يا رسول الله، إن لي عسيفا أبعثه يخنّس لفرسي إذا نزل القوم، وإنه انطلق يخنّس فوجد جهجاه وابن وبرة يقتتلان، فقصّ عليه القصة وما قال ابن أبيّ: فقال رسول الله ﷺ: «أو قد قيلت» فأمر فنودي في الناس بالرّحيل، فارتحلوا حتى قدموا المدينة، وتحدث الناس: لم يرحّل رسول الله ﷺ عن مرتحله الذي كان يرتحل إلا شيء خافه أو شيء أتاه. فأراد أن ينتهزه. قال - حتى أصبح الناس وهم يتحدثون بحديثه، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك من قول الناس، فقام فخطب فقال: «إنما عاقنا عن مرتحلنا الذي كنا نرحل له قول رجل منكم - عبد الله بن أبيّ - قال كذا وكذا» قال فوثب ورقة فقال: يا رسول الله ما أظعنك عن مرتحلك الذي كنت ترتحل إلا قول رجل منا؟ فو الله الذي أنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك أوّله من رأسه أضعه بين يديك، قال: وقد كان ورقة ابن عمّ لعبد الله فقال: فأبى ذلك رسول الله ﷺ، وقال «لا أحلّ»، ولكن انطلقوا فأتوني به» قال: فاندفعوا حتى دخلوا على ابن أبيّ قالوا: يا ابن أبيّ، إن رسول الله ﷺ بلغه عنك قول فوجد عليك في نفسه، فإذا أنت أتيته فاعتذر إليه مما قلت، ومره فليستغفر لك، فإنك ستجده رحيما، قال: وما بي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم، وأنفق معكم إذا أنفقتم؟ فخرج معهم إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون له ذلك وهو يلوي رأسه إلى أصحابه جنبيه، ويقول: مالي، ألست أغزو معكم إذا غزوتم وأنفق معكم إذا أنفقتم؟ حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو كذلك، فقال له رسول الله ﷺ: «يا ابن أبيّ، أنت الذي تقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، أفأنت أعزّ مني؟» قال: يا رسول الله، بل أنت أعز وأكرم، ما ركبنا حتى ركبت وما قاتلنا حتى كنت أوّل. قال «فأنت الذي تقول لنمسكنّ ما بأيدينا من ثمرنا حتى يجوعوا فينفضّوا عن صاحبهم؟ أي أنك تنفق علينا؟» قال: والذي تحلف به ما قلت. ونزلت: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» إلى قوله: «وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (¬١). حدثنا حارثة قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ قال: يا رسول الله أقتل أبي؟ فقال ﷺ: «لا تقتل أباك». حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة في قوله: «لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» (¬٢) قال: قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا: أحدهما غفاريّ والآخر جهنيّ، فظهر الغفاريّ على الجهنيّ، وكان بين جهينة والأنصار حلف، فقال رجل من المنافقين؛ وهو عبد الله بن أبيّ: يا بني الأوس يا بني الخزرج، عليكم صاحبكم وحليفكم. ثم قال: والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فسعى بها بعضهم إلى رسول الله ﷺ، فقال عمر ﵁: يا نبيّ الله، مر معاذا يضرب عنق هذا المنافق، فقال «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه». حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا عقبة بن أبي الصهباء قال، سمعت محمد بن سيرين يقول: كان النبي ﷺ، معتكرا (¬١)، وكان بين رجل من الأنصار وبين رجل من قريش كلام حتى اشتد بينهما، واجتمع إلى كل واحد منهما ناس من أصحابه، فبلغ عبد الله بن أبيّ فنادى: غلبني على قومي من لا قوم له، أم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب ﵁ فأخذ سيفه ثم خرج يسعى، ثم ذكر هذه الآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ» (¬٢) ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: «ما لك يا عمر: كأنك مغضب؟» فقال: لا، إلا أن هذا المنافق ينادي: غلبني على قومي من لا قوم له، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. فقال له النبي ﷺ: «فأردت ماذا يا عمر؟» قال: أردت أن أعلوه بسيفي حتى يسكت. قال لا تفعل ولكن ناد في الناس بالرحيل». قال: ترحلوا وسيروا. حتى إذا كان بينه وبين المدينة يوم تعجّل عبد الله بن عبد الله بن أبيّ حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، وجاء الناس يدخلون وتشعّبوا في الطريق حتى جاء عبد الله بن أبيّ فقال له ابنه: لا والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، وتعلم اليوم من الأعزّ من الأذلّ، فقال له: أنت من بين الناس؟ فقال: نعم أنا من بين الناس. فانصرف عبد الله حتى لقي رسول الله ﷺ فاشتكى إليه ما صنع به ابنه، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ابنه أن خلّ عنه، فدخل فلبث ما شاء الله أن يلبث. حدثنا هارون بن معروف قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني ثابت بن عمرو الأنصاري: أنه أسر رجل يوم بدر من قريش وهو كافر، فكان أسيرا عند عبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان عبد الله كافرا ثم أسلم فنافق، فطفق ذلك الأسير يريد وليدة مسلمة تسمّى معاذة لعبد الله بن أبيّ فتمتنع الوليدة - من أجل إسلامها - من الأسير القرشي، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ضربها ليكرهها على البغاء رجاء أن تحمل من القرشيّ رغبة في فداء ولده، فأنزل الله ﷿: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (¬١) الآية. حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زكريا، عن عامر قال: التي جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي قال الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» (¬١) قال كانت أمة لعبد الله بن أبيّ المنافق، فكان يكرهها على البغاء، فكانت التوبة لها دونه. حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن زكريا، عن عامر في التي جادلت في زوجها: خولة بنت حكيم، وأمها معاذة؛ وكانت أمة لعبد الله بن أبيّ بن سلول، وكان يكرهها على البغاء، وكانت التوبة لها دونه خاصة، يعني: «فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (¬٢). حدثنا أبيّ بن أبي الوزير قال، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة قال: كانت مسلمة جارية (¬٣) لعبد الله بن أبيّ، وكان يكرهها على البغاء، فقالت: إن كان خيرا فقد استكثرت منه، وإن كان غير ذلك فقد آن لي أن أدعه، فنزلت: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (¬٤). حدثنا حبّان قال، حدثنا يزيد - يعني ابن زريع - قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمر بن ثابت قال: كانت معاذة جارية لعبد الله بن أبيّ، وكانت مسلمة، فكان يستكرهها على البغاء، فأنزل الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (¬٥) الآية. حدثنا حبّان قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، سمعت الأعمش قال، حدثني أبو سفيان، عن جابر ﵁ في قوله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على الزنا، فأنزل الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (¬١)، هكذا يقرؤها. (وفاة عبد الله بن أبيّ بن سلول) حدثنا سلمة بن إبراهيم قال، حدثنا عتبة بن أبي الصهباء، قال، سمعت محمد بن سيرين يقول: مرض عبد الله بن أبيّ فاشتد مرضه فقال لابنه: إني قد اشتهيت أن ألقى رسول الله ﷺ، وأنت إن شئت جئت به. فانطلق ابنه فقال: يا رسول الله إنّ عبد الله بن أبيّ وجع شديد الوجع، ولا أظنه إلا لمآبه، وقد اشتهى أن يلقاك. فقال له النبي ﷺ: «نعم وكرامة» فانطلق النبيّ ﷺ وانطلق معه نفر من أصحابه حتى دخلوا على عبد الله بن أبيّ فقال: أجلسوني، فأجلسوه، فقال له النبي ﷺ: «يا عبد الله، جزعا» فقال يا رسول الله إني لم أدعك لتؤنبني، ولكني دعوتك لترحمني. فاغرورقت عين النبي ﷺ، ثم قال: «حاجتك؟» قال حاجتي إذا أنا متّ أن تشهد عليّ وتكفنني بثلاثة أثواب من ثيابك، وتمشي مع جنازتي وتصلّي عليّ، قال: فعل ذلك النبي ﷺ كلّه، غير أني لا أدري أصلّى أم دخل القبر أم لم يدخله. ثم إن هذه الآية نزلت: «وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ» (¬١). حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أن النبي ﷺ عاد عبد الله بن أبيّ فقال: «يا أبا الحباب، ما أغنى عنك حبّ اليهود؟» فقال عبد الله: قد كان ورقة يحبّهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ ورقة كان يحبّ الله ورسوله، فقال للنبي ﷺ: أعطني ثوبا من ثيابك، فأعطاه ثوبا، قال أعطني قميصك الذي يمس جلدك، فأعطاه. حدثنا مسلمة بن إبراهيم قال، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن: أن عبد الله بن أبيّ سأل النبيّ ﷺ قميصه فأعطاه إيّاه، فقيل يا رسول الله: أعطيت عبد الله بن أبيّ قميصك؟ فقال: «وما يدريكم لعلّ الله سيدخل في الإسلام من بني الخزرج كذا وكذا عدّة كثيرة». حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت الحسن يقول: سأل عبد الله بن أبيّ النبيّ ﷺ قميصه أن يكفّن فيه إيّاه. فأعطاه إيّاه. فقال عمر ﵁: يا رسول الله، أتعطي هذا المنافق قميصك يكفّن فيه؟ فقال: «ويحك يا ابن الخطاب!! وما عليّ أن أتألّف بني النجار بقميصي»؟. حدثنا محمد بن حاتم قال، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن الشعبي قال: لما ثقل عبد الله بن أبيّ انطلق ابنه إلى النبي ﷺ فقال: إن عبد الله قد احتضر، وأحب أن تشهده وأن تصلي عليه. فانطلق معه حتى شهده، وألبسه قميصه - وهو عرق - وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه يا رسول الله؟ فقال: «إن الله قال: «إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (¬١)» لأستغفرن له سبعين وسبعين» - قال أبو معاوية: وأشك في الثالثة - فلما انتهى إليه ابنه قال له: النبيّ ﷺ، قال: الحباب، قال: بل أنت عبد الله بن عبد الله؛ الحباب: اسم شيطان. حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة قال: صلى النبي ﷺ على عبد الله بن أبيّ، وأعطاه قميصا من قمصه. فقيل له: يا رسول الله تصلي على هذا المنافق وتلبسه قميصك؟ فقال: «إني لأرجو أن يسلم بقميصي ألف من بني النجار» قال قتادة: ثم أنزل «وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾ (¬٢). حدثنا ابن أبي الوزير، قال سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته، فأمر به فأخرج ووضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه، ونفث عليه من ريقه، فالله أعلم (¬٣).