full passagepage 379, entry [200]3,176 chars
١٩٣ - سعد بن عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشى، المصرىالمولد البغدادى الدار، الفقيه الزاهد أبو الحسين ابن الشيخ أبى عمرو المتقدم ذكره. خرج من مصر قديما، واستوطن بغداد. وقد سبق فى ترجمة أبيه سبب قدومه إلى بغداد، وتفقه بها فى المذهب على أبى الفتح بن المنى، ولازم درسه. وسمع من أبى محمد بن الخشاب وغ…
▸ expand full passage (3,176 chars)▾ collapse
١٩٣ - سعد بن عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشى، المصرىالمولد البغدادى الدار، الفقيه الزاهد أبو الحسين ابن الشيخ أبى عمرو المتقدم ذكره. خرج من مصر قديما، واستوطن بغداد. وقد سبق فى ترجمة أبيه سبب قدومه إلى بغداد، وتفقه بها فى المذهب على أبى الفتح بن المنى، ولازم درسه. وسمع من أبى محمد بن الخشاب وغيره، وحصل له القبول التام من الخاص والعام، وكان ورعا زاهدا عابدا. قرأت بخط ناصح الدين بن الحنبلى فى حقه: كان مشتغلا بحفظ كتاب الوجهين والروايتين، تصنيف القاضى أبى يعلى. وكان من الزهد، والصلاح، والتطهير، والتورع فى المأكول على صفة تعجز كثيرا من المجتهدين فى العبادة. وكان يمشى مطرق الرأس، يلتقط الأوراق المكتوبة، حتى اجتمع عنده من ذلك شئ كثير، فيحمله بحمال إلى الشاطئ فيتولى غسله، ويرسله مع الماء. وكان لا يستقضى أحدا حاجة إلا أعطاه أجره، ولو أشعل له سراجا. وذاكرته فى خلوة فى القول بخلق أفعال العباد، فأقربه، ولم يكن على ما ذكره من مذهب والده فى ذلك، فسررت بذلك. ورأى رجل فى بغداد النبىّ ﷺ، وهو يقول: لولا الشيخ سعد نزل بكم بلاء، أو كما قال. ثم سعى الشيخ سعد إلى الجمعة وما عنده خبر بهذا المنام، فانعكف الناس به يتبركون به وازدحموا، فرموه مرات، وكأن مناديا ينادى فى قلوب الناس، وهو يقول: أعوذ بالله من الفتنة، إيش بى؟ إيش بالناس؟ حتى ضرب الناس عنه وخلص منهم. وقال القادسى: هو أحد الزهاد الأبدال الأوتاد، ومن تشد إليه الرحال، ومن كان لله عليه إقبال الصائم فى النهار، القائم فى الظلام. قدم بغداد. وسكن برباط الشيخ عبد القادر، وما كان يقبل من أحد شيئا، ولا يغشى باب أحد من السلاطين. كان ينفذ له فى كل عام شئ من ملك له بمصر يكفيه طول سنته.حكى لى والدى، قال: كنت أتردد إليه كثيرا، فأتيته يوما، فهجس فى نفسى أن لى مدة أتردد إليه، وما حلف علىّ قط، ولا قدم لى شيئا، فما استتممت كلامى حتى قال لى: أى أحمد، والله ما أرضى لك طعامى، لأنه طعام شقى، قال: وأخذنى من الوجد شئ عظيم، ثم دخل ليخرج لى من الزاد. فقلت: لو أخرج إلى رغيف فضله، لأنتغض به لأقوام، فقال عجلا من داخل البيت: أى: شيخ أحمد، بل رغيفان. قال: فزاد تحيرى ودهشتى. وكان الشيخ سعد كثير البكاء والخشوع. قال ابن النجار: كان عبدا صالحا، مشهورا بالعبادة والمجاهدة والورع، والتقشف، والقناعة، والتعفف، وكان خشن العيش، مخشوشنا، كثير الانقطاع عن الناس. وكان على غاية من الوسوسة، والمبالغة فى الطهارة. قال ابن النجار: حدثنى سعيد بن يوسف بن سعيد المقرئ، قال: سمعت سعد المصرى الزاهد يقول: تجشأت مرة، فصعد إلى حلقى شئ من الجشأ، فغسلت حلقى ثلاث مرات، وابتلعته، ثم غسلت فمى ثلاث مرات أخر وأبصقه. قلت: سامحه الله تعالى، هذه زلة فاحشة. قال المنذرى: كان يحمل إليه ما يقتات به من مصر من جهة كانت له بها. وقيل: إن شيخه ابن المنّى لما احتضر أوصى أن يصلى عليه الشيخ سعد، وقد تقدم أنه صلّى عليه يومئذ، وأن الناس ازدحموا عليه للتبرك به، حتى كاد يهلك. قال المنذرى: توفى فى سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ساجدا فى صلاته، ودفن من الغد. وذكر القطيعى: أنه توفى يوم الثلاثاء، وأنه دفن بمقبرة باب الدير بالقرب من معروف الكرخى، رحمة الله عليه. وذكر القادسى: أنه توفى يوم الثلاثاء سابع ربيع الآخر، سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ساجدا، وصلّى عليه بمدرسة عبد القادر، ثم مرارا عدة بظاهرالحلبة، ثم حمل إلى باب حرب ليدفن به. وكان قد حفر له به قبر، فأقبل خدام أم الخليفة، واستخلصوه من العامة، وردوه إلى مقابر معروف، إلى التل المقابل لباب تربة أم الخليفة. وكان يوم موته مشهودا، وتابوته بالحبال مشدودا، ﵀. وذكر ابن النجار: أنه كان قد قرأ فى الصلاة التى توفى فيها (٨٨:٥٦، ٨٩ ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)﴾.