حائطا بالمدينة متّشحا بثوبه، وأغلقت الباب، فجاء رجل فضرب الباب فقال: يا عبد الله ابن قيس افتح عن الضارب وبشّره بالجنة. ففتحت فإذا أبو بكر ﵁، فقلت: أبشر ببشرى الله ورسوله؛ أبشر بالجنة. فحمد الله وقعد، ثم لبثنا فجاء رجل فضرب الباب فقال: افتح عن الرجل (¬٢) وبشّره بالجنة. ففتحت فإذا عمر. فقلت أبشر ببشرى الله ورسوله؛ أبشر بالجنة. فحمد الله وأثنى علي ه وقعد، ثم لبثنا فجاء رجل فضرب الباب فقال: يا عبد الله بن قيس افتح عن الضارب وبشّره بالجنة وسيلقى ويلقى؛ ففتحت فإذا عثمان فقلت أبشر ببشرى الله ورسوله؛ أبشر بالجنة غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ستلقى وتلقى. قال: فحمد الله وقعد كئيبا: ما هذه التي قالها لي؟ لم يقلها أمامي (¬١)! * حدثنا هدبة بن خالد قال، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي موسى، وعلي بن الحكم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى ﵁: أن النبي ﷺ كان في حائط بالمدينة مسندا ظهره إلى حائط، فجاء رجل فاستفتح الباب، فقال: اذهب وافتح له وبشّره بالجنة مع بلوى شديدة تصيبه. ففتح له فإذا هو عثمان بن عفان ﵁. * حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان (النهدي (¬٢)، عن أبي موسى ﵁ قال: انطلقت مع النبي ﷺ فدخل حائطا للأنصار، فقضى حاجته وقال لي: يا أبا موسى املك عليّ الباب لا يدخلنّ عليّ أحد إلا بإذن، فجاء رجل فضرب الباب. فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر. فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن. فقال: ائذن له وبشره بالجنة. فدخل وجاء آخر فضرب الباب فقلت: من هذا؟ قال: عمر (فقلت يا رسول الله هذا عمر (¬٣) قال: افتح له وبشّره بالجنة. ففتحت له فدخل. وجاء آخر فضرب الباب فقلت: من هذا؟ قال: عثمان. قلت: يا رسول الله هذا عثمان، قال: ائذن له وبشّره بالجنة على بلوى تصيبه، فأذنت له وبشّرته بالجنة وأخبرته بما قال. فدخل وهو يقول: اللهم صبرا، اللهم صبرا، حتى أتى النبي ﷺ فوجد القفّ (¬١) قد امتلأ، فقعد قبالتهم من الشّقّ الآخر. قال سعيد: فأوّلت ذلك ابتعاد قبره من قبورهم (¬٢). * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن محمد بن عبيد الحنفي، عن عبد الله ابن عمر ﵄ قال: كنت مع النبي ﷺ في حش من حشّان المدينة، فجاء رجل فاستأذن، فقال النبي ﷺ: قم فاذن له وبشّره بالجنة فقمت فإذا أبو بكر ﵁، فأذنت له وبشّرته بالجنة فجعل يحمد الله حتى جلس، ثم جاء آخر فاستأذن، فقال النبي ﷺ: ائذن له وبشّره بالجنة. فإذا عمر بن الخطاب ﵁، فأذنت له وبشرته بالجنة فجعل يحمد الله حتى جلس، ثم جاء رجل خفيض الصوت فاستأذن، فقال النبي ﷺ: ائذن له وبشّره بالجنة على بلوى. فإذا عثمان ﵁، فأذنت له وبشّرته بالجنة على هذا، فجاء يقول: اللهم صبرا حتى جلس. قال فقلت يا رسول الله: فأين أنا؟ قال: أنت مع أبيك (¬٣). * حدثنا عبد الله بن عمرو قال، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، (عن هشيم (¬١) قال، حدثنا عبد العزيز بن مروان، عن أبيه قال: بعث عثمان ﵁ عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى إفريقية، فلما فتحها بعثني بشيرا بفتحها إلى عثمان ﵁، وبعث معي رجلا من بليّ هو أحذق بالطريق مني، قال فأقبلنا نسير حتى دفعنا إلى مشربة في جوف الليل فيها نار، فقال: أترى هذه مشربة؟ قلت: نعم. قال: فإن فيها رجلا من النصارى له ضيافة وهو حسن الرأي في المسلمين وإليه ينتهي علم النصاري (فما (¬٢) قولك أن ننزل به، فقد أصابنا برد وجوع؟ فقلت: نعم. فنزلنا به وصعدنا إليه، فلم نلبث أن أتينا بطعام حارّ من لحم طير، ثم راطنه صاحبي وكان عالما بكلامه، ثم نهض فقام وأقبل عليّ النصرانيّ. فقال: ما أنت من ملككم؟ قلت: ابن عمّه، قال: هل أحد أقرب إليه منك؟ قلت: لا إلا ولده، قال: فما أنتم من نبيّكم؟ قلت: نحن من قومه، قال: فهل أحد أقرب إليه منكم؟ قلت: نعم، قال: فسل صاحبك أن يولّيك الشام، قلت: على الشام رجل له قدر عنده وعندنا، ولو أردت ذاك لم يفعل. قال، فسكت فقلت: لم قلت ذا؟ قال: ليتني ما قلته، قلت: فحدّثني به، قال: لا تحتمله، قلت: بلى لأحتملنه. قال: فإن ملككم يقتل ويصير الأمر إلى صاحب الشام. قال: فدخلني من ذاك ما لم يدخلني مثله قطّ، قال: وقدمت على عثمان ﵁ فبشّرته بفتح إفريقية، فخرّ ساجدا، وقال: الحمد لله لو لم تفتح لقال الناس خالفك عمر. قال: ثم دخلت يوما فرأيته طيّب النفس، فقلت: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أحدثك حديثا. فقال: هاته. فلما تفوّهت به بكيت، فقال: ما يبكيك (لا (¬١) أبكى الله عينيك؟ قال: فبدرت فحدثته، فاستلقى ووضع مروحة كانت في يده على وجهه، فرأيته يعضّها، ثم جلس فقال: كنت مع رسول الله ﷺ بحنين وقد أنفقت فيه نفقة كثيرة، فقدم خالد ابن الوليد بكتيبة أكيدر صاحب دومة الجندل، فأعطاني رسول الله ﷺ شيئا لم يعطه أحدا من أصحابه. فقلت: يا رسول الله، إن كنت إنما زدتني لنفقتي في سبيل الله وكان ذاك بناقص من أجري فلا حاجة لي فيه. فقال: على عمد فضّلتك وليس بناقصك من أجرك فانصرفت، وكان عبد الرحمن بن عوف (حاضرا (¬٢) فقال: ما قلت لرسول الله ﷺ فإني رأيته أتبعك بصره حتى دخلت منزلك؟ فدخلني من ذلك، فصلّيت معه الظهر، فلما سلّم قام يدخل بيته فرآني فقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم؛ أخبرني عبد الرحمن أنّك أتبعتني بصرك فإن كان ذلك لشيء قلته كرهته فوالله ما أردت ما تكره. قال: فنظر في وجهي ثم خفض بصره إلى قدمي، ثم قال: يا عثمان أنت قاتل أو مقتول. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، حدثنا علي بن محمد، عن ابن دأب، عن صالح بن كيسان، عن ابن النعمان بن بشير، عن أبيه قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فأتيت أبيّ بن كعب فقلت: ألا أراك قاعدا في بيتك وهؤلاء قومنا يتداعون المهاجرين؟ فانطلق إلى قومك. فقال: والله ما أنتم من هذا الأمر في شيء، وإنّه لهم دونكم، يليها مهاجران ويقتل الثالث، ويفرع الأمر فيكون هاهنا - وأشار إلى الشام - وان هذا لمبلول بريق محمد ﷺ ثم أغلق بابه. * حدثنا بشر بن عمر قال، حدثنا ابن لهيعة ...... (¬١) أن النبي ﷺ كان في مجلس يوما ...... (¬٢) ستكون بعدي فتنة. فقال أبو بكر ﵁: أتدركني يا رسول الله؟ قال: لا. فكبّر. فقال عمر ﵁: أتدركني: قال: لا. فكبّر. فقال عثمان ﵁: أتدركني يا رسول الله؟ قال: نعم وستقتل فيها (¬٣). * حدثنا عاصم بن علي قال، حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط، عن عبد الله بن حوالة، عن النبي ﷺ أنه قال: من نجا من ثلاث فقد نجا، من نجا من ثلاث فقد نجا، من نجا من ثلاث فقد نجا. قالوا: ماذا يا رسول الله؟ قال: موتي، وقتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه (¬٤) والدجال. * حدثنا الحزامي قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني اللّيث، وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن ربيعة بن لقيط أخبره، عن ابن حوالة الأسدي صاحب رسول الله ﷺ، عن النبي ﷺ قال: من نجا من ثلاث فقد نجا؛ موتي، وخروج الدّجّال، وقتل الخليفة مصطبرا بالحق يعطيه. * حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا عبد الوهاب بن محمد قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، حدثنا ابن لهيعة، وليث بإسناده بنحوه، قال: فسئل ابن لهيعة والليث: من هذا الخليفة المقتول؟ فقالا: عثمان. * حدثنا رجاء بن سلمة قال، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن أبي السلماني، عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى البحرين، فقال له رجل من اليهود: إن النبي ﷺ مات اليوم، قال: وما علمك؟ قال: إنه موقت خروجه فخرج لوقته، وموقت عمره فهذا آخر عمره، ثم قال: ماذا؟ قال: ثم يملككم رجل يعمل بعلمه ويسير بسيرته فلا يمكث إلا قليلا، قال: ثم يموت، ثم يملككم رجل آخر سنين ثم يقتل. قال: أفتكا أم عن ملإ؟ قال: لا، بل فتكا. قال: ذلك إذن أهون. قال: ثم يستعمل عليكم رجل آخر سنين ثم يقتل. قال: أفتكا أم عن ملإ؟ قال: لا، بل عن ملأ. قال: ذاك إذن أشدّ. ثم ماذا؟ قال: ثم يسلّ عليهم السّيف حتى يناديهم المنادي من السماء. * حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، قال الشيباني حديثا قال: كان ليهودي حاجة إلى عثمان، واستعان عمرو بن العاص يعليها (¬١) له إلى عثمان فقضاها له، فقال اليهوديّ لعمرو: إنّ لك عليّ لحقّا؛ وإنّ هذا الرجل مقتول، فإن استطعت ألاّ تكون فيمن يقتله فافعل؛ فإنكم لو قد قتلتموه لم تغزوا بقلب رجل واحد ولم تقاتلوا عدوّكم بقلب رجل واحد. وسلّ الله عليكم سيفا لا يغمد إلى يوم القيامة. * حدثنا علي بن إبراهيم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن المثنى بن شعبة قال، أخبرني طلحة بن نافع أبو سفيان قال، قال جابر: خرجت في يوم شديد الحرّ في بعض حيطان المدينة، فإذا شيخ من اليهود كبير السّنّ فقال: ممن أنت؟ قلت: رجل من الأنصار. قال: كيف رأيتم صاحبكم الذي استخلف وعمل صاحبيه؟ قال: وكيف أنتم إن قتلتموه؟ قلت: نقتله؟! وغضبت. قال: إي والذي نفسي بيده لتقتلنّه وليقومنّ بها من يتولّى فيعيش الناس في زمانه في رفاهية، ثم يهلك فيقوم بها منه فلا يمكث إلا يسيرا ثم يهلك، ثم لا أدركت أنا ولا أنت الرابع أبدا. قال: فهممت به ثم تركته، فقلت: يهوديّ خبيث. قال: فذكرت قوله بعد، وقلت: قاتله الله أن كان عنده لعلم، ولولا أني عجلت عليه. * حدثني موسى بن مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا حماد ابن سلمة، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أقرع مؤذن عمر قال: بعثني عمر ﵁ إلى الأسقف فدعوته فجعلت أظلّهما من الشمس، فقال عمر ﵁: يا أسقف، هل تجدنا في الكتب؟ قال: نعم. قال: فكيف تجدني؟ قال: أجدك قرنا. قال: فرفع عليه الدرّة وقال: وعلى قرني مه؟ قال: قرنا حديدا أمينا شديدا. قال: فكيف تجد الذي بعدي؟ قال: خليفة صالحا غير أنه يؤثر قرابته. قال: يرحم الله عثمان، يرحم الله عثمان - ثلاثا - قال: فكيف تجد الذي بعده؟ قال: أجد حدّا حديدا. فوضع عمر ﵁ يده على رأسه وقال: وازفراه، وازفراه، وازفراه. فقال: يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح ولكن يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدّم مهراق. * حدثنا علي بن محمد، عن ابن دأب، عن شرحبيل بن سعد قال، قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: خرجت مع عمر ﵁ إلى الشام، فلحقت عثمان وعليّا وطلحة والزبير، فلما طلع الفجر نزلوا فما تلعثم عثمان ﵁ أن تقدّم فصلى بهم، ثم قال: من يطيب لنا منزلا؟ فقلت: أنا. فتقدمت فأصبت لهم منزلا فنزلنا، فما لبثنا أن أوتينا بلحم طير فطعمنا، ثم جاء قوم فيهم شيخ ذو هيبة فقال: إنه بلغنا أنكم سراة هؤلاء (¬١) القوم، ونحن من الطريق بحيث ترون، وخراجنا ثقيل، فلو كلمتم ملككم فخفّف عنا من خراجنا. قالوا: نفعل، فقال لهم طلحة: أكنتم ترون هذا ينزل بكم؟ قالوا: نعم؛ نجد صفة صاحبكم، وصفة الذي قبله، وصفة نبيّكم إذا فرغ من العرب ثم أخذ في العجم مات، ثم يلي بعده رجل شديد القلب ضعيف البدن، يرمي الشرق والغرب بشهابين من نار، يكون مثله مثل النار في الحطب الرّطب؛ يكثر الدخان ويقلّ الأكل، ثم يهلك، فيلي من بعده رجل شديد القلب والبدن، يتابع الجيوش إلى الشرق والغرب، مثله مثل النّار في الحطب اليابس؛ يفل الدخان ويكثر الأكل - إي والله - ويعرف عقيرتكم التي تنحرون. فنظر عثمان إلى عليّ وعليّ إلى عثمان، فقال له عثمان: اسكت، فنحن أعلم بأمرنا منك، ولامه القوم وقالوا علام تتنبأ؟ فقال: لو علم أمير المؤمنين بهذا لنكلكم. وقام الشيخ فخرج. فقالوا لي: اكتم الحديث. وجاء عمر مؤخرا فنزل عند شجرات في ناحية الغرب، ثم ارتحل، فلما كان الغد ونزلنا منزلا أرسل إليّ فقال: إيها عن حديث النصرانيّ؟ فقلت: لا إيها. فقال: لتخبرنّي أو لأسيلنّ دمك على عقبيك. فأخبرته فأرسل للقوم وأرسل إليّ فقال: حدثنا حديث النصراني، فقال (¬١): ذكر لي ولابن مسعود خبر وفد نجران أنّ فيهم رجلا يعلم علما، فأتيناه فحدثنا حديثا كرهناه، فقلنا (لا (¬٢) ينبغي لنا أن نسأل هذا وفينا رسول الله ﷺ، فأتيته حين خرج للصلاة فقلت: أستغفر الله يا رسول الله. قال: أحسنت، وممّا ذاك؟ فحدّثته الحديث، فقال: قد صدقكم، وفيه ما لم يخبركم به، وأنا أعلم به منه، فلا تسألوا أهل الكتاب، فإن حدثوكم بما تحبون لن تصدقوهم، وإن حدثوكم بما تكرهون وجلتم. فقال عمر: فهل تهدّدكم رسول الله ﷺ؟ قال: لا. (قال (¬٣): لكني أتهدّدكم؛ والله لئن بلغني أنكم سألتم أحدا من أهل الكتاب لأوجعنّكم ضربا، قوموا فقد وسم لنا من أمركم وسم. * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا مهدي بن ميمون قال، حدثنا ابن أبي يعقوب، عن الوليد بن مسلم، عن جندب ابن عبد الله قال: بلغني عن حذيفة ﵁ أنه ينال من أمير المؤمنين عثمان ﵁، فأتيته فقلت له: بلغني أنّك تنال من أمير المؤمنين عثمان قال: أجل فما ذعرك؟ فإنه: ذعرني (¬١)؛ أمّا إنه سيقتل. قلت: فأين هو؟ قال: في الجنة. قلت: فأين قتلته؟ قال: في النار، وإني لأعلم قائد فتنة في الجنة وأتباعه في النار (¬٢). * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا أبو الأشهب قال، حدثني حبيب بن الشهيد قال، حدثني الوليد، عن جندب ﵁ قال: بلغنا حديث ذكره حذيفة بن اليمان ﵁ في عثمان بن عفان ﵁ فأنكرته من مثله لمثله، فأتيته عند صلاة الصبح فسلّمت عليه ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، فإذا رسوله قد أتبعني فردّني، فدخلت عليه فقال: ما ردّك؟ فقلت: استأذنت - أو سلّمت ثلاثا فلم يؤذن لي. فقال: أما إنك لو استأذنت أكثر من ذلك لم يؤذن لك. قال: وحسبتك نائما. قال: ما كنت لأنام حتى أعلم من أين تطلع الشمس. قال: ما حديث بلغني عنك ذكرت به عثمان فأنكرته من مثلك لمثله؟ فقال: قد كان بعض ذلك، أما إنهم قد ساروا إليه وهم قاتلوه. قلت: قاتلوه؟ قال: قاتلوه - ثلاثا - قلت: فأين قتلته؟ قال: في النار والله - قالها ثلاثا - قلت: فأين هو؟ قال: في الجنة والله - قالها ثلاثا - ثم قال: أما إنها قد حضرت فتنة ففرّ منها. ثم قال: والله لأنا أعلم بها من بطريق كذا وكذا. قلت: ما تأمرني؟ قال: الزم الذي أنت عليه ولا تدعه إلى غيره فتضلّ. * حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الوليد بن هشام قال، أخبرني شيخ بالمدينة قال: شهدت بيعة عثمان ﵁؛ فجاء القوم - وحذيفة ﵁ قاعد - فقالوا: بايعنا أمير المؤمنين ما أصدق حياءه وأكرمه، وأثنوا عليه. فقال حذيفة ﵁ كلمة: رويدا أما والله لتقتلنّه. فسمع رجل من القوم قول حذيفة فذهب إلى القوم فقال: إن حذيفة جاء بأمر عظيم!! قالوا: وما قال؟ قال؛ قال لتقتلن أمير المؤمنين عثمان. فخرجوا غضابا وأخذوا بيد الرجل وذهبوا إليه فقالوا: لا نعلم أحدا أجرأ على كذبة منك. قال: ثم قالوا: تزعم أنا نقتل أمير المؤمنين!! قال: فالتفت إلى جليسه فقال: عليك … (¬١). * حدثنا موسى بن إسماعيل، قال، حدثنا حماد بن سلمة ...... (¬٢) عثمان بن عفان ﵁، ولتداعسنّ برماحكم على أبواب المساجد، اتّق الله لا تخبرن أحدا، فقام الفتى من عنده فأتى محمد بن مسلمة، وسلمة بن سلامة فأخبرهما بما قال حذيفة، ثم قام حذيفة فمر بهما، فدعواه فقالا: أنت الكذاب؛ تزعم أنا سنقتل عثمان ونتداعس برماحنا على أبواب المساجد. فنظر حذيفة إلى الفتى فقال: أخبرهما؛ عليك بلعنة مثل أحد، والذي نفسي بيده لتقتلنّ عثمان ولتداعسن برماحكم على أبواب المساجد. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا يحيى بن آدم قال، حدثنا قيس، عن عدي بن ثابت، عن زرّ بن حبيش قال: قلت لحذيفة ﵁: ما هذه الأحاديث؟ قد جاء فلان ابن فلان. فقال: عد ما تقول. فاستند إلى الحائط ثم قال: إنك لتحدثني حديث رجل إن أحد طرفيه لفي النار، والله ليخرجن إخراج الثور ثم ليشحطنّ شحط الجمل. * حدثنا يحيى، وحدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة: أن عثمان ﵁ قال له: ما يبلغني عنك بظهر الغيب؟ قال له حذيفة: والله ما أبغضتك مذ أحببتك، ولا غششتك منذ نصحت لك. قال عثمان: أنت أصدق عندي منهم وأبرّ، ثم خرج حذيفة، فبعث إليه فرده فقال: أما ما يبلغني عنك بظهر الغيب؟ قال حذيفة: أجل، والله لتخرجن إخراج الثور ثم لتشحطن شحط الجمل. قال: فاتحدوا فكلّ سديد. فبعث إلى معاوية فذكره له، فقال له معاوية: ادفنها تحت قدميك، والله لئن سمعه الناس ليقولن إن رسول الله ﷺ حدثه إياه (¬١). * حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن صخر بن الوليد، عن جزي بن بكير العنسي قال: جاء حذيفة ﵁ إلى عثمان ﵁ يسلم عليه ويودعه، فلما أدبر قال: ردوه، فقال: أما ما يبلغني عنك بظهر الغيب؟ قال: والله ما أبغضتك مذ أحببتك، ولا غششتك منذ نصحت لك. قال: أنت - والله - عندي أبرّ منهم وأصدق. فمضى فقال: ردوه، فردوه فقال: أما ما يبلغني عنك (بظهر الغيب؟ [قال] والله لتخرجنّ إخراج الثور ولتشطحنّ شحط الجمل. فأخذه من ذلك أفكل - يعني رعدة - فبعث إلى معاوية ﵁ فأتي به فقال: ألم تر إلى ما قال حذيفة؟ قال: وما قال؟ قال: والله لتخرجن إخراج الثور ولتشحطن شحط الجمل. قال: أوّه، ادفنها. * حدثنا حبان بن بشر قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: لقد روي عن حذيفة في عثمان ﵁ أحاديث أشهد أن كانت لمقالة كذّاب) (¬١). * حدثنا علي بن محمد، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه قال: قدم عبد الملك بن مروان المدينة فصلى صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: يا أهل المدينة، الحمد لله الذي أذلّكم بعد عزّكم، ووضعكم بعد ارتفاعكم، وأنزل بكم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، أما والله لو قتلتم في نواحيها لكنتم لذلك أهلا؛ إنما مثلكم مثل القرية التي وصفها الله «كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» (¬١) فقام إليه رجل من ولد معاذ القارئ (¬٢) الأنصاري فقال: اقرأ الآية التي بعدها «وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ» (¬٣) أفنحن كذبناه؟ لا والله، ولكن نصرناه وآمنا به. فقال: اسكت، فوالله لئن تكلم ثان لأضربن عنقه، ثم دخل منزله وبعث إليه فدعاه فقال: ويلك، أما تركت حماقتك؟ قال: وعهدتني أحمق؟ قال: فما كان يؤمنك أن أقتلك غضبان فيضرك وأندم راضيا فلا ينفعك؟ قال: قد وقى الله شرك. قال: حدثني حديث أبيك عن عليّ ﵁ حين دخل على عثمان ﵁. قال: أرسل عثمان إلى أبي وعبد الله بن حنظلة، وعبد الله - أو عبيد الله - ابن عديّ بن الخيار، ورجال من قريش والأنصار، فقال: إنكم محببون في قومكم منظور إليكم، وقد أحببت أن أعلم ما لي عندكم. قال عبيد الله بن عديّ؛ دعوتنا لأمر لم نعدّ له جوابا، فأمهلنا ننظر. فخلوا في ناحية الدار، ودخل عليّ ﵁ فقال: يا عثمان ما هذا المنحى، أدونك أم بإذنك؟ قال: كل ذاك. فقال: أما إنهم نعم الفتية فاتق الله يا عثمان وثب إلى الله. قال: ما فعلت إلا حقا، أتريد أن تشهد عليّ وتقرّرني؟ قال: أنت وذاك، أما لكأنني بك قد أخذ منك بالحنو فذبحت كما يذبح الجمل. قال: لك مثل السوء. وخرج عليّ ﵁. فقال عبد الملك: أكنتم تعدّون عثمان ﵁ حليما؟ قال: وفوق ذلك. * حدثنا علي بن محمد، عن أبي دأب قال: قدم عبد الملك المدينة وهو غضبان على أهلها، فصلى بهم صلاة الصبح، فقرأ بهم في الركعة الأولى «الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ» (¬١) و «إِذا زُلْزِلَتِ» وقرأ في الركعة الثانية سورة الفتح، و «إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ» (¬٢) ثم خرج وعليه جبّة خزّ، وكنا بين يديه نسمعه عابسا قد حفّت به الحراب، وأهل المدينة يسبّحون، فقال: يا أهل المدينة، مالكم تسبحون كأنكم أنكرتم دخولنا المسجد؟ أما والله لو قتلتكم في نواحيها لرأيتكم حلالا، الحمد لله الذي أذلّكم بعد عزّكم ووضعكم بعد ارتفاعكم وأنزل بكم بأسه الذي لا يردّه عن القوم المجرمين، إنما مثلكم مثل القرية التي ضرب الله مثلها «قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» (¬٣)