والإجازة في أصلها ضعف وتزداد بهذا التوسع والإسترسال ضعفا كثيرا ألا ينبغي احتماله، انتهى. وهذا عجيب من ابن الصلاح رحمه الله تعالى إذ لا يلزم من ترك استعمالهم للرواية بها عدم صحتها أما لإستغنائهم عنها بالسماع أو للإحتياط للخروج من خلافمن منع الرواية بها فممن أجازها أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون البغدادي، والإمام أبو الوليد بن رشد من كبار أئمة المالكية، والحافظ الكبير أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، وجمهور المتأخرين، وجماعات آخرون، ورجحه الإمام أبو عمرو بن الحاجب، وصححه الإمام محيي الدين النووي من زيادته في الروضة فقال: الأصح جوازها، وحدث بها الإمام شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، بإجازته العامة من المؤيد الطوسي وسمع [٧/ب] بها الإئمة الحفاظ مثل الحافظ الحجة أبي الحجاج المزي، والحافظ أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي، والحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، علي ركن الدين الطاووسي، بإجازته العامة من أبي جعفر الصيدلاني وغيره وقرأها الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، وعماد الدين إسماعيل بن عمرو بن كثير وغيرهما على الشيخ أبي العباس الحجار لإجازته العامة من داود بن معمر بن الفاخر وحدثني بها من لفظ الحافظ ابن كثير بإجازته العامة من المؤيد الطوسي، وروى بها شيخنا خاتمة الحفاظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي في كتابه (الأربعين العشارية) عن الوجيه عبد الرحمن العوفي عن ابن رواج وسبط السلفي، والعجيب أنه قال في (شرح ألفيته) وفي (النفيس) في ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها وقد روى بها في كتاب الأربعين كما قدمنا، وقال فيه وقد جمع بعضهم من أجاز هذه الإجازة العامة في تصنيف له جمع فيه خلقا كثيرا رتبهم على حروف المعجم لكثرتهم ومنهم الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر الكاتب البغدادي، انتهى. أما الذي أجاز الإجازة العامة فإنهم خلق لا يحصون وإني منذ اشتغلت بعلم الحديث وكتبت استدعات الإجازة لي ولمن معي من سنة ست وستين وسبع مئة، وهلم جرا، لا أعلم أين كتبت استدعاء من شيوخ الحديث والعلماء والحفاظ ألا وكتبت فيه استدعاء الإجازة لمن في العصر وكلهم أجاب إلي ذلك، ولاأعلم أحدا ممن أدركته رد ذلك أو أنكره مع أني ربما حدثت بها عن الشيخ أبي الفتح محمد بن محمد الميدومي وعن الشيخ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن الخباز الأنصاري خال جدي أب أبي قبل أن وقفت على [٨/أ] إجازته الخاصة منه وأخبرني والدي تغمده الله تعالى في رحمته أنه أخذني في زيارته فسمعت عليه كثيرا وتتبعت ذلك فلم أجده إلى اليوم والله تعالى ييسر إن شاء الله يمنه وكرمه. الوجه الرابع من أوجه الإجازة: المناولة، وهي على نوعين الأول: الماولة المقرونة بالإجازة وهي أعلا أنواع اصَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم إجازة مطلقا كما تقدم ثم لهذه المناولة العالية صور أعلاها: أن يناوله شيئا من سماعه أصلا أو فرعا مقابلا به ويقول هذا من سماعي أو من روايتي عن فلان ما روه عني ونحو ذلك وكذا لو لم يذكر شيخه، وكان اسم شيخه في الكتاب المناول، وفيه بيان منه أو إجازته منه ونحو ذلك ويملكه الشيخ له أو يقول خذه وانتسخه وقابل به ثم رده إلي ونحو ذلك. ومنها: أن يناوله له ثم يرتجعه في الحال، ومنها أن يحضر الطالب أصل الشيخ أو فرعه المقابل به فيعرضه عليه ويسمى عرض المناولة كما تقدم عرض السماع فإذا عرض الطالب الكتاب على الشيخ تأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يناوله الطالب ويقول هو روايتي عن فلان أو عن من ذكر فيه أو نحو ذلك فارووه ونحو ذلك وهذه المناولة المقرونة بالإجازة حالة محل السماع عند بعضهم كما حكاه أبو عبد الله الحاكم عن ابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة الرأي، ومالك في آخرين من أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر وخراسان. وقال الحاكم في هذا العرض أما فقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يرووها سماعا، وبه قال الشافعي والأوزاعي والبويطي والمزني [٨/ب] وأبو حنيفة والثوري وابن حنبل وابن المبارك ويحيى بن يحيى وابن راهويه قال: وعليه عهدنا وعهد أئمتنا وإليه نذهب. وقال ابن الصلاح: إنه الصحيح وإن هذا منحط عن التحديث والأخبار. ومن صور المناولة أيضا: أن يحضر الطالب الكتاب للشيخ فيقول هذا روايتك فتناوله وأجز لي روايته، فلا ينظر الشيخ فيه ولا يتحقق أنه روايته ولكن اعتمد على خبر الطالب، والطالب ثقة يعتمد على مثله فأجابه إلى ذلك صحت المناولة والإجازة وإن لم يكن الطالب موثوقا غيره ومعرفته فإن هذه المناولة لا تصح ولا الإجازة أيضا نعم لو تبين بعد ذلك بخبر ثقة يعتمد عليه أن ذلك من سماع الشيخ أو من مروياته فالظاهر صحة المناولة والإجازة لأنه تبين صحة سماع الشيخ لما تأوله وأجازه، والله تعالى أعلم. فإن خلت المناولةعن الإجازة وتجردت عنها كأن يناوله الكتاب ويقول هذا من حديثي أو من سماعاتي ولا يقول أروه عني ولا أجزته لك فلا تجوز الرواية على الصحيح الذي نص عليه النووي في التقريب والتيسير. واختلفوا في عبارة الراوي لما تحمله بطريق المناولة والإجازة فحكى عن جماعة منهم الزهري ومالك جواز اطلاق حدثنا وأخبرنا وهذا يجيء على مذهب من يرى المناولة المقرونة بالإجازة، سماعا، كما قدمنا وحكى عن قوم آخرين جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالإجازة. قال القاضي عياض، وحكى ذلك عن ابن جريج وجماعة من المتقدمين، وحكى أنه مذهب مالك وأهل المدينة، وأطلق أبو عبد الله المرزباني وأبو نعيم الأصبهاني وأخبرنا في الإجازة من غير بيان، والصحيح الذي عليه الجمهور [٩/أ] وأجازه أكثر أهل التحري المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا ونحوها في المناولة والإجازة ويقيد ذلك بعبارة متن الواقع فيقول: أخبرنا فلان أو حدثنا إجازة أو مناولة أو إجازة ومناولة أو في ما أذن لي أو إذنا أو نحو ذلك من العبارات المبينة لكيفية التحمل ولا بأس أن يقول كما اصطلح عليه المتأخرون في الإجازة بأنواعها، أنبأنا فإنه صار في العرف عبارة عن الإجازة، وأما قوله عن فلان أو أن فلان أو مشافهة أو فيما شافهني أو كتابة أو فيما كتب إلي أو مكاتبة فلا يخلو من إيهام وحيث اصطلح عليه فلا مشاحة في الإصطلاح لكن فيه تفصيل ينبغي أن يعلم وهو أنه إن سمع من الشيخ فأجازه الرواية مطلقا، وإن لم يتحقق سماعه لذلك المروي فله أن يقول إجازة إن لم يكن سماعا وإن شافهه بالإجازة فله أن يقول فيما شافهني أو إجازة مشافهة وقد جوز بعض المتأخرين إطلاق المشافهة على الإجازة إن كان الطالب قد سمع من الشيخ وشك فيما سمعه أو لم يشك ولكن شافهه بالإجازة وأجازوا في ذلك العنعنة أيضا وأما إذا لم يشافهه الشيخ فلابد أن يقول إجازة أو إذنا أو نحو ذلك وأجازوا أن يقول كتابة أو مكتابة أو فيما كتب إلي ونحو ذلك، وأما الإجازة العامة فلابد من بيانها،وأما إذا قال المجيز مثلا وأذنت له أن يقول يعني في الرواية بالإجازة إذا شاء حدثنا وأخبرنا كما يذكره بعض المشايخ من المغاربة وغيرهم، فغير سائغ، والله أعلم. الوجه الخامس: من أوجه الرواية الإجازة المركبة وهي الرواية بالإجازة عن الإجازة منعها الحافظ أبو البركات عبد الوهاب [٩/ب] بن المبارك بن الأنماطي البغدادي من شيوخ أبي الفرج ابن الجوزي، وصنف في ذلك جزءا من حيث أن الإجازة ضعيفة فيقوى الضعف بغجتماع إجازتين، وحكاه الحافظ أبو علي البرداني عن بعض منتحلي الحديث من غير أن يسمسه، واتهمه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح فقال: ورده بعض من لا يعتد به من المتأخرين فإن والصحيح والذي عليه العمل أن ذلك جائز ولا يشبه ما امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن الموكل، وحكى ذلك أبو بكر الخطيب الحافظ عن الإمام أبي الحسن الدارقطني والحافظ أبي العباس من عقده وفعله الحاكم في تاريخه، قال ابن طاهر الحافظ ولا يعرف بين القائلين بالإجازة خلاف في العمل بالإجازة عن الإجازة، وقال الحافظ أبو نعيم الإجازة على الإجازة قوية جائزة. قلت ولا ينبغي أن يقال كلامه عند من أجاز الرواية بالإجازة فقد سمعنا بقراءة جماعة من أئمة الحديث كتبا وأجزأ بإجازتين بل بثلاثة من غير نكير وفعله من المتقدمين مثل الإمام الفقيه الكبير نصر بن إبراهيم الفقيه، قال الحافظ الفضل أبو طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي عنه سمعته ببيت المقدس يروي بالإجازة عن الإجازة وربما تابع بين ثلاث منها، وذكر الحافظ أبو الفضل بن ناصر أن أبا الفتح بن أبي الفوارس حدث بجزء من العلل للإمام أحمد، حدثنا حارثة بن أبي علي بن الصواف بإجازته من عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا حارثة من أبيه أحمد بن حنبل قال شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي، وقد رايت في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث الزيادة على ثلاث أجائز فرووا بأربع أجازوه متوالية وبخمس قال ابن سعيد الأزدي بخمس أجاز متوالية في عدة مواضع قلت: [١٠/أ] وما المانع عند من سوغ الرواية بالإجازة أن يتوالى إجازات قلت أو كثرت وهل هو عندهم إلا كتوالي السماع عن السماع؟ نعم لابد من أن يعلم الطالب أن شيخه أجاز ل شيخه الرواية بالإجازة فربما يكون الشيخ قد اقتصر على إجازة مسموعاته فقط ولم يجز له الرواية بمحازته فليتنبه لذلك فقد وقع لبعض الكبار في هذا غلط والله أعلم وبقي الكلام في الإجازة العامة هل تروى مركبة لا أعلم من ذكر فيها شيئا فكأن شيخنا الحافظ الكبير الزاهد أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب يمنع من ذلك وسمعته يقول: عدم على عدم. وسمعت شيخنا الحافظ العلامة ابن كثير يقول أخبرنا أروى صحيح مسلم بإجازتي العامة من الحافظ شرف الدمياطي بإجازته العامة من المؤيد الطوسي، انتهى، وفي النفس من ذلك شيء وما رأيت أحدا عمل بذلك ولاسمعته من غير ابن كثير والله أعلم. هذا ما يتعلق برواية الحديث بالإجازة من الأوجه الخمسة المتعلقة بهذا الكتاب. وأما الأوجه الأربعة الباقية من التسعة التي هي من أخذ الحديث وتحمله ولم يذكر منها شيء في هذا الكتاب. فالسادس منها: إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه من فلان أو روايته من غير أن يأذن له في روايته عنه فاختلف جواز روايته له بمجرد ذلك. والسابع الوصية بالكتب كأن يوصي الراوي بكتاب يرويه عند موته أو سفره لشخص فهل له أن يروي عنه بتلك الوصية؟ فيه خلاف أيضا. والثامن: الوجادة: وهي أن يجد بخط من يثق به حدثنا سواء أعاصره أو لم يعاصره من غير سماع فهل له أن يروي ويقول وحدث بخط فلان قال حدثنا [١٠/ب] فلان والرواية بالوجادة منقطعة ولكن إذا وثق بأنه خط ذلك الإمام يكون له شوب من الإتصال واختلف في العمل بالوجادة مع الإتفاق على منع الحكاية بها. والتاسع حكاه النقل من الكتب المؤلفة وفيه تفصيل وحكمه حكم المرسل بشرطه، والله تعالى أعلم. وأما ما يتعلق بقراءة القراآت والقرآن بالإجازة: فإني وقفت على سؤال في ذلك للإمام الحافظ الكبير إمام الحديث والقراآت أبي العلاء الهمداني فأجاب أن ذلك كبيرة من الكبائر لا يحل ولا يجوز. قلت: وكأنه يريد ممن لم يكن أهلا لذلك فيقيسه على رواية الحديث لأن في قراءة القرأن والقراات أشياء لا تحكمها إلا المشافهة وإلا فإذا كان الشيخ أهلا قد أحكم القرأن وصححه ورواه مشافهة فالسامع من روايته وأقرانه بالإجازة على سبيل المتابعة فإني رأيت الحافظ أبا العلاء نسبه في مصنفاته في القراات بذكر إسناده بالتلاوة ثم بذكره بالإجازة تارة لعلو الإسناد وتارة للمتابعة والشاهد وأما إمام القراات في عصره أبو معشر الطبري شيخ مكة فإن الجامع المسمى بسوق العروس له مشحون في غالب رواياته بقوله كتب إلي أبو علي الأهوازي وقد أقر بمضمنه ورواه الخلق عنه، وما رأينا أحدا أنكره وأبلغ من ذلك رواية شيخ القراءات بالديار المصرية الكمال الضرر فإنه روى القراءات وكتاب المستنير لأبي طاهر بن سوار عن الحافظ السلفي بالإجازة العامة منه ورويناه من طريق لذلك وقرأنا به على شيوخنا عن قراءتهم بذلك على سند القراء [١١/أ] التقي الصائغ عن الكمال الضرير لكن الصائغ قرابة على الكمال بن فارس عن تلاوته عن الكندي عن سبط الحناط كذلك من مؤلفه كذلك فرواه متابعة عن الكمال الضرير لعلوه والله تعالى أعلم. وقد رأيت أن أقدم قبل الشروع الحديث المسلسل بالأولية ليتسلسل لمن يريد سماع ما بعده من الكبار والصغار، إما بالتاريخ وإما مطلقا مقتديا في ذلك بمن بعد منا من أئمة الحديث عند ابتداء السماع والتحديث، فأقول والله الموفق والمستعان، وعليه الإعتماد والتكلان.