أبو لهب: إذا كان ما يقول ابن أخي حقا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾. وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ يصلى نارا، أي: يشوى بها، يقال: صلاه بالنار إذا شواه، أي: ذات شرر ولهيب، وإحراق شديد. والسين للتحقيق مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]. وكانت هذه الآية نزلت في حياة أبي لهب، وق د مات كافرا، فكانت هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم، ولا ينجو من نار ذات لهب، وكانت من دلائل نبوته ﷺ. وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ هي زوجته، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، فتحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه. وقيل: إنها كانت تضع الشوكة في طريق النبي ﷺ من بيته إلى الكعبة. وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ عطف على الضمير المستتر في ﴿سَيَصْلَى﴾ أي: وتصلى امرأته نارا. وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ صفة ثانية لهذه المرأة الخبيثة، أي جُعِل في عنقها حبل تحمل فيه الحطب في جهنم لإسعار النار على زوجها. والجيد: العنق، وغلب على عنق المرآة على محل القلادة، لبيان الحسن، وهذه المرأة وُصِفَت بهذه الصفات جزاء لعملها في الدنيا. وهذه المرأة أيضا ماتت على الكفر والشرك، وتحقق فيها أيضا دلائل النبوة، كما تحقق في زوجها، فكلاهما ماتا على الكفر ويدخلان النار. وكانت هذه المرأة بذيئة كما جاء في الحديث: • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، والنبي ﷺ جالس في المسجد، ثم قرأ قرآنا ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول الله ﷺ: "إنها لن تراني"، وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله ﷺ، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا، ورب هذا البيت! ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. قال: فقال الوليد في حديثه أو قال غيره: فعثرت أم جميل وهي تطوف بالبيت في مرطها، فقالت: تعس مذمم. فقالت أم حكيم ابنة عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، فكلتانا من بني العم، قريش بعد أعلم. حسن: رواه الحميدي (٣٢٣) - وعنه الحاكم (٢/ ٣٦١) - عن سفيان، ثنا الوليد بن كثير، عن ابن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته. واللفظ للحميدي، ولم يذكر الحاكم: قال الوليد في حديثه ... الخ. وابن تدرس هو يزيد بن تدرس لا يعرف من هو؟ ولكن رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٩٦) من وجه آخر عن سعيد بن كثير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر. وإسناده حسن من أجل هذه المتابعة. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وبمعناه ما روي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي ﷺ ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! إنها امرأة بذيئة وأخاف أن تؤذيك فلو قمت؟ قال: "إنها لن تراني"، فجاءت فقالت: يا أبا بكر! إن صاحبك هجاني. قال: ما يقول الشعر. قالت: أنت عندي مصدق، وانصرفت. فقلت: يا رسول الله! لم ترك قال: "لم يزل ملك يسترني منها بجناحيه". رواه أبو يعلى (٢٥، ٢٣٥٨) وعنه ابن حبان (٦٥١١) والبزار - كشف الأستار (٢٢٩٤) كلهم من حديث أبي أحمد الزبيري، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل عطاء بن السائب، فإنه اختلط، وروى عنه عبد السلام بن حرب في حالة الاختلاط، وقد نص الحافظ ابن حجر في "هدي الساري": "من روى عنه بعد الاختلاط فحديثه ضعيف". وحسَّنه في الفتح (٨/ ٧٣٨) فلعله لشاهده. وله شاهد آخر عن زيد بن أرقم عند الحاكم (٢/ ٥٢٦) ولكن فيه علّة بيّنَها الحاكم نفسه. هذه السورة تُعتبر من المعجزات الكبرى للقرآن الكريم، فإن الله أنزل هذه السورة، وأبو لهب وامرأته لا يزالان أحياء لم يموتا بعد، فأخبر الله تعالى أنهما يدخلان النار، ويعذّبان فيها لأنهما لا يُسلمان، فوقع كما أخبر الله تعالى عالم الغيب والشهادة. • * * ١١٢ - تفسير سورة الإخلاص وهي مكية، وعدد آياتها ٤ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ • عن أبي بن كعب قال: إنّ المشركين قالوا: يا محمد! انسُب لنا ربَّك، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قال: الصّمد الذي لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ لأنه ليس شيءٌ يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلّا سيورث، وإنّ الله لا يموت ولا يورث ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء. حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٦٤)، وأحمد (٢١٢١٩) والحاكم (٢/ ٥٤٠) كلهم من حديث أبي جعفر الرّازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، فذكره، واللفظ للحاكم، وقال: "صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل أبي جعفر الرازيّ فإنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. • عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ، أنّ النبيّ ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ ﷺ فقال: "سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنّها صفة الرحمن، وأنا أحبُّ أن أقرأ بها. ف قال النبيُّ ﷺ: "أخبروه أنّ الله يحبُّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٧٥)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٣) كلاهما من حديث عبد الله بن وهب، حدّثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدّثه، عن أمِّه عمرة بنت عبد الرحمن - وكانت في حجْر عائشة -، عن عائشة، فذكرته. • عن أبي هريرة قال: أقبلت مع رسول الله ﷺ، فسمع رجلا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فقال رسول الله ﷺ: "وجبت"، فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: "الجنة" فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إليه، فأبشِّره، ثم فَرِقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله ﷺ، فآثرت الغداء مع رسول الله ﷺ، ثم ذهبت إلى الرجل، فوجدته، قد ذهب. صحيح: رواه مالك في كتاب القرآن (١٨) عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب، أنه قال: سمعت أبا هريرة، يقول: فذكره. ومن طريقه رواه الترمذي (٢٨٩٧) والنسائي (٩٩٤) وأحمد (٨٠١١) وصحّحه الحاكم (١/ ٥٦٦). وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك". • عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤُمهم في مسجد قباء. فكان كلما افتتح سورةً يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعَها وتقرأ بسورة أخرى، قال: ما أنا بتاركها، إن أَحببتم أن أؤمكم بها فعلتُ، وإن كرهتُم تركتكم. وكانوا يرونه أفضلَهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر. فقال: "يا فلان! ما يمنعك مما يأمر به أصحابُك، وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ ". فقال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال رسول الله ﷺ: "إن حُبَّها أدخلك الجنة". صحيح: أخرجه الترمذي (٢٩٠١) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل (البخاري) حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث. قال الترمذي: "حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن عمر، عن ثابت". وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله! إني أحب هذه