الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
نقول والله فيه ما

الله وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم: الآمنون من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دبرًا ذهبًا وإني آذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة: الجبل ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع في الناس فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت: فوالله! إنا على ذلك إذ نزل به، يعني من ينازعه في ملكه، قالت: فو الله! ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوّفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار النجاشي، وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سنًا، قالت: فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها، حتى خرج من ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة. حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٤٠، ٢٢٤٩٨) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٠١ - ٣٠٦) كلاهما عن محمد بن إسحاق وهو في سيرة ابن إسحاق (رقم ٢٨٢) قال: حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة، فذكرته واللفظ لأحمد، وعند غيره نحوه. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق. وليس في سياقهم قوله ﷺ: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها مَلِكًا لا يظلم أحد عنده". قصة قول النجاشي: "ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ مُلْكي": قال ابن إسحاق: قال الزهري: فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟ قال: قلت: لا، قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدتتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشي، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينهما: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلًا، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهرًا، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوه أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيبا حازما من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه (منه) قال بينهما: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم. قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجل من التجار بست مئة درهم، فقذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته، قالت: ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق، ليس في ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم. فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعلّموا والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه (الآن) قالت: فخرجوا في طلبه، وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه، ثم جاءوا به، فعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملّكوه. فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلّمه في ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئًا، قال: إذن والله أكلّمه، قالوا: فدونك وإياه. قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك! ابتعت غلامًا من قوم بالسوق بست مئة درهم، فأسلموا إليّ غلامي وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرت بغلامي أدركوني، فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لتعطنه دراهمه، قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله مني رشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما مات النجاشي، كانت يتحدت أنه لا يزال على قبره نور. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠) وهي من أخبار الماضين، وليس فيه شيء مرفوع. ولذا لا نصدقه ولا نكذبه. وقول عائشة: لما مات النجاشي كان يتحدث .... رواه أيضًا أبو داود (٢٥٢٣) من طريق محمد بن إسحاق. ومن أخبار النجاشي خروج الحبشة عليه. قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سُفنًا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة! ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى ابن مريم، لم يزد على هذا شيئًا، وإنما يعني ما كتب، فرضوا وانصرفوا عنه. فبلغ ذلك النبي ﷺ فلما مات النجاشي صلى عليه، واستغفر له. سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٠ - ٣٤١) وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ صلى على النجاشي كما سبق في كتاب الجنائز. وكان موت النجاشي في رجب من سنة تسع، ونعاه رسول الله ﷺ إلى الناس في اليوم الذي مات فيه. وصلى عليه بالبقيع. رفع إليه سريره بأرض الحبشة حتى رآه وهو بالمدينة فصلى عليه. الروض الأنف (٣/ ٢٦٢). • عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي، وبعثتْ قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه، فسلم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ ! قال: إنا لا نسجد إلا لله ﷿. قال: وما ذلك؟ قال: إن الله ﷿ بعث إلينا رسوله ﷺ وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ﷿، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن العاص فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم! قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله ﷿، هو كلمة الله وروحه، ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد، قال: فرفع عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان! والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى هذا؟ مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه، وأوضّؤه. وأمر بهدية الآخرين فردّت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا، وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغه موته. حسن: رواه أحمد (٤٤٠٠) والحاكم (٢/ ٦٢٣) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٩٨) كلهم من طريق خُديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ١٨٩)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٧٤) هذا إسناد جيد قوي وسياق حسن. قلت: وهو الصواب للكلام في خديج بن معاوية غير أنه حسن الحديث. إلا أن ذكر أبي موسى في الحديث خطأ، لأنه لم يهاجر من مكة إلى الحبشة وإنما جاء من اليمن كما سيأتي. وكذلك لا يصح ما رواه ابن أبي شيبة (٣٧٧٩٥)، والحاكم (٩/ ٣٠٢) وأبو نعيم في الدلائل (١/ ٣٣٠) والبيهقي في الدلائل (١/ ٢٩٩) كلهم من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع ابن أبي طالب إلى أرض الحبشة ... فذكره بطوله باختلاف يسير في بعض سياقه. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: حسب ظاهر الإسناد، وإلا فالصحيح هو: • عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه - أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي في الحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا - أو قال: فأعطانا - منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم. صحيح: أخرجه البخاري في فرض الخمس (٣١٣٦) عن محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بُريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره. ورواه أيضًا في المناقب (٣٨٧٦) بالإسناد نفسه وزاد فيه قول النبي ﷺ: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان". وقد أشار البيهقي إلى ما في الصحيح بعد أن صحّح إسناد إسرائيل، عن أبي إسحاق. وقال: فأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه، ولعل الراوي وهم في قوله: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق". وبعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة رجع معظم المهاجرين من الحبشة إلى المدينة وبقي جعفر بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ورفقاؤه إلى فتح خيبر سنة ٧. ٢٥ - كان أبو بكر ممن خرج مهاجرًا إلى الحبشة، ثم رجع بجوار ابن الدغنة إلى مكة • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة - وهو سيد القارة - فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر! لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذّب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلِن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم. فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ﷿. والنبي ﷺ يومئذ بمكة، فقال النبي ﷺ للمسلمين: "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين"، وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم". فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - أربعة أشهر. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا - في ساعة لم يكن يأتينا فيها - فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله! ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك". فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله! قال: "فإني قد أذن لي في الخروج". فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ: "نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله ﷺ: "بالثمن". قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خريتًا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل. صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٩٠٥) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل. قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته. ٢٦ - دخول النبي ﷺ مع المسلمين في شعب أبي طالب في السنة السابعة من البعثة • عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر وهو بمنى: "نحن نازلون غدًا بخَيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". - يعني بذلك المحصّب - وذلك أن قريشًا وكنانة، تحالفت علي بني هاشم وبني عبد المطلب - أو بني المطلب - أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ. متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥٩٠) ومسلم في الحج (١٣١٤) كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، قال: حدثني الأوزاعي حدثني الزهري، حدثني أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة، فذكره. قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا منه أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا (بينهم) أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه علي بني هاشم، وبني عبد المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. قال ابن إسحاق: "فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم. سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠ - ٣٥١). قال موسى بن عقبة: "بقوا على ذلك ثلاث سنين حتى جهدوا ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلا خفية". أي من سنة سبع من المبعث إلى السنة العاشرة من المبعث قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. وذكر أصحاب السير: ثم قام بنقض الصحيفة نفر من أشدهم في ذلك صنيعا هشام بن عمرو بن الحارث، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري بن هشام بن الحارث، وكان تربطهم ببني هاشم والمطلب صلات رحم. ٢٧ - وفاة أبي طالب ناصر النبي ﷺ وزوجته الشفيقة خديجة ﵂ في السنة العاشرة من البعثة قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضدًا وحرزًا في أمره، ومنعة وناصرًا على قومه. وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا. السيرة لابن هشام (١/ ٤١٦) وقال البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٥٣، ٣٥٢) بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. ذكره أبو عبد الله ابن مندة في كتاب "المعرفة" وشيخنا أبو عبد الله الحافظ. قلت: وذلك بعد خروجهم من الشعب بحوالي تسعة أشهر في آخر السنة العاشرة من المبعث. وقيل: قبله. وأما ما ذكره ابن إسحاق في حضور رؤساء قريش عند وفاة أبي طالب فهو ضعيف. وإليكم سياقه كاملًا. قال ابن إسحاق: "لما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشًا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، فإنا والله! ما نأمن أن يبتزّونا أمرنا. قال ابن إسحاق: "وحدثني العباس بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه - وهم أشراف قومه، عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب - في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوّفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه لنا منه وخذ له منا، ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا، ولندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك. قال: فقال رسول الله ﷺ: "نعم، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم" فقال أبو جهل: نعم وأبيك، عشر كلمات. قال: "تقولون: لا إله إلا الله. وتخلعون ما تعبدون من دونه". قال: فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: يا محمد! أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدًا؟ إن أمرك لعجب؟ قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا. قال: فقال أبو طالب! والله يا ابن أخي! ما رأيتك سألتهم شططًا. قال: فطمع رسول الله ﷺ فيه، فجعل يقول له: "أي عم، فأنت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة" قال: فلما رأى حرص رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، والله! لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظنّ قريش أني إنما قلتها جزعًا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسُرك بها. قال: فلما تقارب من أبي طالب الموتُ قال: نظر العباس إليه يحرك شفتيه، قال: فأصغى إليه بأذنه. قال: فقال: يا ابن أخي! والله! لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. قال: فقال رسول الله ﷺ: "لم أسمع". قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص: ١، ٢]. سيرة ابن هشام (١/ ٤١٧) وفي الإسناد رجل مبهم لم يسم. ورواه الإمام أحمد (٢٠٠٨) والترمذي (٣٢٣٢) وابن حبان (٦٦٨٦) كلهم من حديث يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني سليمان الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مختصرًا. وليس فيه ذكر قول العباس. قال الترمذي: "حسن صحيح". وفي نسخة: "حسن" فقط. وكذلك رواه الثوري، عن الأعمش بدون ذكر قول العباس رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٤٥). وفي أسانيدهم يحيى بن عمارة، ويقال له: عباد بن جعفر مجهول لم يوثّقه غير ابن حبان. ولذا قال الحافظ في التقريب "مقبول". ثم قول العباس: "يا ابن أخي والله! لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها" يخالف لما ثبت في الصحيح. • عن العباس بن عبد المطلب أنه قال للنبي ﷺ: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٨٨٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٩) كلاهما من حديث سفيان، حدثنا عبد الملك، حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثنا العباس بن عبد المطلب، فذكره. وفي رواية: "وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح". وضحضاح: هو ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، يعني هو في النار تبلغ إلى كعبيه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار: أي قعر جهنم وأقصى أسفلها. • عن المسيب بن حزن قال: لما حضر أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: "يا عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه. ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: "أما والله! لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك". فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] وأنزل في أبي طالب: فقال لرسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٢) ومسلم في الإيمان (٢٤) كلاهما من حديث ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، فذكره. هكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة وغيرهم أيضًا أنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله ﷺ أن يقول: لا إله إلا الله فأبى أن يقولها وقال: هو على ملة الأشياخ، وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة". قال: لولا تُعيّرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزعُ لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٥) من وجهين عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي سعيد أنه سمع النبي ﷺ وذُكر عنده عمه فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغُه". متفق عليه: رواه البخاري في المناقب (٣٣٨٥) ومسلم في الإيمان (٢١٠) من حديث الليث بن سعد، حدثنا ابن الهاد، عن عبد الله بن خبَّاب عن أبي سعيد، فذكره. وفي رواية: "تغلي منه أمُّ دماغه". • عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يَغْلي منهما دماغُه". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢١٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن عباس، فذكره. ٢٨ - خروج النبي ﷺ إلى الطائف للدعوة في السنة العاشرة من البعثة وما لقي من أهلها من الأذى • عن عروة أن عائشة حَدَّثَتْهُ، أنَّها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال "لقد لقيت من قومك. وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة. إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال. فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي. فلم أستفق إلا بقرن الثعالب. فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني. فنظرت فإذا فيها جبريل. فناداني. فقال: إن الله ﷿ قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك. وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم: قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي. ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك. وأنا ملك الجبال. وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين". فقال له رسول الله ﷺ "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا". متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٣١)، ومسلم في الجهاد (١٧٩٥) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة حدثته فذكر الحديث. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. قوله: "الأخشبين " هما جبلان بمكة أبو قبيس والذي يقابله، والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على أهل مكة، وبه قال ابن القيم وابن حجر. انظر: زاد المعاد (٣/ ٣٢)، وفتح الباري (٦/ ٣١٦). وابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف. وكان ذلك في شهر شوال سنة عشر من المبعث بعد موت أبي طالب وخديجة. وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه ﷺ لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه. فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة: عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد "الفتح" (٦/ ٣١٥). بل أغروا به سفهائهم، فجعلوه يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ﷺ وكان معه زيد بن حارثة مولاه يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: كان رسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول: "لا أكره أحدًا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي وحتى يقضي الله ﷿ لي ولمن صحبني بما شاء الله" فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به أترون أن رجلًا يصلحنا وقد فسدَ قومه ولفظوه، فكان ذلك مما ذخر الله ﷿ للأنصار وأكرمهم به. فلما توفي أبو طالب ارتدَّ البلاء على رسول الله ﷺ أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف يومئذ وهم إخوة: عبد يا ليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه. فقال أحدهم: أنا أمرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط. وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك. وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدًا، والله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفًا وحقًا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله لأنت أشر من أن أكلمك. وتهزأوا به وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله ﷺ بين صفيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، وكان أعدوها حتى أدموا رجليه. فخلص منهم وهما يسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم، واستظل في ظل حبلة منه، وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دمًا فإذا في الحائط: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما الله ورسوله، فلما رأيا أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداسًا وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس، قال له رسول الله ﷺ: "من أي أرض أنت يا عداس! " قال له عداس: أنا من نينوى، فقال له النبي ﷺ: "من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى" فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ قال له رسول الله ﷺ وكان لا يحقر أحدًا أن يبلغه رسالة ربه - "أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى". فلما أخبره بما أوحى الله ﷿ من شأن يونس بن متى، خر عداس ساجدًا لرسول الله ﷺ، وجعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء. فلما أبصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكنا، فلما أتاهما، قالا: ما شأنك سجدت لمحمد، وقبّلت قدميه، ولم نرك فعلته بأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى: يونس بن متى، فضحكا به، وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع فرجع رسول الله ﷺ إلى مكة. أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤١٤ - ٣١٦) من طريقه عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب مرسلا. وذكر ابن إسحاق نحوه بدون إسناد. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٢١) ورواه أبو نعيم في الدلائل (١/ ٣٨٩ - ٣٩٢) بإسناد آخر عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، فذكره. وهو مرسل أيضًا كما أن فيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف. فانصرف راجعًا من الطائف بعد أن أقام عندهم عشرة أيام وكان ﷺ غلبه الحزن. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف يشكو إلى الله ﷿ من ضعف حاله: • عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ ماشيًا على قدميه إلى الطائف، ودعاهم إلى الله، فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين، ثم قال: "اللهم! إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهو اني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي. غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل عليّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك". حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٤/ ١٣٩ - ١٤٠) وفي الدعاء (٢/ ١٢٨٠) وعنه الضياء في المختارة (٢/ ١٢٨٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٢٤)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٧٥) كلهم من طريق وهب بن جرير بن حازم قال: ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو وإن لم يصرّح، فإن الأئمة قبلوه في المغازي والسير ما لم يقبلوا منه في الأحكام. ولذا تلقى أهل العلم هذا الدعاء المسمى بدعاء الطائف بدون إنكار على ابن إسحاق فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع في مجموع فتاواه مستدلا به بأن الشكوى إلى الخالق لا تُنافي الصبر الجميل. انظر (١٠/ ١٨٤ - ٦٦٦) وقال تلميذه الحافظ ابن القيم في زاده (٣/ ٣١): "فانصرف راجعا من الطائف إلى مكة محزونا. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف" ثم ذكر الدعاء بدون أن يعلق عليه بشيء. فأرسل ملك الجبال وقال: وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت كما جاء في حديث عائشة في أول الباب. وتصرف ابن هشام فذكره في سيرته (١/ ٤٢٠) معلقًا بدون الإسناد.

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.