حَرَامًا (¬٢)، وَبَنَى بِهَا حَلالاً، ثُمَّ مَاتَتْ بِسَرِفٍ (¬٣)، وَذَلِكَ قَبْرُهَا تَحْتَ السَّقِيفَةِ (¬٤). * لم يَرْوِ هذا الحديث عن الحسن بن دينارٍ إلا شُعَيْبُ بنُ إِسْحَاقَ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه تَمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البَسَّام" (٦٢٦) -، مِنْ طريق هشام بن خالد بن يزيد الأزرق، عن شُعيب بن إسحاق، به. وفيه، قال: يعني ميمونة. • وأحمد في "مسنده" (٢٥٦٥)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ؛ وأحمد أيضًا في "مسنده" (٣٣٨٤ و ٣٤٠٠)، قال: حدَّثنا إسماعيل بن عُلَيَّة؛ والبخاري في "صحيحه" (٤٢٥٨) ك/الحج، ب/عُمْرَةِ القَضَاءِ، والدَّارقطني في "سننه" (٣٦٦٥/ ١)، مِنْ طريق وُهَيْب بن خالد الباهلي؛ وأبو داود في "سننه" (١٨٤٤) ك/المناسك، ب/المُحْرِمِ يَتَزَوَّجُ، والترمذي في "سننه" (٨٤٣) ك/الحج، ب/ما جاء في الرخصة في تزويج المُحْرِم، والطبراني في "الكبير" (١١٨٦٣)، والدَّارقطني في "سننه" (٣٦٦٤)، مِنْ طريق حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ؛ وأبو سعيد بن الأعرابي في "معجمه" (١١٦٩)، مِنْ طريق خَارِجَة بن مُصْعب؛ والدَّارقطني في "سننه" (٣٦٦٥/ ٢)، مِنْ طريق عبد الوارث بن سعيد العَنْبَري. ستتهم عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بنحوه. وقال الترمذي: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. • وأحمد في "مسنده" (٢٢٠٠)، والنَّسائي في "الكبرى" (٣٨٠٨) ك/الحج، ب/الرُّخْصَةُ فِي النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ، وفي "السنن الصغرى" (٢٨٣٩)، مِنْ طريق يُونُس بن محمد المُؤدِب؛ وعَبْد بن حُمَيْد في "المنتخب" (٥٨٤)، قال: حدَّثني أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ؛ والنَّسائي في "الكبرى" (٣٨٠٩) ك/الحج، ب/الرُّخْصَةُ فِي النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ، وفي "السنن الصغرى" (٢٨٤٠)، مِنْ طريق أحمد بن إسحاق الحضرميّ؛ والطبراني في "الكبير" (١١٩١٩)، مِنْ طريق حَجَّاج بن المِنْهَالِ؛ والطبراني في "الأوسط" (٤٦٣١)، مِنْ طريق الحَسَنِ بن بِلَالٍ؛ والدارقطني في "سننه" (٣٦٦٣)، مِنْ طريق عَبَّاس بن الوليد النَّرْسِيّ. ستتهم عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عن حُمَيْدٍ الطويل، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ. وعند النَّسائيّ برواية الحضرمي وحده، قال: «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ». وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن حُمَيْدٍ إلا حَمَّاد بن سَلَمَة، تَفَرَّدَ به: الحَسَنُ بن بِلَالٍ. قلتُ: لم يَنْفرد به الحسن بن بلال، بل تابعه جماعة - كما سبق -. - أحمد في "مسنده" (٢٤٩٢ و ٢٥٩٢ و ٣١٠٩)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥٣٨٩) ك/النكاح، ب/ الرُّخْصَةُ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وفي "الصغرى" (٣٢٧١)، مِنْ طُرُقٍ عن سَعِيد بن أبي عَرُوبَةَ، عن يَعْلَى بن حَكِيمٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ لا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَيَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بِمَاءٍ، يُقَالُ لَهُ: سَرِفُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمَّا قَضَى نَبِيُّ اللَّهِ حَجَّتَهُ، أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَعْرَسَ بِهَا. وفي الموضع الأخير عند أحمد، والنَّسائي: قَرَن يعلى بن حَكيم بقتادة بن دِعَامة. وعند النَّسائي مُختصرًا. - وأحمد في "مسنده" (٣٢٣٣ و ٣٣١٩)، والترمذي في "سننه" (٨٤٢) ك/الحج، ب/مَا جَاءَ فِي الرخصة في تَزْوِيجِ المُحْرِمِ، وأبو نُعيم في "الحلية" (٨/ ٣٨٩)، مِنْ طُرُقٍ عن هِشَام بن حسَّان القَرْدُوسيّ، قال: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وزاد في الموضع الأول عند أحمد: وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وزاد في الموضع الثاني عند أحمد: ثُمَّ دَخَلَ بِهَا بَعْدَمَا رَجَعَ بِسَرِفٍ. وقال الترمذي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الكُوفَةِ. - وأحمد في "مسنده" (٣٢٨٣)، والطبرانيّ في "الكبير" (١١٩٧٢)، عن عَبْدُ الأعلى بن عبد الأعلى القُرَشيّ؛ والطبرانيّ في "الأوسط" (٢٦٨٣)، مِنْ طريق وُهَيب بن خالد؛ كلاهما عن خَالِدٍ بن مهران الحَذَّاء، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنْ خَالِدٍ إِلَّا وُهَيْبٌ. قلتُ: لم يَنْفرد به وُهَيْبٌ، بل تابعه عبد الأعلى بن عبد الأعلى - كما في رواية أحمد، والطبراني -. - وابن حبَّان في "صحيحه" (٤١٢٩)، مِنْ طريق دَاوُد بن أبي هِنْدَ، عن عِكْرِمَةَ، بنحوه، مُختصراً. • وأخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (٢٧٣٣)، والحُمَيدي في "مسنده" (٥١٣) - ومِنْ طريقه الحاكم في "المُستدرَك" (٦٧٩٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٩١٥٨) -، وابن الجعد في "مسنده" (٢٥٤٧)، وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٢٩٥٧) - ومِنْ طريقه مسلمٌ في "صحيحه" (١٤٠٩/ ١) ك/النكاح، ب/تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ -، وأحمد في "مسنده" (٢٠١٤ و ١٩١٩ و ٢٤٣٧ و ٢٥٨١ و ٢٩٨٠ و ٣١١٦ و ٣٤١٣)، والدَّارميّ في "مسنده" (١٨٦٣)، والبخاري في "صحيحه" (٥١١٤) ك/النِّكاح، ب/نكاح المُحْرِمِ، ومسلم في "صحيحه" (١٤٠٩/ ٢ - ٣) ك/النكاح، ب/تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وَكَرَاهَةِ خِطْبَتِهِ، وابن ماجه في "سننه" (١٩٦٥) ك/النِّكاح، ب/الْمُحْرِمِ يَتَزَوَّجُ، والترمذي في "سننه" (٨٤٢) ك/الحج، ب/مَا جَاءَ فِي الرخصة في تَزْوِيجِ المُحْرِمِ، والنَّسائي في "الكبرى" (٣٨٠٦) ك/الحج، ب/الرُّخْصَةُ فِي النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ، وفي "الصغرى" (٢٨٣٧)، والنَّسائي في "الكبرى" (٥٣٨٦) ك/النكاح، ب/ الرُّخْصَةُ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وفي "الصغرى" (٣٢٧٢)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٣٩٣)، وابن الجارود في "المُنتقى" (٤٤٦ و ٦٩٦)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (٣٠٨٦ و ٣٠٨٧ و ٣٠٨٨)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٤١٣١)، وأبو بكر القطيعيّ في "جزء الألف دينار" (١٩٧)، والدَّارقطنيّ في "سننه" (٣٦٦٦)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٣٦٥ و ١٤٢٠١ و ١٤٢٠٣). كلهم مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكح وَهُوَ مُحْرِمٌ. وفي بعض الروايات: تَزَوَّج. وفي بعضها: قَالَ عَمْرٌو: وَقَالَ لِي جَابِرٌ: نُرَاهَا مَيْمُونَةَ. وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، واختَلَفُوا في تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ مَيْمُونَةَ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا في طريق مَكَّةَ، فقال بَعْضُهُمْ: تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَمَاتَتْ مَيْمُونَةُ بِسَرِفَ حَيْثُ بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدُفِنَتْ بِسَرِفَ. وقال الذهبي: صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وأخرجه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (٢٧٧٨)، والبخاري في "صحيحه" (١٨٣٧) ك/الحج، ب/تَزْوِيجِ المُحْرِمِ، مِنْ طُرُقٍ عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. - وأحمد في "مسنده" (٢٥٦٠ و ٣٠٢٩ و ٣٠٧٥ و ٣٤١٢)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٧٢٦)، والطبراني في "الكبير" (١٢٤٧٦ و ١٢٤٧٧)، مِنْ طُرُقٍ عن عبد اللَّهِ بن عُثْمَانَ بن خُثَيْمٍ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: نَكَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالَتِي مَيْمُونَةَ الْهِلالِيَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. وزاد في الموضع الأول، والثالث عند أحمد: وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) القاسم بن المُسَاور، الجَوْهَريُّ: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٢٦). ٣) شُعيب بن إسحاق الدمشقيُّ: "ثِقَةٌ مأمونٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٢٨). ٤) الحَسَنُ بنُ دِينَارٍ البَصْرِيُّ، وَيُقَالُ: هو الحَسَنُ بنُ وَاصِلٍ التَّمِيمِيُّ، أَبُو سَعِيدٍ. (¬١) روى عن: أيوب، وعبد اللَّهِ بن دينار، والحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وآخرين. روى عنه: شُعيب بن إسحاق، والثوري، وزُهير بن مُعاوية، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: تركه يَحْيَى، وابن مهدي، ووكيع، وابن المبارك. وقال أحمد: لا يُكتب حديثه. وقال أبو حاتم، والنَّسائي، وابن الجنيد، والدارقطني: متروك الحديثِ. وزاد أبو حاتم: كذَّاب. وقال أبو زرعة: اضربوا على حديثه. وقال ابن حبَّان: يُحدِّث الموضوعات عن الأَثْبَات، ويُخَالف الثِّقَات في الرِّوَايَات حَتَّى يسْبق إلى القلب أنَّه كان المُتعمّد لها. وقال ابن عدي: أجمعوا على ضعفه، وهو إلى الضعف أقرب. وقال ابن حجر في "التهذيب": ذكره في الضعفاء كل من صنَّف فيهم، ولا أعرف لأحد فيه توثيقًا، وجاء عن شعبة ما يدل على أنه لا يَتَعَمَّد الكذب. فالحاصل: أنَّه "متروك الحديث". (¬١) ٥) أَيُّوب بن أَبي تَمِيْمَة، واسمه كَيْسَان، السَّخْتِيَانيُّ، أبو بكر البَصْرِيّ. روى عن: عكرمة، وسعيد بن جُبير، ومحمد بن سيرين، وآخرين. روى عنه: الحسن بن دِينار، والحمَّادان، والسفيانان، وشعبة، والنَّاس. حاله: قال ابن معين: ثِقَةٌ صالحٌ صدوقٌ. وقال شُعبة: سَيِّدُ المُسْلِمين. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ لا يُسأل عن مثله. وقال ابن المديني: ثَبْتٌ، وليس في القوم مِثله. وقال النَّسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال الذهبي: إليه المُنْتَهَى في التَّثَبُّتِ. وقال ابن حجر: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ مِنْ كِبَار الفقهاء العُبَّاد". وروى له الجماعة. (¬٢) ٦) عكرمة مولى ابن عبَّاس: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ عالمٌ بالتَّفسير"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٩). ٧) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب ﵃: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "ضَعيفٌ جدًا"؛ فيه الحسن بن دينار "متروك الحديث". وللحديث مُتابعاتٌ كثيرةٌ، بعضها في "الصحيحين" - كما سبق -، فيرتقي المتن بها إلى "الصحيح لغيره". والحديث يُعارضه ما صَحَّ عن ميمونة ﵂، أنَّ النَّبي ﷺ تزوَّجها وهي حَلالٌ، وقد رُوي ذلك أيضًا عن أبي رافعٍ، وعُثْمان بن عَفَّان ﵃؛ وقد جمع العلماء بينهما - وسيأتي بيان ذلك إنْ شاء الله ﷿ بشيء مِنْ التفصيل عند التعليق على الحديث -، والله أعلم. رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الحسن بن دينارٍ إلا شُعَيْبُ بنُ إِسْحَاقَ. قلتُ: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ حكم الإمام الطبراني بالتفرد صحيح، ولم أقف على ما يدفعه، وهو تفرد نسبي. خامسًا: - التعليق على الحديث: أخرج الإمام مسلم في "صحيحه"، عن يَزِيد بن الأَصَمِّ، حدَّثتني مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَارِثِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلالٌ. قال يزيد: وَكَانَتْ خَالَتِي، وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ. (¬١) وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه"، مِنْ طُرُقٍ عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ، فَقَالَ أَبَانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ». (¬٢) وقال الإمام الترمذي: حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ على هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ ﵃، وهو قَوْلُ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لا يَرَوْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ المُحْرِمُ، قَالُوا: فَإِنْ نَكَحَ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ. (¬٣) فذهب جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلى أن نكاح المحرم لا يَصِحُّ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁، وميمونة ﵂، خلافا لأبى حَنِيفَةَ ﵁، ولأنَّ أكثر الصحابة رووا أن النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، ولم يَرْوِ أنَّه تزوجها مُحْرِمًا إلا ابن عَبَّاسٍ وَحْدَهُ، وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ وَأَبُو رَافِعٍ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْقَضِيَّةِ لِتَعَلُّقِهِمْ به، بخلاف ابن عباس ﵁، وتأولَّ بعضهم حديث ابن عَبَّاسٍ على أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا في الحَرَمِ وَهُوَ حَلَالٌ، وَيُقَالُ لِمَنْ هو في الحَرَمِ مُحْرِمٌ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا، وهي لُغَةٌ شَائِعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، ولأنَّه عند تَعَارَض الْقَوْل والفعل، فالصَّحِيحُ عند الأصوليين ترجيح القول؛ لأنَّه يَتَعَدَّى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه. (¬٤) فقال ابن حبَّان: هذان خَبَرَانِ في نِكَاحِ المُصْطَفَى ﷺ مَيْمُونَةَ تَضَادَا في الظَّاهِرِ، وَعَوَّلَ أَئِمَّتُنَا فِي الفصل فيهما، بأن قالوا: إِنَّ خَبَرَ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، "وَهْمٌ" قاله سَعِيدُ بن المُسَيِّبِ، وخَبَرُ يَزِيدَ بن الأَصَمِّ يُوَافِقُ خَبَرَ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ ﵃ في النَّهْيِ عن نِكَاحِ المُحْرِمِ وإنكاحه، وهو أَوْلَى بِالقَبُولِ لتأييد خَبَرِ عُثْمَانَ ﵁ إِيَّاهُ، والذي عندي أَنَّ الخَبَرَ إِذَا صَحَّ عن المُصْطَفَى ﷺ، غَيْرُ جَائِزٍ تَرْكُ استعماله، إلا أَنْ تَدُلَّ السُّنَّةُ على إباحة تَرْكِهِ، فإن جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يقول: وَهِمَ ابنُ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةُ خَالَتُهُ في الخبر الذي ذَكَرْنَاهُ، جَازَ لِقَائِلٍ آخَرَ أن يقول: وَهِمَ يَزِيدُ بنُ الأَصَمِّ في خَبَرِهِ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أَحْفَظُ وَأَعْلَمُ وَأَفْقَهُ مِنْ مِئَتَيْنِ مِثْلِ يَزِيدَ بن الأَصَمِّ، ومعنى خَبَرِ ابن عَبَّاسٍ عِنْدِي، حَيْثُ قال: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ، يُرِيدُ بِهِ وهو داخل الحَرَم، لا أنَّه كان مُحْرِمًا، كما يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا دَخَلَ الظُّلْمَةَ: أَظْلَمَ، وَأَنْجَدَ: إِذَا دَخَلَ نَجْدًا، وَإِذَا دَخَلَ الحَرَمَ: أَحْرَمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ مُحْرِمًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُصْطَفَى ﷺ عَزَمَ على الخُرُوجِ إلى مَكَّةَ في عَمْرَةِ القَضَاءِ، فَلَمَّا عَزَمَ على ذلك بَعَثَ مِنَ المَدِينَةِ أبا رَافِعٍ، وَرَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ إلى مَكَّةَ لِيَخْطُبَا مَيْمُونَةَ له، ثُمَّ خَرَجَ ﷺ وَأَحْرَمَ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طاف وَسَعَى وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَتَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا، ثُمَّ سَأَلَهُ أَهْلُ مَكَّةَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ سَرِفَ بَنَى بِهَا بِسَرِف وَهُمَا حَلَالَانِ، فَحَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ نَفْسَ العَقْدِ الَّذِي كَانَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ دَاخِلَ الْحَرَمِ بِلَفْظِ الحَرَامِ، وحكى يَزِيدُ بن الأَصَمِّ القِصَّةَ على وَجْهِهَا، وأخبر أبو رَافِعٍ أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُمَا حَلَالَانِ، وكان الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا، وكذلك حَكَتْ مَيْمُونَةُ عَنْ نَفْسِهَا فَدَلَّتْكَ هذه الأشياء مع زَجْرِ المُصْطَفَى ﷺ عن نِكَاحِ المُحْرِمِ وإنكاحه على صِحَّةِ ما أَصَّلْنَا ضِدَّ قول مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَخْبَارَ الْمُصْطَفَى ﷺ تَتَضَادُ وَتَتَهَاتَرُ حَيْثُ عَوَّلَ عَلَى الرَّأْيِ الْمَنْحُوسِ وَالْقِيَاسِ الْمَعْكُوسِ. (¬١) بينما قال ابن عبد البَرِّ: اخْتَلَفَتِ الآثَارُ في هذا الحُكْم، لكنَّ الرِّوَايَةَ أنَّهُ تَزَوَّجَهَا وهو حَلَالٌ جَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى، وحديثُ ابن عَبَّاسٍ صَحِيحُ الإِسْنَادِ لَكِنَّ الوَهْمَ إلى الواحد أَقْرَبُ إلى الوَهْمِ مِنَ الجَمَاعَةِ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِ الخَبَرَيْنِ أن يَتَعَارَضَا فَتُطْلَبُ الحُجَّةُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ صَحِيحٌ في مَنْعِ نِكَاحِ المُحْرِمِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ والرواية أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو حلالٌ متواترةٌ عن ميمونة بعينها، وعن أبي رافع مولى النَّبِيَّ ﷺ، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد الأصم ابن أختها، وهو قول ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وجمهور علماء المدينة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَنْكح ميمونة إلا وهو حلالٌ، قبل أن يُحْرِم، وما أعلم أحدًا مِنْ الصحابة روى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ ميمونة، وهو مُحْرِم إلا ابن عباس. وقال أيضا: ورواية مَنْ ذكرنا معارضة لروايته، والقلب إلى رواية الجماعة أَمْيل، لأن الواحد أقرب إلى الغلط، وأكثر أحوال حديث ابن عباس أن يُجعل متعارضا مع رواية من ذكرنا، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها، فوجدنا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قد روى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن نِكَاح المُحْرِم، وقال: لا يَنْكح المحرم ولا يُنْكح، فوجب المصير إلى هذه الرواية التي لا معارض لها، لأنه يَسْتَحيل أن يَنهى عن شيء ويفعله، مع عمل الخلفاء الراشدين لها، وهم عمر وعثمان وعليّ ﵃، وهو قول ابن عمر ﵃، وأكثر أهل المدينة. (¬٢) قلتُ: وقول ابن عبد البر: "وما أعلم أحدًا مِنْ الصحابة روى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَكَحَ ميمونة، وهو مُحْرِم إلا عبد الله بن عباس"، أجاب عنه الحافظ ابن حجر في "الفتح"، بأنَّه رُوي أيضًا عن أبي هريرة، وعائشة ﵃، وذكر أنَّ حديث عائشة أُعِلَّ بالإرسال، وحديث أبي هريرة ضَعيف الإسناد. (¬٣) * * * [١٤١/ ٥٤١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: نا أَبُو مُعَاوِيَةَ الْعَبَّادَانِيُّ (¬١)، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمَلِيحِ الْهُذَلِيَّ (¬٢) يُحَدِّثُ. عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَاةَ حُنَيْنٍ (¬٣) فِي سَنَةِ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ (¬٤)، فَوَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَوْمَ