مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن هِشَامٍ إلا ابنُ أبي حَازِمٍ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٦٢٤/ ٢)، ك/البر، ب/الوصية بالجار، والطبراني في "مكارم الأخلاق" (٢٠٤)، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، والبيهقي في "الشعب"، عن أبي الموجة محمد بن عَمرو المروزي. ثلاثتهم (مسلمٌ، وعبد الله، والمروزي)، عن عَمْرو بن محمد النَّاقِدُ، به. • والبخاري في "صحيحه" (٦٠١٤)، ك/الأدب، ب/الوصاة بالجار، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٦٢٤/ ١)، ك/البر والصلة، ب/الوصية بالجار والإحسان إليه، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ ﵂، به. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨). ٢) عَمْرو بن محمد النَّاقد: "ثِقَةٌ حَافِظٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٥). ٣) عبد العزيز بن أبي حازم، واسم أبيه سَلَمة بن دينار. الفقيه أبو تمّام المدنيُّ. روى عن: هشام بن عروة، وأبيه أبي حازم سلمة بن دينار، وسُهيل بن أبي صالح، وآخرين. روى عنه: عَمرو بن محمد النَّاقد، وقُتَيْبَة بن سعيد، وابن المديني، وابن مهدي، وآخرون. حاله: قال ابن معين: صدوقٌ، ثِقَةٌ، ليس به بأسٌ. وقال العِجْلي، وابن نُمير، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النَّسائي: ليس به بأسٌ. وقال أيضاً: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": مِنْ خيار أهل المدينة، ومُتْقِنِيهم. وقال ابن حجر: صدوقٌ فقيهٌ. وروى له الجماعة. وقال أحمد: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه من عبد العزيز بن أبي حازم. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، فقيهٌ". (¬١) ٤) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٧٤). ٥) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٧٤). ٦) عائشة بنت أبي بكر: "أم المؤمنين، وزوج النبي الكريم ﷺ "، تقدَّمت في الحديث رقم (٥). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته". وأخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" عن عَمرو بن محمد النَّاقد. وهو مُتَّفقٌ عليه مِنْ طريق عَمْرة، عن عائشة. وقال الإمام الذهبي: هذا الباب متواتر المتن عن النبي ﷺ. (¬١) شواهد للحديث: • والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٠١٥)، ك/الأدب، ب/الوصاة بالجار، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٦٢٥)، ك/البر والصلة، ب/الوصية بالجار والإحسان إليه، مِنْ حديث ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن هِشَامٍ إلا ابنُ أبي حَازِمٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّن صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: في هذا الحديث الوصية بالجار، وبيان عظم حقه، وفضيلة الإحسان إليه. (¬٢) قال ابن بطال: الحديث فيه الأمر بحفظ الجار، والإحسان إليه، والقيام بحقوقه، ألا ترى تأكيد الله ﷻ لذكره بعد الوالدين والأقربين، فقال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (¬٣)، وقال أهل التفسير: … ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ هو الذى بينك وبينه قرابة، فله حق القرابة وحق الجوار، وعن ابن عباس، وغيره: أي: الجار المجاور، وقيل: هو الجار المسلم؛ والجار الجنب: الغريب، وقيل: هو الذى لا قرابة بينك وبينه. (¬٤) وقال الذهبي: ويفهم مِنْ الحديث تعظيم حق الجار من الإحسان إليه، وإكرامه، وعدم الأذى له، وإنَّما جاء الحديث في هذا الأسلوب؛ للمبالغة في حفظ حقوق الجار، وعدم الإساءة إليه، حيث أنزله الرسول ﷺ منزلة الوارث تعظيماً لحقه، ووجوب الإحسان إليه، وعدم الإساءة إليه بأي نوع من أنواع الأذى. (¬٥) قال الطحاوي: فتأمَّلنا هذا الحديث لنقف على المعنى الذي به ظنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّ جبريل ﵇ سَيُوَرِّثُ به الجار، فوجدنا النَّاس قد كانوا في أَوَّلِ الإسلام يَتَوَارَثُونَ بالتَّبَنِّي، فكان مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا وَرِثَهُ دُونَ النَّاس، كما تَبَنَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ زيدَ بن حارثة، وكما تَبَنَّى أبو حُذَيْفَةَ سَالِمًا، ثمَّ رَدَّ اللهُ ﷿ ذلك بقوله تعالى: …