فدعا وبرك عليه، ثمّ دعاهم بأوعيتهم، فاحتثى الناس حتَّى فرغوا، ثمّ قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إِلَّا الله، وأني رسول الله". متفق عليه: رواه البخاريّ في الشركة (٢٤٨٤) عن بشر بن محروم، حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع فذكره. ورواه مسلم في اللقطة (١٧٢٩) من وجه آخر عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه وليس فيه ذكر قصة عمر بن الخطّاب. وزاد فيه: فقال النبي ﷺ: "هل من وضوء؟ " قال: فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة، فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة. أربع عشرة مائة. قال: ثمّ جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ "فرِغ الوَضوءُ". قوله: "نطعًا" أي سفرة من أديم أو بساطًا. وقوله: "نطفة" أي قليل من الماء. وقوله: "ندغفقه" أي نصبه صبًا شديدًا. ١١ - بيعة الرضوان على الموت قال محمد بن إسحاق: حَدَّثَنِي عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتَّى نناجز القوم" فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٥). قال ابن هشام: ذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي. سيرة ابن هشام (٢/ ٣١٦). وأبو سنان اسمه: وهب بن محصن بن حرثان هو أخو عكاشة بن محصن. ذكر ابن عبد البر في ترجمته (١٩١) عدة روايات عن الشعبي وزر وغيرهما أنه أول من بايع النَّبِيّ ﷺ. ذكر الحلوان، عن أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي فقال له رسول الله ﷺ: "علام ما تبايع؟ " قال: ما في نفسك فبايعه، وتتابع الناس فبايعوه. فأثنى عليهم رسول الله ﷺ كما في الحديث الآتي: • عن جابر بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٥٤) ومسلم في الإمارة (٧١: ١٨٥٦) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: فذكره. • عن جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فقال النَّبِيّ ﷺ: "قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٩٦) عن هارون بن عبد الله، حَدَّثَنَا حجَّاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره. • عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٩) ومسلم في الإمارة (٨٠: ١٨٦٠) كلاهما عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا حاتم (هو ابن إسماعيل) عن يزيد بن أبي عبيد قال: فذكره. قوله: "على الموت" وجاء في بعض الروايات: "بايعوه على الصبر وألا يفروا" فمن قال: "على الموت" أراد لازمها. ومن قال: "على الصبر" فقد حكى الحقيقة. • عن عباد بن تميم قال: لما كان يوم الحرة - والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة - فقال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت. قال. لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله ﷺ وكان شهد معه الحديبية. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٦٧) ومسلم في الإمارة (٨١: ١٨٦١) كلاهما من طريق عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، قال: فذكره. والسياق للبخاريّ. والصحابي ابن زيد: هو عبد الله بن زيد بن عاصم - عم عباد بن تميم. قوله: "لما كان يوم الحرة" أي لما خلع أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية وبايعوا عبد الله بن حنظلة الأنصاري. ١٢ - بيعة عمر بن الخطّاب • عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله ثمّ ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق، فذهب معه حتَّى بايع رسول الله ﷺ، فهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٨٦) عن شجاع بن الوليد (هو المؤدب أبو اللّيث) سمع النضر بن محمد، حَدَّثَنَا صخر، عن نافع قال: فذكره. ظاهر هذا السياق الإرسال لكن جاء في الرواية التي بعدها عند البخاريّ (٤١٨٧) أنه أخذه عن ابن عمر. قوله: "يستلئم للقتال" أي يلبس اللأمة بالهمز وهي السلاح. • عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النَّبِيّ ﷺ يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي ﷺ فقال: يا عبد الله! انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ فوجدوهم يبايعون، فبايع ثمّ رجع إلى عمر فخرج فبايع. صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٨٧) عن هشام بن عمار، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع، عن ابن عمر فذكره. جاء هذا الحديث بصيغة التعليق "وقال هشام بن عمار". قال الحافظ في بعض النسخ "وقال لي هشام بن عمار" فهو موصول. ١٣ - مبايعة النَّبِيّ ﷺ نفسه عن عثمان • عن عثمان بن موهب قال: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ: مَنِ الشَّيخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَكَبَّرَ. قَال ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ لأُخْبِرَكَ وَلأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُول اللهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضةً، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ". وَأَمَّا تَغَيّبهُ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ، وَكَانَ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ" فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَال "هَذِهِ لِعُثْمَانَ". اذْهَبْ بِهَذَا الآنَ مَعَكَ. صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٠٦٦) عن عبدان، أخبرنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهب فذكره. وعثمان بن موهب هو عثمان بن عبد الله بن موهب التميمي وقد ينسب إلى جده. ورواه أيضًا البخاريّ (٣٦٩٩) من حديث أبي عوانة عن عثمان بن موهب وفيه: "جاء رجل من أهل مصر" وكان أهلها يبغضون عثمان ﵁ ولذا سأل ابن عمر عن عثمان. ١٤ - بايع سلمة بن الأكوع ثلاث مرات • عن سلمة بن الأكوع قال: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تُرْوِيهَا - قَالَ - فَقَعَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَا الرَّكِيَّةِ فَاِمَّا دَعَا وَإمَّا بَصقَ فِيهَا - قَالَ - فَجَاشَتْ فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. قَال: ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللهِ ﷺ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ. قَال: فَبَايَعْتُهُ أَوَّل النَّاسِ ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَال: "بَايَعْ يَا سَلَمَةُ! ". قَال: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُول اللَّهِ فِي أَوَّل النَّاسِ قَالَ "وَأَيْضًا". قَالَ: وَرَآنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَزِلًا - يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ - قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ: "أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُول اللَّهِ فِي أَوَّل النَّاسِ وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ قَال: "وَأَيْضًا". قَال: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ قَال لِي: "يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟ ". قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا - قَال: فَضحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَقَ ال: "إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي".