يقول: "يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئ ًا. وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن توفوا بي، وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به" قال: وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية. فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله، وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيس، إلى ما جاءه به من البدعة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه. قال: قلت لأبي: يا أبت! من هذا الذي يتبعه، ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب. حسن: رواه محمد بن إسحاق في سيرته - ابن هشام (١/ ٤٢٣) قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدث عن أبيه فذكره. وحسين بن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي ضعّفه جمهور أهل العلم، ولكن قال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. قلت: وله ما يشهد له. • عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله ﷺ في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء ويقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه وهو يقول: يا أيها الناس، لا تطيعوه، فإنه كذاب. فقلت: من هذا؟ قيل: هذا غلام بني عبد المطلب. فقلت: فمن هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قال: هذا عبد العزى أبو لهب. حسن: رواه ابن حبان (٦٥٦٢) والنسائي (٨/ ٥٥) والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلهم من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي فذكره في حديث طويل. انظر: باب الوفود. وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد. ذكر ابن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ كان بعد موت أبي طالب قد خرج إلى ثقيف بالطائف يدعوهم إلى نصره. فلما اقتنعوا منه رجع إلى مكة فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج. وذكر بأسانيد متفرقة أنه أتى كندة، وبني كعب، وبني حذيفة، وبني عامر بن صعصعة وغيرهم فلم يُجبه أحد منهم إلى ما سأل. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان في تلك السنين - أي التي قبل الهجرة - يعرض نفسه على القبائل، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم إلا أن يؤدوه، ويمنعوه. ويقول: لا أكره أحدًا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي. فلا يقبله أحد. بل يقولون: قوم الرجل أعلم به. فكان النبي ﷺ يحزن أشد الحزن على المشركين لتركهم الإيمان فقال الله تعالى مُسلّيًا إياه. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]. إلى غيرها من الآيات. ٣٣ - حرب بعاث بين الأوس والخزرج ثم جمعهم الله تحت راية الإسلام • عن عائشة قالت: كان يوم بُعاث يومًا قدّمه الله لرسوله ﷺ. فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرّحوا. فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٧٧٧) عن عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. وبعاث - هو المكان الذي وقعت فيه الحرب بين الأوس والخزرج وقتل فيها رئيس الأوس حضير والد أسيد بن حضير، وقتل فيها أيضًا رئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي. وكان النصر أولا للخزرج، ثم للأوس. وكان ذلك قبل مقدم النبي ﷺ بخمس سنين. وقولها: سروات: جمع سراة وهو الشريف. • عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ، فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: "هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ " قالوا: وما ذاك؟ قال: "أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله لا يشركوا به شيئًا، وأنزل علي كتاب" ثم ذكر الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدثًا: أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له، قال: فأخذ أبو حيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها في وجه إياس بن معاذ، وقام رسول الله ﷺ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أن قد مات مسلمًا لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع. حسن: رواه أحمد (٢٣٦١٩)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٥١)، والحاكم (٣/ ١٨٠ - ١٨١)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٢٠) كلهم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أخي بني عبد الأشهل، عن محمود بن لبيد فذكره. وإسناده حسن من أجل تصريح محمد بن إسحاق وشيخه الحصين بن عبد الرحمن وثّقه ابن حبان، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، وهو ليس كذلك فإن الحصين بن عبد الرحمن هذا لم يخرج له مسلم. وقال الذهبي: "مرسل" يعني أن محمود بن لبيد من صغار الصحابة، ومراسيل الصحابة مقبولة. ٣٤ - تهيؤ الأنصار لقبول الإسلام • عن ابن إسحاق قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلموا والله! إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.