أبو قتيبة: قال لنا مالك: مدّنا أعظم من مدّكم، ولا نرى الفضل إلا في مدّ النبي ﷺ. وقال لي مالك: لو جاءكم أمير فضرب مدّا من مدّ النبي ﷺ أي شيء كنتم تعطون؟ قلت: كنا نعطي بمد النبي ﷺ قال: أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مدّ النبي ﷺ؟ صحيح: رواه البخاري في كفارات الأيمان (٦٧١٣) عن منذر بن الوليد الجاروديّ، حدثنا أبو قتيبة (وهو مسلم) حدثنا مالك، عن نافع، به، فذكره. قوله: "المدّ الأول" هو نعت مدّ النبي ﷺ وهي صفة لازمة له، وأراد نافع بذلك أنه كان لا يعطي بالمدّ الذي أحدثه هشام. وقول مالك: "مدّنا أعظم من مدّكم" يعني في البركة أي مد المدينة وإن كان دون مدّ هشام في القدر لكن مدّ المدينة مخصوص بالبركة الحاصلة بدعاء النبي ﷺ لها فهو أعظم من مدّ هشام. قاله الحافظ في الفتح (١١/ ٥٩٨). قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وقوله: ﴿عُرْضَةً﴾ أي مانعا لكم عن البر وصلة الرحم والاعتراض: هو المنع. فإن حلف على ترك المندوب، أو فعل مكروه فالواجب عليه التكفير عن يمينه، والإتيان به وإلا فحفظ الأيمان أولى لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي احفظوها من الحنث. وقيل: معناها: لا تحلفوا، فإن من حفظ الأيمان أن لا يحلف. وقيل: بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنئتم. وقيل: احفظوها من الحلف الكاذب. لأن الأيمان ثلاث: اما على ترك المندوب فيكفر، ويأتي به. أو على إتيان المكروه فيكفر ولم يأت به. أو يمين اللغو فليس عليه شيء. وقيل: الأيمان على أربعة أقسام: اثنان فيهما الكفارة بلا خلاف، واثنان مختلف فيها. فالقسمان فيهما الكفارة: الرجل يحلف: والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول: والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل. واليمينان المختلف فيهما: فالرجل يحلف: والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل. والرجل يحلف: لقد فعلت كذا وكذا. ولم يفعله. وقد نسب هذا القول إلى سفيان الثوري. • عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسْألة أُعنْتَ عليها، وإن أعْطيتها عن مسألة وُكلت إليها. وإذا حلفْت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فأْتِ الذي هو خير، وكفّر عن يمينك". وفي رواية: "فكفّر عن يمينك، وأت الذي هو خير". متفق عليه: رواه البخاري في كفارات الأيمان (٦٧٢٢)، ومسلم في الأيمان والنذور (١٩: ١٦٥٢) كلاهما من طريق الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن سمرة، فذكره والسباق للبخاري، والرواية الثانية لمسلم. قال أبو داود (٣٢٧٨) بعد إخراج هذا الحديث: "أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة في هذا الحديث رُوي عن كل واحد منهم في بعض الرواية الحنث قبل الكفارة، وفي بعض الرواية الكفارة قبل الحنث". • عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بيمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، ولْيفعل الذي هو خير". صحيح: رواه مالك في النذور والأيمان (١١) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلم في الأيمان والنذور (١٢: ١٦٥٠) من طريق مالك، به، مثله. • عن مالك بن نضلة الجشمي قال: أتيت النبي ﷺ فصعّد فيّ النظر، وصوَّب، وقال: "أربُّ إبل أنت أو رب غنم؟ " قال: من كل قد آتاني الله، فأكثر وأطيب، قال: "فتُنتجها وافية أعينُها وآذانُها، فتجدع هذه، فتقول صُرما" ثم تكلم سفيان بكلمة لم أفهمها وتقول: بحيرة الله؟ فساعدُ الله أشدّ، وموساه أحدُّ، ولو شاء أن يأتيك بها صُرما أتاك" قلت: إلى ما تدعو؟ قال: "إلى الله وإلى الرحم" قلت: يأتيني الرجل من بني عمي، فأحلف أن لا أعطيه ثم أعطيه؟ قال: "فكفّر عن يمينك، وأت الذي هو خير، أرأيت لو كان لك عبدان أحدهما يطيعك ولا يخونك ولا يكذبك، والآخر يخونك ويكذبك؟ " قال: قلت: لا، بل الذي لا يخونني، ولا يكذبني، ويصدقني الحديث أحب إليّ. قال: "كذاكم أنتم عند ربكم ﷿". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٧٢٢٨) واللفظ له، واختصره النسائي (٣٧٨٨) وابن ماجه (٢١٠٩) كلهم من حديث سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك الجُشمي، عن أبيه مالك فذكره وإسناده صحيح. وفي رواية النسائي: "فأمرني أن آتي الذي هو خير، وأكفر عن يميني". • عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: أفاء الله على رسوله إبلًا. ففرقها. فقال أبو موسى: يا رسول الله، احملني. فقال: "لا" فقاله ثلاثا. فقال النبي ﷺ: "والله لا أفعل" وبقي أربع غرّ الذّرى، فقال: "يا أبا موسى، خذهن" فقال: يا رسول الله، إني استحملنك فمنعتني وحلفت. فأشفقت أن يكون دخل على رسول الله ﷺ وهم. فقال: "إني إذا حلفت فرأيت أن غير ذلك أفضل كفّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير". صحيح: رواه أبو عوانة (٤/ ٤٠) عن أبي أمية والصغاني، قالا: ثنا الحكم بن موسى، ثنا الهيثم بن حُميد، عن زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن ابن عائذ، عن أبي الدرداء فذكره. وإسناده صحيح. وابن عائذ هو عبد الرحمن بن عائذ الشمالي الكندي الحمصي. وهذا الحديث مما أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ١٩٨) وقال: غريب من حديث عبد الرحمن بن عائذ، عن أبي الدرداء. تفرد به زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، ولم يرو عنه غير الهيثم بن حُميد. قلت: وهؤلاء كلهم ثقات. قال أبو عوانة: قال الصغاني: ليس هذا بالشام. ذهب أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث. منهم عائشة وابن عمر، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز، إنما يجوز تقديم العتق، أو الإطعام، أو الكسوة كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته. وأما ما روي عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى خيرا منها، فكفارتها تركها". فهو منكر. رواه أحمد (١١٧٢٧) عن حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي