من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه". متفق عليه: رواه البخاريُّ في الإيمان (٣٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٥٩) كلاهما من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. وحديث مالك عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن ليس في رواية يحيى الليثي. وقد أكّد ذلك ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ٩٧). • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٠١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٠) كلاهما من حديث هشام، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. بزيادة ليلة القدر. وكذلك رواه يحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو: "من صام رمضان ... " أخرج حديثهما ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٠٣ - ١٠٤). ٢ - الترغيب في قيام الليل في رمضان من غير عزيمة • عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ كان يرغّبُ في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه". قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله ﷺ، والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر. صحيح: رواه مالك في كتاب الصلاة في رمضان (٢) عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٩: ١٧٤) من حديث عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٧٧١٩) وعنه أحمد (٧٧٨٧) وأصحاب السنن -غير ابن ماجه- قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. قوله: "فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك" هو من قول الزهري كما في الموطأ. وكذلك قال البخاري في صلاة التراويح (٢٠٠٩) ولم يفصله مسلم، بل وقع عنده في نفس الخبر. والصواب أنه مفصول من الحديث. ومعناه ترك الجماعة في صلاة التراويح. قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث من الفقه: فضل قيام رمضان، وظاهره يبيح فيه الجماعة والانفراد؛ لأنّ ذلك كله فعل خير". • عن عائشة، قالت: إنّ رسول الله ﷺ كان يرغّب الناس في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر فيه، فيقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه". وفي رواية: خرج في جوف الليل يصلي في المسجد، وصلى بالناس" وساق الحديث. وجاء فيه: "وكان يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة ويقول: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". قال: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. صحيح: رواه النسائي (٢١٩٢، ٢١٩٣، ٢١٩٥)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٠٧)، وابن حبان (٢٥٤٣) من أوجه عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أنّ عائشة أخبرته، فذكرت الحديث. وممن رواه عن الزهري أيضًا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، ومالك كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد، ذكره الدارقطني في العلل (٣٨٠٥) إلا أنه قال: "والمحفوظ عن الزهري، عن أبي سلمة وحميد عن أبي هريرة". قلت: هذا هو الظاهر لاعتماد الشيخين له، ولكن لا يمنع أن يكون للزهري أوجه منها: عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وأما ما رُوي عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه" فهو ضعيف. رواه النسائي (٢٢١٠)، وابن ماجه (١٣٢٨) من طريق النضر بن شيبان، قال: قلت لأبي سلمة ابن عبد الرحمن: حدِّثني بشيء سمعته من أبيك، سمعه أبوك من رسول الله ﷺ، ليس بين أبيك وبين رسول الله ﷺ أحدٌ في شهر رمضان. قال: نعم. حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ (فذكره) واللفظ للنسائي. ورواه الإمام أحمد (١٦٦٠) من طريق النضر بن شيبان، نحوه. ورواه النسائي أيضًا (٢٢٠٨) بالإسناد نفسه، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر شهر رمضان ففضّله على الشهور، وقال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه". قال النسائي: "هذا خطأ، والصواب: أبو سلمة عن أبي هريرة". قلت: يعني حديث الشيخين المتقدم قريبًا. وكذلك قال البخاري: "لم يصح، وحديث الزهري وغيره عن أبي سلمة عن أبي هريرة أصح". والحديث مداره على النضر بن شيبان، قال فيه ابن معين: "ليس حديثه بشيء". وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان ممن يخطئ". فتعقبه ابن حجر في "التهذيب" (١٠/ ٤٣٨) بقوله: "فإذا كان أخطأ في حديثه وليس له غيره، فلا معنى لذكره في الثقات، إلا أن يقال هو في نفسه صادق وإنما غلط في اسم الصحابي فيتجه؛ لكن يردُ على هذا أن في بعض طرقه عنه: "لقيت أبا سلمة، فقلت له: حدثني بحديث سمعته من أبيك، وسمعه أبوك من النبيّ ﷺ. فقال أبو سلمة: حدثني أبي، فذكره. وقد جزم جماعة من الأئمة بأنّ أبا سلمة لم يصح سماعه من أبيه، فتضعيف النضر على هذا متعيّن. وقد قال ابن خراش: إنه لا يعرف بغير هذا الحديث. وأعلّه الدارقطني أيضًا بحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة" اهـ كلام الحافظ. قلت: وممن جزم بعدم سماعه من أبيه: علي بن المديني، وأحمد، وابن معين، والبخاري، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود. وقال أحمد: مات وهو صغير. ٣ - باب ما جاء في عدم استمرار رسول الله ﷺ في صلاة التراويح بالجماعة خشية أن تفرض على الأمّة • عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ صلَّى في المسجد ذات ليلة، فصلَّي بصلاته ناسٌ، ثم صلَّى الليلة القابلة فكثُر النّاس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسولُ الله ﷺ، فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتُم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلَّا أني خشيتُ أن تُفرض عليكم" وذلك في رمضان. متفق عليه: رواه مالك في الصلاة في رمضان (١) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٦١: ١٧٧) من طريق مالك، به، مثله. ورواه البخاري في صلاة التراويح (٢٠١٢) من طريق عقيل، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦١: ١٧٨) من طريق يونس بن عبيد، كلاهما عن الزهري، به، بسياق أطول. • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان باللّيل أوزاعًا يكون مع الرّجل شيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة أو الستة أو أقل من ذلك أو أكثر فيصلون بصلاته. قالت: فأمرني رسول الله ﷺ - ليلة من ذلك أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي ففعلت فخرج إليه رسول الله ﷺ بعد أن صلى العشاء الآخرة. قالت: فاجتمع إليه من في المسجد فصلي بهم رسول الله ﷺ ليلا طويلًا، ثم انصرف رسول الله ﷺ فدخل وترك الحصير على حاله، فلما أصبح الناس تحدّثوا بصلاة رسول الله ﷺ بمن كان معه في المسجد تلك الليلة. قالت: وأمسى المسجد راجّا بالناس، فصلّى بهم رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم دخل بيته وثبت الناس. قالت: فقال لي رسول الله ﷺ: "ما شأن الناس يا عائشة؟ ". قالت: فقلت له: يا رسول الله، سمع الناس بصلاتك البارحة بمن كان في المسجد فحشدوا لذلك لتصلى بهم. قالت: فقال: "أطوِ عنا حصيرك يا عائشة". قالت: ففعلت وبات رسول الله ﷺ غير غافل، وثبت الناس مكانهم حتى خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح. فقالت: فقال: "أيها الناس! أما والله! ما بِتُ -والحمد لله- ليلتي هذه غافلًا وما خفي عليَّ مكانكم ولكني تخوفت أن يفترض عليكم فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا". قال: وكانت عائشة تقول: إنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلَّ. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٣٠٧)، والطبراني في الأوسط (٥٢٧٧) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة، فذكرته. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا محمد بن إسحاق، تفرَّد به محمد بن سلمة الحراني. قلت: ليس كما قال، فقد تابع محمد بن إسحاق محمد بن عمرو وهو الليثيّ في أصل القصة. ومن طريقه رواه أبو داود (١٣٧٤) مختصرًا. وليس فيه أنه صلى ليلة واحدة، بل أحال أبو داود إلى أصل القصة التي يرويها ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، وفيها أنه ﷺ لم يخرج من الليلة الثالثة. فالظاهر أن ابن إسحاق وَهِم في جعله صلاة النبيّ ﷺ ليلة واحدة، فإنه لم يتابع على ذلك، ولكن يعكّر عليه ما ذكره أحمد (٢٦٠٣٨) عن محمد بن عمرو. وفيه: "فلما كانت الليلة الثانية كثروا، فأطلع عليهم، فقال: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون. فإنّ الله لا يملّ حتى تملُّوا". فالله أعلم هل تعددت القصة أو هو آخر من وَهِم. وأما قول الطبراني: "تفرد به محمد بن سلمة الحراني" فليس كما قال، بل تابعه أبو يعقوب وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري. ومن طريقه رواه الإمام أحمد في الرواية المشار إليها أعلاه. • عن أبي ذرّ، قال: صُمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقُمْ بنا شيئًا من الشَّهر، حتى بقي سبعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسةُ قام بنا حتى ذهب شطر الليل. فقلت: يا رسول الله، لو نفّلتنا قيام هذه الليلة؟ قال: فقال: "إنّ الرجل إذا صلّى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة". قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحور، ثم لم يقُمْ بنا بقية الشّهر. صحيح: رواه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٣٦٤)، (١٦٠٥)، وابن ماجه (١٣٢٧) كلّهم من طريق داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبي ذر، قال (فذكره). وإسناده صحيح، ورواه الإمام أحمد (٢١٤٤٧)، وصححه ابن خزيمة (٢٢٠٦)، وابن حبان (٢٥٤٧) من طريق داود بن أبي هند، به. وقال الترمذي: "حسن صحيح". • عن نعيم بن زياد، قال: سمعتُ النّعما ن بن بشير على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثُلث الليل الأوّل، ثم قُمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظنّنا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمُّونه السُّحور. حسن: رواه النسائي (١٦٠٦)، وأحمد (١٨٤٠٢) وصحّحه ابن خزيمة (٢٢٠٤)، والحاكم (١/ ٤٤٠) كلهم من حديث معاوية بن صالح، قال: حدثني نعيم بن زياد أبو طلحة، فذكره. وزاد أحمد في آخره: فأما نحن فنقول: ليلة السابعة، ليلة سبع وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة، فمن أصوب نحن أو أنتم؟ . وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالح الحمصي فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ". فتعقبه الذهبي بقوله: "معاوية إنما احتجّ به مسلم وليس الحديث على شرط واحد منهما، بل هو حسن". • عن أنس بن مالك، أنّ النبيَّ ﷺ كان يصلي بالليل في رمضان، فجاء قومٌ فقاموا خلفه، فصلّي فكان يخفِّف، ثم يدخل بيته فيصلي، ثم يخرُج ويخفِّف. فلما أصبح، قالوا: يا رسول الله، قمنا خلفك الليلة، فكنتّ تدخلُ بيتك ثم تخرج؟ فقال: "إنّما فعلتُ ذلك من أجلكم". صحيح: رواه الطبراني في الأوسط (٨٢٠٤) عن موسى بن هارون، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثمامة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح، وثمامة هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك ثقة من رجال الصحيح، قال ابن عدي: له أحاديث عن أنس. وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبة من غيره. وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي". وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٣) إلى الأوسط، وقال: "رجاله رجال الصحيح". وفي الباب عن أبي هريرة، قال: خرج رسولُ الله ﷺ فإذا أناسٌ في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: "ما هؤلاء؟ ". فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي وهم يصلون بصلاته. ف قال النبيُّ ﷺ: "أصابوا ونِعْم ما صنعوا". رواه أبو داود (١٣٧٧) عن أحمد بن سعيد الهمداني، حدّثنا عبد الله بن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. فذكره. وفي إسناده مسلم بن خالد المعروف بالزنجيّ، قال الذهبي في "الكاشف": "وثق، وضعفه أبو داود لكثرة غلطه"، وقال الحافظ في "التقريب": "فقيه صدوق كثير الأوهام". ولذلك قال أبو داود عقب الحديث: "ليس هذا الحديث بالقوي؛ مسلم بن خالد ضعيف". وقال فيه ابن المديني: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، يعرف وينكر، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطئ أحيانًا". وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: "ثقة". والحديث رواه أيضًا ابن خزيمة (٢٢٠٨) وعنه ابن حبان (٢٥٤١) من طريق ابن وهب، به. ورُوي مرسلًا من طريق ثعلبة بن أبي مالك القرظيّ. رواه البيهقيّ (٢/ ٤٩٥) من طريق بحر بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وهب، أخبرك عبد الرحمن بن سلمان وبكر بن مضر، عن ابن الهاد، أنّ ثعلبة بن أبي مالك القرظي حدثه، قال: "خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة في رمضان ... " الحديث. قال البيهقيّ: "هذا مرسل حسن. قال: وقد رُوي بإسناد موصول إلا أنه ضعيف". ثم روي حديث خالد الزنجي السابق من طريق أبي داود.