يا إبراهيم هذا كافر وكلامي معك ومخاطبتي لك، لا أعرف هذا أخبرني: من الذي أمر النطفة أن تسببت من غشاء قرقر اليافوخ وعروق الدماغ وأطراف الشعر وخلصها من شراسيف الصدر، ونياط حجاب القلب فتسببت وانسكبت في تابوت حقو أبيك ثم عادت من بعد الحمرة إلى البياض، ومن ألهم أباك الشهوة فأمر الجوارح بالحركة حتى أفضى الفرج إلى الفرج فصرت نطفة في قرار مكين إلى قدر معلوم وجعل النطفة علقة وجعل العلقة مضغة وجعل المضغة عظاما رقيقا ثم كسا العظم لحما ثم أنشأك خلقا آخر؟ قال: الله تعالى. قال فأخبرني من جعل الهامة فراخا؟ ومن الذي جعل نباتها الشعر يشرب من ماء الدماغ؟ قال: الله تعالى. قال أخبرني من الذي فتح صحن الجبين وركب العرنين وخلق العينين فأسكنهما جوهرتين وزينهما بالحاجبين وجعل الأذنين على الصدغين وزين الفم بالشفتين وقدر اللسان في مقدم اللحيين؟ قال: الله تعالى. قال فأخبرني من عدل منكبيك فشدهما بالعضدين وزينهما باليدين وركب الكفين وجعل الساقين اسطوانتين وركب تحتهما قدمين؟ قال: الله تعالى. قال: فأخبرني من الذي حبس عن أمك الحيض في أيام الحمل غذاء لك وتقوية لجسمك، فلما كملت صورتك وانقضت أيامك وحان وقت خروجك إلى الدنيا ناداك من فوق عرشه جلت عظمته - اخرج واعرف قدري فإني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني فخرجت من ظلمة الأحشاء إلى دار الدنيا وأنت ضعيف مهين ليس لك رجلان تسعى عليهما ولا يدان تتحرك بهما ولا لسان يتكلم ولا سن يقلع ولا ضرس يطحن، ولا أذن تسمع ولا عقل يفهم، فأجرى لك من ثلاث مئة وستين عرقا عرقين دقيقين لبنا عذبا صافيا زلالا باردا في الصيف، حارا في الشتاء جعله لك غذاء وحنن عليك أبوين شفيقين رفيقين فهما لا يأكلان حتى يطعماك ولا يشربان حتى يسقياك ولا ينامان حتى ينوماك، كل ذلك رأفة ممن خلقك فسواك، فلما ترعرعت ونشأت كافأته بالمعاصي وجحدت ربوبيته فأمسك النظام والمتكلم ولم يحريا جوابا وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال: يا عليان، هل من حاجة فأقضيها؟ قال: نعم أريد أن تنسئ في أجلي وتتجاوز على مساوئي وتغفر لي خطيئتي، فبكى المأمون وقال: يا عليان ليس هذا إلي أنا لا أقدر أن استخلصه لنفسي فكيف استخلصه لك؟ قال عليان: يا أمير المؤمنين إن الله ﵎ لم يجعل أحدا فوقك في عصرنا فيجب عليك ألا يكون أحد أطوع لله منك. فقال له: عظنا يرحمك الله. قال يا أمير المؤمنين إن الذي أكرمك بما أكرمك به، يجب أن تحب له ما أحب، وتبغض له ما أبغض، فوالله لقد أحب دارا أبغضتها وأبغض دارا أحببتها كأنما أردت خلاف ربك أو أردت سواه؟ فاعلم يا أمير المؤمنين أن الذي في يديك لو بقي على من كان قبلك إذا لما صار إليك، وهكذا هو صائر إلى من بعدك فاتق الله في خلافتك واحفظ محمدا ﷺ في أمتك، قال: فبكى المأمون، ثم أمر أن يحشى فمه درا وياقوتا، فقال له أعفني يا أمير المؤمنين فأعفاه، ثم خرج من عنده فقيل له: لم لم تقبل جوائز أمير المؤمنين؟ قال: خشيت أن أمنع جوائز رب العالمين. ثم ولى وهو يقول: كم ملوك عن الديار تفانوا … وخلت منهم هناك البيوت فسل الربع والمنازل عنهم … هل تنبيك عنهم أم سكوت حب من شئت فهو بالموت فان … غير أني أحببت من لا يموت * * * * وقرأت على الشيخ الصالح أبي محمد أحمد بن علي بن الحسن الإمام، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد حدثنا أبو جعفر محمد بن يوسف بن حمدان، حدثنا أبو علي الحسن بن يزيد الرقاق، حدثنا عبد الله بن جعفر ابن أحمد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثني الفتح بن شخرف قال: كتب جعفر المتوكل إلى عامل البصرة قد بلغني أن بالبصرة مجنونا معه حكمة إذا تكلم قال صوابا فإذا ورد كتابي إليك فوجه به إليه وتلطف له في الكلام فلما ورد الكتاب حمله على البريد فلما صار إلى باب الخلافة قال له الحجاب: سلم على الخليفة سلام الخلفاء [قال] ما أدري أي شيء تقولون ولا بد من السلام عليه والنصيحة له، فدعاه المتوكل في محافل العلماء والفقهاء وأهل الشرف، فلما دخل عليه، قال له أنت المتوكل؟ قال نعم قال لم سميت نفسك متوكلا؟ ولم تسم نفسك متواضعا، السلام عليك يا من قد شرب بكأس التجبر والكبرياء السلام عليك يا من قد اتكأ على نمارق البلاء السلام عليك يا من قد استوى على أسرة العناء، السلام عليك يا من قد تقمص بقميص الخيانة السلام عليك يا من قد اشتمل بمشامل سقوط العناية السلام عليك يا من قد أغضب عليه في وقت خلوته صاحب الستر والكفاية كأني بك وقد أتاك حاصد فظ غليظ، فجذبك من سرر بهائك، وأخرجك من مقاصير فساحة ملكك ولم يستأمر عليك حاجبا ولا بوابا قهرمانا حتى يقدمك إلى ضيق اللحد فيسكنك الخراب والجبان، ويفارقك الأهل والولدان، فوالله لو نظرت في صحيفة بطالتك لقصرت يا من قد اجترأ بظلمه على الصغار اليتامى، وبجوره على فنون البلايا، غدا تقف تحت ستر المتجبر الجبار فيدعوك لدقيق المسألة وتعنيف التوبيخ فإن كانت خيانة أوقفت على متن صراط دقيق وأخذ عليك فجاج المضيق، وقرأت بالتحقيق، وذكر الحديث بطوله اختصرناه، لأنه ليس من الوعظ وإنما هو في مسائل سألوه فيها، وقد ذكرناه بطوله في مكان. أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الغساني المصري بها قراءة عليه، حدثنا أبي حدثنا أحمد بن مروان القاضي المالكي حدثنا أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم غير أحمد ابن المعذل فقال المتوكل لعبيد الله إن هذا الرجل لا يرى بيعتنا، فقال له بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوء فقال أحمد بن المعذل: يا أمير المؤمنين، ما في بصري سوء ولكن نزهتك من عذاب الله قال النبي ﷺ، من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار، قال: فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. قرأت على القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي، وعلى أبي القاسم منصور بن النعمان بن منصور الصيمري، وعلى أبي الحسن يحيى بن فرج الصيرفي بالفسطاط، قلت لكل واحد منهم على الانفراد: أخبركم أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب وأقر به، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن دريد، حدثنا أبو حاتم حدثنا محمد بن سلام، حدثنا بكار بن محمد بن واسع قال مر عمرو بن عبيد بالمربد وسليمان بن علي الهاشمي مشرف، وكان أمير البصرة فأمر بإدخاله واستجلسه وقال له: يا أبا عثمان إنا كنا وليس عندنا مما ترى شيئا فجاء الله به فوصلنا الأرحام وأعتقنا الرقاب وسقينا المياه، فقال عمرو: إن مما من الله به على الأمير أنه يعلم أنه ليس له أن يأخذ درهما إلا من حله، ولا يضعه إلا في حقه، فقال سليمان: نحن أحسن بالله ظنا منك، فقلت في نفسي لا أدعه وإياها فقلت: ما كان أحد أحسن ظنا بالله من محمد ﷺ، وقد لقي الله تعالى وما يطالبه أحد بمظلمة. أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد النوكي أخبرنا أبو محمد الحسن بن عثمان بن بكران العطار أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي أخبرنا إبراهيم بن نصر المنصوري حدثني إبراهيم بن بشار الصوفي قال: كنت يوما من الأيام مارا مع إبراهيم بن أدهم في صحراء إذ أتينا على قبر مسنم، فرحم عليه وبكى، فقلت قبر من هذا؟ فقال هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدينة كلها كان غارقا في بحار الدنيا، فأخرجه الله ﷿ منها، واستنفذه، ولقد بلغني [أنه] سر ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته، قال ثم نام في مجلسه هذا مع من يخصه من أهله فرأى رجلا واقفا على رأسه بيده كتاب فناوله، ففتحه، فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب: «لا تؤثرن فانيا على باق، ولا تغترن بملكك وقدرك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هلك، وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان يوثق فيه بغد، فسارع إلى أمر الله ﷿ فإن الله تعالى قال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾، قال فانتبه فزعا وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة فخرج من ملكه لا يعلم به وقصد هذا الجبل فتعبد فيه»، فلما بلغني قصته وحدثت بأمره قصدته فسألته، فحدثني ببدء أمره وحدثته ببدء أمري، فما زلت أقصده حتى مات، ودفن ههنا، هذا قبره رحمة الله عليه. فوقع لنا ذكر بدء أمر إبراهيم بن أدهم وكيف كان سبب زهده: أخبرنا به الشيخ الصالح أبو بكر محمد بن علي بن محمد المقرئ أخبرنا أبو بكر علي بن محمد بن عبد الله بن الحذاء المقرئ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي أنه سنة اثنتين وستين وثلاث مئة قال سمعت أبا العباس محمد ابن إسحاق السراج يقول سمعت إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم يقول: قلت لإبراهيم بن أدهم يا أبا إسحاق: كيف كان أوائل أمرك وخروجك من خرا سان إلى بلاد الرمال؟ قال فقال لي أنت إلى غير هذا أحوج من ذا، فكررت عليه وقلت لعل الله ينفعني أو كما قال، فقال لي إبراهيم كان أبي من ملوك خراسان وكنت امرأ مولعا بالصيد، قال فركبت فرسا لي يوما وخرجت إلى الصحراء، فرأيت أرنبا فركضت فرسا خلفه،