مَا بَيْنَ قَبْرِي (¬١) وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، … [وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي] (¬٢)». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابنِ خُثَيمٍ إلا يَحْيَى، تَفَرَّدَ به: أَبُو حَصِينٍ. أولاً: تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٣٣)، عن أحمد بن علي بن مُسلم الأبَّار، بإسناده ومتنه سواء، وزاد فيه: "وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي"، كما ذكرته، ولا أدري ما علة تكراره. • ورواه عن نافعٍ جماعة، وتفصيل روايتهم كالآتي: ١) مالك بن أنس، واختلف عنه: أ فأخرجه بقي بن مخلد في "الحوض والكوثر" (٩ و ١٠)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٣)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٣/ ٣٠٠/مسألة ٨٨٥)، والآجري في "الشريعة" (١٨٣٧)، وابن المُقْرئ في "المنتخب من غرائب مالك" (٢١)، وأبو الحسين الكلابي في "جزئه" (٢٤)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٩/ ٣٢٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٩/ ١١٨ و ٥١/ ٥٢)، كلهم مِنْ طرقٍ عن عبد اللَّهِ بن نافعٍ الصَّائِغ؛ وأخرجه الطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٢٨٧٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٢)، وتَمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسام" (٦٦٠) -، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٤/ ٥٥)، وفي "المهروانيات" (١٠٠)، كلهم مِنْ طُرُقٍ عن أحمد بن يحيى المَسْعُودِيُّ؛ وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٣)، مِنْ طريق حَبَّاب بن جلبة الدَّقاق؛ وأخرجه ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (٤٤٩)، مِنْ طريق إسماعيل بن أبي أويس. أربعتهم (عبد الله بن نافع، وأحمد بن يحيى، وحبَّاب، وإسماعيل) عن مالكٍ بن أنس، عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ مِنْبَرِي لَعَلَى حَوْضِي». - قال أبو زرعة: عبد الله بن نافع عندي منكر الحديث، وعَدَّ له هذا الحديث في مناكيره عن مالك. (¬١) - وقال أَبُو جَعْفَر الطحاوي: وهذا مِنْ حديث مالك، يقول أهل العلم بالحديث: إِنَّهُ لم يُحَدِّثْ به عن مَالِكٍ أحدٌ غيرُ أحمد بن يحيى هذا، وغير عبد اللهِ بن نافعٍ الصَّائِغِ. قلتُ: بل رواه غيرهما كما سبق. - والحديث ذكره ابن عبد البر مِنْ رواية أحمد بن يحيى عن مالك، وقال: هذا إسناد خطأ لم يُتابع عليه، ولا أصل له. (¬٢) قلتُ: بل تُوبع عليه، كما سبق. - وقال الخطيب في "المهروانيات": هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ حديث مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُ أَحمد بْنُ يَحْيى الأَحول، وتابعه عبد الله بن نافع. قلتُ: بل رواه غيرهما كما سبق. - وقال ابن عساكر: غريبٌ مِنْ حديث مالك عن نافع. ب وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٧٢)، وابن الأعرابي في "معجمه" (١٩٧٠)، وعُثمان السمرقندي في "فوائده" (٦١)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٣/ ٢٦٤ و ٦/ ٣٤١)، كلهم عن محمَّد بن سُلَيْمَانَ بن معاذٍ، عن مالكُ، عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمنِ، عن سعيد بن المُسَيِّبِ، عن ابن عُمَرَ، عن أبيه عُمَرُ بن الخطَّاب، بنحوه. - وقال العقيلي: محمد بن سُليمان عن مالك مُنكر الحديث. - وقال الدَّارقطني - بعد أن ذكر الحديث بالوجهين -: وهذا الحديث مُنْكرٌ عن مالك لم يُتابع عليه. (¬٣) - وقال أبو نُعيم: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ، تَفَرَّدَ بِهِ محمَّد بن سُلَيْمَانَ عن مَالِكٍ عنه. - وقال ابن عبد البر: ومحمد بن سليمان هذا ضَعيفٌ، ولم يُتابعه أحدٌ على هذا الإسناد عن مالك. (¬٤) ت بينما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧٣٣٥) ك/الاعتصام بالكتاب والسنة، ب/ما ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ العِلْمِ، وغيره، من طرقٍ عدة عن مالك، عن خُبَيْبِ بن عبد الرَّحمن، عن حَفْصِ بن عَاصِمٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». قلتُ: والراجح مِنْ هذه الوجوه عن مالكٍ، هو الوجه الثالث، وهو ما أخرجه البخاري في "صحيحه"، لذا ذهب غير واحدٍ مِنْ أهل العلم إلى اعتبار الوجه الأول والثاني عن مالكٍ مِنْ مناكير الرواة، لمخالفتهم لما رواه أصحاب مالكٍ، ولعلَّهم سلكوا فيه الجَّادة؛ لذا رجَّحه غير واحدٍ مِنْ أهل العلم، وصرَّحوا بأنَّه هو المحفوظ: - فقال العقيلي - بعد أن ذكر الوجوه عن مالكٍ -: وحديثُ القَعْنَبِيِّ أَوْلَى - أي بالوجه الثالث -. (¬٥) - وقال ابن أبي حاتم في: سُئِلَ أبو زُرْعَةَ عن هذا الحديث؟ فقال: هكذا كان يقول عبد الله بن نافعٍ، وإنَّما هو: مالكٌ، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصمٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ. (¬١) - وقال الدَّارقطني: يرويه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهو غريب عنه، رواه عنه: عبد الله بن نافع، وأحمد بن يحيى؛ ورُوي عن موسى الجهني، وعن ابن خثيم، عن نافع، عن ابن عمر، وهو غريب عنهما. (¬٢) ٢) عُبيد الله بن عُمر العُمَري، واختلف عنه: أ أخرجه الطحاوي في "المُشْكِل" (٢٨٧٣)، والدَّارقطني في "العلل" (١٣/ ٥٤)، من طرقٍ عن عُبَيْدِ اللهِ، عن نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي ". ب وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣١٥٦)، مِنْ طريق محمَّد بن بِشْرٍ العَبْدِيّ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بن عُمَرَ، عن أبي بكر بن سالم، عن سالم، عن ابن عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ، بنحوه، لكن بلفظ "قبري". ت وأخرجه الدَّارقطني في "العلل" (٨/ ٢٢١/مسألة ١٥٣١) عَنِ أبي عُبَيْدَةَ بن أبي السَّفَرِ، عن عبد الله بن نُمَيْرٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بنحوه. وقال الدَّارقطني: تَفَرَّدَ به أبو عُبَيْدَةَ بن أبي السَّفَرِ، عن ابن نُمَيْرٍ بهذا الإسناد. ث بينما أخرجه البخاري في "صحيحه" (١١٩٦) ك/فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ب/فضل ما بين القبر والمنبر، وبرقم (١٨٨٨) ك/فضائل المدينة، ب/ كراهية النَّبِيِّ ﷺ أن تُعرى المدينةُ، وبرقم (٦٥٨٨) ك/الرقاق، ب/في الحوض، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٣٩١) ك/الحج، ب/ما بين القبر والمنبر روضةٌ من رياض الجنَّة، وغيرهما، مِنْ طرقٍ عدة، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، قال: حدَّثني خُبَيْبُ بن عبد الرَّحمن، عن حَفْصِ بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ، قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». قلتُ: والراجح مِنْ هذه الوجوه هو الوجه الرابع، وهو ما أخرجه البخاري ومسلمٌ؛ لذا رجَّحه الدَّارقطني: - فقال الدَّارقطني: والمعروف والمحفوظ عن عُبَيْدِ اللَّهِ، عن خُبَيْبِ، عن حفص، عن أبي هريرة. (¬٣) ٣) عبد الله بن عُمر العُمري، واختلف عنه: أ أخرجه الدولابي في "الكنى" (١٤٨٣)، وابن خزيمة في "مختصر المختصر" - كما في "الميزان" للذهبي (٤/ ٢٢٦) -، مِنْ طريق موسى بن هلالٍ العَبْدي، قال: حدَّثنا عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي، وَمَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي تُرْعَةٌ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ». قلتُ: والحديث عدَّه الذهبي مِنْ أَنْكَرِ ما رواه موسى بن هلال، وقال: قال العقيلي: لا يُتابع على حديثه. (¬١) ب وأخرجه أحمد في "مسنده" (٩٢١٥)، قال: حدَّثنا نوح بن ميمون؛ والطبراني في "الأوسط" (٩٨)، بسنده عن عبد الرَّحمن بن أشرس؛ كلاهما عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»، وزاد أحمد: «ومِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ». وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عبد اللَّهِ إلا عبد الرَّحمن بن أشرس. قلتُ: بل تابعه نوح بن ميمون - كما عند أحمد -، وهو "ثِقَةٌ". (¬٢) وعبد الرحمن بن أشرس "ضَعيفٌ". (¬٣) ت بينما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٦٥٩)، وأحمد في "مسنده" (٩٢١٤)، مِنْ طُرُقٍ عن عبد اللَّهِ، عن خُبَيْبِ بن عبد الرَّحمن، عن حفص بن عاصمٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي»، واللفظ لأحمد. قلتُ: والوجه الثالث عن عبد الله بن عُمر هو أقرب الوجوه إلى الصواب، لوجود متابعات له في "الصحيحين" عن مالكٍ، وعُبيد الله، كلاهما عن خُبيب بن عبد الرحمن، به، كما سبق، والله أعلم. ٤) موسى بن عبد الله الجُهَنيّ، واختلف عنه: أ فأخرجه ابن خزيمة - كما في "إتحاف المهرة" (١١٤٢٧) -، قال: ثنا محمَّد بن هشام، ثنا أبو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عن موسى الجُهَنِيُّ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ (مرفوعاً): " مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ". قلتُ: أمَّا محمد بن هشام بن عيسى الطالقاني، فهو "ثِقَةٌ". (¬٤) وأبو مُعاوية الضرير محمد بن خازم "ثِقَةٌ، أحفظ النَّاس لحديث الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره. (¬٥) وموسى بن عبد الله الجُهني، فهو "ثِقَةٌ عابدٌ". (¬٦) ب وأخرجه أبو نُعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٣٥٣) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٣/ ٥٢٨) -، قال: ثنا أحمد بن جعفر، ثنا عُمَرُ بن أحمد بن السُّنِّيِّ، ثنا نصرُ بن عليٍّ، ثنا زياد بن عبد اللَّهِ، عن مُوسَى الجُهَنِيِّ، عن نافع، عن ابن عُمَرَ، بنحوه (موقوفاً). وقال البوصيري: رَوَاهُ مُسَدَّدٌ مَوْقُوفًا، ورجاله ثِقَاتٌ. (¬٧) قلتُ: بل فيه زياد بن عبد الله بن الطفيل البَكَّائي، "صدوقٌ ثَبْتٌ في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لينٌ". (¬١) وعُمر بن أحمد بن بشر المعروف بابن السني، "عامة أحاديثه مُستقيمةٌ". (¬٢) ولعلَّ الوجه الأول (المرفوع) هو الأقرب للصواب، ولا يُعَلّ بالوجه الثاني فهو أيضاً مِمَّا له حكم الرفع. وعليه؛ فمِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّه لم يَسلم مِنْ هذه الطرق كلها عن نافعٍ عن ابن عُمر إلا رواية موسى الجهني. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨). ٢) أبو حصين بن يحيى بن سليمان الرازي. قال أبو حاتم: قلت لأبي حُصين: هل لك اسم؟ قال: لا، اسمى وكنيتي واحد؛ فقلت: فأنا قد سميتك عبد الله فتبسم. وقال الطبراني: قيل إنَّ اسم أبي حُصَيْن يحيى بنُ سليمان. روى عن: يحيى بن سُليم، وسُفيان بن عُيَيْنة، وأبي مُعاوية الضرير، وآخرين. روى عنه: أحمد بن علي الأبَّار، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، والطبراني، والذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال ابن أبي حاتم: ثِقَةٌ صدوقٌ. (¬٣) ٣) يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ، أَبُو مُحَمد، ويُقال: أَبُو زَكَرِيَّا القُرَشِيُّ الطَّائِفِيُّ. روى عن: عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، والثوري، وإسماعيل بن أمية، وآخرين. روى عنه: أبو حصين الرازي، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وأحمد، والعجلي، والذهبي في "الكاشف": ثِقَةٌ. وقال ابن معين أيضاً: ليس به بأسٌ، يُكتب حديثه. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: يُخطئ. وقال ابن عدي: أحاديثه صالحة، وله إفرادات وغرائب يتفرد بها عن مشايخه، وأحاديثه متقاربة، وهو صدوقٌ لا بأس به. _ وقال أحمد: كان قد أتقن حديث ابن خُثَيْم، وكانت عنده في كتاب. وعن يحيى، قال: قال لي يحيى بن سُليم: قرأتُ على ابن خُثَيْم هذه الأحاديث. _ وقال ابن حجر في "تهذيبه": قال البخاري في "تاريخه" في ترجمة عبد الرحمن بن نافع: ما حدَّث الحميدي عن يحيى بن سليم فهو صحيح. قلتُ: وقد رجعت إلى "التاريخ الكبير" فلم أجده. _ وقال أحمد: وقعت على يحيى بن سليم وهو يحدث عن عبيد الله أحاديث مناكير فتركته، ولم أحمل عنه إلا حديثًا. وقال البخاري: يَروي أحاديث عن عُبيد الله يَهم فيها. وقال النَّسائي: ليس به بأسٌ، مُنْكر الحديث عن عُبيد الله بن عُمر. وقال الساجي: أخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر. وقال ابن حجر في "الفتح": والتحقيق أن الكلام فيه إنما وقع في روايته عن عبيد الله بن عمر خاصة. _ وقال أحمد: رأيته غلط في الحديث فتركتُه. وسُئل عنه، فقال: يحيى بن سُليم كذا وكذا، والله إنَّ حديثه يَبلغني فيه شيء، فكأنَّه لم يحمده. وقال أبو حاتم: شيخٌ محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يُكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النَّسائي، وأبو بشر الدولابي: ليس بالقوي. وقال الخليلي: أخطأ في أحاديث. وقال الدَّارقطني: سيء الحفظ. وقال ابن حجر: صدوقٌ سيء الحفظ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، مُتْقِنٌ لحديث ابن خُثَيْم، مُنْكر الحديث في روايته عن عُبيد الله بن عُمر خاصة". (¬١) ٤) عَبدُ اللَّهِ بن عُثْمَان بن خُثَيْم: "ثقةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٢١). ٥) نَافع مولى ابن عُمر: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقيهٌ، مَشْهور"، تَقدَّم في الحديث رقم (٢٩). ٦) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صحيحٌ لذاته"؛ وللحديث شواهد في "الصحيحين" عن أبي هُريرة ﵁، وغيره، كما سبق ذكره في التخريج. والحديث عدَّه السيوطي، والكتاني في الأحاديث المتواترة. (¬٢) وقال الهيثمي - بعد أن ساقه عن ابن عُمر -: رواه الطبرانيُّ في "الكبير"، "والأوسط"، ورجاله ثقاتٌ. (¬٣) قلتُ: أمَّا حديث ابن عُمر عند الطبراني في "الكبير" فليس مِنْ طريق نافعٍ؛ وإنَّما أخرجه مِنْ طريق محمَّد بن بِشْرٍ العَبْدِيّ، عن عُبَيْد اللهِ بن عُمَرَ، عن أبي بكر بن سالم، عن سالم، عن ابن عُمَرَ، وهذا الوجه "شاذٌ"، لمخالفته ما رواه عامة الثقات عن عُبيد الله بن عُمر، كما سبق تفصيله في التخريج، ولله الحمد والمنة. رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابنِ خُثَيمٍ إلا يَحْيَى، تَفَرَّدَ به: أَبُو حَصِينٍ. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁ على الحديث؛ وأمَّا يحيى بن سُليم فلا يَضر تَفَرُّده عن ابن خُثَيم، فقد صرَّح الإمام أحمد وغيره أنَّه مُتْقِنٌ لحديث ابن خُثيم، وكانت عنده في كتاب. وكلام المُصَنِّف وافقه على بعضه الإمام الدَّارقطني، فقال: ورُوي عن موسى الجهني، وعن عبد الله بن عثمان بن خثيم، جميعاً، عن نافع، عن ابن عمر، وهو غريب عنهما. (¬٤) * * * [٢١١/ ٦١١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتّليُّ (¬١)، قَالَ: نا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: مَا كُنَّا [نَرَى] (¬٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ يُحِبُّ رَجُلاً، فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ النَّارَ. قِيلَ لَهُ: قَدْ كَانَ يَسْتَعْمِلُكَ؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ يُحِبُّ رَجُلاً. قَالُوا: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: كَانَ يُحِبُّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ. * لم يَرْوِ (¬٣) هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا أَزْهَرُ، تَفَرَّدَ به: عَبَّادٌ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (١٦٠٦)، قال: ثنا أزهر بن سعد، عن ابن عون، بسنده، وبنحوه، وزاد: "قِيلَ لَهُ: ذَاكَ قَتِيلُكُمْ يَوْمَ صِفِّينَ، قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْنَاهُ". • وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٢٤٣) - وعنه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٣/ ٣٩٧) -، والنَّسائي في "الكبرى" (٨٢١٦)، وفي "فضائل الصحابة" (١٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٥٦٧٧)، كلهم مِنْ طرقٍ عن مُعاذ بن مُعاذ العَنْبَري؛ والبلاذري في "أنساب الأشراف" (١/ ١٧٤)، عن إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي. كلاهما (مُعاذ، وإسماعيل) عن ابن عونٍ، بسنده، وبنحوه، وفيه زيادة. وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسناد، على شرط الشَّيْخَيْن، إن كان الحسنُ بن أبي الحسنِ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرِو بن العاص، فإنَّهُ أدركه بالبصرةِ بلا شكٍّ. وتعقبه الذهبي، فقال: لكنَّه مُرْسلٌ. • وأخرجه ابن سعدٍ في "الطبقات" (٣/ ٢٤٤) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٣/ ٣٩٧) -، وأحمد في "مسنده" (١٧٨٠٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٣/ ٣٩٧)، كلهم عن جرير بن حازم - مِنْ أصح الأوجه عنه (¬٤) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٦/ ١٥٠) بسنده عن المبارك بن فَضَالة. كلاهما (جرير، والمبارك) عن الحسن، بنحوه، وفيه زيادة. • وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٠٦٤) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٣٣/ ١٢٣) -؛ وأحمد بن مَنيع - كما في "المطالب العالية" (٤٠٤٨) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١٢٢ و ٤٣/ ٣٩٧)، كلاهما (أحمد، وابن عساكر) مِنْ طريق يزيد بن هارون؛ وأحمد في "مسنده" (١٧٧٨١) - ومِنْ طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٤٦/ ١٩٧) -، قال: حدَّثنا عَفَّانُ - واللفظ له -؛ وابن عساكر في "تاريخه" (٤٦/ ١٩٧)، بسنده مِنْ طريق الحَجَّاج بن المنهال. أربعتهم (أبو داود، ويزيد، وعفَّان، والحَجَّاج) عن الأسود بن شَيْبَانَ، قال: حدَّثنا أبو نَوْفَلِ بنُ أبي عَقْرَبٍ، قال: جَزِعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ الْمَوْتِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِيكَ وَيَسْتَعْمِلُكَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، قَدْ كَانَ ذَلِكَ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي وَاللهِ مَا أَدْرِي أَحُبًّا كَانَ ذَلِكَ، أَمْ تَأَلُّفًا يَتَأَلَّفُنِي، وَلَكِنِّي أَشْهَدُ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُمَا: ابْنُ سُمَيَّةَ، وَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، فَلَمَّا حَدَّثَهُ وَضَعَ يَدَهُ مَوْضِعَ الْغِلَالِ مِنْ ذَقْنِهِ، وَقَالَ: اللهُمَّ أَمَرْتَنَا فَتَرَكْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَرَكِبْنَا، وَلا يَسَعُنَا إِلَّا مَغْفِرَتُكَ، وَكَانَتْ تِلْكَ هِجِّيرَاهُ حَتَّى مَاتَ. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨). ٢) عَبَّاد بن موسى، أبو محمد الخُتّليّ. روى عن: أزهر بن سعد، وأبي مُعاوية الضرير، ومَرْوان بن مُعاوية الفَزَاريّ، وآخرين. روى عنه: أحمد بن علي الأبَّار، وأبو زرعة، ومُسْلم بن الحجَّاج، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأبو زرعة، وصالح بن محمد، وابن حبَّان، والخطيب، وابن حجر: ثِقَةٌ. (¬١) ٣) أزهر بن سعد السَّمَّان، أبو بكر البَاهليُّ، مولاهم البَصْرِيّ. روى عن: عبد الله بن عَون، وسُليمان التَّيْميّ، وهشام بن عبد الله الدَّسْتُوائيِّ، وآخرين. روى عنه: عبَّاد بن موسى، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وابن سعد، وابن حجر: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن قانع: ثِقَةٌ مأمونٌ. وقال الذهبي في "الكاشف": حُجَّةٌ. وفي "تاريخ الإسلام": كان ثِقَةً نبيلاً. وفي "الميزان": ثقةٌ مشهورٌ، تناكر العقيلي بإيراده في كتاب "الضعفاء"، وما ذكر فيه أكثر من قول أحمد بن حنبل: ابن أبي عدى أحب إلى من أزهر السمان؛ ثم ساق له حديثاً في أمر فاطمة بالتسبيح لمَّا شكت مَجَلْ يَدَيْهَا، وصله أزهر وخولف فيه (¬٢)، فكان ماذا؟! لذا قال ابن حجر في "التهذيب": ليس هذا بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء. _ وقال ابن معين: أروى الناس عن ابن عون وأعرفهم به أزهر. وقال عفَّان بن مسلم: كان حمَّاد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي يُقَدِّمان أزهر على أصحاب ابن عون. وروى له الجماعة. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، مِنْ أثبت النَّاس في ابن عون". (¬١) ٤) عبد الله بن عون بن أَرْطَبان المُزَني: "ثقةٌ، ثبتٌ، فاضلٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (٧٢). ٥) الحسن بن أبي الحسن، أبو سعيد البصري: "ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ ورعٌ، كثير الإرسال، وأمَّا عَنْعَنته فمحمولة على السَّماع في روايته عمَّن صَحَّ له سماعه مِنْه في الجملة"، تقدَّم في الحديث رقم (٣١). وروايته عن عمرو بن العاص مُرْسلةٌ، نص على ذلك الذهبي في "السير". (¬٢) والحسن أدرك عمرو بن العاص بلا شك، لكن أغلب الظن أنَّه لم يلقه، فإن عَمراً كان بمصر والشام، والحسن في المدينة والبصرة، وإلا فإنَّ عَمراً توفي على الصحيح سنة ثلاث وأربعين، والحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وأدرك عثمان، وسمعه يخطب على المنبر؛ لذا رجَّح الذهبي أنَّ روايته عن عَمرٍ مُرسلة، والله أعلم. ٦) عَمْرو بن العاص بن وائل القُرَشِيّ، أَبُو عبد الله، وقيل: أبو محمد، السهمي، صاحب رسول الله ﷺ. روى عن: النبي ﷺ، وعن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها. روى عنه: الحسن البَصْرِيّ، وابنه عَبد الله، وعروة بن الزبير، وآخرون. كان إسلامه قبل الفتح سنة ثمانٍ مِنْ الهجرة، ولاه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل؛ أصله مكي نزل المدينة، ثم سكن مصر، ومات بها. ومناقبه وفضائله كثيرة جداً. وروى له الجماعة. (¬٣) ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه الحسن بن أبي الحسن البصري روايته عن عَمرو بن العاص مُرْسلةٌ، كما قال الذهبي، والإسناد رجاله ثقاتٌ، والله أعلم. مُتابعاتٌ للحديث: وقد صَحَّ الحديث مِنْ طُرُقٍ - كما عند أحمد وغيره، كما سبق في التخريج -، عن الأسود بن شَيْبَانَ، عن أبي نَوْفَلِ بن أبي عَقْرَبٍ، قال: جَزِعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ الْمَوْتِ جَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِيكَ وَيَسْتَعْمِلُكَ؟ … الحديث". وذكرتُ نصه في التخريج. والحديث إسناده صحيحٌ. قال الهيثمي: رواهُ الطبرانيُّ في "الأوسط"، "والكبير"، وزاد فيه: قال: «ذَاكَ قَتِيلُكُمْ يَوْمَ صِفِّينَ، قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ قَتَلْنَاهُ». وقال: وأخرجه أحمد، ورجالُ أحمد رجال الصَّحيح. (¬٤) قلتُ: وعليه فالحديث بمتابعاته يرتقي إلى "الصحيح لغيره". رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا أَزْهَرُ، تَفَرَّدَ به: عَبَّادٌ. • ومِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح أنَّ هذا الحديث لم يَنْفَرد به أزهر بن سعدٍ عن عبد الله بن عَونٍ، بل تابعه مُعاذ بن مُعاذ العَنْبري، وإسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي: _ فأخرجه ابن سعدٍ، والنَّسائيُّ، والحاكم - كما سبق في التخريج - عن مُعاذٍ، عن ابن عونٍ، به. _ وأخرجه البلاذري في "أنساب الأشراف" - كما في التخريج - عن الكرابيسي، عن ابن عونٍ، به. وكلاهما (مُعاذ، والكرابيسي) ثِقاتٌ، والإسنادُ إليهما صحيحٌ. • وأمَّا قوله: "تَفَرَّدَ به: عَبَّادٌ": فغير مُسلم له أيضاً، فلم يَنْفرد به عَبَّاد بن موسى عن أَزْهر بن سعدٍ، بل تابعه الإمام أحمد بن حنبل؛ فأخرجه في "فضائل الصحابة" - كما سبق في التخريج - عن أزهر، بإسناده. وبهذا تعقَّبه الشيخ/ أبو إسحاق الحويني في "تنبيه الهاجد". (¬١) * * * [٢١٢/ ٦١٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللاحِقِيُّ (¬١)، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ فَيْرُوزَ. عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: رَأَيْنَاهُ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَتَقَابِلَتَيْنِ (¬٢). * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عبد الملك إلا حَمَّادٌ، ولا رُوِيَ عن فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ إلا بهذا الإسناد. هذا الحديث مَدَاره على حمَّاد بن سلمة، واختُلف عليه مِنْ وجهين: الوجه الأول: حمَّاد بن سلمة، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أبيه ﵁. الوجه الثاني: حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: حمَّاد بن سلمة، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أبيه. أ تخريج الوجه الأول: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦١٢) - وهي رواية الباب -، قال: حدَّثنا أحمد بن علي الأَبَّار، قال: نا عليُّ بن عثمان اللاحِقِيُّ، قال: نا حمَّاد بن سلمة، به. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ٢) أحمد بن علي بن مسلم الأَبَّار: "ثِقَةٌ حافظٌ مُتْقنٌ زاهدٌ"، تقدم في الحديث رقم (٦٠٨). ٣) عليّ بن عثمان بن عبد الحميد، أبو الحسن، اللّاحقيّ البَصْريُّ. روى عن: حمَّاد بن سلمة، وداود بن أبي الفُرات، وعبد الواحد بن زياد، وآخرين. روى عنه: أحمد بن علي الأَبَّار، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: ثِقَةٌ صاحب حديث. (¬٣) ٤) حَمَّاد بن سَلمة بن دينار البصري: "ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابتٍ، تغيَّر حِفظه بآخرةٍ"، وهذا التَّغير ليس المراد به التَّغير الاصطلاحي، وإنَّما هو التَّغير مِنْ قِبَل حفظه، تقدَّم في الحديث رقم (١٠٢). ٥) عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرِ بنِ سُوَيْدِ بنِ حَارِثَةَ، اللَّخْمِيُّ، أبو عَمْرٍو، ويُقال: أبو عُمَرَ، الكُوْفِيُّ القُرَشِيُّ. روى عن: سَعِيد بن فيروز الدَّيْلَمِيّ، وجُنْدَب بن عبد الله البَجَليّ، وجابر بن سمرة، وآخرين. روى عنه: حماد بن سلمة، والسفيانان، وشعبة، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ثقةٌ إلا أنَّه أخطأ في حديث أو حديثين. وقال العجلي، ويعقوب بن سُفْيان: ثِقَةٌ. وقال ابن نُمير: ثقةٌ مُتْقِنٌ للحديث. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال النَّسائي: ليس به بأسٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ مشهورٌ، لكنَّه طال عمره، وساء حفظه. وروى له الجماعة. _ وقال أحمد: مضطرب الحديث جداً مع قلة حديثه، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها. وقال ابن معين: مُخَلِّطٌ. وقال أبو حاتم: لم يُوصف بالحفظ، هو صالحٌ، تغيَّر حفظه قبل موته. وقال الذهبي في "الميزان": لم يورده ابن عدي، ولا العقيلي، ولا ابن حبان، وقد ذكروا من هو أقوى حفظاً منه، وأما ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح، وما ذكر التوثيق؛ والرجل من نظراء أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، وسعيد المَقْبُريّ لمَّا وقعوا في هِرَم الشيخوخة نقص حفظهم، وساءت أذهانهم، ولم يختلطوا، وحديثهم في كتب الإسلام كلها. وقال العلائي: إنَّ اختلاطه احتمله بعضهم؛ لأنه لم يأت فيه بحديث منكر، فهو من القسم الأول. وقال ابن حجر في "التقريب": ثِقَةٌ، فَصيحٌ، عالمٌ، تَغَيَّر حِفْظُه، ورُبَّما دَلَّس. وقال ابن حجر: احتج به الجماعة، وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات، وإنَّما عِيب عليه أنه تغير حفظه لكبر سنه؛ لأنَّه عاش مائة وثلاث سنين. _ وصفه بالتدليس: قال ابن حبَّان: كان مُدَلِّساً. وذكره العلائي في المدلسين، وقال: مشهورٌ به. وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة مِنْ المدلِّسين، وقال: مشهورٌ بالتدليس، وصفه ابن حبَّان والدَّارقطني وغيرهما. _ قلتُ: أمَّا وصفه بالتدليس: فأشار الحافظ ابن حجر في "التقريب" إلى قلة تدليسه، فقال: رُبَّما دَلَّس، وفي "هدي الساري" ذكره في فصل مَنْ ضُعِّفَ بأمرٍ مَردودٍ، وقال: "ذُكِرَ فيمن تَغَيَّر"، ولم يذكره بالتدليس؛ فدلَّ ذلك على أحد أمرين: إمَّا على قلة تدليسه ونُدْرَتِه، وإمَّا على أنَّ المراد بالتدليس: الإرسال، فقد وُصِفَ بأنَّه كان يُرْسل عن بعض الصحابة كأبي عُبَيْدة بن الجَرَّاح، وعدي بن حاتم، وغيرهما. (¬١) فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، يغلط قليلاً، وساء حفظه في آخر عمره، فتقبل روايته قبل كبره وسوء حفظه، ولا تقبل بعد ذلك - إنْ أمكن تميز ذلك -، - وهذا ما فعله البخاري ومسلم، كما قال ابن حجر -، أو تُرَدُ بسوء الحفظ عند وجود قرينة، كالمخالفة ونحوها، والله أعلم. (¬٢) ٦) سَعِيدُ بْن فَيْرُوزَ، أَبُو البَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، كثير الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٤). ٧) فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، ويُقال: ابن الديلمي، أبو عَبد اللَّهِ، ويُقال أبو عبد الرحمن، ابنُ أخت النَّجَاشِيّ. روى عن: النبي ﷺ. روى عنه: بنوه سَعيد، وعبد الله، والضَّحاك، ومَرْثَد بن عبد الله اليَزَنِيّ، وآخرون. وفد على النَّبِيّ ﷺ، وحديثه عنه في الأشربة حديثٌ صحيحٌ، وهو قاتل الأسود العنسيّ الكذّاب الذي ادَّعى النبوة فِي أيام رسول الله ﷺ، له صُحبةٌ وروايةٌ، وحديثه في السنن الأربعة. (¬١) ثانياً: - الوجه الثاني: حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ. أ تخريج الوجه الثاني: أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢٩٢٥)، قال: حدَّثنا إبراهيم بن مَرْزُوقٍ، قال: ثنا أبو رَبِيعَةَ؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٣٢٨)، قال: حدَّثنا عبد اللَّهِ بن أحمد بن حنبلٍ، نا إبراهيم بن الحَجَّاجِ. كلاهما (أبو ربيعة، وإبراهيم) عن حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج، عن عبد الملك، بسنده، وبنحو لفظه. والحديث أخرجه ابن قانع في ترجمة فيروز الثقفي!؛ وتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: وأنا أخشى أن يكون هو الّذي بعده - أي فيروز الدَّيْلَميّ -، وأن قول ابن قانع: إنَّه ثقفيٌّ خطأ منه. (¬٢) ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد ابن قانع): ١) عبد الله بن أحمد بن محمد بن حَنْبَل: "ثِقَةٌ". (¬٣) ٢) إبراهيم بن الحجَّاج بن زيد السَّاميُّ: "ثِقَةٌ، يَهِمُ قليلاً". (¬٤) ٨) حَمَّاد بن سَلمة بن دينار البصري: "ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابتٍ، تغيَّر حِفظه بآخرةٍ"، وهذا التَّغير ليس المراد به التَّغير الاصطلاحي، وإنَّما هو التَّغير مِنْ قِبَل حفظه، تقدَّم في الحديث رقم (١٠٢). ٣) حَجَّاج بن أَرطاة النَّخَعيّ: "صدوقٌ، كثير الخطأ والتدليس". (¬٥) ٤) وبقية رجال الإسناد: سبقت ترجمتهم في الوجه الأول. ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على حمَّاد بن سلمة، واختُلف عليه مِنْ وجهين: الوجه الأول: حمَّاد بن سلمة، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أبيه ﵁. ورواه عن حَمَّاد بن سلمة بهذا الوجه: عَلِيُّ بن عُثمان اللاحِقِيُّ، وهو "ثِقَةٌ"، والإسناد إليه "صَحيحٌ". الوجه الثاني: حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ. بينما رواه عن حَمَّاد بن سلمة بهذا الوجه اثنان مِنْ الرواة، وهما: أبو ربيعة زيد بن عوفٍ العامري، وهو "متروك الحديث" (¬١)، فلا يُفرح بمتابعته. وإبراهيم بن الحَجَّاج بن زيد السَّامي، وهو "ثِقَةٌ، يَهِمُ قليلاً"، والإسناد إليه "صَحيحٌ". قلتُ: ولعلَّ الاختلاف فيه مِمَّا وهم فيه حمَّاد بن سلمة، فقد قال الذهبي كما سبق في ترجمته: إِمَامٌ ثِقَةٌ له أَوْهَامٌ وغرائب، وغيره أثبت منه؛ ولعلَّ الوجه الأول هو الأشبه بالصواب، والله أعلم. رابعاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "صَحيحٌ لذاته"؛ وأمَّا عبد الملك بن عُمير فلا يُخشى مِنْ تَغيُّره، لكونه مِنْ رواية حمَّاد بن سلمة، وقد أخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" مِنْ رواية حمَّاد بن سلمة عن عبد الملك بن عُمير، فدلَّ ذلك على أنَّ روايته عنه قبل كبره وسوء حفظه، فزال ما نخشاه، والله أعلم. وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطبرانيُّ في "الأوسط"، ورجاله ثِقَاتٌ. (¬٢) شواهد للحديث: أخرج البخاري ومسلمٌ في "صحيحيهما" عن أبي مَسلمة سَعِيد بن يزيد الأَزْدِيّ، قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. (¬٣) خامساً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوه عن عبد الملك إلا حَمَّادٌ، ولا رُوِيَ عن فَيْرُوزَ إلا بهذا الإسناد. قلتُ: ومِمَّا سبق في التخريج يتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁، فلم يروه عن عبد الملك بن عُمير إلا حمَّاد بن سلمة؛ وأمَّا قوله: "ولا رُوي عن فيروز الدَّيْلمي إلا بهذا الإسناد": فغيرُ مُسَلَّم له فيه، فقد أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، وابن قانع في "معجمه" - كما سبق في التخريج -، كلاهما مِنْ طريقين عن حمَّاد بن سلمة، عن الحجَّاج بن أَرْطَاة، عن عبد الملك بن عُمير، عن سعيد بن فَيْرُوز، عن أَبِيهِ. سادساً: - التعليق على الحديث: قال ابن رجب الحنبلي: الصلاة في النعلين جائزة، لا اختلاف بين العلماء في ذلك، وقد قال أحمد: لا بأس أن يصلي في نعليه إذا كانتا طاهرتين، وليس مراده: إذا تحقق طهارتهما، بل مراده: إذا لم تتحقق نجاستهما. وفي الحديث دليلٌ على أن عادة النبي ﷺ المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيا.