أنا في غنى عنه ما كنت لأبيع ديني بعرض الدنيا كلها. وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في ذلك (¬١٦). قرأت على القاضي أبي عبد الله بن سلامة بن جعفر القضاعي (¬١٧) وعلى أبي القاسم منصور بن النعمان الصيمري جميعا بالفسطاط قال (¬١٨) أخبرنا أبو نصر دريد قال حدثنا الحسن بن خضر عن أبيه قال أخبرني بعض الهاشميين قال كنت جالسا عند المنصور بأرمينية في مجلس المظالم وهو أميرها لأخيه أبي العباس فدخل عليه رجل فقال إن لي مظلمة وأنا أسألك أن تسمع مني مثلا أضربه قبل أن أذكر مظلمتي قال قل لي، قال: إني وجدت الله ﵎ خلق الخلق على طبقات فالصبي إذا خرج إلى الدنيا لا يعرف إلا أمه ولا يطلب غيرها فإن فزع من شيء لجأ إليها ثم يرتفع من ذلك فيعلم أن أباه أعز من أمه فإن أفزعه شيء لجأ إليه، ثم يبلغ ويستحكم فإن أفزعه شيء لجأ إلى سلطانه، فإن ظلمه ظالم انتصر به، فإذا ظلمه السلطان التجأ إلى ربه واستنصره، وإني كنت في هذه الطبقات، وقد ظلمني ابن نهيك في ضيعة لي في ولايته فإن نصرتني عليه وأخذت لي مظلمتي، وإلا استنصرت الله. فانظر لنفسك أيها الأمير، فتضاءل أبو جعفر فقال: أعد علي الكلام، فأعاده فقال: أما أول شيء فقد عزلت ابن نهيك عن عمله، وأمر برد ضيعته. قرأت على أبي منصور علي بن الحسن الكاتب الأديب. أخبرنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدثني الزبير بن بكار، قال: حدثنا علي بن عبد الله المديني قال: دخل صالح بن عبد الجليل وكان ناسكا مفوها على المهدي فسأله أن يأذن له في الكلام فقال: تكلم، قال يا أمير المؤمنين إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام المؤدي عنهم، وعن رسول الله ﷺ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي لانقطاع عذر الكتمان في البينة ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحق على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ليتم مؤدينا على موعد الأداء عنهم، وقابلنا من موعد القبول (¬١) أو يردنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدي إليه علم فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله إليه وقصر بها، فاقبل يا أمير المؤمنين ما أدى الله إليك من ألسنتنا، فتعمل بتحقيق وعمل لا قبول سمعة ورياء (¬٢)، فإنه لا يخلفك منا إعلام ما تجهل، ومواطأة فضل تعلم، أو تذكر لك من غفلة، فقد وطن الله نبيه ﷺ على نزولها تعزية عما فات، وتحصنا من التمادي، ودلالة على المخرج فقال: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾، فاطلع على قلبك ما ينور به القلوب من إيثار الحق ومنابذة الهوى (¬٣)، فإنك إن لم تفعل لم تر لله أثرة عليك، قال: فبكى المهدي حتى هم من كان على رأسه بضرب صالح، وحتى ظنوا أنه لا يسكت وحتى ذهب به البكاء.