ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمَّار في هذا الحديث إنما فيها ضربة واحدة للوجه واليدين، وكل ما يروى في هذا الباب عن عمار مِن ضربتين فمضطرب مختلف فيه، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أن أصح حديث روي عن عمار حديث قتادة عن عزرة. (¬٣) وقال الخطابي: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه وللكفين، وهو قول عطاء ومكحول، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وعامة أصحاب الحديث، وهذا المذهب أصح في الرواية. (¬٤) وقال الحافظ ابن حجر تحت قول الإمام البخاري: باب التيمم للوجه والكفين: أي هو الواجب المجزئ، وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما ضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث جهيم، فورد بذكر اليدين مجملاً، وأما حديث عمار، فورد بذكر الكفين في "الصحيحين" وبذكر المرفقين في "السنن" وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع، ففيهما مقال، وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ، فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية "الصحيحين" في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمَّار كان يُفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد. (¬٥) [١٤٣/ ٥٤٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عِيسَى بْنُ الْمُسَاوِرِ، قَالَ: نا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: نا طَاوُسٌ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْكِبْرَ، فَإِنَّ الْكِبَرَ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَإِنَّ عَلَيْهِ الْعَبَاءَةَ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن طَاوُسٍ إلا عَبْدُ اللَّهِ بن حُمَيْدٍ، تَفَرَّدَ به: سُوَيْدٌ. أولاً: - تخريج الحديث: • لم أقف عليه إلا برواية الباب. وذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (٤٩٣٧) بإسناد الطبراني ومتنه. وذكره المنذري (¬١)، والهيثمي (¬٢)، وابن حجر (¬٣)، والسيوطيُّ (¬٤) عن ابن عُمر، وقال المنذري: رواه الطبراني في "الأوسط" ورواته ثقاتٌ. وتبعه على ذلك الهيثمي وابن حجر. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) عيسى بن مُسَاور الجوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١١٣). ٣) سُويد بن عبد العزيز بن نُمَير السُّلَّميُّ: "ضعيفٌ، يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦٥). ٤) عبد الله بن حميد بن عبيد الأنصاري الكوفي. (¬٥) روى عن: طاووس بن كَيْسان، وعطاء، والشعبي، وآخرين. روى عنه: سُويد بن عبد العزيز، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وأبو أسامة حمَّاد بن أسامة، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: ليس به بأسٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (¬٦) ٥) طاووس بن كَيْسَان اليماني: "ثِقَةٌ فَقيهٌ فاضلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٦) عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب ﵁: "صحابيٌّ، جَليلٌ، مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦). ثالثاً: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل سُويد بن عبد العزيز "ضَعيفٌ"، وقد انفرد به، فلم أقف - على حد بحثي - على مَن تابعه على رواية هذا الحديث. وقال الألباني: "ضَعيفٌ جداً"، وأعلَّه بسويد بن عبد العزيز. (¬١) قلتُ: وسبق أن ذكرتُ قول المنذري في "الترغيب والترهيب": رواه الطبراني في "الأوسط" ورواته ثقاتٌ. وتبعه على ذلك الهيثمي، وابن حجر. ولعلَّ هذه مِنْ الزلات التي لم يَسْلم مِنْها أحدٌ مِنْ البشر، فلكل عالم زلة، ولكل جوادٍ كبوة - نسأل الله أن يَغْفر لنا ولهم أجمعين -، ففي الإسناد كما نرى سُويد بن عبد العزيز ضَعَّفه الجمهور بل ووهاه بعضهم - كما سبق في ترجمته -، بالإضافة إلى أنَّ هؤلاء الأئمة (المنذري، والهيثمي، وابن حجر) مع الجمهور في تضعيفه. (¬٢) قلتُ: ويُغني عن ذلك ما صحَّ عن النبي ﷺ في التحذير مِن الكبر، وما أكثر ما ورد في ذلك، مِنها على سبيل المثال لا الحصر: ما أخرجه الإمام مسلمٌ في "صحيحه" عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ (¬٣) مُسْتَكْبِرٌ ". (¬٤) وأخرج البخاري ومسلمٌ في "صحيحيهما" عن حَارِثَة بن وَهْبٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقول: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ ﷺ: «كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ (¬٥)، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» ثُمَّ قَالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «كُلُّ عُتُلٍّ (¬٦) ......................................................................