لك الرجل انتظرني فتذهب وتتركه فينادي يا عمراه؟ فجعل يعتذر إليه، فقال: والله لصلاح رجل من المسلمين أحب إليّ من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك وكتب إلى (أبي (¬٤) موسى ﵁: انظر مهلكا فلا تستعمله ما كنت لنا على عمل. * حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: خرج جيش في زمن عمر ﵁ نحو الجبل، فانتهوا إلى نهر ليس عليه جسر، فقال أمير ذلك الجيش لرجل من أصحابه - انزل فابغنا مخاضة نجوز فيها (وذلك (¬٥) في يوم بارد شديد البرد، فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت. فأكرهه، فقال: يا عمراه يا عمراه، ثم لم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر ﵁ وهو في سوق المدينة فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه، وقال له: لولا أن تكون سنّة لأقدت منك لا تعمل لي على عمل أبدا (¬١). * حدثنا القعنبيّ قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: استعمل عمر ﵁ رجلا من الأنصار فنزل بعظيم أهل الحيرة عبد المسيح (عمرو ابن حيّان (¬٢) بن بقيلة فأمال عليه بالطعام والشراب ما دعا به فاحتبس عليه بالهزل (¬٣) فدعا الرجل فمسح بلحيته، فركب إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، قد خدمت كسرى وقيصر فما أتى إليّ في ملك أحد منهم ما أتي إليّ في ملكك، قال: وما ذاك؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملنا عليه بالطعام والشراب ما دعا به، فاحتبس بالهزيل فدعاني فمسح بلحيتي، فأرسل إليه عمر ﵁، فقال: هيه، أمال عليك بالطعام والشراب ما دعوت به، ثم مسحت بلحيته؟! والله لولا أن تكون سنة ما تركت في لحيتك طاقة إلا نتفتها، ولكن اذهب فوالله لا تلي لي عملا أبدا. * حدثنا عمرو بن عاصم قال، حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبر سماك بن حرب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال، حدثنا عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان مع عمر ﵁ في حجّ - أو عمرة - قال: فبينا نحن نسير إذا نحن براكب متعجل. فقال عمر ﵁ إني لأظن هذا يطلبنا، فأنخ لا نشقّ عليه، فأنخنا، وذهب عمر ﵁ يبول وجاء الراكب وقال لابن عمر: أأنت عمر؟ قال: لا، قال: لقد زعم أهل الماء أن عمر مرّ آنفا. قال: فبال عمر ﵁ ثم جاء، فبكى الرجل فقال عمر ﵁: ما يبكيك؟ إن كنت غارما أعنّاك، وإن كنت خائفا أمناك، إلا أن تكون قتلت نفسا، وإن كنت خفت جوار قوم حولناك عن مجاورتهم. فقال الرجل: لا، ولكن شربت الخمر وأنا أحد بني تميم، فأخذني أبو موسى فجلدني وسوّد وجهي وطاف بي في الناس، وقال: لا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تجالسوه. فحدثت نفسي بإحدى ثلاث: إما أن أتخذ سيفا فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتي المشركين فآكل معهم وأشرب، وإما أن آتيك فترسلني إلى الشام فإنهم لا يعرفونني. فبكى عمر ﵁ ثم قال: إني كنت من أشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنا، وما يسرّني أن رجلا لحق بالمشركين وأن لي كذا وكذا، ثم كتب إلى أبي موسى ﵁: إن فلان بن فلان التميمي أخبرني بكذا وكذا، وايم الله لئن عدت لأسودنّ وجهك وليطاف بك في الناس، فإن أردت أن تعلم أحقّ ما أقول فعد وأمر الناس فليؤاكلوه وليجالسوه، وإن تاب فاقبلوا شهادته. وكساه عمر ﵁ حلّة وحمله وأعطاه مائتي درهم (¬١). * حدثنا الفضل بن دكين قال، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الفسيل، عن هارون بن عبد الله الحضرمي، عن عفيّف، ابن معدي كرب قال: خرجنا أناس نشي بسعد الأشعث وغير واحد من وجوه أهل الكوفة - حتى قدمنا المدينة فنزلنا في رحبة من رحابها نطلب منزلا، إذ مرّ عمر بن الخطاب ﵁ في ناحية الطريق معه درّة في يده فقال بعضنا: هذا أمير المؤمنين، وقال بعضنا: ما هو به، فالقوم يختصمون إذ رأى مكاننا فأقبل إلينا، فسلم. ثم قال الأشعث وأصحابه: يا أمير المؤمنين، إنا قد جئنا نذكر لك ما قد رأينا من عاملنا سعد، فإن أحببت أن نقوم معك قمنا معك، وإن أحببت أن تجلس إلينا فعلت، قال: لا بل أجلس إليكم، هاتوا ما عندكم. قلنا: يا أمير المؤمنين، ظلمنا واعتدى علينا، ومنعنا حقوقنا فلم نجئ في غيبة، ونحن نحب أن تعزله عنا وتستعمل علينا غيره. فقام وقال: لعل ذلك أن يكون، فلما ولّى قلنا: والله ما صنعنا شيئا وما أدركنا حاجتنا ولا كفينا أنفسنا، وهو مخبر سعدا الآن بما قلنا، فيكون أخبث ما كان لنا صحبة، يا عفيّف أدركه، فسمع حسّا خلفه فوقف فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: ما حاجتك؟ قال: أرسلني إليك أصحابنا قالوا: إذا لم تسمع فيه ما قلنا فنحن نحب ألاّ تذكره له. قال: لعل ذلك أن يكون، قال: ثم تبوأنا منزلنا، ثم غدونا إلى المسجد وسعد عنده في المنزل فمكثنا طويلا فخرج إلينا سعد وهو يذم أهل الحيرة وأهل المخالفة. قال قلنا: إنا لله، استعمله علينا ويكون شر ما كان لنا صحبة، فقال قائل: هذا والله غضب رجل قد عزل، قال: فبينما نحن كذلك إذ جاء رسول عمر ﵁ فأدخلنا عليه فقال: يا أشعث، إني قد عزلت عنكم سعدا، ولكن أخبروني عما أسألكم عنه؛ إذا كان الإمام عليكم فجار عليكم ومنعكم حقوقكم وأساء صحبتكم ما تصنعون به؟ قلنا يا أمير المؤمنين، ما نصنع به إن رأينا خيرا حمدنا الله وقبلنا، وإن رأينا جورا وظلما صبرنا حتى يفرج الله منه، قال: أما هو إلا ما أسمع؟ قالوا: لا والله ما عندنا إلا ما قلنا لك، قال فضرب بيده على جبهته ثم قال: لا والله الذي لا إله إلا هو لا تكونون شهداء في الأرض حتى تأخذوهم كأخذهم إياكم، وتضربوهم في الحق كضربهم إياكم وإلا فلا. * حدثنا محمد بن بكار قال، حدثنا حبان بن علي، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كنت جالسا عند عمر ﵁ فأتاه ناس من أهل الكوفة فشكوا إليه سعدا حتى قالوا ما يحسن يصلي، فقال سعد (¬١): أمّا أنا والله فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ، قال عمر ﵁: ذاك الظّن بك يا أبا إسحاق، وكيف كانت صلاة رسول الله ﷺ؟ قال: أركد (¬٢) في الأوليين وأحذف في الأخريين قال: فأرسل به عمر ﵁ إلى الكوفة فطيف به في مساجدها، فيقولون فيه خيرا ويثنون خيرا حتى انتهوا إلى مجلس بني عبس وفيه رجل يكنى أبا سعدة فقال: اللهم كان لا ينفر في السّريّة، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسويّة، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأشدّ فقره، وأعم بصره، واعرض عليه الفتن. قال عبد الملك (بن عمير (¬١): فأنا رأيته بعد كبيرا فقيرا ذاهب البصر، فقال له: كيف أنت يا أبا سعد؟ فيقول: (شيخ (¬٢) كبير فقير مفتون أجيبت فيّ دعوة سعد (¬٣). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، * حدثنا ثابت، عن هلال بن أمية: أن عمر ﵁ استعمل عياض بن غنم (¬٤) على الشام، فبلغه أنه اتخذ حماما، واتخذ نوّابا، فكتب إليه أن يقدم عليه، فقدم، فحجبه ثلاثا، ثم أذن له، ودعا بجبة صوف فقال: البس هذه، وأعطاه كنف (¬٥) الراعي وثلاثمائة شاة، وقال: انعق بها، فنعق بها، فلما جاوز هنيهة قال: أقبل، فأقبل يسعى حتى أتاه، فقال: اصنع بها كذا وكذا، اذهب. فذهب حتى إذا تباعد ناداه يا عياض أقبل، فلم يزل يردده حتى عرقه في جبته، قال: أوردها عليّ يوم كذا وكذا، فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمر ﵁ إليه فقال: انزع عليها. فاستقى حتى ملأ الحوض فسقاها، ثم قال، انعق بها فإذا كان يوم كذا فأوردها، فلم يزل يعمل به حتى مضى شهران، قال: فاندس إلى امرأة عمر ﵂ وكان بينه وبينها قرابة، فقال: سلي أمير المؤمنين فيم وجد عليّ؟ فلما دخل عليها قالت: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ قال: يا عدوة الله، وفيم أنت وهذا، ومتى كنت تدخلين بيني وبين المسلمين؟ إنما أنت لعبة يلعب بك، ثم تتركين. قال: فأرسل إليها عياض: ما صنعت؟ فقالت: وددت أني لم أعرفك ما زال يوبخني حتى تمنيت أن الأرض انشقّت فدخلت فيها، قال: فمكث ما شاء الله ثم اندس إلى عثمان ﵁ فقال: سله فيم وجد عليّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين فيم وجدت على عياض؟ فقال: إنه مرّ إليك عياض فقال: شيخ من شيوخ قريش، قال فتركه بعد ذلك شهرين أو ثلاثة ثم دعاه، فقال: هيه، اتّخذت نوّابا، واتخذت حماما، أتعود؟ قال: لا، قال: ارجع إلى عملك (¬١). * حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: بعث عمر ﵁ شرحبيل بن السّمط (¬٢) - وكان ممن شهد اليرموك - على جيش، فلما نزل بهم قال: عزمت عليكم لما أخبرتموني بكل ذنب أذنبتموه؟ فجعلوا يعترفون بذنوبهم، فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: ما له لا أمّ له، يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟ والله لا يعمل لي عملا أبدا. * حدثنا عبد الواحد بن غياث قال، حدثنا أبو جميع سالم ابن راشد قال، حدثنا الحسن قال: استعمل عمر ﵁ مجاشع ابن مسعود (¬١) على عمل، فبلغه أن امرأته تحدث (¬٢) بيوتها، فكتب إليه عمر ﵁: من عبد الله أمير المؤمنين إلى مجاشع بن مسعود، سلام عليك أما بعد فإنه بلغني أن الخضيراء تحدث بيوتها، فإذا أتاك كتابي هذا فعزمت عليك ألا تضعه من يديك حتى تهتك ستورها. قال: فأتاه الكتاب والقوم عنده جلوس، فنظر في الكتاب فعرف القوم أنه قد أتاه بشيء كرهه، فأمسك الكتاب بيده ثم قال للقوم: انهضوا فنهضوا: ولا والله ما يدرون إلى ما ينهضهم، فانطلق بهم حتى انتهى إلى باب داره فدخل، فلقيته امرأته فعرفت الشرّ في وجهه فقالت له: ما لك؟ فقال: إليك عني، فقد أرمضتني، فذهبت المرأة، وقال للقوم: ادخلوا، فدخل القوم، فقال: فليأخذ كل رجل منكم ما يليه من هذا النحو واهتكوا، قال: فهتكوها جميعا حتى ألقوها إلى الأرض، والكتاب في يده لم يضعه بعد * حدثنا أبو بكر العليمي، عن علي بن محمد، عن حبان ابن موس ى، وعلي بن مجاهد، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: أوفد سعد بن أبي وقّاص جرير بن عبد الله (¬٣) إلى عمر ﵁، فقال له الأشعث بن قيس: إن استطعت أن تنال من شرحبيل ابن السمط عند عمر فافعل، وكان شرحبيل قد شرف بالكوفة، وكان أثيرا عند سعد فغمّ ذلك الأشعث، فلما قدم جرير على عمر ﵁ سأله عن الناس، فقال: هم كقداح الحصير فيها الأعضل الطائش والقائم الرائش، وسعد أمامها يقيم ميلها ويعمر عضاها، وقد قال قائل. قال: وما قال القائل؟ قال، قال: ألا ليتني والمرء سعد بن مالك … وزبراء وابن السّمط في لجة البحر فيغرق أصحابي وأخرج سالما … على ظهر قرقور أنادي أبا بكر (¬١) قال عمر ﵁: أقد فعلها؟ وكيف عطاعة الناس له؟ قال: يقيمون الصلاة لوقتها، ويؤتون الزكاة ولاتها، قال: الله أكبر، إذا أقيمت الصلاة، وأوتيت الزكاة كانت الطاعة. وكتب إلى سعد: أن احمل إليّ (زبراء وشرحبيلا فأرسلهما فأمسك زبراء (¬٢) عنده بالمدينة، وحمل شرحبيل إلى الشام فشرف بها. * حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا سعيد بن عبد العزيز: أن عمر بن الخطاب ﵁ أغزى جيشا فغزا فيهم فتى كان يدنو من عمر ﵁ ويألفه، فأوصى به عمر صاحب البعث خيرا، فكان معه، فراودته جارية لصاحب الجيش أو لرفيق له عن نفسها فامتنع عليها، فأخذت نفقة لسيدها فجعلتها في عيبة الفتى، فافتقدها صاحبها فوجدها في عيبة الفتى، فقطع يده، ثم أراد حسمها بالنار فامتنع عليهم فمات، فلما قفل الجيش سأل عمر ﵁ عن الفتى، فأخبروه بأمره، قال: وبيد عمر ﵁ عصا، فجعل يضرب بها الأرض ويقول والله ما زنى وما سرق، والله ما زنى وما سرق؟ هل كانت معكم جارية؟ قالوا: نعم، قال: ايتوني بها، فأتوه بها، فسألها، فاعترفت فأمربها عمر ﵁ فقتلت به. قال سعيد: فمن يومئذ قال عمر ﵁: لا يقطع إلاّ إمام. قال سعيد: وكتب عمر بن الخطاب ﵁: من استعملناه منكم فليجعل الرفق. يعني العدل والأمانة ( … (¬١) (مسير عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام) * حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال، قال عمر ﵁: لئن عشت - إن شاء الله - لأسيرنّ في الرعية حولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني؛ إمّا هم فلا يصلون إليّ، وإما عمالهم فلا يرفعونها إليّ؛ فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين (ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين (¬٢) ثم أسير إلى مصر فأقيم يها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين (ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها (¬٣) شهرين، والله لنعم الحول هذا. * حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال، سمعت يحيى بن سعيد يقول، سمعت القاسم بن محمد يقول، سمعت أسلم مولى عمر ﵁ يقول: خرجت مع عمر ﵁ وهو يريد الشام حتى إذا دنا أناخ فذهب لحاجة له، قال أسلم: فطرحت فروتي بين شعبتي رحلي، فلما فرغ عمر ﵁ عمد إلى بعيري فركبه، وركب أسلم بعير عمر ﵁ فخرجا يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، قال: فلما دنوا أشرت لهم إلى أمير المؤمنين، فجعلوا يتحدثون بينهم، فقال عمر ﵁: تطمح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق له (¬١). * حدثنا إبراهيم بن المنذر قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خرجت مع عمر ﵁ إلى الشام حتى إذا كنا ببعض الطريق نزل للصبح، ونزلت معه، فذهب لحاجته - وكان إذا ذهب أبعد - ثم جاء فناولته إداوة من ماء فتوضأ، ثم صلّى، فلما أردنا أن نركب قال: هل لك أن تركب جملي وأركب جملك يا أبا خالد؟ ولكنه جمل يقبض، قال، قلت: وما يقبض؟ قال: يضرب بيديه فلا ينشب - أي ينقب -، وهو جمل رجل أقث لم يثقل حواياه الشحم قال: ثم لقينا أهل الأرض يشتدون، قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم، قال: فانصرفوا قال: ما إخالنا إلا قد كربناهم، نادهم، فناديتهم فرجعوا، فقلت: هذا أمير المؤمنين، فكأنما ضربت وجوههم فانصرفوا، فقال: هل ترى ما أرى يا أبا خالد؟ فقلت: وما أرى يا أمير المؤمنين؟ فقال: لم ير هؤلاء على صاحبك ثياب قوم غضب الله عليهم فيها، ثم تزدرينا أعينهم، قال: فقلينا الناس فقيل له: يا أمير المؤمنين: إنك تقدم على أهل الأرض وعلى قوم حديثي عهد بكفر، فلو ركبت دابة غير دابتك هذه؟! قال: فأتي ببرذون (¬١) فركبه، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي، ايتوني بقعودي فركبه، وأخّر الناس عنه، قال: فطلع أبو عبيدة على جمل خطامه حبل أسود، فلما رآه قال: مرحبا هذا أخي، مرحبا هذا رجل لم تغيره الدنيا، قال: فما زال يقول مرحبا حتى جاء. * حدثنا بشر بن عمر، قال حدثنا مالك بن أنس، عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر ﵁ إلى الشام، فلما كنا في أدنى الريف ودنونا منه، ذهب عمر ﵁ لحاجته - وكان إذا ذهب لحاجته أبعد - فجاء وقد قلبت فروتي فألقيتها بين شعبتي الرحل، فركب بعيري وركبت بعيره، فلما خطا به البعير قال: يا أسلم بجملك هذا قباض، قلت: لا أدري، قال: بلى، ولا يصلحه إلا رجل لم يثقل حواياه الشحم، فسرنا حتى لقينا الناس، فجعلوا يسألون عنه فأقول: أمامكم فيبعدون على وجوههم، فقال لي: يا أسلم قد أكثرت فأخبرهم، فقلت: هذا فاطلع أناس فقالوا: أمير المؤمنين؟ فقلت: هذا. فجعلوا يتواطأون فيما بينهم، فقال: إن هؤلاء لا يرون علينا برد قوم غضب الله عليهم فيها، وأعينهم تزدرينا، ثم سار حتى لقيه عمرو بن العاص وأمراء الأجناد، فتحدث معهم ثم قال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنك تقدم على قوم حديثي عهد بكفر، قال: فمه؟ قال: يؤتى بدابّة فتركبها، قال: ما شئتم، قال: (فأتي (¬١) ببرذون فركبه، فجعل البرذون يحركه، فجعل عمر ﵁ يضربه ويضرب وجهه فلا يزيده إلا مشيا فقال سائس الدابة: ما ينقم أمير المؤمنين منه؟ ثم نزل فقال: ما حملتموني إلا على شيطان، وما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي قرّبوا بعيري، فركبه ثم اعتزل الناس، فسار حتى لقيه أبو عبيدة ابن الجراح ﵁ على بعير قد خطمه بحبل أسود. فلما رآه عمر ﵁ قال: أخي لعمري لم تغيرك الدنيا بعدي ودخلا. * حدثنا زهير بن حرب قال، حدثنا جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن بشير بن عمرو قال: أتي عمر ﵁ ببرذون فركبه منطلقا إلى الشام، فلما هزّه خلجه (¬٢) فنزل عنه، وقال قبّح الله من عملك هذا (¬٣). * حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: ركب عمر ﵁ برذونا فهزّه فنزل عنه وقال: ما يصلح هذا إلا لصاحب يأتي عليه الغائط. * حدثنا موسي بن مروان الرّقي قال، حدثنا المعافى بن عمران، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز (المكي عن أبي الغالية الشامي (¬٤) من أهل دمشق - أن عمر ﵁ قدم عليهم الشام على جمل أورق بين عمودين، تلوح صلعته في الشمس، لا حقبة ولا خشبة، تصطفق رجلاه، ليس له ركابان، وطاؤه فروة كبش كرمى ذات صوف، هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبة نمرة أو شملة محشوة ليفا هي وسادته إذا نزل وحقيبته إذا ركب، قال له رأس القرية: أنت ملك العرب وهذه دابة لا تصلح لهذا البلد، فأتي ببرذون فطرحت عليه قطيفة، فركب بغير سرج فأهزته، فقال: أمسك أمسك، أدن جملي، ما شعرت أن الناس يركبون الشياطين قبل يومي هذا، فدعي بجمله فركبه (¬١). * حدثنا عبيد بن قتادة قال، حدثنا عطاء بن مسلم، عن محمد بن سوقة، عن ابن صالح قال: قدم عمر ﵁ الجابية (¬٢) على بعير أحمر مقتب بقتب مشتملا بعباءة قطوانية، خطام بعيره في يده اليمنى، وفي يساره نمرة (¬٣). * حدثنا الحكم بن موسى قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن سالم بن عجلان قال: لمّا قدم عمر ﵁ الشام فلقيه العجم من أهل الشام فيقولون: أين أمير المؤمنين؟ فيقولون: قدّامكم حتى جاوزوه فسألوا: فقيل هذا أمير المؤمنين فرجعوا فنظروا إليه في رجل أو اثنين أو ما شاء الله، فقالوا: هذه والله الرهبانية، لا رهبانيتكم، قال: ولقيه معاوية ﵁ على برذون فنزل ومشى معه وتغافل عنه عمر ﵁، فقيل له: يا أمير المؤمنين جهدت الرجل، إنه بادن، فقال: دعه، حتى بلغ من ذلك ما أراد، ثم أمره فركب. * حدثنا أحمد بن معاوية قال، سمعت أبا عبد الله محمد بن سليمان بن عطاء بن قيس الحراني قال، حدثني أبي سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مسجعة بن ربعي الجهني (¬١) قال: لما قدم عمر ﵁ الجابية لغرض الخراج - وذلك بعد وقعة اليرموك - شهدته دعا بكرسي من كراسي الكنيسة فقام عليه فقال: إن نبيّ الله ﷺ قام فينا فقال: «أيها الناس أكرموا أصحابي فإن خياركم أصحابي ألا ثمّ الذين يلونهم ألا ثم الذين يلونهم ألا ثم يظهر العرب ويكثر الحلف حتى يحلف (الحالف (¬٢) وإن لم يستحلف، ويشهد (الشاهد وإن لم (¬٣) يستشهد، ألا فمن أراد بحبوحة الجنة فعليكم بالجماعة، الجماعة تدرئكم على الجماعة، ألا وإن الشيطان ذنب بني آدم وهو مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحلّ له إلا كان الشيطان ثالثهما، ألا ومن ساءته سيئاته وسرته حسناته فهو مؤمن، قمت فيكم بقدر ما قام فينا رسول الله ﷺ. ثم ارتحل حتى نزل أذرعات (¬٤) وقد ولّى على الشام يزيد بن أبي