قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَدِيِّ بن الفَضْلِ إلا أبو بِلالٍ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٩٤٩٨) - ومِنْ طريقه الخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (٢٧) -، عَنْ مَعْمَرٍ. - وأحمد في "مُسْنَده" (٤٤٨٨) - ومِنْ طريقه الخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (٢٠) -، ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٨٠/ ٥) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، والبَزَّار في "مُسْنَدِه" (٥٥٨٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٩١٨)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٥٩٣)، والدَّارقُطنيُّ في "سننه" (٢١٦٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٢٣)، والخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (١٦)، عن إسماعيل بن عُلَيَّة. - والدَّارميُّ في "مُسْنَدِه" (١٧٣٢)، وأبو داود في "سننه" (٢٣٢٠) ك/الصوم، ب/الشَّهْر يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ - ومِنْ طريقه أبو بكر الجَصَّاص في "أحكام القرآن" (١/ ٢٤٩)، والخطيب البغدادي في "حديث ابن عمر في ترائي الهلال" (١٧) -، والبيهقي في "الكبرى" (٧٩٢٣)، مِنْ طريق حَمَّاد بن زيد. - والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (٣٧٧٩)، مِنْ طريق عُبَيْد الله بن عَمرو الرَّقيّ. أربعتهم (مَعْمَر، وإسماعيل، وحمَّاد، وعُبَيْد الله) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مُطولًا، ومُختصراً. • والبخاري في "صحيحه" (١٩٠٦) ك/الصوم، ب/قَوْل النَّبِيّ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٨٠/ ١ - ٤،٦) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، مِنْ طُرُقٍ عن نافع، به. • والبخاري في "صحيحه" (١٩٠٠) ك/الصوم، ب/هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا، وبرقم (١٩٠٧) ك/الصوم، ب/قَوْل النَّبِيّ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، ومُسْلِمٌ في "صحيحه" (١٠٨٠/ ٧) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، مِنْ طُرُقٍ عن ابن عُمر، به. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أَبُو بِلَالٍ بن مُحَمَّدِ بن الحَارِثِ بن عَبْد اللهِ بن أبي بُرْدَة بن أبي مُوسَى الأَشْعَريُّ: "ضَعيفٌ"، وقال ابن حبَّان: يُغرب، ويَتَفَرَّد. تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٤). ٣) عَدِيُّ بن الفَضْلِ التَّيْمِيُّ، أبو حاتم البَصْرِيُّ، مولى بَنِي تَيْم بن مُرَّة. روى عن: أيوب السَّختيانيّ، وخالد الحَذَّاء، وداود بن أبي هند، وآخرين. روى عنه: أبو بلال الأَشْعَرِيُّ، وعبد الوهاب بن عَطَاء الخَفَّاف، وعلي بن الجَعْد، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ليس بشيء، فقيل له: يُكتب حديثه؟ فقال: لا ولا كرامة. وقال أبو حاتم، والنَّسائيُّ، والدَّارقُطنيّ، وابن حجر: متروك الحديث. وقال أبو داود: ليس بشيء، لا يُكتب حديثه. (¬١) ٤) أَيُّوب بن أَبي تَمِيْمَة، السَّخْتِيَانيُّ: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِن كِبَار الفقهاء العُبَّاد"، تقدَّم في الحديث رقم (١٤٠). ٥) نَافع مولى ابن عُمر: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقيهٌ، مَشْهورٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٢٩). ٦) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب ﵁: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ جدًا"؛ لأجل عديّ بن الفضل "متروك الحديث"، وانفرد به عنه: أبو بلال الأشعري، وهو: "ضَعيفٌ"، وقال ابن حبَّان: يُغرب، ويَتَفَرَّد. ويُغني عنه الطرق الأخرى عن أيوب السَّختياني، وبعضها في "صحيح مُسلم"، وللحديث أيضًا طُرُق عن نافع، وطُرُق أخرى عن ابن عُمر، وكلها في "الصحيحين" - كما سبق في التخريج -. شواهد للحديث: والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٩٠٩) ك/الصوم، ب/قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، ومسلمٌ في "صحيحه" (١٠٨١) ك/الصيام، ب/وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا». وعليه، فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَدِيِّ بن الفَضْلِ إلا أبو بِلالٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ أنَّ حكم الإمام على الحديث بالتَّفرد صحيحٌ، وهو تَفرد نسبيٌّ؛ ولم أقف على ما يدفعه، والله أعلم. (¬٢) * * * [١٩٤/ ٥٩٤]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: نا أَبُو بِلالٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: نا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَافَّةً عَنِّي، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ إلا قَيْسٌ، تَفَرَّدَ به: أبو بِلالٍ. هذا الحديث مَدَاره على هِشَام بن عُروة، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة ﵁ (موصولاً). الوجه الثاني: هِشَام بن عُروة، عن أبيه (مُرْسلاً). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة (موصولاً). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩)، مِنْ طريق إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، قال: حدَّثني أبو بلال الأَشْعَريّ، به. وقال ابن عساكر: كذا قال "كافة" بالفاء، والمحفوظ كاعة بالعين. • والحاكم في "المستدرك" (٤٢٤٣) - ومِنْ طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩) -، مِنْ طُرُقٍ عن العَبَّاس بن محمد الدُّورِيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِ ينٍ، قال: حدَّثنا عُقْبَةُ المُجَدَّرُ، عن هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ ﵂، عن النبي ﷺ، قَالَ: «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةٌ عَنِّي، حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ». وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ. وقال ابن عساكر: كذا قالا - أي قيس بن الرَّبيع، وعُقبة المُجَدَّر - عن عائشة، والمحفوظ مرسلٌ. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) أَبُو بِلَالٍ بن مُحَمَّدِ بن الحَارِثِ بن عَبْد اللهِ بن أبي بُرْدَة بن أبي مُوسَى الأَشْعَريُّ: "ضَعيفٌ"، وقال ابن حبَّان: يُغرب، ويَتَفَرَّد. تَقَدَّم في الحديث رقم (١٧٤). ٣) قَيْس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي: "ضَعيفٌ يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠٦). ٤) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤). ٥) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤). ٦) عائشة بنت أبي بكر: "أم المؤمنين، وزوج النبي الكريم ﷺ "، تَقَدَّمت في الحديث رقم (٥). ثانيًا: - الوجه الثاني: هِشَام بن عُروة، عن أبيه (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه ابن معين في "تاريخه" - برواية الدُّوريّ - (٣/ ٤٣) - ومِنْ طريقه أبو سُليمان الخَطَّابيُّ في "غريب الحديث" (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩) -، قال: حدَّثنا عقبة المُجَدَّر، نا هشام بن عروة، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ: «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّة عَنِّي، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ». • والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٦/ ٣٣٩)، مِنْ طُرقٍ عن أحمد بن عبد الجَبَّار، قال: حدّثنا يونس بن بُكَيْر، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، بنحوه. ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) يحيى بن مَعِين بن عَون، أبو زكريا البغداديّ: "ثِقَةٌ، حافظٌ، مَشْهورٌ، إمام الجرح والتعديل". (¬١) ٢) عُقْبَةُ بن خالد بن عُقْبة المُجَدَّر: "ثِقَةٌ". (¬٢) ٣) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤). ٤) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٤). ثالثًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على هِشَام بن عُروة، واختُلف عنه مِنْ وجهين: الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة ﵁ (موصولاً). الوجه الثاني: هِشَام بن عُروة، عن أبيه (مُرْسلاً). والذي يَظهر - والله أعلم -، أنَّ الحديث صحيحٌ مِنْ الوجهين مَعًا: حيث إنَّ الحديث رواه عُقْبة المُجَدَّر، عن هِشَام بن عُروة بالوجهين، مع صحة الإسناد إليه بالوجهين. بالإضافة إلى أنَّ الحديث أخرجه الحاكم بالوجه الموصول، وقال: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ؛ وعليه فالوجه الموصول لا يُعلُّ بالوجه المُرْسَل، والله أعلم. وأمَّا قول ابن عَساكر: كذا قالا - أي قيس بن الرَّبيع، وعُقبة المُجَدَّر - عن عائشة، والمحفوظ مرسلٌ: فَلَعَلَّه بسبب أنَّ عُقبة المُجَدَّر قد تُوبع على الوجه المرسل؛ فتابعه يُونس بن بُكير - كما عند البيهقي في "الدلائل"، وابن عساكر في "تاريخه" -، وإسناده صحيحٌ. بينما تابعه قيس بن الرَّبيع، عن هشام، بالوجه الموصول - كما في رواية الباب - لكن إسنادها ضَعيفٌ. قلتُ: لكنَّ عُقْبَة لمَّا رواه بالوجهين معاً، مع ثِقَته، واتحاد المخرج عنه في الوجهين، وصحة الإسناد إليه، دَلَّ ذلك على أنَّ الحديث محفوظٌ عنه بالوجهين، والله أعلم. رابعًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"، لأجل قيس بن الرَّبيع، وأبي بلال الأشعري "ضَعيفَان"، وفيه علَّة أخرى، وهي: قوله في الحديث " كَافَّةً عَنِّي"، فقد خالف فيها قيس بن الربيع ما رواه الثقات عن هِشَام بن عروة، حيث قالوا: "مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّة عَنِّي". لذا قال ابن عساكر: كذا قال - أي أبو بلال الأَشْعريّ - "كافةٌ" بالفاء، والمحفوظ كاعَّةٌ بالعين. وكاعةٌ: جَمْعُ كَائِعٍ، وهو الجَبَانُ، كما يقال: بائع وباعة، وقائد وقَادةٌ، يريد: أنَّه كان يحوط رسول الله ﷺ، ويَذُبُّ عَنْه، فكانت قُريْش تَكِيع وتَجْبُن عن أذاه، يقال: كَعَّ الرجلُ عن الأَمر إذا جَبُن وانْقَبَض، أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْبُنُون عَنْ أذى النَّبِيِّ ﷺ في حياة أبي طَالِبٍ، فَلَمَّا مَاتَ اجْتَرَأوا عَلَيْهِ. (¬١) وقال الهيثميّ: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه أبو بلال الأشعري وهو ضعيفٌ. (¬٢) قلتُ: والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" بسند صحيح، مِنْ طريق عُقْبَة المُجَدَّر، عن هِشَام بن عروة، عن أبيه، عن عَائِشَةَ ﵂، عن النبي ﷺ، قَالَ: «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةٌ عَنِّي، حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ». وقال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يُخَرِّجَاهُ. فالحديث بهذه المتابعة يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. وقال الحاكم: تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا مَاتَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ لَقِيَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ أَذًى مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ ابْتُلُوا وَشَطَّتْ بِهِمْ عَشَائِرُهُمْ تَفَرَّقُوا، وَأَشَارَ قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ أَرْضًا فِيهِ تَرْحَلُ إِلَيْهَا قُرَيْشٌ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ، فَكَانَتْ أُولَى الْهِجْرَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِعَدْلِهِ. (¬٣) خامسًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ إلا قَيْسٌ، تَفَرَّدَ به: أبو بِلالٍ. قلتُ: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ حكم الإمام على الحديث بالتَّفرد صحيحٌ، لكنَّه مُقَيَّدٌ بقوله في الحديث: " كَافَّةً عَنِّي"، فلم يَروه عن هشام بن عروة بهذا اللفظ إلا قيس بن الربيع، تَفَرَّد به: أبو بلال. بينما رواه عُقْبَة المُجَدَّر، ويُونس بن بُكير عن هشام بن عروة، بلفظ: "كَاعَّة عَنِّي". * * * [١٩٥/ ٥٩٥]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، قَالَ: نا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الدُّعَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاثًا. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي إِسْحَاقَ، عن أبي عُبَيْدَةَ إلا زَائِدَةُ، تَفَرَّدَ به: حُسَيْنٌ، وَرَوَاهُ أصحاب أبي إسحاق: عن أبي إِسْحَاقَ، عن عَمْرِو بن مَيْمون (¬١)، عن عَبْدِ اللَّهَ. هذا الحديث مَدَاره على أبي إسحاق، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: أبو إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁. الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁. الوجه الثالث: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: أبو إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • لم أقف عليه - على حد بحثي - بهذا الوجه إلا برواية الباب. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوْهَرِيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) عَبد اللَّهِ بن عُمَر بن مُحَمَّد بن أبان، مُشْكدَانة: "ثِقَةٌ، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٣٣). ٣) الحُسَيْنُ بن عليّ بن الوليد الجُعْفيُّ، مولاهم، الكُوفيُّ المُقْرِئ الزَّاهد، أبو عَبْد اللَّه وأبو محمد. روى عن: زائدة بن قدامة، وسُلَيْمان الأعمش، والفُضَيل بن عِيَاض، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن عُمر بن أبان، وأحمد بن حَنْبَل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ. وقال العِجْليّ: ثِقَةٌ، وكان رأسًا في القرآن، صحيح الكتاب، ومِنْ أروى النَّاس عن زائدة. وقال عثمان بن أبي شيبة: بخٍ بخٍ ثِقَةٌ صَدُوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وروى له الجماعة. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ عَابِدٌ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، عَابِدٌ، مِنْ أروى النَّاس عن زائدة". (¬٢) ٤) زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، أَبُو الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، الْكُوفِيُّ. روى عن: أبي إسحاق السَّبِيْعِيّ، وسُليمان الأعمش، وحُميد الطويل، وآخرين. روى عنه: الحُسين بن عليّ الجُعْفِيُّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وآخرون. حاله: قال العجليُّ، والنَّسائيُّ، والدَّارقُطنيّ: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ، صاحب سُنَّةٍ. وقال أبو زرعة: صَدُوقٌ، مِنْ أهل العلم. وقال ابن حبَّان: كان مِنْ الحُفَّاظ المُتْقِنِين، ولا يَعُدُّ السماع حَتَّى يسمعهُ ثلاث مَرَّاتٍ، ولا يُحَدِّث أحدًا حَتَّى يَشْهَد عِنْده عدلٌ أنَّه مِنْ أهل السُنَّةٍ. وقال الذهبي، وابن حجر: ثِقَةٌ حُجَّةٌ صاحبُ سُنَّةٍ. - وقال الإمام أحمد: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزُهير، فلا تبال أن لا تسمعه عن غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق. وقال أبو داود الطيالسي: ولم يكن زائدة بالأستاذ في حديث أبي إسحاق. (¬١) ٥) أبو إسحاق عَمرو بن عبد الله، السَّبيعيُّ: "ثِقَةٌ، إمامٌ، عابدٌ، مُكْثِرٌ، مُدَلِّسٌ من الثالثة - فلا بد أن يُصَرِّح بالسماع، إلا أذا كان الراوي عنه شعبة، أو روى هو عن أبي الأحوص -، اختلط بآخرةٍ - فيُقبل حديثه من رواية القدماء عنه، لا المتأخرين -، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٦) أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: "ثِقَةٌ، لم يَصِح سماعه مِنْ أبيه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). ٧) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). ثانياً: - الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله بن مسعود ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٥٣)، قال: حدَّثنا عَبْدَانُ بن أحمد، ثنا أحمد بن محمد بن يَحْيَى بن سَعِيدٍ القَطَّانُ، ثنا الحُسَيْنُ بن عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ، عن زَائِدَةَ، عن زُهَيْر بن مُعاوية. - وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٣٢٥) - ومِنْ طريقه أبو داود في "سننه" (١٥٢٤) ك/الصلاة، ب/في الاستغفار، والبيهقي في "الدعوات الكبير" (٢٦٨) -، والشاشيُّ في "مسنده" (٦٧٨)، عن زُهَيْر بن مُعاوية. - وأحمد في "مسنده" (٣٧٤٤ و ٣٧٦٩)، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (١٠٢١٨) ك/عمل اليوم والليلة، ب/الاقتصار على ثلاث مَرَّاتٍ - ومِنْ طريقه ابن السُّنيّ في "عمل اليوم والليلة" (٣٦٩) -، وأبو يعلى في "مسنده" (٥٢٧٧)، والشاشيُّ في "مسنده" (٦٧٧)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٩٢٣)، والطبرانيُّ في "الكبير" (١٠٣١٧)، وفي "الدعاء" (٥١) - ومِنْ طريقه أبو نُعيم في "الحلية" (٤/ ٣٤٧) -، وابن سمعون في "أماليه" (٣٣٩)، وتَمَّام في "فوائده" (الروض/١٦٠٧)، مِنْ طُرُقٍ عن إسرائيل بن يُونس. - والطبرانيُّ في "الدعاء" (٥٢)، والدَّارقُطني في "العلل" (٥/ ٢٢٨/مسألة ٨٣٨)، عن سُفْيان الثوري. - وأبو نُعيم في "الحلية" (٤/ ١٥٣ و ٤/ ٣٤٧)، مِنْ طريق زكريا بن أبي زائدة. أربعتهم (زُهير، وإسرائيل، والثوري، وزكريا)، عن أبي إسحاق، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاثًا، وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاثًا. وعند بعضهم بدون ذكر الاستغفار. وقال الدَّارقُطني: ورواه شُعْبَةُ، عن أبي إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله - ولم أقف عليه -. وقال أبو نُعيم في الموضع الأول: رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزُهَيْرٌ، وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ نَحْوَهُ. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الإمام أحمد): ١) يَحْيَى بن آدَمَ بن سُلَيْمَان الكُوفيُّ: "ثِقَةٌ، حافظٌ، فاضِلٌ". (¬١) ٢) إسرائيل بن يُونس: "ثِقَةٌ مُتْقِنٌ، مِنْ أثبت أصحاب أبي إسحاق"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١١). ٣) أبو إسحاق عَمرو بن عبد الله، السَّبيعيُّ: "ثِقَةٌ، إمامٌ، عابدٌ، مُكْثِرٌ، مُدَلِّسٌ من الثالثة - فلا بد أن يُصَرِّح بالسماع، إلا أذا كان الراوي عنه شعبة، أو روى هو عن أبي الأحوص -، اختلط بآخرةٍ - فيُقبل حديثه من رواية القدماء عنه، لا المتأخرين -، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٤) عَمرو بن مَيْمُون الأَوْدِيّ: "ثِقَةٌ، عابدٌ، ومُخَضْرمٌ، مَشْهورٌ". (¬٢) ٥) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). ثالثًا: - الوجه الثالث: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله ﵁. أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه الدَّارقُطني في "العلل" (٥/ ٢٢٨/مسألة ٨٣٨) - مُعَلَّقًا -، فقال - بعد أن ذكر رواية الجماعة بالوجه الثاني -: وخالفهم عبد الكبير بن دينار، فرواه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عن أبي عبيدة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ وَهْمٌ. وَقِيلَ: عَنْ عَبْدِ الْكَبِيرِ مِثْلَ قَوْلِ شُعْبَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ. ب دراسة إسناد الوجه الثالث: ١) عبد الكبير بن دينار مِنْ أهل مَرو: لم أقف على أحدٍ ترجم له غير ابن حبَّان في "الثقات". (¬٣) ٢) أبو إسحاق السَّبيعيُّ: "ثِقَةٌ، إمامٌ، عابدٌ، مُكْثِرٌ، مُدَلِّسٌ، مُخْتَلِطٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ٣) عَمرو بن مَيْمُون الأَوْدِيّ: "ثِقَةٌ، عابدٌ، ومُخَضْرمٌ، مَشْهورٌ"، تَقَدَّم في الوجه الثاني. ٤) أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود: "ثِقَةٌ، لم يَصِح سماعه مِنْ أبيه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). ٥) عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٨). رابعًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مَدَاره على أبي إسحاق، واختلف عنه مِنْ أوجهٍ: الوجه الأول: أبو إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁. الوجه الثاني: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁. الوجه الثالث: أبو إسحاق، عن عَمرو بن مَيْمُون، عن أبي عُبَيْدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁. والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: