الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
الإسناد 1:عبد الله بن وهب القرشي عن يونس بن يزيد الأيلي عن محمد بن شهاب الزهري عن Kathir ibn al-'Abbas عن عباس: فذكره. وقوله: ﴿وأنزل جنودا لم تروها﴾ وهم الملائكة

إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا قطع السبيل. فقال: "يا عدي! هل رأيت ا لحيرة؟ ". قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالتْ بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا اللَّه" -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد- "ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى". قلت: كسرى ابن هرمز. قال: "كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين اللَّه أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له. فيقولن ألم أبعث إليك رسولا، فيبلغك، فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالا، وأفضل عليك، فيقول: بلى. فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم". قال عدي سمعت النبي ﷺ يقول: "اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة، فبكلمة طيبة". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا اللَّه، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة، لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ: "يخرج ملء كفه". صحيح: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٩٥) عن محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا مُحِلّ بن خليفة، عن عدي بن حاتم قال: فذكره. ورواه مسلم في الزكاة (١٠١٦) من طريق عبد اللَّه بن معقل، عن عدي مقتصرا على قوله: "من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشقّ تمرة فليفعل". • عن عائشة قالت سمعت رسول اللَّه يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى". فقلت: يا رسول اللَّه! إن كنت لأظن حين أنزل اللَّه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أن ذلك تاما. قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء اللَّه، ثم يبعث اللَّه ريحا طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٠٧) من طرق عن خالد بن الحارث، حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة فذكرته. • عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن اللَّه زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال: من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا". صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٨٩) من طرق عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: فذكره. • عن تميم الداري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليبلغن هذا الأمر مبلغ الليل والنهار، ولا يترك اللَّه بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، يعز بعز اللَّه في الإسلام، ويذل به في الكفر". وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافرا الذل والصغار والجزية. صحيح: رواه أحمد (١٦٩٥٧)، والحاكم (٤/ ٤٣٠)، وعنه البيهقي (٩/ ١٨١) من حديث صفوان ابن عمرو السكسكي، قال: حدثني سُليم بن عامر، عن تميم الداري، فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". والصواب أنه على شرط مسلم فقط، فإن البخاري لم يخرج عن هؤلاء. • عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر، ولا وبر إلا أدخله اللَّه كلمة الإسلام، بعز عزيز أو ذل ذليل، إما يعزهم اللَّه، فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم فيدينون لها". صحيح: رواه أحمد (٢٣٨١٤)، وصحّحه ابن حبان (٦٦٩٩)، والحاكم (٤/ ٤٣٠) كلهم من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت سُليم بن عامر، قال: سمعت المقداد بن الأسود، يقول: فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". والصواب أنه على شرط مسلم فقط، فإن البخاري لم يخرج عن سُليم بن عامر، وإنما أخرج له مسلم فقط. ١٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ يعني العلماء والقراء من أهل الكتاب الذين يأخذون الرشا في أحكامهم ويحرفون التوراة من أجل ثمن قليل. ويدخل في هؤلاء من نهج منهجهم في أكل أموال الناس بالباطل من علماء المسلمين وعامتهم. والكنز هو المال الذي لم تؤدّ زكاته، فإذا أُدّيت زكاته، فليس بكنز. • عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد اللَّه بن عمر، فقال أعرابي: أخبرني قول اللَّه ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال ابن عمر: من كنزها، فلم يؤد زكاتها، فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت، جعلها اللَّه طهرا للأموال. صحيح: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٠٤) فقال: وقال أحمد بن شبيب بن سعيد، حدّثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن خالد بن أسلم، قال: فذكره. وهذا في الظاهر معلق، ولكنه عند الجمهور محمول على الاتصال؛ لأن أحمد بن شبيب من شيوخه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم اللَّه بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار. . . " الحديث. صحيح: رواه مسلم في الزكاة (٢٦: ٩٨٧) عن محمد بن عبد الملك الأموي، حدّثنا عبد العزيز ابن المختار، حدّثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: فذكره. • عن الأحنف بن قيس قال: كنت في نفر من قريش، فمر أبو ذر، وهو يقول بشّر الكانزين بِكَيٍّ في ظهورهم، يخرج من جنوبهم وبِكَيٍّ من قبل أقفائهم، يخرج من جباههم. قال: ثم تنحى، فقعد. قال: قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذر. قال: فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقول قبيلُ؟ قال: ما قلت إلا شيئًا قد سمعته من نبيهم ﷺ. قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه، فإن فيه اليوم معونة، فإذا كان ثمنا لدينك فدعه. صحيح: رواه مسلم في الزكاة (٣٥: ٩٩٢) عن شيبان بن فروخ، حدّثنا أبو الأشهب، حدّثنا خُليد العصري، عن الأحنف بن قيس قال: فذكره. • عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملإ من قريش، فجاء رجل، خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم، فسلّم، ثم قال: "بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه، يتزلزل". ثم ولى، فجلس إلى سارية، وتبعته، وجلست إليه، وأنا لا أدري من هو؟ فقلت له: لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت. قال: إنهم لا يعقلون شيئا ... الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٠٧ - ١٤٠٨)، ومسلم في الزكاة (٣٤: ٩٩٢) كلاهما من طريق الجريري، عن أبي العلاء، عن الأحنف بن قيس، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته، مُثِّل له ماله شجاعا أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - يقول: أنا مالك أنا كنزك ... " الحديث. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٦٥) عن عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن، هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره. • عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يكون كنز أحدكم يوم القيامة شُجاعا أقرع". صحيح: أخرجه البخاري في التفسير (٤٦٥٩) عن الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن الأعرج حدثه أنه قال: حدثني أبو هريرة، فذكره. • عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة. فقدمتها، فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت، فكنت قريبا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا عليّ حبشيا، لسمعت وأطعت. صحيح: رواه البخاري في الزكاة (١٤٠٦) عن علي، سمع هشيما، أخبرنا حصين، عن زيد بن وهب، قال: فذكره. • عن زيد بن وهب قال: قال أبو ذر: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: "يا أبا ذر؟ " قلت: لبيك يا رسول الله! قال: "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار، إلا شيئا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا" عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا - عن يمينه وعن شماله ومن خلفه - وقليل ما هم ... " الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٤٤)، ومسلم في الزكاة (٩٤) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قال أبو ذر: فذكره، واللفظ للبخاري. • عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي ﷺ، وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة"، قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقارَّ أن قمت، فقلت: يا رسول الله! فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا - من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله - وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس". متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٣٨)، ومسلم في الزكاة (٩٩٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، قال: فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر. • عن عبد الله بن الصامت: أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه، قال: ففضل معها سبع، قال: فأمرها أن تشتري به فلوسا، قال: قلت له: لو ادخرته للحاجة تنوبك، أو للضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إليّ: "أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ﷿". صحيح: رواه أحمد (٢١٣٨٤)، والبزار في المسند (٣٩٢٦)، والطبراني (٢/ ١٦٠) كلهم من حديث عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، فذكره، واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح. ١٣ - باب قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ قوله: ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ وهي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الأخرى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وهي اثنا عشر شهرا في كتاب الله - أي في حكم الله؛ لأن هذه الأشهر كل له أحكام تخصه من التعظيم والعبادات وغيرها. قوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب كما سيأتي في حديث أبي بكرة المذكور في تفسير الآية التي بعدها. ١٤ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ النسيئ هو التأخير، يقال: أنسأ الله في أجله - أي - أخّره. ومنه: النسيئة في البيع. وكانت العرب إذا احتاجت إلى حرب قوم أخرت شهرا إلى شهر لتخرج من الأشهر الحرم. فحذّر الله سبحانه تعالى بأن هذا الفعل القبيح لا يزيدهم إلا كفرا، ومن أجل تأخير شهر عن شهر من ميقاته وقع الخلل في الأشهر. وبقي الأمر هكذا إلى أن بُعث النبي ﷺ، فلما فرض الله الحج، وأراد النبي ﷺ أن يحج في الأشهر المعلومات، أدار الله الأشهر في ميقاتها. كما في الحديث الآتي: • عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال: "أيّ شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: "أليس ذا الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: "فأي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: "أليس البلدة؟ ". قلنا: بلى. قال: "فأي يوم هذا؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: "أليس يوم النحر" قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعن بعدي كفارا (أو ضلالا)، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه". ثم قال "ألا هل بلغت". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٦٢)، ومسلم في القسامة (١٦٧٩) كلاهما من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن ابن أبي بكرة (هو عبد الرحمن)، عن أبي بكرة، فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري مختصر. ١٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ هذه الآية نزلت في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن النبي ﷺ لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وكان ذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة الحر، حين طابت الثمار والظلال. قوله: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ • عن قيس قال سمعت مستوردا أخا بني فهر يقول: قال رسول الله ﷺ: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - في اليم فلينظر بم ترجع". صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٥٨) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس، قال: فذكره. • عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ مرّ بالسوق داخلا من بعض العالية، والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه. ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: والله، لو كان حيا كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٥٧) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان - يعني ابن بلال - عن جعفر، عن أبيه، عن جابر فذكره. ١٦ - باب قوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ • عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ و ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٠ - ١٢١] نسختها الآية التي تليها ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٢]. حسن: رواه أبو داود (٢٥٠٥) - ومن طريقه البيهقي (٩/ ٤٧) -، عن أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وهذا إسناد حسن من أجل علي بن الحسين بن واقد وأبيه فإنهما حسنا الحديث. ويزيد النحوي وهو يزيد بن أبي سعيد المروزي. وفي الباب ما روي عن نجدة بن نفيع قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال: فأمسِك عنهم المطر، فكان عذابهم. رواه أبو داود (٢٥٠٦)، والبيهقي (٩/ ٤٨) من طريق زيد بن الحباب، عن عبد المؤمن بن خالد الحنفي، حدثني نجدة بن نفيع فذكره. واللفظ لأبي داود. وفيه نجدة بن نفيع لم يرو عنه إلا واحد، ولم يوثقه أحد حتى ابن حبان الذي يوثّق كثيرا من المجاهيل الذين لا يعرف فيهم جرح، ولذا قال الذهبي: "لا يعرف". وقال ابن حجر: "مجهول". ١٧ - باب قوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي هو أحد الاثنين، والاثنان هما: رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁. وهذا أمر لا خلاف فيه بين المسلمين، ومن أنكر أن يكون الثاني هو أبو بكر فقد أنكر القرآن. • عن أبي بكر الصديق قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا، ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه، أبصرنا تحت قدميه". فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٦٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٣٨١) كلاهما من طريق حَبَّان بن هلال، حدثنا همام، حدثنا ثابت، حدثنا أنس بن مالك، أن أبا بكر الصديق، حدّثه قال: فذكره. واللفظ لمسلم. ١٨ - باب قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي الّذي يقاتل لإعلاء كلمة الله فهو في سبيل الله. • عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله". متفق عليه: رواه البخاري في فرض الخمس (٣١٢٦)، ومسلم في الإمارة (١٩٠٤) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال: حدثنا أبو موسى الأشعري، قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم نحوه. قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي الجهاد في سبيل الله تعالى خير لكم في الدنيا والآخرة، فلكم في الدنيا غنيمة، وفي الآخرة أجر عند الله تعالى. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته أن يدخله الجنة، أو يردّه إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة". متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٩٧٤) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاري في التوحيد (٧٤٦٣) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الإمارة (١٠٤: ١٨٧٦) من وجه آخر عن أبي الزناد به. ١٩ - باب قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾ • عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ نسختها التي في سورة النور: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة النور: ٦٢]. حسن: رواه أبو داود (٢٧٧١) - ومن طريقه البيهقي (٩/ ١٧٣ - ١٧٤) - عن أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن حسين، وهو ابن واقد المروزي وأبيه؛ فإنهما حسنا الحديث. ٢٠ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ روي عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لجد بن قيس: "يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ " قال جد: "أو تأذن لي يا رسول الله؟ فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر، أن أفتتن". فقال رسول الله ﷺ وهو معرض عنه -: "قد أذنت لك، فعند ذلك أنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٠٩) عن دحيم بن إبراهيم الدمشقي، ثنا عبد الرحمن بن بشير، عن محمد بن إسحاق، ثنا سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن جابر بن عبد الله، قال: فذكره. وفي إسناده عبد الرحمن بن بشير وهو الشيباني، قال أبو حاتم: "منكر الحديث". وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان لم أجد له توثيقا، وإنما ذكره ابن حبان في ثقاته على قاعدته في توتيق من لم يعرف فيه جرح. ٢١ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي يُعيبك في أمرها. • عن أبي سعيد قال: بينا النبي ﷺ يقسم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: "ويلك من يعدل إذا لم أعدل". قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه. قال: "دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه، فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ، وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ. قال: فنزلت فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ متفق عليه: رواه البخاري في استتابة المرتدين (٦٩٣٣) من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري فذكره. ورواه البخاري (٣٦١٠) من طريق شعيب، ومسلم في الزكاة (١٠٦٤: ١٤٨) من طريق يونس كلاهما عن الزهري بإسناده وجاء فيه: "وأتاه ذو الخويصرة" أي الأب، وكذلك رواه الأوزاعي وغيره عن الزهري فقالوا: "ذو الخويصرة". ويظهر من هذا أن معمرا تفرد فقال: "عبد الله بن الخويصرة" أو "ابن ذي الخويصرة"، والمحفوظ قول الأكثرين. وذو الخويصرة اسمه: حرقوس بن زهير كما قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٣٢). هو ومثله من المنافقين الآخرين هل يعدون من الصحابة أم لا؟ فالمؤلفون في الصحابة اختلفوا، فلم يذكرهم ابن عبد البر، وذكرهم ابن الأثير في الصحابة مستدركا على من قبله، واختار ابن حجر المذهب الأول، وهو الصحيح؛ لأنه من شرط الصحبة أن يموت على الإسلام، وهم ماتوا على النفاق. ٢٢ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ فهي للفقراء، وليست للأغنياء ولا للأقوياء القادرين على الكسب. • عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصدقة؟ فقلّب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال رسول الله ﷺ: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". صحيح: رواه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائي (٢٥٩٩)، وأحمد (١٧٩٧٢) كلهم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي، فذكره. وزاد أبو داود: "وكان ذلك في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة". وإسناده صحيح. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سويٍّ". صحيح: رواه النسائي (٢٥٩٨)، وابن ماجه (١٨٣٩)، وصحّحه ابن حبان (٣٢٩٠) كلهم من حديث أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة فذكره. وصحّحه أيضا ابن خزيمة (٢٣٨٧)، والحاكم (١/ ٤٠٧) إلا أنهما روياه من وجه آخر عن أبي حازم، عن أبي هريرة، بنحوه. وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم ويغنيهم. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان". قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن الناس له فيتصدق، ولا يقوم فيسأل الناس". متفق عليه: رواه مالك في صفة النبي ﷺ (١٧١٣) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاري في الزكاة (١٤٧٩) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الزكاة (١٠٣٩) من وجه آخر عن أبي الزناد به. وقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ هم الجباة والسعاة والعمال الذين يجوز لهم أخذ الصدقة بمقابل العمل ولو كانوا أغيناء. • عن ابن الساعدي المالكي قال: استعملني عمر بن الخطاب على الصدقة فلما فرغت منها، وأديتها إليه، أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله. فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ، فعمَّلني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ: "إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل، فكل وتصدق". متفق عليه: رواه مسلم في الزكاة (١٠٤٥: ١١٢) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي المالكي، فذكره. ورواه البخاري في الأحكام (٧١٦٣) من وجه آخر عن عبد الله بن الساعدي نحوه. وأما أقرباء رسول الله ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة، فلا يجوز أن يكونوا سعاة وجباة كما في الحديث الآتي: • عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين (قالا لي وللفضل بن عباس) إلى رسول الله ﷺ، فكلّماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا مما يصيب الناس. قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل. فانتحاه ربيعة بن الحارث، فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله! لقد نِلتَ صهر رسول الله ﷺ، فما نفسناه عليك. قال علي: أرسلوهما. فانطلقا واضطجع عليٌّ. قال: فلما صلّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء، فأخذ بآذاننا. ثم قال: "أخرجا ما تصرران". ثم دخل، ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا، فقال: يا رسول الله! أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون". قال: "فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلّمه. قال: وجعلت زينب تُلمِع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلّماه. قال: ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد. إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية (وكان على الخمس) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب". قال فجاءاه، فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك" للفضل بن عباس، فأنكحه. وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" لي، فأنكحني، وقال لمحمية: "أَصدِق عنهما من الخمس كذا وكذا". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٧٢) عن عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، حدّثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدّثه قال: فذكره. وهذا إذا كان الجهاد قائما، ولهم حق من الخمس يصل إليهم ويكفيهم ويغنيهم. فإن توقف هذا المصدر، واحتاج بعضهم للمال، ولم يجد إلا مال الزكاة، جاز لهم أخذها وهو قول القاضي يعقوب من الحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية، والإصطخري من الشافعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٧٤). بل قال بعض أهل العلم: إن دفع الزكاة لهم أولى من غيرهم لوصية النبي ﷺ بهم خيرا. وقوله: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم الصنف الرابع من المستحقين للصدقة. وهؤلاء ينقسمون إلى عدة أقسام: ١ - الكفار الذين يطمع في إسلامهم إذا ظهر منهم ما يدل على ذلك. ٢ - الكفار الذين يخشى من شرهم. ٣ - الذين دخلوا في الإسلام وهم ضعفاء، فيعطى لهم من الصدقات تثبيتا لهم على دينهم. ٤ - الذين دخلوا في الإسلام وهم رؤوساء القبائل، والشرفاء، فيعطى لهم من الصدقات تألفا لقومهم، وترغيبا لأمثالهم في الدخول في الإسلام. وقيل: إن هؤلاء لا يعطى لهم من الصدقات، وإنما يعطيهم الإمام من خمس خمس الغنيمة، والفيء. وأما قول من قال: إن سهم المؤلفة منقطع وساقط، فقد يكون ذلك في زمانهم وعهدهم، وأما اليوم فنحن في أشد الحاجة إلى هذا السهم لتخفيف الضغط على المسلمين من أجل غلبة الكفار والمشركين، وخاصة الذين يدخلون في الإسلام، أو الذين يُطمَع في إسلامهم، كما قال أحمد: يُعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. • عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أميه مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة. قال ابن شهاب حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطينى حتى إنه لأحب الناس إليّ. صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣١٣) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: فذكره. • عن سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطا، وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله ﷺ منهم رجلا لم يعطه، وهو أعجبهم إليّ، فقمت إلى رسول الله ﷺ، فساررته، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان؟ والله! إني لأراه مؤمنا. قال: "أو مسلما؟ ". فسكتُّ قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان، فوالله! إني لأراه مؤمنا. قال: "أو مسلما؟ ". فسكتُّ قليلا، ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان؟ فوالله! إني لأراه مؤمنا. قال: "أو مسلما؟ ". قال: "إني لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه، خشية أن يكب في النار على وجهه". متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٧٨)، ومسلم في الزكاة (١٥٠: ١٣١) كلاهما من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه سعد فذكره. واللفظ لمسلم. • عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي وهو باليمن بِذَهَبَةٍ في تربتها إلى رسول الله ﷺ، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان، قال: فغضبت قريش، فقالوا: أتعطي صناديد نجد وتدعنا، فقال رسول الله ﷺ: "إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم". فجاء رجل كثُّ اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله، يا محمد. قال: فقال رسول الله ﷺ: "فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ ". قال ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله ﷺ: "إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قتل عاد". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٦٧)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٤) كلاهما من طريق سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن أبي نُعم، عن أبي سعيد الخدري قال: فذكره. واللفظ لمسلم. ولفظ البخاري مختصر. وقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ بإعطاء المكاتب ليستعين على كتابته أو بشراء رقبة وإعتاقها استقلالا. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد التعفف". حسن: رواه الترمذي (١٦٥٥)، والنسائي (٣١٢٠، ٣٢١٨)، وابن ماجه (٢٥١٨)، وأحمد (٧٤١٦)، وصحّحه ابن حبان (٤٠٣٠)، والحاكم (٢/ ١٦٠) كلهم من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن عجلان وهو حسن الحديث. وقد حسّنه أيضا الترمذي. وأما الحاكم فصحّحه على شرط مسلم؛ لأنه لا يفرق بين الصحيح والحسن. وقوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ هم الذين أخذوا الدين لأنفسهم في غير معصية أو الذين تحملوا لغيرهم في المعروف، وإصلاح ذات البين ونحوها، فإنهم يُعطَون من الصدقة كما في الصحيح وإن كانوا أغنياء. • عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ: "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". صحيح: رواه مسلم في المساقاة (١٥٥٦) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن بكير، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري فذكره. • عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها" قال: ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش (أو قال: سدادا من عيش). ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قِواما من عيش (أو قال: سدادا من عيش)، فما سواهن من المسألة، يا قبيصة! سحتا يأكلها صاحبها سحتا". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٤٤) من طرق عن حماد بن زيد، عن هارون بن رياب، حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي فذكره. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو لغاز في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقير تُصدِّق عليه فأهداها لغني، أو غارم". صحيح: رواه أبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٣٧٤)، والحاكم (١/ ٤٠٧) كلهم من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكره. ٢٣ - باب قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ • عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء، أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبتَ، ولكنك منافق! لأخبرنّ رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ، ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ورسول الله ﷺ يقول: ﴿بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... ﴾. حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٤٣ - ٥٤٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٢٩ - ١٨٣٠) كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر، فذكره. وإسناده حسن من أجل هشام بن سعد؛ فإنه حسن الحديث. • عن كعب قال: قال مخشي بن حمير: لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة مائة على أن ننجو من أن ينزل فينا قرآن، فقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: "أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فاسألهم عما قالوا، فإن هم أنكروا وكتموا، فقل: بلى، قد قلتم كذا وكذا" فأدركهم، فقال لهم الذي أمر به رسول الله ﷺ، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ يعتذرون، وقال مخشي بن حمير: يا رسول الله! قعد بي اسمي واسم أبي، فأنزل الله تعالى فيهم ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ فكان الذي عفا الله عنه: مخشي بن حمير، فتسمى: عبد الرحمن. وسأل اللهَ أن يقتل شهيدًا لا يعلم بمقتله، فقُتِل يوم اليمامة، لا يعلم مقتله ولا من قتله ولا يرى له أثر ولا عين. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٣١) عن الحسن بن الربيع، ثنا عبد الله بن إدريس قال: قال ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده كعب قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق، فإنه حسن الحديث إذا صرّح. ٢٤ - باب قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي اتبعتم طريقهم وسلكتم سبيلهم، وهذا وارد مورد التحذير من اتباع سبيلهم، كما جاء في الصحيح: • عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه". قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى، قال: "فمن؟ ". متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (٧٣٢٠)، ومسلم في العلم (٢٦٦٩) كلاهما من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر وذراعا بذراع". فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: "ومَن الناسُ إلا أولئك؟ ". صحيح: رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣١٩) عن أحمد بن يونس، حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. ٢٥ - باب قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي إنهم يتناصرون ويتعاضدون فيما بينهم، كما جاء في الصحيح. • عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا". وشبّك بين أصابعه. متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٦)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٨٥) كلاهما من طريق بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره. واللفظ للبخاري ولم يذكر مسلم التشبيك بين الأصابع. • عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى". متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٦٠١١)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٨٦) كلاهما من طريق زكريا، عن عامر الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ٢٦ - باب قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي حسنة البناء من لبنة الذهب والفضة. • عن عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: "جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٧٨)، ومسلم في الإيمان (١٨٠) كلاهما من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه (وهو عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري)، فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر﴾ أي: رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم. كما في الصحيح. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! يقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب! وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٤٩)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٢٩) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة" قال: "يقول الله ﷿: هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: "يقول: رضواني أكبر". صحيح: رواه ابن حبان (٧٤٣٩)، والحاكم (١/ ٨٢) كلاهما من طريق محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: فذكره. واللفظ للحاكم، ولفظ ابن حبان نحوه. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ٢٧ - باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ • عن كعب قال: لما نزل القرآن، فيه ذكر المنافقين وما قال رسول الله ﷺ، قال الجلاس: والله! لئن كان هذا الرجل صادقًا لنحن أشر من الحمير، قال: فسمعها عمير بن سعد، فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ، أحسنهم عندي أثرًا أو أعزهم علي أن يدخل عليه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن سكتُّ عنها لتهلكني، ولأحدهما أشر علي من الأخرى، فمشى إلى رسول الله ﷺ، فذكر له ما قال الجلاس، فحلف بالله ما قال [ما قال] عمير، ولقد كذب علي، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٤٣) عن الحسن بن الربيع، ثنا عبد الله بن إدريس، قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده كعب، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق؛ فإنه حسن الحديث إذا صرّح. • عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظلّ شجرة، فقال: "إنه سيأتيكم إنسانٌ، فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه". فلم يلبث أن طلَع رجل أزرقُ، فدعاه رسول الله ﷺ، فقال: "علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟ ". فانطلق الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا، حتى تجاوَز عنهم، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ ثم نعتهم جميعًا، إلى آخر الآية. حسن. رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٥٧١) عن أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل أيوب بن إسحاق وعبد الله بن رجاء وسماك فكلهم حسن الحديث. وفي معناه ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: سمع زيد بن أرقم رجلا من المنافقين يقول - والنبي ﷺ يخطب -: إن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير. فقال زيد: هو والله صادق، ولأنت أشر من الحمار، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ، فجحد القائل، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية. فكانت الآية في تصديق زيد. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٤٢ - ١٨٤٣) عن أبي زرعة، ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. وإسناده ضعيف من أجل يعقوب بن حميد بن كاسب؛ فإنه يحسن حديثه إذا توبع. ٢٨ - باب قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ • عن عبد الله بن مسعود قال: اعتبروا المنافقين بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله ﴿يَكْذِبُونَ﴾. صحيح: رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٨٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٤٦)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٢) كلهم من حديث الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن ابن يزيد، قال: قال عبد الله بن مسعود: فذكره. وإسناده صحيح. وروي عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب، أنه قال لرسول الله ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالا. فقال رسول الله ﷺ: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدِّي شكره، خير من كثير لا تطيقه". قال: ثم رجع إليه، فقال يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا قال: "ويحك يا ثعلبة، أما ترضى أن تكون مثل رسول الله، فوالله، لو سألت الله أن تسيل لي الجبال ذهبًا وفضة لسالتْ" ثم رجع إليه فقال: ادع الله أن يرزقني مالا، والله لئن آتاني الله مالا لأوتين كلّ ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم ارزق ثعلبة مالا، اللهم ارزق ثعلبة مالا، اللهم ارزق ثعلبة مالا" قال: فاتَّخذ غنمًا، فنمتْ كما ينمو الدُّود، حتى ضاقت عنها أزقة المدينة فتنحى بها، فكان يشهد الصلاة مع رسول الله ﷺ، ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة مع رسول الله ﷺ، ثم يخرج إليها، ثم نمت، فتنحَّى بها، فترك الجمعة والجماعات، فيتلقى الركبان ويقول: ماذا عندكم من الخبر؟ وما كان من أمر الناس؟ فأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٠٣] قال: فاستعمل رسول الله ﷺ على الصدقات رجلين: رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم. وكتب لهما سنة الصدقة وأسنانها، وأمرهما أن يصدقا الناس، وأن يمرا بثعلبة فيأخذا من صدقة ماله، ففعلا حتى ذهبا إلى ثعلبة، فأقرآه كتاب رسول الله ﷺ فقال: صدّقا الناس، فإذا فرغتما فمرّا بي ففعلا، فقال: والله ما هذه إلا أخية الجزية، فانطلقا حتى لحقا رسول الله ﷺ. وأنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله ﴿يَكْذِبُونَ﴾ قال: فركب رجل من الأنصار قريب لثعلبة راحلة حتى أتى ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة! هلكت، أنزل الله ﷿ فيك القرآن كذا، فأقبل ثعلبة، ووضع التراب على رأسه وهو يبكي ويقول: "يا رسول الله! يا رسول الله! فلم يقبل منه رسول الله ﷺ صدقته حتى قبض الله رسول الله ﷺ، ثم أتى أبا بكر بعد رسول الله ﷺ، فقال: يا أبا بكر! قد عرفت موقعي من قومي ومكاني من رسول الله ﷺ، فاقبل مني، فأبى أن يقبله، ثم أتى عمر، فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عثمان، فأبى أن يقبل منه، ثم مات ثعلبة في خلافة عثمان. رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٥٧٨ - ٥٨٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٤٧ - ١٨٤٩)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٠ - ٢٦١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٧٩ - ٨١) كلهم من حديث معاذ بن رفاعة، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، فذكره. وهي قصة مختلقة، ولذا تكلم عليها كبار أئمة الحديث، فإن مداره على علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف جدا عند جمهور أهل العلم. قال البخاري فيه: "منكر الحديث ضعيف". وقال الدارقطني: "متروك". وقال الساجي: "اتفق أهل العلم على ضعفه". وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة (١/ ٦٦) بعد ما أشار إلى جزء من الحديث: "فذكر حديثا طويلا منكرا بمرة". وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٢): "رواه الطبراني وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك". وإني ذكرت هذا الحديث المختلق لشهرته بين الواعظين وأهل التفسير، وكان ينبغي أن أنزه كتابي هذا عن مثل هذا الحديث المنكر، ولكن ذكرته لبيان ضعفه ونكارته عند أهل العلم، والله الموفق. ٢٩ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ هذه من صفات المنافقين أنهم لا يتركون أحدا من لمزهم، ولو كانوا مخلصين في أعمالهم. • عن أبي مسعود قال: لما أمرنا بالصدقة، كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاء، فنزلت: ﴿يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٦٨)، ومسلم في الزكاة (١٠١٨) كلاهما من طريق بشر بن خالد أبي محمد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود قال: فذكره. واللفظ للبخاري. وفي رواية عند البخاري في التفسير (٤٦٦٩) من وجه آخر عن سليمان به ولفظه: كان رسول الله ﷺ يأمر بالصدقة، فيحتال أحدنا حتى يجيء بالمدّ، وإن لأحدهم اليوم مائة ألف. كأنه يُعرِّض بنفسه. • عن ابن عباس قوله: ﴿يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي ﷺ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً! وقالوا: إن كان الله ورسولُه لَغنِيّيْنِ عن هذا الصاع. حسن: رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١١/ ٣٧٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٥٠) كلاهما من طريق عبد الله بن صالح أبي صالح كاتب الليث، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف وهو صدوق في نفسه، وكذلك فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث حسن الحديث. ٣٠ - باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ قوله: لفظه لفظة أمر، ومعناه خبر، وتقديره: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. وجاء في سورة المنافقين ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة المنافقون: ٦]. • عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ: "إنما خيّرني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وسأزيده على السبعين". قال: إنه منافق. قال: فصلّى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [سورة التوبة: ٨٤]. متفق عليه: ورواه البخاري في التفسير (٤٦٧٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٠) كلاهما من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. • عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما مات عبد الله بن أبيّ ابن سلول دُعِي له رسول الله ﷺ ليصلى عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، ﷺ، أتصلي على ابن أبيّ؟ وقد قال يوم كذا كذا وكذا، قال: أُعدِّد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: "أخِّر عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال: "إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها" قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة التوبة: ٨٤] قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ، والله ورسوله أعلم. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧١) من طرق عن الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، فذكره. • عن ابن عباس: أن عبد الله بن أبي قال له أبوه: أي بني اطلب لي من رسول الله - ﷺ ثوبا من ثيابه تكفنني فيه، ومره يصلي علي، فقال عبد: يا رسول الله! قد عرفت شرف عبد الله، وأنه أمرني أن أطلب إليك ثوبا نكفنه به، وأن تصلي عليه، فأعطاه ثوبا من ثيابه، وأراد أن يصلي عليه، فقال عمر: يا رسول! قد عرفت عبد الله ونفاقه، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ قال: "وأين؟ " قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ قال رسول الله ﷺ: "فإني سأزيده" فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [سورة التوبة: ٨٤] وأنزل الله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة المنافقون: ٦]. قال: ودخل رجل على رسول الله ﷺ، فأطال الجلوس، فخرج النبي ﷺ ثلاثا، لكي يتبعه، فلم يفعل، فدخل عمر، فرأى الرجل، فعرف الكراهية في وجه رسول الله ﷺ بمقعده، فقال: لعلك آذيت النبي ﷺ، ففطن الرجل، فقام، فقال النبي ﷺ: "لقد قمت ثلاثا لتتبعني، فلم تفعل" فقال: يا رسول الله! لو اتخذت حاجبا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وهو أطهر لقلوبهن، فأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٣] فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمر، فأخبره بذلك قال: واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر في الأسارى، فقال أبو بكر: يا رسول الله! استحيي قومك، وخذ منهم الفداء، فاستعن به. وقال عمر بن الخطاب: اقتلهم. فقال: "لو اجتمعنا ما عصيناكم" فأخذه رسول الله ﷺ بقول أبي بكر، فأنزل الله ﷿ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٦٧] قال: تْم نزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى آخر الآيات فقال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين، فأنزلت ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٤]. حسن: رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٨٨)، والضياء في المختارة (١٠/ ١٦٠ - ١٦٢) كلهم من حديث بشر بن السري، ثنا رباح بن أبي معروف المكي، عن سالم بن عجلان الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل رباح بن أبي معروف المكي؛ فإنه حسن الحديث. ٣١ - باب قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي عن غزوة تبوك. ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أي بقعودهم ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ أي بعد رسول الله. وكانت غزوة تبوك في شدة الحر. فقال تعالى: • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم". فقالوا: يا رسول الله! إن كانت لكافية. قال: "إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا". متفق عليه: رواه مالك في كتاب جهنم (١٨٧٢) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٦٥) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٣٤) من وجه آخر عن أبي الزناد به نحوه، وزاد في آخره: "كلها مثل حرّها". ٣٢ - باب قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي أنّ الله منع رسول الله ﷺ أن يصلي بعد هذا على أحد من المنافقين، فلم يثبت أنه صلى على أحد من المنافقين بعد ذلك. وقد تقدمت في تفسير الآية رقم (٨٠) عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، وحاصلها أنها نزلت بعد ما صلى رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي ابن سلول. ٣٣ - باب قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ • عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر الكلاعي قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ فسلمنا، وقلنا: أتيناك زائرين ومقتبسين. فقال العرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". حسن: رواه أبو داود (٤٦٠٧)، وأحمد (١٧١٤٥)، وصحّحه ابن حبان (٥)، والحاكم (١/ ٩٧) كلهم من حديث الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، حدثني خالد بن معدان، حدثني عمرو بن عبد الرحمن السلمي، وحجر بن حجر الكلاعي، قالا: فذكراه. وإسناده حسن من أجل عمرو بن عبد الرحمن السلمي وحجر بن حجر الكلاعي لمتابعة بعضهما بعضا، والكلام عليه مبسوط في كتاب الاعتصام. ٣٤ - باب قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ • عن كعب بن مالك قال حين تخلف عن تبوك: والله! ما أنعم الله عليّ من نعمة بعد إذ هداني أعظم من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا حين أنزل الوحي ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿الْفَاسِقِينَ﴾. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧٣)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٩) كلاهما من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك، قال: فذكره. والسياق للبخاري وسياق مسلم طويل. ٣٥ - باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ • عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: "أتاني الليلة آتيان، فابتعثاني، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر. فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك. قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧٤) عن مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب فذكره. • عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ قال: كان عشرة رهط تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، فكان ممر رسول الله ﷺ إذا رجع من المسجد عليهم، فلما رأهم قال: "من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري؟ " قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك، يا رسول الله! أوثقوا أنفسهم حتى يطلقهم النبي ﷺ ويعذرهم، فقال النبي ﷺ: "وأنا أقسم بالله! لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، ويعذرهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين". فلما بلغهم ذلك قالوا: نحن - والله - لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزل الله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعسى من الله واجب، أنه هو التواب الرحيم، فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله! هذه أموالنا، فتصدق بها عنا، واستغفر لنا. قال: "ما اُمرت أن آخذ أموالكم". فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: استغفر لهم: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فأخذ منهم، واستغفر لهم. حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦٥١ - ٦٥٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٧٢، ١٨٧٥)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٧١ - ٢٧٢) كلهم من حديث عبد الله بن صالح قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة، وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف، وهو صدوق في نفسه، وكذلك فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث حسن الحديث. • عن جابر بن عبد الله قال: كان ممن تخلف عن رسول الله ﷺ في تبوك ستة: أبو لبابة، وأوس بن خذام، وثعلبة بن وديعة، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فجاء أبو لبابة، وأوس، وثعلبة. فربطوا أنفسهم بالسواري، وجاؤوا بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله! خذها، هذا الذي حبسنا عنك، فقال: "لا أحلهم حتى يكون قتال". فنزل القرآن: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية. حسن: رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٣١٢ - ٣١٣) عن عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا عبد الرحمن بن الحسن، ثنا إسماعيل بن محمد بن عصام، قال: وجدت في كتاب جدي عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر فذكره. ورواه أبو الشيخ في تفسيره، وابن منده في المعرفة، كما في الإصابة كلاهما من حديث سفيان الثوري بإسناده. قال الحافظ في الإصابة: "إسناده قوي". قلت: وهو كما قال؛ فإن فيه أبا سفيان طلحة بن نافع مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث وخاصة إذا روى عنه الأعمش فأحاديثه مستقيمة كما قال ابن عدي. قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ عام لكل من أتى بصدقته إلى النبي ﷺ، فكان يدعو لهم، ويصلي عليهم، كما جاء في الصحيح. • عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان". فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٩٧)، ومسلم في الزكاة (١٠٧٨) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال: فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. ٣٦ - باب قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. • عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٥٩) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرّة، قال: سمعت أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى، فذكره. قوله: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾. • عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فيتلقاه الرحمن ﵎ بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوّه ووصيفه أو فصيله". حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٩٣١) -، والطبراني في الأوسط (مجمع البحرين: ١٤١٢) كلاهما من حديث إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فذكرته. قال الهيثمي في المجمع (٣/ ١١٢): "رواه البزار، ورجاله ثقات". وإسناده حسن من أجل الكلام في إسماعيل وهو ابن أبي أويس - واسمه عبد الله - فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، وهو من رجال الشيخين. ٣٧ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ نزلت هذه الآيات في جماعة من المنافقين الذين بنوا مسجدا ضِرارا لمسجد قباء جاء في صحيح مسلم (٢٧٧٩: ٩): "في أصحابي اثنا عشر منافقا". إنْ كان هؤلاء فهذه أسماؤهم كما ذكرهم ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٨٠)، والبغوي في تفسيره (٢/ ٣٢٤): وديعة بن ثابت، وجذام بن خالد، وثعلبة بن حاطب، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وأبو حبيبة بن الأزعر، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ورجل يقال له: بَحْزَج. • عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ هم أناس من الأنصار، ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم، واستعدوا بما استطعتم من قوة، وسلاح. فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم فأُخرج محمدا وأصحابه. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٧٨) عن أبيه، عن أبي صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي صالح وهو عبد الله بن صالح كاتب الليث، حسن الحديث. وأبو عامر هذا هو الراهب الذي تنصر في الجاهلية قبل مقدم النبي ﷺ المدينة، وقرأ علم أهل الكتاب، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية أظهر العداوةَ والبغضاءَ، وحث أصحابه من أهل المدينة، ببناء هذا المسجد مجاورا لمسجد قباء، ليكون لهم مركزا للتشاور فيما بينهم. وأما هو فذهب إلى الشام يستنصره على النبي ﷺ، فوعده ملك الشام بجيش وعدة. فلما فرغوا من بناء مسجدهم أتوا النبي ﷺ، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة، فقال النبي ﷺ: "إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله". أي إلى تبوك. فلما قفل من تبوك راجعا إلى المدينة، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه الوحي: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فبعث رسول الله ﷺ من يهدمه. قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ قيل: هو مسجد قباء. كما جاء في الصحيح: • عن عروة بن الزبير قال: - في قصة هجرته ﷺ: فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلّى فيه رسول الله ﷺ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة ... الحديث. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٦) فقال: قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، أن رسول الله ﷺ لقي الزبير .... وهذا موصول بالإسناد الذي قبله (٣٠٩٥) وهو: عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرت قصة الهجرة بطولها. ولذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٤٣): "هو متصل إلى ابن شهاب بالإسناد المذكور أولا". ورواه عبد الرزاق (٥/ ٣٥٩) فقال: قال معمر: قال الزهري: أخبرني عروة بن الزبير أنه لقي الزبير ... فذكر قصة الهجرة بطولها. فالظاهر أنه سمع هذه القصة من عائشة ومن الزبير. وقيل: إنه المسجد الذي في المدينة كما جاء في الصحيح أيضا: • عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله! أي المسجدين الذي أسس على التقوى، قال: فأخذ كفا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا" - لمسجد المدينة - قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٩٨) عن محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد الخراط، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال: فذكره. • عن سهل بن سعد قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسِّس على التقوى، فقال أحدهما: "هو مسجد الرسول"، وقال الآخر: "هو مسجد قباء"، فأتيا النبي ﷺ، فسألاه، فقال: "هو مسجدي هذا". حسن: رواه أحمد (٢٢٨٠٥)، وابن حبان (١٦٠٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٥٤) كلهم من حديث وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، حدثني عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل ربيعة بن عثمان التيمي فإنه حسن الحديث. والجمع بينهما ممكن بأن يقال: إن المسجد الذي أسّس على التقوى - إذا قيّد بالأولية - فهو مسجد قباء؛ لأنه بني قبل مسجد المدينة ببضعة عشر يوما. وإذا أطلق المسجد الذي أسس على التقوى فهو مسجد المدينة. وقد ذهب إلى الجمع بهذا أو نحوه كثير من أهل العلم. قوله: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نزلت في أهل قباء ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء؛ فنزلت فيهم هذه الآية". رواه أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) كلهم من طريق معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال الترمذي: "غريب من هذا الوجه". قلت: فيه علتان: يونس بن الحارث الثقفي الطائفي ضعيف. وإبراهيم بن أبي ميمونة مجهول الحال. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٩١). وروي عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قُباء، فقال: "إن الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله! ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا. رواه أحمد (١٥٤٨٥)، وابن خزيمة (٨٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٤٨)، والحاكم (١/ ١٥٥) كلهم من طريق أبي أويس، ثنا شرحبيل، عن عُويم بن ساعدة فذكره. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢١٢): "رواه أحمد والطبراني في الثلاثة، وفيه شرحبيل بن سعد، ضعّفه مالك، وابن معين، وأبو زرعة، ووثّقه ابن حبان". قلت: أبو أويس هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك، قريب مالك وصهره، مختلف فيه، والخلاصة فيه أنه صدوق يهم كما في التقريب، وشرحبيل بن سعد قال فيه النسائي: "ضعيف". وذكره ابن حبان في الثقات، والخلاصة فيه كما في التقريب: "صدوق اختلط آخره" كما في سماعه من عويم نظر؛ لأن عويما مات في حياة رسول الله ﷺ، ويقال: في خلافة عمر. "تهذيب التهذيب" (٢/ ١٥٨). وله شواهد أخرى عن ابن عباس، وأبي أمامة، ومحمد بن عبد الله بن سلام، ولا يسلم منها شيء، فمن نظر إلى مجموع هذه الشواهد جعل الحديث صحيحا، أو حسنا، وليس من هذه الشواهد شيء على شرطي. ٣٨ - باب قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ • عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، ائذن لي بالسياحة، قال النبي ﷺ: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". حسن: رواه أبو داود (٢٤٨٦)، والحاكم (٢/ ٧٣)، والبيهقي (٩/ ١٦١) من طريق محمد بن عثمان التنوخي أبي الجماهر، حدثنا الهيثم بن حميد، أخبرني العلاء بن الحارث، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده حسن من أجل القاسم أبي عبد الرحمن، فإنه مختلف فيه، والأقرب أنه حسن الحديث. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". ٣٩ - باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ • عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: "يا عم! قل: لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة القصص: ٥٦]. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٧٥)، ومسلم في الإيمان (٢٤) كلاهما من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري مختصر. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمّه عند الموت: "قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة"، قال: لولا أن تُعيّرني قريشٌ يقولون: إنما حمله على ذلك الجزعُ لأقررتُ بها عينيك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٥: ٤٢) عن محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٧٦) من طرق عن مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: فذكره. • عن عبد الله بن عباس قال: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية. يعني استغفر له ما كان حيًا، فلما مات أمسك عن الاستغفار. حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٣ - ٢٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٩٣) كلاهما من حديث عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة، وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف وهو صدوق في نفسه، وكذلك فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث حسن الحديث. • عن علي قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه، وهما مشركان، فقلت: "أتستغفر لهما وهما مشركان. فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه، فأتيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾. حسن: رواه الترمذي (٣١٠١)، والنسائي (٢٠٣٦) وأحمد (١٠٨٥)، والحاكم (٢/ ٣٣٥) كلهم من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي بن أبي طالب فذكره. قال الترمذي: "حديث حسن". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: أبو الخليل هو عبد الله بن الخليل، أو ابن أبي الخليل الحضرمي الكوفي، قال ابن سعد: "كان قليل الحديث، ووثقه ابن حبان، وروى عنه جمع، فيُحسن حديثه في الشواهد، وأما إذا انفرد، فينظر فيه. وقوله: ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ أي أباه، وذلك أن إبراهيم ﵇ وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه، وكان استغفاره في حال شرك أبيه ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، وذلك بعد موته على الكفر، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبخٍ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار". صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٠) عن إسماعيل بن عبد الله قال: أخبرني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره. ٤٠ - باب قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ قوله: ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي في زمن العسرة، وكانت غزوة تبوك تُسمى غزوة العسرة، والجيش يسمى جيش العسرة. وقوله: ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾ أي تميل إلى التخلف والانصراف للعسرة، فإنه قد همَّ فريق منهم بالتخلف ثم لحقوهم، لا المراد منه الزيغ عن الدين، وقد وصف شدة هذه الغزوة عمر بن الخطاب في الحديث الآتي: • عن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدِّثنا من شأن العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن الرجل ليذهب فيلتمس الماء، فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! قد عودك الله في الدعاء خيرًا، فادع لنا، فقال: "أتحب ذلك؟ " قال: نعم، فرفع يديه ﷺ، فلم يرجعهما، حتى أظلت سحابة، فسكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. صحيح: رواه ابن حبان (١٣٨٣)، والبزار - كشف الأستار (١٨٤١)، والحاكم (١/ ١٥٩)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٣١) كلهم من حديث ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". تنبيه: سقط من إسناد ابن حبان "عتبة بن أبي عتبة". وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ كرر ذكر التوبة بعد أن ذكر في أول الآية: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فذكر التوبة في أول الآية للنبي ﷺ لجميع أصحابه الذين خرجوا في غزوة العسرة، وذكر التوبة الثانية للذين أرادوا التخلف والانصراف لشدة الساعة ثم مضوا ولم يتخلفوا. وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ختم الله بهذه البشرى للجميع الذين خرجوا في غزوة العسرة بأنه ﷾ قبل توبتهم، ومن تاب الله عليه لم يعذبه أبدا. وقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ هم كعب بن مالك، ومرارة بن ربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، وتفصيل قصتهم في الحديث الآتي: • عن كعب بن مالك قال: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.