كَانَ سُلَيمانُ نبيُّ اللهِ إذَا صَلَّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول لأي شيء أنت؟ فإن كانت تُغْرَسُ غُرسَت، وإن كان لدواءٍ كُتبتْ، فبينما هو يُصَلِّي ذاتَ يَومٍ إذ رأى شجرةً بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم! عمّ على الجن موتي؛ حتَّى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنَحَتَها عصا فتوكَّأ عليها حولًا ميتًا، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقط، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين". قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء. رواه البزّار (كشف الأستار: ٢٣٥٥) عن محمد بن مرزوق بن بكير، ثنا محمد بن مسعود، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره مرفوعًا. ورواه أيضًا البزّار (٢٣٥٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب به موقوفًا وهو الصواب، وفي بعض ألفاظه غرابة ونكارة. والكلام عليه مبسوط في كتاب الأنبياء. بيّنَ الله ﷾ بهذه الآية أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يزعمون لجهلهم، وقد اشتهر بين المشركين أن الجن يعلمون الغيب فكانوا يذهبون إلى الكهان ظنًّا منهم أن لكل كاهن جنّيا يأتيه بأخبار الغيب فردّ الله على الجميع بأنهما لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا وفاة سليمان وهو أهون عليهم. ٣ - باب قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وسبأ رجل ولدَ عشرةً، فسكنَ ستة منهم في اليمن، وأربعة منهم في الشام كما جاء في الحديث: • عن ابن عباس، يقول: إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ، ما هو: أرجل، أم امرأة، أم أرض؟ فقال: "بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، عرباء كلها، وأمّا الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان". حسن: رواه أحمد (٢٨٩٨)، والحاكم (٢/ ٤٢٣) كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن، عن عبد الله بن هبيرة السبائي، عن عبد الرحمن بن وعلة، قال: سمعت ابن عباس، يقول فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل عبد الله بن لهيعة فإنه متكلم فيه، ولكن روايه عبد الله بن يزيد عنه صالحة، وقد حسّنه ابن كثير في تفسيره. تنبيه: وقع في النسخة المطبوعة من المستدرك "عبد الله بن عَيَّاش" مكان "عبد الله بن لهيعة"، والظاهر أن هذا تصحيف لأن أهل العلم لم يذكروا عبد الله بن عَيَّاش ضمن تلاميذ عبد الله بن هُبَيْرة، وهو تصحيف قديم لأنه كذلك وقع أيضًا في "إتحاف المهرة" (٧/ ٣٦٣). • عن فروة بن مسيك الغطيفي، قال: أتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله! ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ قال: "بلى" ثمّ بدا لي، فقلت: يا رسول الله! لا، بل أهل سبأ، فهم أعزّ وأشدّ قُوة. قال: فأمرني رسول الله ﷺ، وأذن لي في قتالهم، فلمّا خرجتُ من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل، فقال رسول الله ﷺ: "ما فعل الغطيفي؟ " فأرسل إلى منزلي، فوجدني قد سِرْتُ فرُدِدْتُ، فلمّا أتيتُ رسول الله ﷺ وجدته قاعدًا ومعه أصحابه، قال: فقال: "بل ادعُ القومَ، فمن أجاب فاقبل منه، ومن لم يجب فلا تعجل عليه، حتَّى تحدث إلي" قال: فقال رجل من القوم: يا رسول الله! أخبرْنا عن سبأ، أرض هي أو امرأة؟ قال: "ليست بأرض ولا امرأة، ولكنه رجلٌ وَلَدَ عشرةً من العرب، فتيامنَ منهم ستةٌ، وتشاءمَ منهم أربعةٌ، فأما الذين تشاءموا: فَلَخْمٌ، وجُذامٌ، وغسّان، وعامِلَة، وأمّا الذين تيامنوا: فالأزدُ، وكندةُ، وحميرٌ، والأشعريون، وأنمارٌ، ومذحج" فقال رجل: يا رسول الله! وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة". حسن: رواه أبو داود (٣٩٨٨)، والتِّرمذيّ (٣٢٢٢)، وأحمد (٢٤٠٠٩/ ٨٩)، واللّفظ له، كلّهم من طريق أبي أسامة (حمّاد بن أسامة)، حدثنىِ الحسن بن الحكم النخعي قال: أخبرنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مُسَيك الغُطيفي فذكره. وأبو سبرة النخعي الكوفي يقال: اسمه عبد الله بن عابس، روى عنه ثلاثة، وذكره ابن حبَّان في الثّقات، لذا قال عنه الحافظ: "مقبول" يعني حيثُ يتابع وإلَّا فلين الحديث. وقد توبع. رواه أحمد (٢٤٠٠٩/ ٨٨)، والطَّبرانيّ في الكبير (١٨/ ٣٢٣) كلاهما من طرق عن أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مُسيك فذكره. وأبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي متكلم فيه، قال عنه الحافظ: "ضعّفوه لكثرة تدليسه". لكنْ لا بأس به في المتابعة، وبهذين الإسنادين يرتقي الحديث إلى درجة الحسن. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب". وحسّنه أيضًا ابن كثير في تفسيره. ٤ - باب قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ قوله: ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي قرى الشام. قوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي بلد بعد بلد، فإذا خرجوا من مملكة سبأ التي كانت في اليمن للتجارة مروا على القرى المتواصلة بعضها ببعض، ولذلك ما كانوا يحملون الزاد والماء. والظاهر أن هذه القرى بناها ملوك هذه البلاد لراحة القوافل، أو بناها الناس نظرًا لورود القوافل إليهم من اليمن إلى الشام، ومن الشام إلى اليمن. قوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أي لهم أن يسيروا ليلًا أو نهارًا فلا يعترضهم أحد بسوء، ولا يجدون المشقة في حصول الطعام والماء. وهذه النعمة العظيمة التي وهبهم الله لم يقدروها، فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ لعل قولهم هذا كان على سبيل الاستهزاء لدعوة الأنبياء والعلماء إلى التوحيد والعمل الصالح، وقد كفروا بالله بعد سليمان ﵇. وقال مجاهد: بطروا النعمة، وسئموا الراحة. قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي عاقبناهم على كفرهم وشركهم بعد أن كانوا في نعمة من الله تعالى، وفي بحبوحة من العيش، فصار وجودهم في الأخبار والقصص عبرةً لمن بعدهم بخلاف المؤمن كما جاء في الصَّحيح: • عن صُهَيب قال: قال رسول الله ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحدً إلَّا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٩) من طرق عن سليمان بن المغيرة، حَدَّثَنَا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب، فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الجنائز. ٥ - باب قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ • عن أبي هريرة قال: إن نبي الله ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعفمه فوق بعض. - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته حتَّى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء". صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٠٠) عن الحميدي، حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا عمرو، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره. • عن عبد الله بن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ: "ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ: "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمُه إذا قضى أمرًا سبّح حملة العرش، ثمّ سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتَّى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدُّنيا، ثمّ قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا حتَّى يبلغ الخبر هذه السماء الدُّنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون". صحيح: رواه مسلم في السّلام (٢٢٢٩) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنَا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حَدَّثَنِي عليّ بن حسين أن عبد الله بن عباس قال: فذكره. ٦ - باب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلن َّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ • عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصّلاة صلّى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من طريق هُشيم، أخبرنا سيّار، حَدَّثَنَا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله فذكره. والسياق لمسلم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي مذكورة في كتاب الجهاد وفي كتاب السيرة. ٧ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ أي أن الله ﷿ يعطي ويبسط من الدُّنيا لمن يحب ولمن لا يحب، وأطيبهم في الدُّنيا من وُفّقَ للإسلام ورُزقَ الكفاف والقناعة بما أعطي، كما جاء في الصَّحيح: • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه". صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، حَدَّثَنِي شرحبيل - وهو ابن شريك -، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره. ٨ - باب قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٦٤: ٣٤) عن عمرو الناقد، حَدَّثَنَا كثير بن هشام، حَدَّثَنَا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة فذكره. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. • عن أبي سعيد الخدريّ: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم. قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٥٦)، ومسلم في الجنّة وصفة نعيمها (٢٨٣١) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ فذكره. ٩ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله قال لي: أَنفق أُنفق عليك". وقال: "يد الله ملآى، لا تغيضها نفقة سحّاء الليل والنهار". وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغِضْ ما في يده وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٨٤)، ومسلم في الزّكاة (٩٩٣) كلاهما من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. واللّفظ للبخاريّ. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من يوم يصبح العباد فيه إِلَّا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكًا تلفًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٤٢)، ومسلم في الزّكاة (١٠١٠) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حَدَّثَنِي معاوية بن مزرِّد، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة فذكره. ١٠ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ أسند إلى النَّبِيّ ﷺ مهمة النذارة فقام بها خير قيام. • عن ابن عباس قال: صعِدَ النَّبِيّ ﷺ الصفا ذات يوم فقال: "يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش قالوا: ما لك؟ قال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ ". قالوا: بلى. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتَنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٠١)، ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. واللّفظ للبخاري، وسياق مسلم طويل. • عن بريدة بن الحصيب قال: خرج إلينا النَّبِيّ ﷺ يومًا، فنادى ثلاث مرار، فقال: "أيها الناس! تدرون ما مثلي ومثلكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنَّما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلًا يتراءى لهم، فبينما هم كذلك أبصر العدو فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس! أُتيتم، أيها الناس! أُتيتم" ثلاث مرار. حسن: رواه أحمد (٢٢٩٤٨) عن أبي نعيم، حَدَّثَنَا بشير، حَدَّثَنِي عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل بشير وهو ابن المهاجر الغنوي الكوفي من رجال مسلم إِلَّا أنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، تكلّم فيه أحمد، ووثّقه ابن معين، وقال النسائيّ: لا بأس به. ١١ - باب قوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ أي يهلكه ويبطله تماما فلا تبقى منه بادئة ولا عائدة كما يقال: فلان ما يبدئ وما يعيد، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة وهذا يقال للميت الذي لا يرتجل كلاما، ولا يجيب عن كلام غيره. وقد عبّر الله عنه بالزهوق، فقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وقال أيضًا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] وقد جاء في الحديث: • عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النَّبِيّ ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٢٠)، ومسلم في الجهاد ١٧٨١١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود فذكره. واللّفظ للبخاريّ ولفظ مسلم نحوه وزاد في رواية: يوم الفتح، وكذلك ذكره البخاريّ أيضًا في المغازي (٤٢٨٧). وقد تحقق هذا الخبر الرباني، فليست بعد مجيء الحق في الأرض بقعة إِلَّا يعبد فيها الاله الحق وحده، وليس للباطل أن يقضي على الحق نهائيا بل يبقى الحق إلى قيام الساعة كما لم تكن قبل مجيء الحق في الأرض بقعة يُعبد فيها الإله الحق وحده. ١٢ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ • عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النَّبِيّ ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النَّبِيّ ﷺ: "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبًا وهو معكم" ... الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٠٢)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٤) كلاهما من طريق عاصم (هو الأحول)، عن أبي عثمان (هو النهدي)، عن أبي موسى الأشعري فذكره. قوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ هو على سبيل التنزل في المجادلة مع المكذبين الذين كانوا يرمونه بالضلال، فقال: إن ضلاله يختص به، لا يتعدى إلى غيره بخلاف الهداية فإنما كانت بالوحي من عند الله الذي هو سميع لأقوالكم وأصواتكم، فيحاسبكم على عدم إيمانكم به، وهو قريب ممن دعاه وسأله. ولذا أمر النَّبِيّ ﷺ بخفض الأصوات عند الدعاء والتكبير والتهليل. • * * ٣٥ - تفسير سورة فاطر هي مكية، وعدد آياتها ٤٥ ١ - باب قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أي أن الله خلق الملائكة لبعضهم جناحان، ولبعضهم ثلاثة أجنحة، ولبعضهم أكثر من ذلك لقوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ وقد جاء في الصَّحيح: • عن ابن مسعود: أنّ النَّبِيّ ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح. متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٢)، ومسلم في الإيمان (١٧٤) كلاهما عن أبي إسحاق الشيباني، قال: سألت زر بن حبيش، عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]. قال: أخبرني عبد الله بن مسعود، فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ أي: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وقد جاء في الصَّحيح. • عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية: أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٤٤)، ومسلم في المساجد (٥٩٣) كلاهما من طريق ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: فذكره. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض ومِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدّ". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا مروان بن محمد الدمشقي، حَدَّثَنَا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قَزَعة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. ٣ - باب قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بالقدر، وقد جاء في الحديث. • عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله ﷿ خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٤٤)، وأحمد (٦٦٤٤)، وصحّحه ابن حبَّان (٦١٦٩)، والحاكم (١/ ٣٠) كلّهم من طرق عن عبد الله الديلمي قال: سمعت عبد الله بن عمرو، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. ٤ - باب قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. • عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ مما تذكرون من جلال الله التسبيح، والتهليل، والتحميد، ينعطفن حول العرش، لهنّ دويّ كدويّ النحل، تذكِّر بصاحبها، أما يحبّ أحدكم أن يكون له - أو لا يزال له - من يذكّر به؟ ". صحيح: رواه ابن ماجة (٣٨٠٩) عن أبي بشر بكر بن خلف، قال: حَدَّثَنِي يحيى بن سعيد، عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير، فذكره. وإسناده صحيح. والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. • عن أنس قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ في الحلقة، إذ جاء رجل، فسلّم على النَّبِيّ ﷺ وعلى القوم، فقال: السّلام عليكم، فردّ عليه النَّبِيّ ﷺ: "وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته". فلمّا جلس الرّجل قال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبّ ربّنا ويرضى، فقال له النَّبِيّ ﷺ: "كيف قلت؟ ". فردّ على النَّبِيّ - ﷺ كما قال، فقال النَّبِيّ ﷺ: "والذي نفسي بيده! لقد ابتدرها عشرة أملاك، كلّهم حريص على أن يكتبوها، فبادروا كيف يكتبونها حتَّى رفعوه إلى ذي العزّة، فقال: اكتبوها كما قال عبدي". حسن: رواه النسائيّ في عمل اليوم والليلة (٣٤١)، وأحمد (١٢٦١٢)، وابن حبَّان (٨٤٥)، والضياء في "المختارة" (١٨٨٧) كلّهم من طريق خلف، عن ابن أخي أنس، عن أنس، فذكره. وإسناده حسن من أجل خلف وهو ابن خليفة بن صاعد الأشجعي مولاهم الواسطي، وهو حسن الحديث، قال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به، ولا أبرئه من أن يخطئ في بعض الأحاديث في بعض رواياته". والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. ٥ - باب قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾ قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: أن الله ﷿ ابتدأ خلق أبيكم آدم ﵇ من تراب، ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لينتهينّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنّما هم فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجُعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهليّة وفخرها بالآباء، إنّما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب". حسن: رواه الترمذيّ (٣٩٥٥)، وأحمد (١٠٧٨١) كلاهما من طريق أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، حَدَّثَنَا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل هشام بن سعد المدني وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن". وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. • عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إِلَّا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر". صحيح: رواه البخاريّ في الكسوف (١٠٣٩) عن محمد بن يوسف، قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. وقوله: "في الأرحام": ليس مقصورا على معرفة الذكر والأنثى في الرحم، بل هو شامل لجميع مراحل حياة الطفل، من كونه سعيدا أو شقيا، ومن كونه غنيا أو فقيرا ونحو ذلك. وقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. • عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من سرّه أن يبسط له رزقه أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٦٧)، ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٥٧) كلاهما من طريق يونس، حَدَّثَنَا ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. والمعنى أن طول العمر وقصره بسبب وبغير سبب، كل ذلك معلوم ومكتوب عند الله ﷿. ٦ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ أي: الناس والدواب والأنعام كذلك مختلفة أيضًا في ألوانها، فالناس منهم من هو في غاية السواد مثل الحبشة، ومنهم من هو في غاية البياض مثل الروم، ومنهم من هو بين ذلك مثل العرب. والهنود دون العرب في ذلك، وهذا كله من آيات الله ﷿ في خلقه، قال تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]. من إفادات الحافظ ابن كثير. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي: إنّما يخشاه حق خشيته العلماء الذين يعرفون سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ويعرفون حلاله وحرامه وأوامره ونواهيه، وما يحب ويرضى وما يكرهه ويغضب منه، ولا يُعلَم ذلك على الوجه الصَّحيح إِلَّا بتعلم الكتاب والسنة وفهمهما وفق منهج السلف الصالح من الصّحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة الدين، ويقابلهم الجهال من المشركين والكفار، وكذلك من المسلمين الذين يتعلمون العلوم العصرية، وليس لديهم علمٌ كافٍ من الكتاب والسنة فيُخشى عليهم الزيغ والضلال، فقصر الله الخشية على العلماء العارفين بالكتاب والسنة، وعلى الذين يجعلون العلوم العصرية خاضعة لهما، ولذا وجب الاهتمام بتعليم الكتاب والسنة للعلماء العصريين. ٧ - باب قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي: يُسوّرون في أيديهم رجالهم ونساؤهم أساور الذهب واللؤلؤ، وقد جاء في الحديث. • عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمدّ يده حتَّى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ! أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٠) عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا خلف، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، فذكره. وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. • عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي، فلمّا وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدُّنيا ولنا في الآخرة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأطعمة (٥٤٢٦)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٦٧) كلاهما من طريق مجاهد، قال: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره. واللّفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد. ٨ - باب قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾. • عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لن يُدخِل أحدًا عملُه الجنّة". قالوا: ولا أنت، يا رسول الله؟ ! قال: "لا، ولا أنا، إِلَّا أن يتغمدّني الله بفضل ورحمة، فسدّدوا وقاربوا، ولا يتمنّينّ أحدُكم الموت، إمّا محسنا فلعله أن يزداد خيرًا، وإمّا مسيئا فلعله أن يستعتب". متفق عليه: رواه البخاريّ في المرضى (٥٦٧٣)، ومسلم في صفة القيامة (٢٨١٦: ٧٥) كلاهما من طريق الزّهري، قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة، قال: فذكره. واللّفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر. ٩ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ • عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "أمّا أهل النّار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النّار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم)، فأماتهم إماتة، حتَّى إذا كانوا فحما، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثّوا على أنهار الجنّة، ثمّ قيل: يا أهل الجنّة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٥) عن نصر بن عليّ الجهضمي، حَدَّثَنَا بِشر - يعني ابن المفضل -، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره. ١٠ - باب قوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ التعمير: هو تطويل العمر، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [سورة البقرة: ٩٦]، فإن العمر الذي منحه الله للإنسان من ستين إلى سبعين سنة كافٍ للتذكر والعمل بموجبه، وقد جاء في الصَّحيح. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتَّى بلّغه ستين سنة". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٩) عن عبد السّلام بن مطهَّر، حَدَّثَنَا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. معنى الحديث: أن الله لم يترك له شيئًا في الاعتذار يتمسك به، فإن تطويل عمره إلى ستين سنة يقتضي منه الطاعة والاستغفار والإقبال على الآخرة بخلاف الشباب، فإنه إن قيل له: تب من المعصية، فيقول: إذا شِخت. بخلاف الشّيخ المعمّر، فليس أمامه إِلَّا التوبة. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك". حسن: رواه الترمذيّ (٣٥٥٠)، وابن ماجة (٤٢٣٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٢٩٨٠)، والحاكم (٢/ ٤٢٧) كلّهم من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي فإنه حسن الحديث.