بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْهُمْ: وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِظْهَارِ فَضْلِهِ بِفَضْلِ أَصْحَابِهِ كَمَا أَشَرْتُ، قَالَ: وَلَوْلا خَوْفِي مِنَ الإِمْلالِ لِلإِسْهَابِ وَإِيثَارِي الاخْتِصَارَ لِهَذَا الْكِتَابِ، لَتَتَبَّعْتُ ذِكْرَ جَمِيعِ الأَصْحَابِ وَأَطْنَبْتُ فِي مَدْحِهِمْ غَايَةَ الإِطْنَابِ، وَكُنْتُ أَكُونُ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ مُقَصِّرًا، وَمِنْ تَقْصِيرِي بِالإِخْلالِ بِذِكْرِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ مُعْتَذِرًا، فَكَمَا لا يُمْكِنُنِي إِحْصَاءُ نُجُومِ السَّمَاءِ كَذَلِكَ لا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاءَ ذِكْرِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ، مَعَ تَقَادُمِ الأَعْصَارِ، وَكَثْرَةِ الْمُشْتَهِرِينَ فِي الْبُلْدَانِ وَالأَمْصَارِ، وَانْتِشَارِهِمْ فِي الأَقْطَارِ، فَاقْتَنِعُوا مِنْ ذِكْرِ حِزْبِهِ بِمَنْ سُمِّيَ وَوُصِفَ، وَاعْرِفُوا فَضْلَ مَنْ لَمْ يُسَمَّ لَكُمْ بِمَنْ سُمِّيَ وَعُرِفَ، وَلا تَسْأَمُوا إِنْ مُدِحَ الأَعْيَانُ وَقُرِضَ الأَئِمَّةُ؛ فَعِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ، يُرِيدُ التَّخْفِيفَ بِذَلِكَ وَالتَّقْبِيشَ فَإِنَّهُ مَا أَبْقَى أَحَدًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَبَذَلَ الْمَجْهُودَ فِي الذِّكْرِ وَأَطَالَ فِي التَّرَاجِمِ غَايَةَ الإِطَالَةِ، وَقَدْ أَدْخَلَ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً كَانُوا يَتَبَرُّونَ مِنْهُ وَيُجَانِبُونَهُ هُوَ وَأْصَحَابَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ يَأْتِي بِالأَجَانِبِ يُدْخِلُهُمُ الْبَيْتَ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الأَقَارِبِ هَذَا هُوَ الْمُحَالُ.