٧٢٩- ( خ م ت س ) محمد بن شهاب الزُّهريُّ عن عُرْوةَ بن الزبير ،وسعيد بن المسيب ، وعَلْقمَةَ بنِ وقَّاصٍ الليثيِّ ، وعُبَيدِ اللّهِ بن عبدِ اللّهِ بن عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ : عن حديثِ عائشةَ- زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم ورضي اللّه عنها - حين قال لها أهل الإِفْكِ ما قالوا ، فبرَّأهَا اللّهُ مما قالُوا ، قال الزُّهريُّ : وكُلُّهُمْ حدثني طائفة من حديثها ،وبعضُهم كان أوعى له من بعضٍ ، وأَثْبَتَهمْ له اقتصاصا ،وقد وَعيْتُ عن كلِّ واحدٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني عن عائشة ، وبعضُ حديثهم يُصَدِّقُ بعْضا ، قالوا : قالت : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَرادا أَنْ يَخْرُجَ سفرا ، أَقْرَعَ بيْنَ أَزْواجِهِ ، فأيَّتُهُنَّ خرجَ سَهْمُهَا ، خرجَ بها معَهُ ،قالت: فأقْرَعَ بيْنَنَا في غَزاةٍ غَزَاها ، فخرجَ فيها سهْمي ، فخرجتُ معه - بعدَ ما أُنزِلَ الحِجابُ - وأَنا أُحْمَلُ في هوْدَجي وأُنْزَلُ فيه ، فسِرْنا حتى إذا فرغ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم من غزْوِتهِ تلكَ ، وقفلَ ، ودنونا من المدينة ، آذَن ليلة بالرَّحيل فقُمتُ حين آذَنُوا بالرحيل ، فمشَيتُ حتى جاوزتُ الجيش ، فلَمَّا قَضَيْتُ من شَأني ، أَقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ فَلمَسْتَ صَدْري ، فإذا عِقْدٌ ليِ من جَزْع أَظْفَارٍ. وفي رواية : جَزع ظَفارٍ قد انقطعَ ، فرجعتُ ، فالتمستُ عِقْدي ، فحبَسني اْبْتِغاؤُهُ ، وأَقْبَلَ الرهطُ الذين كانوا يَرْحَلونَ لي ، فاحْتَمُلوا هوْدَجِي فرحلوه على بعيري الذي كُنْتُ أَرْكَبُ ، وهم يَحْسِبُونَ أَنِّي فيه ،وكان النساءُ إِذْ ذاكَ خِفافا لم يثْقُلْنَ - ومنهم مَن قال : لم يُهَبَّلْنَ - ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ وإنَّما يأْكلن العُلْقة من الطعام ، فلم يسْتَنْكِرِ القومُ حين رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهوْدَجِ ، ومنهم من قال : خِفَّةَ الهودج - فحملوُه ،وكنتُ جارية حديثَةَ السِّنِّ ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدتُ عِقْدِي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ ، فجئتُ منزلَهم وليس فيه أحد - ومنهم من قال : فجئتُ منازلهم وليس بها منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ - فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه ، وظَنَنْتُ أَنهم سَيفْقِدُوني فيرجعون إِليَّ ، فَبيْنا أَنا جالِسةٌ غلبَتْني عيْنايَ فنِمْتُ ، وكان صَفْوانُ بنُ المُعطِّلِ السُّلَمِيُّ ، ثم الذَّكْوَانِيُّ : عَرَّسَ من وراء الجيش ، فادَّلَجَ فأصبح عند منزلي ، فرأى سوادَ إِنسانٍِ نائمٍ ،فأتاني فَعَرفني حين رآني - وكان يراني قبل الحجابِ - فاسْتيْقَظْتُ باسترجاعه حين عرَفني ، فخمَّرْتُ وْجهي بِجِلْبابي ، واللّه ما كلَّمَني بكلمةٍ ،ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعه، وهَوَى حتى أَناخَ راحلتَهُ ، فَوطِئَ على يَدَيْهَا فركِبْتُها ، فانْطلق يقُودُ بي الراحلةَ ، حتى أتيْنا الجيش ، بعْد ما نَزلوا مُعرِّسين - وفي رواية مُوغِرِين في نَحْرِ الظهيرة - قال أَحدُ رُواتِهِ : والْوَغْرَةُ : شِدَّةُ الحر - قالت : فهَلَك مَنْ هَلك في شأني ، وكان الذي تَولَّى كبْرَ الإفكِ : عبدُ اللّه بن أُبَيِّ بن سلُولٍ ، فقدِمنا المدينةَ ، فاشتكيتُ بها شَهْرا ، والناسُ يُفِيِضُونُ في قولِ أَصحاب الإفْكِ ولا أشْعُرُ ، وهو يَريبُني في وجَعي: أَنِّي لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدُخلُ فيُسلِّمُ ، ثم يقولُ : كيْف تِيْكُمْ ؟ ثم ينصرف ، فذلك الذي يَرِيبُني منه ، ولا أَشْعُرُ بالشَّرِّ حتى نقهْتُ ، فخرجتُ أَنا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبلَ المَنَاصِع، وهي مُتَبَرَّزُنا ،وكُنَّا لا نخرج إلا ليلا إلى لَيْلٍ ، وذلك قبلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُف قريبا من بُيُوتنا ، وأمْرُنا أَمْرُ العربِ الأُوَلِ في التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغائط ، وكنا نتأذَّى بالكُنُفِ أنْ نَّتخذَها عند بيوتِنا ، فأقْبَلتُ أَنا وأْمُّ مِسطَحٍ - وهي ابنةُ أبي رُهُم بن عبد المطلب بن عبد مناف ، وأُمُّها بنْتُ صَخْر بن عامِرٍ، خالةُ أبي بكر الصِّدِّيق ، رضي الله عنه وابْنُها : مِسطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بن عَبَّادِ بن المطلب - حين فَرغْنا من شأننا نَمشي ، فعثَرتْ أُمُّ مِسطَح في مِرْطِها ، فقالت : تعِسَ مِسطَحٌ ،فقُلْت لها : بئْسما قُلْتِ ، أَتسبُيِّينَ رجُلا ، شَهِدَ بْدرا ؟ فقالت: يا هَنْتاهْ ألمْ تَسْمَعي ما قال ؟ قلتُ : وما قال : ؟ فأَخْبَرَتْني بقولِ أهلِ الإفْكِ، فازْدَدْتُ مرضا إلى مَرضي ، فلمَّا رجعتُ إلى بيتي ، دخل رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم ، فسلَّم ، وقال : كيف تيكُم؟ فقلت : ائْذَنْ لي إلى أبَوَيَّ ، قالت : وأنا حينئذ أُريدُ أنُ أسْتَيقِنَ الخبرَ من قِبَلهمِا، فأذنَ لي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فأتيتُ أبويَّ ، فقلت لأُمِّي : يا أُمَّتاه ، ماذا يتحدَّثُ الناسُ به ؟ فقالت : يا بُنيَّةُ ، هوِّني علي نَفِسكِ الشَّأْنَ ، فواللّه لَقلَّمَا كانتِ امْرأَةٌ قَطُّ وَضِيْئةٌ عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضَرَائرُ إلا أَكثْرنَ عليها ، فقلتُ : سبحان اللّه ! ولقد تَحدثَ النَّاسُ بهذا ؟ قالت : فبكيتُ تلكَ الليلة ، حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمْعٌ ولا أكتحِلُ بنوْمٍ ، ثمَّ أَصبحتُ أَبكي ، فدعا رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ ، وأُسامةَ بْنَ زيدٍ ، حين اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ ، يسْتَشيِرُهما في فراقِ أْهلهِ ، قالتْ : فأما أُسامةُ فأشارَ عليه بما يعلمُ من براءةِ أهله ، وبالذي يعلم في نفسه من الوُدِّ لهم ، فقال أُسامةُ : هم أهلُكَ يا رسولَ اللّه ، ولا نعلم ُ واللّهِ إِلا خيرا. وأَما عليّ بن أبي طالبٍ فقال : يا رسولَ اللّه ، لم يُضَيِّق اللّهُ عليك والنساءُ سواها كثير ، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ ، قالت: فدعا رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم بريرةَ ، فقال : أيْ بَريِرَةُ ، هلْ رأيتِ فيها شيئا يَريِبُكِ ؟ قالت له بريرةُ : لا والذي بعثَك بالحقِّ ، إنْ رأَيتُ منها أمرا أَغْمِصُهُ عليها أكْثرَ منْ أنَّها جاريَةٌ حدِيثَةُ السِّنِّ، تنامُ عن عجينِ أهْلِها ، فيأتي الدَّاجِنُ فيأكله قالت : فقام رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم من يومِهِ فاستعذرَ من عبد اللّه بن أُبيِّ بن سلولٍ ، فقال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر:مَنْ يَعْذِرُني من رجلٍ بَلغني أذاه في أَهلي ؟ - ومن الرُّواةِ من قال : في أهل بيتي - فو اللّهِ ما علمتُ على أَهلي إلا خيرا ،ولقد ذَكرُوا رَجُلا ما علمتُ عليه إلا خيرا ، وما كان يدَخُلُ على أهلي إلا معي ، قالت : فقام سعدُ بنُ مُعاذٍ أحدُ بني عبدِ الأشهلِ ، فقال: يا رسولَ اللّه ، أَنا واللّهِ أعْذِرُك منه ، إنْ كان من الأوْس ضربنا عُنُقَهُ ، وإن كان مِن إخواننا من الخَزْرَج أمرْتَنَا ففعلنا فيه أمْرَكَ ، فقام سعدُ بنُ عُبادة -وهو سيد الخزرج - ،وكانت أُمُّ حسانٍ بنتَ عَمِّهِ من فَخِذِهِ وكان قبل ذلك رُجلا صالحا، ولكن احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ - وَمِنَ الرواةِ مَنْ قال : اجْتَهلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فقال لسعد بن معاذٍ : كذبتَ ، لَعمْرُ اللّه لا تقتُلُه ، ولا تقْدِر على ذلك ، فقام أُسيْد بن حُضَيْرٍ - وهو ابن عَمِّ سعْدٍ ، يعني ابن معاذٍ - فقال لسعد بن عُبادة : كَذبتَ ، لعمر اللّه لَنَقْتُلَنَّهُ ،فإِنَّك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين ، فتثاوَر الحيَّانِ الأوسُ والخزرجُ حتى هَمُّوا أنْ يقْتتِلُوا - ورسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر - فلم يَزَلْ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يُخفِّضُهمْ حتَّى سَكتُوا وسكتَ ، وبَكَيْتُ يومي ذلك ، لا يرْقَأُ لي دَمْعٌ ، ولا أَكْتحِل بنوْمٍ ، ثم بكَيْتُ ليلتي المقبلة ، لا يرقأ لي دَمْعٌ ، ولا أَكْتحِل بنوْمٍ ، فأصبحَ عِندي أبواي ، وقد بكَيْتُ ليْلتَينْ ويوما ، حتى أُظنُّ أَنَّ البكاءَ فَالِقٌ كبِدي - ومن الرُّواةِ من قال : وأبوايَ يظُنَّانِ أنَّ البكاء فالقٌ كبدي- قالت : فبينما هما جالسان عندي ، وأنا أبكي ، إذ اسْتَأْذنتِْ امرأَةٌ من الأنصار ، فأذِنتُ لها ، فجلستْ تبكي معني ، فبيْنا نحن كذلك ، إذْ دخل علينا رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم ، فسلَّم ، ثم جلسَ ، قالت : ولم يجْلِسْ عندي من يوم قيل لي ما قيلَ قبْلَها ، وقد مكثَ شهرا لا يُوحَي إليه في شأني بشيء ، قالت : فتَشهَّدَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال : أما بعدُ ، يا عائشةُ ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كُنتِ بريئة فسيُبَرِّئكِ اللّه ، وإن كُنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ فاسْتغْفري اللّه ، وتُوبي إليه ، فإِنَّ العبدَ إذا اعترف بذنبه ، ثم تابَ تاب اللّه عليه.فلما قضى رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم مقالتَهُ قَلَصَ دَمْعِي، حتَّى ما أُحِسُّ منه قطْرَة، فقلتُ لأبي : أجِبْ عَنِّي رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم فيما قالَ : قالَ:واللّه ما أدْري ما أقُولُ لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم ،فقُلْتُ لأُمِّي : أَجيبي عني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه ، قالت:وأَنا جاريةٌ حديثَةُ السِّنِّ، لا أَقْرأُ كثيرا من القرآن ، فقلتُ:إِني واللّه،لقد علمتُ أنَّكُم سمعُتمْ ما تَحدَّثَ به الناسُ ، حتى استقَرَّ في أنفسكم،وصدَّقْتُم به ، ولِئنْ قلْتُ لكم: إني بريئة.واللَّهُ يعلم أني لبريئَةٌ لا تُصدِّقوني بذلك ، ولئن اعْترفتُ لكم بأمْرٍ.والله يعلم أني بريئة- لتُصدِّقُنِّي ، فو اللّه ما أَجدُ لي ولكم مثلا إلا أَبا يوسفَ إذا قال : { فصبْرٌ جميلٌ،واللّهُ الْمُستعانُ على ما تَصفُون } [يوسف: ١٨ ] ثم تحوَّلتُ ، فاضْطجعْتُ على فراشي ، وأنا واللّه حينئذٍ أعلم أني بريئةٌ ، وأَنَّ اللّه مُبَرِّئِي بِبَراءتي ،ولكن واللّه ما كنت أظُنُّ أنَّ اللّه يُنْزِل في شأني وحْيا يُتْلى،ولشَأني في نفسي كان أَحقَرَ من أنْ يتكلَّم اللّهُ فِيَّ بأَمْرٍ يُتْلى - ومن الرواة من قال:ولأنا أَحْقَرُ في نفسي منْ أن يتَكلَّمُ اللّهُ بالقرآن في أمري- ولكن كنتُ أرجُو أَنْ يَرَى رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم في النوم رُؤْيا يُبرِّئني اللّه بها،فو اللّه ما رام رسولُ اللّه مَجْلِسَهُ ،ولا خرج أحَدٌ من أهل البيت ، حتى أَنْزَلَ اللّه على نبيِّهِ، فأخذه ما كان يأخُذُه من البُرَحاء،حتى إِنَّهُ ليتَحَدَّرُ منه مثْلُ الْجُمانِ من العرَقِ في يومٍ شاتٍ من ثِقَل القولِ الذي أُنْزِلَ علي، قالت: فَسُرِّيَ عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو يضْحَكُ،وكان أَوَّل كلمَةٍ تكلَّم بها ، أَنْ قال لي : يا عائشةُ ، احْمَدِي اللّه - ومن الرواةِ من قال : أبْشِري يا عائشة ، أمَّا اللّه فقَدْ بَرَّأَكِ- فقالت لي أُمِّي : قُومِي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقُلْت : لا واللّه لا أقومُ إليه ، ولا أحْمَد إلا اللّه ، وهو الذي أنزلَ بَرَاءتي ، فأنزل اللّه عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ جاءُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ منكم } العَشْرَ الآيات ، [ النور : ١١ - ١٩ ] فلما أنزلَ اللّهُ هذا في بَراءتي ، قال أبو بكر الصديق : وكان ينُفِقُ على مِسْطحِ بن أُثَاثةَ - لقرابته منه وفَقْرهِ - واللّه لا أُنْفِقُ على مسطحٍ شيئا أَبدا ، بعد ما قال لعائشة ، فأَنزل اللّهُ : { وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ منكم والسَّعَةِ أن يُؤتوا أولي القُرْبى والمساكينَ والمهاجرينَ في سبيل اللّه ، ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ، ألا تحبُّون أن يغفر اللّه لكم ؟ واللّه غَفُورٌ رحيم } [ النور : ٢٢ ] فقال أبو بكر : بَلى واللّه إنِّي لأُحِبُّ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لي ،فرجعَ إلى مِسطَحٍ الذي كان يُجري عليه ،وقال : واللّهِ لا أَنْزِعُها منه أَبدا. قالت عائشة : وكان رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جحشٍ عنْ أمْرِي ، فقال : يا زينب ، مَا علمتِ ؟ ما رأَيتِ ؟ فقالت : يا رسولَ اللّهِ ، أَحْمِي سَمْعي وبصري ، واللّهِ ما عَلمتُ عليها إلا خيرا ، قالتْ عائشةُ : وهي التي كانت تُسامِيني من أزْواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَعَصمها اللّهُ بالورَعِ ، قالت عائشةُ : وطَفِقَتْ أختُها حَمْنَةُ تُحارب لها ، فَهلكَتْ فيمن هَلكَ من أصحاب الإفك. قال ابن شهاب : فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرَّهْطِ. ومن الرواة من زاد : قال عُرْوةُ : قالت عائشةُ : والله إِنَّ الرجُلَ الذي قيل له ما قيل ، ليقولُ : سُبحانَ اللّهِ ! فو الذي نفسي بيده ، ما كشفتُ مِنْ كَنَفٍ أُنْثى ، قالت : ثم قُتلَ بعد ذلك في سبيل اللّه. وفي رواية أُخرى عن عُرْوةَ عن عائشة قالت: لما ذُكِرَ من شأني الذي ذُكِرَ ، وما علمتُ به ، قام رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم خطيبا ، فتَشَهَّدَ ، فَحَمِدَ اللّه وأثْنَى عليه بما هُو أَهْلُه ، ثم قال: أما بعدُ ، فأَشِيرُوا علىَّ في أُناسٍ أبَنُوا أَهْلي ، وأيْمُ اللّه ، ما علمتُ على أهْلي من سوءٍ قط ، وأَبَنُوهُمْ بِمنْ واللّهِ ما عملتُ عليه من سوءٍ قطُّ ، ولا دَخَلَ بيْتَي قطُّ إلاّ وأَنا حاضِرٌ ، ولا غِبْتُ في سفَرٍ إلاغابَ مَعي ، فقام سعدُ بنُ معاذٍ ، فقال : إِئذَنْ لي يا رسولَ اللّه : أنْ نَضربَ أَعناقَهمْ وقام رجلٌ من بني الخزرج - وكانت أُمُّ حسانٍ من رَهْطِ ذلك الرجل - فقال : كذبتَ واللّه : أنْ لو كانُوا من الأوْسِ ما أحْببتَ أن تُضرَبَ أعناقُهم حتى كادَ يكُون بيْن الأوسِ والخزرج شرٌّ في المسجد ، وما علمتُ ، فلمَّا كان مساءُ ذلك اليومِ خرجتُ لبعضِ حاجتي ومعي أُمُّ مِسْطَحٍ ، فعَثَرت ، فقالتْ : تَعِسَ مِسطحٌ ، فقلتُ لها : أي أُمِّ ، أتَسُبِّينَ ابْنكِ ؟ فسكتتْ ، ثم عَثَرَت الثانية ، فقالتْ : تَعِسَ مِسطحٌ ، فقلتُ لها : أي أُمِّ ، أتَسُبِّينَ ابْنكِ ؟ فسكتتْ ، ثم عَثَرَت الثالثة ، فقالتْ : تَعِسَ مِسطحٌ ، فانْتَهرْتُها ، فقالت : واللّه ما أسُبُّهُ إلا فيك ، فقلتُ : في أيِّ شَأْني ؟ فذكرتْ - وفي رواية : فَبَقَرَتْ - لي الحديثَ ، فقلتُ : وقد كانَ هذا ؟ قالت: نعمْ ،واللّه ، فرجعْتُ إلى بيتي كأنَّ الذي خرجتُ له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ، وَوُعِكْتُ ، وقلتُ لرسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم : أرسلني إلى بيتِ أمي ، فأرسلَ معي الغلامَ ، فدخلتُ الدارَ ، فوجدْتُ أمَّ رُومانٍ في أَسفلِ البيتِ ، وأَبا بكرٍ فوقَ البيتِ يقرأ ، فقالت: أُمي : ما جاءَ بكِ يا بُنيَّةُ ؟ فأخبرتُها ، وذكرتُ لها الحديث. وإذا هو لم يَبْلُغْ منها مِثلَ ما بلغَ مني ، فقالت : أَيْ بُنيَّةُ ، خَفِّضِي عليكِ الشَّأْنَ ، فإنَّهُ واللّهِ لَقَلَّما كانت امرأةٌ حَسناءُ عند رجلٍ يُحبُّها لها ضَرائرُ ، إِلا حَسَدْنَها ، وقيلَ فيها ، قلت : وقد علمَ به أبي ؟ قالت : نعم ، قلت : ورسُولُ اللّه ؟ قالت: نعم ، ورسولُ اللّهِ ، فَاسْتَعْبَرْتُ وبَكَيت ، فسمعَ أبو بكرٍ صَوْتي وهو فوق البيت يقرأُ فنزل. فقال لأُمي : ما شأْْنُها ؟ فقالت : بَلَغها الذي ذُكِرَ في شأْنِها ، فَفاضت عيناهُ ،وقال : أَقْسمتُ عليك يا بُنَيَّةُ إِلا رجعْتِ إِلى بَيتكِ فَرَجعت ، ولقدْ جاءَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم بيتي ، فسألَ عني خادمي ؟ فقالت: لا واللّهِ ، ما علمتُ عليها عيبا ، إلا أنَّها كانت تَرْقُدُ ، حتى تدخلَ الشَّاةُ فتأْكلَ خُبْزَها أو عَجينها - وفي رواية : عجينها أو خَمِيرَها - شكَّ هشام. فانْتَهَزها بعضُ أَصحابه ، فقال : اصْدُقي رسولَ اللَّه ، حتى أسْقَطُوا لها بِهِ ، فقالت: سبْحانَ اللّه ! واللّه ما علمتُ عليها إلا ما يعلمُ الصائغ على تِبْرِ الذهب الأحمر وبلغ الأمرُ ذلك الرجلَ الذي قيل له ، فقال : سُبحانَ اللَّه ! واللّهِ ما كشفتُ كَنفَ أُنثي قط ، قالت عائشةُ : فقُتلَ شهيدا في سبيل اللّهِ ، قالت : وأصْبحَ أَبوايَ عِندي ، فلم يزالا ، حتى دخلَ عليَّ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وقد صلَّى العصر ثم دخلَ ، وقد اكْتَنَفَني أَبواي عن يميني وعن شمالي ، فحمد اللّه وأثْنى عليه ثم قال : أمَّا بعدُ ، يا عائشةُ إنْ كُنْتِ قارْفتِ سُوءا أَو ظَلمْتِ ، فتُوبي إلى اللّه ، فإِنَّ اللّهَ يقْبلُ التَّوبة عن عبادة ، قالت : وقد جاءت امرأَةٌ من الأَنصارِ ، فهي جالسةٌ بالبابِ ، فقلتُ : أَلا تسْتحيي من هذه المرأةِ : أَنْ تذكُرَ شيئا ؟ قالت : فوعَظَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم ، فالتفَتُّ إلَى أَبي ، فقلتُ : أجِبْهُ ، قال : فماذا أَقُولُ ؟ فالْتفتُّ إلى أُمِّي فقلتُ : أَجِيبيِه ،فقالت : أَقولُ ماذا ؟ فلمَّا لم يُجيباهُ تشهَّدْتُ ، فحمِدتُ اللّه ، أثْنَيْتُ عليه بما هو أهُله ، ثم قُلْتُ : أَما بعد قو اللّه ، لَئِنْ قُلْتُ لكم : إِني لم أُفْعلْ -واللَّهُ يعْلَم إني لصادقةٌ - ما ذاك بنافِعي عندكم ، لقد تكلَّمتُمْ به ، وأُشْرِبتْهُ قُلُوبُكم ، وإنْ قُلْتُ : إني قد فعلت - واللّهُ يعْلُم أنِّي لم أفعلْ - لتَقُولُنَّ : قد باءتْ به نفسها ، وإِني -واللّه- ما أَجد لي ولكم مثلا ، والْتمسْتُ اسم يعقُوب ، فلم أَقْدرْ عليه - إلا أَبا يُوسُف ، حين قال : {فصبْرٌ جميلٌ ،واللّهُ الْمُستعانُ على ما تَصفُون } وأنزل على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منْ ساعتِه ، فسكتْنا، فرُفعَ عنه ، وإِني لأََتبيَّنُ السُّرور في وجْهه ، وهُو يمْسحُ جَبينَهُ ويقول : أَبشري يا عائشة ، فقد أنزل اللّه براءتك ، قالت : وكُنْت أَشَدَّ ما كُنتُ غضبا ، فقال : لي أبوايَ : قُومي إليه ، فقُلت : واللّه لا أَقوم إليه ، ولا أحْمَدُهُ ، ولا أَحْمدكما ، ولكن أحْمدُ اللّه الذي أنْزلَ بَراءتي ولقد سَمِعْتُمُوهُ فما أنْكرْتُموهُ ولا غيَّرْتُموهُ ،وكانت عائشة تقول : أمَّا زينبُ بنتُ جحْشٍ : فعَصَمها اللّهُ بدينها فلم تقُلْ إِلاّ خيْرا ، وأَما أخْتُها حَمْنةُ : فهلَكتْ فيمن هَلك ، وكان الذي يتكلمُ فيه : مِسْطحٌ ، وحسَّانُ بن ثابتٍ ، والمنافقُ : عبدُ اللّه بْن أُبَيّ بْنَ سَلُول ، وهو الذي كان يسْتوْشِيهِ ويجْمعُهُ ، وهو الذي تولَّى كِبْرَهُ منهم هو وحَمْنَةُ ، قالت : فحلَفَ أبو بكرٍ أَلاّ ينْفعَ مسْطحا بنافعةٍ أبدا ، فأنزل اللّه عز وجل { وَلاَ يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ منكم والسَّعَةِ... } إلى آخر الآية ، يعني أبا بكرٍ { أن يُؤتوا أولي القُرْبي والمساكينَ } يعني مِسْطحا ، إلى قوله : { ألا تحبُّون أن يغفر اللّه لكم ؟ واللّه غَفُورٌ رحيم } فقال أبو بكر : بلى يا رَّبنا ، إِنا لنُحبُّ أنْ تغفِر لنا، وعادَ له بما كان يصْنعُ. وفي رواية : أن عائشةَ لمَّا أُخْبِرتْ بالأمر قالت : يا رسول اللّه ، أَتأذنُ لي أنْ أنطَلقَ إلى أهْلي ؟ فأذِن لها ، وأرسل معها الغلامَ ، وقال رُجلٌ من الأنصار : { سبحانك ! ما يكون لنا أن نتَكلَّمَ بهذا سُبحانك ! هذا بُهتانٌ عظيم } لمْ يَزِد على هذا. هذه رواية البخاري ، ومسلم. وعند البخاري قال : قال الزهري : كان حديثُ الإفكِ في غزوةِ المُرَيْسِيعِ ، ذكره البخاري في غزوة بني المُصْطَلِق من خُزاعَةَ ، قال : وهي غزوَةِ المُرَيْسِيعِ ، قال ابن إسحاق:وذلك سنة ستٍ ، وقال موسى بنُ عُقْبة : سنَة أربعٍ ، إلى هنا ما حكاه البخاري. وأخرج البخاري من حديث الزُّهري قال : قال لي الوليدُ بن عبد الملك : أبَلَغَكَ أنَّ عليَّا كان فيمن قَذَف عائشة ؟ قُلتُ : لا ، ولكن قد أخبرني رُجلان من قومِك : - أبو سلمةَ بن عبد الرحمن ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - أنَّ عائشة قالت لهما : كان عليٌّ مُسَلِّما في شأنِها. وأخرج البخاري أيضا من حديث الزهري عن عروة بن عائشة { والذي تولَّى كِبْرَهُ منهم} : عبد اللّه بن أُبيّ. زاد في رواية : قال عُروة : أُخبرتُ أنه كان يُشاعُ ، ويتُحدَّثُ به عندَه ، فيُقِرُّه ويُشيعُهُ ويَسْتوشِيهِ ، قال عروةُ : لم يُسمَّ من أهْلِ الإفك أيضا إلاّْ حسَّانُ بن ثابتٍ ،مِسْطحُ ابنُ أُثاثة،حَمْنةُ بنُ جحش ، في ناسٍ آخرين ، لا عِلْم لي بهم ، غير أَنهم عُصْبةٌ ، كما قال اللّه تعالى، قال عروةُ : وكانت عائشةُ تكره أَنْ يُسبَّ عِندها حَسّانُ ، وتقول : إنه الذي قال: فإنَّ أبي ووَالِدَهُ وعِرْضي لعِرْضِ محمدٍ منكم وِقاءٌُ وفي رواية لهما : قال مسروق بن الأجْدع : دخلتُ على عائشة ، عندها حسانُ يُنْشِدُها شعرا ، يُشبِّبُ من أبياتٍ ، فقال:حَصانٌ رَزانٌ ، ما تُزَنُّ برِيبةٍ وتُصِبحُ غَرْثَى من لُحُوم الغوافلِ ، فقالت له عائشة : لكِنَّك لست كذلك ، قال مسروق : فقلت لها : أتأذنين له أن يدُخل عليك ؟ وقد قال اللّه تعالي : { والذي تولَّى كِبْرَهُ منهم له عذابٌ عظيمٌ } ؟ قالت:وأَيُّ عذابٍ أَشدُّ من العمى ؟ وقالت : إنه كان يُنافحُ - أو يُهاجِي - عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأخرج الترمذي الرواية الثانية من الروايتين الطويلتين عن عروة عن عائشة بطولها ، وقال : وقد رواه يونس بن يزيد ، ومعمرٌ ، وغيرُ واحد عن الزهري عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ،وعلقمة بنِ وَقَّاص الليثيِّ ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه - عن عائشة أَطولَ من حديث هشام بن عروة وأتمَّ ، يعني بذلك : الرواية الأولى بطولها. وأخرجه النسائي من الرواية الأولى إلى قوله : «فلم يستنكِرِ القومُ خِفَّةَ الهوْدج حين رفَعوهُ وحملوهُ ، وكنت جارية حديثةَ الِّسنِّ» ، ثم قال : وذكر الحديث ، ولم يذكر لفظه. وأخرج أبو داود منه طرفين يسيرين: أحدهما : عن ابن شهاب قال : أَخبرني عروةُ بن الزبير ، وسعيد بن المسيب،وعلقمة بن ،وقَّاصٍ الليثي ، وعبيد اللّه بن عبد اللّه ، عن حديث عائشة ، وكُلٌّ حدَّثني طائفة من الحديث «قالت : ولشَأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلَّم اللّه- فيَّ بأمْرٍِ يُتْلى» . والطرف الآخر : أخرجه في باب الأدب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أبْشِري يا عائشة ، فإن اللَّه -عزَّ وجلَّ- قدْ أنزلَ عُذْرَكِ ، وقرأ عليها القرآنَ ، فقال أبوايَ : قُومي فقَبِّلي رأسَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ : أَحْمَدُ اللّه ، لا إِيَّاكُما» . وحيث اقْتَصَر على هذين الطرَفين اليسيرين ، لم أُثْبِتْ علامته مع الجماعة ، ونبَّهْتُ بِذِكْرِ هِما ها هنا ؛ لِئَلا يُخِلَّ بِهِما.