لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له، فانصرف إلى السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفطنت إليها، وعميت عليكم، فقذفتها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾ [سورة طه: ٩٦، ٩٧]، ولو كان إلها لم نخلص إلى ذلك منه. فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى، سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألوا الخير، خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، واستحيا نبي الله ﷺ من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٥]، وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمان به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦، ١٥٧]، فقال: يا رب، سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة، فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن، ويأتي أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى ﷺ متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم، وهم مصطفون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكر من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها، فقالوا: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٢، ٢٣]، قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ . قال: نعم، من الجبارين: آمنا بموسى وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس: إنهما من قوم موسى، فقال الذين يخافون بنو إسرائيل: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [سورة المائدة: ٢٤]، فأغضبوا موسى ﵇، فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ، فاستجاب الله تعالى له، وسماهم كما سماهم موسى: فاسقين، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم، فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلي ولا تتسخ، وجعل بين أظهرهم حجرا مربعا، وأمر موسى، فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من منقلة، إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان فيه بالأمس. رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ﷺ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس حدث هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ . فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية، فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوما حدثنا عن رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ آلإسرائيلي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني ما سمع من الإسرائيلي شهد على ذلك وحضره. رواه النسائي في الكبرى (١١٢٦٣)، وأبو يعلى (٢٦١٨)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٦٤ - ٦٩)، والطحاوي في شرح المشكل (٦٦) مختصرا - كلهم من طرق عن يزيد بن هارون، أنا أصبغ بن زيد، أنا القاسم بن أبي أيوب، حدثنا سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس، فذكره. وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٥٦): "رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير أصبغ بن زيد، والقاسم بن أبي أيوب، وهما ثقتان". قلت: ولكن المتن فيه نكارة، ولعل ابن عباس أخذ بعضه عن النبي ﷺ، والبعض الآخر عن كعب الأحبار وغيره، وإليه يشير كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ١٩٦): "الأشبه والله أعلم أنه موقوف، وكونه مرفوعا فيه نظر. وغالبه متلقى من الإسرائيليات. وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام. وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا، والله أعلم" اهـ. ٤ - باب قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ • عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ . قال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ . قال: نعم. قال: فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني، قال: نعم. فحجّ آدمُ موسى". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣٦)، ومسلم في القدر (١٥: ٢٦٥٢) كلاهما من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على إسناد قبله. ٥ - باب قوله: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ أي: السلام عليك إن اتبعت الهدى، وهكذا كان النبي ﷺ يكتب في رسائله إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام، فيقول: • عن أبي سفيان بن حرب في حديث طويل في قصة هرقل، قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين ... " الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في بدء الوحي (٧)، ومسلم في الجهاد (١٧٧٣: ٧٤) كلاهما من طريق الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره، فذكره. ٦ - باب قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ • عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم)، فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أُذِن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". فقال رجل من القوم: كأنّ رسول الله ﷺ قد كان بالبادية. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٥) عن نصر بن علي الجهضمي، عن بشر - يعني ابن المفضل -، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره. ٧ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ • عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدّرِّي الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٥٦)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٣١) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. • عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس". صحيح: رواه الترمذي (٢٥٣١) عن عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت فذكره. والحديث رواه الإمام أحمد (٢٢٦٩٥) عن يزيد بن هارون به، وفيه: "ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام". واللفظ الذي ساقه الترمذي رواه أحمد عن عفان بن مسلم، عن همام به. ومن طريقه رواه أيضا ابن خزيمة في "التوحيد" (١٨٤)، والحاكم (١/ ٨٠). وقال: "إسناده صحيح". ٨ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ • عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي ﷺ: "نحن أولى بموسى منهم فصوموه". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٣٧)، ومسلم في الصيام (١١٣٠) كلاهما من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٩ - باب قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ • عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه، فيستحيي، ائتوا نوحا، فإنه أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتونه، فيقول: لست هناكم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن. فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ائتوا موسى، عبدا كلمّه الله، وأعطاه التوراة. فيأتونه، فيقول: لست هناكم. ويذكر قتل النفس بغير نفس، فيستحيي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه. فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدا ﷺ عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفعْ رأسك، وسلْ تُعطَه، وقُل: يُسمَع، واشْفع تُشفَّع. فأَرفعُ رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي - مثله - ثم أشفع، فيُحَدُّ لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة، فأقول ما بقي في النار إلّا مَن حبسهُ القرآن، ووجب عليه الخلود". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٤٧٦)، ومسلم في الإيمان (١٩٣) كلاهما من حديث هشام، عن قتادة، عن أنس، فذكره. واللفظ للبخاري. ١٠ - باب قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ • عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الظلم ظلمات يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٧)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٧٩) كلاهما من طريق عبد العزيز الماجشون، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّح، فإن الشُّح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٨) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود - يعني ابن قيس -، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر فذكره. • عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس؟ ". قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم، فَطُرِحت عليه، ثم طُرِح في النار". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨١) من طرق عن إسماعيل - وهو ابن جعفر -، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ١١ - باب قوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه، وأعطاك الألواح، فيها تبيان كل شيء، وقرّبك نجيّا، فَبِكَمْ وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلَق، قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة، قال رسول الله ﷺ: "فحج آدم موسى". صحيح: رواه مسلم في القدر (١٥: ٢٦٥٢) من طريق أنس بن عياض، حدثني الحارث بن أبي ذباب، عن يزيد (وهو ابن هرمز)، وعبد الرحمن الأعرج، قالا: سمعنا أبا هريرة، قال: فذكر الحديث. ١٢ - باب قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ • عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إنّ المؤمن في قبره لفي روضة خضراء، ويُرْحَب له قبره سبعون ذراعا، وينور له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾؟ "أتدرون ما المعيشة الضنكة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تِنِّينا، أتدرون ما التنين؟ . سبعون حية، لكل حية سبعون رؤوس يلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة". حسن: رواه أبو يعلى (٦٦٤٤)، وابن حبان (٣١٢٢)، والبيهقي في عذاب القبر (٨٠) كلهم من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدثّه، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي السمح، وهو دراج بن سمعان، وهو يحسن حديثه في غير أبي الهيثم. ورواه البزار (٩٤٠٧) من وجه آخر، عن ابن حجيرة به نحوه. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: "عذاب القبر". صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٨١)، وعنه البيهقي في إثبات عذاب القبر (٧١) عن أبي زكريا العنبري، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق، أنبأ النضر بن شميل، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي حازم المدني، عن النعماذ بن أبي عياش، عن أبي سعيد فذكره. وقال: "صحيح على شرط مسلم". وقال ابن كثير في تفسيره: "إسناده جيد". وبقية الأحاديث عن عذاب القبر مذكورة في كتاب الجنائز. ١٣ - باب قوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني: صلاة الفجر وصلاة العصر، كما جاء في الصحيح: • عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "أما إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضامّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها". يعني العصر والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٥٤)، ومسلم في المساجد (٦٣٣) كلاهما من حديث مروان بن معاوية الفزاري، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس بن أبي حازم، قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: فذكره. • عن عُمارة بن رُؤيبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها". يعني الفجر والعصر. فقال له رجل من أهل البصرة: آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ، قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله ﷺ سمعته أذناي، ووعاه قلبي. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٣٤) من أوجه عن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه قال: فذكره. وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [سورة الضحى: ٥]. ١٤ - باب قوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ • عن عمر بن الخطاب: أنه دخل على رسول الله ﷺ في المشربة التي كان قد اعتزل فيها نسائه حين آلى منهن، قال: وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت، فقال: "ما يبكيك؟ ". فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله. فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ". الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩١٣)، ومسلم في الطلاق (٣١: ١٤٧٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، أخبرني يحيى، أخبرني عبيد بن حنين، أنه سمع عبد الله بن عباس، يحدث، عن عمر بن الخطاب، فذكره في حديث طويل. • عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "أخوف ما أخاف عليكم ما يُخرِج الله لكم من زهرة الدنيا". قالوا: وما زهرة الدنيا، يا رسول الله؟ قال: "بركات الأرض". قالوا: يا رسول الله! وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: "لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، إن كل ما أنبت الربيع يَقتل أو يُلِمّ، إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثم اجترت، وبالت، وثلطت، ثم عادت، فأكلت، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٢٧)، ومسلم في الزكاة (١٠٥٢ - ١٢٢) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أبان بن عثمان قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان بنصف النهار، قلت: ما بعث الله إليه هذه الساعة إلا لشيء يسأل عنه، فسألته، فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعك غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة". صحيح: رواه ابن ماجه (٤١٠٥)، وأحمد (٢١٥٩٠) من طريق شعبة، عن عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، فذكره. واللفظ لابن ماجه، وسياق أحمد طويل. وإسناده صحيح، وقد صحّحه البوصيري أيضا. وعمر بن سليمان هو: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب ثقة وثّقه ابن معين والنسائي وغيرهما. ١٥ - باب قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى، وأيقظ امرأته، فصلّت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل، فصلّت، وأيقظت زوجها، فصلى، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء". حسن: رواه أبو داود (١٣٠٨)، والنسائي (١٦١٠)، وابن ماجه (١٣٣٦) كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، قال: حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان؛ فإنه صدوق حسن الحديث. • عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين والذاكرات". صحيح: رواه أبو داود (١٣٠٩)، وابن ماجه (١٣٣٥) كلاهما من طريق شيبان، عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة، فذكرا الحديث. إسناده صحيح. والأغر هو: أبو مسلم المديني من رجال مسلم، وشيبان هو: ابن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبو معاوية البصري من رجال الجماعة. وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: حسن العاقبة في الدنيا والآخرة لمن اتقى الله تعالى من المسلمين. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب". صحيح: رواه مسلم في الرؤيا (٢٢٧) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. ١٦ - باب قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ وهذه البينة هي القرآن وهو مصدق لما في الكتب السابقة من أخبار الأنبياء ومن المواعظ والخطب، وأصول التشريع، والنبي الذي جاء به هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا من أهل الكتاب، ومع ذلك فقد جاء بهذا الكتاب العظيم. • عن أبي هريرة: أن رسول الله قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨١)، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من طريق الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • * * ٢١ - تفسير سورة الأنبياء وهي مكية، وعدد آياتها ١١٢ وجه تسميتها سورة الأنبياء أنها ذكر فيها ستة عشر نبيا، ولم يذكر هذا العدد إلا في سورة الأنعام وفيها ثمانية عشر نبيا ولكنها سميت بالأنعام لاختصاصها بذكر أحكام الأنعام. • عن عبد الله بن مسعود قال: بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول، وهن من تلادي. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣٩) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله فذكره. قوله: "من العتاق" بكسر العين جمع عتيق وهو ما بلغ الغاية في الجودة. وقوله: "والتلاد" بكسر التاء ما كان قديما، والأولية باعتبار النزول لأنها مكيات، وأنها أول ما حفظها من القرآن. ١ - باب قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي: الملائكة دائبون في طاعة الله ﷿ وعبادته ليلا ونهارا دون انقطاع، كما جاء في الحديث: • عن حكيم بن حزام، قال: بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: "تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء، قال: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تُلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم". حسن: رواه ابن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١/ ٢٥٨) والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٤)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٨٦) كلهم من طريق عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عبد الوهاب بن عطاء، وهو الخفاف أبو نصر، وهو وإن كان من رجال مسلم، فقد تكلم فيه بعض النقاد إلا أنه حسن الحديث. وسعيد بن أبي عروبة قد اختلط بآخره، إلا أن عبد الوهاب بن عطاء سمع منه قبل اختلاطه. ٢ - باب قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ • عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء. فقال: "كل شيء خلق من ماء". قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة. قال: "أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل، والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام". صحيح: رواه أحمد (٧٩٣٢)، وصحّحه ابن حبان (٥٠٨)، والحاكم (٤/ ١٦٠) كلهم من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٦): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح خلا أبا ميمونة، وهو ثقة". • عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني ممّ خُلِق الخلق؟ فقال: "من الماء". حسن: رواه إسحاق بن راهويه (٣٠١) عن أبي معاوية، نا حمزة الزيات، عن أبي مجاهد سعد الطائي، عن أبي مدلّة، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل. وإسناده حسن من أجل أبي مدلّة؛ فإنه حسن الحديث، وثّقه ابن ماجه (١٧٥٢). وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب "مقبول". والصحيح ما ذكرت. والحديث رواه الترمذي (٢٥٢٦) من طريق محمد بن فضيل، عن حمزة الزيات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة في حديث طويل، وذكر فيه هذا الجزء. وقال: "هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد رُوي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مُدلّة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ". قلت: زياد الطائي المذكور في إسناد الترمذي قال عنه ابن حجر في التقريب: "مجهول أرسل عن أبي هريرة". ورواه أيضا أحمد (٨٠٤٣)، وعبد بن حميد (١٤٢٠)، وابن حبان (٧٣٨٧) كلهم من طريق سعد الطائي، حدثني أبو المدلّة مولى أم المؤمنين، عن أبي هريرة في سياق طويل إلّا أنهم لم يذكروا الجزء المذكور. وأما ما رواه الحاكم (٢/ ٤٥٢) من طريق عبد الرزاق، عن عمر بن خبيب المكي، عن حميد بن قيس الأعرج، عن طاوس قال: "جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص يسأله مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب". فهو ضعيف. وأما الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "عمر هذا فتّشت عنه، فلم أعرفه، والخبر منكر" اهـ. قلت: لأنه زاد في الحديث أشياء لم يُتَابع عليها. ٣ - باب قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٥٦٣)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار (٢٦٩٤) كلاهما من طريق محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله سيخلّص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ . أظلمك كتبتي الحافظون؟ . فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ . فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلَم قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء". صحيح: رواه الترمذي (٢٦٣٩) - واللفظ له -، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٦٩٩٤)، وصحّحه ابن حبان (٢٢٥)، والحاكم (١/ ٦) كلهم من حديث الليث بن سعد، حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: فذكره. وقال الترمذي: "حسن غريب". قلت: بل الصواب أنه صحيح، فإن رجاله ثقات. ٤ - باب قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [سورة الصافات: ٨٩]. وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار، ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امراتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنكِ أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه، فقال له: لقد قدم أرضك امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأتى بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، ولا أضرك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله أن لا أضرك، ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف فقال لها: مهيم؟ قالت: خيرا كف الله يد الفاجر، وأخدم خادما". قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٧، ٣٣٥٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧١: ١٥٤) كلاهما من طرق عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره. وهذا لفظ مسلم. ٥ - باب قوله: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ • عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٤٥٦٣) عن أحمد بن يونس أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، فذكره. • عن أم شريك: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقال: "كان ينفخ على إبراهيم ﵇". صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٩) عن عبيد الله بن موسى أو ابن سلام عنه، أخبرنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك، فذكرته. • عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم، وكان الوزغ ينفخ فيه، فنهى عن قتل هذا، وأمر بقتل هذا". صحيح: رواه عبد الرزاق (٨٣٩٢) عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح. ٦ - باب قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ هذه الأرض المباركة هي أرض الشام، وإبراهيم ولوط ﵉ كانا بأرض العراق، وبعد امتحان إبراهيم ﵇ خرج من العراق، ومعه زوجته سارة، وابن أخيه لوط، وهو أول هجرة في تاريخ الأديان من أجل المحافظة على العقيدة والدين، وحكى الله على لسان إبراهيم ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وقوله: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي أنها أرض خصب ورخاء وكثرة الأنهار، ومنها سيبعث الله الأنبياء. ٧ - باب قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل إبراهيم ولوط. وقوله: ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي أهل بيته غير ابنه الذي كفر به. وقوله: ﴿الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وهو الطوفان الذي أغرق من في الأرض جميعا، ووصف بكونه "العظيم" لشدة هوله وأنه يلاحق الناس بمواقع هروبهم حتى أغرقهم. ٨ - باب قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ قوله: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ﴾ نفش نفشا ونفوشا تفرق وانتشر، ويقال: نفشت الماشية في الزرع انتشرت فيه ورعتْه ليلا. وخلاصة القصة كما رُوي عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين أن رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال: صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي، فلم يبق من حرثي شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم كلها لك، فقضى بذلك داود. ومرَّ صاحب الغنم بسليمان فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال: كيف؟ قال سليمان: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفى ثمن الحرث، فإن الغنم لها نسل في كل عام. فقال داود: قد أصبت، القضاء كما قضيت ففهمها الله سليمان. روي عن ابن مسعود، في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: "كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبيّ الله، قال: وما ذاك؟ قال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم، فيصيب منها، حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. رواه ابن جرير (١٦/ ٣٢٢)، والحاكم (٢/ ٥٨٨) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرّة، عن ابن مسعود، فذكره. وفي الإسناد أشعث وهو ابن سوار الكندي، وهو ضعيف. ومن جملة ما فُهِّم سليمانُ قصة المرأتين كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى". قال: قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية. متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٢٧)، ومسلم في الأقضية (٢٠: ١٧٢٠) كلاهما من طرق عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. ٩ - باب قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ هذا الضر على نوعين: الأول: ضر في متاع الدنيا من الأموال والمواشي والخدم، فقد ذكر أهل التفسير أن له كذا وكذا من الأموال، وكذا من البنين والبنات فهلكت الأموال ومات الأولاد. والثاني: ما أصيب من الأمراض في جسمه، وفي سفر أيوب من التوراة كثير من التفاصيل من هذا الابتلاء، وأنه رجل صالح مستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر، فلما دعا الله ﷿ كشف الله عنه الضر الذي أصابه في ماله وأولاده وجسمه، وصار أيوب فيما بعد يُضرب به المثَلُ في الصبر. فإنْ قيل: إن الله سمّاه صابرا، وقد أظهر الشكوى والجزع بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قيل: ليس هذا شكاية، إنما هو دعاء بدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ على أن الجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، فأما الشكوى إلى الله ﷿ فلا يكون جزعا ولا ترك صبر كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة يوسف: ٨٦]. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. ظاهر الآية يدل على أن الله ردَّ عليه ماله وولده عيانا، ومثلهم معهم. وبه قال ابن عباس، وابن مسعود، وقتادة، والحسن، وأكثر المفسرين. وقال غيرهم: آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا، فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا. ١٠ - باب قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ قوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي صاحب الحوت لقب به يونس بن متى ﵇ للقصة التي وقعت له مع الحوت. وقوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي من قومه أهل نينوى إذ أبوا أن يؤمنوا بما أرسل به. قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. • عن سعد بن أبي وقاص قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يردّ عليّ السلام، فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين. قال: لا. وما ذاك؟ قال: قلت: لا. إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد، فسلّمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يردّ عليّ السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددتَ على أخيك السلام؟ قال عثمان: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى. قال: حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر، فقال: بلى، وأستغفر الله، وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ، لا، والله ما ذكرتها قط إلا تغشّى بصري وقلبي غشاوة. قال: قال سعد: فأنا أنبئك بها: إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي، فشغله حتى قام رسول الله ﷺ، فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدميّ الأرض، فالتفت إليّ رسولُ الله ﷺ: فقال: "من هذا؟ أبو إسحاق" قال: قلت: نعم، يا رسول الله! . قال: "فمه". قال: قلت: لا، والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي، فشغلك، قال: "نعم، دعوة ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له". حسن: رواه الترمذي (٣٥٠٥)، وأحمد (١٤٦٣) - واللفظ له -، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٥٦)، والحاكم (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣) كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق الهمداني، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: إسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق، فإنه حسن الحديث. ١١ - باب قوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ قوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ هي بنت عمران كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: ١٢]. ١٢ - باب قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي السدّ وفيه يقدر المضاف، وهو أمة يأجوج ومأجوج، فإنهما قبيلتان، فيكتسب التأنيث من المضاف إليه. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أي نشز وتل، والحدب هو المكان المرتفع. ويأجوج ومأجوج هم من سلالة آدم ﵇، وقد جاء ذكرهم في سورة الكهف [٩٤] ويكون ظهورهم قبل يوم القيامة كما جاء في الصحيح: • عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فذكر حديثا طويلا جاء فيه: "فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النَغَف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يَكُنُّ منه بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ... ". الحديث. صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢١٣٧) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي، أنه سمع النواس بن سمعان فذكره. وفي الحديث بيان واضح أن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة، انظر للتفصيل: كتاب الفتن. ١٣ - باب قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ • عن ابن عباس، قال: آية في كتاب الله لا يسألني الناس عنها، ولا أدري: أعرفوها، فلا يسألوني عنها، أم جهلوها، فلا يسألوني عنها؟ . قيل: وما هي؟ قال: آية لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ شق ذلك على أهل مكة، وقالوا: شتم محمد آلهتنا، فقام ابن الزبعرى، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: شتم محمد آلهتنا، قال: وما قال؟ قالوا: قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ قال: ادعوه لي، فدعي محمد ﷺ، فقال ابن الزبعرى: يا محمد! هذا شيء لآلهتنا خاصة، أم لكل من عبد من دون الله؟ قال: "بل لكل من عُبد من دون الله ﷿". قال: فقال: خصمناه ورب هذه البنية، يا محمد ألست تزعم أن عيسى عبد صالح، وعزيرا عبد صالح، والملائكة عباد صالحون؟ قال: "بلى". قال: فهذه النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرا، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، قال: فضج أهل مكة، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا﴾ عيسى، وعزير، والملائكة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قال: ونزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]. حسن: رواه أحمد (٢٩١٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٥٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٩٨٦) كلهم من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين مسعود بن مالك الأسدي، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنه حسن الحديث، وكذلك فيه أبو يحيى الأعرج وهو مصدع، المعرقب، وقد قال فيه عمار الدهني: "كان عالما بابن عباس". وقد تابعه عكرمة عند الطحاوي (٩٨٨). وعبد الله بن الزبعري أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه. قال ابن حجر في الكافي الشاف (ص ١١١ - ١١٢): "اشتهر في ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم أن النبي ﷺ قال في هذه القصة لابن الزبعري: ما أجهلك بلغة قومك، فإني قلت: وما تعبدون وهي لما لا تعقل، ولم أقل: ومن تعبدون، وهو شيء لا أصل له. ولا يوجد مسندا ولا غير مسند. اهـ. • عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليا يخطب، وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية. قال: نزلت في عثمان وأصحابه. صحيح: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٢٧١٥)، وأحمد في فضائل الصحابة (٧٧١)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٤١٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٣/ ٢١) كلهم من طريق شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف بن سعد، عن محمد بن حاطب فذكره. وإسناده صحيح. قوله: ﴿حَصَبُ﴾ بمعنى محصوب به أي المرمي به، ومنه سميت الحصباء لأنها حجارة يُرمى بها أي يُرمون في جهنم كما قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] أي الكفار وأصنامهم من الحجارة. وقيل: "حصب" بمعنى الحطب في لغة أهل اليمن، وقد قرأ بعضهم ﴿حطب جهنم﴾ إلا أنها قراءة شاذة ومعناها وقود جهنم. وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي داخلون. وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي العابد والمعبود من الأحجار والأشجار. ١٤ - باب قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ هذا يكون يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧]، وقد جاء في ذلك أحاديث، منها: • عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ . متفق عليه: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٧٨٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله، أخبرني عبد الله بن عمر فذكره. ورواه البخاري في التوحيد (٧٤١٢) من طريق نافع، عن ابن عمر فذكره مختصرا. ثم قال (٧٤١٣): قال عمر بن حمزة: سمعت سالما، سمعت ابن عمر، عن النبي ﷺ بهذا. وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: أن الله تعالى يعيد الخلق يوم القيامة، كما خلقهم من قبل، وقد جاء في الصحيح: • عن ابن عباس قال: خطب النبي ﷺ فقال: "إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا إنه يجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ [سورة المائدة: ١١٧]، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٠)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٥٨: ٢٨٦٠) كلاهما من طريق شعبة، عن المغيرة بن النعمان شيخ من النخع، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ١٥ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ قوله: ﴿الزَّبُورِ﴾ إذا أطلق فالمقصود منه زبور داود ﵇، وعمّمَ بعضهم فقال: هو كل