عام الفتح وهو بمكة: "إنّ اللَّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول اللَّه! أرأيت شحوم الميتة. فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام". ثم قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "قاتل اللَّه اليهود إن اللَّه لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٣٦)، ومسلم في المساقاة (١٥٨١) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدّثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. ولفظهما سواء. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "قاتل اللَّه اليهود، حُرّم عليهم الشحم، فباعوه وأكلوا ثمنه". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٢٤)، ومسلم في المساقاة (٧٤: ١٥٨٣) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن وهب، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، سمعت سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ لمسلم. • عن ابن عباس يقول: بلغ عمر بن الخطاب أن فلانًا باع خمرا، فقال: قاتل اللَّه فلانًا، ألم يعلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قاتل اللَّه اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٢٣)، ومسلم في المساقاة (١٥٨٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حدّثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني طاوس، أنه سمع ابن عباس يقول: فذكره. واللفظ للبخاري وعند مسلم: "بلغ عمر أن سمرة باع خمرا". قوله: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ هو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والنعام. وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ قال ابن جرير: "جمع، واحدها حاوِياءُ وحوية. وهي ما تحَوَّى من البطن. فاجتمع واستدار وهي بنات اللبن. وهي المباعر، وتسمى المرابض وفيها الأمعاء". وبنات اللبن: هو ما صغر من الأمعاء. والمباعر جمع مبعر. وهو مكان البعر من كل ذي أربع. وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي هذا التحريم كان بسبب بغيهم وعدوانهم كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ١٦٠]. وأما قوله تعالى في سورة آل عمران: [٩٣] ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ. . .﴾. فكان سببه أن إسرائيل (وهو يعقوب ﵇ كان يشتكي بمرض، نحرم على نفسه بعض الأطعمة. وروي عن ابن عباس أنه حرّم على نفسه العروق. وقيل: أنه حرّم على نفسه لحم الإبل، فحرمه أبناءه وأتباعه من غير تحريم اللَّه ذلك عليهم من وحي، أو على لسان رسول من رسله، وزادوا في تحريمهم ما شاءوا، وذلك قبل أن ينزل اللَّه التوراة. فلما أنزل اللَّه التوراة، حرم عليهم أشياء كانت حلالا ولكنهم حرموها، فحرمها اللَّه تعالى عليهم لبغيهم عقوبة لهم. وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود، بينما هم كاذبون في زعمهم، أن هذه الأشياء، إنما حرّمها إسرائيل إياها على نفسه؛ لأن الصحيح أن إسرائيل لم يحرم على نفسه إلّا بعض الأطعمة كما سبق. ٣٠ - باب قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ • عن عبادة بن الصّامت: -وكان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة- أن رسول اللَّه ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم، فأجره على اللَّه، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعوقب في الدنيا، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثم ستره اللَّه، فهو إلى اللَّه إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك. متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٨)، ومسلم في الحدود (١٧٠٩) كلاهما من حديث الزهري، عن أبي إدريس عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، عن عبادة بن الصّامت فذكره. ورواه الحاكم (٢/ ٣١٨)، من حديث سفيان بن حسين الواسطي، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصّامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من يبايعني على هذه الآيات، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى ختم الآيات الثلاث. فمن وفى فأجره على اللَّه، ومن انتقص شيئًا أدركه اللَّه بها في الدنيا، كانت عقوبته. ومن أخر إلى الآخرة، كان أمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له". وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. إنما اتفقا جميعًا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا". وقد روى سفيان بن حسين الواسطي كلا الحديثين عن الزهري فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما" اهـ. قلت: إِلَّا أن سفيان بن حسين الواسطي ضعيف في الزهري كما قال به أهل العلم، فلا يقبل تفرده عن الزهري. • عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يقول: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: قلت له: آنت سمعته من عبد اللَّه؟ . قال: نعم. ورفعه أنه قال: "لا أحد أغير من اللَّه. ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه، ولذلك مدح نفسه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٤)، ومسلم في التوبة (٣٤: ٢٧٦٠) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة قال: فذكره. واللفظ لمسلم. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن اللَّه يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة اللَّه أن يأتي المؤمن ما حُرِّمَ عليه". متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٢٢٣)، ومسلم في التوبة (٢٧٦١) كلاهما من حديث يحيى قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي نهى اللَّه تعالى أن يقتل أحد ابنه من خشية الفقر، فإن أهل الجاهلية كانوا يقتلون البنات للعار، والذكور للافتقار. وقد جاء في الصحيحين: • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سألت أو سئل رسول اللَّه ﷺ أيُّ الذنب عند اللَّه أكبر؟ ". قال: "أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك". قلت: " ثم أي؟ ". قال: "ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: "ثم أي؟ ". قال: "أن تزاني بحليلة جارك". قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول اللَّه ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٨]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦١)، ومسلم في الإيمان (١٤٢: ٨٦)، كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، عن عبد اللَّه قال: فذكره. والسياق للبخاري. ٣١ - باب قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي السبيل الواحد الذي هو سبيل اللَّه؛ لأن الحق واحد بخلاف الباطل؛ فإنّ طرقه كثيرة، كالنور فإنه واحد والظلمات كثيرة. كما قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧]. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "خط لنا رسول اللَّه ﷺ خطا، ثم قال: "هذا سبيل اللَّه"، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. حسن: رواه أحمد (٤١٤٢)، وال بزار - كشف الأستار (٢٢١٠)، وصحّحه ابن حبان (٧، ٦)، والحاكم (٢/ ٣١٨) كلهم من طريق حماد بن زيد، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. ورواه النسائيّ في التفسير (١١١٧٥)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٣٩)، عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه بن مسعود به مرفوعًا. والطريقان محفوظان، عاصم له شيخان: زر وأبو وائل - كلاهما عن ابن مسعود. • عن النواس بن سمعان الأنصاري، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ضرب اللَّه مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تتعرجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران: حدود اللَّه، والأبواب المفتحة: محارم اللَّه، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب اللَّه، والداعي من فوق الصراط: واعظ اللَّه في قلب كل مسلم". صحيح: رواه أحمد (١٧٦٣٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٢١٤٢)، والحاكم (١/ ٧٣) كلهم من طرق عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة". ٣٢ - باب قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ قوله: ﴿تَمَامًا﴾ أي كمالا لإحسانه. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ المراد به الجنس، فاستوى فيه مفرده وجمعه. ومعناه: الذين أحسنوا من بني إسرائيل. يؤيد هذا المعنى ما جاء في قراءة ابن مسعود ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِين أَحْسَنُوا﴾ وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾ هو موسى ﵇ نفسه، فإن اللَّه جزاه بإحسانه وقيامه بأوامره أن أعطاه الكتاب، فيه هدًى ونور. والأوّل أصح. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي ما يحتاجون إليه من أوامر وأحكام. ٣٣ - باب قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ أي القرآن العظيم، وأخطأ من جعل اسم الإشارة للكتاب الذي أنزله اللَّه تعالى على موسى ﵇ وهو التوراة. ٣٤ - باب قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا رآها الناس، آمن من عليها. فذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٥)، ومسلم في الإيمان (١٥٧)، كلاهما من طريق عمارة بن القعقاع، حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا أبو هريرة، قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ إسناد آخر قبله بنحوه. • عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ثلاث إذا خرجن، لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥٨) من طرق عن فُضَيل بن غَزْوَانَ، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: فذكره. ٣٥ - باب قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ • عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يرُوي عن ربه ﷿ قال: "إنّ اللَّه كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك، فمن همَّ بحسبة فلم يعملها كتبها اللَّه له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها اللَّه له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها اللَّه له سيئة واحدة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩١)، ومسلم في الإيمان (١٣١) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن الجعد أبي عثمان، حدّثنا أبو رجاء العُطاردي، عن ابن عباس فذكره. وزاد مسلم: "ومحاها اللَّه ولا يهلك على اللَّه إِلَّا هالك". • عن أبي هريرة: "يقول اللَّه إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٠١)، ومسلم في الإيمان (١٢٨: ٢٠٣) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الزهد. ٧ - تفسير سورة الأعراف وهي مكية، وعدد آياتها ٢٠٦ ١ - باب قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ • عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو ... كله فما بدا منه فلا أحله فنزلت: هذه الآية: صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٨) من طريق محمد بن جعفر غندر، حدّثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ • عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يقول: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: قلت له: آنت سمعتَه من عبد اللَّه؟ قال: نعم. ورفعه أنه قال: "لا أحد أغير من اللَّه. ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه، ولذلك مدح نفسه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٤)، ومسلم في التوبة (٣٤: ٢٧٦٠) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة قال: فذكره. واللفظ لمسلم. ٣ - باب قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ • عن أبى سعيد الخدري، وأبى هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ينادي مناد: إنّ لكم أن تَصِحُّوا، فلا تسقموا أبدًا. وإنّ لكم أن تحيوا، فلا تموتوا أبدًا. وإنّ لكم أن تشبوا، فلا تهرموا أبدًا. وإنّ لكم أن تنعموا، فلا تبتئسوا أبدًا". فذلك قوله ﷿ ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. صحيح: رواه مسلم في الجنة (٢٨٣٧) من طريق عبد الرزاق، قال: قال الثوري: فحدثني أبو إسحاق، أن الأغر حدثه، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قالا: فذكراه. ٤ - باب قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ • عن أنس، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، فقال أبي: أراناه معاذ. صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠٧٤)، وأحمد (١٢٢٦٥) -واللفظ له-، وابن خزيمة في التوحيد (١٩٤ - ٢٠٠)، والحاكم (١/ ٢٥ و ٢/ ٣٢٠، ٥٧٧) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث حماد بن سلمة". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم". قوله: "طرف الخنصر" أي تجلّى أدنى تجلّ للجبل، فصار دكّا أي متقطعا، وأنها مثل الرمال. وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي مغشيا عليه. • عن أبى سعيد الخدري قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ، قد لطم وجهه. وقال: يا محمد! إنّ رجلًا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: "ادعوه". فدعوه. قال: "لم لطصت وجهه؟ ". قال: يا رسول اللَّه، إني مررت باليهود، فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: وعلى محمد؟ وأخذتني غضبة، فلطمته. قال: "لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُزِي بصعقة الطور". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٤) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: فذكره، واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما ساق بعضه وأحال بعضه على إسناد آخر قبله. • عن أبى هريرة قال: استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده عند ذلك، فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي ﷺ: "لا تخيروني على موسى، فإنّ الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول مَن يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الخصومات (٢٤١١)، ومسلم في الفضائل (١٦: ٢٣٧٣) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري. ٥ - باب قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ليس الخبر كالمعاينة، إن اللَّه أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلقِ الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا، ألقى الألواح فانكسرتْ". صحيح: رواه أحمد (٢٤٤٧)، والطبراني في الأوسط (٢٥)، وفي الكبير (١١٨٣، ١١٨٤)، والبزار (٥٠٦٢، ٥١٥٥)، وصحّحه ابن حبان (٦٢١٣)، (٦٢١٤)، والحاكم (٢/ ٣٢١)، و (٢/ ٣٨٠) كلهم من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". ٦ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ الخطاب موجه لجميع بني آدم من العرب والعجم، والأحمر والأسود بأنه ﷺ رسول للجميع. والآيات في هذا المعنى كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثت إلى الناس عامة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من حديث هُشيم، أخبرنا سيار، قال: حدّثنا يزيد بن صهيب الفقير، قال: أخبرنا جابر بن عبد اللَّه فذكره في حديث طويل. وهذا يقتضي أن يكون النبي ﷺ آخر الأنبياء؛ لأن نبوته تشمل جميع الزمان والمكان، وقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ٧ - باب قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ وجاء في سورة البقرة [٦٠]: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. وذلك عدد الأسباط وهم: أشير، وأفريم، منسى بن يوسف، بنيامين، جاد، دان، رأوبين، زبولون، شمعون، نفتالي، يساكر، يهوذا. وقعت هذه القصة في التيه، قال ابن عباس: "ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها". وتفاصيل هذه القصة مذكورة في سفر العدد، باب: ٢٠. وذكر فيها فصل برية صين. وهي موضع في التيه عبر به بنو إسرائيل إلى كنعان، وظن بعض المفسرين أنها بلد معروف اليوم وهو الصين. • عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٩)، ومسلم في الأشربة (١٥٨: ٢٠٤٩) كلاهما من طريق شعبة، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عمرو بن حريث، قال: سمعت سعيد بن زيد، قال: فذكره. ولفظهما سواء. ٨ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ • عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ: "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٥٨] فبدّلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة فى شعرة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤١)، ومسلم في التفسير (٣٠١٥) كلاهما من طريق عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة، يقول: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٩ - باب قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ • عن عبد اللَّه بن عباس قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة. فلما دخل. قال: يا ابن الخطاب واللَّه ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همّ بأن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين! إن اللَّه تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وإن هذا من الجاهلين. فواللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب اللَّه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، أن ابن عباس قال: فذكره. • عن عبد اللَّه بن الزبير: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. قال: "ما أنزل اللَّه إلّا في أخلاق الناس". صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٣)، عن يحيى، حدّثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير، فذكره. ورواه في التفسير أيضًا (٤٦٤٤) تعليقا، فقال: "وقال عبد اللَّه بن برّاد، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير قال: "أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، أو كما قال". وهذا المعنى روي أيضًا عن مجاهد. وقال ابن عباس: " ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي خذ ما عفا لك من أموالهم. وما أتوا به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل "براءة" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت به الصدقات إليه. رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٦٤١). وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي بالمعروف، وهو كل قول حسن، وفعل حسن. وقيل: معناه إن اللَّه أمره بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم. • عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول اللَّه ﷺ، فقال لي: "يا عقبة بن عامر، صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك". حسن: رواه أحمد (١٧٤٥٢) عن حسين بن محمد، حدّثنا ابن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فروة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر فذكره في سياق طويل. وإسناده حسن من أجل ابن عياش وهو إسماعيل بن عياش فإنه حسن الحديث، إذا روى عن الشاميين. وهذا منها. ١٠ - باب قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ والنزغ: الكلام الذي يقصد به الاغراء بين الناس. ونزغ الشيطان: وساوسه، وما يحمل به الإنسان على المعاصي. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣]. قال ابن جرير: "وإما يغضبنّك من الشيطان غَضَبٌ يصدّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم. ١١ - باب قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ هذا حكم عام في كل من سمع كتاب اللَّه يقرأ أن يستمع ويُنصت له. وقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي احضروا قلوبكم لسماع القرآن، وتدبر معانيه. وقوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ أي اتركوا حديث الناس، ووجهوا عنايتكم في سماع القرآن. وقد كان كفار مكة يقولون كما حكى اللَّه ﷾ عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [سورة فصلت: ٢٦]. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي إنّ الاستماع والإنصات يحصل بهما الرحمة. وأما الإنصات في الصلاة الجهرية عند قراءة الإمام سورة الفاتحة فهو مختلف فيه كما مضى في كتاب الصلاة. وأما ما روي عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب اللَّه ﷿، كتِب له حسنة مضاعفة، من تلاها كانت له نورًا يوم القيامة" فهو ضعيف. رواه أحمد (٨٤٩٤) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، حدّثنا عبّاد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة فذكره. فيه عباد بن ميسرة، قال فيه ابن معين: "ليس بالقوي". وقال أبو داود: "ليس بالقوي". ومع ذلك ذكره ابن حبان في "الثقات". وفيه الحسن وهو الإمام المعروف إلّا أنه كان يدل، ولم يثبت سماعه من أبي هريرة. ورواه سعيد بن منصور، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من تلا آية من كتاب، كانت له نورًا يوم القيامة، ومن استمع لآية من كتاب اللَّه كتبت له حسنة مضاعفة". رواه البيهقي في شعب الإيمان (١٨٢٨) بإسناده عن سعيد بن منصور. وفيه إسماعيل بن عياش الشامي، روايته عن أهل بلده مقبولة، وفي غيره مضطرة، وهذا منها. وليث هو ابن سُليم، كوفي سيئ الحفظ. ١٢ - باب قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ يستحب أن يكون ذكر اللَّه تعالى بالقول الوسط لا جهرًا بليغًا، ولا سرًّا لا يسمع. وقوله: ﴿تَضَرُّعًا﴾ أي متضرعا بلسانك. وقوله: ﴿وَخِيفَةً﴾ أي خائفا من اللَّه. • عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ، فكنا إذا أشرفنا على واد، هللنا وكبرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ: "يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم، إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٩٩٢)، ومسلم في الذكر (٢٧٠٤) كلاهما من حديث عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى فذكره. واللفظ للبخاري. وقوله: "اربعوا على أنفسكم" أي ارفقوا بأنفسكم. وقد يراد به كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ لأن المشركين إذا سمعوا القرآن، سبوا اللَّه ﷿، وسبوا على من نزل وهو النبي ﷺ. فأمر اللَّه تعالى أن لا تجهروا بالصلاة جهرا بالغا يسمعه المشركون فيسبوا اللَّه ﷿، ولا تخافت - أي عن أصحابك، فلا يسمعونه، بل اختر سبيلا بين الأمرين وهو الوسط. ٨ - تفسير سورة الأنفال وهي مدنية، وعدد آياتها ٧٥ وقيل: إِلَّا سبع آيات من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى سبع آيات، فإنها نزلت بمكة. والأصح أنها نزلت بالمدينة، وإن كانت الواقعة بمكة فإنها من إخبار الماضي. الأنفال: جمع نفل، وهو في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل، تفضلا من غير أن يجب ذلك عليه. وقد أحل اللَّه الأنفال -وهي الغنائم- للمؤمنين من أموال عدوهم تكرما وتفضلا على هذه الأمة، بعد أن كانت محرمة على الأمم السابقة. • عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس سورة الأنفال؟ قال: "نزلت في بدر". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٥)، عن محمد بن عبد الرحيم، حدّثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هُشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير فذكره. وهو في الصحيحين - البخاريّ (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١) من طريق هُشيم به مطولا، وسيأتي في موضعه. • عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة، صلى حيث كان، ونُصِرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١) كلاهما من طريق هُشيم، حدّثنا سيّار، حدّثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد اللَّه قال: فذكره. والسياق لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ، أعطيتُ جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". صحيح: رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٢٣) من طرق عن إسماعيل -وهو ابن جعفر-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ١ - باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم بدر: "من فعل كذا وكذا، فله من النفل كذا وكذا". قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات، فلم يبرحوها. فلما فتح اللَّه عليهم، قالت المشيخة: كنا ردءا لكم، لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم، ونبقى، فأبى الفتيان، وقالوا: جعله رسول اللَّه ﷺ لنا، فأنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا، فأطيعوني؛ فإني أعلم بعاقبة هذا منكم. وفي لفظ: "من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله، كذا وكذا". وزاد في رواية: فقسمها رسول اللَّه ﷺ بالسواء. صحيح: رواه أبو داود (٢٧٣٧)، والحاكم (٢/ ١٣١ - ١٣٢)، -وعنه البيهقي (٦/ ٢٩١) - كلاهما من طريق خالد بن عبد اللَّه الواسطي، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح، فقد احتج البخاريّ بعكرمة، وقد احتج مسلم بداود بن أبي هند". وقال الذهبي: "قلت: "هو على شرط البخاريّ". والزيادة المذكورة بلفظين قد رواها أبو داود (٢٧٣٨، ٢٧٣٩)، والبيهقي (٦/ ٢٩٢، ٦/ ٣١٥) من طرق عن داود بن أبي هند به. وإسناده صحيح أيضًا. • عن ابن عباس قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، قال: الأنفال المغانم كانت لرسول اللَّه ﷺ خالصة، ليس لأحد منها شيء، ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلول. فسألوا رسول اللَّه ﷺ أن يعطيهم منها، قال اللَّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قل: الأنفال لي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيء. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ثم أنزل اللَّه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]. ثم قسم ذلك الخُمس لرسول اللَّه ﷺ، ولمن سمي في الآية. حسن: رواه الطبريّ في تفسيره (١١/ ١٩ - ٢٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٧٦٦)، والبيهقي (٦/ ٢٩٣) كلهم من طريق عبد اللَّه بن صالح، حدّثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح فإنه حسن الحديث، إذا كان له أصلًا. • عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفا، فأتي به النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه، نفلنيه. فقال: "ضعه". ثم قام، فقال له النبي ﷺ: "ضعه من حيث أخذته". ثم قام، فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه. فقال: "ضعه". فقام، فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه أأُجعَل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ: "ضعه من حيث أخذته". قال: فنزلت هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٣٤: ١٧٤٨)، من طريق محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، فذكره. • عن سعد بن أبي وقاص قال: جئت إلى النبي ﷺ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد شفى صدري اليوم من العدو، فهب لي هذا السيف. قال: "إنّ هذا السيف ليس لي ولا لك". فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يُبْلِ بلائي! فبينا أنا، إذ جاءني الرسول، فاتال: "أجب". فظننت أنه نزل في شيء بكلامي، فجئت، فقال لى النبي ﷺ: "إنّك سألتنى هذا السيف، وليس هو لي ولا لك، وإن اللَّه قد جعله لي فهو لك، ثم قرأ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية. حسن: رواه أبو داود (٢٧٤٠)، واللفظ له، والترمذي (٣٠٧٩)، وأحمد (١٥٣٨)، والحاكم (٢/ ١٣٢) كلهم من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ابن أبي وقاص، فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: "إسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنه حسن الحديث". قال أبو داود عقب الحديث (٢٧٤٠): "قرأة ابن مسعود: ﴿يَسْأَلُونَكَ النَّفَلِ﴾. وقيل: إن قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ منسوخ بقول اللَّه ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، كانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ، فنسخها اللَّه ﷿ بالخمس.