مصنف ابن ابي شيبه — ابن أبي شيبة

حديث من سنة.كوم بنسخه · ٤ نسخ · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
مصنف ابن ابي شيبه
سنة.كوم (القارئ) · بمطابقة نص الصفحة

خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي أَلْفٍ وَثَمَانِ مِائَةٍ , وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُدْعَى نَاجِيَةَ ، يَأْتِيهِ بِخَبَرِ الْقَوْمُ , حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدِيرًا بِعُسْفَانَ يُقَالَ لَهُ : غَدِيرُ الْأَسْطَاطِ ، فَلَقِيَهُ عَيْنَهُ بِغَدِيرِ الْأَسْطَاطِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ , تَرَكْتُ قَوْمَكَ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ قَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ ، قَدْ سَمِعُوا بِمَسِيرِكَ , وَتَرَكْتُ عُبْدَانَهُمْ يُطْعَمُونَ الْخَزِيرَ فِي دُورِهِمْ , وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلٍ بَعَثُوهُ . فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَاذَا تَقُولُونَ ؟ مَاذَا تَرَوْنَ ؟ أَشِيرُوا عَلَيَّ ، قَدْ جَاءَكُمْ خَبَرُ قُرَيْشٍ ، مَرَّتَيْنِ ، وَمَا صَنَعَتْ , فَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ . قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرَوْنَ أَنْ نَمْضِيَ لِوَجْهِنَا ؟ وَمَنْ صَدَّنَا عَنِ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ ؟ أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نُخَالِفَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَنْ تَرَكُوا وَرَاءَهُمْ ؟ فَإِنِ اتَّبَعَنَا مِنْهُمْ عُنُقٌ قَطَعَهُ اللَّهُ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ , الْأَمْرُ أَمْرُكَ وَالرَّأْيُ رَأْيُكَ . فَتَيَامَنُوا فِي هَذَا الْفِعْلِ , فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ خَالِدٌ وَلَا الْخَيْلُ الَّتِي مَعَهُ ، حَتَّى جَاوَزَ بِهِمْ قَتَرَةَ الْجَيْشِ ، وَأَوْفَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى ثَنِيَّةٍ تَهْبِطُ عَلَى غَائِطِ الْقَوْمِ يُقَالَ لَهُ : بَلْدَحُ , فَبَرَكَتْ فَقَالَ : حَلْ حَلْ . فَلَمْ تَنْبَعِثْ , فَقَالُوا : خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ ؟ قَالَ : إِنَّهَا وَاللَّهِ مَا خَلَأَتْ , وَلَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ , وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ , أَمَّا وَاللَّهِ لَا يَدْعُونِي الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرْمَةً ، وَلَا يَدْعُونِي فِيهَا إِلَى صِلَةٍ إِلَّا أَجَبْتُهُمْ إِلَيْهَا . ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ , فَرَجَعَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ عَوْدُهُ عَلَى بَدْئِهِ , حَتَّى نَزَلَ بِالنَّاسِ عَلَى ثَمَدٍ مِنْ ثِمَادِ الْحُدَيْبِيَةِ ظَنُونٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُ النَّاسُ مَاءَهَا تَبَرُّضًا , فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِلَّةَ الْمَاءِ , فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ , فَأَمَرَ رَجُلًا فَغَرَزَهُ فِي جَوْفِ الْقَلِيبِ , فَجَاشَ بِالْمَاءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عَنْهُ بِعَطَنٍ , فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ مَرَّ بِهِ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي رَكْبٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ , هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ قَدْ خَرَجُوا بِالْعُوذِ الْمَطَافِيلِ , يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ لَيَحُولُنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَكَّةَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ ! قَالَ : يَا بُدَيْلُ , إِنِّي لَمْ آتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ , إِنَّمَا جِئْتُ أَقْضِي نُسُكِي وَأَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ , وَإِلَّا فَهَلْ لِقُرَيْشٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ؟ هَلْ لَهُمْ إِلَى أَنْ أُمَادَّهُمْ مُدَّةً يَأْمَنُونَ فِيهَا وَيَسْتَجِمُّونَ , وَيُخَلُّونَ فِيهَا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ ؟ فَإِنْ ظَهَرَ فِيهَا أَمْرِي عَلَى النَّاسِ كَانُوا فِيهَا بِالْخِيَارِ أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ , وَبَيْنَ أَنْ يُقَاتِلُوا ، وَقَدْ جَمُّوا وَأَعَدُّوا . قَالَ بُدَيْلٌ : سَأَعْرِضُ هَذَا عَلَى قَوْمِكَ . فَرَكِبَ بُدَيْلٌ حَتَّى مَرَّ بِقُرَيْشٍ ، فَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ : جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَخْبَرْتُكُمْ بِمَا سَمِعْتُ مِنْهُ فَعَلْتُ . فَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ سُفَهَائِهِمْ : لَا تُخْبِرْنَا عَنْهُ شَيْئًا . وَقَالَ نَاسٌ مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمْ وَحُكَمَائِهِمْ : بَلْ أَخْبِرْنَا مَا الَّذِي رَأَيْتَ وَمَا الَّذِي سَمِعْتَ ؟ فَاقْتَصَّ عَلَيْهِمْ بُدَيْلٌ قِصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُدَّةِ , قَالَ : وَفِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ , فَوَثَبَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ , هَلْ تَتَّهِمُونَنِي فِي شَيْءٍ , أَلَسْتُ بِالْوَلَدِ وَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ ؟ أَوَلَسْتُ قَدِ اسْتَنْفَرْتُ لَكُمْ أَهْلَ عُكَاظٍ ؟ فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ نَفَرْتُ إِلَيْكُمْ بِنَفْسِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي ؟ قَالُوا : بَلَى , قَدْ فَعَلْتَ . قَالَ : فَاقْبَلُوا مِنْ بُدَيْلٍ مَا جَاءَكُمْ بِهِ وَمَا عَرَضَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَابْعَثُونِي حَتَّى آتِيَكُمْ بِمُصَادِقِهَا مِنْ عِنْدِهِ , قَالُوا : فَاذْهَبْ , فَخَرَجَ عُرْوَةُ حَتَّى نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ , هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ : كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَعَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ قَدْ خَرَجُوا بِالْعُوذِ الْمَطَافِيلِ , يُقْسِمُونَ لَا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَكَّةَ حَتَّى تُبِيدَ خَضْرَاءَهُمْ , وَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ قِتَالِهِمْ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : أَنْ تَجْتَاحَ قَوْمُكَ , فَلَمْ يُسْمَعْ بِرَجُلٍ قَطُّ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ , وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَكَ مَنْ أَرَى مَعَكَ , فَإِنِّي لَا أَرَى مَعَكَ إِلَّا أَوْبَاشًا مِنَ النَّاسِ , لَا أَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَلَا وُجُوهَهُمْ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَغَضِبَ : امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ , أَنَحْنُ نَخْذُلُهُ أَوْ نُسْلِمُهُ ! فَقَالَ عُرْوَةُ : أَمَّا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أُجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ فِيمَا قُلْتَ . وَكَانَ عُرْوَةُ قَدْ تَحَمَّلَ بِدِيَةٍ ، فَأَعَانَهُ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا بِعَوْنٍ حَسَنٍ , وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى وَجْهِهِ الْمِغْفَرُ , فَلَمْ يَعْرِفْهُ عُرْوَةُ , وَكَانَ عُرْوَةُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلَّمَا مَدَّ يَدَهُ يَمَسُّ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَعَهَا الْمُغِيرَةُ بِقَدَحٍ كَانَ فِي يَدِهِ , حَتَّى إِذَا أَخْرَجَهُ ، قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ . قَالَ عُرْوَةُ : أَنْتَ بِذَاكَ يَا غُدَرُ ؟ وَهَلْ غَسَلْتَ عَنْكَ غَدْرَتَكَ أَمْسِ بِعُكَاظٍ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْوَةِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَ مَا قَالَ لِبُدَيْلٍ , فَقَامَ عُرْوَةُ فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَ إِلَى قَوْمِهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ , إِنِّي قَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ , عَلَى قَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ بِالشَّامِ , وَعَلَى النَّجَاشِيِّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ , وَعَلَى كِسْرَى بِالْعِرَاقِ , وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتَ مَلِكًا هُوَ أَعْظَمُ فِيمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ , وَاللَّهِ مَا يَشُدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ وَمَا يَرْفَعُونَ عِنْدَهُ الصَّوْتَ , وَمَا يَتَوَضَّأُ مِنْ وَضُوءٍ إِلَّا ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ أَيُّهُمْ يَظْفَرُ مِنْهُ بِشَيْءٍ , فَاقْبَلُوا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ بُدَيْلٌ , فَإِنَّهَا خُطَّةُ رُشْدٍ . قَالُوا : اجْلِسْ . وَدَعَوْا رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ يُقَالَ لَهُ : الْحُلَيْسُ , فَقَالُوا : انْطَلِقْ فَانْظُرْ مَا قِبَلَ هَذَا الرَّجُلِ وَمَا يَلْقَاكَ بِهِ . فَخَرَجَ الْحُلَيْسُ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا عَرَفَهُ ، قَالَ : هَذَا الْحُلَيْسُ , وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْهَدْيَ , فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ . فَبَعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ " ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَاخْتَلَفَ الْحَدِيثُ فِي الْحُلَيْسِ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : " جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَعُرْوَةَ " ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : " لَمَّا رَأَى الْهَدْيَ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ , فَقَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ أَمْرًا لَئِنْ صَدَدْتُمُوهُ إِنِّي لَخَائِفٌ عَلَيْكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ عَنَتٌ ، فَأَبْصِرُوا بَصَرَكُمْ . قَالُوا : اجْلِسْ . وَدَعَوْا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالَ لَهُ : مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَحْنَفِ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ , فَبَعَثُوهُ , فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٌ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ . فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَلِأَصْحَابِهِ فِي الْمُدَّةِ , فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ , فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ يُكَاتِبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ , فَجَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، فَقَالَ : قَدْ بَعَثَنِي قُرَيْشٌ إِلَيْكَ أُكَاتِبُكَ عَلَى قَضِيَّةٍ نَرْتَضِي أَنَا وَأَنْتَ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمِ اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ : مَا أَعْرِفُ اللَّهَ ، وَلَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنِ ، وَلَكِنِ اكْتُبْ كَمْ كُنَّا نَكْتُبُ : بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ . فَوَجَدَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ ، وَقَالُوا : لَا نُكَاتِبُكَ عَلَى خَطِّهِ حَتَّى تُقِرَّ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ سُهَيْلٌ : إِذًا لَا أُكَاتِبُهُ عَلَى خَطٍّ حَتَّى أَرْجِعَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ : لَا أُقِرُّ , لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا خَالَفْتُكَ وَلَا عَصَيْتُكَ , وَلَكِنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . فَوَجَدَ النَّاسُ مِنْهَا أَيْضًا , قَالَ : اكْتُبْ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو . فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ؟ أَوَلَيْسَ عَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ؟ قَالَ : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ أَعْصِيَهُ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي . وَأَبُو بَكْرٍ مُتَنَحٍّ بِنَاحِيَةٍ , فَأَتَاهُ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ . فَقَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ؟ أَوَلَيْسَ عَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا . قَالَ : دَعْ عَنْكَ مَا تَرَى يَا عُمَرُ , فَإِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ وَلَنْ يَعْصِيَهُ . وَكَانَ فِي شَرْطِ الْكِتَابِ : أَنَّهُ مَنْ كَانَ مِنَّا فَأَتَاكَ فَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْ قِبَلِكَ رَدَدْنَاهُ إِلَيْكَ ، قَالَ : أَمَا مَنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِي فَلَا حَاجَةَ لِي بِرَدِّهِ , وَأَمَّا الَّتِي اشْتَرَطْتَ لِنَفْسِكَ فَتِلْكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ . فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ ، قَدْ خَلَا لَهُ أَسْفَلُ مَكَّةَ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ , فَرَفَعَ سُهَيْلٌ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ بِابْنِهِ أَبِي جَنْدَلٍ , فَقَالَ : هَذَا أَوَّلُ مَنْ قَاضَيْتُكَ عَلَى رَدِّهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا سُهَيْلُ إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ . قَالَ : وَلَا أُكَاتِبُكَ عَلَى خَطٍّ حَتَّى تَرُدَّهُ . قَالَ : فَشَأْنُكَ بِهِ . قَالَ : فَهَشَّ أَبُو جَنْدَلٍ إِلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ , أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي ؟ ! فَلَصِقَ بِهِ عُمَرُ ، وَأَبُوهُ آخِذٌ بِيَدِهِ يَجْتَرُّهُ ، وَعُمَرُ يَقُولُ : إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ , وَمَعَك السَّيْفُ . فَانْطَلَقَ بِهِ أَبُوهُ , فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِمْ يَدْخُلُ فِي دِينِهِ , فَلَمَّا اجْتَمَعُوا نَفَرٌ ، فِيهِمْ أَبُو بَصِيرٍ رَدَّهُمْ إِلَيْهِمْ وَأَقَامُوا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ , فَكَأَنَّهُمْ قَطَعُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَتْجَرَهُمْ إِلَى الشَّامِ , فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا نَرَاهَا مِنْك صِلَةً أَنْ تَرُدَّهُمْ إِلَيْك وَتَجْمَعَهُمْ . فَرَدَّهُمْ إِلَيْهِ , وَكَانَ فِيمَا أَرَادَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكِتَابِ ، أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَيَقْضِي نُسُكَهُ ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ , فَقَالُوا : لَا تَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّكَ أَخَذْتَنَا ضَغْطَةً أَبَدًا ، وَلَكِنِ ارْجِعْ عَامَكَ هَذَا , فَإِذَا كَانَ قَابِلٌ أَذِنَّا لَكَ فَاعْتَمَرْتَ وَأَقَمْتَ ثَلَاثًا . وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِلنَّاسِ : قُومُوا فَانْحَرُوا هَدْيَكُمْ وَاحْلِقُوا وَحِلُّوا . فَمَا قَامَ رَجُلٌ وَلَا تَحَرَّكَ , فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , فَمَا تَحَرَّكَ رَجُلٌ وَلَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ , فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ , وَكَانَ خَرَجَ بِهَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ , فَقَالَ : يَا أُمَّ سَلَمَةَ , مَا بَالُ النَّاسِ , أَمَرْتُهُمْ بِثَلَاثِ مِرَارٍ أَنْ يَنْحَرُوا وَأَنْ يَحْلِقُوا وَأَنْ يَحِلُّوا ، فَمَا قَامَ رَجُلٌ إِلَى مَا أَمَرْتُهُ بِهِ . قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , اخْرُجْ أَنْتَ فَاصْنَعْ ذَلِكَ . فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَمَّمَ هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ وَدَعَا حَلَّاقًا فَحَلَقَهُ , فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَثَبُوا إِلَى هَدْيِهِمْ فَنَحَرُوهُ , وَأَكَبَّ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَغُمَّ بَعْضًا مِنَ الزِّحَامِ "

مصنف ابن أبي شيبة (عوامة)
المدوَّنة · بمطابقة نص الصفحة
فركب بديل حتى مر بقريش ، فقالوا : من أين عن جئتكم من عند

وَفِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، فَوَثَبَ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، هَلْ تَتَّهِمُونَنِي فِي شَيْءٍ ؟ أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ ؟ أَوَلَسْتُمْ بِالْوَالِد ؟ أَوَلَسْتُ قَدَ اسْتَنْفَرْتُ لَكُمْ أَهْلَ عُكَاظٍ ، فَلَمَّا بَلَحُوا عَلَيَّ نَفَرْتُ إِلَيْكُمْ بِنَفْسِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي ، قَالُوا : بَلَى ، قَدْ فَعَلْتَ ، قَالَ : فَاقْبَلُوا مِنْ بُدَيْلٍ مَا جَاءَكُمْ بِهِ ، وَمَا عَرَضَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَابْعَثُونِي حَتَّى آتِيَكُمْ بِمُصَادِقِهَا مِنْ عِنْدِهِ ، قَالُوا : فَاذْهَبْ. فَخَرَجَ عُرْوَةُ حَتَّى نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَؤُلاَءِ قَوْمُكَ ؛ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ ، وَعَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ قَدْ خَرَجُوا بِالْعُوذِ الْمَطَافِيلِ ، يُقْسِمُونَ : لاَ يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَكَّةَ حَتَّى تُبِيدَ (١٤/٤٤٦) خَضْرَاءَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ قِتَالِهِمْ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ أَنْ تَجْتَاحَ قَوْمَكَ ، فَلَمْ تَسْمَعْ بِرَجُلٍ قَطَّ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ ، وَبَيْنَ أَنْ يُسْلِمَكَ مَنْ أَرَى مَعَكَ ، فَإِنِّي لاَ أَرَى مَعَكَ إِلاَّ أَوْبَاشًا مِنَ النَّاسِ ، لاَ أَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ ، وَلاَ وُجُوهَهُمْ. (١٤/٤٤٧) . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَغَضِبَ : امْصُصْ بَظْرَ اللاَتِ ، أَنَحْنُ نَخْذُلُهُ ، أَوْ نُسْلِمُهُ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : أَمَّا وَاللهِ لَوْلاَ يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ فِيمَا قُلْتَ ، وَكَانَ عُرْوَةُ قَدْ تَحَمَّلَ بِدِيَةٍ ، فَأَعَانَهُ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا بِعَوْنٍ حَسَنٍ. وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى وَجْهِهِ الْمِغْفَرُ ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ عُرْوَةُ ، وَكَانَ عُرْوَةُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلَّمَا مَدَّ يَدَهُ ، يَمَسُّ لِحْيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَعَهَا الْمُغِيرَةُ بِقَدَحٍ كَانَ فِي يَدِهِ ، حَتَّى إِذَا أَحْرَجَهُ ، قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، قَالَ عُرْوَةُ : أَنْتَ بِذَاكَ يَا غُدَرُ ، وَهَلْ غَسَلْتَ عَنْكَ غَدْرَتَكَ إِلاَّ أَمْسَ بِعُكَاظٍ ؟. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْوَةِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَ مَا قَالَ لِبُدَيْلٍ. فَقَامَ عُرْوَةُ ، فَخَرَجَ حَتَّى جَاءَ إِلَى قَوْمِهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنِّي قَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوك ، عَلَى قَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ بِالشَّامِ ، وَعَلَى النَّجَاشِيِّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَعَلَى كِسْرَى بِالْعِرَاقِ ، وَإِنِّي وَاللهِ مَا رَأَيْتَ مَلِكًا هُوَ أَعْظَمُ فِيمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ ، وَاللهِ مَا يَشُدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ ، وَمَا يَرْفَعُونَ عِنْدَهُ الصَّوْتَ ، وَمَا يَتَوَضَّأُ مِنْ وَضُوءٍ إِلاَّ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ ، أَيُّهُمْ يَظْفَرُ مِنْهُ بِشَيْءٍ ، فَاقْبَلُوا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ بُدَيْلٌ ؛ (١٤/٤٤٧) فَإِنَّهَا خُطَّةُ رُشْدٍ. (١٤/٤٤٨) . قَالُوا : اجْلِسْ ، وَدَعَوْا رَجُلاً مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، يُقَالُ لَهُ : الْحُلَيْسُ ، فَقَالُوا : انْطَلِقْ ، فَانْظُرْ مَا قِبَلُ هَذَا الرَّجُلِ ، وَمَا يَلْقَاكَ بِهِ ، فَخَرَجَ الْحُلَيْسُ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلاً عَرَفَهُ ، قَالَ : هَذَا الْحُلَيْسُ ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْهَدْي ، فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ ، فَبَعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَاخْتَلَفَ الْحَدِيثُ فِي الْحُلَيْسِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : جَاءَهُ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَعُرْوَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمَّا رَأَى الْهَدْيَ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ امْرءًا لَئِنْ صَدَدْتُمُوهُ إِنِّي لَخَائِفٌ عَلَيْكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ عَنْتٌ ، فَأَبْصِرُوا بَصَرَكُمْ. قَالُوا : اجْلِسْ ، وَدَعَوْا رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ : مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الأَحْنَفِ ، مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَي ، فَبَعَثُوهُ ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٌ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَلأَصْحَابِهِ فِي الْمُدَّةِ ، فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ يُكَاتِبُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ ، فَجَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، فَقَالَ : قَدْ بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَيْكَ أُكَاتِبُكَ عَلَى قَضِيَّةٍ ، نَرْتَضِي أَنَا وَأَنْتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمَ ، اكْتُبْ : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيمِ ، قَالَ : قَالَ : مَا أَعْرِفُ اللَّهَ ، وَلاَ أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ ، وَلَكِنْ أَكْتُبَ كَمَا كُنَّا نَكْتُبُ : بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، فَوَجَدَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ ،(١٤/٤٤٨). وَقَالُوا : (١٤/٤٤٨) لاَ نُكَاتِبُكَ عَلَى خُطَّةٍ حَتَّى تُقِرَّ بِالرَّحْمَن الرَّحِيمِ ، قَالَ سُهَيْلٌ : إِذًا لاَ أُكَاتِبُهُ عَلَى خُطَّةٍ حَتَّى أَرْجِعَ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اكْتُبْ : بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، قَالَ : لاَ أُقِرُ ، لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا خَالَفْتُكَ ، وَلاَ عَصَيْتُكَ ، وَلَكِنْ اكْتُبْ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، فَوَجَدَ النَّاسُ مِنْهَا أَيْضًا ، قَالَ : اكْتُبْ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ . سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ، أَوَلَيْسَ عَدُوُّنَا عَلَى بَاطِلٍ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَعَلَى مَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ؟ قَالَ : إِنِّي رَسُولُ اللهِ ، وَلَنْ أَعْصِيَهُ ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي ، وَأَبُو بَكْرٍ مُتَنَحٍّ نَاحِيَةً ، فَأَتَاهُ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ، أَوَلَيْسَ عَدُوُّنَا عَلَى بَاطِلٍ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَعَلَى مَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ؟ قَالَ : دَعْ عَنْكَ مَا تَرَى يَا عُمَرُ ، فَإِنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ ، وَلَنْ يَعْصِيَهُ. وَكَانَ فِي شَرْطِ الْكِتَابِ أَنَّهُ : مَنْ كَانَ مِنَّا فَأَتَاكَ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْ قِبَلِكَ رَدَدْنَاهُ إِلَيْكَ ، قَالَ : أَمَا مَنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِي فَلاَ حَاجَةَ لِي بِرَدِّهِ ، وَأَمَّا الَّتِي اشْتَرَطْتَ لِنَفْسِكَ فَتِلْكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. (١٤/٤٤٩) . فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، يَرْسُفُ فِي (١٤/٤٤٩) الْحَدِيدِ ، قَدْ خَلاَ لَهُ أَسْفَلُ مَكَّةَ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ ، فَرَفَعَ سُهَيْلٌ رَأْسَهُ ، فَإِذَا هُوَ بِابْنِهِ أَبِي جَنْدَلٍ ، فَقَالَ : هَذَا أَوَّلُ مَنْ قَاضَيْتُكَ عَلَى رَدِّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا سُهَيْلُ ؛ إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ ، قَالَ : وَلاَ أُكَاتِبُكَ عَلَى خُطَّةٍ حَتَّى تَرُدَّهُ ، قَالَ : فَشَأْنُكَ بِهِ ، قَالَ : فَبَهَشَ أَبُو جَنْدَلٍ إِلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي ؟ فَلَصِقَ بِهِ عُمَرُ وَأَبُوهُ آخِذٌ بِيَدِهِ يَجْتَرُّهُ ، وَعُمَرُ يَقُولُ : إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ ، وَمَعَك السَّيْفُ ، فَانْطَلَقَ بِهِ أَبُوهُ. فَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِمْ يَدْخُلُ فِي دِينِهِ ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا نَفَرٌ فِيهِمْ أَبُو بَصِيرٍ وَرَدَّهُمْ إِلَيْهِمْ ، أَقَامُوا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَكَانُوا قَطَعُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَتْجَرَهُمْ إِلَى الشَّامِ ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نَرَاهَا مِنْك صِلَةً ، أَنْ تَرُدَّهُمْ إِلَيْك وَتَجْمَعَهُمْ ، فَرَدَّهُمْ إِلَيْهِ. وَكَانَ فِيمَا أَرَادَهُمَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكِ تَابِ ؛ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ ، فَيَقْضِي نُسُكَهُ ، وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ ، فَقَالُوا : لاَ تَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّكَ أَخَذْتَنَا ضَغْطَةً أَبَدًا ، وَلَكِنِ ارْجِعْ عَامَكَ هَذَا ، فَإِذَا كَانَ قَابِلٌ أَذِنَّا لَكَ ، فَاعْتَمَرْتَ وَأَقَمْتَ ثَلاَثًا. (١٤/٤٥٠) .

مصنف ابن أبي شيبة (الفكر)
المدوَّنة · بمطابقة نص الصفحة

(ماذا تقولون ؟ ماذا ترون ؟ أشيروا علي ، قد جاءكم خبر قريش مرتين وما صنعت ، فهذا خالد بن الوليد بالغميم ، قال لهم رسول الله (ص) : أترون أن نمضي لوجهنا ، ومن صدنا عن البيت قاتلناه ، ألم ترون أن نخالف هؤلاء إلى من تركوا وراءهم ، فإن أتبعنا منهم عنق قطعة الله ، قالوا يا رسول الله ! الامر أمرك والرأي رأيك ، فتيامنوا في هذا الفعل ، فلم يشعر به خالد ولا الخيل التي معه حتى جاوز بهم فترة الجيش وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط القوم يقال له بلدح ، فبركت فقال : حل حل ، فلم تنبعث ، فقالوا : خلات القصواء ، قال : إنها والله ما خلات ، ولا هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، أنا والله لا يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمة ولا يدعوني فيها إلى صلة إلا أجبتهم إليها) ، ثم زجرها فوثبت ، فرجع من حيث جاء عوده على بدئه ، حتى نزل بالناس على ثمد من ثماد الحديبية ظنون قليل الماء يتربض الناس ماءها تبرضا ، فشكوا إلى رسول الله (ص) قلة الماء ، فانتزع سهما من كنانته ، فأمر رجل فغرزه في جوف القليب ، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن ، فبينما هو على ذلك إذ مر به بديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة ، فقال : يا محمد ! هؤلاء قومك قد خرجوا بالعوذ المطافيل ، يقسمون بالله ليحولن بينك وبين مكة حتى لا يبقى منهم أحد ، قال : يا بديل ! إني لم آت لقتال أحد ، إنما جئت أقضي نسكي وأطوف بهذا البيت ، وإلا فهل لقريش في غير ذلك ، هل لهم إلى أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون ، ويخلون فيها بيني وبين الناس ، فإن ظهر فيها أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، وبين أن يقاتلوا وقد جمعوا وأعدوا) ، قال بديل : سأعرض هذا على قومك ، فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا : من أين ؟ قال : جئتكم من عند رسول الله (ص) ، وإن شئتم أخبرتكم بما سمعت منه فعلت ، فقال أناس من سفهائهم : لا تخبرنا عنه شيئا ، وقال ناس من ذوي أسنانهم وحكمائهم : بل أخبرنا ما الذي رأيت وما الذي سمعت ؟ فاقتص عليهم بديل قصة رسول الله (ص) وما عرض عليهم من المدة ، قال : وفي كفار قريش يومئذ عروة بن مسعود الثقفي ، فوثب فقال : يا معشر قريش ! هل تتهمونني في شئ ، ألست بالولد ولستم بالوالد ، أو لست قد استنفرت لكم أهل عكاظ ، فلما ملجوا علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني ، قالوا : بلى ، قد فعلت ، قال : فاقبلوا من بديل ما جاءكم به وما عرض عليكم رسول الله (ص) ، وابعثوني حتى آتيكم بمصادقها من عنده ، قالوا : فاذهب ، فخرج عروة حتى نزل برسول الله (ص) بالحديبية فقال : يا محمد ! هؤلاء قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد خرجوا بالعوذ المطافيل ، يقسمون لا يخلون بينك وبين مكة حتى تبيد خضراءهم ، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين : أن يجتاح قومك ، فلم تسمع برجل قط اجتاح أصله قبلك ، وبين أن يسلمك من أرى معك ، فإني لا أرى معك إلا أوباشا من الناس ، لا أعرف أسماءهم ولا وجوههم ، فقال أبو بكر - وغضب : أمصص بظر اللات ، أنحن نخذله أو نسلمه ، فقال عروة : أما والله لو لا يدلك عندي لم أجزك بها لاجبتك فيما قلت ، وكان عروة قد تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن ، والمغيرة بن شعبة قائم على رسول الله (ص) وعلى وجهه للغفر ، فلم يعرفه عروة ، وكان عروة يكلم رسول الله (ص) ، فكلما مد يده يمس لحية رسول الله (ص) قرعها المغيرة بقدح كان في يده ، حتى إذا أخرجه قال : من هذا ؟ قالوا : هذا المغيرة بن شعبة ، قال عروة ، أنت بذاك يا غدر ، وهل غسلت عنك غدرتك الامس بععكاظ ، فقال النبي (ص) لعروة بن مسعود مثل ما قال لبديل ، فقام عروة فخرج حتى جاء إلى قومه فقال : يا معشر قريش ! إني قد وفدت على الملوك ، على قيصر في ملكه بالشام ، وعلى النجاشي بأرض الحبشة ، وعلى كسرى بالعراق ، وإني والله ما رأيت ملكا هو أعظم فيمن هو بين ظهريه من محمد في أصحابه ، والله ما يشدون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت ، وما يتوضا من وضوء إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشئ ، فاقبلوا الذي جاءكم به بديل ، فإنها خطة رشد ، قالوا : اجلس ودعوا رجلا من بني الحارث بن عبد مناف يقال له : الحليس ، فقالوا : انطلق فانظر ما قبل هذا الرجل وما يلقاك به ، فخرج الحليس فلما رآه رسول الله (ص) مقبلا عرفه ، قال : (هذا الحليس ، وهو من قوم يعظمون الهدي ، فابعثوا الهدي في وجهه) ، فبعثوا الهدي في وجهه ، قال ابن شهاب : فاختلف الحديث في الحليس ، فمنهم من يقول : جاءه فقال له مثل ما قال لبديل وعروة ، ومنهم من قال : لما رأى الهدي رجع إلى قريش ، فقال : لقد رأيت أمرا لئن صددتموه إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت فأبصروا بصركم ، قالوا : اجلس : ودعوا رجلا من قريش يقال له : مكرز بن حفص بن الاحنف من بني عامر بن لؤي ، فبعثوه ، فلما رآه النبي (ص) قال : (هذا رجل فاجر ينظر بعين) فقال له مثل ما قال لبديل ولاصحابه في المدة ، فجاءهم فأخبرهم ، فبعثوا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي يكاتب رسول الله (ص) على الذي دعا إليه ، فجاءه سهيل بن عمرو فقال : قد بعثني قريش إليك أكاتبك على قضية نرتضي أنا وأنت ، فقال النبي (ص) : نعم اكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قال : ما أعرف الله ولا أعرف الرحمن ، ولكن اكتب كما كنا نكتب (باسمك اللهم) فوجد (١) الناس من ذلك وقالوا : لا نكاتبك على خطة حتى تقر بالرحمن الرحيم ، قال سهيل : إذا لا أكاتبه على خطة حتى أرجع ، قال رسول الله (ص) : (اكتب (باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) قال : لا أقر ، لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك ولا عصيتك ، ولكن محمد بن عبد الله ، فوجد الناس منها أيضا ، قال : (اكتب (محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو) فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله ! ألسنا على الحق ، أو ليس عدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني) ، وأبو بكر منتح بناحية ، فأتاه عمر فقال : يا أبا بكر ! فقال : نعم ، قال : ألسنا على الحق ؟ أو ليس عدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ، قال : دع عنك ما ترى يا عمر ! فإنه رسول الله (ص) ولن يضيعه الله ولن يعصيه ، وكان في شرط الكتاب أنه (من كان منا فأتاك فإن كان على دينك رددته إلينا ومن جاءنا من قبلك رددناه إليك) قال : (أما من جاء من قبلي فلا حاجة لي برده ، وأما التي اشترطت لنفسك [ فتلك ] بيني وبينك ، فبينما الناس على ذلك الحال إذ طلع عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد خلا له أسفل مكة متوشحا السيف ، فرفع سهيل رأسه فإذا هو بابنه أبي جندل ، فقال : هذا أول من قاضيتك على رده ، فقال النبي (ص) : (يا سهيل) إنا لم نقض الكتاب بعد ، قال : ولا أكاتبك على خطة حتى نرده ، قال : فشأنك به قال : فهش أبو جندل إلى الناس فقال : يا معشر المسلمين ! أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني ، فلصق به عمر وأبوه آخذ بيده يجتره وعمر يقول : إنما هو رجل ، ومعك السيف ، فانطلق به أبوه ، ف كان النبي (ص) يرد عليهم من جاء من قبلهم يدخل في دينه ، فلما اجتمعوا نفر فيهم أبو بصير ردهم إليهم وأقاموا بساحل البحر ، فكأنهم قطعوا على قريش متجرهم إلى الشام ، فبعثوا إلى رسول الله (ص) : إنا نراها منك صلة أن تردهم إليك وتجمعهم ، فردهم إليه ، وكان فيما أرادهم النبي (ص) في الكتاب أن يدعوه يدخل مكة فيقضي نسكه وينحر هديه بين ظهريهم ، فقالوا : لا تحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة أبدا ولكن ارجع عامك هذا ، فإذا كان قابل أذنا لك فاعتمرت وأقمت ثلاثا ، وقام رسول الله (ص) فقال للناس : (قوموا فانحروا هديكم واحلقوا وحلوا) ، فما قام رجل ولا تحرك ، فأمر رسول الله (ص) الناس بذلك ثلاث مرات ، فما تحرك رجل ولا قام من مجلسه ، فلما رأى النبي (ص) ذلك دخل على أم سلمة ، وكان خرج بها في تلك الغزوة ، فقال : (يا أم سلمة ! ما بال الناس ! أمرتهم ثلاث مرار أن ينحروا وأن يحلقوا وأن يحلوا فما قام رجل إلى ما أمرته به) ، قالت : يا رسول الله ! اخرج أنت فاصنع ذلك ، فقام رسول الله (ص) حتى يمم هديه فنحره ودعا حلاقا فحلقه ، فلما رأى الناس ما صنع رسول الله (ص) وثبوا إلى هديهم فنحروه ، وأكب بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم أن يضم بعضا من الزحام ، قال ابن شهاب : وكان الهدي الذي ساقه رسول الله (ص) وأصحابه سبعين بدنة ، قال ابن شهاب : فقسم رسول الله (ص) خيبر على أهل الحديبية على ثمانية عشر سهما ، لكل مائة رجل سهم.

المصنف - ابن أبي شيبة - ت الشثري
المدوَّنة · بمطابقة نص الصفحة

٣٩٦٢٤ - حدثنا خالد بن مخلد قال: (حدثنا) (¬١) عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال: (حدثني) (¬٢) ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن رسول اللَّه ﷺ خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم. حتى نزل رسول اللَّه ﷺ غديرا بعسفان (يقال: له غدير الأشطاط، فلقيه) (¬٣) عينه بغدير (الأشطاط) (¬٤) فقال: يا محمد، تركت قومك كعب بن لؤي وعامر بن ⦗٥٣٣⦘ لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم قد سمعوا بمسيرك، وتركت عبدانهم يطعمون الخزير في دورهم، وهذا خالد بن الوليد في (خيل) (¬٥) بعثوه. (فقام) (¬٦) رسول اللَّه ﷺ فقال: "ماذا تقولون؟ ماذا (تأمرون؟) (¬٧) أشيروا علي، قد جاءكم خبر قريش مرتين وما صنعت، فهذا خالد بن الوليد بالغميم، قال لهم رسول اللَّه ﷺ: "أترون أن (نمضي) (¬٨) لوجهنا، ومن صدنا عن البيت (قاتلناه) (¬٩)، أم ترون أن نخالف هؤلاء إلى من تركوا وراءهم، فإن اتبعنا منهم عنق قطعه اللَّه"، قالوا: يا رسول اللَّه (الأمر) (¬١٠) أمرك والرأي رأيك. فتيامنوا في هذا الفعل، فلم يشعر به خالد ولا الخيل التي معه حتى (جاوزهم) (¬١١) قترة الجيش وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط القوم يقال له: بلدح، فبركت فقال: "حل حل"، فلم تنبعث. فقالوا: خلأت القصواء، قال: "إنها واللَّه ما خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، أما واللَّه، لا يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمة ولا يدعوني فيها إلى صلة إلا أجبتهم إليها"، ثم زجرها فوثبت. فرجع من حيث جاء عوده على (بدئه) (¬١٢) حتى نزل بالناس على ثمَدٍ من ثماد ⦗٥٣٤⦘ الحديبية ظنون قليل الماء يَتَبرّض (الناس) (¬١٣) (ماءها) (¬١٤) تبرُّضا، فشكوا إلى رسول اللَّه ﷺ قلة الماء، فانتزع سهما من (كنانته) (¬١٥)، فأمر رجلا فغرزه في جوف القليب، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن. فبينما هو (على) (¬١٦) ذلك إذ مرَّ به بُديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة، فقال: يا محمد هؤلاء قومك قد خرجوا (بالعُوذ) (¬١٧) المَطَافيل، يقسمون باللَّه ليحولن بينك وبين مكة حتى لا يبقى منهم أحد، قال: "يا بُديل! إني لم آت لقتال أحد، إنما جئت أقضي نسكي وأطوف بهذا البيت، وإلا فهل لقريش في غير ذلك، هل لهم إلي أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون ويخلون (فيها) (¬١٨) بيني وبين الناس، فإن ظهر (¬١٩) أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل (فيه) (¬٢٠) الناس، وبين أن يقاتلوا وفد (جمّوا) (¬٢١) (وأعدوا) (¬٢٢) "، قال بديل: سأعرض هذا على قومك. فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا: من أين قال: جئتكم من عند رسول اللَّه ﷺ وإن شئتم أخبرتكم (ما) (¬٢٣) سمعت منه فعلت، فقال (ناس) (¬٢٤) من سفهائهم: ⦗٥٣٥⦘ لا تخبرنا عنه شيئا، وقال ناس من ذوي أسنانهم وحكمائهم: بل أخبرنا، ما الذي رأيت؟ وما الذي سمعت؟ فاقتص عليهم بديل قصة رسول اللَّه ﷺ وما عرض عليهم من المدة. قال: وفي كفار قريش يومئذ عروة بن مسعود الثقفي فوثب فقال: يا معشر قريش هل تتهمونني في شيء؟ ألست بالولد ولستم بالوالد؟ (أو لست) (¬٢٥) قد استنفرت لكم أهل عكاظ، فلما (بلحوا) (¬٢٦) عليّ (نفرت) (¬٢٧) إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني، قالوا: بلى، قد فعلتَ، (قال) (¬٢٨): فاقبلوا من بديل ما جاءكم به وما عرض عليكم رسول اللَّه ﷺ (¬٢٩) وابعثوني حتى آتيكم (بمصادقها) (¬٣٠) من عنده، قالوا: فاذهب. فخرج عروة حتى نزل برسول اللَّه ﷺ بالحديبية فقال: يا محمد هؤلاء قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤى قد خرجوا بالعوذ المطافيل، يقسمون لا يخلّون بينك وبين مكة حتى تبيد خضراءهم، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: أن (تجتاح) (¬٣١) (قومك) (¬٣٢) فلم تسمع برجل قط (اجتاح) (¬٣٣) أصله قبلك وبين أن (يسلمك) (¬٣٤) من أرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشا من الناس، لا أعرف ⦗٥٣٦⦘ أسماءهم ولا وجوههم، فقال: أبو بكر -وغضب: امصص بظر اللات، أنحن نخذله أو نسلمه، فقال عروة: أما واللَّه لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك فيما قلت-، وكان عروة قد (تحمل) (¬٣٥) بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. والمغيرة بن شعبة قائم على رسول اللَّه ﷺ وعلى وجهه المغفر، فلم (يعرفه) (¬٣٦) عروة، وكان عروة يكلم رسول اللَّه ﷺ، (فكلما) (¬٣٧) مد يده يمس (لحية) (¬٣٨) رسول اللَّه ﷺ قرعها المغيرة بقدح كان في يده، حتى إذا (أحرجه) (¬٣٩) قال: "من هذا؟ " قالوا: هذا المغيرة بن شعبة، قال عروة: أنت بذاك يا غدر، (و) (¬٤٠) هل غسلت عنك غدرتك (إلا أمس) (¬٤١) بعكاظ. فقال النبي ﷺ لعروة بن مسعود مثل ما قال لبديل، فقام عروة فخرج حتى جاء إلى قومه (فقال) (¬٤٢): يا معشر قريش، إني قد وفدت على الملوك على قيصر في ملكه بالشام، وعلى النجاشي بأرض الحبشة، وعلى كسرى بالعراق، وإني واللَّه ما رأيت ملكا هو أعظم (فيمن هو بين) (¬٤٣) ظهريه من محمد (¬٤٤) في أصحابه، واللَّه ما يشدون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت، وما (يتوضأ) (¬٤٥) من وضوء إلا ⦗٥٣٧⦘ ازدحموا عليه: أيهم (يظفر) (¬٤٦) منه بشيء، فاقبلوا الذي جاءكم به بديل، فإنها خطة رشد، قالوا: اجلس. ودعوا رجلا من بني الحارث بن عبد (مناف) (¬٤٧) يقال له: (الحليس) (¬٤٨) [(فقالوا) (¬٤٩): انطلق فانظر ما (قبل) (¬٥٠) هذا الرجل وما يلقاك به، فخرج (الحليس) (¬٥١)] (¬٥٢) فلما رآه رسول اللَّه ﷺ مقبلا عرفه، قال: "هذا (الحليس) (¬٥٣) وهو من قوم يعظمون الهدي، فابعثوا الهدي في وجهه"، فبعثوا الهدي في وجهه. قال ابن شهاب: فاختلف الحديث في (الحليس) (¬٥٤)، فمنهم من يقول: جاءه فقال له مثل ما قال لبديل وعروة، ومنهم من قال: لما (رأى) (¬٥٥) الهدي رجع إلى قريش. فقال: لقد رأيت أمرا لئن (صددتموه) (¬٥٦) إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت فأبصروا بصركم، قالوا: اجلس. ⦗٥٣٨⦘ (ودعوا) (¬٥٧) رجلا (من قريش) (¬٥٨) يقال له: مكرز بن حفص بن الأحنف من بني عامر بن لؤي، فبعثوه فلما رآه النبي ﷺ قال: "هذا رجل فاجر ينظر بعين"، فقال له مثل ما قال لبديل ولأصحابه في المدة، فجاءهم فأخبرهم. فبعثوا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي (يكاتب) (¬٥٩) رسول اللَّه ﷺ على الذي دعا إليه، فجاءه سهيل بن عمرو (فقال) (¬٦٠): قد (بعثتني) (¬٦١) قريش إليك أكاتبك على قضية نرتضي أنا وأنت، فقال النبي ﷺ: "نعم اكتب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، قال: ما أعرف اللَّه ولا أعرف الرحمن، ولكن اكتب كما كنا نكتب: "باسمك (اللهم) (¬٦٢) " فوجد الناس من ذلك وقالوا: لا نكاتبك على (خط) (¬٦٣) حتى تقر بالرحمن الرحيم، قال سهيل: إذا لا أكاتبه على (خط) (¬٦٤) حتى أرجع، قال رسول اللَّه ﷺ: "اكتب: "باسمك اللهم"، هذا ما (قاضى) (¬٦٥) عليه محمد رسول اللَّه (¬٦٦) "، قال: لا أقر لو أعلم أنك رسول اللَّه ما خالفتك ولا عصيتك، ولكن (¬٦٧) محمد بن عبد اللَّه، فوجد الناس منها أيضا، قال: "اكتب: محمد بن عبد اللَّه (سهيل) (¬٦٨) بن عمرو". ⦗٥٣٩⦘ (فقام) (¬٦٩) عمر بن الخطاب (¬٧٠) فقال: يا رسول اللَّه ألسنا على الحق؟ أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: "إني رسول اللَّه، ولن أعصيه، ولن يضيعنى"، وأبو بكر (متنح) (¬٧١) (ناحية) (¬٧٢) فأتاه عمر فقال: يا أبا بكر، فقال: نعم، قال: ألسنا على الحق؟ أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: دع عنك ما ترى يا عمر، فإنه رسول اللَّه ﷺ (¬٧٣) ولن يضيعه اللَّه ولن يعصيه. وكان في شرط الكتاب (أنه) (¬٧٤) "من كان منا فأتاك فإن كان على دينك رددته إلينا ومن (جاءنا) (¬٧٥) من قبلك رددناه إليك"، قال: "أما من جاء من قبلي فلا حاجة لي برده، وأما التي اشترطت لنفسك (فتلك) (¬٧٦) بيني وبينك". فبينما الناس على ذلك الحال (إذ) (¬٧٧) طلع عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو (يرسف) (¬٧٨) في الحديد قد (خلا) (¬٧٩) له أسفل مكة متوشحا السيف، (فرفع) (¬٨٠) سهيل رأسه فإذا هو بابنه أبي جندل، فقال: (هذا) (¬٨١) أول من قاضيتك ⦗٥٤٠⦘ على رده، فقال النبي ﷺ: "يا سهيل! إنا لم نقض الكتاب بعد"، قال: ولا أكاتبك على (خط) (¬٨٢) حتى (ترده) (¬٨٣)، قال: "فشأنك به". قال: (فبهش) (¬٨٤) أبو جندل (إلى) (¬٨٥) الناس فقال: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني، (فلصق) (¬٨٦) به عمر -وأبوه آخذ بيده يجتره- وعمر يقول: إنما هو رجل، ومعك السيف، فانطلق به أبوه، ف كان النبي ﷺ يرد عنهم من جاء من (قبلهم) (¬٨٧) يدخل في دينه، فلما اجتمعوا نفر: منهم أبو بصير (و) (¬٨٨) ردهم (إليهم) (¬٨٩) وأقاموا ساحل البحر (فكأنهم) (¬٩٠) قطعوا على قريش متجرهم إلى الشام، فبعثوا إلى رسول اللَّه ﷺ: إنا نراها منك صلة: أن تردهم إليك وتجمعهم، فردهم إليه. (وكان) (¬٩١) فيما أرادهم النبي ﷺ في الكتاب أن يَدَعوه يَدخلُ مكةَ فيقضي نُسُكَه وينحر هديه بين (ظهريهم) (¬٩٢)، فقالوا: لا تحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة أبدا، ولكن ارجع عامك هذا، فإذا كان قابل أذنا لك فاعتمرت وأقمت ثلاثًا. وقام رسول اللَّه ﷺ فقال للناس: "قوموا فانحروا هديكم واحلقوا وحلوا"، فما قام رجل ولا تحرك، فأمر رسول اللَّه ﷺ الناس بذلك ثلاث مرات، فما تحرك ⦗٥٤١⦘ (رجل) (¬٩٣) ولا قام من مجلسه، فلما رأى النبي ﷺ ذلك دخل على أم سلمة، وكان خرج بها في تلك الغزوة، فقال: "يا أم سلمة، ما بال الناس! أمرتهم ثلاث (مرار) (¬٩٤) أن ينحروا وأن يحلقوا وأن يحلوا (فما قام) (¬٩٥) (رجل) (¬٩٦) إلى ما أمرته به"، قالت: يا رسول اللَّه، اخرج أنت فاصنع ذلك. فقام رسول اللَّه ﷺ (¬٩٧) حتى (يمم) (¬٩٨) هديه فنحره ودعا حلاقا فحلقه، فلما رأى الناس ما صنع رسول اللَّه ﷺ (وثبوا) (¬٩٩) إلى هديهم فنحروه، وأكب بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم أن يضم بعضا من الزحام (¬١٠٠).

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.