نساءَه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصةُ إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: "ما أنا بداخل عليهن شهرًا" من شدة موجدتِه عليهن حين عاتبه الله ﷿، فلما مضت تسعٌ وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول الله! إنك كنتَ قد أقسمتَ أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدها عدًا، فقال: "الشهر تسع وعشرون ليلة"، فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة، قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فاخترتُه، ثم خيّر نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة. متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥١٩١) من طريق شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، فذكره. ورواه مسلم (١٤٧٩: ٣٤) من طريق معمر، عن الزهري به مثله إلى قوله: "حين عاتبه الله ﷿" وفي مسلم "حتى عاتبه الله ﷿" ثم قال مسلم (٣٥: ١٤٧٥) قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة قالت: "لما مضى تسع وعشرون ليلة ... " وذكرت بقية الحديث. • عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ. فوجد الناس جلوسًا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر. فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا. قال: لأقولن شيئًا أُضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة! سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها. فضحِكَ رسول الله ﷺ وقال: "هن حولي كما ترى. يسألنني النفقة" فقام أبو بكر إلى عائشة يجأُ عنقَها، فقام عمر إلى حفصة يجأُ عنقَها. كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده. فقلن: والله! لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩] قال: فبدأ بعائشة. فقال: "يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" قالت: وما هو؟ يا رسول الله! فتلا عليها الآية. قالت: أفيك، يا رسول الله، أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. إن الله لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا". صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٧٨) عن زهير بن حرب، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا زكريا بن إسحاق، حَدَّثَنَا أبو الزُّبير، عن جابر بن عبد الله فذكره. • عن عائشة قالت: خيّرنا رسول الله ﷺ، فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الطلاق (٥٢٦٢)، ومسلم في الطلاق (٢٨: ١٤٧٧) كلاهما من طريق الأعمش، حَدَّثَنَا مسلم، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته. ٩ - باب قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أي أزواجه وبناته. • عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قال: نزلت في نساء النَّبِيّ ﷺ خاصة. حسن: رواه ابن أبي حاتم - كما ذكره ابن كثير في تفسيره - عن عليّ بن حرب الموصليّ، حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، حَدَّثَنَا حسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل زيد بن الحباب وشيخه حسين بن واقد فإنهما حسنا الحديث. • عن عائشة: خرج النَّبِيّ ﷺ غداة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله. ثمّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٢٤) من طرق عن محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت. قالت عائشة: فذكرته. • عن سعد بن أبي وقَّاص قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٠٤: ٣٢) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه قال: أمر معاوية فذكره في حديث طويل. • عن شداد أبي عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا، فلمّا قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة أسألها عن عليّ، قالت: توجه إلى رسول الله ﷺ فجلست أنتظره حتَّى جاء رسول الله ﷺ ومعه عليّ وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده، حتَّى دخل فأدنى عليا وفاطمة، فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثمّ لف عليهم ثوبه، أو قال: كساء، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق". صحيح: رواه أحمد (١٦٩٨٨)، وصحّحه ابن حبَّان (٦٩٧٦)، والحاكم (٢/ ٣، ٤١٦/ ١٧٤)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٥٢) كلّهم من طرق عن الأوزاعي، عن شداد أبي عمار قال: فذكره. وإسناده صحيح، وكذا صحّحه أيضًا البيهقيّ. وزاد ابن حبَّان والبيهقي في آخر الحديث: قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: "وأنت من أهلي". قال واثلة: إنها لمن أرجى ما ارتجي. أي من أهل الإسلام، وليس من أهلي نسبا. وقوله في الحديث: "وأهل بيتي أحقُّ" يعني بهذه الكرامة وهي إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم. • عن عمر بن أبي سلمة ربيب النَّبِيّ ﷺ قال: نزلت هذه الآية على النَّبِيّ ﷺ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ في بيت أم سلمة، فدعا النَّبِيّ ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره فجلّله بكساء، ثمّ قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: "أنت على مكانك وأنت إلي خير". حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٠٥، ٣٧٨٧)، والطبري في تفسيره (١٩/ ١٠٦)، والطَّبرانيّ في الكبير (٨٢٩٥) كلّهم من طريق محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عمر بن أبي سلمة قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن سليمان بن عبد الله الكوفي أبي عليّ بن الأصبهاني فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ، والظاهر أنه لم يخطئ لوجود شواهد صحيحة. ويحيى بن عبيد هو المكي كما صرَّح به الطبراني، وهو ثقة. • عن أم سلمة أن النَّبِيّ ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: "ادعي زوجك وابنيك". قالت: فجاء عليّ والحسين والحسن، فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري. قالت: وأنا أصلي في الحجرة، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت: فأخذ فضل الكساء، فغشاهم به، ثمّ أخرج يده، فألوى بها إلى السماء، ثمّ قال: "اللَّهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا". قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله، قال: "إنَّك إلى خير، إنك إلى خير". حسن: رواه أحمد (٢٦٥٠٨) عن عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا عبد الملك - يعني ابن أبي سليمان -، عن عطاء ابن أبي رباح قال: حَدَّثَنِي من سمع أم سلمة قالت: فذكرت الحديث. وقال عبد الملك: وحدثني أبو ليلى عن أم سلمة مثل حديث عطاء. ورواه الحاكم (٢/ ٤١٦) من وجه آخر عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة مختصرًا. وقال: "صحيح على شرط البخاريّ". وقال الذّهبيّ: "على شرط مسلم". قلت: إسناده حسن من أجل عبد الملك بن أبي سلمان" فإن فيه كلاما في حفظه ولكنه توبع. ورواه الترمذيّ (٣٨٧١) من وجه آخر عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة مختصرًا. وشهر بن حوشب فيه كلام معروف، ولكنه لا بأس به في المتابعات. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، وهو من أحسن شيء روي في هذا الباب". ١٠ - باب قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ • عن أم سلمة، زوج النَّبِيّ ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني ذات يوم ظهرا إِلَّا نداؤه على المنبر، قالت: وأنا أُسرّح رأسي، فلففتُ شعري، ثمّ خرجتُ إلى حجرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول على المنبر: يا أيها الناس، إن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. صحيح: رواه النسائيّ في الك برى (١١٣٤١) - واللّفظ له - من طريق المغيرة بن سلمة أبي هشام المخزومي -، ورواه أحمد (٢٦٥٧٥)، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤) من طريق عفّان بن مسلم - كلاهما (المغيرة وعفان) عن عبد الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا عثمان بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن شيبة، عن أم سلمة فذكرته. وإسناده صحيح. ورواه أحمد (٢٦٥٧٥) من طريق يونس بن محمد، والطَّبرانيّ في الكبير (٢٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩) من طريق محمد بن المنهال كلاهما عن عبد الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا عثمان بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الله بن رافع، عن أم سلمة فذكرته. وإسناده صحيح أيضًا وكلا الطريقين محفوظان فإن عبد الرحمن بن شيبة وعبد الله بن رافع سمعا من أم سلمة. • عن ابن عباس قال: قالت النساء: يا رسول الله ما لنا لا نذكر كما يذكر الرجال فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾. حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١٩/ ١١١)، والطَّبرانيّ في الكبير (١٢/ ١٠٨) كلاهما من طريق أبي كدينة يحيى بن مهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل يحيى بن مهلب فإنه حسن الحديث، وكذلك فيه قابوس بن أبي ظبيان وقد تكلم فيه ولكنه حسن الحديث إذا لم ينفرد بما لا أصل له. • عن أم عمارة الأنصارية: أنها أتت النَّبِيّ ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إِلَّا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية. حسن: رواه الترمذيّ (٣٢١١) عن عبد بن حميد، حَدَّثَنَا محمد بن كثير، حَدَّثَنَا سليمان بن كثير، عن حصين، عن عكرمة، عن أم عمارة الأنصارية فذكرته. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب". قلت: إسناده حسن من أجل سليمان بن كثير العبدي فإنه حسن الحديث في غير الزّهري، وقد توبع، تابعه جرير عن حصين عن عكرمة، عن أم عمارة الأنصارية به، كما عند الطبرانيّ في الكبير (٢٥/ ٣٢). وقد رواه شعبة عن حصين مرسلًا، والحكم لمن وصل، وإنْ كان شعبة أحفظ. ١١ - باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ • عن أنس قال: خطب النَّبِيّ ﷺ على جُلَيبيبٍ امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتَّى أستأمر أمها. ف قال النَّبِيّ ﷺ: "فنعم إذا" قال: فانطلق الرّجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: لا ها اللهِ إذا، أمَا وجد رسول الله ﷺ إِلَّا جليبيبا، وقد منعناها من فلان وفلان، قال: والجارية في سترها تستمع، قال: فانطلق الرّجل يريد أن يخبر النَّبِيّ ﷺ بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تَرُدُّوا على رسول الله ﷺ أمره؟ ! إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه، قال: فكأنها حلّت عن أبويها، وقا لا: صدقتِ. فذهب أبوها إلى النَّبِيّ ﷺ، فقال: إن كنت قد رضيتَه فقد رضيناه. قال: "فإني قد رضيته" فزوَّجَها. ثمّ فَزِعَ أهلُ المدينة، فركب جُليبيب، فوجدوه قد قُتِلَ، وحوله ناسٌ من المشركين قد قتلهم. قال أنس: فلقد رأيتُها وإنها لمن أنفق ثَيِّبٍ في المدينة. صحيح: رواه أحمد (١٢٣٩٣)، وابن حبَّان (٤٠٥٩) كلاهما من طريق عبد الرزّاق - وهو في مصنفه (١٠٣٣٣) - حَدَّثَنَا معمر، عن ثابت البناني، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. وقال الهيثميّ في "المجمع" (٩/ ٣٦٨): "رجال أحمد رجال الصَّحيح". قوله: "فزعَ أهل المدينة" الظاهر منه أن قتله وقع في المدينة، ولكن الصَّحيح أنه وقع في غزوة من الغزوات كما في حديث أبي برزة الأسلمي الآتي، فالمراد من أهل المدينة، أي كانوا في الغزوة من أهل المدينة وهم يعرفونه. • عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبا كان امرأ يدخل على النساء، يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا تُدْخِلْنَ عليكم جليبيبا، فإنه إن دخل عليكم لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيِّمٌ لم يزوجها حتَّى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: "زوِّجْني ابنتك" فقال: نعم وكرامة يا رسول الله، ونُعْمَ عيني. فقال: "إنِّي لست أريدها لنفسي" قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: "لجليبيب" قال: فقال: يا رسول الله، أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسولُ الله ﷺ يخطب ابنتك. فقالت: نعم ونُعْمَة عيني. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنّما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجليبيب إنيه؟ أجليبيب إنيه؟ أجليبيب إنيه؟ لا لعمر الله، لا نزوجه. فلمّا أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ ليخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتَرُدُّون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني، فإنه لم يضيِّعْني. فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ، فأخبره، قال: شأنك بها، فزوجها جليبيبا. قال: فخرج رسول الله عدل ﷺ في غزوة له، قال: فلمّا أفاء الله عليه، قال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: نفقد فلانًا، ونفقد فلانًا. قال: "انظروا هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبا" قال: "فاطلبوه في القتلى" قال: فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثمّ قتلوه، فقالوا: يا رسول الله، ها هو ذا إلى جنب سبعة قدم، ثم قتلوه، فأتاه النَّبِيّ ﷺ، فقام عليه، فقال: "قتل سبعة وقتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه" مرتين أو ثلاثًا، ثمّ وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه، وحَفَر له، ما له سرير إِلَّا ساعدا رسول الله ﷺ، ثمّ وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غسَّله. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحدَّث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا، قال: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ؟ قال: "اللهم صب عليها الخير صبا، ولا تجعل عيشها كدًّا كدًّا" قال: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. صحيح: رواه أحمد في مسنده (١٩٧٨٤) عن عفّان، ثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي فذكره. وفي رواية: أن المرأة تلتْ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾. .. الآية. ١٢ - باب قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ الذي أنعم الله عليه، وأنعم عليه رسوله ﷺ، هو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وكان من جملة إنعام الله عليه أن الله ﷿ هداه للإسلام ووفقه لمتابعة الرسول ﷺ، وكان من جملة إنعام الرسول ﷺ أنه أعتقه من الرق. • عن أسامة بن زيد قال: كنت في المسجد فأتاني العباس، وعلي بن أبي طالب، فقالا: يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله ﷺ، قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقلت: عليّ والعباس يستأذنان، فقال: أتدري ما حاجتهما؟ قلت: لا والله، قال: لكني أدري، قال: فأذن لهما، قالا: يا رسول الله، جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟ قال: "أحب أهلي إلي فاطمة بنت محمد"، فقالا: يا رسول الله، ما نسألك عن فاطمة، قال: "فأسامة بن زيد ابن الذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه". حسن: رواه البزّار (٢٦١٩، ٢٦٢٠) من طرق عن أبي عوانة، قال: أخبرني عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: حَدَّثَنِي أسامة بن زيد فذكره. وإسناده حسن من أجل عمر بن أبي سلمة فإنه حسن الحديث. ورواه الترمذيّ (٣٨١٩) من هذا الوجه، وزاد في آخر الحديث، فقال: قالا: ثمّ من؟ قال: