١٢ - تذاكر الناس في مجلس ابن عباس فأخذوا في فضل أبى بكر ثم أخذوا في فضل عمر بن الخطاب فلما سمع عبد الله بن عباس بكى بكاء شديدا حتى أغمي عليه ثم أفاق وقال رحم الله رجلا لم تأخذه في الله لومة لائم رحم الله رجلا قرأ القرآن وعمل بما فيه وأقام حدود الله كما أمر لم يزدجر عن القريب لقرابته ولم يحف عن البعيد لبعده ثم قال والله لقد رأيت عمر وقد أقام الحد على ولده فقتله فيه ثم بكى وبكى الناس من حوله وقلنا يا ابن عم رسول الله إن رأيت أن تحدثنا كيف أقام عمر على ولده الحد فقال والله لقد أذكرتموني شيئا كنت له ناسيا فقلنا أقسمنا عليك بحق المصطفى بما حدثتنا فقال معاشر الناس كنت ذات يوم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب جالس والناس حوله يعظهم ويحكم فيما بينهم فإذا نحن بجارية قد أقبلت من باب المسجد تتخطى رقاب المهاجرين والأنصار حتى وقفت بإزاء عمر فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال عمر وعليك السلام يا أمة الله هل لك حاجة قالت نعم أعظم الحوائج إليك خذ ولدك هذا مني فأنت أحق به ثم رفعت القناع فإذا على يدها طفل فلما نظر إليه عمر قال يا أمة الله أسفري عن وجهك فأسفرت فأطرق عمر وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا هذه أنا لا أعرفك فكيف يكون هذا ولدي فبكت الجارية حتى بلت خمارها بالدموع ثم قالت يا أمير المؤمنين إن لم يكن ولدك من ظهرك فهو ولد ولدك قال أي أولادي قالت أبو شحمة قال أبحلال أم بحرام قالت من قبلي بحلال ومن جهته بحرام قال عمر وكيف ذاك قالت يا أمير المؤمنين اسمع مقالتي فوالله ما زدت عليك حرفا ولا نقصت فقال لها اتقى الله ولا تقولي إلا الصدق ثم قالت يا أمير المؤمنين كنت في بعض الأيام مارة في بعض حوائجي إذ مررت بحائط لبني النجار، فإذا أنا بصائح يصيح من ورائي فإذا أنا بولدك أبي شحمة يتمايل سكرا وكان قد شرب عند مسيكة اليهودي فلما قرب مني تواعدني وهددني وراودني عن نفسي وجرني إلى الحائط فسقط وأغمي علي، فوالله ما أفقت إلا وقد نال مني ما ينال الرجل من امرأته فقمت وكتمت أمري عن عمي وعن جيراني، فلما تكاملت أيامي وانقضت شهوري وضربني الطلق وأحسست بالولادة خرجت إلى موضع كذا وكذا فوضعت هذا الغلام فهممت بقتله ثم ندمت على ذلك فاحكم بحكم الله بيني وبينه قال ابن عباس فأمر عمر مناديه فنادى فأقبل الناس يهرعون إلى المسجد ثم قام عمر فقال يا معشر المهاجرين والأنصار لا تتفرقوا حتى آتيكم بالخبر ثم خرج من المسجد وأنا معه فنظر إلي وقال يا ابن عباس أسرع معي فجعل يسرع حتى قرب من منزله فقرع الباب فخرجت جارية كانت تخدمه فلما نظرت إلى وجهه وقد غلبه الغضب قالت ما الذي نزل بك قال يا هذه ولدي أبو شحمة هاهنا قالت إنه على الطعام فدخل وقال له كل يا بني فيوشك أن يكون هذا آخر زادك من الدنيا قال ابن عباس فرأيت الغلام وقد تغير لونه وارتعد وسقطت اللقمة من يده فقال له عمر يا بني من أنا فقال أنت أبي وأمير المؤمنين قال فلي عليك حق طاعة أم لا قال طاعتان مفروضتان أولهما أنك والدي والأخرى أنك أمير المؤمنين قال عمر بحق نبيك وبحق أبيك إن أسألك عن شيء إلا أخبرتني قال يا أبي لا أقول غير الصدق قال هل كنت ضيفا لنسيك اليهودي فشربت الخمر عنده وسكرت قال يا أبي قد كان ذلك وقد تبت قال يا بني رأس مال المذنبين التوبة ثم قال يا بني أنشدك الله هل دخلت ذلك اليوم حائط بني النجار فرأيت امرأة واقعتها فسكت وبكى وهو يبكي ويلطم وجهه فقال له عمر لا بأس اصدق فإن الله يحب الصادقين فقال يا أبي قد كان ذلك والشيطان أغواني وأنا تائب نادم فلما سمع منه عمر ذلك قبض على يده ولبته وجره إلى المسجد فقال يا أبت لا تفضحني على رؤوس الخلائق خذ السيف فاقطعني هاهنا إربا إربا قال أما سمعت قول الله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ثم جره حتى أخرجه إلى بين يدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وقال صدقت المرأة وأقر أبو شحمة بما قالت وكان له مملوك يقال له أفلح فقال له يا أفلح إن لي إليك حاجة إن أنت قضيتها فأنت حر لوجه الله تعالى فقال يا أمير المؤمنين مرني بأمرك قال خذ ابني هذا فاضربه مائة سوط ولا تقصر في ضربه فقال لا أفعله وبكى وقال يا ليتني لم تلدني أمي حيث أكلف ضرب ولد سيدي فقال له عمر يا غلام إن طاعتي طاعة الرسول فافعل ما أمرتك به فانزع ثيابه فضج الناس بالبكاء والنحيب وجعل الغلام يشير بإصبعه إلى أبيه ويقول يا أبت ارحمني فقال له عمر وهو يبكي ربك يرحمك وإنما هذا كي يرحمني ويرحمك ثم قال يا أفلح اضرب فضرب أول سوط فقال الغلام بسم الله الرحمن الرحيم فقال نعم الاسم سميت يا بني فلما ضربه ثانيا قال أوه يا أبت قال اصبر كما عصيت فلما ضربه ثالثا قال الأمان الأمان قال عمر ربك يعطيك الأمان فلما ضربه رابعا قال واغوثاه قال الغوث عند الشدة فلما ضربه قال الحمد الله قال له عمر كذا يجب أن تحمده فلما ضربه عشرا قال يا أبت قتلتني قال يا بني ذنبك قتلك فلما ضربه ثلاثين قال أحرقت والله قلبي قال يا بني النار أشد حرا فلما ضربه أربعين قال يا أبت دعني أذهب على وجهي قال يا بنى إذا أخذت حد الله من جنبك فاذهب حيث شئت فلما ضربه خمسين قال أنشدك بالقرآن لما خليتني قال يا بني هلا وعظك القرآن وزجرك عن معصية الله يا غلام اضرب فلما ضربه ستين قال يا أبي أغثني قال يا بني إن أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا فلما ضربه سبعين قال يا أبت اسقني شربة من ماء قال يا بني إن كان ربك ليطهرك فيسقيك محمد صلى الله عليه وسلم شربة لا تظمأ بعدها أبدا يا غلام اضرب فلما ضربه ثمانين قال يا أبت السلام عليك قال وعليك السلام إن رأيت محمدا صلى الله عليه وسلم فأقرأه مني السلام وقل له خلفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود يا غلام اضربه فلما ضربه تسعين انقطع كلامه وضعف فوثب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جانب فقالوا يا عمر انظر كم بقي فأخره إلى وقت آخر فقال كما لا تؤخر المعصية لا تؤخر العقوبة وأتى الصريخ إلى أمه فجاءت باكية صارخة وقالت يا عمر أحج بكل سوط حجة ماشية، وأتصدق بكذا وكذا درهما قال إن الحج والصدقة لا تنوب من الحد يا غلام أتم الحد فلما كان آخر سوط سقط الغلام ميتا فقال عمر يا بني محص الله عنك الخطايا وجعل رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول بأبي من قتله الحق بأبي من مات عند انقضاء الحد بأبي من لم يرحمه أبوه وأقاربه فنظر الناس إليه فإذا هو قد فارق الدنيا فلم ير يوما أعظم منه وضج الناس بالبكاء والنحيب فلما كان بعد أربعين يوما أقبل عليه حذيفة بن اليمان صبيحة يوم الجمعة فقال: إني أخذت وردي من الليل فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وإذا الفتى معه وعليه حلتان خضراوتان ف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأ عمر مني السلام وقل له هكذا أمرك الله أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود وقال الغلام يا حذيفة أقرئ أبي مني السلام وقل طهرك الله كما طهرتني والسلام الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الجورقاني - المصدر: الأباطيل والمناكير - الصفحة أو الرقم: ٢/ ٢٢٩ خلاصة حكم المحدث: باطل موضوع ? - --