ما شاء الله أن يمكث يعد ما خرج من عنده أبو سفيان، ثم أخذ في الجهاز، وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة، فوجد عندها حنطة تنسف وتنقي، فقال لها: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت. فقال: أيريد رسول الله ﷺ أن يغزو؟ فصمتت. فقال: يريد بني الأصفر - وهم الروم - فصمتت. قال: فلعله يريد أهل نجد؟ فصمتت. قال: فلعله يريد قريشا؟ فصمتت. قال: فدخل رسول الله ﷺ، فقال له: يا رسول الله! أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال: "نعم". قال: فلعلك تريد بني الأصفر؟ قال: "لا". قال: أتريد أهل نجد؟ قال: "لا". قال: فلعلك تريد قريشًا؟ قال: "نعم". قال أبو بكر: يا رسول الله! أليس بينك وبينهم مدة؟ قال: "ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟ ". قال: وأذن رسول الله ﷺ في الناس بالغزو. أخرجه البيهقي في الدلائل (٥/ ٩ - ١٢) بإسناده إلى موسى بن عقبة هكذا معلقًا عن موسى بن عقبة. وأهل السير مختلفون في ذهاب أبي سفيان إلى المدينة أكان ذلك قبل الخبر إلى النبي ﷺ في نقض قريش العهد الذي كان بين النبي ﷺ وبينهم، فيطلب من النبي ﷺ التجديد، والنبي ﷺ يرفض ذلك قائلًا: "نحن على أمرنا الذي كان" أم كان بعد أن وصل الخبر إلى المدينة ووعد النبي ﷺ عمرو بن سالم الخزاعي الذي جاء إلى المدينة يستنصره فقال النبي ﷺ: "نصرت يا عمرو بن سالم " كما سبق ذكره. فندمت قريش وأرسلت أبا سفيان إلى المدينة فجاء يطلب الشفاعة من أبي بكر وعمر وفاطمة وعلي وابنته حبيبة أن يكلموا رسول الله ﷺ في هذا الشأن، فلم يستجيبوا لطلبه فجاء إلى النبي ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئًا. فالظاهر من الروايات السابقة أن مجيئه كان بعد وصول خبر نقض قريش المعاهدة، ولذا لم يكلمه النبي ﷺ بشيء، بل كتم ما كان ينوي في نفسه كما كتم لغيره. • عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وهي تغربل حنطة لها فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله ﷺ بالجهاز؟ فقالت: نعم فتجهزه، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمّى لنا شيئًا غير أنه قد أمرنا بالجهاز. حسن: رواه البيهقي في الدلائل (٥/ ١٢) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. وهو في سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٧) بدون إسناد، وفيه: ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار، عن قريش حتى نبغتها في بلادها". ٥ - إخبار حاطب بن أبي بلتعة أهل مكة بأمر رسول الله ﷺ - • عن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، - وهو كاتب علي - يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوا مِنْهَا". قَالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، قُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ. قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَ الثِّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ - إِلَى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ -، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا حَاطِبُ مَا هَذَا". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - يَقُولُ: كُنْتُ حَلِيفًا - وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ، يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفرِ بَعْدَ الإسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ". فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَال: "إِنَّهُ قَدْ شهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شهِدَ بَدْرًا، قَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٧٤) ومسلم في فضائل الصحابة (١٦: ٢٤٩٤) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يقول: سمعت عليًّا يقول: فذكره. قوله: "لظعينة": المرأة. وقوله: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد" وفي رواية عند البخاري ومسلم "أبو مرثد الغنوي" بدل "المقداد" قال الحافظ: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه فذكر أحد الراويين عن علي ما لم يذكره الآخر" اهـ. الفتح (٧/ ٥٢٠) وفي رواية أخرى: "فدمعت عينا عمر" فقال: الله ورسوله أعلم. • عن جابر بن عبد الله أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله ﷺ أراد غزوهم، فدلّ رسول الله ﷺ على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، وقال: "يا حاطب، أفعلت؟ " قال: نعم، أما إني لم أفعله غشًّا لرسول الله - وقال يونس: غشًّا يا رسول الله - ولا نفاقًا، قد علمت أن الله مظهر رسوله، ومتمّ له أمره، غير أني كنت عزيزًا بين ظهريهم، وكانت والدتي معهم، فأردت أن أتخذ هذا عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟ قال: "أتقتل رجلًا من أهل بدر؟ ما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم". صحيح: رواه أحمد (١٤٧٧٤) وأبو يعلى (٢٢٦٥) وابن حبان (٤٧٩٧) كلهم من طرق عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. واللفظ لأحمد وإسناده صحيح. • عن عمر بن الخطاب: كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة، فأطلع الله عليه نبيه، فبعث عليًا والزبير في أثر الكتاب، فأدركا امرأة على بعير، فاستخرجاه من قرن من قرونها، على ما قال لهم نبي الله ﷺ، فأرسل إلى حاطب، فقال: "يا حاطب! أنت كتبت هذا الكتاب؟ " قال: نعم يا رسول الله، قال: "ما حملك على ذلك؟ " قال: أما والله إني لناصح لله ورسوله، ولكن كنت غريبًا في أهل مكة، وكان أهلي بين ظهرانيهم فخفت عليهم، فكتبت كتابًا لا يضر الله ورسوله شيئًا، وعسى أن تكون فيه منفعة لأهلي، فقال عمر: فاخترطت سيفي فقلت: يا رسول الله! مكني من حاطب فإنه قد كفر فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "يا ابن الخطاب! وما يدريك لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٦٩٥) والحاكم (٤/ ٧٧) كلاهما من حديث عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا أبو زميل قال: قال ابن عباس، سمعت عمر بن الخطاب فذكره. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا. إنما اتفقا على حديث عبد الله بن أبي رافع، عن علي بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير إلى روضة بغير هذا اللفظ". قلت: إسناده حسن من أجل أبي زميل، وهو سماك بن الوليد الحنفي اليمامي فإنه من رجال مسلم، وهو حسن الحديث. وقال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٣٠٤): رواه أبو يعلى في الكبير والبزار، والطبراني في الأوسط باختصار، ورجالهم رجال الصحيح". وقال البزار: قد وردت قصة حاطب من غير وجه. • عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أتي بحاطب بن أبي بلتعة، فقال له رسول الله ﷺ: "أنت كتبت هذا الكتاب؟ " قال: نعم، أما والله، يا رسول الله! ما تغير الإيمان من قلبي، ولكن لم يكن رجل من قريش إلا وله جذم وأهل بيت يمنعون له أهله، وكتبت كتابًا رجوت أن يمنع الله بذلك أهلي، فقال عمر: ائذن لي فيه، قال: "أو كنت قاتله؟ " قال: نعم، إن أذنت لي، قال: "وما يدريك، لعله قد اطلع الله إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم". حسن: رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٣٧٨٨٣) والإمام أحمد (٥٨٧٨) وأبو يعلى في مسنده (٥٥٢٢) كلهم عن أبي أسامة، أنا عمر بن حمزة، أخبرني سالم، أخبرني ابن عمر، أن رسول الله ﷺ فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في عمر بن حمزة بن عبد الله العمري غير أنه حسن الحديث وهو من رجال مسلم. قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٠٣): "رواه أحمد وأب و يعلى بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح". • عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة أنه حدث أن أباه كتب إلى كفار قريش كتابًا وهو مع رسول الله ﷺ قد شهد بدرًا فدعا رسول الله ﷺ عليًّا والزبير فقال: انطلقا حتى تدركا معها كتاب فأتياني به، فانطلقا حتى لقياها فقالا أعطينا الكتاب الذي معك وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها فقالت ألستما رجلين مسلمين؟ قالا: بلى ولكن رسول الله ﷺ حدثنا أن معك كتابًا فلما أيقنت أنها غير منفلتة منهما حلت الكتاب من رأسها فدفعته إليهما فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا