقة ريح سوداء مظلمة، فأثارت ترابا أصفر فكسى زرع تلك البلاد كلها فأرمى سنبله، والذى تأخر دخل فيه فأفسده، فرحل أهل تلك البلاد إلى نحو مصر، واستمرت تلك الريح والتراب الأصفر إلى أن عمت إقليم البحيرة والغربية والشرقية، ثم وصلت إلى أعلى الصعيد، وأخرت الزرع الصيفى جميعه مثل الأرز والسمسم والقصب والقلقاس، وجميع ما يزرع على السواقى، فصار فى كل يوم يتزايد سعر الغلة، ثم أعقب ذلك أمراض اعترت الناس وحمّى مزعجة وأمراض مختلفة، فعم الضعف الناس حتى قلّ من سلم من أهل بيت من ذلك؛ بل غالب كل من فى بيت أو منزل صاروا ضعفاء، فبسبب ذلك تحسن سعر السكر وأنواع الأدوية، وعدمت الفواكه، وبيع الفروج بثلاثين درهما، والبطيخة بأربعين، والرطل منها بدرهم، وبلغ سعر [١١٦] القمح بالتدريج فى هذه المدة الأردب إلى مائة وستين، وسبعين، درهما، ثم إلى مائة وتسعين، والشعير إلى مائة وعشرين، والفول إلى مائة وعشرة دراهم، وكذلك العدس والحمص ونحوهما. ووصلت الأخبار من بلاد القدس والشام وصلت بتحسين الأسعار فى الغلة، فوصل كل غرارة إلى مائتين وعشرين درهما، والشعير إلى مائة وعشرة، والرطل من اللحم إلى عشرة.وكذلك وصلت الأخبار من بلاد مكة شرفها الله والمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام أن الأردب من القمح وصل عندهم إلى تسع مائة درهم، والشعير إلى سبع مائة، وأن مكة لم يبق فيها من يطوف إلا نفر قليل، وأن أهل قراها وسكان حدائقها انتزحوا إلى أعلى الجبال، وإذا سافر الرجل من مكة إلى المدينة لا يجد من يدله على الطريق، والسعيد منهم من له ناقة أو شاة أو شئ من الماشية يأكل لحمها. وكذلك أهل اليمن وقع فيهم الغلاء المفرط حتى باعوا أولادهم بالقوت، وأن طائفة منهم خرجت قاصدة إلى مكة وعند وصولهم إلى محلة بنى يعقوب وجدوا بها جماعة من أهل مكة قد قتلهم الجوع ولم يبق منهم غير اثنين ضعيفين. وكذلك وصلت الأخبار من بلاد الشرق بأنهم فى أسوء الأحوال من القحط والفناء وموت المواشى وقلة المرعى ومسك الغيث. ثم اشتد الحال بأهل مصر حتى صاروا ينهبون الخبز من الأسواق والأفران، وكان إذا خرج الرجل من بيته بطبق العجين يجتمعون عليه ويأخذونه قطعا قطعا، وإذا كان فى الفرن خبز لا يقدرون على إخراجه حتى يكون حوله جماعة من أهل بيته وبأيديهم عصى يمنعون من يتعرض إليه، وكان بعضهم يرمى روحه على الطبق من الجوع والضرب عمال على رأسه وظهره وهو لا يلتفت فيضرب حتى يقع مغشيا عليه وهو ماسك رغيفا أو قطعة منه بأسنانه. ثم اتفق رأى السلطان مع الأمراء على أن يفرقوا الصعاليك على الأمراء والأغنياء، فكتبوا باسم أمير مائة، وباسم آخر خمسين، وباسم آخر عشرين، وباسم آخر عشرة، فخف عن الناس ما كانوا يجدونه، ثم جاء الوباء والفناء فىبلاد مصر وكثرت الأمراض الحادّة وتحسنت أسعار الأشربة والأدوية والحقن ونحوها، فصار كل شئ بأضعاف قيمته. قال الراوى: كان دكان برأس حارة الديلم يعرف بدكان الهندى باع صاحبها فى شهر واحد باثنين وثلاثين ألف درهم من الأشربة والأدوية، وكان مثل ذلك دكاكين أخرى معروفة فى السيوفيين والوزيرية وخارج باب زويلة، وكان كل طبيب يحصل فى كل يوم من مائة درهم إلى أقل وأكثر، وكانت ورقة المواريث يكتب كل يوم من الموتى بثلاثة آلاف درهم وكسور هذا للاطلاق من الديوان، وأما الطرحا على الدكاكين والذين يموتون فى الأزقة ونحوها فلا يحصرون ولا يضبطون، وكانوا يحفرون حفرا وآبارا ويرمون الموتى بعضهم على بعض إلى أن جافت بهم الطرقات والأسواق والنواحى، وكان الذى أعقب هذه (¬١) الوباء فى هذا الغلاء كثرة أكل لحم بنى آدم، فإن الناس من الجوع كانوا يأكلون الموتى، وخصوصا موتى الأطفال، وكانوا يجدون الرجل والمرأة ميتين وعند رأسهما لحم الميت، وكان يمسك بعضهم فيوجد معه كتف صغير [١١٧] أو فخذه أو شئ من لحمه. وفى تاريخ النويرى: أكل الناس الميتة من الآدميين والدواب والكلاب، وحكى أن متولى القاهرة وجد ثلاثة نفر وبين أيديهم صبىّ سباعى قد قطعوا يديه ورجليه وشووه وهم يأكلون فيه مع خل وبقل وليمون مالح، وقرّرهم فاعترفوا أنهم فعلوا بالأمس بصبى آخر كذلك، فشنقوا على باب زويلة، فلم يصبح منهم شئ؛ بل أكلهم الناس.وفى نزهة الناظر: ومن حزن فى تلك السنة غّلة ربح ربحا نهاية، ولكن كثير منهم أصيب فى نفسه بشئ من الآفات التى نفق فيها ما كسبه من ذلك. قال: إن بعض أصحابنا كان عنده نحو ستمائة أردب، وباع كل أردب بمائة وخمسين ونيفا، ثم لما رأى زيادة السعر فى الثمن ندم على ذلك ندما عظيما، ثم عمّر من ثمن القمح الذى باعه قصرا وزخرفه بالرخام وغيره، وعند فراغه احترق جميعه حتى لم يبق منه شئ ينتفع به أصلا. قال: وكان الناس فى أشدّ ما يكون من ذلك، والسلطان ينزل إلى الميدان وهو خائف على نفسه، محترس من إيقاع فتنة، ووقع فى خاطره أن يعمل اصطبل الجوق الذى للمماليك السلطانية ميدانا، وهو اصطبل مجاور لبركة الفيل مقابل للجامع الطولونى، وحسن له الأمراء ذلك فعمّر ميدانا، وأنشأ حوله أماكن وبيوتات، وأول ما أنشأ فيه علم الدين سنجر الخازن، فنسب الحكر جميعه بإنشائه وبقى إلى يومنا هذا معروفا بين الناس بحكر الخازن، واتخذت فيه الأمراء الإصطبلات والمناظر، واتصلت العمارة إلى بركة الفيل، فصار حكرا كبيرا إلى الغاية، وكان السلطان ينزل إليه من القلعة ولا يجد أحدا من العالم يقف بين يديه، ولا يدعو أحد غير جماعة من أصحاب الدكاكين هناك. قال: وفيها توقف حال الوزير فظلم الناس كثيرا، ولذلك شرعت حاشية السلطان ومماليكه فى أخذ الأموال والبراطيل، فحصل للناس بسبب ذلك ضرر عظيم، ومع ذلك كانوا يسيئون الأدب على الأمراء والأجناد، وضاقت الأحوال على الناس من وجوه كثيرة، ومع هذا توقفت حال الفلوس إلى أن استقرت بالميزان، وهذا أول من وزنت الفلوس فى دولته، كل رطل بدرهمين.وقال بيبرس فى تاريخه: وفيها وهى فى سنة خمس وتسعين وستمائة ورد إلى البلاد الشامية طائفة كثيرة من التتار الأويراتية (¬١) صحبة طرغاى (¬٢)، وقد ذكرنا طرفا من ذلك فى السنة الماضية (¬٣) على ما ذكره ابن كثير ولكنه ما ذكره مستوفى. قال بيبرس: وكان سبب هربهم من بلادهم أن طرغاى كان متفقا مع بيدو [بن طرغاى (¬٤)] على قتل كيخاتو (¬٥)، فلما وصل الملك إلى قازان بن أرغون خاف طرغاى على نفسه لئلا يأخذه بقتل عمه، فيجعل ذلك الذنب وسيلة إلى سفك دمه، وكان مقيما بتمانه بين بغداد والموصل، وكان ابن بغا مقيما بتمانه بديار بكر، فأرسل قازان بولاى ومعه تمان إلى دياربكر عوضا عن أسنبغا، وأوصاه بأن يحفظ الطرقات على طرغاى وجماعته، وإذا وصل من يندبه لقتله يكون مساعدا له، وجهز قازان أيضا أميرا يسمى قطغو فى ثمانين فارسا ليقبضوا على طرغاى ومن معه من قبيلة [١١٨] أو (¬٦) يرات، فأحسّ بما دبر عليه قازان، وعلم أن قطغو إنما جرد إليه للقبض عليه، فاتفق هو والأمراء الذين معه وهم ألوص وككتاى فقتلوا قطغو ومن معه، وعبروا الفرات وحضروا إلى الشام، وبلغ بولاى أنهم ساروا نحو الفرات فسار (¬٧) فى آثارهم، فالتقوا وتصافوا معه فكسروه، وقتلوا أكثر التمان الذين معه، وطرغاى هذا كان متزوجا ببنت منكوتمر بن هلاون.فلما وردت مطالعات نواب الشام إلى الأبواب السلطانية بوصول هؤلاء الأويراتية أرسل زين الدين كتبغا إليهم الأمير علم الدين سنجر الدويدارى من دمشق لينزلهم فى بلاد (¬١) الساحل، ويحضر مقدميهم وكبارهم إلى الباب العزيز، فأنزل نسوانهم وأولادهم وعامتهم فى بلد الساحل، وأحضر من أعيانهم نحو مائتى فارس صحبة (¬٢) طرغاى وككتاى والوص (¬٣) مقدميهم، فلما وصلوا تلقاهم زين الدين كتبغا بالإكرام، وعاملهم بالإنعام، [وألم بهم غاية الإلمام] (¬٤)، وعجل لهم الخلع والهبات، وأعطى أكابرهم الطبلخانات «وصاروا يجلسون بالقلّة فى مراتب الأمراء ومقاعد الكبراء» (¬٥). وكان الصواب أن يدرجوا قبل أن يقدموا ويمهل عليهم حتى يسلموا، فإذا دخلوا فى الدين وأقاموا شعائر المسلمين، وعرف منهم ذلك باليقين، يرفع منهم من يستحق الرفعة، وينقلون إلى الأخباز والإمرة. فلما رأى أمراء الإسلام ما فعله مع هؤلاء على غير القياس، وأنه قدمهم على أكابر الناس كرهوا منه هذه الفعلة، مع ما فى النفوس من تغلبه على السلطنة وخلعه وارث المملكة، فتغيرت له الخواطر، وتكدرت منه الضمائر، وتوثبت مماليكه على الإقطاعات والحمايات، وامتدت أيديهم إلى الرشى والجبايات، وتكبروا على الكبراء، وتقدموا على قدماء الأمراء، وغلبوه على رأيه، وحجبوهبحجاب وجعلوه من ورائه، ولم يتنبه لردعهم ولا تيقظ لمنعهم، فتمكنت البغضاء» وتزيدت الشحناء، [وهو لا يعلم بما تم، ولا ينظر فيه نظر من بحسمه يهتم] (¬١)، وصار الأمراء يعتقدونه راضيا بهذه الأمور، فامتلأت بالإحنة صدور الصدور، وكان كما قيل: وإن (¬٢) … كنت لا تدرى فتلك مصيبة وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم (¬٣) وفى نزهة الناظر: ومما قاله شمس الدين ابن دانيال (¬٤) فى ذلك: ربنا اكشف عنا العذاب فإنا … قد هلكنا فى الدولة المغلية جاءنا المغل والغلا فانسلقنا … وانطبخنا فى الدولة المغلية وفيه: لما قرب هؤلاء من القاهرة أمر السلطان لسائر الأمراء والعسكر إلى لقائهم، فخرجوا، وخرج أهل المدينة كافة، وكان يوما مشهودا، ثم أنعم على مقدميهم طرغاى بطبلخاناة، وكان عزم على أن يعطيه إمرة مائة وتقدمة ألف، فأشار عليه الأمراء أن يكون طبلخاناة وبعد قليل يكبره، وأنعم على ألوص بإمرة عشرة، والبقية بأخباز وإقطاعات، وعظمهم تعظيما عظيما، فصار طرغاى يجلس مع مقدمى الألوف، وتزايد ضرر العالم بالغلاء والويل، ورأت السوقة من تلك الطائفة وسوء أخلاقهم وبذاذة نفوسهم ما كرهوه، وقصدالأمراء بعد اتفاقهم مع السلطان أن يتحدثوا فى أمر إسلامهم واشتمالهم على الدين الحنيفى [١١٩]، وأن يتعلموا فرائض الإسلام، فتحدث السلطان مع طرغاى فى هذه القضية، فلم يجد لهم قابلية فى ذلك الوقت، وعرّف الأمراء أنهم يحتاجون إلى تطويل المدة فيهم والتدريج بأمرهم قليلا قليلا. قال ابن كثير: وفى يوم السبت الثانى عشر (¬١) من جمادى الأولى ولى قضاء القضاة بالديار المصرية الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقى الدين بن دقيق العيد (¬٢)، عوضا عن تقى الدين بن بنت الأعز. ثم أرخص الناس بمصر، وزال الضرر والجوع فى جمادى الآخرة. وفيها فى رجب: وقعت صاعقة على قبة زمزم فقتلت الشيخ على بن محمد بن عبد السلام مؤذن المسجد الحرام، كان يؤذنّ على سطح القبة المذكورة (¬٣)، وكان قد روى شيئا من الحديث، ﵀.
  • full passagepage 1195, entry [373]16,069 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العامل العلامة مفتى المسلمين زين الدين أبو البركات المنجى (¬١) بن الصدر عز الدين أبن عمر عثمان بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى، شيخ الحنابلة وعالمهم. ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقه، وبرع فى فنون كثيرة من الأصول والفروع وا
    ▸ expand full passage (16,069 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العامل العلامة مفتى المسلمين زين الدين أبو البركات المنجى (¬١) بن الصدر عز الدين أبن عمر عثمان بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى، شيخ الحنابلة وعالمهم. ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقه، وبرع فى فنون كثيرة من الأصول والفروع والعربية والتفسير، وصنف فى الأصول، وشرح المقنع (¬٢)، وله تعاليق فى التفسير، توفى يوم الخميس الرابع من شعبان [١٢٦]، وتوفيت معه زوجته أم محمد ست البهاء بنت صدر الدين الخجندى من غير مرض، فغسلا فى وقت واحد وحملا إلى الجامع، وصلّى عليهما عقيب الجمعة، ودفنا بسفح قاسيون فى تربة واحدة شمالى الجامع المظفرى (¬٣). الشيخ الصالح إسرائيل (¬٤) بن على بن حسن الخالدى.له زاوية خارج باب السلامة يقصد فيها للزيارة، وكان مشتملا على عبادة وزهادة لا يقوم لأحد من الناس ولو كان من كان، وعنده سكون ومعرفة، لا يخرج من منزله إلا للجمعة حتى كانت وفاته فى النصف من رمضان، ودفن بقاسيون. قاضى القضاة شرف الدين أبو الفضل الحسن (¬١) بن الشيخ الإمام الخطيب شرف الدين أبى بكر عبد الله بن الشيخ أبى عمر المقدسى. سمع الحديث وتفقه، وبرع فى الفروع والنحو واللغة، وتولى القضاء بعد نجم الدين بن الشيخ شمس الدين (¬٢) فى أواخر سنة تسع وثمانين، وكانت وفاته ليلة الخميس الثانى والعشرين من شوال وقد قارب الستين، ودفن بمقبرة جدّه بالسفح. الشيخ الإمام العالم البارع الناسك أبو محمد بن أبى جمره المغربى المالكى. توفى بالديار المصرية فى ذى القعدة، وكان قوالا بالحق، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر.الصاحب محيى الدين أبو عبد الله محمد (¬١) بن بدر الدين يعقوب بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن سالم بن النحاس الأسدى الحلبى الحنفى. ولد سنة أربع عشرة وستمائة بحلب، واشتغل وبرع، وسمع الحديث، وأقام بدمشق مدة، ودرس بمدارس كبار منها الريحانية (¬٢) والظاهرية (¬٣)، وولى القضاء بحلب، والوزارة، ونظر الخزانة، ونظر الدواوين، ونظر الأوقاف، ولم يزل مكرما معظما، معروفا بالفضيلة والإنصاف فى المناظرة، محبا للحديث وأهله على طريقة السلف الصالح، وكان يحب الشيخ عبد القادر (¬٤) وطائفته، وكانت وفاته ببستانه بالمزّة عشية الإثنين سلخ ذى الحجة، وقد جاوز الثمانين (¬٥)، ودفن يوم الثلاثاء مستهل سنة ست وتسعين وستمائة بمقبرة له بالمزة، وحضر جنازته نائب السلطنة والقضاة.قاضى القضاة تقى الدين أبو القاسم عبد الرحمن (¬١) بن قاضى القضاة تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب بن القاضى الأعز أبى القاسم خلف بن بدر العلائى الشافعى. توفى فى جمادى الأولى ودفن بالقرافة فى تربتهم، ﵀. الأديب تقى الدين شبيب (¬٢) بن حمدان بن شبيب الحرانى (¬٣). مات بالقاهرة، وكان فاضلا، أديبا وشاعرا مجيدا، ومن شعره: وافى يعلّلنى والليل قد ذهبا … فجلت فى راحة من راحة ذهبا ظبى إذا قهقه الابريق وابتسمت … له المدام بكا الراؤوق وانتحبا مترطق لم يقم بالكأس عرس هنا … إلا وراح بنور الراح مختضبا يجلو على ابن غمام بنت معصرة … فقم لتشهد أن العود قد خطبا كبّرت لما يدار الكأس فى يده … عجبا بتمثال ناء بحمل اللهبا كأنّه والطلى قد كلّلت حببا … بدر لشمس الضحى قد قلّد الشهبا أغنّ ينضو على العشاق ناظره … سيفا من الغنج لا ينبو إذا ضربا[١٢٧] ما هزّ من قدّه العسّال فى رهج … إلا عدا قلب جيش الصبر مضطربا ساق أقام على ساق قيامتهم … فبادروا نحو جنات الهنا غضبا فى خفض عيش يجرّون الذيول وكم … قد رفعوا الصوت للراووق إذ نصيا وقال: ومهفهف قسم الملاحة ربنا (¬١) … فيه فأبدعه (¬٢) بغير مثال فلخدّه النّعمان روض شقائق … ولثغره النظّام عقد لآلى ولطرفه الغزّال أحيا (¬٣) … الهوى وكذلك الإحياء للغزّالى الأديب شهاب الدين أحمد بن شمس الدين يوسف ابن قرمش. أحد كتاب الإنشاء بالقاهرة، كان عنده فضيلة تامة. الصدر الرئيس ضياء الدين إسماعيل بن الصاحب بدر الدين محمد بن جعفر الآمدى. توفى فى السابع والعشرين من جمادى الأخرى منها، كان مشكور السيرة، محمود الطريقة، تولى نظر بيت المال، وديوان الأهراء والذخائر، وكان والده ناظر الدواوين بدمشق، وهم من بيت كتابة ورئاسة وأمانة وتقدّم عند الملوك.الشيخ الإمام العالم العامل القدوة الزاهد بقية السلف عز الدين أحمد (¬١) بن عمر ابن الفرج الفاروثى الشافعى الواسطى. توفى بواسط، وكان من السادة العلماء الصلحاء الابدال، سمع من الشيخ شهاب الدين السهروردى ولبس منه خرقة التصوف، وسمع على أكثر مشايخ العراق ودياربكر والحجاز، وكان يعظ ويفسر القرآن ويفتى، وله أحوال ومكاشفات، ولما قدم من العراق إلى الشام فى الدولة الظاهرية أعطى تدريس الجاروخية وإمامة مسجد ابن هشام (¬٢)، وكان يستدين على ذمته ويطعم الفقراء، وفى بعض الأوقات لا يكون معه شئ فيقلع بعض ثيابه ويعطى السائل، ومولده بواسط سنة أربع عشرة وستمائة، ومات فى أوائل هذه السنة، ودفن برباط والده. الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن على بن عبد الكريم الموصلى المعروف بالأثرى القادرى. مات بدرب القلّى بدمشق، ومولده سنة أربع وتسعين وخمسمائة بالموصل، وعاش مائة سنة.الفقيه العدل برهان الدين إبراهيم (¬١) بن الشيخ عز الدين عبد الرزاق بن رزق الله الرسعنى (¬٢) المعروف بابن المحدث (¬٣). مات فى هذه السنة ودفن بقاسيون عند التربة الموفقية (¬٤)، سمع وحدّث، وكان يشهد تحت الساعات بدمشق. وله نظم فمنه: سلام من الصبّ المقيم على العهد … على نازح دان خلىّ من الوجد عن العين نائى وهو فى القلب حاضر … بنفسى حبيبا حاضرا غائبا أفدى غدت أرضه نجدا سقى زهرها الحيا … فأقصى المنى نجد ومن حلّ فى نجد أبيت إذا ما فاح نشر نسيمها … لفرط الأسى أطوى الضلوع على وقد وإن لاح من أكنافها لى بارق … فسحب دموع العين تهمى على الخدّ كلفت به لا انثنى عن صبابتى … به والجوى حتى أوسّد فى لحّدى فيا عاذلى خلّى الملامة فى الهوى … وكن عاذرى فاللوم فى الحب لا يجدى [١٢٨] فلست أرى عنه مدى الدهر سلوة … ولا لى منه قط ما عشت من بدّالشيخ الجليل كمال الدين عبد الله بن محمد بن نصر بن قوام الرصافى. مات فى هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفية، وكان رجلا خيرا صاحب رواية، ومولده سنة خمس عشرة وستمائة بالرصافة. القاضى شرف الدين موسى بن القاضى نجم الدين محمد بن سالم بن مسلم البالسى قاضى طرابلس. توفى فى السادس عشر من ذى الحجة منها. العدل عماد الدين أبو العباس أحمد بن هبة الله بن نصر الله بن على بن المفرج ابن سلمة الدمشقى. توفى فى هذه السنة بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير، ومولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة. القاضى الإمام العالم علم الدين أحمد بن إبراهيم بن حيدره القرشى، المعروف بابن القماح المصرى. توفى فى الثانى والعشرين من ربيع الأول منها ودفن يالقرافة، ومولده يوم الجمعة الثامن والعشرين من رمضان سنة ثلاثين وستمائة، وكان من العلماء الفضلاء وله شعر مليح، فمنه قوله (¬١):إذا كنت جار المصطفى ونزيله … فيقبح بى شوقى لأهلى وأوطانى أأرغب من دار بها الخير كله … وفيها هوى القاصى وأمنيّة الدانى ولست بجاف أهل ودّى وإنما … إذا فزت بالباقى (¬١) فمالى والفانى حلفت يمينا أنها خير منزل … لأشرف نزّال وأكرم جيران (¬٢) فيارب بلغ من أحبّ وصولها … ليزداد إيمانا كما ازداد إيمانى الأديب الفاضل سراج الدين عمر (¬٣) بن محمد بن الحسين (¬٤) المصرى الوراق. أديب الديار المصرية فى وقته، وقد جاوز التسعين سنة، (¬٥) كان يسكن بسوق وردان بمصر، توفى فى هذه السنة ودفن بالقرافة، وكان أديبا مكثرا متصرفا فى فنون الشعر، حسن النادرة، وديوانه فى سبعة أجزاء (¬٦) فمن أشعاره قوله:سألتهم وقد حثّوا المطايا … قفوا نفسا فساروا حيث شاءوا وما عطفوا على وهم غصون … ولا التفتوا إلىّ وهم ظباء (¬١) وقال: قلت قومى إلى الفراش فأنّه … وتأنت وذاك منهن صعب وقال فى شخص اسمه عرفات: اطنبوا فى عرفات وغدوا … يتعاطون له حسن الصفات ثم قالوا لى هل وافقتنا … قلت عندى وقفة فى عرفات وقال: والله ما من خبر سرّنى … إلا وذكراك له مبتدا وطالما باسمك فى خلوتى … ناديت أو كلت حروف الندا وقال فى شاعر: أنشدنى شعرا به … ظننت فاه مبعرا وقال لى كيف ترى … قلت أرى مثل الخرا فقال اسمع غيره … قلت كفى ما قد جرا وقال: إلهى قد جاوزت تسعين حجة (¬٢) … فشكرا لنعماك التى ليس تكفر[١٢٩] وعمّرت فى الإسلام فازددت بهجة … ونورا كذا يبدوا والسراج المعمّر وعمّ نور الشيب رأسى فسرّنى … وما ساءنى إن السراج منوّر وقال يصف بيته فى الشتاء: وبيتى فى الشتاء يكاد يبدو … به جسدى لسكّان الجحيم تصدّ الشمس عنا فيه … حتى كأنّا فيه أصحاب الرقيم ونفتح طاقنا ليزوّر حينا … فيحجبها ويأذن للنسيم وقال: لما رأيت البدر والشمس معا … قد انجلت دونهما الدّياجى حقرت نفسى ومضيت هاربا … وقلت ماذا موضع السراج وقال: باهذه لا تجحدى دمى الذى … شهدت عليك لتابه خدّاك وسيوف قومك لم ترقه وإنما … أصل البليّة كلها عيناك وقال: بنىّ اقتد بالكتاب العزيز … وراح كبدى سعيا وراجا فما قال لى أف مذ كان لى … لكونى أبا وكونى سراجا وقال صلاح الدين الصفدى: كان السراج الوراق أديبا أجاد المقاطيع، كثير الغوص، جيد المقاصد، صحيح المعانى، عذب التركيب، متمكنالقوافى، عارفا بالبديع، أجاد فنون الشعر، وكان حسن الخط، واختار ديوانه فى مجلده سماه: «لمع السراج»، وكان بينه وبين شعراء عصره مجاراة ومباراة، وكان أشقر، أزرق العينين، وكان يكتب الدرج لسيف الدين أبى بكر بن أسباسلار والى مصر، وكانت وفاته فى جمادى الأولى من هذه السنة، ﵀. الصدر الرئيس الكبير الفاضل صدر الدين محمد بن الشيخ الكبير الرئيس جمال الدين محمود بن عمر بن أبى المكارم بن حمدان الأنصارى المعروف بابن القباقبى. مات بثغر صفد، ودفن بمغارة النبى يعقوب ﵇ فى تابوت، ونقله أهله فيما بعد إلى دمشق ودفن بسفح قاسيون بتربتهم عند أسلافه، خدم فى كتابة الدرج بصفد، ثم نقلى إلى نظر القدس الشريف، فباشره، ثم أعيد إلى كتابة الدرج بصفد، فباشره إلى أن مات فى هذه السنة، ولم يبلغ الأربعين سنة، وكان يكتب مليحا، وينظم شعرا. ومن شعره: وصال ولكن ما إليه وصول … وحال وعنها الدهر لست أحول وهجر وتعذيب ونوح وأنّة … وقلب خقوق للغرام حمول ودمع وتبريح مديد وكامل … وسهد وليل وافر وطويل وصبر على ما ليس يحمل بعضه … فسلوان قلبى ما إليه سبيل أيا بدر تمّ يخجل الشمس فى الضحى … ولحظك أم سيف يهزّ صقيل وثغرك أم ورد جنى مضاعف … وريقك أم شهد حلا وشمولوقال: خلع الربيع على الرياض ملابسا … منسوجة من سائر الألوان [١٣٠] من أخضر نضر وأصفر فاقع … فى أبيض يقق وأحمر قانى وقال فى زهر السفرجل: بزهر السفرجل معنى على … جميع الزهور به يفضل يشم ويؤكل شكرا له … وتلك تشمّ ولا تؤكل وقال: عيون المزن تبكى والقنانى … تقهقه فامزجا لى واسقيانى مدام من عهد الروم لابل لها … من عهد نوح فى الدّنان وحثّا الدور بالثانى فإنى … أحبّ الدور موصولا بثانى وهاتا يا خليلىّ انشدانى … بسيطا فى عراق وأصبهان بأصوات القيان فإنّ قلبى … وسمعى عند أصوات القيان وإن أنا متّ شكرا فاغسلانى … بفضلة ما تبقى فى الدنان وفى ورق الدّوالى كفّنانى … وفى الكرم أحفرا لى وادفنانى وإن حاولتما تشييع نعشى … فحثا بالمثالث والمثانى وقولا عند قبرى مات هذا … قتيل الراح سكرا والقنانىالأديب الفاضل أبو القاسم عبد الرحمن (¬١) بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود العلامى المصرى الشافعى (¬٢). مات فى هذه السنة ودفن بسفح المقطم، كان فقيها أديبا. وقال الشيخ شرف الدين الدمياطى أنشدنى المذكور لنفسه: ومن رام فى الدنيا حياة خلية … من الهمّ والأكدار رام محالا وهاتيك دعوى قد تركت دليلها … على كل أبناء الزمان محالا (¬٣) الشيخ الإمام العلامة ذو العيون نجم الدين أحمد (¬٤) بن حمدان بن شبيب ابن حمدان بن محمود الحرانى الحنبلى. توفى فى هذه السنة بالمدرسة المنصورية، ودفن بسفح المقطم، ومولده بحران سنة ثلاث وستمائة، وكان شيخ المذهب، وله معرفة بالأصول، ويد طولى فى علم الخلاف والجبر والمقابلة، وهو صاحب كتاب الرعاية فى الفقه (¬٥)، وهوكتاب مشهور بكثرة النقل، سمع بحرّان من الحافظ عبد القادر الرهاوى (¬١)، والخطيب فخر الدين ابن تيميه (¬٢)، وابن روزبة، وغيرهم، وسمع بحلب من أبى خليل، وبدمشق من ابن صباح، ومحمد بن غسان، (¬٣) وعمر بن المنجى، وغيرهم، ﵀. السيد الحسيب النسيب الحافظ عز الدين (¬٤) أبو القاسم بن الإمام أبى عبد الله العلوى الحسينى المصرى، ويعرف بابن الحلبى، نقيب الأشراف بالديار المصرية. مولده سنة ست وثلاثين وستمائة، وتوفى فى السادس من المحرم، ودفن بالقاهرة. الأمير الكبير بدر الدين لؤلؤ بن (¬٥) عبد الله المسعودى. صاحب الحمام بالمزة، وأحد الأمراء الكبار المشهورين بخدمة الملوك، توفى ببستانه بالمزة يوم السبت السابع والعشرين من شعبان منها، ودفن بتربته بالمزة.الأمير عز الدين أيبك (¬١) الأفرم الصالحى أمير جندار وهو الأفرم الكبير. توفى فى هذه السنة، (¬٢) وكان ذا سعادة كثيرة تدخل عليه من ملكه وإقطاعه كل يوم ألف دينار مصرية خارجا عن ثمن القمح والشعير [١٣١] والحبوب ونحو ذلك، ولم يزل مقدّما فى الدول، ولم يكن فى البلاد الإسلامية بلد إلا وله فيه علقة إما ملك أو ضمان أو زراعة، وخرب الله جميع ما خلفه بالمحق، ولم يبق مع ورثته شئ حتى كان أولاده يستعطون من الناس، هذا مع قلة ظلمه وعسفه. وفى نزهة الناظر: وكان من الأمراء الكبار الصالحية، قديم الهجرة فى الدول، وكان شجاعا مقداما، وله غزوات كثيرة، وإذا عرض غزاة استخدم جماعة من الجند فى سبيل الله، وكانت له سعادة ضخمة، وهى من كثرة زراعته، وإن كانت له زراعات فى سائر الوجه القبلى والبحرى، فإذا وجد مكانا خرسا اشتراه أو استأجره وعمره، وأعطاه الله فى الزراعة نصيبا وافرا، واستأجر بلادا كثيرة فى الوجه القبلى، وكل مكان يكون له فى نشا يعمّر فيه جامعا أو مسجدا، وإذا بلغه أمر جامع خراب أو مسجد خراب عمره حتى حصرت الأماكن التى عمرها قريبا من ثلاثمائة مئذنة، واتخذ له أملاكا بمصر، وعمارات على بحر النيل، وعمر بقوص مدرسة للشافعية، ومدرسة على ساحل البحر.قال المؤرخ: وحكى لى بعض مباشريه فى البلاد أن غلاله ومتحصل زراعاته فى كل سنة تنيف على مائتى ألف أردب من سائر الحبوب، وعمل فى سنة الغلاء خيرا كثيرا، وكان يجمع الصعاليك على الخبز والطعام، ويبرّ الأيتام وأرباب البيوتات، وكان له طبقة عالية فى سماع الحديث، حكى عنه الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس شيخ الحديث أنه سمع عليه الحديث هو وجماعة من أهل الشام حضروا لطلب الحديث فى سنة إحدى وثمانين وستمائة. وعند غلبة المرض عليه أوصى إلى أولاده أنه إذا توفى يخرجون طلبه وهى على عادتها، فالخيول ملبسه والسناجق منشورة ومماليكه ملبسون على جارى عادتهم عند الخروج إلى الغزاة والعرض بالأطلاب، (¬١) ولما توفى عرّفوا لاجين نائب السلطنة ما أوصى به، فقال لهم: افعلوا ما قال لكم من غير دق النقارات: وصول نائب السلطان وسائر الأمراء من القلعة، وغلقت مصر ذلك اليوم من أول باب مصر إلى دار سكنه بباب القنطرة، وجميع القضاة والفقراء كانوا مشاة فى جنازته، وطلبه سائرة معه على الحالة التى يخرج فيها إلى الغزو غير أنه لا تضب الطبلخاناة والبوقات. الأمير بدر الدين بيلك (¬٢) المحسنى المعروف بأبى شامة. توفى فى هذه السنة، كان متولى الكشف بالوجه القبلى، وكانت له حرمةوصولة ومهابة، وأتلف جماعة كثيرة من المفسدين فى الوجه القبلى. الأمير بدر الدين لقلق المسعودى، توفى فيها بدمشق. الأمير علم الدين سنجر (¬١) المسرورى، متولى القاهرة. توفى فى هذه السنة، وكان يعرف بعلم الدين الخياط، لقبه به أستاذه الذى اشتراه، وكان ذا شكل حسن، مهابا مصطنعا للناس بالخير فى ولايته، عاقلا محتشما، متعقلا عما يبدو من الفواحش، رضى الأخلاق مع لطف وكرم، وكان له تولع بالشراب واجتماع الندماء اللطاف مثل السراج الوراق وشمس الدين الكحال أبى دانيال ونصر الحمامى، وله مكارم عليهم وقبول شفاعات ينالون بها إلى مقاصدهم، واتفق لهم معه مجارى كثيرة من الهزليات المضحكة يطول شرحها، فمن ذلك أنه شرب معهم فى بعض الليالى، وكان ليلة الموكب، فقام من السحر وتوضأ، ولبس ثيابه وأخذ فى لف شاشه على كلوتاته، فلما فرغ جعل يديريده على الشاش [١٣٢] ويمشيها، فقال له السراج الوراق: يا خوند ابصرها فى التحاريس، فضحك علم الدين وأعجبه هذا القول، فقال: والله يا سراج الدين لقد أحسنت فى هذا، وأمر له بعطية، وقد علم أن عادة الخياطين غزو الإبرة فى عمامته حتى يجد الابرة فيأخذها. وكان له حسن تأنى فى أموره واصطناع المعروف، فمن أغرب ما حكى عنه أنه أقام زمانا يتوقع وقوع بعض أرباب البيوت إلى أن أتى إليه البعض (¬٢) فأخبرهبأن بعض أولاد الأمراء فى بستان ومعه فلانة، وكان يبلغه عنها من اللطف والطرافة والملاحة، وصبر إلى الليل وركب وحده ومعه مملوك صغير فجاء ودخل عليهم، فلما رأوه وجموا منه وخافوا، فقال لهم: لا تخافوا، وأسهم فى الحديث وشرب معهم، ورأى من تلك المرأة أكثر مما وصفوه له عنها، فلما أراد أن يقوم قامت تلك المرأة فدخلت إلى مكان وخلعت جميع ما عليها من الحلى والفصوص وغيرها وجمعت الجميع فى منديل وخرجت إليه فوضعته بين يديه واعتذرت أن الأمير حضر عندنا على غفلة، وهذا يكون عندك على سبيل الرهن إلى حين أحضر إلى خدمتك ومعى ما يصلح لضيافتك، فلحقه من ذلك خجل وحياء، وجعل يحلف إلى أن قامت فكشفت رأسها وحلف صاحب المجلس بالطلاق، فعند ذلك أخذه وخرج من عندهم، وأقام على ذلك مدة لم يحضر إليه أحد، ثم أنه طلب بعض الصاغة وقال له: قوّم ما فى هذه الأشياء من الذهب والفضة، فأخذ الصائغ فى النظر إليها، ثم قال له يا خوند: هذا جميعه زغل معمول من الرصاص قد أطلى بالذهب والفضة، فتعجب الأمير من ذلك ودهش وردّه إلى مكانه، وبقى متفكرا فى هذه الحيلة من تلك المرأة، فحنق عليها وقال: ما لهذه إذا وقعت إلا أن تهتك، ولا آمن بعد هذا امرأة، فمضى على هذا بعض الأيام، ثم أنه ذات يوم كان جالسا؛ فإذا خادم له قد دخل عليه وقال له: إن على الباب امرأة محتشمة ومعها خادم وهى تريد أن تجتمع بالأمير، فأذن لها بالدخول فدخلت وعليها آثار الحشمة، فأجلسها وقال لها: لعل حاجة، فأخرجت كيسا فيه ثلاثمائة دينار، وقالت يا خوند: عندك رهن، وقد أحضرت المبلغ الذى عليه، فعرف الأمير فى ذلك الوقت أنها تلك المرأة التى عملت ما عملت،فعند ذلك أمر الأمير فأخرجوا قماشها قطعة بعد قطعة، ثم قال لها: من صاغ لك بهذا المصاغ؟ قالت: شخص أعرفه. قال: فهل علمت ما فعل؟ قالت: نعم. قال: فما حملك على مثل هذا؟ قالت: فعلنا هذا لمثل من لا يخاف الله. قال: فلم أعطيتنى هذا؟ قالت: خشيت أن يحملك الغيظ بقلة الوثوق من النساء فى مثل هذه الواقعة ولا تقع منك رحمة فى غيرنا ولا تستر أحدا بعدنا. فقال الأمير: جزاك الله عن مروءتك خيرا، فلا والله لا يتبعنى منك شئ، وحلف بالطلاق على ذلك، فأخذت الذهب وذهبت، ثم أصبحت وسيرت له قماشا له صورة. الملك السعيد إيلغازى (¬١) بن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان الأرتقى، صاحب ماردين. توفى فى هذه السنة [١٣٣] وكانت مدة مملكته بها دون ثلاث سنين، وتولى عوضه أخوه الملك المنصور نجم الدين غازى، (¬٢) رحمهم الله تعالى.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السادسة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والسلطان هو الملك العادل كتبغا، وكان مسافرا فى الشام - كما ذكرناه -، ثم إنه توجه قاصدا الديار المصرية فى أوائل المحرم، ولما وصل إلى ماء العوجاء ركب الأمراء - على ما ذكرنا - وجرى ما ذكرنا من هروب السلطان كتبغا إلى دمشق، (¬١) ثم إنهم اتفقوا وهم بمنزلة العوجاء بعد سفر كتبغا على إقامة الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصورى سلطانا.
  • full passagepage 1240, entry [379]13,539 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى قضاة الحنابلة هو عز الدين عمر (¬١) بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى الحنبلى. سمع الحديث، وبرع فى المذهب، وحكم بديار مصر، وكان مشكور السيرة، توفى فى صفر، ودفن بسفح المقطم، وحكم بعده شرف الدين عبد الغنى (¬٢) ابن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر الحرانى. الشيخ الصالح ال
    ▸ expand full passage (13,539 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى قضاة الحنابلة هو عز الدين عمر (¬١) بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى الحنبلى. سمع الحديث، وبرع فى المذهب، وحكم بديار مصر، وكان مشكور السيرة، توفى فى صفر، ودفن بسفح المقطم، وحكم بعده شرف الدين عبد الغنى (¬٢) ابن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر الحرانى. الشيخ الصالح المقرئ جمال الدين عبد الواحد (¬٣) بن كثير بن ضرغام المصرى، ثم الدمشقى، نقيب السبع الكبير والغزالية. وكان قد قرأ على السخاوى، وسمع الحديث، وتوفى فى أواخر رجب، ودفن بالقرب من قبة الشيخ رسلان، ﵀. [١٤٤] الصدر الكبير شرف الدين أبو العباس أحمد (¬٤) بن محمد بن علىابن جعفر البغدادى السامرى (¬١). واقف السامرية (¬٢) التى إلى جانب الكروسية (¬٣) بدمشق، وكانت داره التى سكن ودفن بها، ووقفها دار حديث وخانقاة، وكانت وفاته يوم الإثنين الثامن عشر من شعبان، وكان كثير الأموال، حسن الأخلاق، معظما عند الدول، له أشعار رائقة، ومبتكرات فائقة، وكان ببغداد له حظوة عظيمة عند الوزير ابن العلقمى، (¬٤) وامتدح الخليفة المستعصم بالله وخلع عليه خلعة سوداء سنية، ولما أخذت التتار بغداد قدم إلى دمشق، فحظى عند صاحبها الملك الناصر، وصارت له عنده أعلى مكانة، فحسده أرباب الدولة، فشرعوا ينقبون عليه وعلى وجيه الدين بن سويد، فعمل الأرجوزة (¬٥) وذكر فيها جميع « ...... » (¬٦) وادى دمشق وأخضرها « ...... » (¬٧) على الملك الناصر، وأولها: يا سائق العيس إلى الشام … وقاطع الوهاد والآكام مدرعا مطارف الظلام … كبارق يلمع فى غمام وقيت حوادث الأيامفلما سمعها الملك الناصر صادرهم جميعهم، وحصل للناصر بسببها مال عظيم (¬١). ومن شعره: أترى وميض البارق الخفاق … قائدى (¬٢) إلى أهل الحمى العراقى ولعلّ أنفاس النسيم إذا سرى … يحكى لوعة (¬٣) مغرم مشتاق أحبابنا ما آن بعد فراقكم … أن يتهنى محبكم (¬٤) بتلاق بنتم فضنت بالرقاد نواظرى … أسفا وجادت بالدموع مآقى أجريت من جفنى على أطلالكم … دمعا غدا وقفا على الاطلاق أتراكم ترعون حيا رعتم … أدواؤه (¬٥) بقطيعة وفراق بين الدموع وحرّ نار أضالعى (¬٦) … عذّبت بالاحراق والاغراق (¬٧) بالله يا ريح الشمال تحمّلى … منى (¬٨) سلام الواله المشتاق وإذا مررت على الديار فبلغى … أهل الكئيب [بكل (¬٩)] ما أنا لاقفهناك لى رشأ أغنّ مهفهف … يصمى القلوب بأسهم ورقاق (¬١) فإذا انثنى فضح القنا وإذا رنا … سفكت لواحظه دم العشّاق ويزين غصن القدّ منه ذؤابة (¬٢) … وكذا الغصون تزان بالأوراق (¬٣) أأبيت ملسوعا بعقرب صدغه … ويضن من فيه بالدرياق يا من أحلّ دمى وحرّم وصله … ووفيت لما خان فى الميثاق صل أو فصدّ فلست أخشى حادثا … والصدر نجم الدين حى باق الصاحب الصدر الذى أقلامه … يجرين بالآجال والأرزاق وكان الصاحب بهاء الدين بن حنا قد صادره وأخذ منه ثلاثين ألف دينار فى دولة الظاهر، وصادره الشجاعى فى دولة المنصور وأخذ منه مائتى ألف درهم، وبقى عليه ديون كثيرة، وطباعه [١٤٥] كما هى ما تغيرت، ولا غير ملبوسه ولا ترك هزله ومجونه وهدايا إلى نواب السلطنة وأعيان الدولة وإيثاره للفقراء، وآخر ما بقى له قاعة جعلها خانقاة وتربة كما ذكرنا، ووقف عليها مزرعة بالشاغور وبقايا من أملاكه، ولما مات مملوكه أقوش كانت له حصص فى مواضع وقفها أيضا على خانقاته (¬٤). العدل الرئيس نفيس الدين أبو الفدا إسماعيل (¬٥) بن محمد بن عبد الواحد بنإسماعيل بن سلامة بن على بن صدقة الحرانى، ثم الدمشقى. كان أحد عدول القسمة بدمشق، (¬١) وولى نظر الأيتام فى وقت، وكان ذا ثروة، ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة وسمع الحديث، ووقف داره دار حديث، وهى التى تسمى النفيسية (¬٢) التى بالرصيف، وكانت وفاته يوم السبت بعد الظهر الرابع من ذى القعدة منها، ودفن بسفح قاسيون. الشيخ الإمام العالم البارع الفاضل عفيف الدين عبد السلام (¬٣) بن محمد بن مزروع البصرى، نزيل الحرم الشريف النبوى. ومولده سنة خمس وعشرين وستمائة، (¬٤) ومات فى هذه السنة، ودفن بالبقيع، وكان عند الأمير عز الدين شيحة - صاحب المدينة - بمنزلة الأب والوزير، وعرض عليه وزارته فأبى، وكان يرسله فى مهماته إلى مصر والشام والعراق، وجاور بالمدينة مدة خمسين سنة، وحج أربعين حجة.وله نظم، فمنه قوله (¬١): إليك رعاك الله لا زلت منعما … ومن غير الدهر الخؤون مسلّما كتبت ولولا حب ساكن طيبة … لوافاك شخصى دون خطّى مسلّما ولكنّنى أصبحت رهن صبابة … بجيرة سلع والعقيق متيّما ولى بالنقا لا زلت جار أهيلة … قديم هوى فى حبّة القلب خيّما وبين ثنيّات الوداع إلى قبا … لقلبى أسرار أبت أن تكتما وبالحرم المأنوس آنست نسمة … لأنسى بها آنست سلمى وكلثما وكم فاح لى من طيب طيبة نعمة … الذّ من الإثراء لمن كان معدما وكم حزت من فضل بمسجد أحمد … وبالروضة الزهراء كم نلت أنعما أروح وأغدو بين قبر ومنبر … قلوب الورى شوقا تطير إليهما أقوم تجاه المصطفى ومدامعى … على الخدّ تجرى فرحة لا تندّما فلى كلّ يوم موسم متجدّد … بقرب رسول الله يتبع موسما لعمرى هذا الفخر لا فخر من غدا … يرى مغرقا فى الظاعنين ومشيما ولم أك أهلا للوصال وإنّما … تطفّلت تطفيلا فألفيت منعما وجاورت خير العالمين محمدا … أبا القاسم الهادى العظيم المعظما أعزّ الورى جاها وأغزرهم ندا … وأوسعهم حلما وأمنعهم حما [١٤٦] فلا بدّلت نفسى بطيبة غيرها … إلى أن يوارى اللحد منّى أعظما (¬٢)وله: طلبت سواكا منك يا غاية المنى … ومالى قصد فى السّواك سواكا كذاك أراك قد أردت تفاءلا … لعلّى من بعد البعاد أراكا الصدر الرئيس الفاضل الأديب نور الدين أحمد (¬١) بن إبراهيم بن عبد الضيف ابن مصعب الدمشقى (¬٢). مات فى هذه السنة ببستانه بسطرا، ودفن بسفح قاسيون قبالة المدرسة الأتابكية، (¬٣) كان فاضلا فى النحو واللغة، وكان تجرّد وهو شاب مع الفقراء الحريرية، (¬٤) وسافر إلى مصر وغيرها من البلاد، وكان من رؤساء دمشق. وله نظم مليح، ومن شعره ما كتبه إلى الأمير علم الدين الدوادارى وهو: هل شمت بالشام برق لاح من أضم … على المقطّم من شوقى إلى العلم ومنزلى بين وادى النيريين إلى … سفح البنفسج لا بالضّال والسّلم طورا على جانبى ثورا نناشدنى … ورق الحمائم بالأسجاع والنّغم وتارة حول باناس وفائضة … تجرى إلى بردى بالبارد الشيموفى المقاسم أنهار جداولها … تجرى إلى الغوطة الفيحاء بلا قدم وحسن ربوتنا مع فضل معبدها … يجاب فيه دعاء داع ومستلم مواطن هى مرباى ومرتبعى … ودار لهوى وإخوانى وملتزمى كم قد قطعت بها والدار تجمعنا … من صفو عيش بطيب الوصل مبتسم منازل تشبه الجنّات منظرها … إن لم تكنها لما فيها من النعم لكنها تشتكى شوق أضرّ بها … إلى أمير كثير الجود والكرم جمال الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين أبى الحسن على بن شيخ السلامية. مات ليلة الأربعاء غرة ربيع الأول منها، ودفن يوم الأربعاء بمقابر باب الفراديس، كان فاضلا أديبا، ومن شعره: ومن يكن الرحمان أدنى محلّه … وأعطاه دون العالمين مواهبا فلا طرفه يكبو ولا سيف عزمه … مدى الدهر ينبو قوة ومضاربا فلا زال هذا الدهر طوع يمينه … ولا انفك للأعداء ما عاش غالبا عز الدين أبو الفضل أحمد بن الشيخ شمس الدين المسلم بن محمد بن المسلم ابن المكى بن خلف بن المسلم بن أحمد بن محمد بن محمد بن على بن القيسى. مات فى السادس من ربيع الأول، ودفن بقاسيون، ومولده فى عاشر صفر من سنة أربع وعشرين وستمائة، سمع إبراهيم الخشوعى، وأبا نصر الشيرازى، (١) وله أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى ج ٢ ص ٢١٦ رقم ٣١٤: الوافى ج ٨ ص ١٨٠ رقم ٣٦٠٣. وورد فى المنهل الصافى أن صاحب الترجمة توفى سنة ٦٩٧ هـ.والفخر الأربلى، وحدّث، وكان منقطعا عن الناس، مواظبا على الذكر وحضور الجماعات. الشيخ الإمام شمس الدين محمد (¬١) بن أبى بكر بن محمد الفارسى، المعروف بالأيكى. مات يوم الجمعة الثالث من رمضان منها، ودفن بمقابر الصوفية، كان إماما عالما، ولى مشيخة الشيوخ بالديار المصرية مدة، ودرّس بزاوية الغزالى بدمشق مدة، ولم يزل معظما موصوفا بالفضل [١٤٧] والعلم إلى أن مات، ﵀. الشيخ عز الدين أبو محمد عبد العزيز (¬٢) بن القاسم (¬٣) بن عثمان بن عبد الوهاب البابصرى البغدادى الحنبلى. مات فى هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفية بدمشق، ومولده ببغداد فى صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة، سمع من جماعة بدمشق، وكان فاضلا، وله شعر حسن ومعرفة بالتاريخ. ومن شعره: فعدت فى منزلى حزينا … أبكى على فقد نور عينىعاندنى الدهر فيه حتى … فرق ما بينه وبينى وبان عصر الشباب عنى … فصرت أبكى لفقد ذين (¬١) الشيخ الفاضل أبو الحسن (¬٢) [بن عبد الله (¬٣)] بن الشيخ غانم بن على النابلسى. سمع من عبد الدائم، وعمر الكرمانى، وكان صالحا، كثير التقشف، حسن المحاضرة، متواضعا، خيرا، مات يوم الأربعاء الرابع من ذى القعدة منها، ومولده بدمشق فى شوال سنة أربع وأربعين وستمائة. وله شعر حسن فمنه: هى النظرة الأولى جرت فى مفاصلى … شغلت بها فى الكون عن كل شاغلى وأصبحت فى وجدى فريد صبابة … جنونى لا يخفى على كل عاقل أنزه طرفى أن أرى فى خيامها … سواها وسمعى عن حديث العواذل وأكتم ما بى من هواها صيانة … فيظهر تأثير الهوى فى شمائلى لها بالحمى عن أيمن الحمى منزل … أعظمه من بين تلك المنازل سلام على تلك الخيام وأهلها … ومن حلّ فيها من مقيم وراحل أسكّان ذاك الحى أين ترحلوا … بقلب محب ضاع بين المحامل سألتكمو ردّوا الفؤاد فإنه … متاع لأيام الحياة القلائل أجيراننا بالخيف إن دام هجركم … ولم تسمحوا لى منكم بالتواصل ألا فابعثوا لى من حماكم رسالة … تكون إلى قلبى أعزّ الرسائل ولا تبعثوها فى النسيم فإننى … أغار عليها من نسيم الأصائلالشيخ الإمام المسند، شيخ بغداد وسندها، كمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن (¬١) ابن عبد اللطيف بن محمد بن عبد الله بن وريده البزاز، عرف بالفويرة الحنبلى، المقرئ المحدث. توفى فى هذه السنة، ودفن بباب حرب ببغداد، ومولده ثمان أو تسع وتسعين وخمسمائة، سمع ابن ضرما، ومحمد بن الحسن، وعلى بن يوسف الحمامى وأجازه ابن طبرزد، وابن سكينة، وهو آخر من أدّى عنهما، وقرأ القراءات بالروايات على الفخر الموصلى، وأجازه أيضا أحمد بن الحسن العاقولى، وكان شيخ المستنصرية. تاج الدين على بن الصاحب فخر الدين إسماعيل بن إبراهيم ابن أبى القاسم أبى طالب بن سعيد بن على بن سعيد بن كسيرات المخزومى. مات فى مستهل ذى الحجة من هذه السنة بطرابلس، ومولده فى مستهل ذى الحجة سنة تسع وستين وستمائة، كان فاضلا أديبا، مليح الشعر، فمن شعره قوله: [١٤٨] يقولون الغداة تموت وجدا … فقلت لهم ورب الأخشيين لقد سربلت ثوب الفصل قسرا … على رغم النوى لم أخش بينىشهاب الدين أحمد (¬١) بن عثمان بن أبى الرجاء بن أبى الزهر بن السلعوس التنوخى. مات فى هذه السنة، ودفن بمقبرة الباب الصغير فى الثامن عشر من جمادى الأولى منها، وكان قد ولى النظر على جامع دمشق فى وزارة أخيه شمس الدين، (¬٢) وكان مشكور السيرة فى نظره، سمع من عثمان بن عوف، وابن عبد الدائم. الشيخ الصالح الزاهد العابد الخاشع الناسك نجم الدين أبو على الحسن، (¬٣) المعروف بالشاورت (¬٤) الدمشقى. كان فى مبدأ أمره كاتبا، ثم ترك ذلك وتزهد، وكانت له كرامات ومكاشفات وأشياء من علم الحرف وغيرها. الشيخ الفاضل شرف الدين أبو السماح عبد الكريم (¬٦) بن محمد بن محمد بن نصر الله الحموىّ المعروف بابن المغيزل، وكيل بيت المال بحماة.مات بها يوم السبت الرابع عشر من المحرم، ومولده فى سنة ست عشرة وستمائة بحماة، سمع ببغداد الكاشغرىّ، (¬١) وابن الخازن (¬٢). الأمير حسام الدين كوسا الحاجب. كان من الأجواد الأخيار، توفى فى هذه السنة. الأمير عز الدين أزدمر (¬٣) العلائى، أخو الأمير علاء الدين الحاج طيبرس (¬٤) الوزيرى. توفى فى هذه السنة، كان من الأمراء الأعيان، والشجعان المشهورين. الخاتون الجليلة نسب خاتون بنت الملك الجواد مظفر الدين يونس (¬٥) بن شمس الدين ممدود بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب. ماتت بدمشق، ودفنت عند والدها بقاسيون، سمعت إبراهيم بن خليل، وخطيب مردا، وابن عبد الدائم، وحدثت، وكانت صالحة خيّرة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السابعة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت، والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وسلطان البلاد: الملك المنصور لاجين السلحدار المنصورى، ونائبه بمصر: منكوتمر، وبدمشق: سيف الدين قبجق، وبحلب: الأمير سيف الدين بلبان الطباخى. وقاضى القضاة الشافعية بالديار المصرية: الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد. وقاضى القضاة الحنفية: حسام الدين الرازى، ثم ولى ابنه جلال (¬١) الدين مكانه بدمشق فى عاشر صفر وركب بالخلعة والطرحة، وهنأه الناس. وقاضى المالكية بدمشق: جمال الدين الزواوى. وقاضى الحنابلة: تقى الدين سليمان بن حمزة بن الشيخ أبى عمر المقدسى. وخطيب الجامع الأموى: بدر الدين بن جماعة. ثم طلب حسام الدين الرازى إلى مصر، فأقام عند السلطان لاجين وولاه قضاء القضاة الحنفية بمصر، عوضا عن شمس الدين السروجى، (¬٢) واستقر ولدهجلال الدين بالقضاة فى الشام، ودرس بمدرستى أبيه الخاتونية والمقدمية، وترك مدرستيه القصاعية والشبلية. وفيها: اتفق للشيخ تقى الدين قاضى القضاة مع منكوتمر نائب السلطان كلام أوجب أنه عزل نفسه من القضاء، والسبب لذلك أن تاجرا توفى وادعى رجل أنه أخوه، فأرسل منكوتمر إليه وعرفه أن المتوفى أخو هذا الرجل، ولم يخلف غيره، ولا [١٤٩] وارث غيره، ولم يسمع منه الشيخ تقى الدين، فغضب بسبب ذلك منكوتمر، فدخل بينهما الأمير سيف الدين كرت الحاجب فقال لمنكوتمر: إن هذا الرجل كبير القدر ورجل صالح ولا ينبغى أن نسمع عن مولانا نائب السلطان إلا خيرا وأنا أذهب إليه ونرجو من الله أن ينقضى الشغل، فذهب إليه وهو جالس فى محكمته وسلم عليه ووقف، فنظر إليه الشيخ وردّ سلامه، وقام له نصف القيام، وأشار إليه بالجلوس فجلس، ثم قال: يا سيدى ولدك يسلم عليك ويقبل يدك فقال: وأىّ الأولاد!! فقال: الأمير سيف الدين منكوتمر، فشرع الشيخ يقول: منكوتمر، منكوتمر، ويكررها، ثم قال: ما مقصوده؟ فعرّفه القضية مع تلطف وترقق. فقال فى جوابه: إش يبنى على شهادته لهذا الرجل. فقال له: يا سيدّى ما هو عندكم عدل. فقال: سبحان الله، وتمثل بقول الشاعر: يقولون هذا عندنا غير جائز … ومن أنتم حتى يكون لكم عند وشرع يكررها ثلاث مرات، وفى الآخر قال: والله متى ما لم تقم عندى بينة شرعية ما حكمت بشئ، قم بسم الله، فنهض الحاجب من عنده وخرج.قال صاحب النزهة: وكنت أنا ووالدى مع الحاجب المذكور فى ذلك الوقت. فقال لوالدى وهو خارج من عند القاضى: والله هذا هو الإسلام، ولما اجتمع بمنكوتمر تلطف معه وقال له: هذا الشغل ما ينقضى إلا إذا طلع القاضى إلى دار العدل واجتمع به مولانا النائب، فلعله إذا رأى الأمير يستحى منه، فسكن من غيظه بعض شئ. فلما كان يوم دار العدل واتفق خروجه من عند السلطان والنائب جالس فى الشباك، فخرجت إليه الحجاب واحدا بعد واحد يقولون له: الأمير يختار أن يجتمع بخدمتكم، وهو لا يلتفت ولا يجاوب أحدا منهم إلى أن ألحوا عليه، فالتفت إلى القضاة الذين معه وقال للحجاب: قولوا له: يولى من يختار، فرجعوا إلى الباب وعرفوه بما وقع فسكت، فلما نزل القاضى إلى المدينة أغلق بابه وأرسل النقباء إلى جميع النواب وأصحاب العقود أن أحدا منهم لا يحكم ولا يعقد عقد إلى أن يتولى قاض. ثم فى اليوم الثانى بلغ السلطان ما وقع من هذا، فطلب منكوتمر وصاح عليه وسبه وقال له: قد حكمتك فى الجيش تتحدث فيهم، ما يكفيك حتى تدخل فى أمر القضاة وتتحرش مع مثل هذا الرجل، ثم أرسل من وقته إلى القاضى يعتذر من ذلك الأمر وسأله الحضور إليه، فأبى القاضى وقال للقاصد: سلم على السلطان وقل له: إن القضاة كثيرون وقد جعل لى عذر فى هذا الوقت يمنعنى من الطلوع إليه، فلما عرفوا السلطان بذلك طلب الشيخ نجم الدين بن عبود (¬١)والطواشى مرشد، وأرسلهما إليه وقال لهما: ثقلا عليه فى الطلوع. فنزلا إليه وتكلما معه كثيرا، ثم قال له الشيخ نجم الدين: يا سيدى إن لم تطلع إلى السلطان فانه ينزل إليك بنفسه، ولم يزالا به حتى قام معهما وطلع إليه، فتلقاه السلطان ونزل من مرتبته وأخذه بيده وأجلسه عليها، فأخرج القاضى من كمه خرقة فبسطها فوق الفرش الأطلس، فجلس عليها، (¬١) ثم شرع السلطان يسأله فى الولاية وألح عليه إلى أن قبلها، وتولى على عادته [١٥٠]، ثم قال له: يا سيدى هذا ولدك منكوتمر خاطرك معه، ادع له، (¬٢) فنظر إليه ساعة وصار يفتح يده ويضمها ويقول: منكوتمر؛ لا يجئ منه شئ - ثلاث مرات -، فلما قام أخذ السلطان تلك الخرقة منه على سبيل التبرك، ثم طلب الأمراء أيضا، فأخذ كل واحد منهم قطعة (¬٣).
  • full passagepage 1284, entry [383]4,498 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان. الشيخ الصالح الزاهد حسن (¬١) بن الشيخ الكبير على الحريرى. توفى فى ربيع الآخر منها بزاويته بقرية بسر، (¬٢) ومولده سنة إحدى وعشرين وستمائة. الصدر إبراهيم (¬٣) بن أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطا البصراوى (¬٤) الحنفى. درس وأفاد، وولى قضاء حلب فى وقت، ثم سافر قبل وفاته إلى مص
    ▸ expand full passage (4,498 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان. الشيخ الصالح الزاهد حسن (¬١) بن الشيخ الكبير على الحريرى. توفى فى ربيع الآخر منها بزاويته بقرية بسر، (¬٢) ومولده سنة إحدى وعشرين وستمائة. الصدر إبراهيم (¬٣) بن أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطا البصراوى (¬٤) الحنفى. درس وأفاد، وولى قضاء حلب فى وقت، ثم سافر قبل وفاته إلى مصر، فجاء بتوقيع فيه قضاء حلب (¬٥)، فلما اجتاز بدمشق توفى بها فى رمضان منها، وله سبع وثمانون سنة (¬٦).أحمد (¬١) بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسى الحنبلى، الشيخ شهاب الدين عابر الرؤيا (¬٢). سمع الحديث، وروى الكثير، وكان عجبا فى تفسير المنامات، وله فيه اليد الطولى، وله تصانيف فيه، ليس كالذى يؤثر عنه من الغرائب والعجائب، ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة، (¬٣) وتوفى فى آخر ذى القعدة منها، ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة، مشى فيها نائب السلطان والقضاة، وكان يقول للشخص جميع ما جرى له من أول العمر إلى حين جاءه، ويقول ما فى بيته يخبى، وإذا قص عليه المنام لا يفسره له حتى يستتيبه ويحلفه على ملازمة الصلوات، وكان كثير الصوم والصلاة والأوراد، ولا يفطر إلى بعد العشاء الآخرة، ويصلى من المغرب إلى العشاء الآخرة ولا يكلم أحدا من الناس. هبة الله (¬٤) بن عبد الله بن سيد الكل، القاضى أبو القاسم بهاء الدين القفطى بفتح القاف - نسبة إلى قفط بلدة بصعيد مصر. مولده بها سنه ستمائة، وقبل سنة إحدى وستمائة، وتولى قضاء إسنا والتدريس بالمدرسة العزية، وكانت إسنا مشحونة بالرافضة، فقام فى نصرةالسنة، وأصلح الله به خلقا، وهمت الرافضة بقتله فحماه الله منهم، وترك القضاء أخيرا، واستمر على العلم والعبادة، وكان فقيها فاضلا، متعبدا زاهدا خيرا، مشهورا، تفقه على المجد القشيرى، وقرأ الأصول على شمس الدين الأصبهانى بقوص، وسمع من ابن الجميزى، وصنف فى الرد على الرافضة كتابا، وانتهت إليه رئاسة العلم فى إقليمه، وشرح الهادى فى الفقه، وله تفسير لم يكمله، ومات بإسنا فى هذه السنة، ودفن بالمدرسة المجدية. الأمير عز الدين أيبك (¬١) الموصلى نائب السلطنة بالفتوحات (¬٢). توفى فيها، وسير إليها عوضه سيف الدين كرد أمير آخور فأقام برهة واتفقت وقعة حمص على ما نذكره، فقتل فيها، فسير عوضا عنه سيف الدين قطلوبك (¬٣) على ما سيرد (¬٤). الأمير عز الدين طقطاى (¬٥) الأشرفى.كان قد تقدم وكبرت منزلته وأخذ منية بتى خصيب دربستا كما كانت للأمير بدر الدين بيسرى، (¬١) توفى فيها. الأمير شمس الدين محمد بن سنقر الأقرع، توفى فيها. الأمير سيف الدين كيكلدى ابن السرية، توفى فيها. الأمير عين الغزال، توفى فيها. الأمير قطباى والأمير طقطاى ماتا مسقيين فى هذه السنة. الأمير علم الدين سنجر (¬٢)، من أمراء دمشق. توفى فيها من أثر جرح أصابه فى حصار القلاع، (¬٣) وكان من الأمراء الناصرية، مشهورا بالشجاعة والفروسية [١٦٣] والإقدام فى الوقائع، وله طبقة عالية فى سماع الحديث. الأمير سيف الدين اسنبغا من أمراء حلب. مات فى هذه السنة من أثر جراحات حصلت له فى الحصار. الأمير شمس الدين سنقر التكريتى (¬٤) المعروف بأستاذ الدار الملك السعيد.مات فيها من أثر جراحات أصابته. الأمير سعد الدين كوجبا (¬١) الناصرى من أكابر الأمراء الناصرية من أمراء مصر. توفى فيها (¬٢) وكانت له مباشرات (¬٣) بإسكندرية ومصر. الأمير سيف الدين بلبان (¬٤) الفاخرى نقيب الجيوش. كان رجلا خيرا، وكان فى أول أمره مشغولا بلذات الدنيا، وتوفى على توبة وخير. الأمير علم الدين طرطش (¬٥) الصالحى. كان من الأمراء الصالحية الفرسان المشهورين بالشجاعة والإقدام والكرم والفتوة، وكانت له كلمة مسموعة عند الملوك وسمعة فى البلاد، مات فى هذه السنة. الأمير شمس الدين سنقر (¬٦) المساح.كان من الأمراء الأعيان المشهورين بالشجاعة والإقدام فى الحروب والحصارات، وكان السلطان الملك المنصور يجعله كل سنة مقابل حصن عكا، وكان يقع له مع صاحب عكا وفرسانه وقائع كثيرة، وينصر هو عليه، ومازال المنصور يعظمه ويستشيره فى سائر أموره ويحترمه حتى أنه كان يركب إلى جانبه فى المواكب وغيرها. الأمير نوروز، (¬١) أتابك قازان ملك التتار. أوقع به قازان فى هذه السنة وقتله، وكان سببه أنه هم بإعدامه فأحس نيروز (¬٢) بذلك، فكاتب الملك المنصور لاجين بأنه يقصد الانحياز إليه، والتمس منه تجريد عسكر ليساعده عليه، فوقعت كتبه فى يد قازان، فأرسل إلى نائبه قطلوشاه يأمره بأن يجرد جيشا فى طلبه، وأمره بأن متى وقع له يوقع به، فلما أحس نوروز بذلك التجأ إلى صاحب هراة وهو فخر الدين بن شمس الدين كرت صاحب سجستان، فقبض على نوروز وسلمه إلى قطلوشاه، فقتله، ثم قتل قازان أخويه فيما بعد فى بغداد وهما حاجى ولكزى، وأوقع بأكثر ألزامه، وقتل القاصد الواصل إليهم بالكتب من مصر.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت، والخليفة: الحاكم بأمر الله العباسى. وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك المنصور لاجين، ونائبه بمصر مملوكه سيف الدين منكوتمر. وقاضى القضاة الشافعى: الشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد. وقاضى القضاة الحنفى: حسام الدين الرازى. وأما نائب الشام فكان: سيف الدين قفجق، ولكنه قد هرب إلى قازان كما ذكرنا قضيته فى السنة الماضية، وكان قد استناب فى الشام عوضه الأمير سيف الدين جاغان، ولما اتفق قتل لاجين على ما نذكره وثب عليه قرا أرسلان أحد أمراء دمشق فمسكه وسجنه على ما ذكرناه مفصلا. وأما نائب حلب فانه: سيف الدين بلبان الطباخى.
  • full passagepage 1341, entry [394]15,057 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ نظام الدين أحمد (¬١) بن الشيخ جمال الدين محمود بن أحمد بن عبد السلام الحصيرى (¬٢) الحنفى، مدرس النورية (¬٣). توفى فى ثامن المحرم منها، ودفن يوم الجمعة تاسعة بمقابر الصوفية، (¬٤) كان مفتيا فاضلا، وناب فى الحكم فى وقت عن قاضى القضاة حسام الدين، ودرس بالنورية بعد أبيه،
    ▸ expand full passage (15,057 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ نظام الدين أحمد (¬١) بن الشيخ جمال الدين محمود بن أحمد بن عبد السلام الحصيرى (¬٢) الحنفى، مدرس النورية (¬٣). توفى فى ثامن المحرم منها، ودفن يوم الجمعة تاسعة بمقابر الصوفية، (¬٤) كان مفتيا فاضلا، وناب فى الحكم فى وقت عن قاضى القضاة حسام الدين، ودرس بالنورية بعد أبيه، ودرس بعده بها الشيخ شمس الدين ابن الصدر سليمان (¬٥) فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من محرم. الشيخ الإمام العالم الزاهد جمال الدين أبو (¬٦) عبد الله محمد (¬٧) بن بن سليمان بنالحسن بن الحسين البلخى المقدسى الحنفى، [المعروف بابن النقيب (¬١)]. مولده فى نصف شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة بالقدس، واشتغل بالقاهرة، وأقام مدة بجامع الأزهر، ودرس فى بعض المدارس [١٨٧] هناك، ثم انتقل إلى القدس الشريف فاستوطنه حتى مات فى المحرم منها، كان فاضلا فى التفسير، له فيه مصنف حافل كبير جمع فيه خمسين مصنفا من التفاسير، وكان الناس يقصدونه للزيارة بالقدس ويتبركون بدعائه. الشيخ أبو يعقوب (¬٢) المغربى المقيم بالقدس الشريف. كان الناس يجتمعون به وهو منقطع بالمسجد الأقصى، وكان ابن تيمية يقول فيه أنه على طريقة ابن عربى وابن سبعين، وكانت وفاته فى المحرم منها. القاضى شهاب الدين يوسف (¬٣) بن الصاحب محيى الدين بن النحاس، أحد رؤساء الحنفية، ومدرس الريحانية والظاهرية.وقد ولى نظر الخزانة والجامع فى وقت، وكان صدرا كبيرا كافيا، توفى ببستانه بالمزة فى الثالث عشر من ذى الحجة، ودرس بعده بالريحانية القاضى جلال الدين بن حسام الدين. الصاحب الكبير الصدر الوزير تقى الدين توبة (¬١) بن على بن مهاجر بن شجاع ابن توبة الربعى التكريتى (¬٢). ولد سنة عشرين وستمائة يوم عرفه بعرفه، وتنقل فى الخدم إلى أن وزّر بدمشق مرات عديدة (¬٣) حتى كانت وفاته ليلة الخميس الثامن من جمادى الآخرة، وصلى عليه غدوه بالجامع وسوق الخيل، ودفن بتربته تجاه دار الحديث الأشرفية بالسفح، وكان فى مبدأ أمره تاجرا يتردد من بغداد إلى بلاد الروم ودياربكر والجزيرة، فلما أخذ التتار بغداد قدم إلى دمشق واستوطنها، وضمن الوكالة فى الأيام الظاهرية، وبقى على ذلك إلى أوائل الدولة المنصورية، وكان قد خدم الملك المنصور قلاون فى الدولة الظاهرية والسعيدية وأقرضه ستين ألف درهم بلا فائدة، فلما تولى السلطنة حل عنه الضمان وأطلق له ما كان عليه مكسورا، وكان يقارب مائة ألف درهم، ورسم له بمباشرة الخزانة بدمشق أولا، ثم رتبهبعد ذلك وزيرا بالشام، وتوزر لخمس ملوك: المنصور، والأشرف، والعادل كتبغا، والمنصور لاجين، والناصر محمد، وكان من أرباب المروءات والمكارم، وحسن الأخلاق والمداراة، والهمة العالية. الصدر الكبير الرئيس الصاحب أمين الدين أبو الغنائم سالم (¬١) بن محمد بن سالم بن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صرصرى (¬٢) التغلبى. كان أسن من أخيه نجم الدين بن صرصرى، وقد سمع الحديث وأسمعه، وكان صدرا معظما، ولى نظر الدواوين ونظر الخزانة، ثم ترك المناصب وحج وجاور بمكة، وقدم إلى الشام فأقام بها دون السنة، وكانت وفاته يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذى الحجة، ودفن بتربتهم بالسفح. القاضى جلال الدين (¬٣) عثمان بن أبى بكر بن محمد النهاوندى. قاضى صفد وأعمالها، وكان قاضيها منذ فتحها الملك الظاهر، (¬٤) وكان شكلا حسنا مهيبا، مات فى هذه السنة.الصدر الكبير الرئيس زين الدين (¬١) محمد بن أحمد بن محمود العقيلى القلانسى. مات فى هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، وكان شيخا حسنا من الكتاب المتصرفين العقلاء، وهو والد الشيخ جلال الدين، والشيخ عز الدين (¬٢) المحتسب بدمشق وناظر الخزانة. الشيخ الإمام العلامة حجة العرب بهاء الدين (¬٣) محمد بن إبراهيم، المعروف بابن النحاس الحلبى النحوى. مات بالقاهرة، (¬٤) ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الملك العادل [١٨٨] زين الدين كتبغا، ومولده فى سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب، وانتقل منها إلى القاهرة واستوطنها، ومات فى جمادى الأولى منها، كان إماما فى العربية يشار إليه فى عصره، وكان عنده مروءة وحسن خلق وكرم نفس، وله نظم كثير، فمنه قوله:إنى تركت لذى الورى دنياهم … وظللت أنتظر الممات وأرقب وقطعت فى الدنيا العلائق ليس لى … ولد يموت ولا عقار يخرب وله فى مليح مشروط: قلت لما شرطوه وجرى … دمه القانى على الخدّ اليقق غير بدع ما أتوا فى فعلهم (¬١) … هو بدر ستروه بالشّفق وقال: اجتمعت أنا والشيخ شهاب الدين مسعود السنبلى والضياء المناوى، فأنشد كل بيتين من شعره، فكان الذى أنشده السنبلى قوله فى مليح مكارى: علقته مكاريا … شرّد عن عينى الكرى كأنه البدر فما (¬٢) … يملّ من طول السّرى وقال الضياء المناوى: أفدى الذى يكبت بدر الدّجى … لحسنه الباهر من عبده سموّه جمريّا وما أنصفوا … ما فيه جمرىّ سوى خدّه وأنشد الشيخ بهاء الدين البيتين اللذين أنشدهما فى المليح المشروط. وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان ﵀: كنت أنا والشيخ بهاء الدين بن النحاس نتمشى بالليل بين القصرين فرأينا صبيا مليحا يسمى جمال وهو مصارع، فقال الشيخ شهاب الدين: تعال حتى ننظم فى هذا المصارع: فنظم الشيخ بهاء الدين فيه:مصارع تصرع الآساد سمرته … تيها فكلّ مليح دونه همج لما غدا راجحا فى الحسن قلت لهم … عن حسنه حدّثوا عنه ولا حرج ونظم الشيخ أثير الدين: سبانى جمال من مليح مصارع … عليه دليل للملاحة واضح لئن عزّ منه المثل فالكلّ دونه … وإن خفّ منه الخصر فالردف راجح قال الشيخ أثير الدين وسمع شهاب الدين العزازى بنظمنا فنظم: هل حكم ينصفنى من هوى (¬١) … مصارع يصرع أسد الشّرى [مذ فر منى الصبر فى حبه … حكى عليه مدمعى ما جرى] (¬٢) أباح قتلى فى الهوى عامدا … وصاح كم (¬٣) من عاشق فى الورى رميته فى أسرحبى ومن أج … فان عينيه أخذت الكرى الشيخ جمال الدين أبو الدر ياقوت (¬٤) بن عبد الله المستعصمى الكاتب ببغداد.مات فى هذه السنة، وكان يكتب على طريقة ابن البواب، وهو من المشهورين فى الكتابة والفضيلة والنظم وغير ذلك، وأصله رومى من مماليك الإمام المستعصم، كتب عليه خلق من الأكابر والكتاب. ومن نظمه ما ذكره علم الدين البرزالى، قال أنشدنى أبو شامة، قال أنشدنى ياقوت المستعصمى لنفسه: تجدّد الشمس شوقى كلّما طلعت … إلى محيّاك يا شمسى ويا قمرى (¬١) [١٨٩] وأسهر الليل (¬٢) … ذا أنس بوحشته إذ طيّب ذكرك فى ظلمائه سمرى (¬٣) وكل يوم مضى (¬٤) … لى لا أراك به فلست محتسبا ماضيه من عمرى ليلى نهار (¬٥) … إذا ما درت فى خلدى لأن ذكرك نور القلب والبصر وله: يا خليلى والمنى كاذبة … والليالى شأنها ان تسلبا قم بنا ما قعدت حادثة … نقض من حق الصبا ما وجبا نعص من لام على دين الهوى … هذه سنّة أيام الصّباوقال: رعى الله أياما تقضت بقربكم … قصارا وحيّاها الحيا وسقاها فما قلت إيه بعدها لمسامر … من الناس إلاّ قلبى أها وقال: وعدت أن تزور ليلا فألوت … وأتت فى النهار (¬١) تسحب ذيلا قلت هلاّ صدقت فى الوعد قالت … هل توهّمت أن ترى الشّمس ليلا الشيخ شرف الدين أبو محمد جعفر (¬٢) بن على بن جعفر بن الحسن بن إبراهيم ابن على بن النفيس بن يونس الموصلى المقرئ، المعروف بأبى الحسن البصرى لأن جده الحسن من البصرة. مات بدمشق فى العشرين من جمادى الأولى، ودفن بمقابر الصوفية، ومولده فى السادس عشر من ذى القعدة سنة أربع وستمائة، ذكر أنه سمع على الشيخ شهاب الدين السهروردى كتاب عوارف المعارف بالموصل، وسمع بدمشق من ابن الزبيدى، وبمصر من ابن الجميزى، وبالإسكندرية من ابن رواح، وكان شيخا حسنا صالحا، يحفظ كثيرا من الأخبار والأشعار. كتب عنه الحافظ أبو محمد الدمياطى فى معجمه قال: أنشدنا جعفر بن على بدمشق قال: أنشدنى أخى أبو محمد عبد العزيز بن على بن جعفر الفقيه الحنفى لنفسه:حدّث عن الوجد لا شطّت بك الدار … واسمع فنون غرامى فهى اسمار واستمل منى غريب الحبّ إن له … عندى حديثا يقضى منه أوطار كم ليلة بتّ والأشواق تمزج لى … كأس الغمام ولى بالفكر سمّار والدمع والوجد والواشى ومصطبرى … واف ونام ونمام وغدّار إن اخلف البرق من لألاء غرتّه … أو غرنى فى الهوى فالنجم غرّار أو ملّ سكناه فى قلبى وفى بصرى … فالقلب والطرف نيران وتيار ذنوبه كلها بالعدل قد كتبت … فالوجد يمحو وفرط الحبّ عقاّر وإن خبر الهجر والإعراض عن ملل … قامت له بالهوى العذرىّ أعذار الشيخ الفاضل الإمام بدر الدين يونس (¬١) بن إبراهيم بن سليمان الصرخدى الحنفى. مات بصرخد (¬٢)، ومولده فى سنة أربع عشرة وستمائة، كان فاضلا أديبا، مليح الشعر، شريف النفس، عارفا بالنحو واللغة. كتب عنه ابن الخباز قطعة من شعره منها: ظمئت إلى سلسال حسنك مقلة … رويت محاجرها من العبرات تشتاق روضا من جمالك طالما … سرحت به وجنت من الوجنات[١٩٠] حجبوك عن عينى وما حجبوك عن … قلبى ولا منعوك من خطراتى هل ينقضى أمر البعاد ونلتقى … بلوى المحصّب (¬١) أو على عرفات ويضمّنا بعد البعاد منازل … بالخيف أو منى على الجمرات وأفيق من ولهى عليك وينقضى (¬٢) … شوقى إليك وتنطفى جمرات (¬٣) الملك الأوحد نجم الدين يوسف (¬٤) ابن الملك الناصر داود بن المعظم، ناظر القدس الشريف. توفى ليلة الثلاثاء الرابع من ذى الحجة، ودفن برباطه عند باب حظة من سبعين سنة، (¬٥) وكان من خيار أبناء الملوك دينا وفضيلة، وإحسانا إلى الضعفاء، وروى عنه الحافظ شرف الدمياطى فى معجمه، وكتب عنه حديثا واحدا. الأمير شمس الدين بيسرى، (¬٦) من أكابر الأمراء المتقدمين فى الخدمة فى زمن المنصور وهلم جرّا.توفى بالسجن بقلعة القاهرة فى التاسع عشر من شوال منها، وما قبض إلا خوفا منه لكبره وموقعه فى نفوس الناس، وكان كريما، كان عليه فى أيام إمرته رواتب لجماعة من مماليكه وأولادهم، وكان رتب لبعضهم فى اليوم من اللحم سبعين رطلا (¬١) وما يحتاج إليه من التوابل والحطب، وسبعين عليقة، (¬٢) ولأقلهم خمسة أرطال وخمس علائق، ولبعضهم عشرة، ولبعضهم عشرين، وبلغ ما يحتاج إليه فى كل يوم لسماطه ودوره والمرتب عليه ثلاثة آلاف رطل لحم، وثلاثة آلاف عليقة كل يوم، وكانت صدقته على الفقير ألفا أو خمسمائة، (¬٣) ولا يعطى أقل من ذلك، وكان إنعامه ألف أردب غلّة، وألف قنطار عسل، وألف دينار، وكان الملك الظاهر يقول عنه: هذا ابن ملكنا فى بلادنا، وكان يعظمه، وما بدا منه شئ قط، وكان يحمل الجتر على رءوس الملوك من زمان الظاهر إلى حين وفاته. وكان عمر داره المعروفة ببين القصرين (¬٤) فى أيام الظاهر، وتجاوز الحد فى عمارتها فى كثرة المصروف من الذهب، وكان فى تلك الأيام لا يعرف لأحد من الأمراء عمارة مع كبرهم وسعادتهم، فلامه الظاهر على ذلك وقال له:أصرفت مالك جميعه فى عمرة دارك وما خليت للبيكار (¬١). فقال: خليت للبيكار صدقات مولانا السلطان، والله يا خوند (¬٢) ما عمرت هذه الدار حتى سمع بها من بلاد العدو. ويقال: إن بعض مماليك السلطان عمر دارا غرم عليها أموالا عظيمة، فرسم له بألفى دينار (¬٣) إعانة له. ولم يعرف أنه شرب من كوز مرتين، وكان من أحسن الأشكال والفرسان المشهورين، وتوفى وعليه ديون كثيرة، وفيت عنه بعد وفاته، ﵀. الأمير عز الدين أيدمر الجناحى. مات بحلب وكان مع العسكر المجردين، وكان يتهم بذهب كثير، فلم يظهر له خير. وقال أستاذ الدار وكاتبه: كنا نعرف له صندوقين فيهما ذهب وجواهر، ولما كان ساكنا بالصالحية أودعهما عند أولاد الحافظ عبد الغنى (¬٤) ولم نعلم لهما خبرا، فأحضر أولاد الحافظ عبد الغنى وجماعة معهم بهذا السبب، فظهر أن الأمير عز الدين قد أخذ الصندوقين منهم وأودعهما عند فخر الدين العزازى التاجر بقيسارية الشرب، ولم يطلع على ذلك غير الأمير [١٩١] وخزنداره، وكان قال لخزنداره إكترلنا جملا ممن لا نعرف، وقم نصف الليل، وحمل الصندوقين على الجمل وامض بهما إلى فخر الدين العزازى، ففعل الخزندار ذلك وقال له: هذهوديعة الأمير عندك إلى أن يعود من التجريدة، ثم مات الأمير وخزنداره. وقيل: إنه سقى سما. ولما رأى فخر الدين أن أولاد الحافظ عبد الغنى وجماعة آخرين قد اتهموا بهذا وهم بريئون، نهض واجتمع بالأمير سيف الدين جاغان - وهو يومئذ شادّ الدواوين - وأخبره أن عنده صندوقين وديعة الأمير عز الدين أيدمر الجناحى الذى توفى بحلب، فقال له جاغان: جزاك الله خيرا أين الصندوقان؟ قال: عندى، فجهز معه العدول ووكيل بيت المال وحملوهما، فكان فيهما من الذهب العين المصرى ثلاثة وثلاثون ألف دينار وحلى وحوائص وكلوتات وكمرانات أكثر من ثلاثين ألف دينار، فعظم فخر الدين فى أعين الناس بذلك الأمر. الأمير شمس الدين كرتيه (¬١). مات فى هذه السنة بغزة، ودفن بها، وكان أميرا كبيرا، شجاعا مقداما، تترى الجنس. الأمير بدر الدين (¬٢) الدوادارى يعرف بالمغربى، كان أصله من المغرب، وعمل دوادارا للسلطان لاجين، وكان على عمارة جامع أحمد بن طولون، وكانت له معرفة وخبرة، ومن غريب ما اتفق له أن كاتب السر القاضى شرف الدين ابن فضل الله كان قد مرض وانقطع أياما؛ فأمر السلطان للدوادارى هذا أن ينزل إليه ويسلم عليه من جهة السلطان، فنزل إليه فوجده على غاية ما يكون من الضعف،فرجع إلى السلطان. فقال له السلطان: ما رأيت من حاله؟ فقال يا خوند: ابصر كاتب سر (¬١) غيره فإنه ما يجى منه شئ، وبعد سبعة أيام توفى الدوادارى وطلع كاتب السر وسلم على السلطان وعزاه فى الدوادارى، فتعجب السلطان من أمره وقال: لا إله إلا الله كان الدوادارى يريد (¬٢) أن يعزينا فى كاتب السر، فعزانا كاتب السر فيه. الأمير بهاء الدين قرا أرسلان (¬٣) المنصورى. مات بدمشق فى هذه السنة، وكان من أكابر الأمراء المنصورية، ولما مسك سيف الدين جاغان بدمشق مع من مسك من الأمراء، لما قتل السلطان لاجين ركب قرا أرسلان هذا فى موكب النيابة والعصابة على رأسه، وحكم وكتب على القصص، وسولت نفسه أن يكون نائبا مستقلا، وأن الأمراء لا يستكثرون نيابة دمشق عليه لأنه كان يدعى أنه أحق من بيبرس وأقوش الأفرم والبرجية، ولم تطل مدته، وتوفى (¬٤) بقولنج أصابه. الأمير سيف الدين تمربغا (¬٥). مات فى هذه السنة، بطرابلس، وكان من الصور المبدعة فى الحسن والجمال، وكان السلطان لاجين من الناظرين إليه، فحسده منكوتمر على ذلك واختاربعده عنه، فسيره صحبة الملك الناصر إلى الكرك، ثم نقله من بعد ذلك إلى طرابلس فتوفى بها (¬١). وقال صاحب النزهة: كان فى الكرم والفتوة والمكارم السنية على جانب عظيم، وكان يميل إلى اللهو والطرب، مولعا بالشراب. قال: والذى شاهدت من كرمه [١٩٢] أن السلطان أنعم عليه ليلة سفره بألف دينار، فحضرت مجلسه تلك الليلة فرأيته مغمرا بالطيّب، والبليبل شاعر السلطان ومغنّيه جالس عنده، فصار يغنى والذهب مسكوب بين يديه، فشرع يفرقه على من حضر فى مجلسه هذا، فأعطى المغنى المذكور ورفقته أكثر من غيرهم، وكان له بابا يخدمه من قديم الزمان، فقال له: أنت قد كبرت ولا تقدر تجئ معنا، فأعطى له ثلاثماثة دينار. قال: وأعطانى تسعين دينارا، ﵀. الأمير جمال الدين أقوش (¬٢) المغيثى، نائب البيرة (¬٣). توفى فى هذه السنة، وكان كبير القدر، فارسا، شجاعا مقداما، أقام فى البيرة نائبا نحو أربعين سنة.الملك المظفر تقى الدين محمود (¬١) بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وابن ملوكها كابرا عن كابر. توفى يوم الخميس الحادى والعشرين من ذى القعدة منها ودفن ليلة الجمعة، وكانت مدّة ملكه خمسة عشر سنة وشهرا واحدا ويوما واحدا، وانقطع ملك بنى أيوب من حماة بموته، وتولاها بعده قراسنقر المنصورى (¬٢) إلى أن ردت إليهم فى سلطنة الناصر الثالثة. نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الأفضل على بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، مات بدمشق فى الرابع عشر من ذى الحجة منها. وممن توفى فى هذه السنة بحلب وغيرها (¬٣): الأمير سيف الدين البسطى، وأحمد شاه، وناصر الدين [محمد (¬٤)] بن سنقر الأقرع، وعين الغزال، وبدر الدين كيكلدى بن السرية، وسيف الدين قطبية، وسيف الدين طقطية (¬٥)، وقيل:إن طقطيه توفى بمصر فى سمنود بلده، وذلك أنه كان قد أخذ دستورا وسافر إليها وأقام بها أياما، وأن منكوتمر سير إليه من تحيل على طباخه حتى سمه فى الطعام، فأحس بالوجع ونزل فى الحراقة وما وصل إلا وقد توفى. وهؤلاء كانوا من أمراء الدولة الأشرفية تحيل منكوتمر على هلاكهم، بعضهم بالسم فى القمز، وبعضهم فى الطعام. ***فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التاسعة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت والخليفة: الحاكم بأمر الله (¬١) العباسى. وسلطان البلاد المصرية والشامية وما يتبعها من الممالك: الملك الناصر محمد (¬٢) بن قلاوون، ونائبه بمصر: سيف الدين سلار (¬٣)، ونائب الشام: جمال الدين أقوش (¬٤) الأفرم، ونائب حلب: سيف الدين بلبان (¬٥) الطباخى. واستهلت هذه السنة والسلطان مسافر إلى جهة الشام كما ذكرنا (¬٦)، فإنه خرج بعساكره من القاهرة فى الرابع والعشرين من ذى الحجة من السنة الماضية، ولماوصل إلى غزة أقام عليها مقدار شهرين لأجل التجهيز والتهيؤ (¬١) للتتار (¬٢)، وقد ذكرنا ما جرى من أمور الأويراتية والعسكر مع السلطان على غزة، وكانت قضيتهم على منزلة تل العجول كما ذكرنا (¬٣)، ثم رحل السلطان ونزل على عسقلان، ثم رحل من عسقلان متوجها إلى الشام، ودخل دمشق يوم الجمعة الثامن من ربيع الأول من هذه السنة، ونزل بالقلعة. وكان يوم دخوله مطر شديد ووحل كثير، ثم شرع فى الإنفاق على العساكر والخروج إلى لقاء التتار. وفى يوم السبت ثانى يوم دخول السلطان دمشق، ورد [١٩٣] جمال كثيرة وقفول وخلق كثير، أولا فأولا، جافلين من أخبار التتار. وورد مملوك نائب حلب ونائب طرابلس وصاحب حماة وأخبروا (¬٤) بقدوم العدوّ. وأنه وصل إلى شاطئ الفرات، وأخبروا أنهم فى عسكر عظيم، ولما تحققوا ذلك اتفق رأيهم على النفقة فى العسكر، ودارت النقباء وعرّفوا سائر الأمراء والأجناد. وأصبحوا جالسين فى الميدان، وشرعوا فى تفريق النفقات، وسيروا لكل أمير مقدّم ألف نفقة مضافية وكان كل واحد منهم يطلب مضافية ويفرق عليهم ما أرسلوه إليه من النفقة، وكان لكل جندى منهم ثلاثين [أو] (¬٥) أربعين دينارا مصرية (¬٦). وكان واحد منهميأخذ النفقة من يده ويقلبها ويقول: إش (¬١) أشترى اليوم بهذا؟، فو الله لأخليها حتى يأخذها التتار. فإن الأشياء من سائر الأصناف تحسنت وغلت جدّا خصوصا الدواب وآلات الحرب، وكان الجندى منهم يقول: إش بقى إما ثلاثة أيام أو أربعة أيام؟، فنحن أحق بالذى نشترى به، ومنهم من كان يقول: لعن الله من ينظر إلى فرجة العدو، فوقع فى نفوس الناس الخذلان والانكسار سلفا وتعجيلا (¬٢).
  • full passagepage 1525, entry [431]7,687 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح حسن الكردى (¬١) المقيم بالشاغور فى بستان يأكل من غلته، ويطعم من ورد عليه، وكان يزار، وكانت له كرامات وأحوال، ولما احتضر اغتسل وأخذ من شعره، واستقبل القبلة وركع ركعات، ثم توفى يوم الإثنين الرابع من جمادى الأولى منها وقد جاوز المائة، وصلى عليه بجامع جراح، ودفن
    ▸ expand full passage (7,687 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الصالح حسن الكردى (¬١) المقيم بالشاغور فى بستان يأكل من غلته، ويطعم من ورد عليه، وكان يزار، وكانت له كرامات وأحوال، ولما احتضر اغتسل وأخذ من شعره، واستقبل القبلة وركع ركعات، ثم توفى يوم الإثنين الرابع من جمادى الأولى منها وقد جاوز المائة، وصلى عليه بجامع جراح، ودفن بمقابر باب الصغير. الشيخ يعقوب بن محمد بن حسن الزرزارى الكردى العدوى، توفى فى هذه السنة. الشيخ الإمام العالم العلامة محمود (¬٢) بن أبى بكر بن أبى العلاء الكلاباذى (¬٣) البخارى الفرضى، الملقب شمس الدين، أحد السادات الحنفية. له المصنفات الفائقة فى الفرائض وغيرها (¬٤)، وكان محدثا متقنا فاضلا، حسن الأخلاق، سمع ببخارى وقدم بغداد، فأقام بها يسمع وصنف وكتب، ثم رحل إلى دمشق والقاهرة وسمع بها من أصحاب ابن طبرزد والكندى، وحدّث.قال الذهبى: هو رأس فى الفرائض، عارفا بالحديث والرجال، جم الفضائل، مليح الكتابة، واسع الرحلة، سوّد كتابا كبيرا فى (¬١) مشتبه النسب (¬٢) ونقلت منه كثيرا، وسمع منه الحافظ المزّى وابن سيد الناس وغيرهما. ومولده ببخارى فى مستهل جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وستمائة. وفى تاريخ ابن كثير: توفى بدمشق فى العشر الأول من ربيع الأول سنة سبعمائة (¬٣). وذكر غيره: أنه مات بماردين. الشيخ الصالح المسند عز الدين أحمد (¬٤) بن عبد الحميد بن عبد الهادى بن يوسف بن قدامة المقدمى. كان شيخا مباركا كثير الصلاة والذكر، حسن الخلق، متوددا إلى الناس، سمع جماعة، وحدّث بجميع مسموعاته، مات فى هذه السنة (¬٥) بجبل الصالحية، ودفن بتربة الشيخ موفق الدين بقاسيون. الشيخ عماد الدين القصاص (¬٦)، الفقيه الأحمدى المزمزم.مات فيها (¬١) بزاويته بميدان الحمصى، ودفن بمقابر الصغير، وكان فقيرا حسنا، مليح الشيبة، معروفا مشهورا. الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن أبى بكر عبد الرحمن بن عبد الله الكنجى. جاور بجامع بنى أمية بدمشق أكثر من ستين سنة، وسمع من الزين خالد، والحرستانى، وابن عبد الدايم، وابن البرهان، وكان من الصلحاء الأخيار، كثير الذكر والعبادة، مات فى هذه السنة، وكان قد بلغ تسعين سنة، ودفن بمقابر باب الصغير. الشيخ يوسف (¬٢) بن أحمد بن أبى بكر الغسولى الصالحى الحجار (¬٣). كان قد انفرد بالرواية عن موسى (¬٤) بن الشيخ عبد القادر وبأشياء، ومولده فى سنة اثنتى عشرة وستمائة، ومات فى هذه السنة. الشيخ الصالح عبد الله، المعروف بالفانولة. كان من عقلاء المجانين، وله كرامات ومكاشفات وكان على حاله مسفة من خشونة العيش، مات بمسجد الرفاعة (¬٥) [٢٤٩] العتيقة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون بتربة المولّهين.الشيخ عمار المشرقى المولّه. كانت له كرامات ومكاشفات، وكان يعلق فى رقبته عظام الجمال، مات فى هذه السنة. الشيخ الكبير المعمّر شمس الدين أبو إسحاق إبراهيم (¬١) بن أبى بكر بن عبد العزيز الجزرى الكتبى، المعروف بالفاشوشة، ويعرف أيضا بابن سمعون. كان مشهورا بالكتب ومعرفيها والتجارة فيها، وكانت عنده فضيلة تامّة، ومذاكرة حسنة، ومروءة كثيرة، وكرم نفس، كثير السعى فى حوائج أصحابه. وعلى ذهنه قطعة جيدة من التاريخ وأيام الناس وماجراياتهم. وله نظم حسن، فمنه قوله: وما ذكرتكم إلاّ وضعت يدى … على حشاشة قلب قلّ ما بردا وما تذكرت أياما بكم سلفت … إلا تحدّر من عينى ما بردا (¬٢) وله مخمّس: ولما وقفنا بالقوير وعينه … من الربع قد بانوا وبان قرينه وقد كاد من حزن تدكّ حرونه … بكيت على الوادى ففاضت عيونه ونحت على النادى فمالت غصونهزمانا تذكرت الحمى وأحبتى … ولذة عيش معهم لى تولّت سقيت رياه من سحائب مقلتى … وأحرقت بان الجروع من حرّ رذى فأسهله مسوده وحزونه وكيف يطيق الغمض أو يعرف الكرى … محبّ جرى من جفن عينيه ما جرى ويؤلمه مسّ النسيم إذا سرى … وإنى امرء أضحى من السقم لا يرى ولا يعرفون الناس إلاّ أنينه سألتكم بالله يا ساكنى قبا … صلوا مغرما أمسى حزينا معذّبا سوى حبكم لم يتخذ قط مذهبا … يحنّ اشتياقا كلما هبّت الصبا وتبكيه شجوا سرب سلع وعينه له مهجة ذاب بطول عنائها … وأجفانه قد فرّجت من دمائها رحلتم فأضحى ذاهب العقل تائها … وما جادت السحب العوادى بمائها سل الذى جادت عليكم جفونه لقد شمتت من بعد بعدكم العدا … وقد بان يوم البين طرفى مسهدا فرقوا الصبّ بالسقام قد ارتدى … تهيّجه نوح الحمام إذا شدى ويعلقه وجدانه وحنينه غدا يوم وشك البين فى زىّ حابر … يسائل عنكم كل عاد سائر حكمتم عليه فى الهوى حكم جائر … ولولاكم ما هاجه نوح طاير ولا فاض من أجل الظبا عيونهألا أيها الحادى المحث لركبه … إذا جزت فى وادى الأواك وكثبه فقل للظبا الراتعات بسربه … لكل محبّ فنّ وجد يحبّه وصبّكم فيكم كثير فنونه مات بدمشق فى التاسع عشر من رجب منها، ودفن بسفح قاسيون، ومولده سنة اثنتين وستمائة بالجزيرة العمريّة. الشيخ أبو جلنك أحمد (¬١) بن أبى بكر الحلبى، الشاعر المشهور. كان بقلعة حلب أيام وصول التتار إليها، فنزل هو وجماعة للكشف والإغارة على التتار، فوقعت نشابة فى فرسه فمات وبقى راجلا، فأسروه وأحضروه بين يدى المقدم، فسأله عن عسكر المسلمين فكثّرهم ورفع شأنهم، فأمر بقتله، فقتل. ومن نظمه قوله: أتى العذار بماذا أنت معتذر … وأنت كالوجد لا تبقى ولا تذر [٢٥٠] لا عذر يقبل إذ نم (¬٢) … العذار ولا ينجيك من شرّه خوف ولا حذر (¬٣) كأننى بوحوش الشعر قد أنست (¬٤) … بوجنتيك وبالعشاق قد نفرواوكلما مرّ بى مرد أقول لهم … قفوا (¬١) انظروا وجه هذا الحرّ و (¬٢) اعتبروا هذا الذّى قد سرت يا صاحبىّ له … بقبح سيرته بين الورى سير قد كان شكلا نقى الخد معتدلا … كأنه غصن بان فوقه قمر ذا حمرة وبياض فوق وجنته … لها اجتماع بطرف زانه الحور وحكمه نافذ فى عاشقيه فلا … يخالفون له أمرا إذا أمروا فعاد لحيان فانفلّ الجماعة إذ … رأوا طريقا إلى السلوان وانتصروا وعاد فى قبضهم لا شكر (¬٣) … جودلة الأفراح والدمع من عينيه منهمر يبكى على ما مضى من حسنه اسفا … وعسكر الشعر من خدّيه معتكر لا يستطيع له ردّا وكم حرصوا … بردّ ذلك أقوام فما قدروا فهذه الموتة الأولى تجرّعها … فصار أولى من الدنيا به الحفر فاقرأ على نعشه آخر سبأ فلقد … جاءت بما يقتضى أحواله السور إذ كان حاحبه نونا وناظره صادا … وعشّاقه من حوله زمر إذا رأى عاشقا فى النازعات غدا … ما بعدها وهو قد أودى به الضرر فعاد والليل يغشى نور طلعته … وزال عن عاشقيه الهم والحصر هذا جزاؤك يا من لا وفاء له … والعاشقون لهم طوبى بما صبروا (¬٤)وله: جعلتك المقصد الأقصى وموطنك ال … بيت المقدّس من روحى وجثمانى (¬١) وقلبك الصخرة الصّماء حين قست … قامت قيامة أشواقى وأشجانى أما إذا كنت ترضى أن تقاطعنى … وأن يزورك ذا زور وبهتان فلا تغرك (¬٢) … نار فى حشاى فمن وادى جهنم تجرى عين سلوان ولآخر ألطف من هذا: أيا قدس حسن قلبه الصخرة التى … قست فهى لا ترثى لصبّ متيّم ويا سولى الأقصى عينى باب رحمة … ففى كبد المشتاق وادى جهنم ولأبى جلنك المذكور فى مليح يصفع عاشقه: وشادن يصفع مغرى به … براحة أندى من الوابل فصحت فى الناس: ألا فاعجبوا … بحر غدا يلطم فى الساحل (¬٣) الأمير عز الدين أيدمر (¬٤) الظاهرى، الذى كان نائب الشام فى الأيام الظاهرية.مات برباطه بالجبل (¬١) ودفن به، وكان رجلا كبير للقدر، شجاعا مقداما، كريم النفس، وكانت له جماعة من المماليك [٢٥١] أمراء، فمن جملتهم الأعسر وأيدمر النقيب وآخرون. الأمير عز الدين محمد (¬٢) بن أبى الهيجاء الهمدانى الإربلى متولى دمشق. كانت لديه فضائل كثيرة فى التاريخ والشعر، وربما جمع شيئا من ذلك، قيل: جمع مجلدا ابتدأ فيه من النبى ﵇ إلى وقعة قازان، وكان يسكن درب سعود فعرف به. فيقال: درب بن أبى الهيجاء. وقال ابن كثير: وهو أول منزل نزلناه حتى قدمنا دمشق فى سنة ست وسبعمائة (¬٣). وكانت وفاة ابن أبى الهيجاء فى طريق مصر بالسّوادة، ونقل إلى جبل قاسيون، فدفن به، ومولده سنة عشرين وستمائة بإربل، ومات وله ثمانون سنة، وكان مشكور السيرة، حسن المحاضرة. الأمير جمال الدين أقوش (¬٤) الشريفى، والى الولاة بالبلاد القبلية. وتولى نيابة الصلت أيضا، توفى فى شوال منها، وكانت له هيبة وسطوة.الأمير الكبير سيف الدين بلبان (¬١) السلحدار المنصورى، المعروف بالطباخى. مات بالعسكر على الساحل وهو البيكار الذى خرج فيه السلطان إلى جهة الشام، ودفن عند قبر بنيامين بن يعقوب ﵇، فورثه الملك الناصر بالولاء وصارت إليه أمواله ومماليكه، وكان من أعيان الأمراء وشجعانهم، وأكثرهم مماليك وأصحاب، ولى نيابة السلطنة بحلب مدة، وكانت سيرته فى ولايته حميدة، وكان قليل الأذى، كان إذا غضب على أحد يكون عقوبته البعد عنه من غير ضرب ولا مصادرة. وفى النزهة: كان بلبان هذا اشتراه الحاج إبراهيم أخو جاشنكير الملك المنصور، فرباه وهو صغير، وكان يدخل مع أستاذه يحمل سرموحته عند قلاون وهو أمير، فرآه فطلبه منه وأخذه، وعوضه عن ثمنه ثلاثة آلاف درهم، واستمر عنده إلى أن تسلطن قلاون وكان من أمره ما كان. الطواشى صفى الدين جوهر (¬٢) التفليسى المحدث. اعتنى بسماع الحديث وتحصيل الأجزاء، وكان رجلا جيدا، مباركا صالحا، ووقف أجزاءه (¬٣) التى ملكها على المحدثين، مات فى هذه السنة، ﵀.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الحادية بعد السّبعمائة (¬*) استهلّت هذه السنة: والسلطان هو: الملك الناصر، والخليفة هو: الحاكم بأمر الله العباسى، ونوّاب البلاد والقضاة وهم المذكورون قبلها.
  • full passagepage 1577, entry [445]8,783 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العامل شرف الدين أبو الحسين على (¬١) بن الشيخ الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن أبى الحسين بن عبد الله بن عيسى ابن أحمد بن محمد بن محمد اليونينى البعلبكى. وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين، وولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمائة (¬٢)
    ▸ expand full passage (8,783 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم العامل شرف الدين أبو الحسين على (¬١) بن الشيخ الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن أبى الحسين بن عبد الله بن عيسى ابن أحمد بن محمد بن محمد اليونينى البعلبكى. وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين، وولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمائة (¬٢)، تفقه وسمع الكثير، وكان عابدا عاملا، كثير الخشوع، وكانت وفاته أنه دخل فى الخامس من رمضان إلى خزانة الكتب التى بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف وعنده خادمه الشجاع، فدخل عليه فقير اسمه مؤمن المصرى، فضربه بعصى على رأسه ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه فى رأسه، فاتقى بيده فجرحه فى يده، فدخل عليه الناس، وأمسك (¬٣) وحمل إلى متولى البلد وضرب، فصار يظهر الاختلال ويتكلم بكلام غير منتظم، فحبس بعد الضرب الكثير. وأما الشيخ فإنه حمل إلى داره، وأقبل على أصحابه وتحدث معهم على جارى عادته، وأتم صومه، فحصل له حمى واشتد مرضه، فلما كان يوم الجمعه الثانىعشر من رمضان (¬١) مات، وصلى عليه بدمشق وغيرها صلاة الغائب. وقال ابن كثير: ودفن بباب سطحا. الصدر ضياء الدين أحمد (¬٢) بن الحسين، ابن شيخ السلامية. والد القاضى قطب الدين موسى (¬٣) الذى تولى فيما بعد نظر الجيوش الإسلامية الشامية، وفى وقت المصرية أيضا، وكانت وفاته يوم الثلاثاء العاشر من ذى القعدة، ودفن بقاسيون. المسند المعمر الشيخ الجليل بقية السلف شهاب الدين أبو المعالى أحمد (¬٤) بن إسحاق بن محمد بن المؤيد بن على بن إسماعيل بن أبى طالب الأبرقوهى الهمدانى، ثم المصرى. ولد بأبرقوه (¬٥) من بلاد شيراز فى رجب أو شعبان سنة خمس عشر وستمائة، وسمع الكثير من الحديث على المشايخ الكثيرين، وخرجت له مشيخات، وكان شيخا حسنا متيقظا، وكانت وفاته بمكة بعد خروج الحجبج بأربعة أيام، ودفن بالمعلاّ، ﵀.الإمام العالم الكامل الأوحد العلامة شمس الدين أبو الندى معد [٢٦٩] ابن الشيخ الإمام العلامة زين الدين أبى الفتح نصر الله بن رجب، المعروف بابن الصيقل الجزرى. مات بهرمز، وكان فقيها شافعيا، متفننا بعلوم كثيرة، صنف المقامات الزينية خمسين مقامة على منوال الحريرى. الشيخ الإمام العالم الصالح الزاهد العابد مفتى المسلمين ركن الدين عبيد الله (¬١) ابن محمد بن عبد العزيز السمرقندى الحنفى. مات بالمدرسة الظاهرية بدمشق، وجد بالبركة بها ميتا، ولم يعلم حاله، فغسل وكفّن، وصلّى عليه، ودفن بمقابر الصوفية، وكان كثير الصوم والصلاة والاجتهاد فى العبادة، وكان ورده كل يوم مائة ركعة، فلما اتفق له ذلك مسك يحيى قيم دار الحديث الظاهرية وضرب، فاعترف بقتل الشيخ ركن الدين، فشنق على باب الظاهرية فى عاشر ربيع الآخر. الشيخ جمال الدين عثمان (¬٢) بن أحمد بن عثمان بن هبة الله بن أبى الحوافر، المتطبب بالقاهرة. مولده سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان رئيس الأطباء بالديار المصرية، وإليه تنسب الحمام التى بمصر عند الجامع الجديد، مات فى هذه السنة. شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ تاج الدين أبى بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن على بن محمد بن حموية الجوينى.مات فى ربيع الأول بالشميساطية، ودفن بسفح قاسيون عند أخيه، وله من العمر خمسون سنة، وتولى عوضه فى المشيخة قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة. الخطيب علاء الدين على بن الحسن بن عبد الله الشافعى، المعروف بابن الجابى، خطيب جامع جراح ظاهر باب الصغير. مات فى هذه السنة، وكان يقصد لسماع خطبته من حسن صوته، وكان مهووسا بعلم الكيمياء، وتولى مكانه الشيخ شرف الدين الفزارى. الشيخ العالم الصدر وجيه الدين محمد (¬١) بن عثمان بن أسعد بن المنجى الحنبلى. مات بمدرسته دار القرآن بدمشق، ودفن بقاسيون، ومولده سنة ثلاثين وستمائة بدمشق. الشيخ الصالح الزاهد العابد العارف القدوة عيسى بن الشيخ ثروان بن الشيخ محمد بن الشيخ الكبير ثروان التدمرى البيانى. مات بدمشق، ودفن بباب الصغير جوار قبر الشيخ أبى البيان، وكان شيخ البيان، وكان له صيت وقبول تام وكلمة مسموعة، وكان عمره جاوز تسعين سنة. الصدر الكبير الفاضل مجد الدين يوسف (¬٢) بن محمد بن على الأنصارى، المعروف بابن القباقبى.مات بالقاهرة، ودفن بتربة ابن عبد الظاهر، كان فاضلا فى صناعة الترسّل وحساب الديوان، ولّى كتابة الدرج بالفتوحات الطرابلسية (¬١). وله نظم حسن، فمن ذلك قوله فى زهر الباقلاء: عطّر زهر الباقلا الرّبى … فنشره فى الروض منشور لا يعجب الناشق من ريحه … فإنه مسك وكافور وقال وقد وقع بدمشق ثلج عظيم: طمت الثلوج على الوهاد مع الربى … فالكون يعجب منه وهو مفضض فانهض لتجمع شمل أنس مقبل … بلذاذة فاليوم يوم أبيض [٢٧٠] وكتب إلى الأمير علم الدين الدوادارى: يا من كفانى وحرب الدهر قائمة … بنصرة شمتها من فضله الخدم حللت من بابك العالى بذى سلم … فليهنى (¬٢) أننى من جيرة العلم الشريف الكبير أبو نمى محمد (¬٣) بن الأمير أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى، صاحب مكة منذ أربعين سنة، توفى فى هذه السنة وكان حليما وقورا ذا رأى وسياسة وعقل ومروّة، وخلف من الأولاد أحدا وعشرين ولدا ذكرا، ومن البنات عشرة.وقال بيبرس: ويكنى أبا مهدى أيضا، وساق نسبه، وهو محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم. الأمير الكبير المجاهد المرابط علم الدين أرجواش (¬١) بن عبد الله المنصورى، نائب قلعة دمشق. كان ذا همة وشهامة وقصد صالح، قدّر الله على يديه حفظ معاقل الشام لما ملكت التتار أيام قازان، وكانت وفاته بقلعة دمشق ليلة السبت الثانى والعشرين من ذى الحجة، وأخرج منها ضحوة يوم السبت، فصلّى عليه، وحضر نائب السلطنة فمن دونه، ثم حمل إلى قاسيون ودفن فى تربته. وقال صاحب النزهة: ولم يخلف غير أربع بنات، ووجد له من تركته من الذهب خمسة عشر ألف دينار، ومن الفضة خمسين ألف درهم، وأوصى بعتق مماليكه وجواريه، وأوقف عليهم وقفا، ووجد له فى زردخاناته ثمانمائة قوس حلقة ومائتا عدة كاملة. وقال: حكى لى من كان خصيصا بمنادمته، ولم يعرف أنه اجتمع بأحد غيره، أنه لحقه فى بعض الأيام قولنج، فأحضر له طبيب يهودى، فوصف له حقنة ولم يجسر أحد يصف له صفة الحقنة غير ذلك النديم، فلما رآها قال: ما هذه؟ قال: هى الحقنة، فنهض وقعد، وأراد أن يشربها، فقال له الرجل:ياخوند هذا ما يشرب. فقال: وما يعمل به. فقال له: كذا وكذا، فحين سمع ذلك تغيّر لونه، ثم توجه إلى اليهودى فقال: ويلك يا ملعون، أنا اشترانى الملك المنصور بعشرة آلاف درهم وما قدر أن يعيّر فى دبرى شيئا، وأنت جئت فى آخر عمرى تحط فى دبرى عظما، ثم أشار لمماليكه أن يسقوا اليهودىّ تلك الحقنة، فكتّفوه وأسقوها إياه، فلما شربها مات فى اليوم الثانى. الأمير عز الدين أيبك (¬١) بن عبد الله النجيبى الدوادار، والى البر (بدمشق)، وأحد الأمراء الطبلخانات بها. مات بدمشق يوم الثلاثاء السادس عشر من ربيع الآخر منها، ودفن بسفح قاسيون، وكان مشكور السيرة، ولم تطل مدته. قنجى (¬٢) بن أردنو بن دوشى خان بن جنكز خان صاحب غزنة وبامبان. توفى فى هذه السنة، واختلف بنو عمه وأولاده وهم: بيان، وكبلك، وطقتمر، وبغاتمر، ومنفطاى، وصاصى، وافترق بعضهم من بعض، وكان كبلك قد استقر فى الملك بعد أبيه، وسار أخوه بيان إلى طقطا مستنجدا ومستمدا على أخيه، فأمدّه وعضده، وسار كبلك إلى قيدو مستغيثا ومستعينا، فأعانه وأيّده، ثم التقى الجمعان واقتتل الأخوان، فكسر كبلك وأدركه أجله، فهلك، واستقر بيان أخوه فى المملكة الغزنوية.[٢٧١] فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الثّانية بعد السبعمائة (¬*) استهلّت هذه السنة: والخليفة المستكفى بالله أمير المؤمنين بن الحاكم بأمر الله العباسى. وسلطان البلاد: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونائبه بمصر الأمير سيف الدين سلاّر، ونائب الشام الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، ونائب حلب شمس الدين قراسنقر، وقضاة مصر والشام هم المتقدم ذكرهم. وفيها: وصلت رسل من جهة قازان، ولم تعد معهم رسل السلطان، وقد ذكرنا أن السلطان جهز إليه الأمير حسام الدين أزدمر المجيرى أحد الأمراء، والقاضى عماد الدين بن السكرى من أعيان القضاة والكبراء (¬١). وقال ابن كثير: ولم يعد رسل السلطان هؤلاء المذكورون إلاّ بعد هلاك قازان فى أيام خربندا، وكان وصول رسل قازان يوم الأحد الثامن من محرم هذه السنة (¬٢). وقال بيبرس فى تاريخه: وتواترت الأخبار بحركة التتار، ثم وردت كتبالنواب بالبلاد الحلبية مخبرة بأن قطلوشاه نائب قازان قد تحرك إلى جهة الفرات، ويخشى من تقدمه إلى هذه الجهات، وأنه قدّم بين يدى قدومه كتابا محشوا من خبثه ولؤمه مضمونه ما معناه أن بلادهم فى هذه السنة قد أمحلت، وأراضيهم من الأعشاب والمراعى خلت، وأن التتار على عزم الانتشار لارتياد المروج والأماكن التى توجد بها المرعى ويروج، وربما وصلت منهم طائفة إلى صوب الفرات لأجل قصد الأعشاب، فيحصل بهم الإرتياب، وليس قصدهم سوى الانتجاع والنزول بهما صادفوا به خصبا من تلك البقاع، فإذا سمع أهل البلاد الحلبية وسكان الأعمال الفراتية باقترابهم لا يبرحون من أماكنهم ولا ينزحون من مواطنهم، فلا بأس عليهم وليس ثمّ تعرض إليهم، فعلم أن هذا الكلام عين الخداع، ولم يلج القلوب ولا الأسماع. ثم تواترت الأخبار بقدوم التتار، وأنهم جاسوا خلال الديار، وقدمت طائفة منهم من جهة الرحبة، ووصلت إلى دير بسير، وجاءت طائفة على مرعش، فجفلت الرعية من البلاد الحلبية، وحصل التأهب والاهتمام، وبرزت المراسيم السلطانية بالاستخدام، وأن كل أمير [من الأمراء (¬١)] بمصر والشام يستخدم نظير الربع من عدته ويضيفهم إلى جماعته، وقرّر على أهل البلاد من الحواضر والبواد خيّاله يقومون بها من أموالهم، ويقيمونها من أحوالهم، واتفقت الآراء عند الاجتماع فى المشاورة على تجريد مقدّمة من العساكر تقوية لجأش أهل الشام، وتثبيتا لجيوشه على المقام إلى أن يتضح الحال ويزول الإشكال (¬٢).وقال صاحب النزهة: لما وصل القاصد إلى السلطان والأمراء، وأخبرهم بأن قازان مجتهد على دخوله البلاد، وقع انفاق الأمراء مع السلطان على أنه لا بدّ من تجريد عسكر ويكون صحبتهم أمير كبير يشار إليه فى الأمور، فإن فيه إرداعا للعدو وتطمينا للإسلام وأهل القلاع والنواب، ويكونون مقيمين فى دمشق، فإن وجدوا حركة قازان صادقة كتبوا إلى مصر فيخرج السلطان بمن بقى من الأمراء والعساكر، وإن كان قازان يبعث من يختاره من جنسه، ورأى نائب الشام والأمراء أن يلاقوهم بجميع عسكر الشام، فالرأى رأيهم [٢٧٢] فى ذلك، وإن بلغهم أن عسكر قازان كثيرون يتأخرون قدامهم منزلة بمنزلة إلى أن يدركهم السلطان مع العسكر، وما نهضوا من المشورة حتى وقع اتفاقهم على تعيين أمراء للتجريدة.
  • full passagepage 1662, entry [468]10,985 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام شيخ الإسلام بقية المجتهدين قاضى القضاة تقى الدين محمد (¬١) بن الشيخ [ال (¬٢)] صالح بقية السلف مجد الدين أبى الحسن على بن وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرى المصرى، المعروف بابن دقيق العيد. ولد يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بساحل مد
    ▸ expand full passage (10,985 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام شيخ الإسلام بقية المجتهدين قاضى القضاة تقى الدين محمد (¬١) بن الشيخ [ال (¬٢)] صالح بقية السلف مجد الدين أبى الحسن على بن وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرى المصرى، المعروف بابن دقيق العيد. ولد يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بساحل مدينة ينبع من أرض الحجاز، وتوفى يوم الجمعة الحادى عشر من صفر ببستان عند باب اللوق، وصلّى عليه تحت القلعة، وحضر جنازته: نائب السلطان، والأمراء، وأعيان الدولة، وخلق كثير من الناس، ودفن بالقرافة. وكان أجل من بقى من علماء المسلمين علما وديانه وعملا، وكان من علماء الحديث، وكان إماما متقنا، متفننا، أصوليا، فقيها، أديبا، نحويا، شاعرا، ناثرا، مجتهدا، وافر العقل، كثير السكينة، تام الورع، شديد التديّن، مديم السهر، مكبا على المطالعة والجمع، قلّ أن ترى العيون مثله. وكان قد قهره الوسواس فى أمر المياه والنجاسات، وله فى ذلك حكايات عجيبة، وكان كثير التسرى والتمتع، وكان مهوّسا بعلم الكيمياء، معتقدا صحتها،وكان له عدة أولاد بأسماء الصحابة العشرة، تفقه بأبيه وبالشيخ عزّ الدين بن عبد السلام وغيرهما، واشتهر اسمه فى حياة مشايخه، وتخرج به أئمة، وكان عارفا بمذهبى مالك والشافعى، كان مالكيا أولا، ثم صار شافعيا. وقال [٣١٠] ابن كثير: سمع الحديث الكثير، ورحل وخرّج، وصنّف فيه إسنادا ومتنا بمصنفات عديدة (¬١) مفيدة فريدة: وانتهت إليه رئاسة العلم فى زمانه، وفاق جميع أقرانه، ودرس فى أماكن كبار كثيرة، ثم ولى قضاء مصر سنة خمس وتسعين وستمائة، ومشيخة دار الحديث الكاملية (¬٢). وقال بيبرس: وكانت مدة ولايته ست سنين وسبعة أشهر وأياما. وقال النويرى: وكان نشوه بمدينة قوص، وتفقه على أبيه، وعزل نفسه عن القضاء، وسئل فى العود: فامتنع، فألحّ عليه، فعاد، وهو الذى نقل خلع القضاة من الحرير إلى الصوف، وكان يخلع على القضاة قبله الحرير الكنجى، وتولى بعده القضاء بدر الدين بن جماعة. وقال صاحب النزهة: وصلى عليه السلطان وسائر الأمراء والأكابر. وهو آخر من ولى القضاء من المجتهدين الذين لم ير فى دولة الترك من ولى منصب القضاء مثله. قال: ويذكر له نكتة غريبة، وهى: أنه اتفق أن شخصا أحضر إليه فتيا فكتب عليها، فلما فارقه تذكر أنه كتب فيها ما لا يجوز، فقلق لذلك قلقا عظيما ولم يحكم ذلك النهار. فلما كان بكرة اليوم الثانى حضر الرجل ومعه الفتوى، وسأل الشيخ أن يكتب له عليها بخط مفسّر وذكر أنه من حين خرج من عندالشيخ بالفتوى عرضها على الناس، فكل من أخذها لم يحسن قراءتها لكون حروفها مخبطة ولم يظهر منها شئ ولا حرف واحد. فأخذها فكتب عليها بما يجوز. وروى عنه الشيخ فتح الدين بن سيد الناس شيئا كثيرا من لطافته وكرمه واحتمال نفسه، ومن أشعاره الرائقة، ومن ذلك قوله: أفكّر فى حالى وقرب منيّتى … وسيرى حثيثا فى مصيرى إلى القبر فينشئ لى فكرى سحائب للأسى … تسحّ هموما دونها وابل القطر إلى الله أشكو من وجودى فإننى … تعبت به مذ كنت فى مبدء العمر تروح وتغدو للمنايا فجائع … تكدّره والموت خاتمة الأمر وله: سحاب فكرى لا يزال هاميا … وليل همّى لا أراه راحلا قد أتعبتنى فكرتى وهمّتى (¬١) … فليتنى كنت مهينا جاهلا (¬٢) وقال الشيخ شمس الدين محمد بن نباتة، أنشدنى الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد لنفسه: أتعبت نفسك بين ذلّة كادح … طلب الحياة وبين حرص مؤمل وأضعت عمرك لا خلاعة ما جن … حصلت فيه ولا وقار مبجّل وتركت حظ النفس فى الدنيا … وفى الأخرى ورحت عن الجميع بمعزلوله دو بيت: الجسم تذيبه حقوق الخدمة … والقلب عذابه (¬١) علو الهمّة والعمر بذاك ينقضى فى تعب … والراحة ماتت فعليها الرحمة ومن العجب أن هذين البيتين حفظهما الشيخ تاج الدين أحمد أخو الشيخ تقى الدين، فاتفق له أنه قال: بينا أنا وقت الهاجرة بمسجد الجوارى بالحسينية؛ إذ غلبتنى عيناى فنمت ورأيت والدى الشيخ مجد الدين، فسلم علىّ وسألنى عن حالى فقلت يا سيدى بخير. فقال: كيف محمد أخوك؟ [٣١١]- يعنى الشيخ تقى الدين - فقلت: بخير، الساعة كنت عنده وأنشدنى دو بيت، وأنشدته البيتين المذكورين. فقال: سلم عليه وقل: الروح إلى محلّها قد تاقت … والنفس لها مع جسمها قد عاقت والقلب معذّب على جمعهم … والصبر قضى وحيلتى قد ضاقت فانتبه تاج الدين، وقد حفظ الدو بيت المذكور. وله أيضا: يا معرضا عنى ولست (¬٢) … بمعرض يا ناقضا عهدى ولست (¬٣) بناقض أتعبتنى بخلائق لك لم (¬٤) … تفد فيها وقد جمحت - رياضة رائض أرضيت أن تختار رفضى مذهبا … فيشيع (¬٥) للأعداء أنك رافضىوقال شهاب الدين بن الكويك التاجر الكارمى: اجتمعت به مرة فرأيته فى ضرورة شديدة. فقلت له: يا سيدى ما تكتب ورقة لصاحب اليمن وأنا أقضى فيها الشغل. فكتب ورقة لطيفة فيها: تجادل أرباب الفضائل إذا رأوا … بضاعتهم موكوسة الحظّ فى الثمن وقالوا (¬١) … عرضناها فلم نلف طالبا ولا من له فى مثلها نظر حسن ولم يبق إلاّ رفضها وإطراحها … فقلت لهم لا تعجلوا السوق باليمن وأرسلها إليه. فأرسل له مائنى دينار، واستمرّ يرسلها له فى كل سنة إلى أن مات صاحب اليمن، ﵀. الشيخ برهان الدين إبراهيم (¬٢) بن فلاح بن محمد بن حاتم السكندرى. سمع الكثير وتفقه، ودرس بالقوصية، وأعاد وأفتى، وناب فى الخطابة مدة، وفى الحكم عن ابن جماعة، وكان دينا فاضلا، ولد سنة ست وثلاثين وستمائة، ومات يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شوال، عن خمس وستين سنة، ودفن بالقرب من الصندلاوى بباب الصغير. الشيخ المحدث شرف الدين (¬٣) عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن خواجا إمام الفارسىّ، شيخ الحديث بدار الحديث الظاهرية. مات بها وقد ناهز التسعين سنة، ودفن عند مسجد القدم، وكان قد أوصى به، وأوصى أيضا أن يشترى بخمسمائة درهم حلاوة صابونية وتفرق على قبره بعددفنه على من يشيع جنازته، ففعلوا ذلك، فأكل الناس وترحموا عليه، وكان مشكور السيرة، حسن المخالطة. الشيخ محيى الدين عثمان (¬١) بن الشيخ أحمد بن عثمان ابن إمام الكلاّسة، إمام مشهد عروة. مات فى هذه السنة فى عاشر شوال (¬٢)، ودفن بقاسيون، وكان من القراء الصيّتين. الشيخ الإمام شمس الدين محمد (¬٣) بن إبراهيم بن يحيى الصنهاجى، إمام المالكية بجامع دمشق. مات بالمارستان النورى ودفن بباب الصغير، وكان فقيها فاضلا من أهل العلم والصلاح، وتولى مكانه أبو الوليد بن الحاج الإشبيلى. الصدر الكبير العالم الفاضل كمال الدين أبو العباس أحمد (¬٤) بن أبى الفتح محمود ابن أبى الوحش أسد بن سلامة بن سلمان بن فتيان الشيبانى. المعروف بابن العطار، كاتب الدرج الشريف منذ أربعين سنة.مات بباب البريد، وحمل إلى قاسيون فدفن فى تربة له فى نواحى الكهف، وكان فيه تلاوة قرآن، وذكر، وملازمة للصلوات مع الجماعة. واقتنى كتبا كثيرة جليلة، [٣١٢] وله ترسّل ونظم، فمن نظمه: قل يا نسيم فإن رجعت مخبرا … برضاهم ومبشرا بقبول فلك الهناء لأمنحنك رقتى … ولأخلعنّ عليك ثوب نحول الأمير فارس الدين ألبكى (¬١) الساقى المنصورى نائب حمص. كان أميرا كبيرا مقدّما. مات فى هذه السنة يوم الثلاثاء الثامن من ذى القعدة، وهو الذى توجه إلى قازان ملك التتار وعاد إلى الشام. وولى مكانه عز الدين أيبك (¬٢) الحموى، وكان نائبا بصرخد، فنقل إلى حمص، كذا قال النويرىّ. وقال بيبرس: تولى عوضه الأمير بلبان (¬٣) الجوكندار المنصورى، وكان نائبا بقلعة دمشق. الأمير شمس الدين سنقر العينتابى. توفى فى هذه السنة بدمشق، وكان من أمرائها.الأمير سيف الدين بكش رأس النوبة الجمدارية، توفى فى هذه السنة. الأمير ناصر الدين بن باشقرد (¬١) [الناصرى الأيوبى (¬٢)]. تقنطر به فرسه فى سوق الخيل، فوقع ميتا، ودفن بجبل قاسيون عند والده. وكان شابا حسنا جميلا. الأمير حسام الدين (¬٣) الأستادار، استشهد فى الوقعة المذكورة وكان يعرف بالرومى. وكان مملوك السلطان الملك المنصور قلاون، اشتراه من تاجر، وذكر أنه رومى ولقبه بلاجين، وكبّره عنده، وترقى إلى أن عمله أستاذالدار، وحكى عنه أنه قال: ما أنا من الروم، وإنما جنسى وبيتى من التركمان، وكان أبى وأمى مسلمين، وكان اسمى خليلا واتفق أن زوقنا (¬٤) كبست وأغير عليها، فأسر كل من فيها، وباعونى فى بلاد الروم، ثم اشترانى تاجر وجلبنى إلى مصر، وكان له تلاوة وسماع حديث. الأمير أولياء (¬٥) بن قرمان، وقد ذكرناه من المستشهدين فى الوقعة المذكورة.وكان قد وفد إلى مصر فى الدولة الظاهرية، وكان يقال ابن قرمان، ولم يكن كذلك وإنما كان ابن أخت قرمان. الأمير عزّ الدين أيدمر الرفا، ذكرناه فى المستشهدين. وكان من الأمراء المنصورية المشهورين بالفروسية والشجاعة، وحكى من أكابر مماليكه أنه أخذه التركمان. ثم وصل إلى بيت الملك الناصر صاحب حماة. الأمير عز الدين أيدمر (¬١) القشاش (¬٢). قد ذكرناه فى المستشهدين أيضا. وكان له تقدم وسمعة فى الولايات، وحرمة كبيرة، وآخر ولايته ولاية الغربية، وأضيفت له ولاية الشرقية، وكان يتحدث فى الإقليمين، وكانت له اختراعات فى الأعمال من جملتها: كان يضرب فى الأرض خوازيق ويضع على علوها صارى ببكرة، فإذا علق عليه أحد من المفسدين يجذبونه (¬٣) إلى فوق جدا، ثم يرخونه إلى أن يقع على خازوق من تلك الخوازيق، فيخرج من جسده حيث يقع منه، وكانت له مهابة فى النفوس ولم يجسر أحد فى أيام ولايته أن يلبس مئزرا أسودا، ولا يتقلد بسيف، ولا يحمل عصى، ولا يركب فرسا. ورئى فى المنام بعد موته راكبا حصانا أشهب. وعليه عدة الحرب، وبيده رمحه، وعليه مهابة عظيمة، فقيل له: بم نلت هذه؟ فقال: غفر الله لى بعمارتى جسر السقفى،وهو جسر كان أنشأه بين ملقة صندفا وبين أرض سمنّود. وكان فى آخر عمره عرض له وجع المفاصل، فدخل على الأمراء أن يعفوه عن الولايات. فأعفى وأقام فى بيته إلى أن خرج السلطان إلى لقاء العدو، فتجهّز للسفر. فقيل له: إنك ما تحمل على الركوب على الخيل، فلم يسمع كلامهم [٣١٣] وما زال راكب المحفّة إلى أن قامت الحرب، فركب فرسه وهو فى غاية ما يكون من الألم ورجلاه متورمتان. فقيل له: أنت ترمى نفسك للموت. فقال. ويلكم لمثل هذا اليوم كنت أنتظر، وإلا كيف يخلّص القشاش نفسه من ربّه. فرفص فرسه وحمل عليهم ورمحه فى يده. ووصل إلى صدر العدوّ وكأنه ليس به ألم، فلم يزل يقاتل حتى قتل، ووجد فيه نحو من ست جراحات، ﵀. الشيخ نجم الدين أيوب (¬١) الكردى، قتل فى هذه الوقعة. وكان قد ورد من البلاد فى سنة سبع وثمانين وستمائة، ومعه جماعة من الأكراد، وأقام بدمشق مدة سنتين، ونال من أمرائها حظا كبيرا. وظهرت له أمور من المكاشفات والصلاحية. وكان لا يدخل إليه أمير إلاّ ويطالبه بالهدية، ولا بد أن يحمل له شيئا من الدنيا، واتبعوا أمره فى ما يأخذه، فوجدوه يتصدق به ولا يدخره. ثم رحل إلى مصر ويوم عبوره حصلت له معرفة مع ابن قرمان المذكور. فأخذه إلى بيته. ثم بنى له زاوية بجوار بيته. وأقام فيها إلى أن خرج السلطان للقاء العدو، فخرج معهم. ولما التقوا بالعدو كان راكبا بآلة الحرب، واقفا إلى جانب ابن قرمان، فقتل معه، ثم دفنا جملة واحدة،الأمير عثمان بن يغمراس بن عبد الوادّ صاحب تلمسان. توفى فى هذه السنة على فراشه. وجلس بعده ولده محمد بن عثمان بن يغمراس. قال بيبرس فى تاريخه: وقد أمضهم الحصار ومسهّم الجهد. فأقام أربع سنين والمحاصرة مستمرة والمضايقة متضاعفة، وعدمت الأقوات وغلت الأسعار، فبلغ الحمل من الملح إلى مائة دينار، والحمل من القمح إلى ستين دينارا كبارا، ولحم الفرس الواحد إلى مائة دينار، والشاة إلى عشرة دنانير، والثور إلى ستين دينارا. والدجاجة إلى ثلاثة دنانير. وورد على المحاصرين خبر من بلاد العدو فأوجب رحيلهم. الملك العادل زين الدين كتبغا (¬١). توفى بحماة نائبا عليها بعد صرخد كما ذكرناه. وكانت وفاته يوم عيد الأضحى ونقل إلى تربته بسفح قاسيون غربى الرباط الناصرى، وله عليها أوقاف دارّه على وظائف قراءات وغيرها، وكان من كبار المنصورية، وقد تملك بعد مقتل الأشرف خليل بن المنصور قلاون، ثم عزله عنها لاجين وحوله إلى صرخد، فكان بها حتى قتل لاجين وعاد الملك إلى الملك الناصر محمد بن قلاون فاستنيب بحماة، وكانت وفاته بها. وكان من خيار الملوك وأعدلهم، وأكثرهم برا.ورتب بحماة عوضه الأمير قفجق، فتوجّه إليها وولى النيابة فيها، وكان نائبا بالشوبك. وقد تقدم فى ترجمته أنه أخذ فى نوبة حمص هو وبيدرا عقيب كسرة المغل على عين جالوت، وحكى أنه لما فتح هلاون الشام أحضر منجما حاذقا يقال له: نصير الطوسى، فقال: أبصر من يملك مصر من مقدمى عسكرى فقد قيل إنى لا أملكها. فنظر فلم يجد من الأسماء من يملكها إلا كتبغا، وكان صهر هلاون يسمى كتبغا نوين، فظنه هلاون إياه، فأنفذه على العسكر الذى خذله الله على عين جالوت على يد الملك المظفر قطز، وكان بين ذلك وبين ملك كتبغا هذا مصر خمسة وثلاثين سنة، وملك صاحب هذا الاسم لكنه ليس من أصحاب هلاون. والذى اتفق لهذا ما اتفق لأحد من الملوك فى دولة الترك، فإنه خرج من السلطنة إلى نيابة بلد [٣١٤]، ثم حضر إلى مصر وجلس مع الأمراء، وصار يرمّل على ما يكتبه نائب السلطان، ويمشى فى خدمته، ويخاطب بالأمير، وهذا لم يتفق لأحد أصلا والله أعلم.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثّالثة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة، وخليفة الوقت: المستكفى بالله بن الحاكم العباسى. وسلطان البلاد: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونائبه محمد بمصر الأمير سلاّر، وقاضى الشافعية بدر الدين بن جماعة، ونائب الشام جمال الدين أقوش الأفرم، وقاضى الشافعية بدمشق نجم الدين بن الصصرىّ.
  • full passagepage 1702, entry [480]14,815 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ القدوة الورع أبو إسحاق إبراهيم (¬١) بن أحمد بن محمد بن معالى بن محمد ابن عبد الكريم الرقى الحنبلى. ومولده بالرقّة فى سنة سبع وأربعين وستمائة، اشتغل وحصل وسمع شيئا من الحديث، وقدم دمشق فسكن بالمأذنة الشرقية فى أسفلها، بأهله، إلى جانب الطهارة [بالجامع (¬٢)] وكان معظما
    ▸ expand full passage (14,815 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ القدوة الورع أبو إسحاق إبراهيم (¬١) بن أحمد بن محمد بن معالى بن محمد ابن عبد الكريم الرقى الحنبلى. ومولده بالرقّة فى سنة سبع وأربعين وستمائة، اشتغل وحصل وسمع شيئا من الحديث، وقدم دمشق فسكن بالمأذنة الشرقية فى أسفلها، بأهله، إلى جانب الطهارة [بالجامع (¬٢)] وكان معظما عند الخاص والعام، فصيح العبارة، كثير العبادة، خشن العيش، حسن المجالسة، لطيف المفاكهة، كثير التلاوة، عارفا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وله مصنفات وخطب وشعر حسن، وفى عمره ما أكل شيئا من الوقف، وكان يعرض عليه المناصب فلا يتولى شيئا، وكانت له رياضات ومجاهدات، وكانت وفاته بمنزله ليلة الجمعة الخامس عشر من المحرم، وصلّى عليه نائب السلطان وأكثر أهل البلد، ودفن بسفح قاسيون بتربة الشيخ أبى عمر، رحمهما الله. الخطيب ضياء الدين أبو محمد عبد الرحمن (¬٣) بن الخطيب جمال الدين أبى الفرج عبد الوهاب بن على بن أحمد بن عقيل العقيلى السلمى.خطيب بعلبك نحوا من ستين سنة، بعد والده، وكان مولده فى سنة أربع عشرة وستمائة، سمع الكثير، وتفرد عن القزوينى، وكان رجلا جيدا حسن القراءة، من كبار العدول، توفى ليلة الإثنين ثالث صفر، ودفن بباب سطحا. الشيخ زين الدين أبو محمد عبد الله (¬١) بن مروان بن عبد الله بن الحسن الفارقى، شيخ الشافعية. ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، واشتغل، ودرّس فى عدّة مدارس، وأفتى مدة طويلة، وهو الذى عمر دار الحديث (¬٢) بعد خراجها من زمن قازان حين احترقت، وقد باشرها سبعا وعشرين سنة، من بعد النووى إلى حين وفاته، وكانت معه الشامية البرانية (¬٣)، والخطابة، وإنما باشر الخطابة تسعة أشهر قبل وفاته، وقد انتقل إلى دار الخطابة، وكانت وفاته بها يوم الجمعة بعد العصر، وصلّى عليه ضحى يوم السبت القاضى ابن صصرى عند باب الخطابة، وبسوق الخيل قاضى الحنفية ابن الحريرى، وعند الجامع بالصالحية قاضى الحنابلة تقى الدين سليمان، ودفن بتربة أهله شمالى تربة الشيخ أبى عمر، ﵀.الشيخ حسن بن السراج الحلبى - من قرية باب الله - المقرئ، وكان هو الملقن بالكلاسة (¬١)، وكان مجتهدا على التلاوة، وعمر حتى انحنى كثيرا زائدا عن حد الركوع، مات فى هذه السنة ودفن بمقبرة باب الصغير. الصدر كمال الدين موسى بن قاضى القضاة شمس الدين بن خلكان. مات فيها بقاسيون، ودفن عند والده، ومولده سنة خمسين وستمائة، وكان عاقلا ذكيا ذا مروءة. الشيخ الصالح [٣٢٨] الزاهد بدر الدين على (¬٢) بن محمد السمرقندى الحنفى. شيخ خانقاة خاتون (¬٣)، وشيخ الخانقاة الشبلية (¬٤)، مات فى هذه السنة ودفن بقاسيون، وكان دينا، متنعما، يلبس الرفيع من الثياب الحسان، وعنده تجمل ومكارم أخلاق.الصاحب الوزير الصدر الكبير فتح الدين أبو محمد عبد الله (¬١) بن محمد بن أحمد ابن خالد بن محمد بن نصر القرشى المخزومى، المعروف بابن القيسرانى الحلبى. كان شيخا جليلا، دينا فاضلا، شاعرا مجيدا، من بيت الرئاسة والوزارة، وولى وزارة دمشق مدة، ثم أقام بمصر موقعا مدة، وكان له اعتناء بعلوم الحديث وسماعه وإسماعه، وله مصنف فى أسماء الصحابة الذين خرج لهم فى الصحيحين، وأورد شيئا من أحاديثهم فى مجلدين (¬٢) موقوفين بالمدرسة الناصرية بدمشق، وقد خرج عنه الحافظ الدمياطى، وهو آخر من توفى من شيوخه، وتوفى بالقاهرة يوم الجمعة الحادى والعشرين من ربيع الآخر، وأصلهم من قيسارية الشام، وكان جده موفق الدين أبو البقاء خالد وزيرا لنور الدين الشهيد، وكان والده عز الدين وزير الملك الناصر صاحب دمشق، وكان من الكتّاب المجيدين، توفى فى الأيام الصلاحية سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأبوه محمد بن نصر، ولد بعكا قبل أن يأخذها الفرنج سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فلما أخذت بعد التسعين وأربعمائة انتقل أهلهم إلى حلب، فكانوا بها. وكان شاعرا مطيعا، وله ديوان مشهور، ومعرفة جيدة بالنجوم والهيئة، وغير ذلك، ومولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بتربته بجوار مشهد السيدة نفيسة رضى الله عنها.ومن نظمه: بوجه معذبى آيات (¬١) … حسن فقل ما شئت فيه ولا تحاشى ونسخة حسنه قرئت وصحت (¬٢) … وها خطّ الكمال على الحواشى وله فى مليح بوجهه أثر: قالوا بوجه الذى أحببته أثر … يشينه فأتئد فى الوصف والقصر (¬٣) فقلت قد جاء بالآيات ظاهرة … فى حسنه وهى تغنينا عن الأثر فكان كالشمس لكن خاف يوصف … بالتأنيث يوما فحاكى صورة القمر القاضى الإمام شمس الدين سلمان (¬٤) بن إبراهيم بن إسماعيل الحنفى الملطى. كان نائبا فى الحكم مدة طويلة بدمشق عن قاضى القضاة حسام الدين الرازى الحنفى، وناب أيضا بالقاهرة عن السروجى، وكان رجلا مباركا ديّنا صالحا، مات بدمشق فيها، ودفن بقاسيون. القاضى علاء الدين على (¬٥) بن عبد الرحيم بن مراجل الكاتب.كان ماهرا فى صناعة الكتابة والحساب، ويعرف بلسان التركى، وعنده فضيلة تامّة، وأدب حسن، وهو والد الصاحب تقى الدين سليمان (¬١) بن مراجل، مات فى السادس عشر من ذى القعدة. ومن نظمه: أأحبابنا شوقى إليكم مضاعف … وذكركم عندى مع البعد وافر وقلبى لما غبتم طار نحوكم … وأعجب شئ واقع وهو طائر [٣٢٩] وله: هذا كتاب محبّ رقّ حاسده … من فرط وجد بكم أضحى يكابده غرامه فيكم أضحى يحاكمه … وشوقه نحوكم والله قائده وشوقه حاصل والقلب عندكم … باق وخاطره فيكم يراوده والدمع مصروفة قد صح شاهده … يودّ ناظركم لو كان شاهده والليل يحييه كى يرعى فراقده … ومن يموت به وجدا فراقده عاهدتموه على حفظ الوداد لكم … وهو الملىّ بما قد كان عاهده قد مسّه الضرّ من طول السقام … فما يضر طيفكم لو كان عائده وقال وهو بمصر لما دخل إليها فى سنة إحدى وسبعمائة: أقول فى مصر إذ طال المقام بها … وساء من سوء خلقى أهلها خلقى (¬٢)يا أهل مصر أجيبونى السؤال عسى … يسكن الله ما ألقاه من قلقى هل فيكم من يرجى للنوال ومن … يلقى لوفد بوجه ضاحك طلق أم عندكم لغريب فى دياركم … بقية من يد أو عارض غدق فقيل لى ذاك (¬١) … مما ليس نعرفه وإنما سقتنا فيها على الملق (¬٢) الصدر شرف الدين محمد (¬٣) بن شمس الدين سعيد بن محمد بن سعيد، المعروف بابن الأثير، كاتب الإنشاء بدمشق. مات فى سابع ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون، وكان شابا حسنا، عاقلا وقورا، خلّصه الله من أسر التتار ورجع إلى أهله. الشيخ الصالح العارف المحقق السيد الشريف أبو فارس عبد العزيز (¬٤) بن عبد الغنى ابن سرور بن سلامة، المعروف بالمنوفى. مات بمنزله بمصر ليلة الإثنين خامس عشر ذى الحجة، ودفن بالقرافة، وكان من الصلحاء الأخيار المعمرين، وله ديوان شعر، فمنه قوله: خيام بنجد كل قلب ثوى بها … وكل محبّ قد غدا فى طلابها وتمّ لليلى العامرية مضرب … إذا جئت تلقاه قريب قبابها تجلّت على عشاقها من خبائها … وقد لاح بدر التم تحت نقابهاعلى رغم عذّالى وصلت لحبّها … وطفت سبوعا كاملا بخبائها وقبلت أعتابا لها ومواطنا … ومرغت خدى فى التراب ببابها ولى شرف إن صحّ لى ما ذكرته … إذا فزت فى الدنيا بلثم ترابها ولما رأتنى خاطبتنى بلطفها … وقد أسكرتنى من لذيذ شرابها ودارت كؤوس العتب بينى وبينها … وما العيش إلا ساعة من عتابها نعم جودها عدل نعم سخطها رضى … نعم كل عذب فى أليم عذابها لقد كملت حسنا وفاقت ملاحة … وقد ملكت منها تمام نصابها وفى حبّها كم مات من مغرم بها … فلو جاوبته عاش عند جوابها وكم فى ربى نجد قتيل صبابة … وكم طائح قد ظل بين شعابها [٣٣٠] وكم عاشق بين الخيام موله … يهيم بها فى بعدها واقترابها سبت قلبه والحجب ما ارتفعت له … فما حاله عند ارتفاع حجابها وله يعارض بانت سعاد: قلبى وإن أطنب العذال مشغول … عن الملام فمهما شئتم قولوا ما يكتم السرّ إلاّ كيّس فطن … ويظهر الصبر إلاّ ماجد قيل ويودع السّر إلاّ عند من … تثبت له العدالة لا زيغ ولا ميل ما كل علم إذا الغيبة اتسعت … له العقول ولا ماء الحسا نيل أيضا ولا كل مديح بالقريض إذا … نظمته حسنت فيه الأقاويل يا مدّعى مدح من أسرى الإله به … ليلا فلم يدر إلا وهو محمولماذا تقول إذا ما رمت تمدحه … وقد أتاه بوحى الله جبريل هذا ومركبه متن البراق … وقد جاءت ببشراه تورية وإنجيل وأنزلت فيه من حب الآله طه … وشورى ويس وتنزيل فمن يرى أنه وفى المديح له … فعقله وجلال الله مخبول هذا هو الحقّ عندى والدليل على … ما قلته أنه بالعلم منقول ما يمدح المصطفى إلا الإله … وقد جاءت بذلك آيات وتأويل إن النبىّ لمولى يستجار به … عبد بسيف الهوى والحط مقتول يرجو شفاعته يوم المعاد … إذا قال الآله له قل أنت مقبول صلى عليه إلآه العرش ما … طلعت شمس وما لاح فى الظلماء إكليل وازنت من قال قبلى وهو مرتجل … بانت سعاد فقلبى اليوم متبول النصير (¬١) - بفتح النون - ابن أحمد بن على المناوى الحمامى، الأديب المشهور. مولده بمنية خصيب فى سنة تسع وستمائة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدى: أخبرنى الحافظ العلاّمة أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: كان المذكور بمصر أديبا كيّس الأخلاق، يتحرّف باكتراء الحمامات (¬٢)، ثم طعن فى السنّ وضعف عن ذلك، وكان يستجدى بالشعر، وكتبت عنه قديما وحديثا. قال: وأنشدنى أثير الدين من لفظه، قال: أنشدنى النّصير المذكور لنفسه قوله:لا تفه ما حييت إلا بخير … ليكون الجواب خيرا لديكا قد سمعت الصّدى وذاك جماد … كل شئ تقول ردّ عليكا قال الصفدى: وأنشدنى له أثير الدين أيضا: [٣٣١] أقول للكأس إذ تبدّت … فى كفّ أحوى أغنّ أحور خربت بيتى وبيت غيرى … وأصل ذا كعبك المدوّر قال: وأنشدنى له أيضا: إن الغزال الّذى هام الفؤاد به … استأنس اليوم عندى بعدما نفرا أظهرتها ظاهريات وقد ربضت … فيها (¬١) الأسود رآها الظبى فانكسرها قال: وأنشدنى له أيضا: قالوا افتضحت بحبّه … فأجبت لى فى ذا اعتذار من لى بكتمان الهوى … وبخدّه نمّ العذار قال: وأنشدنى له أيضا: ما زال يسقينى زلال رضابه … لما خفيت ضئ وذبت توقّدا ويطينى (¬٢) … حيّا رويت بريقه فإذا دعا قلبى يجاوبه الصّدا قال: وأنشدنى له أيضا: ماذا يضرك لو سمحت بزورة … وشفعتها بمكارم الأخلاق وردعت نفسك حين تمنعك اللقا … وتقول هذا آخر العشاققال: وأنشدنى له أيضا: إنّى لأكره فى الأنام ثلاثة … ما إن لها فى عدّها من زائد قرب البخيل وجاهلا متعاقلا … لا يستحى وتودّدا من حاسد ومن البليّة والرزيّة أن ترى … هذى الثلاثة جمعت فى واحد وقال الصفدى: أنشدنى القاضى جمال الدين إبراهيم بن شيخنا الشهاب محمود قال: أنشدنى النصير لنفسه بقلعة الجبل قوله: رأيت فتى يقول بشط مصر … على درج بدت والبعض غارق متى غطّى لنا الدرج استقمنا … فقلت نعم وتنصلح الدقائق وله أيضا: ومذ لزمت الحمّام صرت فتى (¬١) … خلاّ يدارى من لا يداريه أعرف حرّ الأشياء وباردها … وآخذ الماء من مجاريه وقال الصفدى: أنشدنى الشيخ العلامة فتح الدين محمد بن محمد بن محمد ابن سيد الناس قال: أنشدنى النصير الحمامى لنفسه: رأيت شخصا آكلا كرشة … وهو أخو ذوق وفيه فطن وقال ما زلت محبّا لها … قلت من الإيمان حبّ الوطن وكتب النصير إلى السراج الورّاق: أتى فصل الخريف علّى جدّا … بأمراض لواعجها شداد واعذر عائدى إن لم يعدنى … وربّ مريض قوم لا يعادفأجاب الوراق عن ذلك: خلائفك الربيع فليس يخشى … خريفا فى الجسوم له اعتياد ولا والله لم أعلمك إلا صحيحا … والصّحيح فما يعاد [٣٣٢] وكتب إليه يستدعيه إلى حمامه: من الرأى عندى أن تواصل خلوة … لها كبد حرّى وفيض عيونى تراعى نجوما فيك من حرّ قلبها … وتبكى بدمع قارح وحزين غدا قلبها صّبا عليك وأنت إن … تأخّرت أضحى فى حياض منون وله دو بيت: فى وجهك للجمال والحسن فنون … فى طرفك للسحر فتور وفتون أنّى يسلو هواك يا من باتت … عيناه تقول للهوى كن فيكون وله: إن عجّل النوروز قبل الوفا … عجّل للعالم صفع القفا فقد كفى من دمعهم ما جرى … وما جرى من نيلهم ما كفى الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر (¬١) بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء ابن درع القرشى. من بنى حصلة، وهم منسوبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب. وهو والد الشيخ الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب التاريخ المشهور (¬٢).ولد عمر المذكور فى قرية يقال لها الشركوين غربىّ بصرى، بينها وبين أذرعات، فى حدود سنة أربعين وستمائة، واشتغل بالعلم عند أخواله بنى عقبة ببصرى، فقرأ البداية (¬١) فى مذهب أبى حنيفة، وجمل الزجاجى، وعنى بالنحو والعربية واللغة، وحفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الرائق الفائق فى المديح والمراثى، وقليل من الهجاء، ونزل بمدارس بصرى، وأمّ بمبرك الناقة شمالى البلد، ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقى بصرى، وتمذهب للشافعى، وأخذ عن النورى وعز الدين الفزازى، فأقام نحوا من ثنتى عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مجيدل القرية التى منها والدة الشيخ عماد الدين إسماعيل ولده، فأقام بها مدة طويلة، وقد ولد له عدّة أولاد من والدة الشيخ عماد الدين ومن أخرى قبلها، فأكبرهم إسماعيل، ثم يونس، وإدريس، ومن والدة الشيخ عماد الدين عبد الوهاب، وعبد العزيز، ومحمد، وأخوات عدّة. قال ابن كثير فى تاريخه: ثم أنا أصغرهم وسمّيت باسم الأخ إسماعيل لأنه كان قد [قدم دمشق ف (¬٢)] ااشتغل بالعلم، وسقط من سطح الشامية البرانية، فمات بعد أيام، ووجد عليه والده وجدا كثيرا، ورثاه بأبيات، قال: فلما ولدت أنا له بعده سمانى باسمه، فأكبر أولاده إسماعيل وأصغرهم إسماعيل. ثم قال: وكانت وفاة الوالد فى جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعمائة بقرية مجيدل، ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتونة، وكنت إذ ذاك صغيرا ابن ثلاث أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم، ثم تحولنا بعده فى سنة سبع وسبعمائة إلى دمشق صحبة الأخكمال الدين عبد الوهاب، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين، فاشتغلت على يديه بالعلم. ومن أشعار عمر بن كثير والد الشيخ عماد الدين إسماعيل: نأى النوم عن جفنى فبتّ مسهّدا … أخا كلف جلف الصّبابة مكمدا (¬١) [٣٣٣] سمير الثريّا والنجوم مدلها … فمن ولهى خلت الكواكب ركّدا طريحا على فرش الصبابة والأسى … فما ضركم لو كنتم لى عوّدا تقلبنى أيدى الغرام بلوعة … أرى النار من تلقائها لى أبردا ومزّقنى (¬٢) … صبرى بعد جيران حاجز سعيد غرام بات فى القلب موقدا فأمطرته دمعى لعل زفيره … يقلّ فزادته الدموع توقدا فبتّ بليل أنعى ولم أر … على النأى من بعد الأحبّة مسعدا (¬٣) فيالك من ليل تباعد فجره … علىّ إلى أن خلته أن (¬٤) يخلّدا غراما ووجدا لا يحدّ أقلّه … بأهيف معسول المراشف أغيدا له طلعة كالبدر زان جمالها … بطرّة شعر حالك اللون أسودا يهزّ من القدّ الرشيق مثقّفا … ويشهر من جفنيه سيف مهنداإلى ورد (¬١) … خدّيه وآس عذاره وضوء ثناياه فنيت تجلدا غدا كل حسن دونه متقاصرا … وأضحى له رب الجمال موحّدا أيا كعبة الحسن التى طاف حولها … فؤادى أما للصدّ عنك (¬٢) من فدا قنعت بطيف من خيالك طارقا … وقد كنت لا أرضى بوصلك سرمدا وقد شفنى شوق تجاوز حدّه … وحسبك من شوق تجاوز واعتدا سألتك إلا ما مررت بحينا … بفضلك يا ربّ الملاحة والندا غلطت بهجرانى ولو كنت صائبا … لما صدّك الواشون عنى ولا العدا (¬٣) الشيخ شهاب الدين أحمد (¬٤) بن سامة بن كوكب الطّائى الحنفى، إمام المدرسة الفارقانية التى بحارة الوزيرية. سمع من جماعة، وكتب وروى، توفى فى هذه السنة، وكان عدلا يشهد على القضاة، ويكتب الشروط والإسجالات. الأمير زين الدين قراجا (¬٥) أستادار الأفرم. توفى فى المحرم منها، ودفن بتربته بميدان الحصى عند النهر.الأمير الكبير عز الدين أيبك (¬١) الحموى. ناب بدمشق مدة، ثم عزل عنها إلى صرخد، ثم نقل قبل موته بستة أشهر إلى نيابة حمص، فكانت وفاته بها يوم الأحد عشرين ربيع الآخر، ونقل إلى تربته بالسفح، غربىّ زاوية ابن قوام، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب الذى يقال له حمام الحموى، عمّره فى أيام ولايته، وكان أميرا عاقلا، شجاعا مقداما، كثير التلاوة، وكان من مماليك المنصور صاحب حماة هو والأمير علم الدين أبو خرص، وكان ضنينا بهما، فأرسل الملك الظاهر وطلبهما منه، فاعتذر بمرضهما، فأرسل من يحضرهما فى محفات، فأرسلهما إليه، وعند وصولهما أمرّهما، وصار لهما صورة فى الدولة الظاهرية وغيرها، وولاه الملك الأشرف [٣٣٤] نيابة دمشق، عوضا عن الشجاعى فى سنة إحدى وتسعين، فاستمر فى النيابة إلى سنة خمس وتسعين، ولما تملك كتبغا العادل عزله وولى غرلوا العادلى عوضه، وأرسله إلى صرخد، فأقام بها إلى هذه السنة، ثم أعطى نيابة حمص فأقام بها قليلا، ومات فى التاريخ المذكور. الأمير ركن الدين بيبرس (¬٢) التلاوى، مشد الدواوين بالشام. توفى يوم الإثنين تاسع رجب ودفن بقاسيون، وكان ظالما عسوفا جبارا، وكانت مدة ولايته سنة واحدة وستة وأربعين يوما، أقام منها مريضا تسعةأشهر وأياما، وولى الشدّ مكانه شرف الدين قيران الدوادارى، وكان مشدا بطرابلس، فنقل إلى دمشق. الأمير سيف الدين بكتمر (¬١) السلحدار الظاهرى. توفى فيها، وهو أحد من كان توجه إلى قازان وعاد، وكان من أكابر الأمراء الشجعان الفرسان المقاديم فى الحروب، وخدم الدولة الظاهرية والمنصورية، وكان يرمى على ستة وخمسين رطلا بالدمشقى مع خفة ولطافة، وكان يحبّ الطرب ويتولع بالسماع والرقص فيه، ويلبس الكامليات، ويتعانى الطرافة فى ملبسه، وفى الأكل المفتخر من الطعامات، وله مكارم كثيرة على الناس. الملك قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون بن طلوبن جنكز خان. مات فى هذه السنة، وقد ذكرناه (¬٢)، وقازان - بالقاف، ويقال بالغين المعجمة، وبعد الألف زاى معجمة، وفى آخره نون - وكان تسمّى بمحمود لما أظهر الإسلام، كما أن أخاه خربندا تسمى بمحمد.فصل فى ما وقع من الحوادث فى السّنة الرابعة بعد السّبعمائة (¬*) استهلّت هذه السنة: والسلطان: الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاون، وقد عاد من صيده وتنزهه فى بلاد البحيرة، وقد ذكرنا خروجه من القاهرة فى السنة الماضية وما اتفق لناصر الدين الشيخى الوزير معه (¬١). وذكر بيبرس فى تاريخه: خروج السلطان إلى الصيد فى هذه السنة. وقال: وفى سنة أربع وسبعمائة توجه الركاب الشريف إلى الإسكندرية والجهات الغربية متصيدا فى الحمامات ومتفرجا فى تلك الجهات، ولما قضى وطره عاد إلى دياره، وكان عوده فى جمادى الأولى. قلت: التوفيق بين الكلامين أن سفره كان فى أواخر السنة الماضية وعوده فى هذه السنة، والله أعلم.
  • full passagepage 1744, entry [487]5,308 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ شرف الدين عبد المؤمن (¬١) بن خلف بن الحسن بن شرف بن الخضر ابن موسى الدمياطى، شيخ الحديث بمدرستى الظاهر (¬٢) والمنصور (¬٣) ببين القصرين. وكان إماما فى وقته، صدرا فى طبقته، مات فيها (¬٤) بالقاهرة، ودفن بباب النصر. وقال ابن كثير: ولم يزل فى إسماع الحديث دائما إلى أن أد
    ▸ expand full passage (5,308 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ شرف الدين عبد المؤمن (¬١) بن خلف بن الحسن بن شرف بن الخضر ابن موسى الدمياطى، شيخ الحديث بمدرستى الظاهر (¬٢) والمنصور (¬٣) ببين القصرين. وكان إماما فى وقته، صدرا فى طبقته، مات فيها (¬٤) بالقاهرة، ودفن بباب النصر. وقال ابن كثير: ولم يزل فى إسماع الحديث دائما إلى أن أدركته وفاته وهو صائم فى مجلس الإملاء، فغشى عليه وحمل إلى منزله، فمات من ساعته يوم الأحد الخامس عشر من ذى القعدة، وكان مولده فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، وكان جمع معجما لمشايخه الذين لقيهم بالحجاز والشام والجزيرة والفراتومصر يزيدون على ألف وثلاثين شيخا، وهو عندى بخطه ﵀ (¬١). وذكر بعضهم (¬٢) وفاته فى السنة الآتية، وكان نخرج بالحافظ زكى الدين المنذرى، وروى عنه المزىّ والذهبى وخلق، وكان مولده بتونه (¬٣)، قرية من أعمال تنيس، ونشأ بدمياط، ومات وله اثنان وتسعون سنة. الشيخ المحدث الصالح نور الدين على (¬٤) بن مسعود بن نفيس الموصلى، ثم الحلبى. مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، وكان رجلا صالحا من المشهورين بطلب الحديث وكتابته وقراءته عن نحو خمسين سنة، روى عن ابن رواحة، وأصحاب البوصيرى، وأصحاب الخشوعى، وغيرهم. الشيخ الإمام علم الدين عبد الكريم (¬٥) بن على بن عمر، المعروف بالعراقى. كان عالما كثير الفضائل، شافعى المذهب، جاوز الثمانين، مات فى هذه السنة، وولى مكانه بالقبة المنصورية الشيخ عز الدين النمراوى. الشيخ الكبير المعمّر ركن الدين أحمد (¬٦) بن عبد المنعم بن أبى الغنائم المقرئ، القزوينى، الصوفى، الطاوسى.مات بالشميساطية، ودفن بمقابر الصوفية، وكان يذكر أن مولده فى شعبان سنة إحدى وستمائة، وكانت وفاته فى سابع جمادى الأولى منها. الشيخ أمين الدين محمد (¬١) بن الشيخ قطب الدين محمد بن أحمد القسطلانى. مات بمكة فى المحرم منها، وكان شيخا صالحا من بيت الصلاح والحديث، أسمعه أبوه بمكة على مشايخها والواردين إليها شيئا كثيرا، وكان عنده فضيلة فى علم الحديث، وكان شيخ الحديث بمكة، روى عن ابن الجمّيزى (¬٢) وغيره. الشيخ العالم نجم الدين (¬٣) عمر بن أبى القاسم بن أبى الطيب. مات بداره داخل باب الفرج، ودفن بمقبرة باب الصغير، وكان رجلا جيدا، مشكورا فى ولاياته، باشر نظر المارستان النورى، ونظر ديوان [٣٤٧] الخزندار، وصاحب حماة، ونظر الخزانة، ووكالة بيت المال، وكان مدرّسا بالكروسية نحو أربعين سنة، وسمع الحديث من الجمال العسقلانى، وغيره. الشيخ بهاء الدين عبد المحسن (¬٤) بن الصاحب محيى الدين محمد بن أحمد ابن هبة الله بن أبى جرادة.مات بالديار المصرية، ودفن بمقابر باب النصر، روى عن يوسف (¬١) بن خليل وغيره، وكان شيخا جليلا فاضلا. الشيخ الحكيم الفاضل الأديب النحوى شهاب الدين أبو بكر (¬٢) بن يعقوب ابن سالم الديرى الرحبى، المعروف بالشاعور. مات فى أوائل هذه السنة ببلاد اليمن بقلعة تعز (¬٣)، كان قد حصل مالا كثيرا، وحصل له إقبال من أهل اليمن، ومن صاحبها الملك المؤيد، وله التصانيف المفيدة. الشيخ الإمام الزاهد أبو القاسم خلف (¬٤) بن عبد العزيز بن محمد القبتورى الإشبيلى. مات بمدينة النبى ﷺ فى أوائل السنة، ومولده فى سنة خمسة عشر وستمائة، وله نظم ونثر، وفضائل كثيرة، فمن شعره. ماذا جنيت على نفسى بما كتبت … كفى فياويح نفسى من أذى كفّى ولو يشاء الذى أجرى علّى بذا … قضاءه الكفّ (¬٥) عنى كنت ذا كفىوله: وا حسرتا لأمور ليس يبلغها … مالى وهنّ منى نفسى وآمالى أصبحت كالآل لا جدوى لدىّ … وما ألوت جدّا ولكن جدّى الآل الصاحب زين الدين أحمد (¬١) بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب الكبير بهاء الدين على بن محمد بن سليم، المعروف بابن حنا. كان رئيسا كبيرا، فقيها شافعيا، ذا حرمة وافرة، ودين متين، وله فضيلة تامة فى العلوم الشرعية، روى الحديث عن سبط السلفى وغيره، مات فى صفر منها (¬٢) ودفن فى قبر كان قد حفره لنفسه تحت رجلى الشيخ ابن أبى حمزة بالقرافة قبلى الحوش الظاهرىّ. الصدر شرف الدين محمد (¬٣) بن على بن محمد بن سعيد التميمى، المعروف بابن القلانسى. مات بداره بقاسيون، ودفن به، وكان من بيت كبير، وورث أموالا كثيرة، وهو صاحب حمام الزهور بجبل الصالحية بدمشق، سمع فى صغره من السخاوى، والقرطبى، والعزّ بن عساكر، وابن مسلمة، وغيرهم، وهو خال المولى عز الدين بن القلانسى.شمس الدين محمد (¬١) بن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبى سعد الآمدى، عرف بابن التيتى. مات بالقاهرة، جفلت به الفرس فوقع وتعلقت رجله بالركاب فتكسرت أعضاؤه، وحمل إلى منزله، فبقى قليلا ومات، وكان رجلا فاضلا؛ عارفا خبيرا، خالط الملوك والدول، وباشر المناصب الجليلة، وكان نائب دار العدل بالقاهرة، يقعد مع القضاة؛ وله سماع كثير من ابن المقير، وابن الجمّيزى، والكفرطابى، وغيرهم، ومات وله من العمر خمس وستون سنة. شمس الدين محمد (¬٢) بن الخطيب شمخ (¬٣) بن ثابت العرضى، خطيب داريا. مات بمدرسة سيف الدين السامرى بدمشق، سمع من والده، وغيره. الشريف الأمير عز الدين جماز (¬٤) بن شيحة الحسينى، صاحب المدينة النبوية. مات فيها، وكان شيخا كبيرا، أضر فى آخر عمره، وقام بالأمر بعده ولده [٣٤٨] الشريف ناصر الدين منصور (¬٥).الأمير ركن الدين بيبرس (¬١) الموفقى المنصورى، مات فيها (¬٢) بدمشق، وظهر بعد موته بقليل أن مماليكه خنقوه وهو سكران (¬٣)، وجرى فى ذلك فصول كثيرة، وادعى أولاد سنقر الأشقر أنه مملوكهم باق على ملكهم، فلم يثبت لهم ذلك. الأمير سيف الدين بهادر سمز (¬٤) المنصورى. مات بأرض المرج، كان مع نائب السلطنة والأمراء فى الصيد، فدهمهم فى الليل طائفة من العرب فقاتلوهم، فقتل من العرب أكثر من نصفهم، ودخل سمز بينهم ولم يرجع عنهم، فضربه واحد منهم برمح فقتله، وحمل إلى قبر البيت فدفن هناك. وقال ابن كثير: لما دهمهم العرب كان يرميهم بالنشاب ويقول: أنا بهادر دمشق، فرماه بعض العرب بحربة وقال: خذها، وأنا عصفور بن عصفور (¬٥)، فقتله. الأمير مبارز الدين سوارى (¬٦) بن بركرى الجاشنكير الرومى، أمير شكار، توفى فى هذه السنة.الشيخ تاج الدين بن الرفاعى، شيخ الأحمدية بأمّ عبيدة من مدة مديدة. وكان يكتب عنه إجازات الفقراء، توفى فى هذه السنة، ودفن هناك عند سلفه بالبطائح.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الخامسة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والسلطان، الملك الناصر محمد بن قلاون. والخليفة: المستكفى بالله العباسى. ونائب الشام: جمال الدين الأفرم، ونائب حلب: شمس الدين قراسنقر المنصورى.
  • full passagepage 1788, entry [496]4,868 chars
    ذكر من توفى فيها من الاعيان الشيخ عيسى (¬١) بن الشيخ القدوة الكبير سيف الدين رجيحى بن سابق بن الشيخ يونس (¬٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بزاويتهم التى بالشرف الأعلى، غربى الوراقة المطلة على الميدان الأخضر. وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم منها. الخطيب شرف الدين أبو العباس أحمد بن (¬٣) إبراهيم
    ▸ expand full passage (4,868 chars)
    ذكر من توفى فيها من الاعيان الشيخ عيسى (¬١) بن الشيخ القدوة الكبير سيف الدين رجيحى بن سابق بن الشيخ يونس (¬٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بزاويتهم التى بالشرف الأعلى، غربى الوراقة المطلة على الميدان الأخضر. وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم منها. الخطيب شرف الدين أبو العباس أحمد بن (¬٣) إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزارى المقرئ، النحوى، المحدث، شيخ الشافعية. ولد سنة ثلاثين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وانتفع على المشايخ فى ذلك العصر كابن الصلاح، والسخاوى، وغيرهما، وتفقه، وأفتى، وناظر، وبرع وساد أقرانه، وكان أستاذا فى العربية، واللغة، والقراءات، وإيراد الأحاديث النبوية. مات عشية الأربعاء تاسع شوال عن خمس وسبعين سنة،ودفن عند أبيه وأخيه العلامة الشيخ تاج الدين عبد الرحمن (¬١) بباب الصغير (¬٢)، وولى الخطابة بعده ابن أخيه العلامة برهان الدين (¬٣) شيخ الشيخ ابن كثير. ورثاه الشيخ شمس الدين بن الصائغ بقوله: لا تطمعى يا عين فى الإغفاء … وثقى بسهد دائم وبكاء فلقد بليت بصدمة ما مثلها … صبرى عدمت بها وعزّ عزائى مالى وما للنائبات فقد رمت … فلبّى بأنواع من البرحاء يا ليلة حققت فيها ما جرى … كم بتّ تبكى بليلة ليلاء قالوا خطيب المسلمين أصيب فى … عليائه فقضى بسهم قضاء فوجمت فى البر الفسيح تألما … حتى حسبت بضيقة النداء وترنم الحادى فقلت له: اتئد … فالحزن قدّامى وكان ورائى أفلت نجوم المجد بعد طلوعها … وخبت بروق العلم بعد ضياء وتوقدت شمس النهار تأسفا … واصيبت السراء بالضراء « .............. » (¬٤) … وبكى الرجاء سائر الأرجاء وجدوا على الشيخ الإمام أخى العلم … اء قطب الأئمة سيد العلماء من للمنابر عند مجتمع الورى … لعظيمة يا فارس الخطباءوهى قصيدة طويلة. الصدر علاء الدين على بن (¬١) معالى الأنصارى الحرانى الحاسب، يعرف بابن الوزير. كان فاضلا، بارعا فى صناعة الحساب (¬٢)، وانتفع به جماعة. وكانت وفاته فى أواخر صفر (¬٣) منها فجأة، ودفن بقاسيون. الشريف الرئيس الصدر عماد الدين يحيى بن (¬٤) أحمد بن يوسف بن السراج الحنفى، المعروف بالبصراوى، ناظر ديوان الأشراف. كان من أعيان الأشراف، دينا، صالحا، ورعا، من أهل السنة، وكان على ذهنه طرف جيد من التاريخ والمحاضرات، كثير المحفوظ، وكان أمينا [٣٦٧] فى مباشرته، باشر ديوان الأشراف نحو خمسين سنة، مات بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية. الأديب الفاضل بدر الدين محمد (¬٥) بن عبد الله، المعروف بابن البابا، المغزى الشاعر.وكان قد توجه من دمشق إلى طرابلس، إلى نائبها الأمير سيف الدين أسندمر ومدحه بقصيدة فأدركه أجله، فمات بها، ومن شعره: لاح مثل الهلال وهو منير … وانثنى كالقضيب وهو نضير رشا فاتن اللحاظ كحيل الطرف … ساجى الجفون أحور غرير بابلى الألفاظ حلولما … بابلى اللحاظ فيها فتور يتهادى مثل « .... (¬١) …» ولم لا وهو من ريق ثغره مخمور فهو للأحباء روض انيق … وهو للثّم جنة وحرير شفّنى خدّه وناهيك خدّ … وسبانى عذاره المستدير وسقانى من ريقه العذب … كأسا كالحمّيا مزاجها كافور بشفاه مثل العقيق … وثغر لؤلؤى كأنه بلور وهى طويلة. الشيخ الصالح تقى الدين حسين بن (¬٢) صدقة بن بدران الموصلى. كان رجلا صالحا، خيرا، على قدم التجريد لا يملك شيئا، وربما بقى أياما لا يحصل له ما يأكله وهو صابر لا يسأل أحدا، وعنده فضيلة. وله شعر، فمنه قوله فى مجد الدين يوسف بن القباقبى وكان بديع الحسن، وقد رآه يشتغل فى النحو على شيخه النور المصرى: يحق لقلبى لا يقرّ قراره … إذا بان من أهوى وشط مزاره (¬٣)فيا عذّلى لا تنكروا فرط ذلّتى … فذلّ المعنّى للحبيب فخاره تمرّ ليالى الصبر شوقا وحسرة … وتفنى بما قاساه ليلا نهاره بليت بمن لا يعرف العطف قلبه … كذلك قلبى ليس تخمد ناره فيا منيتى رفقا بمن عيل صبره … غدا نازحا عنه وشط مزاره وصله فإنّ الهجر راح بعمره … فحتى متى هذا الغرام حواره ولم أنس يوما فيه شاهدت يوسف … كبدر على غصن زهاء اخضراره فحاولت أخفى الغرام فلم أطق … وقام بعذرى فى هواه عذاره فكن أيها المصرىّ يا أفصح الورى … سجيا بعلم النحو فهو اختياره وعلمه باب (¬١) … العطف كيما يرقّ لى ويحنو فقد أودى بقلبى نفاره وعرّفه معنى الوصل فى شرح درسه … جعلت جوارا للذى عزّ جاره (¬٢) القاضى شمس الدين محمد (¬٣) بن محمد بن بهرام الشافعى، خطيب حلب، المعروف بالدمشقى. باشر نيابة الحكم بدمشق عن قاضى القضاة بهاء الدين بن زكى، وتولى قضاء القضاة بحلب، وكان دينا صالحا ورعا، [٣٦٨] مات بحلب فى مستهلجمادى الأولى منها وقد بلغ الثمانين (¬١). القاضى مجد الدين سالم (¬٢) بن أبى الهيجاء بن حميد الأذرعى، قاضى نابلس. أقام قاضيا بها مدة أربعين سنة (¬٣)، وعزل عنها فى آخر عمره، فحمله أولاده على التوجه إلى الديار المصرية للتسبب فأدركه أجله هناك، ومات فى ثانى عشر صفر، ودفن بمقابر باب النصر، ﵀. الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين أحمد بن العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى. مات بدمشق بالمارستان الصغير، ودفن بقاسيون، كان شيخا كبيرا، كثير الصلاة والذكر، صحب الفقراء طول عمره، وروى عن أبى مسلمة، والمرسى، وغيرهما. الملك الأوحد تقى الدين شادى (¬٤) بن الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادى ابن مروان.مات بقرية من عمل الجرد، وحمل منها إلى الصالحية فدفن بتربة والده بسفح قاسيون، وكان أحد الأمراء بدمشق، معظما فى الدولة، وكان لديه فضيلة وخبرة بالأمور، ومولده سنة ثمان وأربعين وستمائة، وكانت وفاته فى ثانى صفر منها آخر نهار الأربعاء.فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّادسة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة: والخليفة: المستكفى بالله العباسى. وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونواب مصر والشام وقضاتها هم المذكورون فى التى قبلها. والشيخ تقى الدين بن تيمية مسجون بالجب فى قلعة الجبل.
  • full passagepage 1810, entry [502]8,004 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان القاضى تاج الدين صالح (¬١) بن ثامر بن حامد بن على الجعبرى الشافعى (¬٢)، نائب الحكم بدمشق، ومعيد الناصرية. وله فضائل، وعلوم، وديانة، وأمانة، مات فى ربيع الأول عن ست وسبعين سنة (¬٣)، ودفن بقاسيون. الشيخ ضياء الدين أبو محمد عبد العزيز (¬٤) بن محمد بن على الشافعى الطوسى، مدرس
    ▸ expand full passage (8,004 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان القاضى تاج الدين صالح (¬١) بن ثامر بن حامد بن على الجعبرى الشافعى (¬٢)، نائب الحكم بدمشق، ومعيد الناصرية. وله فضائل، وعلوم، وديانة، وأمانة، مات فى ربيع الأول عن ست وسبعين سنة (¬٣)، ودفن بقاسيون. الشيخ ضياء الدين أبو محمد عبد العزيز (¬٤) بن محمد بن على الشافعى الطوسى، مدرس النجيبية (¬٥)، شارح الحاوى (¬٦)، ومختصر ابن الحاجب (¬٧).كان شيخا فاضلا، دخل الحمام وخرج، فغشى عليه ومات، وشكّ فى موته، وأخّروا دفنه إلى ثانى يوم، ودفن بمقابر الصوفية، وكانت جنازته حفلة. وقال ابن كثير: وكان موته فى التاسع والعشرين من جمادى الأولى منها (¬١). الشيخ الجليل سيف الدين الرجحى (¬٢) بن سابق الدين (¬٣) هلال بن يونس، شيخ اليونسية بمقامهم. مات فيها ودفن فى داره التى كان يسكنها داخل باب توما، وتعرف بدار أمين الدولة، وكان ضخم الهامة جدا، محلوك (¬٤) الشعر، وخلف أولادا، وجلس مكانه ولده الشيخ حسام الدين فضل، وكانت له حرمة وافرة، ومنزلة عالية فى الدولة من حين قدم من الشرق فى زمان المنصور قلاون، وكان عنده أتباع كثير. الشيخ جمال الدين إبراهيم (¬٥) بن محمد بن سعد الطيبى، المعروف بابن السواملى، والسوامل (¬٦) الكاسات (¬٧).كان معظما ببلاد الشرق جدا، وكان تاجرا كبيرا، مات فى جمادى الأولى منها، وكان قد سافر فى أول عمره إلى الصين ومعه مال يسير، ففتح عليه، وتمول إلى الغاية، وكان ينطوى على دين وكرم وبر وصدقة، واعتقاد فى أهل الخير، وكان يحمل إلى الشيخ عز الدين الفاروثى فى كل عام ألف مثقال، ثم مالت عليه التتار بالأخذ حتى تضعضع حاله وقلت أمواله، وانتقل إلى واسط. قال ابن منتاب، قال لى جمال الدين السواملى: ما بقى لى شئ سوى هذا الحبّ، وأرانى حبّا فيه ثمانون ألف دينار، [٣٧١] فبعثه إلى الصين، فكسب الدرهم تسعة، وولى ابنه سراج الدين عمر نيابة الملك بالمعبر، وصار ابنه محمد ملك شيراز، وابنه عز الدين كامل جميع المملك التى لفارس، ورزق جمال الدين من السعادة ما لاحد لها. قيل: إنه اشترى صدفة مجوفة بدرهم، وذلك فى أول سعادته، وكسرها، فخرج منها درة بيضاء مدورة زنتها خمسة عشر حبة، فقيل: إنها قوّمت على الملك أبغا بستين ألف دينار، وهى التى كانت أول سعادته، وكان من حسنات الزمان، ﵀. الشيخ العابد الصالح خطيب دمشق شمس الدين محمد (¬١) ابن الشيخ أحمد ابن عثمان الخلاطى، إمام الكلاّسة.كان شيخا حسنا بهى المنظر، باشر إمامة الكلاسة قريبا من أربعين سنة، وخطب لخطابة جامع دمشق من غير سؤال منه ولا طلب، فباشرها ستة أشهر ونصفا، وكان حسن الصوت، طيب النغمة، عارفا بصناعة الموسيقى، مع ديانة وعفة، وكانت وفاته فجأة بدار الخطابة يوم الأربعاء ثامن شوال عن ثنتين وستين سنة (¬١)، ودفن بقاسيون فوق مغارة الجوع، وكان أولا أمّ بالمسجد الذى بالقرب من المارستان النورى مدة وهو صبى، ثم انتقل إلى إمامة مشهد ابن عروة، ثم لما مات والده انتقل إلى إمامة الكلاسة، ﵀. الشيخ القدوة العابد أبو عبد الله بن مطرف. توفى بمكة فى رمضان، وكان مجاورا بمكة ستين سنة، وكان يطوف فى كل ليلة خمسين أسبوعا (¬٢)، توفى عن تسعين سنة، ﵀. الشيخ الصالح عمر (¬٣) السعودى (¬٤). توفى بزاويته بالقرافة فى ثانى جمادى الآخرة (¬٥)، ودفن بها. القاضى شرف الدين محمد بن القاضى فتح الدين بن عبد الله بن القيرانى الحلبى، أحد كتاب الدرج بمصر.توفى فيها، ودفن بالقرافة، وكان دينا فاضلا، سمع الحديث النبوى. القاضى جمال الدين أبو بكر محمد (¬١) بن عبد العظيم بن على بن سالم الشافعى، المعروف بابن السفطى، خليفة الحكم العزيز. توفى فيها ليلة الإثنين حادى عشر شعبان بالقاهرة (¬٢)، ودفن بالقرافة، ومولده سنة ثمان وعشرين وستمائة، وولى نيابة الحكم بالقاهرة نحوا من أربعين سنة وتركها فى آخر عمره. الصاحب الكبير شهاب الدين أحمد (¬٣) بن أحمد بن عطا الحنفى الأذرعى. مات فى هذه السنة، ودفن قبالة داره بسفح قاسيون، وكان رجلا حسنا متواضعا، مليح الملتقى، حصّل أملاكا كثيرة، وعمرّ عمائر كثيرة، وخالط الدولة من الأيام الظاهرية، وولى الوزارة فى دولة الملك العادل زين الدين كتبغا أياما يسيرة، وولى حسبة دمشق مدة مضافا إلى الديوان العادلى، وغير ذلك. الصدر الرئيس بدر الدين محمد (¬٤) بن فضل الله بن مجلى العدوى. مات بدمشق، ودفن بقاسيون، وكان من أعيان الكتاب المتصرفين، جاوز السبعين من العمر، وهو أخو القاضى شرف الدين (¬٥)، والقاضى محى الدين (¬٦)،وهو الأوسط، وكان التتار قد أخذوه معهم من دمشق فى سنة تسع وتسعين وستمائة، ولطف الله به وخلّصه حتى مات بين أهله وولده، ﵀. الصدر علاء الدين على بن الحسن بن النحاس المعروف بابن عمرون. مات [٣٧٧] بدمشق ودفن بقاسيون، وكان ناظر ديوان الحشرية (¬١) بدمشق، وخدم فى عدة جهات، وأقطار كبار، وكان مشكور السيرة (¬٢). الشيخ أبو بكر (¬٣) بن مسعود بن عصرون القدسى، المعروف بالزرعى. مات فى دمشق، ودفن بمقابر الصوفية، وكان فقيرا، وعمرّ، وأضر فى آخر عمره، ومولده فى سنة اثنتى عشرة وستمائة (¬٤). وله شعر، فمنه فى زهرة السفرجل: زهر السفرجل قد أتاك مبشر … بالورد وهو لذلك غير مخلّد فكأنه عيسى بن مريم قد أتى … للعالمين مبشرا بمحمدوله: لا سحر إلا الذى تبديه عيناك … ولا ملاحة إلا « ...... » (¬١) لمحياك قال زجل (¬٢): [٣٧٩] مالى وللناموس … أش بى عبوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس الشرب فى الماجور قلبى يحنّ … ومجلسى معمور، من كل فن ودع نصير طنبور … أنقر أطنّ أرنّ بالناقوس … بين القوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس يوم أرى عندى … نكرش خليع فذاك يكون سعدى … وأنا جميع وكلما عندى … أرهن وبيع وأجور فى السالوس … وأهجم وبوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس ما العيش يا حضار … عيش خطيبغير الزهرّ والطار … وأغيد حبيب مالى ويلتقيان … كانى خطيب قاعد كذا كيموس … أسمع دروس الشرب بالقادوس يحيى النفوس يا عاذلى اقصر … عن الملام فى الراح واستبصر … يا ذا الغلام وكلما نقتدر … نوش المدام واخلع الملبوس … على الجلوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس ما أحسن الخضرة … ما بيننا وساقى الخمرة … هو زيننا ما عندنا فكرة … ولا عنا ووقتنا محروس … من كل بوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس وله مواليا: لما رقم طرز أطلس … وجنتو سندس قال العذول صباحو … قد رجع حندس دعو فورد خد … وذ قد ملى كندس فقلت ما أظرف … الأطلس مع القندسوقال: جاء البشير يبشرنا بعزل البرد … فقدّم الباطيه يا صاحبى والنرد واشرب على وجه أغيد فى الملاحة فرد … يجلو عليك البنفسج فى رياض الورد وقال دو بيت: عرج بربوع جيرة قد خانوا … عهدى وناءوا كأنّهم ما كانوا ساروا صحرا وأضرموا حين باتوا … من قلبى من مرامهم نيران الأمير سيف الدين بلبان (¬١) الجوكندار المنصورى، نائب حمص. توفى فيها، وتولاها سيف الدين بكتمر الساقى، وكان بلبان المذكور من خيار الترك، ولى نيابة قلعة صفد، وشدّ دمشق، ونيابة القلعة بها، ونيابة حمص فى آخر عمره. الأمير علم الدين سنجر (¬٢) الصوابى الجاشنكير، أحد الأمراء المقدمين بمصر (¬٣)، توفى فيها. الأمير بدر الدين بكتاش (¬٤) الفخرى أمير سلاح.كان أصله من مماليك الأمير فخر الدين بن الشيخ، وارتجع إلى مملكة السلطان الملك الصالح، وكان من أكابر الأمراء الصالحية المترددين فى الغزوات، المشهورين بالخير والصدقات، ولما قتل الملك المنصور لاجين أجمعوا على تمليكه فلم يوافق، وأشار بالملك الناصر محمد بن قلاون، وفى آخر عمره طلب النزول عن الإمرة لكبر سنه، فأجيب إلى ذلك، فأقام فى منزله حتى مات [٣٨٠]، وكان منزله داخل القاهرة. ووفاته فى ربيع الأول من هذه السنة وكان بين موته وقطع خبزه ثلاثة أشهر كوامل، وكان ذا همة ونهضة، ورأى ومعرفة، وهو آخر من مات من الأمراء الصالحية النجمية من الركب الأول رفيق الملوك. وقيل: آخر من مات ركن الدين بيبرس الجالق (¬١). الأمير علاء الدين على (¬٢) بن الملك القاهر عبد الملك بن المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. توفى فيها بدمشق، ودفن بقاسيون. الأمير فارس الدين أصلم (¬٣) الردّادى، توفى فيها. الأمير سيف الدين كاوركا المنصورى (¬٤)، توفى فيها.الأمير بهاء الدين أصلم (¬١) بن مرداش، توفى فيها بدمشق. الأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزورى (¬٢)، مات فى سابع عشر ذى الحجة (¬٣) منها بمصر. الأمير عز الدين أيبك الطويل (¬٤) الخازندار المنصورى. مات فيها، ودفن بقاسيون، وكان أميرا دينا، كبير القدر، له بر وصدقة. الطواشى الكبير الصالح شمس الدين صواب (¬٥) السهيلى الخزندار. مات فيها بالكرك، وقد قارب المائة سنة، وكان الملك الظاهر قد سلّم إليه قلعة الكرك، فاستمر بها إلى سنة إحدى وثمانين وستمائة فى أيام الملك المسعود نجم الدين خضر بن الظاهر، فتوجه إلى الحجاز الشريف فى جملة الركب الشامى، فلما وصل إلى تبوك لحقه الأمير عينه أمير بنى عقبه وقبض عليه وحمله إلى الملك المنصور قلاون، فلما ملك المنصور قلعة الكرك أعاده إليها وثوقا بأمانتهوديانته، فلم يزل بها إلى أن مات فيها، وكان له برّ ومعروف، ورباط وتربة، وكان كثير المال كبير السن. الطواشى شهاب الدين فاخر (¬١) المنصورى، مقدم المماليك السلطانية. توفى فى سابع ذى الحجة منها، وكان ذا مهابة وسطوة، وأخلاق حسنة.فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السابعة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة: والخليفة المستكفى بالله العباسى. والسلطان: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونائب دمشق الأفرم، ونائب حلب قراسنقر، وصاحب البلاد الشمالية طقطا، وصاحب العراقين وما والاها الملك خربندا، وصاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود. وذكر بيبرس فى تاريخه فى هذه السنة: وقوع الوحشة بين السلطان الملك الناصر محمد وبين الأمراء سلاّر وبيبرس (¬١) وغيرهما، وقد ذكرناه فى السنة الماضية كما ذكره ابن كثير (¬٢).
  • full passagepage 1845, entry [512]7,552 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ صالح (¬١) الأحمدى الرفاعى، شيخ المنيبع. وكان التتار يكرمونه [لما قدموا دمشق (¬٢)] ولما جاء قطلو شاه نائب ملك التتار [٣٩٤] نزل عنده، وهو الذى قال لابن تيمية حين تناظروا بالقصر: نحن ما يتفق حالنا إلا عند التتار وأما قدام الشرع فلا. الشيخ الصالح أبو حفص عمر (¬٣) بن يعق
    ▸ expand full passage (7,552 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ صالح (¬١) الأحمدى الرفاعى، شيخ المنيبع. وكان التتار يكرمونه [لما قدموا دمشق (¬٢)] ولما جاء قطلو شاه نائب ملك التتار [٣٩٤] نزل عنده، وهو الذى قال لابن تيمية حين تناظروا بالقصر: نحن ما يتفق حالنا إلا عند التتار وأما قدام الشرع فلا. الشيخ الصالح أبو حفص عمر (¬٣) بن يعقوب بن أحمد السعودى، توفى يوم الأربعاء ثانى جمادى الآخر منها. الشيخ فخر الدين عثمان بن جوشن السعودى، توفى فيها، وجلس أحد أولاده مكانه. الصدر الرئيس أمين الدين يوسف (¬٤) بن محمد بن رجب الرومى المحتسب بدمشق.مات فيها (¬١)، ودفن بتربته جوار الصوفية، وكان مشكور فى حسبته، أقام متوليها سنين، وعزل قبل موته بنصف سنة، ومات وهو ناظر المارستان النورى، وكان موصوفا بالأمانة والكفاية فى جميع أموره. الصدر الكبير شرف الدين محمد (¬٢) بن فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد ابن خالد القيسرانى الحلبى (¬٣)، أحد أعيان الموقعين بالديار المصرية. مات فى مستهل شعبان بالقاهرة، ودفن بالقرافة الصغرى، وكان مشكور السيرة، حسن الطريقة، كثير التلاوة ولديه فضيلة مشهورة، وبيته مشهور، ﵀. أفضى القضاة جمال الدين أبو بكر محمد (¬٤) بن عبد العظيم بن على بن سالم الشافعى المعروف بابن السقطى. مات بالقاهرة، ودفن بالقرافة الصغرى، كان مشكور السيرة فى قضاياه، ناب فى القاهرة مدة أربعين سنة، وترك القضاء فى آخر عمره، ومولده سنة اثنين وعشرين (¬٥) وستمائة، ووفاته فى حادى عشر شعبان منها.الشيخ الصالح أبو القاسم عمر (¬١) اليونينى السّلاوى. مات بزاويته خارج باب النصر بدمشق، كان رجلا صالحا خيرا، وهو ابن أخت الشيخ ناصر الدين السلاوى، ومولده فى سنة خمس وعشرين وستمائة. الشيخ المسند شهاب الدين (¬٢) محمد بن أبى العز بن مشرف البزاز الأنصارى الدمشقى. مات بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، وكان قد تفرد بالرواية عن ابن صبّاح (¬٣)، واشتهر بالرواية، وصار متسمعا بدار الحديث الأشرفية، ﵀. الصاحب الكبير الفاضل تاج الدين محمد (¬٤) بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب الكبير الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم المصرى الدار والوفاة، المعروف بابن حنا. سمع من سبط السلفى جزء الذهلى، ومن الشرف المزينى بدمشق، مات بمنزله ببركة الحبش، وحمل إلى تربته بالقرافة بالقرب من مشهد الإمام الشافعئرضى الله عنه، وكانت عنده رئاسة وحشمة وكرم نفس، وحسن عقيدة فى فى الفقراء والصالحين، وجده لأمه الوزير شرف الدين الفائزى، وهو من بيت رئاسة ووزارة كابرا عن كابر، وهو الذى اشترى الآثار النبوية على ما يقال بأربعمائة ألف درهم (¬١)، وهى قطعة من العترة، وبرود، ومخصف، وملقط، وقطعة من قصعة، وجعلها فى المكان المعروف بالمعشوق، انتهت إليه رئاسة عصره بمصر، وكان يتباهى فى المطاعم والملابس والمساكن، وكان كثير الصدقات والتواضع. قال القاضى شرف الدين بن فضل الله: اجتزت على تربته بالقرافة فرأيت إلى جانبها مكتبا للأيتام وهم يكتبون القرآن فى الألواح، فإذا أرادوا مسحها غسلوا ألواحهم [٣٩٥] وسكبوا ذلك الماء على قبره، فسألت عن ذلك، فقيل لى: هذا شرط الواقف (¬٢)، وهذا قصد جيد، وعقيدة صحيحة. وله شعر حسن، فمنه قوله: لله فى الأحوال لطف جميل … فاغن به عن ذكر قال وقيل ولا تفارق أبدا بابه … فمنه قد جاء العطاء الجزيل واشكر على الإنعام فيما مضى … كم أسبل الستر زمانا طويل وأخيبه المعرض عن بابه … خلّى كريما ثم أم البخيل فقل لمن عدد أنعامه … كل لسان عند هذا كليلوله موشح (¬١): قد انحل الجسم أسمر أكحل … وأوحل القلب فيه مذحل يميل … وعنه لا أميل يحول … وعنه لا أحول أقول … إذ زاد بى التحول أما حل عقد الصدود ينحل … ويرحل عن نجمى المزحّل برغمى … كم يستبيح ظلمى ويرمى … بحربه لسلمى وجسمى … مع النزام سقمى منحّل وقد غدا مزّحل … فلم حل سفك دمى وما حل متّوج … بالحسن هذا الأبهج مدبّخ … عذاره البنفسج مفلّح … يرنو بطرف ادعج مكحّل وريقه المنحّل … مفحّل بالعنبر المحلل كم ابعد … وكم أبيت مكمّد ويعمد … بهجره لا يفقد ويجهد … فى ارتضاء من قد تمحّل والحاسدون دحّل … ومحّل والوعد منه أمحلقلانى … واشترط هذا الجافى رمانى … فى عشقه زمانى خلانى … أشكو لمن يرانى قد انحل الجسم أسمر أكحل … وأوحل القلب فيه مذ حلّ (¬١) وله أيضا: بالله انشدوا لى فؤادى … قد ضاع وقت الرحيل واستجيروا كل حادى … واستوقفوهم قليل *** لا أوحش الله منكم … يا أهل وادى العقيق والله مذ غبت عنكم … انسان عينى غريق والقلب قد سار عنكم … مرفقا بذلك الرقيق *** غربتموه عن بلادى … والظن فيكم جميل يهيم فى كل وادى … ما ترحموا ابن السبيل *** قد ذاب قلبى وطرفى … وشرح حالى يطول ما تنظرون لضعفى … أو تسمعوا ما أقول يا جفن ما صرت تخفى … ما اشتكى عن عذول ***أشمتّ بى الأعادى … كم ذا عليهم تميل قد سار عنى رقادى … وصار ليلى طويل *** فاشهد إن جزت نجدا … فاقرئ ﵍ وجز ديار ...... … وانزل بتلك الخيام وقل لهم مات وجدا … قتل ذاك الغرام *** وان صحبت فادى … فى حبكم بالبعاد … وليس عنكم بديل *** يا لائم الصب جهلا … دع عنك ما لا يفيد أكثرت فى الحب عذلا … والصبر عنك بعيد وأنت يا شوق مهلا … كم ذا عليهم يزيد *** هذى العرب فى البوادى … ترعى ذمام النزيل من فضلهم والأيادى … تلقاك ظل ظليل *** البرق يخق وهنا … يحكى فؤادى الحزين والد تبكى حزنا … فى دارهم بالأفين *** [٣٩٦] والجسم أصبح مضنى … والقلب معهم رهين ***يا ساكنا بفؤادى … ارحم خضوع الذليل فأنت مالك قيادى … بكل فضل جزيل الأمير الكبير ركن الدين العجمى بيبرس (¬١) الصالحى النجمى، المعروف بالجالق (¬٢). أحد الأمراء البحرية، كان رأس الجمدارية فى أيام الصالح نجم الدين أيوب، وأمّره الملك الظاهر، ﵀، وكان من أكابر الدولة، كثير المال. وكان له مدة بالشام. مات بالرملة فى منتصف جمادى الأولى، ونقل إلى القدس، وكان قد أسنّ فكان آخر البحرية، وخاتمة الأمراء النجمية (¬٣)، ﵀. الأمير علاء الدين مغلطاى (¬٤) البيسرى، توفى فيها بدمشق. الأمير بهاء الدين يعقوبا بن نور الدين بدل الشهرزورى (¬٥).مات بالقاهرة، وكان من أكابر الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية، وله مكانة عالية فى الأيام الظاهرية، والمنصورية. وكان من فرسان المسلمين المشهورين، ﵀. الأمير شمس الدين الخضر (¬١) الحلبى، المعروف بشلّحونه (¬٢). كان فى أيام الظاهر والى القاهرة، واستمر فى الولاية أيام الظاهر والمنصور، ولما تولى الأشرف عزله وجعله شاد الدواوين لأنه كان ناهضا أمينا فى جميع ما تولاه، وعنده معرفة ومروءة وديانة، ولقب شلحونة زمن الولاية، لأنه كان إذا أراد أن يضرب أحدا يقول: شلحونه (¬٣)، فبقيت عليه لقبا. وكان والده أمير جاندار الملك الظاهر (¬٤) صاحب حلب. علاء الدين أيدمر (¬٥) السنانى. مات فيها، ودفن بمقابر الحمزيين بدمشق. كان معروفا بتعبير المنامات، وينظم الشعر الجيد، وخدم بقلعة دمشق، وبقى فى مغارة بها.ومن شعره: سفرت فخلت الصبح حين تبلّجا … فى جنح فود كالظلام إذا شجا فتانة فتّاكة من طرفها … كم حاول القلب النجاة فما نجا نحلت نضير الغصن قامة قدّها … وحبت مهاة الجزع طرفا أدعجا تفتّر عن برد نقى برده … بالرّشف حرّ حشاشتى قد أثلجا ما إن دخلت رياض جنة وجهها (¬١) … فرأيت عنها الدهر يوما مخرجا لما رشفت رحيق فيها ظاميا … فازددت إلاّ حرقة وتوهّجا تعطو برخص طرفته بعندم … وتريك ثغرا كالأقاح مفلّجا أنّى نظرت إلى رياض جمالها … عاينت ثمّ مفوّقا ومدبّحا زارت وعمر اللّيل فى غلوائه … فغدا من الشمس البهية أبهجا وسرى نسيم الروض ينكر إثرها … فتعرّفت آثاره ونأرّجا (¬٢) وله: ورد الورد فأوردنا المداما … وأرحّ بالرّاح أرواحا هيامى وأجلها بكرا على خطّابها … بنت كرم قد أبت إلاّ الكراما [٣٩٧] ذات ثغر جوهرىّ وصفه … فى رحيق رشفه يشفى الأواما برقعت باللؤلؤ الرّطب على … وجنتها (¬٣) كالنار لا تألو ضراماأقبلت تسعى بها شمس ضحى (¬١) … تخجل البدر إذا يبدو تماما بجفون بابلىّ سحرها … سقمها أهدى (¬٢) إلى جسمى السّقاما ونضير الورد فى وجنتها … نبته أنبت فى قلبى الغراما ودّت الأغصان لما خطرت … لو حكت منها التثنى والقواما قال لى خال على وجنتها … حين ناديت أما تخشى الضّراما منذ ألقيت بنفسى فى لظى … خدّها ألفيت بردا وسلاما (¬٣) السلطان أبو ثابت عامر (¬٤) بن عبد الله بن يعقوب المرينى. توفى فيها بطنجة، وكانت مدة سلطنته سنة وثلاثة أشهر وأياما؛ وجلس بعده على بن يوسف بن يعقوب المرينى، وقد مرّ خبر قضيته. *** والحمد لله وحده. يتلوه فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة: الثامنة بعد السبعمائة، إن شاء الله تعالى (¬٥).بسم الله الرحمن الرحيم، وهو حسبي فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة: والخليفة هو: المستكفى بالله (¬١) العباسي. وسلطان البلاد المصرية والشامية هو: الملك الناصر محمد (¬٢) بن قلاوون، ونائبه بالديار المصرية هو الأمير سيف الدين سلار (¬٣)، وهو والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير (¬٤) يدبران المملكة، وإليها يرجع الحل والعقد. ونائب الشام هو: الأمير جمال الدين أقوش الأفرم (¬٥). وبحلب: الأمير سيف الدين قرا سنقر (¬٦). وبحماة: الأمير سيف الدين قفجق (¬٧). وبطرابلس: الأمير سيف الدين أسندمر التركي (¬٨).
  • full passagepage 1944, entry [532]8,033 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • الشيخ الصالح الحلبوني (¬١) [عثمان بن عبد الله الصعيدي] (¬٢). أصله من صعيد مصر، فأقام بقرية حَلْبون وغيرها من تلك الناحية، ومكث مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعة من المريدين. مات بقرية بَرْزة في أواخر المحرّم ودفن بها. • الشيخ شمس الدين محمد (¬٣) الحَيْدري. مات في تاس
    ▸ expand full passage (8,033 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • الشيخ الصالح الحلبوني (¬١) [عثمان بن عبد الله الصعيدي] (¬٢). أصله من صعيد مصر، فأقام بقرية حَلْبون وغيرها من تلك الناحية، ومكث مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعة من المريدين. مات بقرية بَرْزة في أواخر المحرّم ودفن بها. • الشيخ شمس الدين محمد (¬٣) الحَيْدري. مات في تاسع عشر جمادى الأولى بزاويته (¬٤) ظاهر دمشق في طرق العُقيبة، ودفن بسفح قاسيون. وكان ضخمًا، نبيل القطعة، وله رواية كثيرة. • الشيخ مجاهد المنبجي (¬٥). مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بقاسيون، جوار تربة المولهين، وقد جاوز الستين. • الشيخ الصالح أبو الحسن علي (¬٦) بن محمد بن كثير الحراني الحنبلي، إمام مسجد عطية (¬٧)، ويعرف بابن المقرئ.ومولده بحران سنة أربع وثلاثين وستمائة، ومات بدمشق في العشر الأخير من رمضان، ودفن بسفح قاسيون • وتوفي قبله الشيخ أمين الدين بن شقير (¬١) الحراني بغزة، قاله ابن كثير. قلت: هو الشيخ العدل أمين الدين عبد الله (¬٢) بن عبد الأحد بن عبد الله بن سلامة بن خليفة بن شقير الحراني، مات بغزة (¬٣) وحُمِل إلى القدس الشريف ودفن هناك. وكان رجلًا مشكور السيرة محمود الطريقة، وهو من أكبر بيت في حران، وله في حران أملاك تساوي ألف ألف درهم وبضائع كثيرة في أيدي [التجار] (¬٤)، فترك الجميع وسافر إلى الشام، ثم خرج من دمشق مع جماعة من أقاربه وأولاده [بقصد القاهرة] (¬٥) في أول رمضان لأسباب له، فأدركه أجله في الطريق. • السيد الشريف زين الدين أبو علي الحسين (¬٦) بن محمد بن عدنان الحسيني، بقية الأشراف. كان فاضلًا، بارعًا، فصيحًا، متكلمًا، يعرف طريقة الاعتزال، وصاحب الإمامية، وتناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظرالجامع [الأموي] (¬١) ونظر ديوان الأفرم. ومات يوم الخميس السادس (¬٢) من ذي القعدة عن خمس وخمسين سنة، ودفن بتربتهم بباب الصغير. وله شعر جيد، فمنه قوله: عامل الناس بالصفاء تجدهم … مثل ما يُشتهى وفوق المراد ودع المكر والخداع جميعا … فقلوب الأنام كالأجناد (¬٣) • الشيخ الجليل ظهير الدين أبو عبد الله محمد (¬٤) بن عبد الله بن أبي الفضل البغدادي، شيخ الحرم الشريف بمكة، بعد عمه عفيف الدين منصور (¬٥) بن مَنَعَة. وقد سمع الحديث وأقام ببغداد مدة طويلة، "ثم سار إلى مكة بعد موت عمه" (¬٦)، فولى المشيخة إلى أن توفي فيها، ﵀. • الشيخ الصالح أحمد (¬٧) بن أبي القاسم المراغي. مات ليلة السبت ثاني المحرم بمصر، ودفن بالقرافة.• القاضي برهان الدين إبراهيم (¬١) بن أحمد بن ظافر [البرلسي] (¬٢)، ناظر بيت المال بالديار المصرية. مات في خامس صفر منها. • الشيخ شمس الدين محمد (¬٣) بن عبد الرحمن بن [سامة] (¬٤) الطائي، المحدث بمصر. مات يوم الثلاثاء الرابع [و] (¬٥) العشرين من ذي القعدة، ودفن بالقرافة. سمع [الحديث] (¬٦) ورحل في طلبه، ومولده سنة اثنتين وستين وستمائة. • الشيخ عبد الغفار (¬٧) بن [أحمد بن عبد المجيد الدوري المعروف بابن] (¬٨) نوح القوصى. مات بجامع مصر ليلة الجمعة سابع ذي القعدة. وكان فصيحًا لسنا، وله في الطريق وترتيب السلوك كلام مستحسن، وكان له قدمفي التجريد، وصحب الشيخ عبد العزيز المنوفى (¬١)، وبنى في آخر عمره رباطًا (¬٢). وفي السنة الماضية (¬٣)، جرى ببلد قوص حديث في أمر كنائس النصارى، فأطمع العامة فيها، فهدموها بأيديهم وهي ثلاثة عشر كنيسة، فأُنكر عليه، وطُلب إلى القلعة، فحضر وعُوِّق بها أيامًا في المسجد، ثم [خُلى] (¬٤) سبيله، فأقام بجامع مصر فأدركته منيته به وبيعت أثوابه التي مات فيها بخمسين دينارًا وفرقت على الزوايا والفقراء، والذي اشتراها بعض الأمراء. • الشيخ كمال الدين يوسف (¬٥) بن محمد بن إسماعيل المنشد. كان ينشد ديوان الصرصري (¬٦) ويحفظه، وكان صوته شجيًا، وهو الذي أشهر ديوان الصرصري بالشام، مات بدمشق، ودفن بتربة الشيخ رسلان. • الحكيم علم الدين إبراهيم (¬٧) بن الرشيد بن أبي الوحش، المعروف بابن أبي حُلَيْقة رئيس الأطباء بالديار المصرية والبلاد الشامية.مات في هذه السنة، قيل [تصدق بمائتي] (¬١) ألف دينار، وهو أول حكيم ركَّب بدمشق شراب الورد الطريّ ولم يكن يُعرف بدمشق قبل ذلك، ﵀. • الصدر الكبير عماد الدين سعيد (¬٢) بن ريَّان بن يوسف بن ريَّان الطائي العجلوني. مات في الرابع والعشرين من رجب (¬٣) منها بداره بدمشق، ودفن من يومه بتربة بني صصري. وكان حسن السيرة، سمح الكف، باشر مناصب جليلة، [ولديه] (¬٤) فضيلة، ﵀. • الشيخ الحافظ العدل بقية المسندين عماد الدين أبو البركات إسماعيل (¬٥) بن الشيخ الزاهد أبي الحسن علي بن أحمد بن إسماعيل بن حمزة، المعروف بابن [الطَّبال] (¬٦) الأزجي (¬٧)، شيخ الحديث بالمستنصرية (¬٨) ببغداد. مات في هذه السنة (¬٩)، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، ومولده في سنة إحدىوعشرين وستمائة. سمع البخاري من ابن كرم وابن القُطيعي وابن رُوزبة، وحدث بالكثير، وله إجازات كثيرة، ولم يخلف بالعراق مثله. • الشيخ صفي الدين (¬١) أبو نصر (¬٢) بن الرشيد بن أبي نصر، ناظر الجيوش بدمشق. مات بها، ودفن بسفح قاسيون بتربة الشيخ موفق الدين، ومولده سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان موته في الحادي والعشرين من رمضان. وكان أولًا سامريًا (¬٣)، ثم أسلم في زمن الملك المنصور قلاوون وحسن إسلامه، وكان مواظبًا على الصلوات في الجامع، ويحب أهل الخير، واشترى ملكًا وأوقفه على من يقرأ في المصحف بعد صلاة الصبح تحت قبة النسر، وكان يتصدق كثيرًا على فقراء كل ملة من المسلمين والسمرة واليهود والنصارى، وكان عفيفًا متواضعًا، لين الجانب، قاضي حوائج الناس، انقطع في آخر عمره لمرض لحقه، وعجز وشاخ، ولم يزل متمرضا إلى أن مات. • الشيخ المسند الرحلة بقية المشايخ شمس الدين أبو جعفر محمد (¬٤) بن على بن حسين الموازيني السلمي الدمشقي. كان شيخًا مسندًا، له ثروة، وعنده ديانة، وكان قد قسم ميراثه في حياته وبقىفقيرًا، وسكن في آخر عمره بقرية تلتيانة من (¬١) [٧٩] غوطه دمشق، ومات فيها في مستهل (¬٢) ذي الحجة منها، ودفن بمقابر الباب الصغير. وكان حج ثلاثين حجة، وانفرد بالرواية عن الحسين بن صصري (¬٣)، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة (¬٤). • العدل الفاضل محيي الدين أحمد (¬٥) بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين. مات بالقاهرة (¬٦)، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة. وكان في أول عمره يعاني الخِدم وكان أديبًا حُلْو المفاكهة. وله شعر حسن فمنه قوله: يا جفن مقلته سَكرْتَ فَعرْبد … كيف اشتهيت "على فؤاد المُكمَد" (¬٧) ورميت عن قوس الفتور فأصبحت … غَرضًا لأسهمك القلوب فسدِّد من لم يبت بعذاب حبك قلبُه … متنعمًا لا فاز منك بِمَوعِد للصب أسوة خال خَدَّك إنه … متنعم في جمره المُتَوقدِأهوى قوامَ الغُصن تعطِفُه الصبا … فِعْلَ الصِّبا (¬١) بقوامك المتأوّدِ لاموا على ظمائي عليك (¬٢) وما دروا … [٨٠] في ماء خدك ما حلاوةُ موردِي طورا أُخيَّا بالأقداح (¬٣) وتَارةً … في الخدّ بالريحان والوَرْد النَّدى وجه كما سفر الصباح وحوله … حسنا بقايا جنح ليل أسود وكأنما خاف العيون فألبست … وجناته زَرَدًا مخافة مُعْتَدِ أنى يخاف مَنْ استجار بحبِّه (¬٤) … محمد بن علي بن محمد (¬٥) وأراد به الصاحب فخر الدين (¬٦) بن الصاحب بهاء الدين. وكتب إليه [أبو الحسين] (¬٧) الجزار: وما شئٌ له نَقْشٌ ونفس … ويؤكل عظمه ويُحك جِلدُه يَوَدَّ به الفتى إدراك سُؤْل … وقد يلقى به ما لا يودُّه ويأخذ منه أكثره بحق … ولكن عند آخره يرُدّه فأجابه محيي الدين المذكور:أمولاي الأديب دُعاء عبد … ودود لا يَحُولُ الدهر وُدَّه يرى محض الثناء عليك فرضًا … ولا يثني عنان الشكر بُعْدُه لقد أهديت لي لغزًا بديعًا … يَضِلُ عن اللبيب لديه رُشْدُه وقد أحكمتَه دُرًا نضيدًا … يشنف مسمعي بالدر عِقْدُه فشطر اللغز أخماسٌ ثلاثٌ … للغُزْك "إن تُرِدَ يومًا أحُدُّه" (¬١) وباقيه مع التصحيف ست (¬٢) … إذا ما زدته حرفًا تعدُّه هما ضدّان يقتتلان وَهْنا … ويضطجعان في فرش يمدُّه هما جيشان من زنج وروم … يقابل كل قرن فيه (¬٣) ضدُّه تقوم الحرب فيه كل وقت (¬٤) … ولا تَدْمي من الوقعات جُنده ويشتد القتال به طويلًا … ويحكم بالأصاغر فيه عَقْدُه ويُقتِل ملكه في كل حين … ويبعثه النشاط فيسترده وما ينجي الهمام به حسام … وقد ينجي من الإتلاف بَنْدُه ونصر الله في الهيجاء سجال … فمن شاء الإله به يُمدُّه وهذا كله حسب اجتهادي … وغاية فكرة الإنسان جهده (¬٥)• الأمير الفقير علاء الدين أَلْطِبْرس (¬١) المنصوري، من قدماء المماليك المنصورية. وكان أميرًا بطبلخاناه، فنزل عن الإمرة وسلك الطريق وأدركه التوفيق، فلبس المرقعة والزيق، وأعتق المماليك والرقيق، وترك الإقطاع، وعكف على الصلاة والقيام إلى أن ناداه داعي الحمام، وتوفيت زوجته ليلة وفاته، [فدفنا] (¬٢) في يوم واحد، فكانا كما قيل: فكأنما كانا على ميعاد. • الأمير عز الدين أيبك (¬٣) الشجاعي (¬٤)، مشد الدواوين. توفي بمدينة قوص فيها، وتوفي أولاده وأهل بيته في زمن متقارب. • الأمير عز الدين أيدمر (¬٥) الرشيدي، استادار الأمير [٨٢] سلار. مات في تاسع عشر شوال منها بالمالخوليا، وكان عاقلًا ذا ثروة وجاه. • الملك المسعود نجم الدين خضر (¬٦) بن الملك الظاهر بيبرس. مرض أيامًا قليلة في هذه السنة، بعد ما سكن في دار الأفرم على شاطئ النيل، ومات على فراشه، ودفن بتربتهم بأقصى القرافة. وقد ذكرنا أنه كان محبوسًا فأفرج عنه الناصر (¬٧).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة وخليفة الوقت المستكفى بالله. وسلطان البلاد الملك المظفر بيبرس الجاشنكيري. ونائبه بمصر الأمير سلار. وبالشام الأمير جمال الدين أقوش الأفرم. وبحلب الأمير سيف الدين قراسنقر. وبحماة الأمير سيف الدين قفجق. وبطرابلس الأمير سيف الدين اسندمر. وقضاة مصر والشام على حالهم.
  • full passagepage 2042, entry [559]14,997 chars
    ذكر من توفى فيها من الأعيان • الخطيب ناصر الدين أحمد (¬١) بن الخطيب بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، خطيب جامع العقيبة (¬٢). مات بداره في دمشق، يوم الأربعاء نصف المحرم، ودفن عند والده بباب الصغير، وباشر بعده ولده بدر الدين [محمد] (¬٣) الخطابة. • قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الغن
    ▸ expand full passage (14,997 chars)
    ذكر من توفى فيها من الأعيان • الخطيب ناصر الدين أحمد (¬١) بن الخطيب بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، خطيب جامع العقيبة (¬٢). مات بداره في دمشق، يوم الأربعاء نصف المحرم، ودفن عند والده بباب الصغير، وباشر بعده ولده بدر الدين [محمد] (¬٣) الخطابة. • قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الغني (¬٤) بن يحيى بن [محمد بن] (¬٥) عبد الله ابن نصر ابن أبي بكر الحراني الحنبلي. ولد بحران سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وقدم مصر، فباشر نظر الخزانة وتدريس الصالحية ثم أضيف إليه القضاء (¬٦)، وكان مشكور السيرة. توفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين (¬٧) من ربيع الأول، ودفن بالقرافة، وولي بعده سعد الدين الحارثي (¬٨).• الشيخ نجم الدين أيوب (¬١) بن سليمان بن مظفر المصري، المعروف بمؤذن النجيبي (¬٢). كان رئيس المؤذنين (¬٣) بجامع دمشق، ونقيب الخطباء، وكان حسن الشكل، رفيع الصوت، استمر في ذلك نحوًا من خمسين سنة إلى أن توفي مستهل جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون، ومولده سنة عشرين وستمائة. • الشيخ شهاب الدين أحمد (¬٤) بن محمد بن أبي المكارم بن نصر بن الأصفهاني، رئيس المؤذنين بالجامع. ولد سنة ثلاثين (¬٥) وستمائة، وسمع الحديث، وباشر وظيفة الآذان من سنة خمس وأربعين إلى أن توفي ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة، ودفن بباب الصغير، ﵀. • الشيخ العارف تاج الدين أبو الفضل أحمد (¬٦) بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء السكندري المالكي، الصوفي، الواعظ المُذَكِّر. كان رجلًا صالحًا فاضلًا، يتكلم على الناس - على كرسي - بكلام حسن، وله ذوقومعرفة بكلام أرباب الطريق والسلف، وله في ذلك اليد الطولى، وله مصنفات (¬١) ونظم ونثر كثير. مات بالقاهرة في (¬٢) جمادى الأخرى، ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حفلة، حضرها جمع كثير. ومن نظمه: أيا صاح إن الركب قد سار مسرعًا … ونحن قعود ما الذي أنت صانع أترضى بأن يبقى الخلف بعدهم … صريع الأماني والغرام ينازع وهذا لسان الكون ينطق جهرة … بأن جميع الكائنات قواطع فقم وانظر الأكوان فالنور غَمرها … ففجر التداني نحوك اليوم طالع وكن عبده والق القياد لحكمه … وإياك تدبير فما هو نافع أتحكم تدبيرًا وغيرك حاكم … أأنت الأحكام الإله تنازع على نفسه فليبك من كان طالبًا … أو ما لمعت ممن يحب ملامع على نفسه فليبك من كان باكيا … أيذهب وقت وهو باللهو ضائع• القاضي عز الدين عبد العزيز (¬١) بن القاضي شرف الدين محمد بن فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد القيسراني، أحد كتاب الدرج، والمدرس بالفخرية (¬٢). مات في الثامن من صفر (¬٣) بالقاهرة، ودفن عند والده بالقرافة. كان من أعيان الموقعين، هو وأبوه وجده، ومات وله دون الأربعين سنة، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث، وكان مشكور السيرة، قاضيًا لحوائج الناس، وله نظم ونثر. ومن نظمه ما كتبه إلى الشيخ إبراهيم بن الرفاعي، عند توجهه من الديار المصرية إلى العراق، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وستمائة، وهو: إن فرق الدهر ما بيني وبينكم … بالرغم منى فقلبي معكم ساري وإن ترحلت عني فذكركم أُنسى … وكل أحاديثي وأسماري وما تذكرت أوقاتى بقربكم … إلا وغَرَّق طرفي مدمعي الجاري والصبر قد غاض والأشواق فائضة … وقد أراق فؤادي حرَّ أفكاري فارحم، فديتك، عبدًا مِنْ تحرقه … عليكم صارفي وهج من النار وسر على خيرة الرحمن في دعة … بحيث سرت فأنت الكوكب الساريوكتب في صدر كتاب: فلو أن لي وقتًا أبث صبابتي … وشوقى إلى رؤياك كنت بثثته ولكن يضيق الوقت والطرس دون أن … أبثَ غرامًا في هواك ورثته وكتب أيضًا جواب كتاب: جاء الكتاب ومن سواد مداده … مسكٌ ومن قرطاسه الأنوارُ فتشرف الوادي به وتعطرت … أرجاؤه وأنارت الأقطارُ (¬١) وقال: وقد قصد بعض بني الدنيا في حاجة وعَلَّق آماله به فلم ينجح، فتحقق أن سبب الحرمان تعلق آماله بغير الله تعالى، فعمل هذه الأبيات، فقُضيت حاجته من غير مسألة: من طلب الحاجات (¬٢) من عند … من يطعمه الله ويسقيه يكون قد ضَلَّ عن (¬٣) سبيل الهدى … وحاد عن نيل أمانيه لأن من يعجز عن نفسه يعجز … عن أرزاق راجيه فاطلب من الله وكن واثقًا … بالله في أمرك يكفيه وقطع الأطماع من غيره … واسأله مهما شئت يقضيه شتان ما بين فتى حائر … في رزقه من أين يأتيهوبين رب قادر قاهر … يقول كن في الأمر يمضيه وهو إذا أعطى فلا مانع … مَنْ ذا الذي يمنع معطيه • بهاء الدين عبد الله (¬١) بن الصدر نجم الدين أحمد بن على بن المظفر، المعروف بابن الحلى، ناظر ديوان الجيش المنصور. مات في هذه السنة (¬٢)، واستقر عوضه القاضي فخر الدين (¬٣) صاحب [ديوان الجيش] (¬٤)، ﵀ • الشيخ العلامة أبو الفتح محمد (¬٥) بن الشيخ أبي الفضل بن أبي على الحنبلي البعلبكي، النحوي. مات بالقاهرة (¬٦) بالمدرسة المنصورية، ودفن بمقبرة الحافظ عبد الغني القدسي بالقرافة. وكان قد حضر من دمشق إلى القدس، ثم توجه من القدس إلى القاهرة، فأقام بها أيام قلائل ومات. وكان عالمًا مفتيًا محدثًا، وله يد طولى في النحو، وله تصانيف (¬٧) منها: شرحالجرجانية للشيخ عبد القاهر (¬١) وغيره، ومولده في سنة خمس وأربعين وستمائة، وموته في ثامن عشر المحرم. • الشيخ الصالح موفق الدين يوسف (¬٢) الخلخالى، إمام الخانقاه السميساطية (¬٣). مات في الثامن والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بمقابر الصوفية، وقد قارب الثمانين. وكان رجلًا صالحًا حسن الطريقة، تصدق بجميع ما يملكه، ووهب ثيابه. • القاضي نبيه الدين الحسن (¬٤) بن نصر الأسعردي (¬٥)، محتسب القاهرة. مات في هذه السنة (¬٦)، وكان قد ولى نظر الدواوين (¬٧) لما تولى ضياء الدين النشائي الوزارة. • التاج (¬٨) بن سعيد الدولة، مشير الدولة. مات في هذه السنة، وكانت له مكانة عند المظفر.عرضت عليه الوزارة فامتنع والتجأ إلى زاوية الشيخ نصر (¬١) المنبجي. وكانت له حرمة أكثر من حرمة الوزير، وكلمته أنفذ من كلمته، وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا يخالط أحدًا، وولي مكانة ابن أخيه (¬٢) كريم الدين عبد الكريم (¬٣) ابن العلم هبة الله ابن السديد. • شهاب الدين أحمد (¬٤) بن عبد الله بن جبريل، الموقع. مات في هذه السنة (¬٥)، ودفن بالقرافة. وكان يسكن بحارة زويلة، وكان كاتب درج من الدولة المعزية، وهو والد صلاح الدين بن عبد الله، وكان قد أضر ولزم بيته، وله نظم حسن فمنه: كلفى بمعسول المراشف قد حمى … مغسول ريقته بقد غاسل نشوان من خمر الدلال فقد … غصن وقد هاجت عليه بلابلى ويهزه مرج الشباب فينثنى … فيها كمثل الشارب المتمايل مذجن فيه العاشقون صَبَابة … قد قُيدوا من شعره بسلاسل • الشهاب غازي (¬٦) بن عبد الرحمن بن محمد، الكاتب المجود.مات (¬١) بالعزيزية، ودفن بباب الفراديس، وقد جاوز الثمانين. كتب بالعزيزية نحو خمسين سنة، وكان قد كتب على الجمال بن النجار (¬٢) الكاتب، وانتفع به أهل دمشق، وكتب عليه أولاد الرؤساء. • الشيخ الصالح أحمد (¬٣) بن عبد الله الجوالقي. مات (¬٤) بزاويته بسفح قاسيون بقرب الرباط الناصري، ودفن بزاويته، وكان قد جاوز المائة. وكان يحلق ذقنه، فاستنابه الشيخ شمس الدين (¬٥) شيخ الجبل في سنة إحدى وخمسين وستمائة حين حج معه في تلك السنة. • الشيخ نجم الدين أبو عبد الله محمد (¬٦) بن محمد بن العنبري، الواعظ المشهور. مات بالقاهرة (¬٧)، ودفن خارج باب النصر. اشتغل بالوعظ على الشيخ عز الدين بن غانم المقدسي، وفاق أهل زمانه، وكان حسن الصوت، ويحفظ أشياء مليحة.• الأديب إبراهيم (¬١) بن على بن خليل الحراني، المعروف بعين بصل. كان شيخًا حائكًا، أناف على الثمانين، وكان عاميًا مطبوعًا. قصده قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان واستنشده من شعره، قال: أما القديم فلا يليق، وأما نظم الوقت الحاضر فنعم، فأنشده: وما كل وقت فيه يسمح خاطرى … بنظم قريض رائق (¬٢) اللفظ والمعنى وهل يقتضي الشرع [الشريف] (¬٣) تيممًا … بترب وهذا البحر يا صاحبي معنا ويروى أن ابن خلكان، قال له: إذ ذاك: أنت عين بصر لا عين بصل. وله لغز في الشبكة والسمك: كم كبسنا بيتًا لكي نمسك السـ … ـكان منه في سائر الأوقات فمسكنا السكان وانهزم البيـ … ــت لدينا خوفًا من الطاقات وله أيضًا: جسمى (¬٤) بسقم جفونه قد أسقما … ريم بسهم لحاظه قلبى رمى كالرمح معتدل القوام مهفهف … مر الجفا لكنه حلو اللمىرشأ أحلّ دمى الحرام وقد رأى … في شرعه وصل (¬١) الحلال محرمًا عن ورد وجنته وآس (¬٢) عذاره … وبسيف نرجس طرفه الساجي حما عاتبته فقسا، وفيت فخاننى … قربته فنأى، بكيت تبسمًا حكمته في مهجتى (¬٣) وحشاشتى … فجنى (¬٤) وصال عَلَىَّ حين تحكما يا ذا الذي فاق الغصون بقده … وسما بطلعته على قمر السما رفقًا بمن لولا جمالك لم يكن … خلف الصبابة والغرام متيما أنسيت أيامًا مضت ولياليا … سلفت وعشنا بالصريم تصرما إذ نحن لا نخشى الرقيب ولا نخف … صرف الزمان ولا نطيع اللوما والعيش غض والحواسد نُوَّم … عنا وعين البين قد كحلت عَمَى في روضة أبدت تغور زهورها … لما بكى فيها العام تبسما مد الربيع على الخمائل نوره … فيها فأصبح كالخيام مخيمًا يبدو الأقاحى مثل ثغر مهفهف … أضحى المحب به كثيبًا مغرمًا وعيون نرجسها كأعين غادة … ترنو فترمى باللواحظ (¬٥) أسهما والطير يصدح في فروع غصونها … سحرًا فيوقظ بالهديل النُّوماوالراح في راح الحبيب يديرها … في فتية نظروا المسرة مغنمًا فَسُقَاتنا تحكى البدور وراحُنَا … تحكى الشموس ونحن نحكى الأنجمَا (¬١) وقال في مليح الثغ: يقول وقد كررت تقبيل ثغره … بلثغته بُثى أخذتَ منافثى ثكرت بحثرة الخندريث … وكأثنا المحث وثكرى قد أثار وثاوثي وقال أيضًا: عن ند نكهته وخمرة سلسله … نقل الصبا خبر العبير مسلسلة قمر له الطرف المسهد ناقل … لكن له قلبي المعذب منزله وسنان وسنان الجفون من الكرى … في سمهرى قوامه ما أعدله ما سل سيف الفنج من لحظاته … إلا وأغمدت في حشاي منصله إن ماس أزرى بالقضيب … وإن بدا للبدر في ليل الغلائل أخجله كالمشترى لونا ولكن وصفه … كعطارد وذؤابتاه سنبله مستكمل الإيضاح من لمع الهوى … ومحصل [الأخبار] (¬٢) عندي مجمله لا تسألن سواى عن طرق الهوى … فعلى أهل العشق فيه معوله قال العذول وقد شغفت بحبه … عجبًا لمن كأس المنون يذله أنا قد رضيت بأن أموت صبابة … هذا العذول عليكم مالى وله• مخلص (¬١) الرومي. مات بقوص، وكان قد سير رسولًا إلى اليمن وعاد من عند صاحب اليمن، فلما وصل إلى مدينة قوص مات ودفن بها. • الأمير عز الدين أيبك (¬٢) الخازندار المنصوري. كان من أكابر الأمراء المنصورية الأقدمين، توفي فيها بمصر، وانتقل خبزه إلى الأمير بيبرس الدوادار صاحب التاريخ. قال بيبرس في تاريخه: فرأيت من الموافاة وحفظ العهد بعد الوفاة البر بولده، فنزلت له من العدة عن عشرة طواشية، فكُتبَ له بها، واستقرت باسمه (¬٣). • الأمير سيف الدين طغريل (¬٤) الإيغاني السلحدار، أحد المقدمين بالديار المصرية، مات فيها (¬٥). • الأمير علاء الدين على (¬٦) بن الأمير معين الدين سليمان البرواناه، نائب دار العدل الشريف. مات في هذه السنة، واعترف بأن له ولدًا ذكرا مقيمًا بقلعة سنوب ببلد الروم اسمه مسعود، وكانت وقد وصلت أخته من البلاد لتشاهده قبل الوفاة، فوصلت وشاهدته ميتًا.• الأمير الكبير شمس الدين سنقر (¬١) الأعسر المنصوري. مات في جمادى الأولى منها، وكان قد ولى الوزارة بمصر مع شد الدواوين، وباشر الشد بالشام مرات، وله دار وبستان [بدمشق] (¬٢) مشهوران به، مات بمصر، ودفن بتربته خارج باب النصر. وأصله مملوك الأمير [عز الدين] (¬٣) أيدمر الظاهري نائب دمشق وكان دواداره، فلما مسك أستاذه توصل إلى الأمير حسام الدين طرنطاي وخدمه، فأوصله إلى الملك المنصور، فاشتراه من أستاذه وهو في الحبس، وجعله نائب أستاذ الدار، فنهض في ذلك وقام به أتم قيام، ثم تولى شد الدواوين، عوضًا عن الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وأعطى إمرة وبسط يده، ولم يجعل لنائب دمشق عليه حكم، واستمر مدة أيام المنصور. فلما تولى الأشرف نكبه، فتوصل وتزوج بابنة الوزير شمس الدين بن سلعوس، فأصلح حاله مع الأشرف وأعاده إلى الشد، وبقى إلى آخر دولة العادل كتبغا، فعزله عند سفره إلى الديار المصرية واستصحبه معه، فوافق المنصور لاجين على كتبغا، فلما تم الأمر للاجين استوزره، ثم قبض عليه وحبسه، فلما قتل لاجين أخرج من محبسه وأعيد إلى الوزارة، فلم يزل فيها إلى سنة إحدى وسبعمائة، فعزل عن الوزارة بالأمير عز الدين [أيبك] (¬٤) البغدادي، ثم استقر مقدم ألف.وكان خبيرًا بالأمور، مهيبًا، ذا سطوة وهمة عالية، وكرم زائد، أوقف ببعلبك قرية للصدقات، وكان كثير الصدقة. • الأمير جمال الدين أقوش (¬١) بن عبد الله الرستمي، شاد الدواوين بدمشق. وولي قبل ذلك ولاية الولاة بالصقعة (¬٢) القبلية، بعد الشريفي، وكانت له سطوة عظيمة. توفي يوم الأحد الثاني (¬٣) والعشرين من جمادى الأولى، ودفن في القبة التي بناها تجاه قبة الشيخ رسلان، وباشر بعده أقجبا (¬٤) المنصورى شادا. وفي بعض التواريخ: وكان صاحب سطوة، قيل: إنه شنق حمارًا دخل في زرع، وشنق ثلاثة من العرب على رغيف خبز، وكان شيخًا كبيرًا. • الأمير شرف الدين قيران (¬٥) بن عبد الله المنصوري، مشد الدواوين بدمشق. مات في هذه السنة (¬٦) ودفن بسفح قاسيون وكان قد نكب بعد أن تولى الشد بدمشق، وجُعل أميرًا بحلب، ثم قُطع خبزه، وقدم دمشق، وكان عزمه التوجه إلى مصر، فأدركه أجله، فمات، ﵀.• الأمير جمال الدين أقوش (¬١) الرومي. كان قد جرده المظفر لحفظ الطرقات، فقتله مماليكه بالنشاب، وقد ذكرناه مفصلًا. • الأمير سيف الدين مقبل (¬٢) بن جماز بن شيحه، صاحب المدينة النبوية. قتل فيها في وقعة حرب بينه وبين كبيشه (¬٣) ابن أخيه منصور (¬٤)، واستقر منصور عوضه، وحضر برجس بن مقبل إلى الأبواب الشريفة مستصرخًا، فأرضى ببعض إقطاع أبيه، ورسم له باجتناب [النزاع] (¬٥) وأن يقيم بالشام إخمادًا للفتنة. • الأمير أبو يزيد (¬٦) بن خربندا. توفي فيها، فإن خربندا ولد له ولدان فسماهما بأسماء المشايخ لدخوله في الإسلام، سمي الواحد أبا يزيد والآخر بسطام. • الأمير إيل بصار (¬٧) بن [طقطاي] (¬٨) بن منكوتمر. توفي فيها حتف أنفه، وكن مرشحًا عند أبيه لتقدمة العساكر وتدبير الحروب وممارسة القتال، فالموت نقض ذلك كله.• السلطان محمد (¬١) بن يحيى - الواثق المخلوع - ابن محمد المستعين ابن الأمير أبي زكريا ابن عبد الواحد، صاحب تونس. توفي فيها (¬٢)، وتولى بعده أبو بكر بن عبد الرحمن، ابن عمه، وكان معوقًا بتونس محجوبًا، لا يمكنه التصرف في نفسه، لأن محمد بن يحيى المذكور كان يتخيل أن له ميلًا إلى السلطنة، فلما مات أخرجه أصحاب محمد من المكان الذي كان فيه وأجلسوه في الملك بتونس. وكان أبو البقاء خالد بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن هبة الله، ابن عم محمد [في] (¬٣) بجاية، وقد سار منها طالبًا تونس، فلما بلغه وفاة محمد بن يحيى المذكور سار مجدًا ودخل تونس، فوجد أبا بكر قد جلس وله ثمانية عشر يومًا منذ جلس، فقتله (¬٤)، واستقر في مملكة تونس أبو البقا خالد (¬٥) المذكور في ربيع [الآخر] (¬٦) منها • الأمير برلك (¬٧) أخو الملك [طقطاي] (¬٨). مات في هذه السنة.• الأمير سيف الدين أبو بكر (¬١) بن أحمد بن [برق] (¬٢) السُّنْبسي الدمشقي. مات فيها (¬٣)، ودفن بقاسيون، وكان من أبناء الثمانين، وولي عدة ولايات، وكان أمينًا، وكان أمير عشرة.﷽ فصل فيما وقع من الحوادث في السنة العاشرة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة وخليفة الوقت المستكفى بالله أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله العباسي. وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر محمد بن قلاوون. ونائبه بمصر الأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار. وقاضي القضاة الشافعية بدر الدين بن جماعة، وقاضي القضاة الحنفية شمس الدين محمد بن السروجي، وقاضي القضاة المالكية زين الدين بن مخلوف، وقاضي القضاة الحنبلية سعد الدين مسعود الحارثي. والوزير فخر الدين بن الخليلي، وناظر الجيش فخر الدين كاتب المماليك. ونائب الشام الأمير سيف الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري، والقاضي الشافعي بها نجم [الدين] (¬١) بن صصرى، والقاضي الحنفي صدر الدين على البصراوي والقاضي المالكي جمال الدين محمد الزواوي، والقاضي الحنبلي تقي الدين سليمان. ونائب حلب الأمير سيف الدين اسندمر الكرجي. ونائب حماة عماد الدين إسماعيل بن الأفضل (¬٢). ونائب حمص الأمير سيف الدين غرلو الزيني.ونائب طرابلس والفتوحات الحاج بهادر. ونائب صفد الأمير سيف الدين قطلوبك. ونائب صرخد الأمير جمال الدين أقوش الأفرم. ونائب الكرك الأمير سيف الدين أيتمش الناصري. ونائب غزة الأمير سيف الدين [قطلقتمر] (¬١) السلحدار. ونائب البيرة على الفرات الأمير سيف الدين طوغان. وصاحب ماردين الملك المنصور نجم الدين ايل غازي بن المظفر قرا أرسلان بن السعيد بن الناصر ابن أرتق. وصاحب اليمن هزبر الدين داوود بن الملك المظفر. وصاحب مكة عز الدين حُميضة وأسد الدين رميثة أولاد السيد نجم الدين أبي نمي. وصاحب المدينة النبوية ناصر الدين منصور [بن جماز] (¬٢) بن عز الدين شيحة. وصاحب إقليم دلي وكنبايت في الهند الملك المسعود (¬٣) بن علاء الدين محمود. وصاحب العراق وبلاد العجم وخراسان وديار بكر والروم الملك خرابندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكز خان.وصاحب ما وراء جيجون إلى بلاد خطاي التي أولها خان بالق ونهايتها المدينة العُظمى التي تسمى جنسار، الملك قيدو (¬١) بن قنجي بن طولو بن جنكز خان. وصاحب الصين وبلادها شرمون (¬٢) بن منغلاي بن قبلاي خان بن طولو بن جنكز خان. وصاحب صحراء القفجاق التي كرسيها سراي، الملك طقطاي بن منكو تمر بن طغان بن باطو بن جنكز خان. وصاحب ما وراء ذلك وهو البلاد المشرقية، مغنطاي (¬٣) بن قنجي بن أردنو (¬٤) بن دوشي خان بن جنكز خان. وصاحب تونس وأفريقية من الغرب أبو البقاء خالد بن أبي زكريا بن أبي حفص. وصاحب مراكش والمغرب الأقصى أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحق بن حمامة المريني. وصاحب الأندلس وكرسية غرناطه أبو الجيوش نصر [بن أحمد] (¬٥) بن محمد بن الأحمر. وصاحب تلمسان موسى (¬٦) بن عثمان بن زيان بن يغمراسن. وصاحب بلاد الحبشة الأمحرى النصراني. وصاحب [كرجستان] (¬٧) وكرسيه تفليس، الملك قسطنطين داود (¬٨) بن سودان.وصاحب قسطنطينية وهي اصطنبول الملك [أندرونيغوس الأشكري] (¬١). وصاحب برشونة الريد راكون البرشوني. وصاحب افرنسه [الريد افرنس] (¬٢). وصاحب سيس وبلادها أوشين الأرمني.
  • full passagepage 2095, entry [570]21,812 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • قاضي القضاة العلامة شمس الدين أبو العباس أحمد (¬١) بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق السروجي الحنفي. تفقه على القاضي صدر الدين سليمان (¬٢) بن أبي العز بن وهيب، وعلى أبي الطاهر إسحاق (¬٣) بن على بن يحيى الشيخ نجم الدين وصاهره، وولى الحكم بمصر مدة، وعزل قبل موته بأيام.
    ▸ expand full passage (21,812 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • قاضي القضاة العلامة شمس الدين أبو العباس أحمد (¬١) بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق السروجي الحنفي. تفقه على القاضي صدر الدين سليمان (¬٢) بن أبي العز بن وهيب، وعلى أبي الطاهر إسحاق (¬٣) بن على بن يحيى الشيخ نجم الدين وصاهره، وولى الحكم بمصر مدة، وعزل قبل موته بأيام. وكان بارعًا في علوم شتى، وله اعتراضات على ابن تيمية في علم الكلام، ووضع شرحًا على الهداية (¬٤) وسماه: الغاية، ولم يكمله، ولو كمل هذا لكان يحصل به الاستغناء عن شروح الهداية كلها وعن غيرها، فإنه سلك طريقة لم يسلكها أحد قبله. وولد سنة تسع، وقيل سبع، وثلاثين وستمائة، وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر (¬٥) من هذه السنة، بالمدرسة السيوفية (¬٦)، ودفن من يومه بتربته بقرافة مصر، جوار قبة الإمام الشافعي، ﵁.• الشيخ كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم (¬١) بن الحسين الأملى شيخ الشيوخ بالديار المصرية. وكان عنده تجريد، وله وصلة بالأمراء والدولة، وعُزل مرة بابن جماعة، ثم أعيد. وكانت وفاته ليلة السبت سابع (¬٢) شوال بخانقاه سعيد السعداء، وتولى بعده علاء الدين القونوي (¬٣). • الشيخ الإمام العالم العلامة نجم الدين أحمد (¬٤) بن محمد بن الرفعة. وإليه كانت حسبة مصر، وكان مشارًا إليه في مذهب الشافعي، وله من المصنفات كتاب النبيه في شرح التنبيه (¬٥)، وغير ذلك. قلت: شرح التنبيه في اثني عشر مجلدًا (¬٦)، وله شرح الوسيط (¬٧) في أربعين مجلدًا. توفي في ثامن عشر رجب، ودفن بالقرافة، ولم يزل محتسبًا بمصر إلى أن مات،رحمه الله. • القاضي شهاب الدين أحمد (¬١) بن علاء الدين علي بن عبادة. كان من أعيان الكتاب، وكان اختص بالملك الناصر وولي وكالته والنظر على خاصته بالديار المصرية والبلاد الشامية. مات في هذه السنة (¬٢)، وتولى بعده كريم الدين أبو الفضل عبد الكريم (¬٣) بن العلم بن السديد، أحد كتاب الأقباط، وكان قبل ذلك صاحب ديوان الركن الجاشنكير. • الفقيه الكبير عز الدين [عبد العزيز] (¬٤) بن عبد الجليل النمراوى الشافعي كان فاضلًا بارعًا، صاحب سلار وارتفع بسببه، مات في هذه السنة (¬٥). • القاضي عز الدين الحسن (¬٦) بن الحارث بن مسكين القرشي الزهري الشافعي. توفي بمصر بداره ليلة السبت ثامن جمادى الأولى، ودفن بالقرافة. وكان من أعيان فقهاء الشافعية، وكان مدرسًا بالشافعي، وعُيِن لقضاء الشام فامتنع منه تزهدًا، ﵀.• القاضي بدر الدين أبو البركات عبد اللطيف (¬١) بن قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رُزين الحموي. توفي يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخرة بالقاهرة (¬٢)، ودفن عند والده بالقرافة، وولد بدمشق سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان قاضي العسكر. • القاضي بهاء الدين عبد الرحمن (¬٣) بن الخطيب عماد الدين على بن [السكري] (¬٤). توفي بمصر ليلة السبت حادي عشر رجب، ودفن بالقرافة في حياة والده. • الشيخ بهاء الدين أبو الحسن علي (¬٥) بن الفقيه عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبي المعروف بابن القيم. توفي بالقاهرة يوم السبت السادس والعشرين من ذي القعدة، ودفن بالقرافة، وكان قد انفرد بالرواية عن الشيخ شمس الدين الفارسي (¬٦)، وكان ناظر الأحباس، وولي التركة الظاهرية، وصاهر الصاحب بهاء الدين بن حنا (¬٧). ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وكان صحيح العقل والحواس.• الصاحب أمين الدين أبو بكر (¬١) بن الوجيه عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الرقاقى (¬٢)، ناظر الدواوين بديار مصر. مات ليلة الأحد الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربته بالقرافة، وكان دينًا خيرًا كثير الإحسان إلى الناس. • الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبو العباس أحمد (¬٣) بن شرف الدين حسن بن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي. مات بداره بدير الحنابلة (¬٤) بسفح قاسيون، ودفن بتربة الشيخ أبي عمر (¬٥). كان من أعيان الحنابلة، ودرس بالصالحية، وولى الإمامة بمحراب الحنابلة بالجامع الأموي، وولي أيضًا قضاء القضاة بالشام. ومولده في المحرم سنة ست وخمسين، ومات في ربيع الأول منها (¬٦). • الشريف شمس الدين محمد (¬٧) بن على بن أبي طالب، المعروف بعطوف العطار.مات في هذه السنة (¬١) ودفن خارج باب النصر. وكانت روايته عالية، روي صحيح مسلم عن المشايخ الاثني عشر، وله إجازات عوال من بغداد وغيرها. • الشيخ كمال الدين إسحاق (¬٢) بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق النحاس الأسدي. مات بدمشق (¬٣)، ودفن بمقابر الباب الصغير. كان كثير السماع، وحدث به، وجاوز الثمانين سنة. • القاضي جلال الدين أبو المحاسن يوسف (¬٤) بن سعد بن الحسن النابلسي الأصل، الدمشقي، الشافعي. كان فقيهًا فاضلًا، وله سماع كثير، سمع: الشرف المرسي، والإسفرائني، وشيخ الشيوخ الحموي، وابن عبد الدايم. مات ببعلبك (¬٥) ودفن بباب سطحا. • القاضي الإمام محي الدين يحيى (¬٦) بن صالح بن عتيق الزواوي المالكي. مات بالمدرسة الشرابشية (¬٧) بدمشق، وصُلِّى عليه يوم عيد الفطر، ودفن بمقبرةالشريف زين الدين بن عدنان، بالقرب من مسجد الريان (¬١). كان فقيهًا فاضلًا، ناب عن قاضي القضاة جمال الدين المالكي (¬٢) بدمشق، وكان متواضعًا دينًا. • الحكيم الفاضل عفيف الدين عمران (¬٣) بن على بن عمران الدمشقي الفراء. مات فيها (¬٤)، ودفن بقاسيون، وكان طبيبًا جيدًا، عاقلًا، يحب الفقراء ويصحبهم، صحب ابن هود (¬٥) ودخل معه اليمن، وكان كثير الأمراض. • الشيخ الإمام العالم رضى الدين أبو بكر (¬٦) بن محمود بن أبي بكر الرقي الحنفي، المعروف بالمقصوص. مات بدمشق، ودفن بالباب الصغير. كان فقيهًا فاضلًا، عالمًا، وله اشتغال بعدة علوم، درس بالمدرسة العزية (¬٧) بالشرف الشمالى ظاهر دمشق إلى حين وفاته. • الشيخ الزاهد العابد شمس الدين محمد (¬٨) الكردي، المعروف باللاوي، المقيم بحرم القدس الشريف. مات في ذي الحجة، كان من الصلحاء المجتهدين في العبادة، ﵀.• الشيخ الإمام العلامة قطب الدين محمود (¬١) بن مسعود الشيرازي. كان فاضلًا في العلوم الفلسفية والأصول والمنطق والحكمة، وله في ذلك مصنفات (¬٢)، وولى قضاء الروم مدة، ولم يباشر، لكن كان له نواب في البلاد، وكانت له إطلاقات وإدارات على ملوك التتار والأمراء وغيرهم. وكان من تلامذة النصير الطوسي (¬٣)، وبنى له بتبريز تربة، أنفق عليها جملة من الأموال ودُفن بها، وأغلق البلد يوم وفاته (¬٤). وكان قاضيًا لحوائج الناس، وله الجاه العريض عند ملوك الشرق، وخلف جملة كثيرة من المال، وكان قد بلغ الثمانين (¬٥). • الشيخ الفاضل الأديب شهاب الدين أحمد (¬٦) بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز العزازي. التاجر بقيسارية جركس (¬٧)، الشاعر المشهور. مات في هذه السنة، ودفن بسفح المقطم.كان متقدمًا في فنه، مطبوعًا، جيد النظم في الشعر والموشحات والأزجال، ومن شعره: تعشقته ساحر المُقلتين … كبدر يلوحُ وغصن يميلُ إذ احمرَّ من وجنتيه الأسيل … واحور من مقلتيه الكحيل فقل [للشقائق] (¬١) ماذا ترين … وللنرجس الغض ماذا تقول وقالوا: ذبول بأعطائه … فقلت: يزين القناة الذبول وعابوا تمرض أجفانه … فقلت: أصح النسيم العليل وكتب إلى ناصر الدين بن النقيب (¬٢) ملغزا في شَبَّابه أحسن فيه كل الإحسان: وما صفراء شاحبة ولكن … يزينها النضارة والشباب مُكتَّبة وليس لها بنان … منقبة وليس لها نقاب تصيخ (¬٣) لها إذا قبلت فاها … أحاديثا تلذ وتستطاب ويحلو المدح والتشبيب فيها … وما هي لا سُعاد ولا الرباب فأجابه ناصر الدين عن قوله: أنت عجمية أعربت عنها … لسلمان يكون لها انتسابوتفهم ما تقول ولا سؤال … إذا حققت ذاك ولا جواب يكاد لها الجماد يهز عطفا … ويرقص في زجاجته الحباب وله: إن كنت تقبلنى عبدًا بلا ثمن … رأيتها مِنَّه من أعظم المنن يا معرضًا عن عتابي في محبته … كمثل إعراض أجفاني عن الوسن ولم يمر له شخص على بصرى … لكن أحاديثه مرت على أذني وله موشح: يا فؤادي ذُب بنار الحسرات … دون هاتيك الثنايا الخفرات أنا مفتون بمعسول اللما … فضح الغيد وأزرى بالدما كيف يروي ما بقلبي من ظما. وأرى ناظره بالرشفات … ما نعى من سلسبيل الرشفات وشادن حلو مذاق القبل … قد تحلى جيده بالعطل دو جفون ساحرات المقل قتلت عشاقها بالفترات … ألها عند المحبين ترات خصره ألبسني ثوب الضنا … وجنى فيه على ضعفي جني كلما هَزَّ قوامًا ورَنَىأَخَذَت عنه الغصون الثغرات … واستعار الظبي منه النظرات قمرى الوجه ليلى الشعر … سحرى النشر سحرى النظر نرجسي اللحظ وردي الخفر كتبت أصداغُه في الوجات … لا سبيل لا سبيل للحياة يا شقيق البدر بدر الظلم … هب جفوني زورة في الحلم وَانَه أحداقك من سفك دمي أنا أخشاها ولا أخشى الكماة … أرى فيها حياتي ومماتي ليس مع حَيَّات صدغك حياه … فاشف حر الوجد من برد الشفاه وأوف لي بالوعد من قبل الوفاه ومتى لم توف لي منك العدات … بلغت منى أمانيها العُداة • الحكيم الأديب الخليع شمس الدين محمد (¬١) بن دانيال الموصلي. صاحب الكتب الغريبة (¬٢) والنوادر العجيبة، وهو مصنف كتاب: طيف الخيال. وكان كثير المجون والخلاعة، وكان له دكان كحال داخل باب الفتوح، وكان أعجوبة فيالنوادر والأجوبة. ولد بالموصل سنة سبع وأربعين وستمائة، ومات في الثامن والعشرين (¬١) من جمادي الآخرة منها بمصر. ومن شعره: قد عقلنا والعقل أي وثاق … وصبرنا والصبر مر المذاق كل من كان فاضلًا كان مثلي … فاضلًا عند قسمة الأرزاق وله: ما عاينت عيناي عطلتي … أَيْشَم (¬٢) من حظي ومن بختي قد بعت عبدي وحماري (¬٣) وقد … أصبحت لا فوقي ولا تحتى وله في أقطع: (¬٤) وأقطع قلت له … "هل أنت" (¬٥) لص أو حد فقال تلك (¬٦) صنعة … ما عاد (¬٧) لي فيها يدوصحبه ولد القسيس المَلُكِي (¬١)، وكان جميل الصورة خاف والده عليه، فكتب إليه: قل للقسيس يومًا … والورى يفهم قصدي ما الذي أنكرت من نجلك … إذا خلص ودي خفت أن يَسْلَم عندي … هو ما يُسْلم عندي وقال في الحشيش: قل للذي ترك الحشيشة جاهلًا … وله بكاسات المدام وُلُوع إن المدامة إن أردت تطوعًا … لهي المحرم والحشيش ربيع وله: قل للذي غدت جوائز مدحهم … رقعًا على ذي عشرة مُدَّاق جيناكم بالكذب في أوراقنا … فأجزتم بالكذب في الأوراقي وله: قد قام ناعي الدجى على ساقي … يا حاسي الكأس نَبِّه السَّاقي وبَشَّرت بالصباح ساجعة … خضيبة الكف ذات أطواق ورقاء تشدو بعودها طربًا … محجوبة منه بين أوراقوللصبا في الرياض إذا نعس … النرجس بالطل مشي سَرَّاق فاغتنم العمر في أوائله … فلست تدري أواخر الباق • الطواشي شهاب الدين مرشد (¬١) الخازندار المنصوري. كان كبير الخازندارية، وزمام الآدر الشريفة السلطانية، وشيخ الخدام النبوية، وناظر المارستان المنصوري والأوقاف، والتربتين المنصورية والأشرفية (¬٢)، وكانت هذه الوظائف بيده. وكان خيرًا دينًا، مات بداره في القاهرة ليلة الخميس ثالث ذي القعدة منها، بعد أن أعفى عن الإمرة. • الأمير أقجبا (¬٣) المنصوري. مات بدمشق (¬٤) في هذه السنة، ودفن بتربته خارج باب الجابية، وكان من خيار الأمراء ديانة وعفة وأمانة، ولى نيابة بعلبك، ثم نقل إلى شد دمشق، ثم إلى نيابة غزة، ثم استقر مقدمًا بدمشق إلى أن مات. • الأمير الكبير الحاج بهادر (¬٥) المنصوري نائب طرابلس. مات في هذه السنة (¬٦).• الأمير قشتمر (¬١) الشمسي. توفي فيها بدمشق. • الأمير جمال الدين أقوش (¬٢) الموصلي، المعروف بقتال السبع، أمير علم. مات بمصر في تاسع (¬٣) رجب منها، ودفن بالقرافة. • الأمير خضر (¬٤) بن الخليفة المستكفى بالله العباسي. توفي في الثالث من جمادى الأولى، ودفن بالتربة التي بجوار السيدة نفيسة (¬٥)، ﵂. • الأمير بُرُلُغى (¬٦) الأشرفي. توفي ليلة الأربعاء الثاني من رجب معتقلًا في قلعة الجبل (¬٧)، قيل أنه منع الطعام والشراب حتى مات، ودفن بالحسينية خارج باب النصر، بجوار تربة علاء الدين الساقي استادار العالية (¬٨).• الأمير حسام الدين طرنطاي (¬١) البغدادي توفي فيها. • الأمير علاء الدين الطنبغا (¬٢) الجمدار. توفي فيها. • الأمير سيف الدين أرغون (¬٣) [الجمدار] (¬٤). توفي فيها. • الأمير قفجق (¬٥) المنصوري نائب حلب. توفي فيها في جمادى الأولى، وكان موته ببلاد حلب، وحُمل إلى حماة، ودُفن بتربته التي أنشأها، وكان له مدة متمرضًا، وخرج إلى الصيد وهو مسهول، فتزايد به الإسهال فمات بقرية يقال لها عين كذابة من عمل أعزاز، وكان شهمًا شجاعًا. • الأمير بلبان (¬٦) البيدغاني، نائب بغراس. قتله مماليكهـ، وقد وجل به فرسه في مرزة في مزارع بغراس.• الأمير نغية (¬١). مات في حبس قلعة دمشق، ودفن بمقابر الباب الصغير، وبقى الحرس على قبره أيامًا. • الأمير حسام الدين درباس (¬٢) بن يوسف بن درباس الحميدي. مات (¬٣) بداره بسفح قاسيون، ودُفن هناك. وكان عنده فضيلة، تولى حاجبًا بدمشق، وولي شد الأوقاف بها. • الملك المنصور علاء الدين على (¬٤) بن الملك الناصر محمد بن قلاوون. مات في ليلة الأحد حادي عشر شهر رجب بقلعة الجبل، ودفن بقبة الناصرية ببين القصرين، وكان عمره ست سنين وشهورًا، وكان والده الناصر في الصيد ولم يحضر وفاته. • الأمير الكبير سيف الدين سلار (¬٥)، الكلام فيه على أنواع: الأول: في أصله وجنسه: كان أصله من التتار، اكتسبه السلطان الملك المنصور قلاوون من التتار في وقعةأُبْلُسْتَيْن (¬١)، وأعطاه لولده علاء الدين على (¬٢)، فاختص به وخدمه وتقدم عنده، وشفع فيه الأمير طرنطاي في وقت أن يكون أمير عشرة فاحتقره السلطان، وقال: ليست دولة يكون فيها سلار أمير عشرة، ثم إن الدهر أناله ما لم ينله أحد من النواب قبله، فأقام نائب السلطنة بمصر إلى حين خروجه إلى الشوبك، أحد عشر سنة وأربعة أشهر وستة وعشرين يومًا. وقال بعض المؤرخين: وأصله مملوك الملك الصالح على بن قلاوون، ولما مات أستاذه بقي في خدمة الملك المنصور قلاوون إلى أن مات قلاوون (¬٣)، ثم اتصل بخدمة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وحظى عنده، وبقي في خدمته إلى أن قتل الأشرف (¬٤)، وكان بينه وبين حسام الدين لاجين (¬٥) مودة عظيمة، ولما قتل لاجين لم يبق (¬٦) الملك الناصر محمد بن قلاوون بالحضور إلى الديار المصرية إلا بكتاب سلار، فلما حضر وتسلطن قال: ما أعمل نائبي إلا سلار (¬٧)، فوافقه جميع الأمراء المنصورية لعلمهم بدينه وعفته. وكان أصله من التتار الأويراتية. النوع الثاني: في ترجمته: كان أسمر اللون، لطيف القد، أسيل الخد، لحيته في حنكهـ سوداء، وكان ظريفًا فيلبسه؛ اقترح أشياء في اللبس منسوبة إليه، وكذلك في المناديل، وفي قماش الخيل، وآلات الحرب. وكان عاقلًا، ذا رأي وحزم وشجاعة، إلا أنه لم ينفعه ذلك عند بلوغ الأجل، وكان صاحب صدقات كثيرة وبر إلى الضعفاء، وحج سنة ففرق في الحرمين الشريفين أموالًا عظيمة، حتى لم يدع فيها فقيرًا، وكان يحب العلماء ويحسن إليهم، ﵀. النوع الثالث: في القبض عليه: وكان السبب فيه: أن السلطان بلغه عن سلار المذكور، وبعض الأمراء الذين كانوا عاكفين عليه، أمور أنكرها، فقبض عليهم، وعلى أقوام آخرين كانوا بالشام من نسبتهم، وعدة مَنْ مسك من أمراء الشام سبعة، منهم: أقطوان الأشرفي، وعدة [الأمراء] (¬١) الذين قُبض عليهم أربعة عشر نفرًا (¬٢). وأما سلار، فقد ذكرنا أن السلطان أعطى له الشوبك وراح إليها، وكتب إليه السلطان مما بلغه عنهم، وعرض عليه الحضور إلى الأبواب الشريفة لإزالة القيل والقال، ولم تكن قلعة الشوبك معه، فإنه لما راح إلى الشوبك قال: هذا تقليد السلطان بالشوبك والقلعة، فقال له النائب هناك: أنا جاني بريدي امس معه كتاب السلطان أنه لم يعط القلعة لك؛ فقال سلار: أنا أجيب مرسوم السلطان. ثم إنه بعث مملوكًا من مماليكه إلى السلطان في أمر القلعة، فجاءه الجواب، وهو أنه يقول: أنا أعطيتك الشوبك وبلادها، وما أعطيتك القلعة، وأنت تحسب أنني نسيتك أو أخليك في الشوبك؟ وإش الشوبك وإش قلعتها؟ وسأبعث إليك وأجيبك إلى القاهرة وأوليك نائبًا بها على عادتك، وخلع على مملوكه، وَطُيِّب وخرج.وبعد خروجه من بين يديه كتب إلى عُربان الحجاز كتابًا، وحلف فيه أن سلار متى خرج من بيتكم وذهب إلى موضع ولم تمسكوه أقطع جاذرتكم من الأرض. قال الراوي: ولما جاء مملوك سلار إليه، وقرأ كتاب السلطان، أرسل إليه أيضًا يقول: أنا رايح إلى القدس، فأحلق رأسي وأقعد بين المجاورين إلى أن أموت. وكان السلطان قد أرسل إلى الأمير سيف الدين قفجق والأمير اسندمر، بأنكم قد كنتم ضمنتم سلار عندي، وما أعرفه إلا منكم. ثم طلب الأمير علم الدين الجاولى والطشلاقي، وكتب معهما كتاب أمان، وأرسلهما إليه، وقال له: اركب في ثلاث سروج وأحضر. فلما وصلا إليه وناولاه الكتاب، فقرأه قال: يا أمير علم الدين مثلي يركب على هذا الوجه؟ والله أنا رايح إلى الحجاز الشريف، ثم قال أنتم لا تزالون على هذا الوجه حتى لا يبقى منا أحد، ثم إنه صاح لمماليكهـ فركب الجميع، فقال له الجاولي: لا تفعل هذا؛ فقال: قد فعلنا، وكان الذي كان وبالله المستعان، ثم قال له الجاولى والطشلاقي: يا أمير نحن معك لا نفارقك، أو يأتينا مرسوم بالرجوع عنك. قال الراوي: فأخذ الأدلاء بين يديه، وسافروا ثلاثة أيام إلى أن أوقعهم الله في أرض ذات مروج ومياه، وفي طرف مرجها قلعة خراب، فدخل إليها، وقعد وعصي فيها، فقال له الطشلاقي: يا أمير، هذا ليس برأي، فغدًا يأتي إليك العربان من كل مكان، وهب أنك تحصنت فيها، هذا المكان ليس فيه مأكل ولا مشرب، فوالله ما عند السلطان أعز منك ولا يؤذيك أصلًا، فمت طائعا ولا تمت عاصيًا. وما زالوا عليه حتى قام وركب، وجاء إلى الشوبك، وكان قد أرسل إليه أيضًا الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، صاحب التاريخ، فحضر إليه وسمع منه (¬١) وركب في ثلاثة من مماليكهـ، وركب الجاولى والطشلاقي والأمير بيبرس، فساروا إلى أن وصلوا إلى القاهرة فيسلخ ربيع الآخر؛ فدخلت الأمراء، وأعلموا السلطان بقدومه، فطلبه، فلما حضر بين يديه قال له: يا سلار: قال: لبيك يا خوند. قال له: كم لك مدة أنت حاكم في ملك مصر والشام؟ قال: أربعة عشر سنة. قال: قد استوليت على دخل مصر والشام، وأنت الذي كنت تقطع وتوصل، وأخذت الكل في كيسك، ومنعت بيت مال المسلمين، وها أنت وأنا نتحاكم بين يدي القضاة الأربع ليحكموا فيك، وفيّ. ثم أحضر القضاة، وأجلس سلار [بحذائه] (¬١)، وقال: ادعى على غريمي هذا بمال مصر والشام من مدة أربعة عشرة سنة. فقالت القضاة لسلار: ماذا تقول؟ فقال: والله إن قارون يعجز عن عشر ما يدعى، لكن أحمل على قدر طاقتي، فعند ذلك أمر السلطان للأمير الجاولي أن يأخذ معه مماليكًا وينزل إلى داره ويأخذ ما فيها. قال ابن كثير: فاستخلصت أمواله وحواصله في مدة شهر، ثم قتل بعد ذلك (¬٢). ونذكر عن قريب ما أُخذ منه من سائر أصناف الأموال، ثم بعد ذلك أرسله إلى السجن بقلعة الجبل.النوع الرابع: في كيفية حبسه وموته. قال الراوي: أمر السلطان بأن يُبنى عليه أربع حيطان في محبسه، وأمر بأن لا يُطعم ولا يُسقى. وقال بعض المؤرخين: لما مسكه السلطان وسجنه بالقلعة، أحضر إليه طعامًا فأبى أن يأكل، وأظهر الحرد، فطولع السلطان بذلك، فأمر بأن لا يرسل إليه طعام بعد هذا، فبقى سبعة أيام لا يطعم ولا يسقى، وهو يستغيث الجوع. فأرسل إليه السلطان ثلاث أطباق مغطاة بشفر الطعام، فلما حطوها بين يديه فرح فرحًا عظيمًا وظن أن فيها أطعمة يأكل منها، فكشفوها فإذا في طبق ذهب، والآخر فضة، وفي الآخر لؤلؤ وجواهر، فعلم سلار بأنه ما أرسل إليه هذه الأطباق إلا ليقابله على ما فعل فقال: الحمد لله الذي جعلني من أهل المقابلة في الدنيا، وبقى على هذه الحالة اثني عشر يومًا ومات، فأعلموا السلطان بموته، فجاؤا إليه ووجدوه قد أكل ساق خفيه، وقد أخذ السرموجة (¬١) وحطها في فيه، وقد عض عليها بأسنانه وهو ميت، فسبحان القهار الفعال لما يريد، ثم حملوه إلى تربته بالكبش (¬٢) فدفن فيها، وهي التربة التي أنشأها الجاولي عند الكبش ظاهر القاهرة. وتولى أمر تجهيزه الأمير الجاولى بأمر السلطان، وقيل: إنهم جاءوا إليه وهو في سياق الموت، فقالوا له: إن السلطان قد عفى عنك، فقام ومشى خطوات ووقع ميتًا، ﵀. وكان موته يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الآخر (¬٣).قال ابن كثير: وماتت والدته بعد ذلك بقليل (¬١). وقال بعضهم: دفنوه أولًا في باب القرافة، بحيث لم يعلم به أحد، ثم نقلوه إلى تربته المذكورة، والله أعلم. النوع [الخامس] (¬٢): في بيان ما خلفه من الأموال بأصنافها: وذُكر في [سيرته] (¬٣) أنه لما أحضر بين يدي السلطان، وعاتبه عتابًا كثيرًا، ثم أمر الجاولى أن ينزل معه ويحمل المال، فنزل معه إلى داره، وفتح سربًا تحت الأرض، فأخرج سبائك ذهب وفضة، وجِرَب من الأديم الطائفي في كل جراب عشرة آلاف دينار. قال الراوي: حملوا من ذلك السرب أكثر من حمل خمسين بغلًا من الذهب والفضة، ثم أحضره بعد ثلاثة أيام وألزمه بالمال، فأخذ الجاولي وجاء [به] (¬٤) إلى الطارمة (¬٥) التي كان يحكم تحتها، وقال: احفروا ههنا، فخفروا، وأخرجوا سبعة وعشرين خابئة مملوءة ذهبًا، ومائة حجر من الجواهر، وفيها حجر بهرمان وزنه أربعون مثقالًا، وأخرج ألفي حياصة مجوهرة، وألفى قلادة من الذهب كل قلادة تساوي مائة دينار، وألفي كلوتاه زركش. قال الراوي: أخبرني سيف الدين البرددار وقال: وجدوا اليوم في ركبخانة سلار لجمًا مفضضة قد عتقت سيورها، ففكوا الفضة عن السيور ووزنوها فجاء وزنها عشرة قناطير بالشامي، ثم أحضره السلطان وقال له: أجمل. فقال: ما بقى لي شيء غير أني أعطيت الصاحب ابن الخليلي مائة ألف دينار وأنا رايح إلى الشام، فبعث السلطان إليه فحضر، وقال له: هات مائة ألف دينار، فحمل ستين ألفا، فسلمه السلطان إلى مملوكه كستاي، وأمره بعقوبته حتى يكمل، وهو تحت العقوبة، مائة ألف دينار.ثم طلب السلطان سلارًا وقال له: أش لك عند أمير موسى (¬١) زوج ابنتك؟ فقال: مالي عنده شيء، وجميع ما عندها لها بمكاتيب شرعية من سنتين وشيء، فقال له السلطان: كذبت. ثم طلب السلطان القضاة، والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال: ما تقولون في رجل مملوك، وله بنت من جاريته، وليس في يدها عتاقه شرعية، وقد زوج المملوك من جاريته من رجل بغير إذن أستاذه فهل يجوز النكاح؟ وهل يصح عقد أمير موسى على بنت سلار أم لا؟ أفتونا في ذلك. فقالوا: لا، يا مولانا السلطان. فقال السلطان: فعقد هذا على بنت جاريتي باطل. قالوا: نعم. قال الراوى: فعند ذلك أمر السلطان علم الدين الجاولى بأن ينزل إلى دار الأمير موسى زوج بنت الأمير سلار، ويحتاط على ما في داره، فنزل إليها، ووجد أربع دكك: دكتان من ذهب، ودكتان من فضة، ووجدوا طشوتًا وأطباقًا، وهواوين وشماعدين، كلها من ذهب وفضة، ووجدوا تختًا من ذهب وفضة، وزنه عشرون قنطارًا بالدمشقي ففكوه، وكان عليه شبكة لؤلؤ وقطع بلخش وزمرد أخضر. ثم أمر السلطان بأن ينادي في مصر والقاهرة: أن من كان عنده لسلار شيء فليحضره إلى السلطان، فجاء تاجر من الكارم وأحضر مائة ألف دينار، وقال: هذه لسلار أعطاني إياها حتى أشترى بها بضائع، ثم أمر السلطان بأن الذهب والفضة التي أخذت من السبائك ومن اللجم ورؤوس الأرماح ونحو ذلك أن تضرب دنانير ودراهم، فأقام الصياغ في ذلك مدة من الزمن.وذكر الشيخ علم الدين البرزالي (¬١)، قال (¬٢): دفع إلَىَّ المولى جمال الدين بن الفويرة (¬٣) ورقة فيها بعض أموال سلار وقت الحوطة على داره في أيام متفرقة: يوم الأحد: ياقوت أحمر: رطلان، بلخش (¬٤): رطلان ونصف، زمرد ريحاني وذبابي (¬٥): تسعة عشر رطلًا، صناديق ضمنها فصوص وجواهر ستة: فصوص ماس وغيرهن [ثلاثمائة قطعة] (¬٦)، ولؤلؤ مدور كبار من مثقال إلى درهم: ألف ومائة (¬٧) وخمسون حبة، ذهب عين: مائتا ألف دينار وأربعة وأربعون ألف دينار (¬٨)، دراهم: أربعمائة ألف درهم وأحد (¬٩) وسبعون ألف درهم. يوم الاثنين: ذهب مصري: خمسة وخمسون ألف دينار، دراهم: ألف ألف وأحدوعشرون ألف درهم، فصوص: رطلان ونصف، مصاغ وعقود وأساور وزنود ومراسل وحلق ودمالج من الذهب: أربع قناطير، فضيات صدور وطاسات وأطباق وطشوت وهواوين: ست قناطير. يوم الثلاثاء: ذهب مصري: خمسة وأربعون ألف دينار، دراهم: ثمانمائة (¬١) ألف وثلاثون ألف درهم، قطريات وبراجم وأَهِلَّة وسناجق: ثلاث قناطير. يوم الأربعاء (¬٢): ذهب مصرى: ألف ألف دينار، دراهم: ثمانمائة ألف، أقبية بفرو قاقم (¬٣): ثلاثمائة، أقبية ملونة عمل الدار (¬٤) بسنجاب (¬٥): أربعمائة قباء، سروج زركش بذهب مصري: مائة سرح. ووُجد عند صهره الأمير موسى ثمان صناديق، لم يُعلم ما فيها (¬٦)، حُملت إلى الدار، وحُمل أيضًا إلى الخزانة تفاصيل طرد وحش (¬٧) وعمل الدار: ألف تفصيلة، وخيام ستة عشرة نوبة.ووصل معه من الشوبك من الذهب المصري: خمسون ألف دينار، ومن الدراهم: أربعمائة ألف وسبعون ألفًا، ومن الخلع الملونة ثلاثمائة خلعة، وخركاه (¬١) كسوتها أطلس معدني (¬٢) مبطنة بمروزي أزرق (¬٣) وبابها زركش مصرى، وثلاثمائة رأس خيل، ومائة وعشرون قطارًا بغالًا، ومائة وعشرون قطارًا جمالًا. هذا خارج عما وُجد له من الغلال والخيول والبغال والجمال والأغنام والمماليك والجوار والعبيد. ودلّ مملوك له على مكان مبنى في داره، فوجدوا حائطين مبنيين فأخربوهما، فوجدوا أكياسًا فيها ذهب، لم يعلم عددها، وفتح له من الطهارة بركة مملوءة ذهبًا مصريًا، ووجدوا في حواصله ثلاثمائة ألف أردب من القمح والشعير والفول وغير ذلك. ومع هذا كله مات بالجوع كما ذكرنا. ويقال: كان يدخل إليه من أجرة أملاكه كل يوم ألف دينار، ومن الإقطاعات والضمانات والحمايات تتمة ألف درهم في كل يوم (¬٤).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية عشر بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة، والخليفة المستكفي بالله العباسي. وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر محمد بن قلاوون. ونائبه بمصر الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، وبالشام الأمير سيف الدين كراي، وبحلب الأمير سيف الدين قراسنقر المنصوري. وقال ابن كثير: استهلت هذه السنة، أعني سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وقد مات نائب حلب الأمير أسندمر، وهي شاغرة عن نائب، وأرغون الدوادار قد وصل إلى دمشق لتسفير قراسنقر المنصوري منها إلى نيابة حلب، وإحضار الأمير كراي إلى نيابة دمشق، فخرج قراسنقر من دمشق في ثالث المحرم منها، وسار معه أرغون لتقريره بحلب، وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الأمير بهادر السنجري أن يتكلَّم في الأمور بدمشق إلى أن يأتيها نائب، ثم قدم النائب كراي المنصوري إلى دمشق نائبًا عليها يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرم (¬١). قلتُ: وقد ذكرنا، مما ذكر غيره من المؤرخين، أن الناصر أرسل الأمير كراي المنصوري المذكور مع عسكر إلى حلب في السنة الماضية، وأنه مسك نائبها الأمير أسندمر، ثم جاء المرسوم من السلطان أن يتقرر قراسنقر، وكان نائب الشام، في نيابة حلب، وأن يتقرر الأمير كراي المذكور في نيابة دمشق (¬٢)، ثم جرى عليهم ما نذكره إن شاء الله تعالى عن قريب.
  • full passagepage 2189, entry [582]16,678 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • الشيخ الرئيس بدر الدين محمد (¬١) ابن رئيس الأطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري، من سلالة سعد بن مُعاذ، ﵁، السويدي، من سويداء [حَوْران] (¬٢). سمع الحديث، وبرع في الطب. مات في ربيع الأول (¬٣) ببستانه، بقرب الشبلية (¬٤)، عن سبعين سنة (¬٥). • الشيخ الصالح الز
    ▸ expand full passage (16,678 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • الشيخ الرئيس بدر الدين محمد (¬١) ابن رئيس الأطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري، من سلالة سعد بن مُعاذ، ﵁، السويدي، من سويداء [حَوْران] (¬٢). سمع الحديث، وبرع في الطب. مات في ربيع الأول (¬٣) ببستانه، بقرب الشبلية (¬٤)، عن سبعين سنة (¬٥). • الشيخ الصالح الزاهد أبو البركات شعبان (¬٦) بن أبي بكر (¬٧) بن عمر الأربلي، شيخ مقصورة الحلبيين بجامع دمشق. توفي في التاسع والعشرين من رجب، ودُفن بمقابر الصوفية، عند ضريح الشيخ محمد الجرديكي، وله سبع وثمانون سنة. رَوى عن: الرشيد العطار، والحافظ عبد الغنى، والضياء، والشارعى، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدايم، وآخرين. خرج من إربل صبيًا، ونشأ بحلب، ثم رحل إلى القاهرة، فأقام بها مدة.• الشيخ الكاتب الصدر المجود المنشئ الشيخ شرف الدين محمد (¬١) بن شريف بن يوسف الزرعي، المعروف بابن الوحيد. كان حسن الخط، موصوفًا بحسنه، فاضلًا مقدامًا شجاعًا، يعرف عدة ألسن، خدم بديوان الإنشاء بالقاهرة، وكتب للبرواناه (¬٢) بالروم، وآخر الأمر كتب للشجاعي (¬٣) وحظي عنده، ثم تعطل بعد ذلك، وتنزل صوفيًا بخانقاه سعيد السعداء. وكان يحل المترجم، فلما كان في سنة إحدى وسبعمائة قدم رسل التتار من عند قازان ومعهم كتاب قازان، فلم يكن في الموقعين من يحله، فَطُلب من الخانقاه فحله وكتب جوابه، فرتبوه بديوان الإنشاء، فخدم به إلى أن مات بالقاهرة بالمارستان المنصوري (¬٤) يوم الثلاثاء السادس والعشرين (¬٥) من شعبان منها، ومولده في شهور سنة سبع وأربعين وستمائة بدمشق. وله نظم جيد، ومنه:يقولون لي من أرغد الناس عيشةً … ومن بات على طرق (¬١) المخاوف نائيا فقلت لبيب عارف قهر الهوى … فصار (¬٢) بحكم الله والرزق راضيًا وله جهد المغفل في الزمان مُضَيَّع … وإن ارتضى إسناده (¬٣) وزمانه كالثور في الدولاب يسعى وهو لا … يدري الطريق فلا يزال مكانه وله في تفضيل الحشيش على الخمر: وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها … لها وثباتُ في الحشا وثبات [تؤجج] (¬٤) نارًا في الحشا وهي حنة (¬٥) … وتبدى مرير العيش (¬٦) وهي نبات وكان ناصر الدين شافع (¬٧) قد وقف على شيء من أدبه فأثنى عليه وشكره، وكان ناصر الدين قد أُضرّ (¬٨)، فلما بلغ ابن الوحيد ذلك قال:أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي (¬١). فلما بلغ شافعًا قوله كتب إليه: نعم نظرتُ ولكن لم أجد أدبًا (¬٢) … يا مَنْ غدا واحدا (¬٣) في قلة الأدب عَيَّرتني بعمى أصبحت تذكره (¬٤) … والعيب في الرأس دون العيب في الذنب • الشيخ ناصر الدين يحيي (¬٥) بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز العثماني، خادم المصحف العثماني بدمشق، نحوا من ثلاثين سنة. مات بدمشق، وصُلى عليه يوم الجمعة رابع رمضان، ودُفن بمقابر الصوفية وبلغ خمسًا وستين سنة. • الشيخ الصالح الجليل القدوة أبو عبد الله محمد (¬٦) بن الشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الله الأرموي. مات بمكانه بسفح جبل قاسيون في [ليلة] (¬٧) الحادي والعشرين من رمضان (¬٨)،وصُلي [عليه] (¬١) بالجامع المظفري (¬٢)، ودُفن عند والده، وكانت [جنازته] (¬٣) مشهودة. وكان رجلًا حسنًا، ذا فضيلة وخير وتودد، وكانت شفاعته مقبولة، وكلمته نافذة، ويُكاتب السلطان والنواب فلم ترد ورقته إلا مقضية الشغل، ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة. وله نظم حسن، فمنه: إذا كنت في قلبي وسمعي وناظري … ومجراك مجرى الروح كيف تغيب فوا عجبي شوقي إلى غير غائب … وكل شئون العاشقين عجيب أتيه على الأكوان عُجْبا وعزمة … لأنك لي دون الأنام حبيب وإنك من قلبي على كل حالة … وإن بَعُدَت منَّا الديارُ قريب ولو أن داع منك يدعو وأعظُمي … بقايا من الأحداث كنَّ تجيب ويطربني ذكراك مر بمسمعي … وكل فتى يهوى الجمال طرُوب فترتاح أرواح هناك صبابةً … ويخشع من ذكراك ثم قلوب ويمرضني فرطُ اشتياقي إليكم … فأشكو إليكم عِلَّتى فأطيب وما ساءني مَنْ صدّ عَنّي أو جَفَا … إذا كان لي في الحب منك نصيب أنوح كما ناح الحمام وليس لي … أنيس سواه في الدجى ونسيبيهاب اقتحام الحب قلبي فينثني … ويغلبه فرط الجوى فيؤوب تجول به أيدي الغرام كأنها … لهن بجنات القلوب دبيب وقال: ماس عجبا منه القضيب علينا … فحيانا من كل معنى كريم لا عجيب أن ماس عُجْبا وتيها … من تربى بين الندى والنسيم وكان قد خانه بصره قبل موته بقليل، فقال: خاننى ناظري وهذا دليل … أن حَيْنِي دَنَا وآن رحيل هكذا الركب إن أراد رحيلا … جعلوا النور تابعا للدليل وقال: لله أيام الربيع وطيبها … وتفاخر الأطيار في الألحان والورد يشرق في الغصون كأنه … ماء الحياء فوجنة الخجلان والغصن يثنيه النسيم كما ثني … سكر الشمول شمائل النشوان والماء يمشي في الرياض كما مشت … سِنَة الرقاد بمقلة الوسنان وقال: حديقة إذا نبَّهتها الصِّبا … لم يبق منها مقلة غافية وَشى بطيب العُرف نَمَّامُها … لما أتَته الأعين الصافية وقال:يا طيب ما جاء النسيمُ فعُرْفكم … وحديثه عنكم حديث مُرْسل حَمَّلْتُه مني السلام عليكم … فأطاعني لكنه يتعلل (¬١) • الصاحب الكبير الوزير فخر الدين عمر (¬٢) بن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن "الحسن بن الحسين" (¬٣) الخليلي التميمي الداري. مات بمصر، ودُفن بالقرافة الصغرى، وكان موته يوم عيد الفطر، ومولده سنة أربعين (¬٤) وستمائة. تولى الوزارة في أول دولة السعيد بن الملك الظاهر (¬٥)، ثم تولى وزارة الملك العادل كتبغا، وكذلك تولى في أول دولة الملك المنصور لاجين، ثم تولى في أول دولة الملك الناصر، ثم عُزل ومات معزولًا. وقد سمع الحديث، وكان خيرًا، عاقلا كافيا، عنده كرم زائد، وفيه بر وصدقة وتودد لأصحابه. • القاضي العلامة الحافظ سعد الدين مسعود (¬٦) بن أحمد بن مسعود بن [زيد] (¬٧)الحارثي (¬١) الحنبلي. مات بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، ودُفن بالقرافة، وكان من أعيان العلماء والمحدثين. نشأ (¬٢) في العلم، واشتغل في الحديث، وقرأ الكثير بنفسه، ورحل إلى دمشق وإلى الإسكندرية، وحَج غير مرة، وسمع المشايخ، وخَرَّج لنفسه ولجماعة من شيوخه. تولَّى مشيخة الحديث بالجامع الحاكمي، وتدريس الفقه بجامع ابن طولون، ثم وَلي قضاء الديار المصرية مدة سنتين ونصفًا. وكان موته في الرابع والعشرين (¬٣) من ذي الحجة، ﵀، وتولى بعده تقي الدين (¬٤) بن بنت القاضي شمس الدين الحنبلي، وكان جده المذكور قاضيًا من قبل. قال ابن كثير ﵀: وكانت له [يد] (¬٥) طولى في الأسانيد والمتون، وشرح قطعة من سنن أبي داود، ﵀. • القاضي مجد الدين أبو الفرج عيسى (¬٦) بن عمر بن عبد المحسن ابن الخشاب، وكيل بيت المال. كان فقيهًا فاضلًا، عالمًا ورعًا، شافعيًا، مات في ثامن ربيع الأول، ودفن بتربته بالقرافة.• الحكيم الفاضل شرف الدين عبد لله (¬١) بن شهاب الدين أحمد بن أبي الحوافر. توفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال، ودفن بالقرافة الصغرى. وكان دينًا فاضلًا حسن الأخلاق. • القاضي تاج الدين عبد الرحمن (¬٢)، المعروف بالتاج الطويل، ناظر الدواوين بالديار المصرية. مات في الثاني والعشرين من ذي القعدة، ودُفن بالقرافة. وهو الذي راك الإقطاعات (¬٣) في الأيام المنصورية الحُسامية، كان من أخبر الناس بصناعة الحساب وتنفيذ الأشغال، وعنده مروءة وعصبية وبر ومعروف، وكان من مسالمة القبط، وانتهى إليه علم الكتابة الديوانية في زمانه. • الشيخ الصالح محمد (¬٤) العُريان. مات بظاهر القاهرة في رجب (¬٥)، وكان يلبس سراويل، وعلى رأسه طاقية بلا عمامة، وباق جسده مكشوف، ومع أحد أصحابه حصيرة صغيرة يبسطها تحته حيث قعد، ويصلى عليها. وكان لأهل الديار المصرية فيه اعتقاد عظيم، سافر إلى دمشق سنة شقحب (¬٦)، وعاد إلى مصر، وكانت له زاوية بالروضة خارج القاهرة.• الصدر أمين الدين عبد الحق (¬١) بن أبي على بن عمر، المعروف بابن الفارغ (¬٢) الحموي. مات بالقاهرة (¬٣)، ودفن بالقرافة، ومولده سنة إحدى وخمسين وستمائة (¬٤). كان فاضلًا عاقلًا، حسن النظم والترسل، فمن شعره: دوادار الأمير له دواة … كَتلّ الياسمين بغير صوف ترى قلم الأمر يغوص فيها … كغوص حلاوة في حلق صوف وله: إلام على جهل الصبا أنت عاكف … وَفِيُّ كلما يأتي عليك رقيبُ وكم توبة في كل يوم وعودة … أَمَا تستحي من مثل ذا وتنوبُ أَمَا لك يا نفسي من الله رادعٌ … ولا لك في فعل الجميل نصيب أَلَم تعلمي أن لا خلود وأنه … لمسترفع منك الحساب حسيبُ • الشيخ فخر الدين إسماعيل (¬٥) بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي.مات بدمشق (¬١)، ودفن بمقابر الباب الصغير، ومولده في سنة سبع (¬٢) وعشرين وستمائة. روى عن جماعة من المشايخ، وكانت نفسه قوية، وعنده شر، وَلِيَ مشارفة الجامع ومشارفة المساجد، رحمه [الله] (¬٣). • قاضي القضاة عز الدين أبو البركات عبد العزيز (¬٤) بن الصدر الكبير الرئيس محى الدين محمد بن القاضي نجم الدين أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي الحنفي، المعروف بابن العديم. كان قاضي حماة مدة أربعين سنة، ومولده سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة بحلب، مات بحماة في ثاني ربيع الآخر. • الشيخ العارف الزاهد القدوة شمس الدين محمد (¬٥) بن أحمد بن نصر الدُّباهي. مات بدمشق (¬٦)، ودُفن بسفح قاسيون. وكان شيخًا صالحًا، وله كلام حسن في التصوف، مولده سنة ست وثلاثين وستمائة [ببغداد] (¬٧) وفارق والده وجاور بمكة مدة، ولم يزل على قدم الخير والصلاح، وكان والده من أكابر التجار وأصحاب الأموال.• الشيخ الإمام الزاهد العارف عماد الدين أبو العباس أحمد (¬١) بن الشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطى، المعروف بابن شيخ الحزاميين. مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بقاسيون قُبالة زاوية السيوفي. وكان رجلًا فاضلًا صالحًا ورعًا، منقطعًا إلى الله تعالى، ومولده في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة، وكانت وفاته في السادس والعشرين من ربيع الآخر. اختصر سيرة النبي ﵇، وله مصنفات عدة (¬٢)، وشعر، فمنه قوله: كيف السلو ومالى عنك عوض … وكل شيء سوى حُبّى لكم عَرَضُ تفنى الليالي وناري غير خامدة … وَوُدكم حَشْو قلبي ليس ينقرض • الفقيه الخطيب جلال الدين محمد (¬٣) بن الشيخ سعد الدين محمد بن محمود الحنفي البخاري. مات بدمشق في العشرين (¬٤) من جُمادى الآخرة، ودُفن بمقابر الصوفية. كان شابًا حسنًا ظريفًا، حسن الأخلاق، وكان خطيب المدرسة الزنجيلية (¬٥) ظاهر دمشق، وكان حسن الصوت والصورة، ولى تدريس الفروخشاهية (¬٦) وانتزعتمنه لما مرض وطالت مرضته. ومولده (¬١) في سنة تسع وسبعين وستمائة بقونية من بلاد الروم. • الشيخ مجد الدين يحيى (¬٢) بن خضير بن سليمان بن بدر بن كامل السلمي البصروي. كان شاعرًا مفوهًا، له قدرة على النظم، وله معرفة بالنحو واللغة وأيام الناس، وكان يعمل الحياكة في بيته. ومن شعره في مليح أرمد: لما بدا وعلى عينيه من رمد شعرية … ما لها شبهٌ سوى الغَسق حسبته البدر فوق الغصن يستره … غيم وقد كَحَّلته الشمس بالشفق • الشيخ الإمام العالم [جمال الدين أبو الفضل محمد (¬٣) بن] (¬٤) جلال الدين [أبي العز المكرّم] (¬٥) بن على بن أحمد بن أبي القاسم الأنصاري الخزرجي، الأفريقي الأصل، أحد كتاب الإنشاء. مات بداره بالقاهرة، ودُفن بالقرافة، في الحادي عشر من شعبانُ (¬٦)، ومولده (¬٧) سنة ثلاثين وستمائة، روى عن المقير، وابن النخيلى، وابن الصابوني، وتفرد بأشياء من مسموعاته، وانتفع به الطلبة، وكان فاضلًا، وله معرفة بالنحو واللغة والتاريخبالنحو واللغة والتاريخ والكتابة والإنشاء، وله نظم، فمن قوله، على ما قيل: بالله إن جُزْت بوادى الأراك … وقَبَّلَت أغصانُه (¬١) الخضرَ فاك فابعث (¬٢) إلى المملوك (¬٣) من بعضها (¬٤) … فإنني والله مالى سِوَاك • الشيخ الصالح الزاهد القدوة شرف الدين عبد الكريم (¬٥) ابن الشيخ نجم الدين أبي الفرج (¬٦) بن الحكيم الحموي، الشافعي. مات بحماة (¬٧)، ودُفن بتربته بعقبة تقيرين. كان شيخًا حسنًا دَرَّس بالمدرسة الحميريَّة ولم يزل مدرسًا إلى حين وفاته، وباشر حسبة حماة مدة، وكان يُعرف بالمحتسب في حياة والده، وكانت له رواية حسنة، ويقصده الفقراء والوزراء، ويجدون عنده الراحة والتفضل، والأوقات الطيبة والسماعات. • الشيخ الإمام العالم الخطيب شمس الدين محمد (¬٨) بن يوسف بن عبد الله الجزرى الشافعي، خطيب جامع ابن طولون.مات بالمدرسة المعزية (¬١) بمصر، ودفن من الغد في أوائل ذي الحجة (¬٢) بالقرافة، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة بالجزيرة (¬٣). وعُرض عليه قضاء دمشق فلم يقبل، ومات وهو خطيب جامع ابن طولون ومدرس المعزية. وله نظم، فمنه قوله: رأوا حمرة في عينيه فتعجبوا لنرجسه … إذا عاد في لون ورده إذا هو أَعْدَى خصرَه سُقمُ جفَنِه … فلا غَروَ أن أَعْدتَهْ حمرةُ خَدِّه وله: وحقك ما خَلَّى اشتياقى ولا أَبقى … سوى عبرَة تَنْهل أو نَفَس يَرْقى ولي كلما هبت صبَا منك صَبْوة … تعلم من لم يدر كيف الهوى العشقا سأودعها إن راجعت من تأوهي … ومن زفراتي بَعْدك الرعد والبرقا وامطر في أثنائها دارة الحمى … مدامع تغنيها لذي المجد أن تُسْقَى (¬٤)• الأديب الفاضل سراج الدين عمر (¬١) بن مسعود الحلبي، المعروف بالمَحَّار. كان أولًا صانعا يمحر في الكتان، ثم اشتغل بالأدب وفاق فيه، واتصل بخدمة الملك المنصور (¬٢) صاحب حماة فقرر له جامكية ورتب له راتبًا، واستمر على ذلك إلى حين [توفي] (¬٣) بدمشق في هذه السنة (¬٤). وله نظم رائق لطيف، وموشحات مليحة فائقة، فاق فيها على المغاربة، وكذلك في الأزجال فمن نظمه قصيدته الفائقة التي أولها: ما بث شكواه لولا مَسَّه الألم … ولا تأوّه لولا شَفَّه السَّقَمُ ولا توهم أن الدمع مُهْجتُه … أذابها الشوق حتى سال وهو دم صَبُّ له مدمعُ صَبٌ يُكَفْكِفُه (¬٥) … فَتَسْتَهِلُّ غَواديه فينسجم (¬٦) فطرفه بمياه الدمع في غرقٍ … وقلبه بلهيب الشوق يضطرم أراد إخفاء ما يلقاه من كمدٍ … حتى لقد عاد بالسلوان يُتهمُيُبدى التجلّد والأجفانُ تفضحه … كالبرق يبكى (¬١) الغوادي وهو ينقسم (¬٢) سَقَته أيدى النوى كأسا مُدغدغة (¬٣) … فما نداماه إلا الحزن والندم يُمسي ويصبح لا صبرٌ ولا جلدُ … ولا قرارٌ ولا طَيف ولا حُلُمُ ولم يؤمل إلماما بجيرته … لكان (¬٤) يعتاده مما به لَمم قالوا (¬٥) الوشاة تَسَلَّى عن أحبته (¬٦) … يا ويحهم جهلوا فوق الذي علموا توهموا فيه ما ساءت ظنونهم … به أَلَا سَاء ما قالوا وما زعموا أَنَّى يُميل إلى السلوان مكتئبٌ … باق على العهد (¬٧) والأيام تنصرمُ قضى بحبهم عصر الشباب وما … خان الوداد وهذا الشيب والهرم أنا المقيم على ما يرتضون به … مُصْغ إذا نطقوا راضٍ بما حكموا متى دعاني هواهم جئت معتذرًا … أسعى على الرأس إن لم يسعد (¬٨) القدمُ كم قلت والقلب مني خائف وجل … بين الرجاء وبين الخوف ينقسمُ يا قلب لا تيأس القرب رُبَّ غدٍ … تسخو بقربهم الدنيا ونلتئم ويصبح الخوف أمنا والصدود رضى … والبعد قربًا وتدنوا دارهم وهُمُويسعفونك بالحسنى فعندهم … مكارم ولهم حسن الوفاء شيمُ يعزى الجمال إليهم والجميل كما … إلى المظفر يُعْزى الجود والكرم وكتب إلى صاحب له: عهدناك تحفظ منا العهودا … فعلمك الدهر هذا الصدودا وقد كنت خِلا ودودًا لنا … فصَيَّرك الدهر خَلَّا ودودا وقال: لما تَألَّق بَارقٌ من ثَغْره … جادت جُفُوني بالسَّحابِ الممطر فكأن عقد الدر (¬١) حُلَّ قلائد الـ … عقيان منه علي صحاح الجوهري وقال: رأيته في المنام معتنقي … يا ليت ما في المنام لو كانا ثم انثنى معرضًا فوا عجبي (¬٢) … يهجرني نائمًا ويقظانا ومن موشحاته قوله: ما ناحَت الوُرْقُ في الغصون إلا … هاجت على، تغريدها لوعةَ الحزين هل ما مضى لي من (¬٣) الحبايب … آيب، بعد الصدود[أو هل لأياما الذَّوَاهب … واهب، بأن تعود بكل مصقولة الترائب … كاعب، هيفاء رُود] (¬١) تَفْتَر عن جَوْهرٍ ثمين، جَلّا … أن يُجْتلى، يُحمى بقضيب (¬٢) من الجفون وأهيف (¬٣) ناعم الشمائل … مائل، في بُرْدِه في مُهَج العاشقين منه عامل (¬٤) … عامل من قَدِّه يسطو بسيف من المقاتل (¬٥) … قاتل، في غِمْدِه أسْطى من الأُسْد في العرين، فِعْلا … وقَتْلا (¬٦)، لعاشقيه من المَنُون علقته كامل المعاني … عانَى، قلبي به مُبَلْبَلُ البال قد (¬٧) جفاني … فإني، في حبه كم بِتُّ من (¬٨) حيث لا يراني … رَآني، لقُرْبِه وبات من صُدْغِه يُربني، نملا … يَسعَى إلى، رضابه العاطر المصون قاسوه بالبدر وهو أحلى … شكلًا، من القمروراش (¬١) هُدْبَ الجفون نبلا … أبلَى، بها البشر وقال لي وهو (¬٢) قد تَجَلَّى … جَلّا، بارئ الصّور ينتصف البدرُ في (¬٣) جبيني أصلًا … فقلت لا، قال ولا السحر من عيوني بتنا وقد نال (¬٤) ما تمنى … منا، طيف (¬٥) الوسن نفض (¬٦) من فرحه لَدنا … دَنَا، [تنفي الحزن وكلما مال أو تثنى غنى] (¬٧) … صوتا حسن لا تستمع في الهوى المصون عَذْلا … وانهض إلَىّ، راح تقي سورة الشجوني (¬٨) قال في الملك المنصور صاحب حماة: جسمي ذَوَى بالكمد، والسهر … والوصب، من جانِ ذي شنب كالبرد، كالدرر، … كالحَبَبَ، جُمانِ بي غصن بان نضر، … يسبيك منه الهيفُ يرتع فيه النظر، … فزهره يقتطف الخدُّ منه خفر، … والجسم منه ترف[قد جاءنا يعتذر … عذارُه المنعطف] (¬١) ثم التوى كالزَّرّدِ معبقري … معقربي ريحانى في مُذْهَبٍ مُوَرَّدٍ مدَنَّرٍ … مُكَتِّب سَوْسَانِ ظبى له مرتشف، … كالسلسبيل الباردِ غصن نقا ينعطف، … من لين قَدٍّ مائد بدر علاه سدف، … من ليل شَغرٍ وارد مُقرطق مشنف … يختال في القلائد بين اللوى وثهمد كجؤذر … في ربرب، غَزْلان في (¬٢) كثب ذي جيد، ذي حورٍ … ذي هدب وسنان أمَا وحلى جيده … ورنة الخلاخل والضَّمُّ من بروده، … قَدُّ قضيبٌ مائل والورد في (¬٣) خدوده، … إذ نَمَّ في الغلائل لا كنت في (¬٤) صدوده، … مستمعا (¬٥) لعاذِل نار الجوى لا تخمدي، … واستعرى، وكذِّبى، سلوانيوانسكبي، واطردي، وانهمري … كالسحب، أجفاني مولاي جفني ساهر، … مؤرقُ كما ترى فلا خيال زائر، … يَطرُقني ولا كرى إني عليك صابر، … فما جزاءُ مَنْ صَبِرا إن سَحَّ دمعي الهامرُ … فلا تلمه إن جَرى وجال (¬١) الهوى في خلدى، ومضمرى … أضرَّ بي، كتمانى مؤنبتي اتئدي لا تفتري، … وجنِّبي (¬٢) عن عان ان صال بالهجر (¬٣) وصَدَ … رحت بصيري محتَدِ (¬٤) عنه وإن طال الأمَدْ … إلى ذُرَى محمدِ وكيف يخشى من قصَدْ … ملكا كريم محتَدِ (¬٥) الملك (¬٦) المنصور قد … سما سَمى السؤدَدِ (¬٧) ثم استوى بأجرد … ومضمر مقتضب (¬٨)، يمانيذي شُطَبٍ مهنِّدٍ … وسَمْهري مضربى (¬١)، مُرّان ملك علت همّاته … من فوق هام المُشْتَرَى وبخَّلت راحاته … سَحّ السَّحاب الممطرِ وعوَّدت ريَاتُه … بمحكِّمات السُّوَرِ بدرٌ بدت هالاته … مثل الصباح المُسْفِر تحت لواء (¬٢) منعقد بالظفر … في موكب، فرسانِ كالشهب في الأسعد، والأقمر … في عذب تيجان يا مالكا دون الوَرَى … تخطبه (¬٣) الممالكُ ومالكًا إذا سَرَى … تحرسه (¬٤) الملائك بعض عطاك هل تُرَى … جادت به البرامك فاستجلها من عُمرا … ثغر سناها ضاحك لا تُحْتَوى كالشهد، كالسُّكَري، … كالضرب، معاني كالسحب كالعسجدِ، كالجوهرِ … من حَلَبي، كتاني (¬٥)وله: ظهرت دلائل حُسنه في خده … ورد جني تحت آس أخضري طلب انتظار أطرافه في قتلتى … وبغير كسر جفونه لم ينصري وله: تختال مثل قضيب … يميس بين الحدائق تركيةٌ أوقفتني … جفونها في مضايق • الأمير بدر الدين بكتوت (¬١)، الذي كان متولى ثغر الإسكندرية (¬٢). توفي معزولًا في ثاني عشر (¬٣) رجب بالقاهرة، بعد أن نُكب وصودر. • الأمير شمس الدين سنقر (¬٤) جاه الظاهري. توفى فيها (¬٥) بدمشق. • الأمير شجاع الدين يونس (¬٦) النقيب بعسكر الشام. توفي (¬٧) في هذه السنة (¬٨).• الأمير ناصر الدين محمد (¬١) بن عماد الدين حسن بن النشائي. كان أحد الأمراء الطبلخانات، وهو حاكم البندق، ولي ذلك بعد سيف الدين [بلغاق] (¬٢). مات بدمشق في العشر الأخير من رمضان. • الأمير اسندمر (¬٣). • والأمير بتخاص (¬٤). توفيا في ذي القعدة في السجن بقلعة الكرك. • الملك المنصور غازي بن المظفر قرا أرسلان الأرتقي. مات في هذه السنة، والأصح أنه مات في السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى (¬٥).فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية عشر بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة والسلطان هما هما. ونائب مصر الأمير ركن الدين بيبرس صاحب التاريخ، والوزير أمين الملك. ونائب الشام الأمير جمال الدين أقوش (¬١) [نائب] (¬٢) الكرك. ونائب حلب الأمير سودى. ونائب طرابلس الأمير سيف الدين تمر الساقى. ونائب حمص الأمير بيبرس العلائي. ونائب صفد الأمير بهادر آص.
  • full passagepage 2262, entry [594]10,541 chars
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد (¬١) بن إبراهيم بن [إبراهيم بن داوود ابن] (¬٢) حازم الأذرعى الحنفي. وكان بارعًا فاضلًا، دَرَّس وأفتى، وكان من أعيان مذهبه، يعرف الفقه والأصول والنحو، ودَرس مدة بالشبلية التي على جسر ثورا بدمشق، وتولى القضاء بدمشق سنة كاملة ثم عُزل
    ▸ expand full passage (10,541 chars)
    ذكر من توفي فيها من الأعيان • قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد (¬١) بن إبراهيم بن [إبراهيم بن داوود ابن] (¬٢) حازم الأذرعى الحنفي. وكان بارعًا فاضلًا، دَرَّس وأفتى، وكان من أعيان مذهبه، يعرف الفقه والأصول والنحو، ودَرس مدة بالشبلية التي على جسر ثورا بدمشق، وتولى القضاء بدمشق سنة كاملة ثم عُزل، وسافر منها إلى الديار المصرية فدخلها متمرضّا، ونزل بخانقاه سعيد السعداء فأقام بها خمسة أيام. ومات في سلخ رجب (¬٣)، وكان مولده بأذرعات سنة أربعين (¬٤) وستمائة، وكان متواضعًا ساكنًا، كريم الأخلاق، ﵀. • القاضي تاج الدين عبد الرحيم (¬٥) بن تقي الدين عبد الوهاب بن الفضل بن يحيى بن السنهوري (¬٦)، كان ناظر النظار بالديار المصرية. أقام في نظر الدواوين نحوا من ثلاثين سنة (¬٧)، وعُرضت عليه الوزارة مرارًا فلم يقبل، قيل أنه لم يكن أحد يعرف أموال الديار المصرية مثله.مات في سابع عشر (¬١) ربيع الآخر بمصر معزولًا، وعمره نحو مائة سنة وتسع سنين. وكان كثير الصيام والذكر والتلاوة. • القاضي شهاب الدين غازي (¬٢) بن شهاب الدين أحمد بن الواسطى ناظر حلب. وولي نظر الدواوين بمصر مدة، ونظر الصحبة، ونظر دمشق، وغير ذلك، وكتب بديوان الإنشاء مدة. توفي في الثامن عشر من ربيع الآخر منها (¬٣). • القاضي تاج الدين أحمد (¬٤) بن القاضي عماد الدين محمد بن شمس الدين محمد بن هبة الله بن الشيرازي الدمشقي. مات ببستانه بالمزة، ودُفن بسفح قاسيون بتربة والده. وكان من أعيان الدماشقة، ولى وكالة بيت المال والحسبة ونظر الدواوين، وتنقل في المناصب، ولما مات لم يكن في يده منصب. ومولده سنة ست وخمسين وستمائة، ومات في رابع رجب، وهو والد القاضي عماد الدين (¬٥).• القاضي نور الدين أحمد (¬١) بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحيم بن عز الدين عبد الله بن رواحة الحموي الأنصاري، وكان رأس الدرج بطرابلس. مات بحماة معزولًا في السادس عشر (¬٢) من شعبان. وكان دينًا فاضلًا، وله شعر فمنه ما ذكره الشيخ علم الدين البرزالي، قال أنشدني نور الدين بن رواحة لنفسه قوله: ألا يا رسول الله دعوة مخلص … يُرَجِّيك في بُعد المزار وقربه وسائله سارت لأكرم مرسل … متى يدعه للجود داع يُلبه وقد كان من أنصار جندك جنده … فكن أنت من أنصاره عند ربك وسله له جدوى بإغناء فقره … وكبت أعاديه وغفران ذنبه (¬٣) • شرف الدين محمد (¬٤) بن موسى بن محمد بن خليل المقدسي، الكاتب المنشيء. مات في خامس عشر (¬٥) شعبان بالقاهرة. وكان فاضلًا، حسن النظم والنثر، إلا أنه كان كثير الهجاء، وكان معروفًا بكاتب أمير سلاح، وعنده حكمة وفلسفة.ومن شعره: اليوم يوم سرور لا شرورَ به … فَزَوِّج ابن سحاب (¬١) بابنة العنب ما أنصف الناس (¬٢) من أبدى القطوب بها (¬٣) … وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب وله: صَرَّف بصِرف الحُميا ما حَمي طربًا … فإن فيه (¬٤) لسم الهم درْياقا (¬٥) دنياك معشوقةٌ والروح ريقتها … فارشُف مراشفها إن كنت عَشَّاقا وله: نقص الفتى يُبديه قرينه … فاهجر كبيرك إن أردت كمالا فالبدر صار لبعده عن شمسه … بدارا وكان من الدنو هلالا وقال الشيخ بدر الدين بن المحدث (¬٦): رأى شرف الدين المذكور عندي صبيًا حسنًا يكتب، فأخذ لوحه وكتب فيه، وكان اسمه سالمًا: وأهيفَ تهفو نحو بانة قَدِّه … [قلوب] (¬٧) تبث الشجو فهي حمائمُعجبت له إذ دام توريدُ خدّه … وما الورد في حال على الغصن دائمُ وأعجب من ذا أن حيَّة شَعْره … تجول على أعطافه وهو سالمُ وله: عانقتُه ولثمت وجنته التي … ختمت بعنبر خاله الفيَّاح فبكى وبَلَّ الدمعُ خديه كما … ضحك الحبابُ على احمرارِ الراح وله القصيدة البديعة التي أولها: ما مِلتُ عنك لجفوة وملال … كلا (¬١) ولا خطرَ السلو ببالي (¬٢) • الشيخ عمر (¬٣) بن الشيخ أبي عبد الله بن النعمان. توفي بمصر في أواخر شهر رمضان (¬٤). • العدل الفاضل شهاب الدين أحمد (¬٥) بن سليمان بن مروان بن علي بن سحاب البعلبكي. مات بداره بدمشق (¬٦)، ودفن بسفح قاسيونوكان تاجرًا بالخواصين، ثم ترك ذلك وشهد عند [الحكام] (¬١)، واستقر في شهادة القيمة. وكان له اشتغال بالعربية والأدب، ونظم الشعر، فمن نظمه قوله: صُن ذا الجمال الذي استولى على المهج … وراقب الله في ذا المنظر البهج فما القلوب جماد عند رؤيته … كم مغرم بك يا روح الحياة شج عد الجميل وخف يوم المعاد ولا … تثني سجاياك دعوى البارد الحجج ولا يصدك عن إسعاف ذي كمد … متيم بك عذل العاذل السمج بما بقدك من لين ومن هيف … وما بطرفك من سحر ومن دعج لا تتعب الطرف في نهب الورى عبثًا … أرح قليلا سرايا طرفك الغنج فكم أسير غرام في قيود هوى … ومن سليب من الأشواق في لجُج يساير النجم لا ترقي مدامعه … ولا يبيت على وعد ولا فرج وإن جرى العذل في مجرى مدامعه … قال الهوى بلسان الحال لا تلج وقال: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا … ومنتهى أربى صدوا وإن وصلوا مالى أعترض عليهم في تصرفهم … جاروا على بوصل أم هم بخلوا أحبابنا كيف حللتم قطيعة مَنْ … أمسى وليس له في غيركم أمل لا يحمل الضيم إلا في محبتكم … ولا يُقاس به في عزه رجلولى رسائل في ظن القبول خذوا … منها حديثي الذي نيطت به القبل إذا تذكرت إياي بقربكم … والوصل متصل والهجر منفصل وخدد الدمع خدي من تدفقه … وفي الحشا لهب الأشواق يشتعل والآن قد حيل ما بيني وبينكم … وضاق منه عَلَىّ السهل ترى أرى صافيا ما قد تكدر من … عيشي وترجع لي أيامي الأول ويصبح الشمل ملتاما وليس لمن … قد كان يحسدنا قول ولا عمل والحب يبدى اعتذارا من جنايته … بغير وجه ويعلو وجهه الخجل وكل ساع سعى فينا يقول لنا … لا ناقة لي في هذا ولا جمل وله: إلى سحر عينيك العيون تهاجر … وقد فبيت أبصارنا والبصائر بكل فؤادي للعيون وساوس … نواه بتحكيم الغرام أوامر بآيات هذا الحسن مازلت مؤمنًا … وإني بما يُوحى من العذل كافر وحزني طويل مثل حسنك كامل … ودمعي سريع مثل هجرك وافر وربع اشتياقي أهل بك عامر … ومغني اصطباري دارس الرسم داثر لساني وطرفي منك يا غاية المنى … وفي كلف عندي خطيب وشاعر فهذا المعنى حُسن وجهك ناظم … وهذا لدمعي من تجنبك ناثر وإني لشاك للمشيب وواجد عليه … وداع للشباب وشاكرليالى فيه الغانيات نواظر إلىّ … وغُصنُ اللهو فينان ناضر ويجمعنا روضُ بُنعمان زاهر … تجاوب عيدان به ومزاهر يطوف علينا بالحُميا جاء در … وليس لنا عن مذهب الغي زاجر ولا كاشح يخشى ولا عيبُ عائب … وعاد لنا من سائر الناس عادر • الشيخ الصالح نور الدين أبو الحسن علي (¬١) بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن على بن حميد الثعلبي الدمشقي، قارئ الحديث. مات في ربيع الآخر (¬٢) بالقاهرة، ودفن خارج باب النصر، ومولده سنة ست وعشرين وستمائة. وكان مسند القاهرة في وقته، وخَرَّج له قاضي القضاة تقي الدين (¬٣) السبكي مشيخة، وكان رجلًا صالحًا مشهورًا بقراءة الحديث، معروفًا بالخير، وهو والد زين الدين عبد الرحمن (¬٤) المعروف بابن القارئ.• الفقيه العدل علاء الدين على (¬١) بن عماد الدين إبراهيم بن عبد المحسن بن عبد الصمد بن قرناص، الخزاعي الحموى. مات بظاهر دمشق (¬٢)، ودفن بمقابر الصوفية، ومولده في أواخر سنة أربع وخمسين وستمائة. وكان فاضلًا، اشتغل وحصل، وسافر إلى الحجاز واليمن وديار مصر. وله نظم كثير، فمنه قوله: إليك اشتياقي لا إلى الربع والمغني … وأنت لقلبي (¬٣) عندما نطق المعنى فيا غائبًا وفي القلب حاضر … فلله ما أقصاه (¬٤) عني وما أدنى أذبت فؤادي بالقطيعة والجفا … وأنعمت عيشي بالتواصل والحسنى أأحبابنا منوا عَلَىَّ بعودة (¬٥) … فقد سلمت أرواحنا بالجفا منا وحقكم لم أبغ (¬٦) عنكم تسليا … وإن كان ما قد قيل حقًا فلا كُنَّا• الشيخ المسند نور الدين على (¬١) بن نصر الله بن عمر بن عبد الواحد القرشي، المعروف بابن الصواف. مات بسوق الغنم ظاهر القاهرة (¬٢). روي عن ابن باقا (¬٣) وسمع: جعفر الهمداني، وابن الصابون، وجماعة كثيرة، ومولده سنة عشرين وستمائة تقريبًا. تفرد بالرواية، وقصده الطلبة وأخذوا عنه، ﵀. • الشيخ الفاضل الصدر الرئيس سراج الدين عبد اللطيف (¬٤) بن رشيد بن محمد التكريتي، التاجر الكارمى. مولده في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وستمائة بتكريت، ودخل اليمن والهند، وقدم الإسكندرية واستوطنها، وبنى بها مدرسة للفقهاء الشافعية. وكان له عند السلطان الملك المنصور قلاوون مكانة عظيمة، وكان يقول ما لأحدعلى فضل وأنا أمير مثل سراج الدين التكريتي، عُرض عليه أشياء كثيرة من الولايات فلم يقبل. ولسراج الدين قصائد رائقة في النبي ﷺ، منها قوله: ما شاقه البان ولا يشوقه … مذ لمعت ببارق بروقُه وجرى إلى المغنى القديم فانثنى … وشوقه نحو الحمى يسوقه يهوى بأكناف الحمى مُحبًا … حكاه من غض النقا وريقه وهي قصيدة طويلة. وله أيضًا قوله: يا دار عزه مَنْ للواله الباكي … بنظرة يتملى من مُحياكي أضحى الحزام وبيت الشيح منذ سرى … به النسيم عبيرًا حين وافاك كم ليلة بات طرفي ساهرا قلقا … يرعى النجوم وليس القصد إلَّاك حملت بارقك النجدي حين سرى … إلى الحمى أرجَى يحكي خزاماك ما المنحنى ما رُبى نجد وابرقها … وما العُذيب وبان الجزع لولاك وما سعاد وما لُبنى وزينتها … إليك أنست ولكن لَوَّح الحاكي يا ظبية المنحنى من أضلعي سكنت … جاورت قلبي فأمسى وهو مرعاك مازلت راعية حسب القلوب وما … زالت قلوب جميع الخلق ترعاك لولاك ماسرت الهوج الركاب بنا … وَخْدًا وما سارت الركبان لولاك دعوت وفدك والأشواق تجدُ بهم … إلى قراك فكل الوفد لباكيتُرى تجود لنا الأيام عائدة … بالمنحنى ويُحيِّينَا محياكي وهل تعود ليالينا بقربكم … ويرجع الشمل محصلًا برياك ودعت قلبي وصبري بعد بعدكم … والبين أقصاها من حين أقصاك هَبي المنام لأجفاني ولا سِنَة … يحيى بطيفك فيها بعض قتلاك أزوره في الدجى أقضى بها وطرا … لا أصغر الله رب العرش ممشاكي أو لامع البرق من تلقاك لى سَحَرًا … بلوح وَهْنًا فيحكي حُسن مَرآك يا نوق لا تسامي حر الهجير ولا … طول المسير وهذا من سجاياك لك الهنا إن بدا وادي العقيق لنا … ضُحى فما بعده إلا مضحاك لا مَسَّ ظهرك من بعد النقا قتب … ولا تعدى الحيا الوسمي مغناك بُشراك يا نفس إن نلت المنى وحوى … مغناك صريع هذا الحي بشراك هذا محل الرجاء فيما أؤمله … هذا الحبيب وهذا الحي حياك وأنشد بنا وناد حول روضته … الغناء لا فض من بعد النداء فاك يا تربة المصطفى المختار من مضر … سقى ثراك الحياط لا ورواك ضممت خير عباد الله كلهم … من أنبياء وعباد ونُساك هذا النبي الذي تُرجى شفاعته … للهارب المستجير الخائف الباكي هذا البشير النذير الشافع القمر … المنير الطيب الطهر التقي الزاكي يا سيد العرب العرباء قاطبة … وأشرف الخلق من عرب وأتراكيا من سَمَتْ سماء العلياء رتبته … على القبيلين من رسل وأملاك إن رمت وصفك أو احصاء معجزة … من معجزاتك كل الوصف والحاكي لكن أتيتك بالتقصير معترفا … إذا اعترافى بالتقصير إدراكي يا سيدي يا رسول الله يا أملي … يا عدتي ورجائي عند إضناكي هاجرت نحوك من أقصى البلاد وقد … هجرت أهلي وأولادي وأملاكي وقد نزلت حماك اليوم معتضدًا … أسير ذنب عظيم حائر باكي وعادة العرب العرباء جارية … حمي النزيل وكشف الضيم للشاكي وهذا أوان انصرافى عن حماك وفي … يديك عتقى وتسريحي وإفكاكي صلى عليك إله الناس ما طلعت … شمس الضحى وسرت شهب بأفلاك وشعره كثير، وكله مدح في النبي ﷺ. • الشيخ مجد الدين أحمد (¬١) بن ديلم بن محمد الشيبي، شيخ بني شيبة، وشيخ الكعبة المعظمة، وشيخ الحرم الشريف. مات في هذه السنة (¬٢)، ودفن بالمعلاة (¬٣). روى عن ابن مسدي، والمرسي، وغيرهما.• الملك المظفر شهاب الدين غازي (¬١) بن الملك الناصر صلاح الدين داوود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب. مات بالقاهرة يوم الاثنين ثاني عشر رجب بعد العصر. وتوفيت زوجته، وهي ابنة عمه الملك المغيث بن المعظم، وقت عشاء الآخرة. فخرجت جنازتهما جميعًا (¬٢). وكان قد حج وزار القدس وتوجه إلى دمشق وعاد إلى القاهرة فمات بها. وولد بالكرك عاشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة. وكان فاضلًا دينًا متواضعًا. • الملك المنصور صاحب ماردين، وهو نجم الدين أبو الفتح غازي (¬٣) بن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان بن الملك السعيد نجم الدين غازي بن أرتق الأرتقي، أصحاب ماردين من عدة سنين. وكان شيخًا حسنًا، مهيبًا، كامل الحلقة، سمينًا بدينا، إذا ركب يكون خلفه محفة خوفًا أنه يمسه لغوب (¬٤) فيركب فيها. وكانت وفاته في تاسع ربيع الآخر، ودُفن في مدرسة تحت القلعة، وعَمر فوق السبعين، فكانت مملكته قريبًا من عشرين سنة.وقام من بعده ولده العادل عَلِىَّ فملك سبعة عشر يومًا، ثم ملك [أخوه] (¬١) الصالح بن المنصور. • الأمير سيف الدين قطلوبك (¬٢) الشيخي. كان من أمراء دمشق الكبار، توفي في هذه السنة فيها (¬٣): ﵀. • الأمير بهاء الدين مغلطاي (¬٤) البهائي. توفي فيها (¬٥) بطرابلس، وكان قد رُسم بالقبض عليه، فوصل البريدي بذلك بعد وفاته بيوم (¬٦).