الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ قوله

ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلي أجل. ثم قرأ عبد اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٥)، ومسلم في النكاح (١٤٠٤) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عبد اللَّه قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه. • عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: هم رهطٌ من أصحاب النبي ﷺ، قالوا: نقطَعُ مذاكيرَنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فأرسل إليهم، فذكر ذلك لهم فقالوا: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ: "لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلِّي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مِني". حسن: رواه ابن جرير الطبريّ في تفسيره (٨/ ٦١١) عن المثنى، ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١١٨٧)، عن أبيه، ثنا أبو صالح كاتب الليث (وهو عبد اللَّه ابن صالح) به. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح؛ فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث إذا كان له أصل. وأما ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود: أن رجلًا أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه، إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت علي اللحم. فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٣٠٥٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٤)، وابن جرير الطبريّ في تفسيره (٨/ ٦١٣)، كلهم من حديث عثمان بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلًا ليس فيه "عن ابن عباس". ورواه خالد الحذّاء، عن عكرمة مرسلًا". اهـ قلت: مع إرساله ووقفه فيه عثمان بن سعد الكاتب أبو بكر البصري، ضعيف عند جمهور أهل العلم وإن كان ابن عدي حسن الرأي فيه فقال: "هو حسن الحديث"، والقول قول الجمهور، وبه قال الحافظ في التقريب "ضعيف". قلت: وهو كما قال، فقد رواه ابن جرير الطبريّ من أوجه عن خالد الحذّاء، عن عكرمة قال: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ همّوا بالخصاء، وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وهذا أصح؛ فإن خالد الحذّاء من الثقات الضابطين بخلاف عثمان بن سعيد؛ فإنه ضعيف. وقال مسروق: أتى عبد اللَّه بضرع، فقال للقوم: أدنو، فأخذوا يطعمونه. وكان رجل منهم في ناحية، فقال عبد اللَّه: أدن، فقال: إني لا أريده. فقال: لم؟ قال: لأني حرمت الضرع. فقال عبد اللَّه: هذا من خطوات الشيطان. وتلا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أدن، فكل، وكفر عن يمينك، فإن هذا من خطوات الشيطان. رواه الحاكم (٢/ ٣١٣ - ٣١٤) من طريق منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق. وقال: "صحيح على شرط الشيخين". ذهب الإمام أحمد وغيره إلى أنّ مَنْ حرّم مأكلا، أو مشربا، أو شيئًا من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين؛ لعموم قوله تعالى كما في الآية التي بعدها. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ. . .﴾ ولأثر ابن مسعود وغيره. وذهب الشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئًا ما عدا النساء، أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضًا، لأنّ مَن حرّم اللحم على نفسه، لم يأمره النبي ﷺ بكفارة. قلت: لعل ذلك لم ينقل، لأن كفارة اليمين معروفة في كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ. ٢٤ - باب قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ قوله: ﴿أَوْ﴾ للتخيير، بدون خلاف؛ فإن اللَّه بدأ بالأيسر فالأسهل. وروي عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات، قال حذيفة: يا رسول اللَّه: نحن بالخيار؟ قال: "أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" إِلَّا أنه لم يصح. وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها، فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقيّد الشافعي وغيره بالمؤمنة. وأخذوا تقييدها بالإيمان من كفارة القتل. وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ الآية مطلقة ليس فيها كون الصيام متتابعا. وبه قال مالك والشافعي وغيرهما. ومن ذهب إلى التتابع، أخذ بقراءة ابن مسعود ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ إلّا أنها قراءة شاذة غير متواترة. والغالب أنه من تفسير ابن مسعود. • عن عائشة: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٣) عن علي بن سلمة، حدّثنا مالك بن سُعَير، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. • عن عائشة أن أباها كان لا يحنث في يمين حتى أنزل اللَّه كفارة اليمين، قال أبو بكر: لا أرى يمينا أرى غيرها خيرًا منها، إلّا قبلت رخصة اللَّه وفعلت الّذي هو خير. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٤)، عن أحمد بن أبي رجاء، حدّثنا النضر، عن هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة. فذكرته. • عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة. فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. صحيح: رواه ابن ماجه (٢١١٣) عن محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح، وقد صحّحه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه. ٢٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ قوله: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ يعني الأوثان، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها "نصب". وقوله: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ يعني القدأح التي كانوا يستقسمون بها. واحدها: زلم. وقوله: ﴿رِجْسٌ﴾ أي خبيث مستقذر. • عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإنّ في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٦)، عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن بشر، حدّثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني نافع، عن ابن عمر قال: فذكره. • عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَأَلُوا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْفَضِيخِ، فَقَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيخِكُمْ هًذَا الذي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا أَيُّوبَ وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِنَا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ. فَإِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ: يَا أَنَسُ! أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ. قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلَا سَأَلُوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٧)، ومسلم في الأشربة (١٩٨٠: ٤) كلاهما من طريق ابن علية، أخبرنا عبد العزيز بن صهيب قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه. • عن ابن عمر قال: سمعت عمر على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد، أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٩)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢: ٣٣) كلاهما من طريق ابن إدريس، حدّثنا أبو حيان، عن الشعبي، عن ابن عمر قال: فذكره. وزاد مسلم: "وثلاث، أيها الناس، وددت أن رسول اللَّه ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا". وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ أي القمار، والنرد من القمار كما قال ابن عمر وغيره. وقال علي بن أبي طالب وغيره: "الشطرنج من القمار". ولذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى تحريم الشطرنج. وكرهه الشافعي. قال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٧٥): "يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة، لم يستثن وقتا من الأوقات، ولا حالا من الأحوال، فسواء شغل النرد عن الصلاة أو لم يشغل، أو ألهى عن ذلك ومثله أو لم يفعل ششِا من ذلك". اهـ. وقد جاء في الصحيح. • عن بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه". صحيح: رواه مسلم في الشعر (٢٢٦٠) عن زهير بن حرب، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أنّ النبي ﷺ قال: فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى إِلَّا أنّها لا تصح. قوله: "النردشير" النرد اسم أعجمي، شير معناه الحلو، والنرد شير لعبة حلوة ذات صندوق وحجارة وفصين، تعتمد على الحظ، وتُنَقّل فيه الحجارة على حسب ما يأتي به الفَصُّ (الزهر). وتعرف عند العامة بالطاولة. يقال: لعب بالنرد. "المعجم الوسيط". وقال ابن عبد البر: "والنرد قطع ملونة تكون من خشب البقس، ومن عظم الفيل، ومن غير ذلك. وهو الذي يعرف بالطبل، ويعرف بالكعاب، ويعرف أيضًا بالأرن، ويعرف أيضًا بالنردشير". اهـ. التمهيد (١٣/ ١٧٥) ٢٦ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي انتهوا، فإن هذا استفهام ومعناه أمر كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٠]. ٢٧ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ • عن أنس قال كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول اللَّه ﷺ مناديا ينادي: "ألا إن الخمر قد حرمت". قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها. فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة. فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل اللَّه ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. متفق عليه: رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٦٤)، ومسلم في الأشربة (١٩٨٠) كلاهما من طريق حماد بن زيد، حدّثنا ثابت، عن أنس، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال لي رسول اللَّه ﷺ: "قيل لي: أنت منهم". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٩) من طرق عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه فذكره. ورواه الطبرانيّ في الكبير (١٠/ ٧٧)، والحاكم (٤/ ١٤٣ - ١٤٤) كلاهما من طريق سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "لما نزلت تحريم الخمر قالت اليهود: "أليس إخوانكم الذين ماتوا، كانوا يشربونها؟ فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال لي رسول اللَّه ﷺ: "فقيل لي: إنّك منهم". وسليمان بن قرم مختلف فيه. وكان الإمام أحمد حسن الرأي فيه إلّا أنه كان يرى أنه مفرط في التشييع، وقد خالف في بعض السياق وأصله ثابت. • عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول اللَّه! أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر، لما نزل تحريم الخمر فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. حسن: رواه الترمذيّ (٣٠٥٢)، وأحمد (٢٠٨٨)، وابن جرير (٨/ ٦٦٥)، وصحّحه الحاكم (٤/ ١٤٣) كلهم من حديث إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في سماك بن حرب؛ فإنه كان يضطرب في روايته، عن عكرمة وهنا لم يضطرب لموافقة غيره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". • عن جابر قال: صبّح أناس غداة أحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء، وذلك قبل تحريمها. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٨) عن صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر فذكره. ورواه البزار في مسنده عن أحمد بن عبدة، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي ﷺ، ثم قتلوا شهداء يوم أحد. فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قال البزار: "هذا إسناد صحيح". وقال ابن كثير: "ولكن في سياقه غرابة". قلت: لأنّ تحريم الخمر تأخر عن أحد. وروي عن البراء قال: مات رجل من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تُحرَّم الخمر، فلما حرمت الخمر قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. رواه الترمذيّ (٣٠٥٠) من طريق إسرائيل، وفي (٣٠٥١) عن طريق شعبة، كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره. وصحّحه من كلا الطريقين. وكذا أخرجه ابن جرير (٨/ ٦٦٧)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٠١)، وصحّحه ابن حبان (٥٣٥٠، ٥٣٥١) كلهم من طريق شعبة به. ولكن رواه أبو يعلى (١٧١٩، ١٧٢٠) بإسنادين صحيحين عن شعبة، وزاد في آخره: قال شعبة: قلت: أسمعته من البراء. قال: لا. فتبيّن أن بين أبي إسحاق والبراء واسطة ولم تعرف. وفيه دلالة على أن أبا إسحاق دلّس في هذا السند، هذا هو التدليس القادح. ٢٨ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ قوله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ مثل الفرخ والبيض، وكذا ما لا يقدر من الفرار من صغار الصيد. وقوله: ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني الكبار من الصيد. وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ أي ذاكرا لإحرامه بخلاف المخطئ والناسي، فلا كفارة عليه. قال سعيد بن جبير: "لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد". ولكن ذهب أكثر الفقهاء إلى أنّ العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة. وقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ النعم هي البدنة والبقرة والشاة. وأراد من النعم ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة. ومثاله: حكموا في النعامة ببدنة، وهي لا تساوي بدنة، وفي الحمار الوحشي ببقرة، وهي لا تساوي بقرة، وفي الضبع بكبش، وهي لا تساوي كبشا، وفي الحمام شاة، . وهي لا تساوي شاة، وفي الغزال بعنز وهي لا تساوي عنزة. . . هكذا في بقية الصيد. وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي أن المحرم في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح المثل من النعم، فيتصدق بلحمه على مساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل دراهم، والدراهم طعاما فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد من الطعام يومًا، وله أن يصوم حيث شاء، لأنه لا نفع فيه للمساكين. ٢٩ - باب قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ قوله: ﴿الْبَحْرِ﴾ أطلق الخاص وأريد به العام، والمراد منه جميع المياه بحرا كان أو نهرا، أو واديا فإن حكم الصيد لا يختلف باختلاف التسمية. وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ هو ما اصطاده انسان. وقوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ هو ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا. وقد جاء في الصحيح: • عن جابر بن عبد اللَّه يقول: بعثنا رسول اللَّه ﷺ ثلاث مائة راكب، أميرنا أبو عبيدة ابن الجراح نرصد عير قريش. فأقمنا بالساحل نصف شهر، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط. فسمي ذلك الجيش جيش الخبط. فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وادهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فنصبه فعمد إلى أطول رجل معه. قال سفيان مرة: ضلعا من أضلاعه فنصبه وأخذ رجلًا وبعيرا فمر تحته، قال جابر: وكان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٦١)، ومسلم في الصيد (١٩٣٥: ١٨) كلاهما من حديث سفيان قال: الذي حفظنا من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه فذكره واللفظ للبخاري. وروي عن أبي بكر الصديق قال: "كل دابة في البحر قد ذبحها اللَّه فكلها". ولذا أباح جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم الطافي من السمك. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه. ٣٠ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ • عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "سَلُونِي لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ". فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِك الْقَوْمُ أَرَمُّوا وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ. قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِى ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلَاحَى، فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٣٦٢)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٩: ١٣٧) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن قتادة عن أنس فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. وقال: "كان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قوله: "احفوه بالمسألة" أي أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه. يقال: أحفى وألحف وألحّ بمعنى. وقوله: "أرمّوا" أي سكتوا. وأصله من المرفة، وهي الشفة أي ضموا شفاهم بعضها على بعض، فلم يتكلموا. وقوله: "يلاحى" الملاحة المخامصة والسباب. • عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْم فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ: غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ. قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. قَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ فُلَانٌ". فَنَزَلَتْ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٩: ١٣٤) كلاهما من طريق شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ مختصر. • عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا". قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". بَرَكَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوْلَى، وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ. متفق عليه: رواه مسلم في الفضائل (١٣٦: ٢٣٥٩)، واللفظ له، والبخاري في مواقيت الصلاة (٥٤٠) مختصرًا، كلاهما من حديث الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك فذكره. ومعنى قولها: "قارفت" أي عملت سوءا. والمراد الزنى. وقوله: قال ابن شهاب: وصله عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢٩)، عن معمر، عن الزهري به مثله إِلَّا أنه زاد في آخره: "وإنّما ألحقه بأبيه الذي كان له". • عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً. فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةَ كُلِّهَا. صحيح: رواه البخاريّ في التفسمير (٤٦٢٢)، عن الفضل بن سهل، حدّثنا أبو النضر، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا أبو الجويرية، عن ابن عباس، قال: فذكره. وقد سبق في كتاب الحج أن سبب نزول هذه الآية: السؤال عن الحج. والأشهر ما ذكرناها هنا. ولا مانع من تعدد الأسباب. فدلّت الآية الكريمة وهذه الأحاديث على كراهية السؤال عما لا يحتاج إليه مما يسوء السائل جوابه، وقد ثبت في الصحيح. • عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٧٧)، ومسلم في الأقضية (١٣: ٥٩٣) كلاهما من حديث إسماعيل ابن علية، حدّثنا خالد الحذاء، عن ابن أشوع، عن الشعبي، حدثني كاتب المغيرة ابن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي ﷺ، فكتب إليه سمعت النبي ﷺ يقول: فذكره. ولم يكن للمهاجرين والأنصار رخصة في السؤال بخلاف الأعراب ونحوهم من الوفود القادمين إلى المدينة ليتعلموا الدين، ثم يرجعوا إلى بلادهم دعاة. • عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول اللَّه ﷺ بالمدينة سنة. ما يمنعني من الهجرة إِلَّا المسألة. كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء. قال: فسألته عن البر والاثم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (١٥: ٢٥٥٣)، عن هارون بن سعيد الأيلي، حدّثنا عبد اللَّه ابن وهب، حدثني معاوية يعني -ابن صالح-، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان فذكره. ٣١ - باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ قوله: ﴿بَحِيرَةٍ﴾ هي الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن لم يركبوها، ولم يجزّوا وبرها، ولم يمنعوها الماء والكلأ. ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكرًا نحروه وأكله الرجال والنساء. وإن كانت أنثى شقوا أذنها، وتركوها وحرموا على الناس منافعها، وكانت منافعها للرجال خاصة، فإذا ماتت حلت الرجال والنساء. وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثًا، سُيِّبت فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إِلَّا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تركب ولم يُجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلّا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة. وقال أبو عبيدة: "السائبة البعير الذي يُسيّب؛ وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض أو غاب له قريب نذر، فقال: إن شفاني اللَّه تعالى أو شُفي مريضي أو ردّ غائبي، فناقتي هذه سائبة، ثم يسيّبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة". وأما الوصيلة: فمن الغنم، كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: "وصلت أخاها فلم يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا". وأما الحام: فهو الفحل إذا رُكب ولد ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حُمي ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء. • عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة:

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.