يحدِّثنا، إذ خرج علينا ممَّا يلي الرُّكن اليَمَاني شيء عظيم كأعظم ما يكون مِنَ الفِيَلة. قال: فَتَفَلَ رسول اللَّه ﷺ وقال: "لُعِنْتَ" -أو قال: خُزِيت. شَكَّ إسحاق-. قال فقال عليّ بن أبي طالب: ما هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "أو ما تعرفه يا عليّ"؟ قال: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "هذا إبليس". فوثب إليه فقبض على ناصيته وجذبه، فأزاله عن موضعه. وقال: يا رسول اللَّه، أقتله؟ قال: "أَوَمَا علمت أنَّه قد أُجِّلَ إلى الوقت المعلوم". قال: فتركه من يده، فوقف ناحية ثم قال: ما لي ولك يا ابن أبي طالب! واللَّهُ ما أَبْغَضَكَ أحد إلَّا وقد شاركت أباه فيه، اقرأ ما قاله اللَّه تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٦٤]. قال ابن عبَّاس: ثم حدَّثنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "لقد عرض لي في الصَّلاة، فأخذتُ بحلقه فخنقته، فإنِّي لأجد بَرْد لسانه على ظهر كفِّي، ولولا دعوة أخي سليمان لأريتكموه مربوطًا بالسَّارية تنظرون إليه". (٣/ ٢٨٩) في ترجمة (محمد بن مَزْيَد بن محمود الخُزَاعِي أبو بكر، المعروف بابن أبي الأَزْهَر). مرتبة الحديث: الخبر الأوَّل والمتعلِّق بقصَّة عليٍّ ﵁ مع إبليس لعنه اللَّه: موضوع. أمَّا خبر ابن عبَّاس الثاني: "لقد عرض لي في الصلاة. . . "، فإنَّه لا يصحُّ من هذا الطريق، وهو ثابت من طرق أخرى. ففيه صاحب الترجمة (محمد بن مَزْيَد الخُزَاعِي ابن أبي الأَزْهَر) وهو كذَّاب. وتقدَّمت ترجمته في الحديث السابق (٣٧٥). قال الحافظ الخطيب عقبه: (إسناد هذا الحديث حسن، ورجاله كلُّهم ثقات إلَّا ابن أبي الأَزْهَر. والقِصَّة الأولى مُنْكَرَةٌ جدًّا من هذا الطريق، وإنَّما نحفظها بإسناد آخر واه". ثم ذكره من حديث عليّ -وهو الحديث التالي رقم (٣٧٧) - وقال: "هكذا رواه القاضي أبو الحسين بن الأُشْنَانِي عن إسحاق بن محمد النَّخَعِي -وهو إسحاق الأحمر- وكان من الغُلَاة، وإليه تُنْسَبُ الطائفة المعروفة بالإِسْحَاقِيَّة، وهي ممن يعتقد في (عليّ) الإِلهية، وأحسب القِصَّة المذكورة في الحديث الأول -يعني حديث ابن عبَّاس- سُرِقَتْ من هاهنا وَرُكِّبَتْ على ذلك الإسناد واللَّه أعلم. التخريج: رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ٢٦٦) -مخطوط- عن الخطيب من طريقه المتقدِّم، ونقل قوله السابق. كما رواه ابن الجَوْزي في "الموضوعات" (١/ ٣٨٦) عن الخطيب من طريقه المتقدِّم أيضًا إلَّا أنَّه لم يذكر آخره: "لقد عرض لي في الصلاة. . . ". وقال: "هذا حديث موضوع". ونقل قول الخطيب السابق وأَيَّدَهُ. وأقرَّه السُّيُوطِيُّ في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٣٦٨)، وتابعه ابن عَرَّاق في "تنزية الشريعة" (١/ ٣٦٠ - ٣٦١). ورواه الذَّهَبِيُّ في "ميزان الاعتدال" (١/ ١٩٧ - ١٩٨) في ترجمة (إسحاق ابن محمد النَّخَعِيّ الأحمر) عن الخطيب أيضًا، ونقل قوله المتقدِّم. أمَّا خبر ابن عبَّاس ﵄: "لقد عرض لي في الصلاة. . . "، فإني لم أقف عليه من حديثه، وقد روي من حديث جماعة من الصحابة، انظر مروياتهم في: "التفسير" للنَّسَائي (٢/ ٢٢٠ - ٢١)، و"صحيح ابن حِبَّان" (٤/ ٤١ - ٤٢)، و"جامع الأصول" (٥/ ٤٩٠)، و"مجمع الزوائد" (٢/ ٨٧)، و"الدُّرّ المنثور" للسُّيُوطيّ (٧/ ١٨٦ - ١٨٧). ومن ذلك ما أخرجه النَّسَائي في "التفسير" (٢/ ٢٢٠) رقم (٤٥٩) -واللفظ له-، وابن حِبَّان في "صحيحه" (٤/ ٤٢) رقم (٤٤)، عن السيدة عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُصلِّي فأتاه الشيطانُ، فأخذَهُ -[يعني رسول اللَّه ﷺ]- فَصَرَعَهٌ فَخَنَقَهُ. قال رسول اللَّه ﷺ: "حتى وجدتُ بَرْدَ لِسَانِهِ على يدي، ولولا دعوةُ أخي سليمانَ ﵇ لأصبحَ مُوثَقًا حتى يراه النَّاسُ". وإسناد النَّسَائي صحيح على شرط الشيخين. والحديث رواه البخاري في التفسير، باب (هب لي مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي. . .) (٨/ ٥٤٦)، ومسلم في المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة. . . (١/ ٣٨٤) رقم (٥٤١)، وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁، بنحوه. * * *