٣١٣٧ ـ حدثنا عَبْدُ بنَ حُمَيْدٍ، أخبرنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ، عن أبي بَكْرِ بنِ عَيّاشٍ عن أبي إسْحَاقَ عن البَرَاءِ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ} فَقَالَ لهُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم " تُجْزِئُك آيَةُ الصّيْفِ". ـ قوله: (يقول مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني) تقدم هذا الحديث في الفرائض وتقدم هناك شرحه {حتى نزلت يوصيكم الله في أولادكم} كذا وقع في رواية الترمذي هذه، أعني من طريق يحيى بن آدم عن طريق ابن عيينة عن محمد بن المنكدر وكذا وقع في رواية البخاري عن طريق هشام عن ابن جريج عن ابن منكدر. قال الحافظ في الفتح: قوله فنزلت (يوصيكم الله في أولادكم) ، هكذا وقع في رواية ابن جريج وقيل إنه وهم في ذلك وأن الصواب أن الاَية التي نزلت في قصة جابر هذه الاَية الأخيرة من النساء وهي {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} لأن جابراً يومئذ لم يكن له ولد ولا والد والكلالة من لا ولد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر فقال في هذا الحديث حتى نزلت عليه آية الميراث {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ولمسلم أيضاً من طريق شعبة عن ابن المنكدر قال في آخر هذا الحديث فنزلت آية الميراث فقلت لمحمد بن المنكدر {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} قال هكذا أنزلت، وقد أطال الحافظ الكلام ههنا في الفتح فعليك أن تراجعه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الاَية حديث جابر المذكور عن صحيح البخاري من طريق هشام عن ابن جريج عن ابن المنكدر ثم ذكر حديث جابر من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عنه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيداً الحديث أخرجه الترمذي وغيره ثم قال: والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الاَية الأخيرة من هذه السورة فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات وإنما كان يورث كلالة ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعاً للبخاري فإنه ذكر ههنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الاَية انتهى. قوله: (وفي حديث الفضل بن صباح كلام أكثر من هذا) أي حديث الفضل بن صباح أطول من حديث يحيى بن آدم المذكور، وحديث الفضل بن صباح هذا تقدم في باب ميراث الأخوات. ـ قوله: (أخبرنا قتادة) بن دعامة (عن أبي علقمة الهاشمي) الفارسي المصري مولى بني هاشم ويقال حليف الأنصار ثقة، وكان قاضي إفريقية من كبار الثالثة. قوله: (لما كان يوم أوطاس) اسم موضع أو بقعة في الطائف يصرف ولا يصرف (لهن أزواج في المشركين) صفة لنساء (فكرههن) أي كره وطئهن من أجل أنهن مزوجات والمزوجة لا تحل لغير زوجها (منهم) أي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض النسخ منا وهو الظاهر. وروى مسلم هذا الحديث بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس فلقوا عدواً فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين (فأنزل الله تعالى والمحصنات) بفتح الصاد باتفاق القراء وهو معطوف على أمهاتكم، أي وحرمت عليكم المحصنات، أي ذوات الأزواج لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج {إلا ما ملكت أيمانكم} أي أيمانكم: أي ما أخذتم من نساء الكفار بالسبي وزوجها في دار الحرب لوقوع الفرقة بتباين الدارين فتحل للغانم بملك اليمين بعد الاستبراء. قال النووي: اعلم أن مذهب الشافعي ومن قال بقوله من العلماء أن المسبية من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم لا يحل وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فما دامت على دينها فهي محرمة، وهؤلاء المسبيات كن من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيتأول هذا الحديث وشبهه على أنهن أسلمن، وهذا التأويل لا بد منه انتهى. وقال الشوكاني في النيل في باب استبراء الأمة إذا ملكت ما لفظه: ظاهر أحاديث الباب أنه لا يشترط في جواز وطء المسبية الإسلام ولو كان شرط البينة صلى الله عليه وسلم ولم يبينه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك وقتها، ولا سيما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإسلام من جميع السبايا وهن في غاية الكثرة بعيد جداً فإن إسلام مثل عدد المسبيات في أوطاس دفعة واحدة من غير إكراه لا يقول بأنه يصح تجويزه عاقل. ومن أعظم المؤيدات لبقاء المسبيات على دينهن ما ثبت من رده صلى الله عليه وسلم لهن بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن وسألوه أن يرد إليهم ما أخذ عليهم منهم من الغنيمة فرد إليهم السبي فقط، وقد ذهب إلى جواز وطء المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم طاوس وهو الظاهر لما سلف انتهى. (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ـ قوله: (أخبرنا عثمان) بن مسلم (البتي) بفتح الموحدة وكسر الفوقية المشددة أبو عمرو البصري، صدوق عابوا عليه الإفتاء بالرأي من الخامسة. قوله: (أصبنا سبايا) جمع السبية وهي المرأة المنهوبة فعلية بمعنى مفعولة. قوله: (ولا اعلم أن أحداً ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة) كذا قال الترمذي، وقد تابع هماماً في ذكر أبي علقمة سعيد بن أبي عروبة عند مسلم وأبي داود والنسائي وشعبة أيضاً عند مسلم. وقد صرح بهذا الحافظ ابن كثير في تفسيره (وأبو الخليل اسمه صالح بن أبي مريم) الضبعي مولاهم البصري، وثقه ابن معين والنسائي، وأغرب بن عبد البر، فقال: لا يحتج به من السادسة. ـ قوله: (وعقوق الوالدين) أي قطع صلتهما، مأخوذ من العق وهو الشق والقطع، والمراد عقوق أحدهما. قيل هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة، وقيل عقوقهما مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية، وفي معناهما الأجداد والجدات (وقتل النفس) أي بغير حق (وقول الزور) ، وفي رواية الشيخين وشهادة الزور، والمراد من الزور الكذب، وسمى زوراً لميلانه عن جهة الحق. قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه الشيخان. قوله: (وقال عن عبد الله بن أبي بكر) أي بالتكبير (ولا يصح) بل الصحيح عبيد الله بن أبي بكر بالتصغير. قال في تهذيب التهذيب: عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك أبو معاذ الأنصاري، روى عن جده، وقيل عن أبيه عن جده وعنه شعبة وغيره. قال أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي ثقة. ـ قوله: (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر الخ) تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب عقوق الوالدين من أبواب البر والصلة وفي الشهادات. ـ قوله: (عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ) بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة المدني، ثقة من الخامسة (عن أبي أمامة الأنصاري) البكري حليف بني حارثة اسمه إياس، وقيل عبد الله بن ثعلبة، وقيل ثعلبة بن عبد الله بن سهل صحابي له أحاديث (عن عبد الله بن أنيس) بالتصغير الأنصاري المدني كنيته أبو يحيى حليف الأنصار صحابي. قوله: (إن من أكبر الكبائر الشرك بالله) أي الإشراك به، فنفي الصانع أولى أو المراد به مطلق الكفر، إلا أنه عبر عنه به لأنه الغالب في الكفرة، ومن زائدة على مذهب من يجوزه في الإثبات كالأخفش أو دخول من باعتبار مجموع المعطوف والمعطوف عليه وإلا فالشرك هو أكبر الكبائر لا من جملته (واليمين الغموس) قال في النهاية: هو اليمين الكاذبة الفاجرة كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، وفعول للمبالغة (وما حلف حالف بالله يمين صبر) في النهاية: الحلف هو اليمين فخالف بين اللفظين تأكيداً. قال النووي: يمين صبر بالإضافة، أي ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها، أي حبس فوصفت بالصبر وأضيفت إليه مجازاً انتهى. وتوضيحه ما قاله ابن الملك، الصبر الحبس والمراد بيمين الصبر أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم. وقيل يمين الصبر هي التي يكون فيها متعمداً للكذب قاصداً لإذهاب مال المسلم كأنه يصبر النفس على تلك اليمين، أي يحبسها عليها، كذا في المرقاة. وقال في المجمع: يمين صبر بالإضافة أي ألزم بها، وحبس لها شرعاً ولو حلف بغير إحلاف لم يكن صبراً (فأدخل) أي الحالف (فيها) أي في تلك اليمين (مثل جناح بعوضة) بفتح الجيم أي ريشها. والمراد أقل قليل. والمعنى شيئاً يسيراً من الكذب والخيانة، ومما يخالف ظاهره باطنه لأن اليمين على نية المستحلف (إلا جعلت) أي تلك اليمين (نكتة) أي سوداء، أي أثراً قليلاً كالنقطة تشبه الوسخ في نحر المرأة والسيف (إلى يوم القيامة) . قال الطيبي: معنى الانتهاء أن أثر تلك النكتة التي هي من الرين يبقى أثرها إلى يوم القيامة، ثم بعد ذلك يترتب عليها وبالها والعقاب عليها، فكيف إذا كان كذباً محضاً. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد والحاكم وابن أبي حاتم. ـ قوله: (عن فراس) بكسر الفاء وبالراء هو ابن يحيى الهمداني. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي. تنبيه: اعلم أن هذه الأحاديث الأربعة أعني أحاديث أنس وأبي بكرة وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن عمرو ذكرها الترمذي في تفسير قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً} وقد أطال الحافظ ابن كثير الكلام في تفسير هذا القول. فذكر أحاديث كثيرة تتعلق به ثم ذكر أقوال الصحابة والتابعين في ذلك ثم قال: وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم من قال هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك: قال أبو القاسم عبد الكريم ابن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمن بعدهم في الكبائر، وفي الفرق بينها وبين الصغائر ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه، أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد، والثاني أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما يوجد لهم، وإلى الأول أميل لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر، والثالث قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره، كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة، والرابع ذكر القاضي أبو سعيد الهروي: أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب والشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم ذكر في تفصيل الكبائر أقوال بعض أهل العلم. قال الحافظ ابن كثير: وقدصنف الناس في الكبائر مصنفات، منها ما جمعه شيخنا أبو عبد الله الذهبي بلغ نحواً من سبعين كبيرة. وإذا قيل إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباس وغيره، ولا يتبع ذلك اجتمع منه شيئ كثير، وإذا قيل كل ما نهى الله عنه فكثير جداً انتهى. وقد تقدم شيئ من في حد الكبيرة في باب عقوق الوالدين. ـ قوله: (يغزو الرجال ولا تغزو النساء) ، وفي رواية أحمد في مسنده يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء فأنزل الله تبارك وتعالى {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض. قال الحافظ ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الاَية قال: ولا يتمنى الرجل فيقول، لو أن لي مال فلان وأهله فنهى الله عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا وهو الظاهر من الاَية، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء" ، فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الاَية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا والاَية نهت عن تمني عين نعمة هذا، يقول: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، أي في الأمور الدنيوية وكذا الدينية. قوله: (قال مجاهد) هذا موصول بالسند المتقدم (وأنزل فيها) أي في أم سلمة (إن المسلمين والمسلمات) تمام الاَية {والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} ورواية مجاهد هذه مختصرة. وفي رواية النسائي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبي الله ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون فأنزل الله تعالى {"إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} (أول ظعينة) قيل المرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيث ما ظعن، أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل هي المرأة في الهودج ثم قيل للمرأة وحدها والهودج وحده من ظعن ظعناً بالحركة والسكون إذا سار. قوله: (هذا حديث مرسل) أي منقطع وأخرجه أحمد. قوله: (عن رجل من ولد أم سلمة) اسم هذا الرجل سلمة. قال في تهذيب التهذيب: سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، روى عن جدة أبيه أم سلمة عن جده عمر بن أبي سلمة وله صحبة، روى عنه عطاء بن أبي رباح فنسبه إلى جد أبيه، فقال عن سلمة بن أبي سلمة. وعنه عمرو بن دينار فنسبه إلى جده، فقال عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة. وقد روى له الترمذي في التفسير حديثاً ولم يسمه أخرجه عن ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن رجل من ولد أم سلمة عن أم سلمة أنها قالت لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء الحديث. وسماه الحاكم في المستدرك في هذا الحديث من طريق يعقوب ابن حميد بن كاسب عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة عن أم سلمة، وتابعه قتيبة عن سفيان بن عيينة. وقال في التقريب في ترجمته: مقبول من الثالثة. ـ قوله: {أني لا أضيع عمل عامل منكم} يعني لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل أثيبكم عليه {من ذكر أو أنثى} يعني لا أضيع عمل عامل منكم ذكراً كان أو أنثى {بعضكم من بعض} يعني في الدين والنصرة والموالاة، وقيل كلكم من آدم وحواء، وقيل من بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية فهو كما يقال فلان مني يعني على خلقي وسيرتي، وقيل إن الرجال والنساء في الطاعة على شكل واحد كذا في تفسير الخازن. والحديث أخرجه أيضاً سعيد ابن منصور وابن جرير والحاكم في مستدركه ثم قال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت آخر آية نزلت هذه الاَية {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} إلى آخرها رواه ابن مردويه. ـ قوله: (أخبرنا أبو الأحوص) اسمه سلام بن سليم الحنفي (قال عبد الله) هو ابن مسعود رضي الله عنه (وهو على المنبر) جملة حالية (فكيف) أي حال الكفار (إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يشهد عليها بعملها وهو نبيها (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء) أي أمتك (شهيداً) حال أي شاهداً على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق. ووقع في رواية محمد بن فضالة الظفري أن ذلك كان وهو صلى الله عليه وسلم كان في بني ظفر أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وغيرهما من طريق يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظفر ومعه ابن مسعود وناس من أصحابه فأمر قارئاً فقرأ، فأتى على هذه الاَية {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} فبكى حتى ضرب لحياه ووجنتاه فقال يا رب هذا على من أنا بين ظهريه فكيف بمن لم أره. وأخرج ابن المبارك في الزهد من طريق سعيد بن المسيب قال ليس من يوم إلا يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة كذا في الفتح (غمزني) الغمز العصر: والكبس باليد أي أشار باليد لأن يمتنع عن القراءة، وفي رواية الشيخين قال حسبك الاَن (وعيناه تدمعان) وفي رواية الشيخين تذرفان أي تسيلان دمعاً. قال ابن بطال: إنما بكى صلى الله عليه وسلم عند تلاوته هذه الاَية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف وهو أمر يحق له طول البكاء انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيماً فقد يفضي إلى تعذيبهم. قال الغزالي يستحب البكاء مع القراءة وعندها وطريق تحصيله أن يحضر قلبه الحزن والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم ينظر تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن فليبك على فقد ذلك وأنه من أعظم المصائب. ـ قوله: (عن عبيدة) بفتح أوله هو ابن عمرو السلماني المرادي. قوله: (أقرأ عليك) أي أأقرأ عليك (إني أحب أن أسمعه من غيري) قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة وخرج نحو ذلك (تهملان) أي تدمعان وتفيضان. قال في القاموس: هملت عينه تهمل وتهمل هملاً وهملاناً وهمولاً: فاضت. قوله: (هذا أصح من حديث أبي الأحوص) أي حديث سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله أصح من حديث أبي الأحوص عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، لأن عبد الواحد وحفص بن غياث وغيرهما قد تابعوا سفيان في روايته عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عند الشيخين وغيرهما. وحديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه أيضاً الشيخان وأبو داود والنسائي. ـ قوله: (وسقانا من الخمر) أي قبل أن تحرم كما في رواية أبي داود (فأخذت الخمر منا) أي أخذت عقولنا {لا تقربوا الصلاة} أي لا تصلوا {وأنتم سكارى} جمع سكران والجملة حالية {حتى تعلموا ما تقولون} بأن تصحوا. قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي. قال المنذري: وفي إسناده عطاء بن السائب لا يعرف إلا من حديثه وقد قال يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه، وفرق مرة بين حديثه القديم وحديثه الحديث ووافقه على التفرقة الإمام أحمد. وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي رضي الله عنه متصل الإسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن يعني السلمي وإنما كان ذلك قبل أن يحرم الخمر فحرمت من أجل ذلك، هذا آخر كلامه. وقد اختلف في إسناده ومتنه، فأما الاختلاف في إسناده فرواه سفيان الثوري وأبو جعفر الرازي عن عطاء بن السائب فأرسلوه، وأما الاختلاف في متنه ففي كتاب أبي داود الترمذي ما قدمناه، وفي كتاب النسائي وأبي جعفر النحاس أن المصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وفي كتاب أبي بكر البزار: أمروا رجلاً فصلى بهم ولم يسمه، وفي حديث غيره فتقدم بعض القوم انتهى كلام المنذري. ـ قوله: (أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير الخ) تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في باب الرجلين يكون أحدهما أسفل من الاَخر في الماء من أبواب الأحكام وتقدم هناك شرحه. ـ قوله: (قال سمعت عبد الله بن يزيد) والخطمي، صحابي صغير. قوله: (رجع ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد) يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحاً في رواية موسى بن عقبة في المغازي وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأى النبي صلى الله عليه وسلم على الإقامة بالمدينة فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج، قال عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا فرجع بثلث الناس. قال ابن إسحاق في روايته فأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجياً كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا، فقال أبعدكم الله (فكان الناس فيهم) أي في الحكم في من انصرف مع عبد الله بن أبي (فنزلت هذه الاَية الخ) هذا هو الصحيح في سبب نزولها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ قال: نزلت هذه الاَية في الأنصار خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من لي بمن يؤذيني، فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن خضير ومحمد بن مسلمة" فأنزل الله هذه الاَية. وفي سبب نزولها قول آخر أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن قوماً أتوا المدينة فأسلموا فأصابهم الوباء فرجعوا فاستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم، فقال بعضهم نافقوا، وقال بعضهم لا فنزلت. وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلاً، فإن كان محفوظاً احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعاً كذا في الفتح قالالحافظ ابن جرير بعد ذكر عدة أقوال في سبب نزول هذه الاَية ما لفظه: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الاَية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على أحد قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والاَخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة. وفي قول الله تعالى ذكره {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا} أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيماً من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه انتهى (إنها) أي المدينة (طيبة) هذا أحد أسماء المدينة، ويقال لها طابة أيضاً. روى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعاً: (إن الله سمى المدينة طابة) ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن سماك بلفظ: كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة. وأخرجه أبو عوانة والطاب والطيب لغتان بمعنى واشتقاقهما من الشيء الطيب (إنها تنفي الخبث) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها مثلثة أي الوسخ (كما تنفي النار خبث الحديد) أي وسخه الذي تخرجه النار. والمراد أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة، وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده. قال الخازن: معنى الاَية فما لكم يا معشر المؤمنين في المنافقين فئتين أي صرتم في أمرهم فرقتين، فرقة تذب عنهم وفرقة تباينهم وتعاديهم، فنهى الله الفرقة الذين يذبون عنهم وأمر المؤمنين جميعاً أن يكونوا على منهاج واحد في التباين لهم والتبرئ منهم والله أركسهم: يعني نكسهم في كفرهم وارتدادهم وردهم إلى أحكام الكفار بماكسبوا: أي بسبب ما اكتسبوا من أعمالهم الخبيثة، وقيل بما أظهروا من الارتداد بعد ما كانوا على النفاق. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. ـ قوله: (أخبرنا ورقاء بن عمر) اليشكري وأبو بشر الكوفي نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور، لين من السابعة. قوله: (يجيء المقتول بالقاتل) الباء للتعدية أي يحضره ويأتي به (ناصيته) أي شعر مقدم رأس القاتل (ورأسه) أي بقيته (بيده) أي بيد المقتول، والجملة حال من الفاعل، ويحتمل من المفعول على بعد وقد اكتفى فيها بالضمير. قال الطيبي: ويجوز أن يكون استئنافاً على تقدير السؤال عن كيفية المجيء به (وأوداجه) في النهاية هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح واحدها ودج بالتحريك، وقيل الودجان عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر، وقيل عبر عن المثنى بصيغة الجمع للأمن من الالتباس كقوله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} (تشخب) بضم الخاء المعجمة وبفتحها، أي تسيل (دماً) تمييز محول عن الفاعل أي دمهما (يقول يا رب قتلني هذا) أي ويكرره (حتى يدنيه من العرش) من الإدناء: أي يقرب المقتول القاتل من العرش وكأنه كناية عن استقصاء المقتول في طلب ثأره وعن البالغة في إرضاء الله إياه بعدله (فذكروا لابن عباس التوبة) يعني قالوا له هل للقاتل توبة أم لا فتلا هذه الاَية {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} تمام الاَية: {خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (قال) أي لا تقبل توبته. قال النووي: هذا هو المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروى عنه أن له توبة وجواز المغفرة له لقوله تعالى {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} وهذه الرواية الثانية هي مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعين ومن بعدهم. وما روى عن بعض السلف مما يخالف هذا محمول على التغليظ والتحذير من القتل، وليس في هذه الاَية التي احتج بها ابن عباس تصريح بأنه يخلد (وإنما فيها أنه جزاؤه ولا يلزم منه أن يجازى انتهى. وقا الحافظ ابن جرير: وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه أن جزاءه جهنم خالداً فيها ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً} فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلاً في هذه الاَية فقد يجب أن يكون المشرك داخلاً فيها، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} والقتل دون الشرك انتهى. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه النسائي وابن ماجه. ـ قوله: (حدثنا عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء وسكون الزاي. قوله: (فسلم عليهم) وفي رواية البراء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وفي بعض الروايات قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم (ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم) قال الجزري في النهاية في باب عوذ ومنه الحديث إنما قالها تعوذاً أي إنما أقر بالشهادة لاجئاً إليها ومعتصماً بها ليدفع عنه القتل وليس بمخلص في إسلامه {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} يعني سافرتم إلى الجهاد {فتبينوا} من البيان، يقال تبينت الأمر إذا تأملته قبل الإقدام عليه. وقرئ فتثبتوا من التثبت وهو خلاف العجلة. والمعنى فقفوا وتثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وتعرفوا حقيقة الأمر الذي تقدمون عليه {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} يعين التحية، يعني لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذاً فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا عنه واقبلوا منه ما أظهره لكم {لست مؤمناً} يعني لست من أهل الإيمان فتقتلوه بذلك. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه البخاري في التفسير ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود في الحروف والنسائي في السير وفي التفسير. قوله: (وفي الباب عن أسامة بن زيد) أخرجه أحمد. قوله: (عن أبي إسحاق) هو السبيعي. ـ قوله: (جاء عمر بن أم مكتوم) هو المعروف بابن أم مكتوم الأعمى مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية البخاري أنه كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فيجمع بأن معنى قوله جاء أنه قام من مقامه خلف النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء مواجهة فخاطبه (وكان ضرير البصر) في القاموس، الضرير الذاهب البصر جمعه أضراء {فأنزل هذه الاَية غير أولي الضرر الاَية} وفي البخاري فنزلت مكانها {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} قال ابن المنير: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذكر الكلمة الزائدة وهي غير أولي الضرر، فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله غير أولي الضرر فقط، فكأنه رأى إعادة الاَية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الاَية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حكى الراوي صورة الحال. قال الحافظ: الأول أظهر فإن في رواية سهل بن سعد: فأنزل الله غير أولي الضرر، وأوضح من ذلك رواية خارجة بن زيد عن أبيه ففيها ثم سري عنه، فقال اقرأ، فقرأت عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم غير أولي الضرر وفي حديث الفلتان بن عاصم في هذه القصة، قال فقال الأعمى: ما ذنبنا؟ فأنزل الله فقلنا له إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل يقول أتوب إلى الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب: أكتب غير أولي الضرر، أخرجه البزار والطبراني وصححه ابن حبان (إيتوني بالكتف والدواة) الكتف بفتح الكاف وكسر التاء: وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. قوله: (ويقال عمرو بن أم مكتوم الخ) قال في التقريب: عمرو بن زائدة أو ابن قيس بن زائدة، ويقال زياد القرشي العامري ابن أم مكتوم الأعمى الصحابي المشهور قديم الإسلام، ويقال اسمه عبد الله، ويقال الحصين، كان النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر. وقال في تهذيب التهذيب: أسلم قديماً وهاجر قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد القادسية وقتل بها شهيداً، وكان معه اللواء يومئذ. ـ قوله: (أخبرني عبد الكريم) هو ابن مالك الجزري، بينه أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج قال حدثني عبد الكريم الجزري كذا في الفتح (سمع مقسماً مولى عبد الله بن الحارث) بكسر الميم، ويقال له مولى ابن عباس للزومه له. قوله: (عن بدر والخارجون إلى بدر) هذا تفسير من ابن عباس رضي الله عنه، يعني أن المراد من قوله القاعدون، القاعدون عن غزوة بدر ومن قوله المجاهدون الخارجون إلى غزوة بدر ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب (قال عبد الله بن جحش) قال العيني في شرح البخاري: قوله عبد الله بن جحش: قيل أبو أحمد بن جحش كما ذكره الطبري في روايته من طريق الحجاج نحو ما أخرجه الترمذي، وذلك لأن عبد الله بن جحش هو أخو أبي أحمد بن جحش واسم أبي أحمد عبد بدون إضافة وهو مشهور بكنيته، وأيضاً أن عبد الله بن جحش لم ينقل أن له عذراً إنما المعذور أخوه أبو أحمد بن جحش. وذكر الثعلبي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه ابن جحش وليس بالأسدي، وكان أعمى، وأنه جاء هو وابن أم مكتوم فذكرا رغبتهما في الجهاد مع ضررهما فنزلت غير أولي الضرر، فجعل لهما من الأجر ما للمجاهدين انتهى. اعلم أن الحافظ قد نقل في الفتح حديث ابن عباس هذا عن الترمذي بتمامه من أوله إلى آخره ثم قال: هكذا أورده الترمذي سياقاً واحداً، ومن قوله درجة الخ، مدرج في الخبر من كلام ابن جريج بينه الطبري، فأخرج من طريق حجاج نحو ما أخرجه الترمذي إلى قوله درجة ووقع عنده، فقال عبد الله بن أم مكتوم وأبو أحمد بن جحش وهو الصواب في ابن جحش، فإن عبد الله أخوه، وأما هو فاسمه عبد بغير إضافة وهو مشهور بكنيته ثم أخرجه بالسند المذكور عن ابن جريج قال {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه} قال علي: القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. وحاصل تفسير ابن جريج أن المفضل عليه غير أولى الضرر، أما أولو الضرر فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم كما تقدم في المغازي من حديث أنس: "إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم حبسهم العذر" . ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة} أي من أولي الضرر وغيرهم. وقوله: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه} أي على القاعدين من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس ولا ما دلت عليه الاَية من استواء أولي الضرر مع المجاهدين لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء فأفهمت إدخالهم في الاستواء إذا لا اسطة بين الاستواء وعدمه، لأن المراد منه استواؤهم في أصل الثواب لا في المضاعفة لأنها تتعلق بالفعل انتهى كلام الحافظ. وفي تفسير الجلالين لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن الجهاد غير أولي الضرر بالرفع صفة والنصب استثناء من زمانة أو عمى ونحوه، والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين لضرر، درجة فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهد بالمباشرة وكلاً من الفريقين وعدالله الحسنى الجنة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين لغير ضرر أجراً عظيماً ويبدل منه درجات منه منازل بعضها فوق بعض من الكرامة ومغفرة ورحمة منصوبتان بفعلهما المقدر وكان الله غفوراً لأوليائه رحيماً بأهل طاعته انتهى. قال في الكمالين: فعلى هذا قوله تعالى {فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} الخ فيمن قعد بغير عذر والذي قبله فيمن قعد بعذر، والأكثرون على أن القولين كليهما فيمن قعد بغير عذر وإنما كرر وأوجب في الأول درجة، وفي الثاني درجات، لأن المراد بالدرجة الظفر والغنيمة والذكر الجميل في الدنيا، وبالدرجات ثواب الاَخرة. بينت بالإفراد في الأول والجمع في الثاني لأن ثواب الدنيا في جنب ثواب الاَخرة يسير انتهى ملخصاً. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري في صحيحه إلى قوله والخارجون إلى بدر. ـ قوله: (عن صالح بن كيسان) المدني أبو محمد، أو أبو الحارث مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه من الرابعة (رأيت مروان بن الحكم) أي ابن أبي العاص أمير المدينة الذي صار بعد ذلك خليفة. قوله: (أملي عليه) يقال أمليت الكتاب وأمللته: إذا ألقيته على الكاتب ليكتب (وهو يملها) بضم أوله وكسر الميم وتشديد اللام وهو مثل يمليها يملي ويملل بمعنى، ولعل الياء منقلبة من إحدى اللامين (والله لو أستطيع الجهاد) أي لو استطعته وعبر بالمضارع إشارة إلى الاستمرار واستحضاراً لصورة الحال (وفخذه على فخذي) الواو للحال (حتى همت) أي قربت (ترض فخذي) بصيغة المعلوم أي تدق فخذه صلى الله عليه وسلم فخذي، أو بصيغة المجهول أي تدق (ثم سري عنه) بالتخفيف والتشديد أي كشف وأزيل. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري. قوله: (وفي هذا الحديث رواية رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هو سهل بن سعد رضي الله عنه (عن رجل من التابعين) هو مروان بن الحكم (روى سهل بن سعد الأنصاري عن مروان بن الحكم) بيان لما قبله (ومروان لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من التابعين) قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة والأولى ما قال فيه البخاري لم ير صلى الله عليه وسلم وقد ذكره ابن عبد البر في الصحابة لأنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل عام أحد، وقيل عام الخندق، وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة فذكروا له ابن عمر. فقال ليس ابن عمر بأفقه مني ولكنه أسن مني وكانت له صحبة. فهذا اعتراف منه بعدم صحبته وإنما لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان سماعه ممكناً لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أباه إلى الطائف فلم يرده إلا عثمان لما استخلف. ـ قوله: (سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار) المكي حليف بني جمح الملقب بالقس بفتح القاف وتشديد السين المهملة، ثقة عابد من الثالثة، ولقب بالقس لعبادته (عن يعلى بن أمية) بن أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قريش وهو يعلى بن منية بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة وهي أمة، صحابي مشهور، مات سنة بضع وأربعين (يحدث عن عبد الله بن باباه) بموحدتين بينهما ألف ساكنة. قوله: (قلت لعمر) أي ابن الخطاب (إنما قال الله أن تقصروا) أي وإذا ضربتم في الأرض أي سافرتم فليس عليكم جناح أن تقصروا (وقد أمن الناس) أي وذهب الخوف فما وجه القصر (فقال صدقة) أي قصر الصلاة في السفر صدقة (تصدق الله) أي تفضل (بها عليكم) أي توسعة ورحمة (فاقبلوا صدقته) أي سواء حصل الخوف أم لا. قال النووي: في هذا الحديث جواز القصر في غير الخوف، وفيه إن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئاً يشكل عليه دليله يسأله عنه انتهى. وقد استدل بقوله: فاقبلوا صدقته، من قال بوجوب قصر الصلاة في السفر وقد تقدم الكلام في هذه المسألة، في باب التقصير في السفر من أبواب الصلاة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ـ قوله: (أخبرنا سعيد بن عبيد الهنائي) بضم الهاء وتخفيف النون، البصري لا بأس به من السادسة. تحفة الأحوذي، الإصدار ١.٠٩ - للمباركفوري