الله: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة؟ قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل ولم يسب، ولم يغنم، إن كانوا كفارا، لقد حل سباهم، ولئن كانوا مؤمنين، ما حل سباهم، ولا قتالهم، قلت: هذه ثنتان؟ فما الثالثة؟ وذكر كلمة معناها، قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين، ⦗٣٨٤⦘ قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا، قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله، جل ثناؤه، وسنة نبيه، ما يرد قولكم، أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله، أن قد صير الله حكمه إلى الرجال، في ثمن ربع درهم، فأمر الله، ﵎، أن يحكموا فيه، أرأيت قول الله، ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم﴾، وكان من حكم الله، أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء لحكم فيه، فجاز فيه حكم الرجال، أنشدكم بالله، أحكم الرجال في صلاح ذات البين، وحقن دمائهم، أفضل، أو في أرنب؟ قالوا: بلى، هذا أفضل، وفي المرأة وزوجها: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾، فنشدتكم بالله، حكم الرجال في صلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم، أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ خرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قلت: وأما قولكم: قاتل ولم يسب، ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة؟ تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ وهي أمكم، فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا، فقد كفرتم: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، وأما: محي نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون؛ إن نبي الله ﷺ يوم الحُدَيبيَة، صالح المشركين، فقال لعلي: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ف قال رسول الله ﷺ: امح يا علي، اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، والله، لرسول الله ﷺ خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم، فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقتلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار» (¬١). - وفي رواية: «عن أبي زميل الحنفي، قال: حدثنا عبد الله بن عباس، ﵁، قال: لما اعتزلت الحروراء، فكانوا في دار على حدتهم، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين، أبرد عن الصلاة، لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم، قال: إني أتخوفهم عليك، قلت: كلا، إن شاء الله تعالى، قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليَمَانِيَة، قال: ثم دخلت عليهم، وهم قائلون في نحر الظهيرة، قال: فدخلت على قوم، لم أر قوما قط أشد اجتهادا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوههم معلمة من آثار السجود، قال: فدخلت، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قلت: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله ﷺ عليهم نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه، وقال بعضهم: والله لنحدثنه، قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ﷺ وختنه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله ﷺ معه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثا، قال: قلت: وما هن؟ قالوا: أولهن؛ أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال الله: ﴿إن الحكم إلا لله﴾، قال: قلت: وماذا؟ قالوا: وقاتل، ولم يسب، ولم يغنم، لئن كانوا كفارا لقد حلت له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم؟ قال: قلت: وماذا؟ قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين، قال: قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه ﷺ ما لا تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم، قال: قلت: أما قولكم: حكم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ إلى قوله: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، وقال في المرأة وزوجها: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾، أنشدكم الله، أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح ذات بينهم أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: اللهم بل في حقن دمائهم، وإصلاح ذات بينهم، قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأما قولكم: إنه قاتل ولم يسب، ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة، أم تستحلون ⦗٣٨٦⦘ منها ما تستحلون من غيرها؟ فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست أُم المؤمنين فقد كفرتم، وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾، فأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيتهما شئتم، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله ﷺ دعا قريشا يوم الحُدَيبيَة، على أن يكتب بينه وبينهم كتابا، فقال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله، لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال: والله، إني لرسول الله حقا، وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله، فرسول الله ﷺ كان أفضل من علي، ﵁، أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم، فرجع منهم عشرون ألفا، وبقي منهم أربعة آلاف، فقتلوا» (¬١). أخرجه عبد الرزاق (١٨٦٧٨). وأحمد (٣١٨٧) قال: حدثنا عبد الرَّحمَن بن مهدي. و «النَّسَائي» في «الكبرى» (٨٥٢٢ و ١١٧٤٧) قال: أخبرنا عَمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرَّحمَن بن مهدي. كلاهما (عبد الرزاق بن همام، وابن مهدي) عن عكرمة بن عمار، قال: حدثنا أَبو زميل الحنفي، فذكره (¬٢). ٦٥٠٩ - عن أبي زميل سماك الحنفي، أنه سمع ابن عباس يقول: «كاتب الكتاب يوم الحُدَيبيَة علي بن أبي طالب». أخرجه عبد الرزاق (٩٧٢١) عن عكرمة بن عمار، قال: أخبرنا أَبو زميل سماك الحنفي، فذكره (¬١).