فدخل بي بيته، فأعطاني عصًا، فقال: "أمْسِكْ هذِهِ عِنْدَكَ، يا عبد الله بن أُنَيْس"، قال: فخرجتُ بها على الناس، فقالوا: ما هذا العصا؟ قال: قلتُ: أعطانيها رسولُ الله ﷺ، وأمرني أن أمسكها، قالوا: أوَ لا ترجِعُ إلى رسول الله ﷺ فتسألَه عن ذلك؟ قال: فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ الله، لم أعطَيْتَني هذه العصا؟ قال: "آيَة بيني وبَيْنِكَ يومَ القِيَامَةِ، إنَّ أقَلَّ النَّاس المُتَخَصِّرُونَ يومئذٍ" قال: فقَرَنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فصُبَّتْ معه في كفنه، ثم دُفنا جمعًا. حسن: رواه أحمد (١٦٠٤٧)، وأبو يعلى (٩٠٥)، وصحّحه ابن خزيمة (٩٨٣)، وابن حبان (٧١٦٠) كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه فذكره. ابن عبد الله بن أنيس اسمه: عبد الله بن عبد الله بن أنيس ترجم له البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في ثقاته، وهو لم ينفرد به في أصل القصة فقد تابعه غير واحد. وقد حسّن إسناده أيضًا ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٣٧). وقد رُوي هذا الخبر عن عبادة بن الصامت ولا يصح. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة، ثم بعث رسول الله ﷺ أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد. قال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة على رسول الله ﷺ المدينة، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام وقال: يا محمد! لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله ﷺ: "إني أخشى عليهم أهل نجد" قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعو الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله ﷺ أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين. سيرة ابن هشام (٢/ ١٨٣ - ١٨٤) وهو مرسل. رواه أيضًا عبد الرزاق (٩٧٤١) عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني ابن كعب بن مالك فذكر نحوه وهو مرسل أيضًا. قول ابن إسحاق: أربعين رجلا وهم، والصحيح سبعين رجلا كما في الصحيحين. فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان خال أنس بن مالك، وعامر بن فهيرة مولى الصديق فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب، وأوعز إلى رجل فأنفذه بالرمح من خلفه فقال حرام: فزت ورب الكعبة. ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم - عصية ورعل وذكوان فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم. فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فارتثّ من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا. إلا عمرو بن أمية الضمري، والمنذر بن محمد بن عقبة، فقد كانا في سرح القوم فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم حول العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتها وأقفة، فقال المنذر لعمرو: ما ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر، فقال المنذر بن محمد: لكني لا أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لأخبر عنه الرجال. وقاتل القوم حتى قتل ﵁ شهيد البطولة والوفاء، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل بعد أن جزّ ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت عن أمة فيما زعم، فخرج عمرو قاصدًا المدينة، فلقي رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من الرسول وهو لا يعلم، فأمهلهما حتى ناما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب بهذا ثأرًا من بني عامر، فلما قدم عمرو وأخبر الرسول بقصتهما قال: "لقد قتلتَ قتيلين لأدينهما". ثم قال: "هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا" فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار ابن أخيه عامر إياه، فذهب ابنه ربيعة إلى عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح انتقامًا منه على فِعلته النكراء، فجرح ولكنه لم يمت، ثم وفد على النبي ﷺ بعد قاصدًا الغدر به فمنعه الله منه، وقد دعا عليه النبي ﷺ فقال: "اللهم اكفني عامرًا" فأصابه الله بغدة في بيت امرأة من بني سلول، فكان يقول: غدة كغدة البعير في بيت امرأة سلولية، ثم ركب فرسه، فمات على ظهره بالعراء، تطعم منه الطيور والسباع. وكان وصول خبر سرية الرجيع وبئر معونة في يوم واحد، فحزن النبي ﷺ والمسلمون حزنًا شديدًا لم يخفف منه إلا أنهم شهداء عند ربهم يرزقون، ولقد بلغ حزن النبي ﷺ أنه مكث شهرًا يدعو في صلاة الصبح على رعل وذكوان وعصية الذين غدروا بالقراء. هذه خلاصة ما ذكر في يوم بئر معونة، وإليكم تفصيل ما جاء في الصحيحين وغيرهما: • عن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله ﷺ سبعين رجلا لحاجة يقال لهم: القراء. فعرض لهم حيّان من بني سليم - رعل وذكوان - عند بئر يقال له: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ فقتلوهم. فدعا النبي ﷺ عليهم شهرًا في صلاة الغداة وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٨٨) عن أبي معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس فذكره. وقوله: لحاجة - وهي التعليم كما جاء التصريح به في رواية مسلم في كتاب الإمارة (١٤٧: ٦٧٧) رواه عن محمد بن حاتم حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت عن أنس بن مالك قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون. وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي ﷺ إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا: اللهم بلّغ عنا نبينا أن قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا. قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا". • عن أنس بن مالك أن رعلًا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا عليهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. وعن قتادة عن أنس بن مالك حدثه أن نبي الله ﷺ قنت شهرًا في صلاة الصبح يدعو على أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٠) عن عبد الأعلى بن حماد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكره. وقوله: استمدوا رسول الله ﷺ على عدو: يظهر منه أنهم جاءوا إلى النبي ﷺ طلبا للنجدة على عدوهم، وهو يخالف السياق السابق. فيمكن الجمع بين السياقين أنهم جاءوا إلى النبي ﷺ وطلبوا منه الأمرين، التعليم ثم النجدة فبعث إليهم النبي ﷺ سبعين قراء للتعليم والنجدة معًا. • عن أنس: أن النبي ﷺ بعث خاله - أخًا لأم سليم - في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، خير بين ثلاث خصال: فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف؟ فطعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غدة كغدة البكر، في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، وهو رجل أعرج، ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله ﷺ، فجعل يحدثهم، وأومؤوا إلى رجل، فأتاه من خلفه فطعنه، - قال همام أحسبه - حتى أنفذه بالرمح، قال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، فلحق الرجل، فقتلوا كلهم غير الأعرج، كان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. فدعا النبي ﷺ عليهم ثلاثين صباحًا، على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية. الذين عصوا الله ورسوله ﷺ. صحيح: رواه البخاري (٤٠٩١) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: حدثني أنس فذكره. وقوله: فانطلق حرام أخو أم سليم - وهو رجل أعرج فصار الأعرج صفة لحرام وهو ليس بصحيح، بل الأعرج رجل غيره. فالذي يظهر كما يقول ابن حجر: أن الواو في قوله وهو قدمت سهوًا من الكاتب والصواب تأخيرها فيكون الكلام الصحيح: فانطلق هو، ورجل أعرج. واسمه كعب بن زيد بن دينار بن النجار. واسم حرام هو ابن ملحان. • عن أنس بن مالك يقول: لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله يوم بئر معونة قال با لدم هكذا. فنضحه على وجهه ورأسه ثم قال: فزت ورب الكعبة. متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٠٩٢) عن حبان، حدثنا عبد الله، أخبرني معمر، حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أنه سمع أنس بن مالك فذكره. • عن عائشة قالت: استأذن النبي ﷺ أبو بكر في الخروج حين اشتد عليه الأذى، فقال له: "أقم" قال: يا رسول الله! أتطمع أن يؤذن لك، ف كان رسول الله ﷺ يقول: "إني لأرجو ذلك" قالت: فانتظره أبو بكر، فأتاه رسول الله ﷺ ذات يوم ظهرًا، فناداه فقال: "أخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هما ابنتاي فقال: "أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج" فقال: يا رسول الله! الصحبة! فقال النبي ﷺ: "الصحبة" قال: يا رسول الله! عندي ناقتان، قد كنمت أعددتهما للخروج، فأعطى النبي ﷺ إحداهما - وهي الجدعاء - فركبا، فانطلقا حتى أتيا الغار - وهو بثور - فتواريا فيه، فكان عامر بن فهيرة غلامًا لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، وكانت لأبي بكر منحة، فكان يروح بها ويغدو عليهم ويصبح، فيدلج إليهما ثم يسرح، فلا يفطن به أحد من الرعاء، فلما خرج خرج معهما يعقبانه حتى قدما المدينة، فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة. وعن أبي أسامة قال: قال هشام بن عروة: فأخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمري، قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع، فأتى النبي ﷺ خبرهم فنعاهم، فقال: "إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم، فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم" وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به، ومنذر بن عمرو سمي به منذرًا. صحيح: رواه البخاري (٤٠٩٣) عن عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وقوله: وعن أبي أسامة قال: قال هشام بن عروة، فأخبرني أبي قال ... هكذا ذكره مرسلًا عن عروة بن الزبير ولكن إدراج هذا المرسل في قصة الهجرة الموصولة عن عائشة يشير إلى أنها موصولة أيضًا بذكر عائشة. • عن أنس بن مالك قال: دعا النبي ﷺ على الذين قتلوا - يعني أصحابه - ببئر معونة ثلاثين صباحًا، حين يدعو على رعل ولحيان: "وعصية عصت الله ورسوله ﷺ"