الجامع الصحيح للسنن والمسانيد

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الجامع الصحيح للسنن والمسانيد
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
الحكم بن موسى

الذي أرسله إليهم، وهم واثقون بأنه كتابه، كما نروي نحن اليوم عن كتب السنة ولم نر مؤلفيها ولا سمعناها منهم، فالحديث إذن داخل في حكم "الوجادة" المذكورة في "علم المصطلح "، وقد تقرر فيه وجوب العمل بها، فراجع لذلك كتاب "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث " للشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى-. قلت: فإعلال الحديث بالإرسال كما فعل الخطابي وغيره غير وارد إذن , لأنه خلاف هذا المتقرَّر، والله أعلم. ولعل هذا الذي ذكرته من الرد لهذا الإعلال هو الذي لحظه المحقق الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه "تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق " حين أورد الحديث فيه (١/ ٢٧٨) من رواية البخاري في "تاريخه "، وابن حبان في "صحيحه "، ثم لم يُعِلَّهُ بما أعلّه الطحاوي. وأما إعلال البعض إياه بالاضطراب؛ فهو بخصوص غير رواية القاسم بن مخيمرة هذه , كما هو تقدم شرحه في "الإرواء" (١/ ٧٩)؛ فتنبه. وإن مما يزيد الحديث قوة: أن له شاهداً من رواية زَمْعَة بن صالح قال: حدثنا أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول ... فذكره مرفوعاً باللفظ المذكور أعلاه، وفيه قصة. أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ٤٨) بسند صحيح عن أبي نعيم قال: حدثنا زمعة بن صالح به. قلت: وهذا إسناد صالح للاستشهاد به؛ فقد صرح أبو الزبير بالتحديث، فأمنا بذلك شر تدليسه. وزمعة بن صالح- وإن كان ضعيفاً - فإنه ليس شديد الضعف، كما أشار إلى ذلك الذهبي بقوله في "الكاشف ": "ضعفه أحمد، وقرنه (م) بآخر". بل قال في "المغني ": "صالح الحديث، ضعفه أحمد وأبو حاتم، ووثقة ابن معين ". واعلم أيها القارئ الكريم! أنني كنت خرَّجت حديث جابر هذا منذ أكثر من ثلاثين سنة في المجلد الأول من "الضعيفة" برقم (١١٨) من رواية ابن وهب عن زمعة عن أبي الزبير عن جابر معنعناً، وفيه القصة أيضاً، فلما شرعنا في إعادة طبع هذا المجلد، ووصلت في تصحيح تجاربه إلى هذا الحديث؛ تذكرت أنني كنت خرجت في "الإرواء" ما يشبهه، وكان تأليفه بعد "الضعيفة" بنحو خمسة عشر عاماً، فوجدت فيه حديث عبد الله بن عُكيم من طريقين عنه بلفظين، أحدهما بلفظ الترجمة، والآخر مثله إلا أنه قال: " .. بإهاب ولا عصب ". وملت فيه إلى تصحيح إسناده، وصرحت بأن إسناد الأول صحيح، فخشيت أن يكون في هذا التصحيح شيء من الوهم، فأعدت النظر فيه بطريقة أوسع- كما ترى- مما هناك، فتأكدت من صحته، وازددت قناعة به، والحمد لله، وعليه؛ رأيت لزاماً عليّ أن أنبه القراء الأفاضل أن الحديث- بشاهد حديث ابن عكيم- صار صحيحاً لغيره، وأنني نقلته إلى هنا، والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم طريق. وأريد أن أنبه هنا على أمرين اثنين: الأول: أن المعلق على "شرح السنة" (٢/ ٩٩) قد كان أعل الحديث فيه بالاضطراب متجاهلاً جوابي عنه في "الإرواء" (١/ ٧٩). ثم رجع عن ذلك في تعليقه "الإحسان " (٤/ ٩٥ - المؤسسة)؛ فجزم بصحة إسناده من الطريقين عن عبد الله بن عكيم، فأصاب، لكن كان عليه أن ينبه على تراجعه عن إعلاله بالاضطراب؛ لأن ذلك ينافي الجزم المذكور. على أن بعضهم يقول: إن التعليق على "الإحسان " ليس للمعلق على "الشرح "، وإنما هو لبعض الموظفين عنده! فإذا صح هذا، فهو السبب في عدم التنبيه على الخطأ السابق؛ لأنه من غير المصحِّح في التعليق على "الإحسان ". والآخر: سبق في تخريج الحديث أنه من رواية القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم، هكذا هو عند البخاري عن هشام، وعند غيره عن غير هشام من المتابعين، ووقع عند ابن حبان: "عن القاسم بن مخيمرة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم "، فزاد بين القاسم وابن عكيم: الحكم وابن أبي ليلى، وأظن أن هذه الزيادة خطأ من بعض النساخ؛ لمخالفتها لرواية البخاري والآخرين، ولأن الذين ترجموا للقاسم والحكم- وهو ابن عتيبة- لم يذكروا له رواية عنه. ويبدو أنه خطأ قديم؛ فقد عزاه الزيلعي "في نصب الراية" (١/ ١٢٠) لابن حبان هكذا! الأمر الذي يبعد عن الذهن أن يكون ذلك من الطابع؛ فإن هذا الخطأ وقع أيضاً في طبعة مؤسسة الرسالة (٤/ ٩٥) وهي أصح بكثير من طبعة دار الكتب العلمية. وتنبيه ثالث: وهو أن الحديث- بلفظيه- قد سقط من "زوائد ابن حبان " (ص ٦١) فليُلحق به، وله أمثلة كثيرة أنا في صدد جمعها- إن شاء الله تعالى-. هذا؛ ولعل مما يفيد القراء الكرام أن أذكر بأن مثل هذا التصحيح لغيره بعد ذاك التضعيف لذاته مما يثير حفيظة بعض الجهلة الأغرار، ويعدُّه تناقضاً وجهلاً؛ كذاك المسمى (بفلان)، الشاطر في قلب الحق باطلاً، والصواب خطأ، وقد نذر نفسه، وجعل دأبه الرد على الألباني، فكم له من رسالة في ذلك، منها ما أظهره أخيراً بعنوان؛ "تناقضات الألباني .. "، وقد كفاني مؤنة الرد عليه والكشف عن زوره وبهتانه، وجهله وضلاله: الأخ الفاضل علي الحلبي في كتابه القيم "الأنوار الكاشفة لـ "تناقضات " الخساف الزائفة , وكشف ما فيها من الزيغ والتحريف والمجازفة"؛ فإليها ألفت الأنظار؛ فقد نفع الله بها كثيراً، حتى بعض المغرورين به سابقاً حينما علموا وأنصفوا. ولكني أريد هنا أن أقول له (قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى): أولاً: هل أنت معصوم فلا يقع منك خطأ علمي ما؟ , فإن أجاب بأنه ليس بمعصوم، وأن الخطأ منه وارد- كما هو الواجب على المؤمن حقّاً- قلت: ثانياً: فإذا تبين لك الصواب فيما بعد؛ هل ترجع إليه- كما يفعل الألباني- أم تصرُّ عليه؟ فإن أجبت بالإيجاب- كما هو جواب المؤمن- فلماذا تسمي إذن تراجع الألباني إلى الصواب خطأ، بديل أن تشجعه على الرجوع إلى الصواب دائماً وأبداً، وإن كان هو بفضل الله ليس بحاجة إلى تشجيع واحد مثلك؟!!! أليس "تناقضك "! وعدم تراجعك عنه من أكبر الأدلة على أن وراء الأكمة ما وراءها؟! وختاماً أسأل الله ﵎ أن يهديك إلى أن تتعلم علم الكتاب والسنة معاً وعلى منهج السلف الصالح، حتى ينجو المغرر بهم من ضلالك، وإلا ... فعلى نفسها جنت براقش. وأما أنا؛ فإني أرجو منه تعالى أن يزيدني توفيقاً في خدمة الحديث والسنة والانتصار لها، وأن يسدد في ذلك خطاي، وأن يجعل ذلك سبباً ليغفر لي خطيئتي يوم الدين. وأما الخلاص من كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وطعن الطاعنين؛ فلا سبيل إليه إلا بالوفاة على الإيمان إن شاء الله تعالى. وما أحسن ما قيل: ولستَ بناجٍ من مقالة طاعن ... ولو كنت في غارٍ على جبل وَعْرِ ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً ... ولو غاب عنهم بين خافِيَتَيْ نَسْرِ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: لا خِلافَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي نَجَاسَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ (١) وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَهُ. وَعَرَّفُوا الْمَيْتَةَ بِأَنَّهَا الْمَيِّتُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، مَأكُولَةُ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرُهُ، مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ، كَمُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ أَوِ الْكِتَابِيِّ لِصَنَمِهِ، أَوِ الْمُحْرِمِ لِصَيْدٍ، أَوِ الْمُرْتَدِّ أَوْ نَحْوِهِ. (٢) وَاخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي جِلْدِ مَيْتَةِ مَأكُولِ اللَّحْمِ - إِلَى أَنَّ الدِّبَاغَةَ وَسِيلَةٌ لِتَطْهِيرِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَأكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ غَيْرَ مَأكُولَةِ اللَّحْمِ، فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَيْتَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ إِلا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَجِلْدُ الآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا جِلْدَ الْكَلْبِ، كَمَا اسْتَثْنَى مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ جِلْدَ الْفِيلِ. (٣) قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ: إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ , وَبِهَذَا نَأخُذُ إِذَا دُبِغَ إِهَابُ الْمَيْتَةِ فَقَدْ طَهُرَ وَهُوَ ذَكَاتُهُ وَلَا بَأسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ وَلَا بَأسَ بِبَيْعِهِ، وَهُوَ قَوْل ُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا ﵏. تحفة١٧٢٨ قال النووي: مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يَطْهُر بِالدِّبَاغِ جَمِيع جُلُود الْمَيْتَة إِلَّا الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَالْمُتَوَلِّد مِنْ أَحَدهمَا وَغَيْره، وَيَطْهُر بِالدِّبَاغِ ظَاهِر الْجِلْد وَبَاطِنه، وَيَجُوز اِسْتِعْمَاله فِي الْأَشْيَاء الْمَائِعَة وَالْيَابِسَة، وَلَا فَرْق بَيْن مَأكُول اللَّحْم وَغَيْره، وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَب عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ﵄. النووي (١٠٠ - (٣٦٣) وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ بِأَحَادِيثَ، مِنْهَا: أ - قَوْلُهُ ﷺ: " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ". قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَزَعَمَ قَوْم أَنَّ جِلْد مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه لَا يُسَمَّى إِهَابًا وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدِّبَاغ لَا يَعْمَل مِنْ الْمَيْتَة إِلَّا فِي جِلْد الْجِنْس الْمَأكُول اللَّحْم. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِسْم الْإِهَاب يَتَنَاوَل جِلْد مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه كَتَنَاوُلِهِ جِلْد الْمَأكُول اللَّحْم قَوْل عَائِشَة حِين وَصَفَتْ أَبَاهَا وَحَقَنَ الدِّمَاء فِي أُهُبهَا تُرِيد بِهِ النَّاس، وَقَدْ قَالَ ذُو الرُّمَّة يَصِف كَلْبَيْنِ: لَا يَذْخَرَانِ مِنْ الْإِيغَال بَاقِيَة حَتَّى يَكَاد تُفَرَّى عَنْهُمَا الْأُهُبُ، اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. عون٤١٢٣ قال الحافظ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِخُصُوصِ هَذَا السَّبَبِ فَقَصَرَ الْجَوَازَ عَلَى الْمَأكُولِ لِوُرُودِ الْخَبَرِ فِي الشَّاةِ وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يَزِيدُ فِي التَّطْهِيرِ عَلَى الذَّكَاةِ وَغَيْرُ الْمَأكُولِ لَوْ ذُكِّيَ لَمْ يَطْهُرْ بِالذَّكَاةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ وَأَجَابَ مَنْ عَمَّمَ بِالتَّمَسُّكِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ وَبِعُمُومِ الْإِذْنِ بِالْمَنْفَعَةِ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ طَاهِرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَكَانَ الدِّبَاغُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَائِمًا لَهُ مَقَامَ الْحَيَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فتح٥٥٣٢ ب - وَبِمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبِّقِ " أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ. قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا ". ج - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " تَصَدَّقَ عَلَى مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ". وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُولِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الدَّبْغَ يُزِيلُ سَبَبَ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الرُّطُوبَةُ وَالدَّمُ، فَصَارَ الدَّبْغُ لِلْجِلْدِ كَالْغَسْلِ لِلثَّوْبِ، وَلأَنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ لِلْجِلْدِ وَيُصْلِحُهُ لِلانْتِفَاعِ بِهِ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْجُلُودِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ. (٤) أَمَّا اسْتِثْنَاءُ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ فَلأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، أَيْ أَنَّ ذَاتَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا نَجِسَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَلَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ أَوِ الرُّطُوبَةِ كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِذَا لَمْ يَقْبَلِ التَّطْهِيرَ. (٥) وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ لاسْتِثْنَاءِ الْكَلْبِ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ ". وَالطَّهَارَةُ تَكُونُ لِحَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلا حَدَثَ عَلَى الإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوُلُوغَ سَبَبٌ لِلْخَبَثِ بِسَبَبِ نَجَاسَةِ فَمِ الْكَلْبِ، فَبَقِيَّةُ أَجْزَاءِ الْكَلْبِ أَوْلَى بِالنَّجَاسَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ لا تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْكَلْبِ فَالدِّبَاغُ أَوْلَى، لأَنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنَ الدِّبَاغِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ، وَالدِّبَاغُ وَسِيلَةٌ لِطَهَارَةِ الْجِلْدِ فَقَطْ. (٦) وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ لِطَهَارَةِ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغَةِ بِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. (٧) وَالْكَلْبُ لَيْسَ نَجِسَ الْعَيْنِ عِنْدَهُمْ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْفِيلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ " (٨) وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِعَظْمِ الْفِيلِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِعَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ قَالَ: " أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ ". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ ﷺ قَالَ: " كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ ". وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ عَنِ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَيِ النَّظَافَةِ، وَلِذَا جَازَ الانْتِفَاعُ بِهِ فِي حَالاتٍ خَاصَّةٍ كَمَا سَيَأتِي. وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلُهُمَا: بِطَهَارَةِ جِلْدِ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ بِالدِّبَاغَةِ حَتَّى الْخِنْزِيرِ. (٩) وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ جِلْدُ مَيْتَةِ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَظِبَاءٍ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَأكُولِ اللَّحْمِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ " فَيَتَنَاوَلُ الْمَأكُولَ وَغَيْرَهُ، وَخَرَجَ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِكَوْنِ الدَّبْغِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ. كَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: بِطَهَارَةِ جُلُودِ مَيْتَةِ مَأكُولِ اللَّحْمِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ ﷺ: " ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ " وَالذَّكَاةُ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ. (١٠) جِلْدُ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ لا خِلافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَجَاسَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ دَبْغِهِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ بِالدِّبَاغِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ (١١): الأَوَّلُ: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ جُلُودَ الْمَيْتَةِ تَطْهُرُ كُلُّهَا بِالدِّبَاغِ إِلا الْخِنْزِيرَ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا جِلْدَ الْكَلْبِ. الثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَشْهُورِ وَهُوَ عَدَمُ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ، قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَكِنْ يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِذَلِكَ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَاسْتِعْمَالُهُ مَعَ نَجَاسَتِهِ فِي الْيَابِسَاتِ وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ. الثَّالِثُ: لأَبِيْ يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَلِسَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ الْجُلُودِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ حَتَّى الْخِنْزِيرُ. وَالْمَذْهَب السَّادِس يَطْهُر الْجَمِيع وَالْكَلْب وَالْخِنْزِير ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُوَ مَذْهَب دَاوُدَ وَأَهْل الظَّاهِر، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُف. النووي (١٠٠ - (٣٦٣) الرَّابِعُ: لأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَيْتَةِ مَا كَانَ طَاهِرًا حَالَ الْحَيَاةِ. الْخَامِسُ: لِلأَوْزَاعِيِّ وَأَبِيْ َثْورٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ طَهَارَةُ جُلُودِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْمَأكُولِ اللَّحْمِ فَقَطْ. قال النووي: وَالْمَذْهَب الثَّالِث يَطْهُر بِالدِّبَاغِ جِلْد مَأكُول اللَّحْم، وَلَا يَطْهُر غَيْره، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْن الْمُبَارَك، وَأَبِي ثَوْر، وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ. النووي (١٠٠ - (٣٦٣) (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ، إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ جِلْدَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ هَكَذَا فَسَّرَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ إِهَابٌ لِجِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) (ت) ١٧٢٨ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: هَذَا يُخَالِفُ مَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إِنَّمَا يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَهُ إِهَابٌ إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا وَقِرْبَةً. فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ تَخْصِيصُهُ بِجِلْدِ الْمَأكُولِ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَتِهَا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَصَاحِبِ الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَالْمَبْحَثُ لُغَوِيٌّ فَيُرَجَّحُ مَا وَافَقَ اللُّغَةَ وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ اللُّغَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْإِهَابِ بِإِهَابِ مَأكُولِ اللَّحْمِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ اِنْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ. نيل٥٦ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْبَاب قال النووي: يَجُوز الدِّبَاغ بِكُلِّ شَيْء يُنَشِّف فَضَلَات الْجِلْد وَيُطَيِّبهُ، وَيَمْنَع مِنْ وُرُود الْفَسَاد عَلَيْهِ. وَذَلِكَ كَالشَّتِّ وَالشَّبّ وَالْقَرْظ وَقُشُور الرُّمَّان وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَة الطَّاهِرَة، وَلَا يَحْصُل بِالتَّشْمِيسِ عِنْدنَا، وَقَالَ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة: يَحْصُل، وَلَا يَحْصُل عِنْدنَا بِالتُّرَابِ وَالرَّمَاد وَالْمِلْح عَلَى الْأَصَحّ فِي الْجَمِيع. وَهَلْ يَحْصُل بِالْأَدْوِيَةِ النَّجِسَة كَذَرْقِ الْحَمَام وَالشَّبّ الْمُتَنَجِّس؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحّهمَا عِنْد الْأَصْحَاب حُصُوله، وَيَجِب غَسْله بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الدِّبَاغ بِلَا خِلَاف، وَلَوْ كَانَ دَبْغه بِطَاهِرٍ فَهَلْ يَحْتَاج إِلَى غَسْله بَعْد الْفَرَاغ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَهَلْ يُحْتَاج إِلَى اِسْتِعْمَال الْمَاء فِي أَوَّل الدِّبَاغ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَا يَفْتَقِر الدِّبَاغ إِلَى فِعْل فَاعِل. فَلَوْ أَطَارَتْ الرِّيح جِلْد مَيْتَة فَوَقَعَ فِي مَدْبَغه طَهُرَ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِذَا طَهُرَ بِالدِّبَاغِ جَازَ الِانْتِفَاع بِهِ بِلَا خِلَاف. وَهَلْ يَجُوز بَيْعه؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا يَجُوز. وَهَلْ يَجُوز أَكْله؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَوْجُه أَوْ أَقْوَال: أَصَحّهَا لَا يَجُوز بِحَالٍ، وَالثَّانِي يَجُوز، وَالثَّالِث يَجُوز أَكْل جِلْد مَأكُول اللَّحْم، وَلَا يَجُوز غَيْره. وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِذَا طَهُرَ الْجِلْد بِالدِّبَاغِ فَهَلْ يَطْهُر الشَّعْر الَّذِي عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ إِذَا قُلْنَا بِالْمُخْتَارِ فِي مَذْهَبنَا إِنَّ شَعْر الْمَيْتَة نَجَس فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَصَحّهمَا وَأَشْهَرهمَا لَا يَطْهُر لِأَنَّ الدِّبَاغ لَا يُؤَثِّر فِيهِ بِخِلَافِ الْجِلْد. قَالَ أَصْحَابنَا: لَا يَجُوز اِسْتِعْمَال جِلْد الْمَيْتَة قَبْل الدِّبَاغ فِي الْأَشْيَاء الرَّطْبَة. وَيَجُوز فِي الْيَابِسَات مَعَ كَرَاهَته وَاللَّه أَعْلَم. النووي (١٠٠ - (٣٦٣) طَهَارَةُ مَيْتَةِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَة (خ د جة حم) , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (" إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ أَوْ شَرَابِهِ فَلْيَغْمِسْهُ) (١) (كُلَّهُ) (٢) (فِيهِ) (٣) (ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ , فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً) (٤) (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ , فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ ") (٥) وفي رواية: " إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ (٦) فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ " (٧) وفي رواية: " فَإِذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ فَأَرْسِبُوهُ , فَيَذهبُ شِفَاؤهُ بِدَائِه " (٨) الشَّرْح: (" إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ أَوْ شَرَابِهِ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ فِيهِ) أَمْرُ إِرْشَادٍ لِمُقَابَلَةِ الدَّاءِ بِالدَّوَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ: كُلُّهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِغَمْسِ بَعْضِهِ. فتح٥٧٨٢ (ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ , فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً) لَمْ يَقَعْ لِي فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ تَعْيِينُ الْجَنَاحِ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ تَأَمَّلَهُ فَوَجَدَهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَرِ فَعُرِفَ أَنَّ الْأَيْمَنَ هُوَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاءُ. فتح٥٧٨٢ (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ) يَحْفَظ نَفْسه بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْجَنَاح مِنْ أَذِيَّة تَلْحَقهُ مِنْ حَرَارَة ذَلِكَ الطَّعَام. عون٣٨٤٤ وفي رواية: (إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ) أَيْ: اِغْمِسُوهُ فِي الطَّعَام أَوْ الشَّرَاب، وَالْمَقْل: الْغَمْس. عون٣٨٤٤ فَوائِدُ الْحَدِيث: اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لَا يَنْجَسُ بِوُقُوعِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فِيهِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ - كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُ ﷺ لَا يَأمُرُ بِغَمْسِ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِذَا مَاتَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ غَمْسِ الذُّبَابِ مَوْتُهُ فَقَدْ يَغْمِسُهُ بِرِفْقٍ فَلَا يَمُوتُ، وَالْحَيُّ لَا يُنَجِّسُ مَا يَقَعُ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ الْبَغَوِيُّ بِاسْتِنْبَاطِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يَقْصِدِ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَيَانَ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيَانَ التَّدَاوِي مِنْ ضَرَرِ الذُّبَابِ، وَكَذَا لَمْ يَقْصِدْ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَالْإِذْنِ فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ طَهَارَةً وَلَا نَجَاسَةً وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخُشُوعَ لَا يُوجَدُ مَعَ الْإِبِلِ دُونَ الْغَنَمِ. قُلْتُ: وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ حُكْمٌ آخَرُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِغَمْسِهِ يَتَنَاوَلُ صُوَرًا مِنْهَا أَنْ يَغْمِسَهُ مُحْتَرِزًا عَنْ مَوْتِهِ كَمَا هُوَ الْمُدَّعَى هُنَا، وَأَنْ لَا يَحْتَرِزَ بَلْ يَغْمِسُهُ سَوَاءً مَاتَ أَوْ لَمْ يَمُتْ. وَيَتَنَاوَلُ مَا لَوْ كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَمُوتُ بِخِلَافِ الطَّعَامِ الْبَارِدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ حُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ يُصَدَّقُ بِصُورَةٍ فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ حُمِلَ عَلَيْهَا. وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلْحَاقَ غَيْرِ الذُّبَابِ بِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: وَرَدَ النَّصُّ فِي الذُّبَابِ فَعَدُّوهُ إِلَى كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الذُّبَابِ قَاصِرَةً وَهِيَ عُمُومُ الْبَلْوَى، وَهَذِهِ مُسْتَنْبَطَةٌ. أَوِ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً، وَهَذِهِ مَنْصُوصَةٌ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لَا يُوجَدَانِ فِي غَيْرِهِ فَيَبْعُدُ كَوْنُ الْعِلَّةِ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ جُزْءُ عِلَّةٍ لَا عِلَّةٌ كَامِلَةٌ انْتَهَى. وَقَدْ رَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَا يَعُمُّ وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ، وَمَا لَا يَعُمُّ كَالْعَقَارِبِ يُنَجِّسُ، وَهُوَ قَوِيٌّ. فتح٥٧٨٢ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ عَلَى أَنَّهَا تَنْجَسُ بِالْمَوْتِ كَمَا هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهَا لَا تَنْجَسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فتح٥٧٨٢ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَقَالَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ الشِّفَاءُ وَالدَّاءُ فِي جَنَاحَيِ الذُّبَابِ، وَكَيْفَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُقَدِّمَ جَنَاحَ الشِّفَاءِ، وَمَا أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحَيَوَانِ قَدْ جَمَعَ الصِّفَاتِ الْمُتَضَادَّةَ. وَقَدْ أَلَّفَ اللهُ بَيْنَهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى الْحَيَوَانِ، وَإِنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النَّحْلَةَ اتِّخَاذَ الْبَيْتِ الْعَجِيبِ الصَّنْعَةِ لِلتَّعْسِيلِ فِيهِ، وَأَلْهَمَ النَّمْلَةَ أَنْ تَدَّخِرَ قُوتَهَا أَوَانَ حَاجَتِهَا، وَأَنْ تَكْسِرَ الْحَبَّةَ نِصْفَيْنِ لِئَلَّا تَسْتَنْبِتَ، لَقَادِرٌ عَلَى إِلْهَامِ الذُّبَابَةِ أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَا نُقِلَ عَنْ هَذَا الْقَائِلِ لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَإِنَّ النَّحْلَةَ تُعَسِّلُ مِنْ أَعْلَاهَا وَتُلْقِي السُّمَّ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَالْحَيَّةُ الْقَاتِلُ سُمُّهَا تَدْخُلُ لُحُومَهَا فِي التِّرْيَاقِ الَّذِي يُعَالَجُ بِهِ السُّمُّ. فتح٥٧٨٢ قال الألباني في الصحيحة: قد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبي هريرة , وأبي سعيد , وأنس، ثبوتا لا مجال لردِّه ولا للتشكيك فيه , كما ثبت صِدْقُ أبي هريرة ﵁ في روايته إياه عن رسول الله ﷺ خلافا لبعض غُلاة الشيعة من المعاصرين، ومن تبعهم من الزائغين، حيث طعنوا فيه ﵁ لروايته إياه , واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله ﷺ وحاشاه من ذلك فهذا هو التحقيق العلمي يُثبت أنه بريء من كل ذلك, وأن الطاعنَ فيه هو الحقيق بالطعن فيه، لأنهم رموا صحابيًّا بالبَهْت، وردُّوا حديثَ رسول الله ﷺ لِمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة! , وقد رواه عنه جماعة من الصحابة كما علمتَ، وليت شعري , هل عَلِمَ هؤلاء بعدم تفرُّد أبي هريرة بالحديث - وهو حجة ولو تفرَّد - أم جهلوا ذلك؟، فإن كان الأول , فلماذا يتعللون برواية أبي هريرة إياه , ويوهمون الناس أنه لم يُتابعْهُ أحد من الأصحاب الكرام؟. وإن كان الآخر , فهلا سألوا أهلَ الاختصاص والعلم بالحديث الشريف؟ , وما أحسن ما قيل: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ ثم إن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء , وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم , إذ يُخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: " وفي الآخر شفاء " فهذا مما لم يُحِيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقُّفُ إذا كانوا من غيرهم , إن كانوا عقلاءَ علماءَ! ذلك لأن العلمَ الصحيح يشهد أن عدم العلمِ بالشيء لا يستلزمُ العلمَ بعدمِه , نقول ذلك على افتراض أن الطبَّ الحديث لم يشهدْ لهذا الحديث بالصحة , وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأتُ مقالات كثيرة في مجلات مختلفة , كلٌّ يؤيد ما ذهب إليه تأييدا أو ردًّا، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأن النبي ﷺ ﴿لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾، لا يهمُّنا كثيرا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب، لأن الحديث برهانٌ قائم في نفسه , لا يحتاج إلى دعم خارجي , ومع ذلك , فإن النفس تزداد إيمانا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقلَ إلى القراء خُلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث , قال: " يقع الذباب على المواد القذرة المملؤة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقُل بعضَها بأطرافه، ويأكلُ بعضا، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة , يسميها علماء الطب بـ " مُبْعِد البكتيريا " وهي تقتل كثيرا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود " مُبْعِد البكتيريا " , وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب، هي أنه يحوِّلُ البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا , فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام , وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقربَ مبيدٍ لتلك الجراثيم , وأول واقٍ منها هو " مُبْعِد البكتيريا " الذي يحمله الذباب في جوفه , قريبا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء , فدواؤه قريب منه وغمْسُ الذبابِ كلِّه وطرحُه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكافٍ في إبطال عملها ". وقد قرأتُ قديما في هذه المجلة بحثا إضافيا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي (مجلد العام الأول) , وقرأت كلمة في مجلد العام الفائت (ص ٥٠٣) كلمة للطَّبِيبيْن: محمود كمال , ومحمد عبد المنعم حسين , نقلا عن مجلة الأزهر , ثم وقفتُ على العدد (٨٢) من " مجلة العربي " الكويتية ص١٤٤ تحت عنوان: " أنت تسأل ونحن نجيب " بقلم المدعو (..)، جوابا له على سؤال عما لهذا الحديث من الصحة والضعف , فقال: " أما حديثُ الذباب وما في جناحيه من داء وشفاء، فحديثٌ ضعيف، بل هو عَقْلا حديثٌ مفترى، فمن المُسَلَّمِ به أن الذباب يحمل من الجراثيم والأقذار ... ولم يقلْ أحدٌ قط أن في جناحي الذبابة داءً وفي الآخر شفاء، إلَّا من وَضَع هذا الحديث أو افتراه، ولو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضارِّ الذباب , ويحضُّ على مكافحته ". وفي الكلام على اختصاره من الدَّسِّ والجهل ما لا بد من الكشف عنه , دفاعا عن حديث رسول الله ﷺ وصيانةً له أن يَكْفُرَ به من قد يغترُّ بزخرف القول , فأقول: أولا: لقد زَعَمَ أن الحديثَ ضعيف، يعني من الناحية العلمية الحديثية , بدليل قوله: " بل هو عَقْلا حديثٌ مُفْتَرَى " , وهذا الزعمُ واضح البطلان، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن رسول الله ﷺ وكلها صحيحة , وحسْبُك دليلا على ذلك أن أحدا من أهل العلم لم يقُلْ بِضَعْف الحديث كما فعل هذا الكاتب الجريء!. ثانيا: لقد زعم أنه عَقْلا حديثٌ مُفْتَرَى , وهذا الزعمُ ليس وضوحُ بطلانِهِ بأقلَّ من سابقِه، لأنه مجرد دعوى , لم يَسُقْ دليلًا يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكنه الإحاطة به، ألست تراه يقول: " ولم يقل أحد ... ، ولو صَحَّ لكَشفَ عنه العلمُ الحديث ... " فهل العلمُ الحديثُ - أيها المسكين - قد أحاطَ بكل شيء علما، أم أن أهله الذين لم يُصابوا بالغرور - كما أُصِيبَ من يُقلِّدُهُم مِنَّا - يقولون: إننا كلما ازددنا علما بما في الكون وأسراره، ازددنا معرفة بجهلنا! , وأن الأمر بحق كما قال الله ﵎: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. وأما قوله: " إن العلم يقطع بمضار الذباب , ويحض على مكافحته " فمغالطة مكشوفة، لأننا نقول: إن الحديث لم يَقُلْ نقيضَ هذا، وإنما تحدَّث عن قضية أخرى لم يكن العلم يعرف مُعالجتَها، فإذا قال الحديث: " إذا وقع الذباب .. " فلا أحد يَفهم، لا من العرب , ولا من العجم - اللهم إلا العُجْم في عقولهم وأفهامهم - أن الشرعَ يبارك في الذباب ولا يكافحه. ثالثا: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم، من أن الذباب يحمل في جوفه ما سموه بـ " مبعد البكتريا " , القاتل للجراثيم , وهذا وإن لم يكن موافقا لما في الحديث على وجه التفصيل، فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المُشَار إليه وأمثالُه من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبْعُدُ أن يأتي يوم تَنْجَلي فيه معجزة الرسول ﷺ في ثبوت التفاصيل المشار إليها علميا ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ , وإن من عجيب أمر هذا الكاتب وتناقضه أنه في الوقت الذي ذهبَ فيه إلى تضعيف هذا الحديث، ذهبَ إلى تصحيح حديث " طَهُورُ الإناء الذي يَلِغُ فيه الكلب أن يُغْسَل سبع مرات إحداهن بالتراب " , فقال: " حديث صحيح متفق عليه " , فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين على صحته , فالحديث الأول أيضا صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم، فكيف جازَ له تضعيف هذا وتصحيح ذاك؟! , ثم تأويله تأويلا باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح عنده في معناه، لأنه ذَكَر أن المقصود من العدد مجرد الكثرة، وأن المقصود من التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر! , وهذا تأويل باطل بَيِّنُ البطلان - وإن كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله عنه -. فلا أدري أي خَطَأَيْه أعظم، أهو تضعيفه للحديث الأول وهو صحيح، أم تأويله للحديث الآخر , وهو تأويل باطل!. وبهذه المناسبة، فإني أنصح القراء الكرام بأن لا يَثِقُوا بكل ما يُكتَب اليوم في بعض المجلات السائرة، أو الكُتُب الذائعة من البحوث الإسلامية، وخصوصا ما كان منها في علم الحديث، إلا إذا كانت بقلم من يُوثَق بدينه أولا، ثم بعلمه واختصاصه فيه ثانيا، فقد غلب الغرورُ على كثير من كُتَّاب العصر الحاضر، وخصوصا من يحمل منهم لقب " الدكتور "! , فإنهم يكتبون فيما ليس من اختصاصهم، وما لا عِلْمَ لهم به، وإني لَأَعْرِفُ واحدًا من هؤلاء، أخرجَ حديثا إلى الناس كتابا جُلُّه في الحديث والسيرة، وزعمَ فيه أنه اعتمدَ فيه على ما صح من الأحاديث والأخبار في كتب السنة والسيرة! , ثم هو أورد فيه من الروايات والأحاديث ما تفرَّدَ به الضعفاء والمتروكون والمتَّهمون بالكذب من الرواة , كالواقدي وغيره، بل أورد فيه حديث: " نحن نَحْكُم بالظاهر والله يتولى السرائر" وجزمَ بِنِسبته إلى النبي ﷺ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، مع أنه مما لا أصل له عنه بهذا اللفظ، كما نبه عليه حُفَّاظُ الحديث كالسخاوي وغيره , فاحذروا أيها القُرَّاء أمثال هؤلاء , والله المستعان. أ. هـ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِمِا إِذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ أَوْ مَائِعٍ وَمَاتَ فَإِنَّهُ لا يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: " إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً " وَفِي رِوَايَةٍ: " وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ "، وَقَدْ يُفْضِي غَمْسُهُ إِلَى مَوْتِهِ فَلَوْ نَجَّسَ لَمَا أَمَرَ بِهِ. وَمِمَّا قِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّ الْمُنَجِّسَ لَهُ الدِّمَاءُ السَّائِلَةُ، فَمَا لا دَمَ لَهُ سَائِلا لا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ. (٩) وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ كَسَائِرِ الْمَيْتَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَمَحَلُّ الْخِلافِ إِذَا لَمْ تَنْشَأ فِيهِ، فَإِنْ نَشَأَتْ فِيهِ وَمَاتَتْ كَدُودِ الْخَلِّ لَمْ تُنَجِّسْهُ جَزْمًا. (١٠) وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِنَ الْحَيَوَانِ نَوْعَانِ: مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الطَّاهِرَاتِ فَهُوَ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنَ النَّجَاسَاتِ كَصَرَاصِرِ الْحَشِّ وَدُودِهِ فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، لأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ النَّجَاسَةِ فَكَانَ نَجِسًا كَوَلَدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ: صَرَاصِرُ الْكَنِيفِ وَالْبَالُوعَةِ إِذَا وَقَعَ فِي الإِنَاءِ أَوِ الْحَبِّ صُبَّ، وَصَرَاصِرُ الْبِئْرِ لَيْسَتْ بِقَذِرَةٍ وَلا تَأكُلُ الْعَذِرَةَ. (١١) مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْخَارِج مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَجَاسَةُ الْغَائِط (د حم حب) , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (" صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ , فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ " , فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ) (١) (" فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ " , قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا) (٢) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِنِّي لَمْ أَخْلَعْهُمَا مِنْ بَأسٍ، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ) (٣) (أَتَانِي أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (٤) وفي رواية: (خَبَثًا) (٥) (فَأَلْقَيْتُهُمَا , فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ , فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا وفي رواية: (خَبَثًا) (٦) فَلْيَمْسَحْهُمَا) (٧) (بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا ") (٨) الشَّرْح: (" صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ , فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ) أَيْ: نَزَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ. عون٦٥٠ (فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ " , فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ) (" فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ " , قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِنِّي لَمْ أَخْلَعْهُمَا مِنْ بَأسٍ، (وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) أَيْ: نَجَاسَة. عون٦٥٠ وفي رواية: (خَبَثًا) الْمُرَاد مِنْ الْخَبَث النَّجَاسَة أَوْ كُلّ شَيْء مُسْتَخْبَث. عون٦٥٠ (فَأَلْقَيْتُهُمَا , فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ , فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا ") فَوائِدُ الْحَدِيث: قَالَ فِي سُبُل السَّلَام: وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى شَرْعِيَّة الصَّلَاة فِي النِّعَال، وَعَلَى أَنَّ مَسْح النَّعْل مِنْ النَّجَاسَة مُطَهِّر لَهُ مِنْ الْقَذَر وَالْأَذَى، وَالظَّاهِر فِيهِمَا عِنْد الْإِطْلَاق النَّجَاسَة، وَسَوَاء كَانَتْ النَّجَاسَة رَطْبَة أَوْ جَافَّة، وَيَدُلّ لَهُ سَبَب الْحَدِيث اِنْتَهَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: فِيهِ مِنْ الْفِقْه أَنَّ مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبه نَجَاسَة لَمْ يَعْلَم بِهَا فَإِنَّ صَلَاته مُجْزِيَة وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الِأتِسَاء بِرَسُولِ اللَّه ﷺ فِي أَفْعَاله وَاجِب كَهُوَ فِي أَقْوَاله، وَهُوَ أَنَّهُمْ رَأَوْا رَسُول اللَّه ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْهِ خَلَعُوا نِعَالهمْ. وَفِيهِ مِنْ الْأَدَب أَنَّ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى وَحْده وَخَلَعَ نَعْله وَضَعَهَا عَنْ يَسَاره وَإِذَا كَانَ مَعَ غَيْره فِي الصَّفّ وَكَانَ عَنْ يَمِينه وَعَنْ يَسَاره نَاس فَإِنَّهُ يَضَعهَا بَيْن رِجْلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَل الْيَسِير لَا يَقْطَع الصَّلَاة. عون٦٥٠

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.