١٤ - إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار الراوي: سعيد بن زيد المحدث: البزار - المصدر: البحر الزخار - الصفحة أو الرقم: ٤/ ١٠٠ خلاصة حكم المحدث: فيه علتان ? فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الأول >> ٢ كِتَاب الْإِيمَانِ >> باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديث: حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ الشرح: قوله: (حدثنا موسى) هو ابن إسماعيل التبوذكي. قوله: (عن أبي حصين) هو بمهملتين مفتوح الأول، وأبو صالح هو ذكوان السمان. وقد ذكر المؤلف هذا الحديث بتمامه في كتاب الأدب من هذا الوجه، ويأتي الكلام عليه فيه إن شاء الله تعالى. وقد اقتصر مسلم في روايته له على الجملة الأخيرة وهي مقصود الباب، وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يستوي فيه اليقظة والمنام. والله سبحانه وتعالى أعلم. فإن قيل: الكذب معصية إلا ما استثني في الإصلاح وغيره، والمعاصي قد توعد عليها بالنار، فما الذي امتاز به الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد على من كذب على غيره؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما أن الكذب عليه يكفر متعمده عند بعض أهل العلم، وهو الشيخ أبو محمد الجويني، لكن ضعفه ابنه إمام الحرمين ومن بعده، ومال ابن المنير إلى اختياره، ووجهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلا لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر. وفيما قاله نظر لا يخفى، والجمهور على أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حل ذلك. الجواب الثاني أن الكذب عليه كبيرة والكذب على غيره صغيرة فافترقا، ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحدا أو طول إقامتهما سواء، فقد دل قوله صلى الله عليه وسلم "فليتبوأ" على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها لأنه لم يجعل له منزلا غيره، إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره كما سيأتي في الجنائز في حديث المغيرة حيث يقول " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد "وسنذكر مباحثه هناك إن شاء الله تعالى، ونذكر فيه الاختلاف في توبة من تعمد الكذب عليه هل تقبل أو لا. (تنبيه) : رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبا حسنا لأنه بدأ بحديث علي وفيه مقصود الباب، وثنى بحديث الزبير الدال على توقي الصحابة وتحرزهم من الكذب عليه، وثلث بحديث أنس الدال على أن امتناعهم إنما كان من الإكثار المفضي إلى الخطأ لا عن أصل التحديث، لأنهم مأمورون بالتبليغ، وختم بحديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كانت دعوى السماع منه في اليقظة أو في المنام. وقد أخرج البخاري حديث:" من كذب علي "أيضا من حديث المغيرة وهو في الجنائز، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في أخبار بني إسرائيل، ومن حديث واثلة بن الأسقع وهو في مناقب قريش، لكن ليس هو بلفظ الوعيد بالنار صريحا. واتفق مسلم معه على تخريج حديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أيضا، وصح أيضا في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان وابن مسعود وابن عمر وأبي قتادة وجابر وزيد بن أرقم، وورد بأسانيد حسان من حديث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد وأبي عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر وعمران بن حصين وابن عباس وسلمان الفارسي ومعاوية بن أبي سفيان ورافع بن خديج وطارق الأشجعي والسائب بن يزيد وخالد بن عرفطة وأبي أمامة وأبي قرضافة وأبي موسى الغافقي وعائشة، فهؤلاء [ثلاثة و] ثلاثون نفسا من الصحابة، وورد أيضا عن نحو خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين آخرين بأسانيد ساقطة. وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، فأول من وقفت على كلامه في ذلك علي بن المديني، وتبعه يعقوب بن شيبة فقال: روي هذا الحديث من عشرين وجها عن الصحابة من الحجازيين وغيرهم، ثم إبراهيم الحربي وأبو بكر البزار فقال كل منهما: إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة، وجمع طرقه في ذلك العصر أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلا. وقال أبو بكر الصحابي شارح رسالة الشافعي: رواه ستون نفسا من الصحابة، وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلا. وقال أبو القاسم بن منده رواه أكثر من ثمانين نفسا، وقد خرجها بعض النيسابوريين فزادت قليلا، وقد جمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب" الموضوعات " فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دحية. وقال أبو موسى المديني: يرويه نحو مائة من الصحابة، وقد جمعها بعده الحافظان يوسف بن خليل وأبو علي البكري وهما متعاصران فوقع لكل منهما ما ليس عند الأخر، وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف وساقط، مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص. ونقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر، ونازع بعض مشايخنا في ذلك قال: لأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل طريق منها بمفردها. وأجيب بأن المراد بإطلاق كونه متواترا رواية المجموع عن المج موع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم. وأيضا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم. نعم وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها إنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحا، فإن العدد المعين لا يشترط في المتواتر، بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت علوم الحديث وفي شرح نخبة الفكر، وبينت هناك الرد على من ادعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلا في هذا الحديث، وبينت أن أمثلته كثيرة: منها حديث من بنى لله مسجدا، والمسح على الخفين، ورفع اليدين، والشفاعة والحوض ورؤية الله في الآخرة، والأئمة من قريش وغير ذلك. والله المستعان. وأما ما نقله البيهقي عن الحاكم ووافقه أنه جاء من رواية العشرة المشهورة، قال: وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره، فقد تعقبه غير واحد، لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجوزي ومن بعده، والثابت منها ما قدمت ذكره. فمن الصحاح علي والزبير، ومن الحسان طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان، وبقيتها ضعيف وساقط. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد السادس >> كِتَاب أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ >> باب مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الحديث: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ الشرح: قوله: (عن أبي كبشة السلولي) تقدم ذكره في كتاب الهبة في حديث آخر، وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين. قوله: (بلغوا عني ولو آية) قال المعافى النهرواني في "كتاب الجليس" له: الآية في اللغة تطلق على ثلاثة معان: العلامة الفاصلة، والأعجوبة الحاصلة، والبلية النازلة. فمن الأول قوله تعالى: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) ومن الثاني (إن في ذلك لآية) ومن الثالث جعل الأمير فلانا اليوم آية. ويجمع بين هذه المعاني الثلاثة أنه قيل لها آية لدلالتها وفصلها وإبانتها. وقال في الحديث "ولو آية" أي واحدة ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي ولو قل ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به صلى الله عليه وسلم ا هـ كلامه. قوله: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار، وقيل: معنى قوله "لا حرج" : لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب فإن ذلك وقع لهم كثيرا، وقيل: لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لأن قوله أولا: "حدثوا" صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله: "ولا حرج" أي في ترك التحديث عنهم. وقيل: المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم (اذهب أنت وربك فقاتلا) وقولهم: (اجعل لنا إلها) وقيل: المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل نفسه وهم أولاد يعقوب، والمراد حدثوا عنهم بقصتهم مع أخيهم يوسف، وهذا أبعد الأوجه. وقال مالك المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا. وقيل: المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح. وقيل: المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية فإن الأصل في التحدث بها الاتصال، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد. وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم وهو نظير قوله: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه. قوله: (ومن كذب علي متعمدا) تقدم شرحه مستوفى في كتاب العلم، وذكرت عدد من رواه وصفة مخارجه بما يغني عن الإعادة. وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من الكبائر، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فحكم بكفر من وقع منه ذلك، وكلام القاضي أبي بكر بن العربي يميل إليه. وجهل من قال من الكرامية وبعض المتزهدة إن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يجوز فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وطريقة أهل السنة والترغيب والترهيب، واعتلوا بأن الوعيد ورد في حق من كذب عليه لا في الكذب له، وهو اعتلال باطل لأن المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب سواء كان له أو عليه، والدين بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب. صحيح مسلم بشرح النووي، الإصدار ٢.٠١ - للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء الأول >> مقدمة الشارح >> -٨ - باب حال بعض الرواة فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارَاً يَقَعُ فِي أَسَانِيْدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالمَوْصُوْفِ بِالحِفْظِ والإِتْقَانَ كَالصِّنْفِ المُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيْمَا وَصَفْنَا دُوْنَهُمْ فَإِنَّ اسْمَ السِّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي العِلْمِ يَشْمُلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قال رحمه اللَّه: (فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارَاً يَقَعُ فِي أَسَانِيْدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالمَوْصُوْفِ بِالحِفْظِ والإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ المُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيْمَا وَصَفْنَا دُوْنَهُمْ فَإِنَّ اسْمَ السِّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي العِلْمِ يَشْمُلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَيَزِيْدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ، وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ) . قوله: تقصَّينا هو بالقاف ومعناه: أتينا بها كلّها يقال: اقتصَّ الحديث وقصَّه، وقصَّ الرُّؤيا أتى بذلك الشيء بكماله. وأمَّا قوله: (فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارَاً ... ) إلى آخره فقد قدَّمنا في الفصول بيان الاختلاف في معناه، وأنَّه هل وفَّى به في هذا الكتاب أم اخترمته المنيَّة دون تمامه، والرَّاجح أنَّه وفَّى به، واللَّه أعلم. وقوله: (فَإِنَّ اسْمَ السِّتْرِ) هو بفتح السِّين مصدر سترت الشَّيء أستره ستراً، ويوجد في أكثر الرِّوايات والأصول مضبوطا بكسر السِّين، ويمكن تصحيح هذا على أن يا لستر يكون بمعنى: المستور، كالذّبح بمعنى: المذبوح ونظائره. وقوله: (يَشْمَلُهُم) أي: يعمّهم، وهو بفتح الميم على اللُّغة الفصيحة، ويجوز ضمّها في لغة يقال: شملهم الأمر بكسر الميم يشملهم بفتحها، هذه اللُّغة المشهورة. وحكى أبو عمرو الزَّاهد عن ابن الأعرابي أيضاً شملهم بالفتح، يشملهم بالضمِّ، واللَّه أعلم. أمَّا عطاء بن السَّائب فيكنَّى: أبا السَّائب. ويقال: أبو يزيد. ويقال: أبو محمَّد. ويقال: أبو زيد الثّقفيّ الكوفيُّ التَّابعيُّ وهو ثقة لكنَّه اختلط في آخر عمره. قال أئمَّة هذا الفنِّ: اختلط في آخر عمره فمن سمع منه قديماً فهو صحيح السَّماع، ومن سمع منه متأخِّراً فهو مضطرب الحديث، فمن السَّامعين أوَّلا: سفيان الثَّوريُّ، وشعبة، ومن السَّامعين آخراً: جرير، وخالد ابن عبد اللَّه، وإسماعيل وعليّ ابن عاصم هكذا قال أحمد بن حنبل. وقال يحيى بن معين: جميع من روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط إلاَّ شعبة وسفيان. وفي رواية عن يحيى قال: وسمع أبو عوانة من عطاء في الصّحَّة والاختلاط جميعا فلا يحتجّ بحديثه. قلت: وقد تقدَّم حكم التَّخليط والمخلِّط في الفصول. وأمَّا يزيد بن أبي زياد فيقال فيه أيضا: يزيد بن أبي زياد، وهو قرشيٌّ دمشقيٌّ. قال الحافظ: هو ضعيف. وقال ابن نمير ويحيى بن معين: ليس هو بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال النَّسائيُّ: متروك الحديث. (ج/ص: ١/ ٥٢) وَيَزِيْدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ، وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ العِلْمِ وَالسِّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَعْرُوْفِيْنَ فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنَدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِتْقَانِ والاستِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُوْنَهُمْ فِي الحَالِ وَالمَرْتَبَةِ، لأَنَّ هذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيْعَةٌ، وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ، أَلا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هؤلاءِ الثَّلاثَةِ الَّذِيْنَ سَمَّيْنَاهُمْ عَطَاءً، وَيَزِيْدَ، وَلَيْثَاً بِمَنْصُورِ بْنِ المُعْتَمِرِ، وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشَ، وإسْمَاعِيْلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي إِتْقَانِ الحَدِيْثِ، والاسْتِقَامَةِ فِيْهِ. وقال التِّرمذيُّ: ضعيف في الحديث. وأمَّا ليث ابن أبي سليم: فضعَّفه الجماهير قالوا: واختلط واضطربت أحاديثه، قالوا: وهو يكتب حديثه. قال أحمد بن حنبل: هو مضطرب الحديث ولكن حدَّث النَّاس عنه. وقال الدَّارقطنيُّ وابن عديّ: يكتب حديثه. وقال كثيرون: لا يكتب حديثه. وامتنع كثيرون من السَّلف من كتابة حديثه، واسم أبي سليم: أيمن. وقيل: أنس، واللَّه أعلم. وأمَّا قوله: (وَأَضْرَابِهِمْ) فمعناه: أشباههم، وهو جمع ضرب. قال أهل اللُّغة: الضَّريب على وزن الكريم، والضَّرب بفتح الضَّاد وإسكان الرَّاء، وهما عبارة عن الشّكل والمثل، وجمع الضّرب: أضراب، وجمع الضَّريب: ضربا ككريم وكرما. وأمَّا إنكار القاضي عياض على مسلم قوله: وأضرابهم، وقوله: إنَّ صوابه ضربائهم فليس بصحيح، فإنَّه حمل قول مسلم وأضرابهم على أنَّه جمع ضريب بالياء، وليس ذلك جمع ضريب بل جمع ضرب بحذفها كما ذكرته فاعرفه. وقوله: ونقَّال الأخبار هو باللاَّم واللَّه أعلم. قال رحمه الله (أَلا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هؤلاءِ الثَّلاثَةِ الَّذِيْنَ سَمَّيْنَاهُمْ عَطَاءً، وَيَزِيْدَ، وَلَيْثَاً بِمَنْصُورِ بْنِ المُعْتَمِرِ، وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشَ، وإسْمَاعِيْلِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، إلى آخر كلامه) . فقوله: وازنت هو بالنُّون ومعناه: قابلت. قال القاضي عياض: ويروى وازيت بالياء أيضاً، وهو بمعنى: وازنت ثمَّ هذا كلّه قد ينكر على مسلم فيه، ويقال: عادة أهل العلم إذا ذكروا جماعة في مثل هذا السِّياق قدَّموا أجلَّهم مرتبة فيقدِّمون الصَّحابي على التَّابعيّ، والتَّابعي على تابعه، والفاضل على من دونه. فإذا تقرَّر هذا فإسمعيل بن خالد تابعيّ مشهور رأى أنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وسمع عبد الله ابن أبي أوفى، وعمر بن حريث، وقيس بن عائذ أبا كاهل، وأبا جحيفة وهؤلاء كلّهم صحابة رضي الله عنهم واسم أبي خالد: هرمز. وقيل: سعد، وقيل: كثير. (ج/ص: ١/ ٥٣) وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِيْنَ لَهُمْ لا يُدَانُوْنَهُم لا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيْثِ فِي ذَلِكَ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإسْمَاعِيلَ وَإتْقَانِهِمْ لِحَدِيْثِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيَزِيدَ وَلَيْثٍ. وأمَّا الأعمش فرأى أنس بن مالك فحسب. وأمَّا منصور بن المعتمر فليس بتابعيٍّ وإنَّما هو من أتباع التَّابعين فكان ينبغي أن يقول: إذا وازنتهم بإسماعيل والأعمش ومنصور. وجوابه: أنه ليس المراد هنا التَّنبيه على مراتبهم، فلا حجر في عدم ترتيبهم، ويحتمل أنَّ مسلماً قدَّم منصوراً لرجحانه في ديانته وعبادته، فقد كان أرجحهم في ذلك، وإن كان الثَّلاثة راجحين على غيرهم مع كمال حفظ لمنصور وإتقان وتثبُّت. قال عليُّ بن المدينيِّ: إذا حدَّثك ثقة عن منصور فقد ملأت يديك لا تزيد غيره. وقال عبد الرَّحمن بن مهديٍّ: منصور أثبت أهل الكوفة. وقال سفيان: كنت لا أحدِّث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلاَّ ردَّه، فإذا قلت: عن منصور سكت. وقال أحمد بن حنبل: منصور أثبت من إسماعيل ابن أبي خالد. وقال يحيى ابن أبي معين: إذا اجتمع الأعمش ومنصور فقدّم منصوراً. وقال أبو حاتم: منصور أتقن من الأعمش لا يخلط ولا يدلس. وقال الثَّوريُّ: ما خلّفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور. وقال أبو زرعة: سمعت إبراهيم بن موسى يقول: أثبت أهل الكوفة منصور، ثمَّ مسعر. وقال أحمد بن عبد اللَّه: منصور أثبت أهل الكوفة، وكان مثل القدح لا يختلف فيه أحد، وصام ستِّين سنَّة وقامها، وأمَّا عبادته وزهده وورعه وامتناعه من القضاء حين أكره عليه فأكثر من أن يحصر، وأشهر من أن يذكر رحمه الله واللَّه أعلم. وهذا أوَّل موضع في الكتاب جرى فيه ذكر أصحاب الألقاب فنتكلَّم فيه بقاعدة مختصرة قال العلماء من أصحاب الحديث والفقه وغيرهم: يجوز ذكر الرَّاوي بلقبه، وصفته ونسبه الَّذي يكرهه إذا كان المراد تعريفه لا تنقيصه، ويجوز هذا للحاجة كما يجوز جرحهم للحاجة، ومثال ذلك: الأعمش، والأعرج، والأحول والأعمى، والأصمّ، والأشلّ، والأثرم، والزَّمن، والمفلوح، وابن عليَّة، وغير ذلك، وقد صنّفت فيه كتب معروفة. (ج/ص: ١/ ٥٤) وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ كَابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ مَعْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَميلَةَ، وَأَشْعَثَ الحُمْرَانِيِّ وَهُمَا صَاحِبَا الحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا إِلاَّ أَنَّ البَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيْدٌ فِي كَمَالِ الفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنْ المَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَإِنَّمَا مَثَّلنَا هَؤلاءِ فِي التَّسْمِيَةِ لِيَكُوْنَ تَمْثِيْلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيْقُ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَرْتِيْبِ أَهْلِهِ فِيْهِ، فَلا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ العَالِيْ القَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ القَدْرِ فِي العِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ. قال رحمه اللَّه: (كَابْنِ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ مَعْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَميلَةَ، وَأَشْعَثَ الحُمْرَانِيِّ) أمَّا ابن عون فهو: عبد الله بن عون بن أرطبان. وأمَّا السَّختيانيّ: فبفتح السِّين وكسر التَّاء المثنَّاة. قال أبو عمر ابن عبد البرِّ في (التَّمهيد) : كان أيُّوب يبيع الجلود بالبصرة فلهذا قيل له: السَّختيانيّ. وأمَّا عوف ابن جميلة فيعرف بعوف الأعرابي، ولم يكن أعرابيَّاً، واسم أبي جميلة: بندويه. ويقال: زريبة. قال أحمد بن حنبل: عوف ثقة صالح الحديث. وقال يحيى بن معين ومحمَّد بن سعد: هو ثقة كنيته أبو سهل، وأمَّا أشعث فهو ابن عبد الملك أبو هانئ البصريّ. قال أبو بكر البرقانيّ قلت للدَّارقطنيّ: أشعث عن الحسن. قال: هم ثلاثة يحدِّثون عن الحسن جميعاً أحدهم الحمرانيّ منسوب إلى حمران مولى عثمان ثقة، وأشعث بن عبد الله الحداني بصريّ يروي عن أنس بن مالك، والحسن يعتبر به، وأشعث بن سوار الكوفيُّ يعتبر به وهو أضعفهم، واللَّه أعلم. قوله: (إِلاَّ أَنَّ البَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيْدٌ) البون بفتح الباء الموحَّدة معناه: الفرق أي: هما متباعدان، كما قال: وجدتهم متباينين. وقوله: (لِيَكُوْنَ تَمْثِيْلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيْقُ أَهْلِ العِلْمِ) أمَّا السِّمة بكسر السِّين وتخفيف الميم، فهي العلامة. وقوله: يصدر أي: يرجع، يقال: صدر عن الماء والبلاد والحجّ إذا انصرف عنه بعد قضاء وطره، فمعنى يصدر عن فهمها: ينصرف عنها بعد فهمها، وقضاء حاجته منها. وقوله: غبي بفتح الغين وكسر الباء أي: خفي. (ج/ص: ١/ ٥٥) وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: ٧٦] . فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ مُتَّهَمُونَ أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيْجِ حَدِيْثِهِمْ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِي جَعْفَرٍ المَدَائِنِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدُ القُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيْدٍ المَصْلُوبِ، وَغِيَاثٍ بْنِ إبْرَاهِيْمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْروٍ أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ الأَخْبِارِ، قال رحمه اللَّه: (وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ) هذا الحديث قد تقدَّم بيانه في فصل التَّعليق من الفصول المتقدِّمة واضحاً. ومن فوائده تفاضل النَّاس في الحقوق على حسب منازلهم ومراتبهم وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها وقد سوى الشَّرع بينهم في الحدود وأشباههم ممَّا هو معروف، واللَّه أعلم. قال رحمه اللَّه: (فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ مُتَّهَمُونَ أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيْجِ حَدِيْثِهِمْ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِي جَعْفَرٍ المَدَائِنِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدُ القُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيْدٍ المَصْلُوبِ، وَغِيَاثٍ بْنِ إبْرَاهِيْمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْروٍ أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ الأَخْبِارِ) هؤلاء الجماعة المذكورون كلّهم متَّهمون متركون لا يتشاغل بأحد منهم لشدَّة ضعفهم وشهرتهم بوضع الأحاديث. ومسور بكسر الميم، وعبد القدُّوس الشَّامي بالشِّين المعجمة نسبة إلى الشَّام هذا هو الصَّواب فيه. وحكى القاضي عياض أنَّ بعض الشّيوخ من رواة مسلم ضبطه بالسِّين المهملة قال: وهو خطأ، وهو خطأ كما قال، وهذا لا خلاف فيه، وهو: عبد القدُّوس بن حبيب الكلاعيّ الشَّاميّ أبو سعيد روى عن عكرمة وعطاء وغيرهما. (ج/ص: ١/ ٥٦) وَكَذَلِكَ مَنِ الغَالِبُ عَلَى حَدِيْثِهِ المُنْكَرُ أَوْ الغَلَطُ أَمْسَكْنَا أَيْضَاً عَنْ حَدِيْثِهِمْ وَعَلامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيْثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيْثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ، وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتُهُمْ أَوْلَمْ تَكَدْ تُوَافِقَهَا قال ابن أبي حاتم: قال ابن عليّ الفلاَّس: أجمع أهل العلم على ترك حديثه فهذا هو عبد القدّوس الَّذي عناه مسلم هنا، ولهم آخر اسمه عبد القدّوس بن الحجَّاج أبو المغيرة الخولانيُّ الشَّاميُّ الحمصيُّ سمع صفوان بن عمر، والأوزاعيُّ وغيرهما، روى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ومحمَّد بن يحيى الذّهليّ، وعبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميّ وآخرون من كبار الأئمَّة والحفَّاظ. قال أحمد بن عبد الله العجليُّ والدَّارقطنيُّ وغيرهما: هو ثقة وقد روى له البخاريّ ومسلم في صحيحهما. وأمَّا محمَّد بن سعيد المصلوب فهو: الدِّمشقيُّ كنيته أبو عبد الرَّحمن، ويقال: أبو عبد اللَّه. ويقال: أبو قيس وفي نسبه واسمه اختلاف كثير جداً لا نعلم أحداً اختلف فيه كمثله، وقد حكى الحافظ عبد الغني المقدسيّ عن بعض أصحاب الحديث: أنَّه يغلب اسمه على نحو مائة. قال أبو حاتم الرَّازيّ: متروك الحديث، قتل وصلب في الزَّندقة. وقال أحمد بن حنبل: قتله أبو جعفر في الزَّندقة، حديثه موضوع. وقال خالد ابن يزيد: سمعته يقول: إذا كان كلام حسن لم أرى بأساً أن أجعل له إسناداً. وأمَّا غياث بن إبراهيم فبالغين المعجمة، وهو كوفيّ، كنيته أبو عبد الرَّحمن، قال البخاريّ في (تاريخه) : تركوه. وأمَّا قوله: وسليمان بن عمر أبي داود فهو عمرو بفتح العين، وبواو في الخطّ، وأبي داود كنية سليمان هذا واللَّه أعلم. وأمَّا الحديث الموضوع فهو المختلق المصنوع، وربَّما أخذ الواضع كلاماً لغيره فوضعه وجعله حديثاً، وربَّما وضع كلاماً من عند نفسه، وكثير من الموضوعات أو أكثرها يشهد بوضعها ركاكة لفظها، واعلم أنَّ تعمُّد وضع الحديث حرام بإجماع المسلمين الَّذين يعتدُّ بهم في الإجماع. وشذَّت الكراميَّة الفرقة المبتدعة فجوَّزت وضعه في التَّرغيب والتَّرهيب، والزُّهد وقد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتَّسمين بسمة الزُّهَّاد ترغيبا في الخير في زعمهم الباطل، وهذه غباوة ظاهرة وجهالة متناهية، ويكفي في الرَّدِّ عليهم قول رسول اللَّه: صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "من كذَّب عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأ مقعده من النَّار" وسنزيد هذا قريباً شرحاً في موضعه إن شاء اللَّه. وأمَّا قوله: وتوليد الأخبار فمعناه: إنشاؤها وزيادتها. (ج/ص: ١/ ٥٧) فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيْثِهِ كَذلِكَ كَانَ مَهْجُورَ الحَدِيثِ غَيْرَ مَقْبُوْلِهِ وَلا مُسْتَعْمِلِهِ، فَمِنْ هذَا الضَّرْبِ مِنَ المُحَدِّثِيْن عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَرِّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَالجَرَّاحُ بْنُ المِنْهَالِ أَبُو العَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيْرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْن ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بنُ صَهْبَانَ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ المُنْكَرِ مِنَ الحَدِيْثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيْثِهِمْ وَلا نَتَشَاغَلُ بِهِ. قال رحمه اللَّه: (وَعَلامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيْثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيْثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ، وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتُهُمْ أَوْلَمْ تَكَدْ تُوَافِقَهَا) هذا الَّذي ذكر رحمه الله هو معنى المنكر عند المحدِّثين يعني به: المنكر المردود فانَّهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثِّقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثِّقة ضابطاً متقناً. وقوله: أو لم تكد توافقها معناه: لا توافقها إلاَّ في قليل. قال أهل اللُّغة كاد موضوعه للمقاربة، فإن لم يتقدَّمها نفي كانت لمقاربة الفعل ولم يفعل كقوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: ٢٠] . وإن تقدَّمها نفي كانت للفعل بعد بطء، وان شئت قلت: لمقاربة عدم الفعل كقوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: ٧١] . قال رحمه اللَّه: (فَمِنْ هذَا الضَّرْبِ مِنَ المُحَدِّثِيْن عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَرِّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَالجَرَّاحُ بْنُ المِنْهَالِ أَبُو العَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيْرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْن ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بنُ صَهْبَانَ) أمَّا عبد الله بن محرِّر فهو بفتح الحاء المهملة، وبراءين مهملتين الأولى مفتوحة مشدَّدة هكذا هو في روايتنا وفي أصول أهل بلادنا، وهذا هو الصَّواب، وكذا ذكره البخاريّ في تاريخه، وأبو النَّصر بن ماكولا، وأبو عليّ الغسَّانيُّ الجيانيُّ وآخرون من الحفَّاظ. وذكر القاضي عياض: أنَّ جماعة شيوخهم رووه محرزاً بإسكان الحاء وكسر الرَّاء وآخره زاي قال: وهو غلط، والصَّواب الأوَّل، وعبد الله بن محرِّر عامريّ جزريّ رقيّ ولاَّه أبو جعفر قضاء الرَّقة، وهو تابعي روى عن: الحسن وقتادة، والزُّهريّ ونافع مولى ابن عمر وآخرين من التَّابعين، وروى عنه: الثَّوريّ وجماعات، واتَّفق الحفَّاظ والمتقدِّمين على تركه. قال أحمد بن حنبل: ترك النَّاس حديثه، وقال الآخرون مثله ونحوه. وأمَّا أبو أنيسة والد يحيى: فاسمه زيد. وأمَّا أبو العطوف فبفتح العين وضمِّ الطَّاء المهملتين، والجرَّاح بن منهال هذا جزريّ يروي عن التَّابعين. سمع الحكم بن عتيبة والزُّهريّ، يروي عنه: يزيد بن هارون. قال البخاريُّ وغيره: هو منكر الحديث. (ج/ص: ١/ ٥٨) لأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ العِلْمِ وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قُبُوْلِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ المُحَدِّثُ مِنَ الحَدِيْثِ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوا، وَأَمْعَنَ فِي ذلِكَ عَلَى المُوَافَقَةِ لَهُم، فَإذَا وُجِدَ كَذلِكَ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذلِكَ شَيْئَاً لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِه قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمَدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلالَتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الحُفَّاظِ المُتْقِنِيْنَ لِحَدِيْثِهِ، وَحَدِيْثِ غَيْرِهِ أَو لِمِثْلِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ وَحَدِيْثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَبْسُوْطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيْثُهُمَا عَلَى الاتِّفَاقِ مِنْهُم فِي أَكْثَرِهِ فَيَرْوِي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا العَدَدَ مِنَ الحَدِيْثِ مِمَّا لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيْحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ فَغَيْرُ جَائِزٍ قُبُوْلُ حَدِيْثِ هذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ، واللهُ أَعْلَمْ. وأمَّا صهبان فهو بضمِّ الصَّاد المهملة وإسكان الهاء، وعمر بن صهبان هذا أسلميّ مدنيّ، ويقال فيه: عمر بن محمَّد بن صهبان متَّفق على تركه. قال رحمه اللَّه: كلاماً مختصراً إنَّ زيادة الثِّقة الضَّابط مقبولة، ورواية الشَّاذ والمنكر مردودة، وهذا الَّذي قاله هو الصَّحيح الَّذي عليه الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول، وقد تقدَّم إيضاح هذه المسألة وبيان الخلاف فيها وما يتعلَّق بها في الفصول السَّابقة، واللَّه أعلم. قوله: (قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيْثُهُمَا عَلَى الاتِّفَاقِ) هو هكذا في معظم الأصول: الاتِّفاق بالفاء أوَّلا والقاف آخراً. وفي بعضها: الإتقان بالقاف أوَّلا والنُّون آخراً، والأوَّل أجود وهو الصَّواب. قوله: (فَيَرْوِي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا العَدَدَ مِنَ الحَدِيْثِ) العدد منصوب يروي. قوله: (وَقَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الحَدِيْثِ وَأَهْلِهِ بَعْضُ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيْلَ القَوْمِ وَوُفِّقَ لَهَا) معنى يتوجَّه به: يقصد طريقهم ويسلك مذهبهم، والسَّبيل: الطَّريق وهما يؤنَّثان ويذكَّران، والتَّوفيق خلق قدرة الطَّاعة. (ج/ص: ١/ ٥٩) وَقَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الحَدِيْثِ وَأَهْلِهِ بَعْضُ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيْلَ القَوْمِ وَوُفِّقَ لَهَا، وَسَنَزِيْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى شَرْحَاً وَإِيْضَاحَاً فِي مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ المُعَلَّلَةِ إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيْقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيْضَاحُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَبَعْدُ يَرْحَمُكَ اللهُ فَلَوْلا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوْءِ صَنِيْعِ كَثِيْرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثَاً فِيْمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيْثِ الضَّعِيْفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ المُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ المَشْهُورَةِ مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ المَعْرُوفِيْنَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيْراً مِمَّا يَقْذِفُوْنَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ وَمَنْقُوْلٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرُ مَرْضِيِّيْنَ مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الحَدِيْثِ مِثْلَ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةُ ابنُ الحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الانتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنَ التَّمْييزِ والتَّحْصِيْلِ، وَلكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ القَوْمِ الأَخْبَارَ المُنْكَرَةَ بِالأَسَانِيْدِ الضِّعَافِ المَجْهُوْلَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى العَوَامِّ الَّذِيْنَ لا يَعْرِفُوْنَ عُيُوْبَهَا خَفَّ عَلَى قُلُوْبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ. قال رحمه اللَّه: (وَسَنَزِيْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى شَرْحَاً وَإِيْضَاحَاً فِي مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ المُعَلَّلَةِ إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيْقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيْضَاحُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى هذا الَّذي ذكره مسلم ممَّا اختلف فيه فقيل: اخترمته المنيَّة قبل جمعه. وقيل: بل ذكره في أبوابه من هذا الكتاب الموجود وقد تقدَّم بيان هذا واضحاً في الفصول، واللَّه أعلم. قوله: (مِمَّا يَقْذِفُوْنَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ) أي: يلقونه إليهم والأغبياء بالغين المعجمة والباء الموحَّدة هم الغفلة والجهَّال والَّذين لا فطنة لهم. قوله: (سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ) هذا أوَّل موضع جاء ذكره رَضِيَ اللهُ عَنْهُ والمشهور فيه ضمّ السِّين والعين. وذكر ابن السّكّيت في سفيان ثلاث لغات للعرب: ضمُّ السِّين، وفتحها، وكسرها. وذكر أبو حاتم السّختيانيُّ وغيره في عيينة ضمّ العين وكسرها، وهما وجهان لأهل العربيَّة معروفان. صحيح مسلم بشرح النووي، الإصدار ٢.٠١ - للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء الأول >> مقدمة الشارح >> -١٠ - باب تغليظ الكذب على رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم