دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تُرْسِلْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ (¬١) الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ فِي رِبَاطِهَا؛ وَدَخَلَتْ مُومِسَةٌ (¬٢) الْجَنَّةَ، إِذْ مَرَّتْ عَلَى كَلْبٍ عَلَى طَوِيٍّ (¬٣)، يُرِيدُ الْمَاءَ، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا أَوْ مُوقَهَا (¬٤)، فَرَبَطْتُهُ فِي خِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ، فَسَقَتْهُ حَتَّى أَرْوَتْهُ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن المُغِيرَةِ بن أبي لَبِيدٍ إلا محمد بن إِسْحَاقَ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه ابن الفاخر في "موجبات الجنَّة" (٢٥٤)، مِنْ طريق المُصَنِّف، عن أحمد بن القاسم، به. • وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٦٠٤٤)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، به. • وأخرجه ابن معين في "الجزء الثاني مِنْ فوائده" (١٩٦ و ١٩٧)، وهَنَّاد بن السريّ في "الزهد" (١٣٤١)، كلاهما قال: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بلفظه، إلا أحرفًا يسيرة. • وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٠٥٨٣ و ١٠٥٨٤)، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٢٤٥) ك/البر والصلة، ب/فَضْلِ سَاقِي الْبَهَائِمِ الْمُحْتَرَمَةِ وَإِطْعَامِهَا، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٠٣٥) - ومِنْ طريقه ابن حبَّان في "صحيحه" (٣٨٦) -، وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (٥١٦)، مِنْ طريق هِشَام بن حَسَّان. - والبخاري في "صحيحه" (٣٣٢١) ك/بدء الخلق، ب/إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في شراب أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، فَإِنَّ في إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الأُخْرَى شِفَاءً، مِنْ طريق عوف بن أبي جميلة العبديّ. - والبخاري أيضًا برقم (٣٤٦٧) ك/أحاديث الأنبياء، ب/حديث الغار - ومِنْ طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" (١٥٨١٩) -، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٢٤٥/ ٢) ك/البر والصلة، ب/فَضْلِ سَاقِي الْبَهَائِمِ الْمُحْتَرَمَةِ وَإِطْعَامِهَا، مِنْ طريق أيوب السختياني. ثلاثتهم عن محمد بن سيرين - وعند البخاري في بدء الخلق: عن الحسن، وابن سيرين -، بنحوه. ووقع عند أحمد في الموضع الأول بجزئه الثاني فقط، وفي الموضع الثاني بجزئه الأول فقط. وعند الباقين بجزئه الثاني فقط. وعند البخاري، ومسلم: "بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ". • وأخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٢٤٣) ك/السلام، ب/تحريم قتل الهرة، قال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ بن عروة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، لَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ». • وفي الباب عن عبد الله بن عُمر ﵄: أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢٣٦٥) ك/المساقاة، ب/فَضْلِ سَقْيِ المَاءِ، وبرقم (٣٣١٨) ك/بدء الخلق، ب/خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ، وبرقم (٣٤٨٥) ك/أحاديث الأنبياء، ب/حديث الغار، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٢٤٢) ك/السلام، ب/تحريم قتل الهرَّة، وفي ك/البر، ب/تَحْرِيمِ تَعْذِيبِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْذِي، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، ولا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ». واللفظ لمسلم. ثانياً: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تقدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) محمد بن العلاء بن كُرَيْب، أبو كُرَيْب الهَمْدانيُّ الكوفيُّ الحافظ. روى عن: عَبْدَة بن سُلَيْمان، وعبد الله بن المبارك، ووكيعٌ بن الجَرَّاح، وآخرين. روى عنه: أحمد بن القاسم، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والبخاري، ومُسْلمٌ، وأصحاب السُّنَنِ، والنَّاس. حاله: قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال النَّسائي، ومسلمة بن القاسم، والذهبي: ثِقَةٌ. ذكره ابن حبَّان في الثقات". وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، حافظٌ. وروى له الجماعة. (¬١) ٣) عَبْدة بن سُليمان أبو محمد الكِلابيّ الكوفيُّ. روى عن: محمد بن إسحاق، وهشام بن عُروة، والأعمش، وعُبيد الله بن عُمر، وآخرين. روى عنه: محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، والعِجْليُّ، والدَّارقطني: ثِقَةٌ. وقال أحمد: ثِقَةٌ ثِقَةٌ. وقال ابن حبَّان: مُسْتَقيم الحديث جداً. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ. وروى له الجماعة. (¬٢) ٤) محمد بن إسحاق بن يسار، المُطَّلبيُّ المَخْرَميُّ المَدَنِيّ، أَبُو بكر، ويقال: أَبُو عَبْد الله الأحول. روى عن: المغيرة بن أبي لبيد، والزهريّ، ونافع، وخلق سواهم. روى عنه: عبدة بن سُليمان، والثوري، وشعبة، والنَّاس. حاله: اختلف فيه أقوال النّقاد اختلافًا واسعًا، ففيه الجرح والتعديل المطلق والمُقيَّد، والمُجْمَل والمُفَسَّر، والجرح المُفَسَّر مِنْه ما هو قادحٌ وما ليس بقادحٍ، ومِنْ توثيقه ما هو أعلا التوثيق، ومِنْه ما هو أوسطه، ومِنْهُ ما هو أدناه، وكذلك الجرح، والجرح والتعديل مِنْهُ ما صدر مِنْ مُتَشَدِّد، وما صدر مِنْ مُعتدلٍ، وما صدر مِنْ مُتساهلٍ، وما صدر عن فحصٍ لمروياته وسبرها، ومِنْ العلماء مَنْ أشار إلى الخلاف فيه دون ترجيح، ومِنْهم مَنْ تصدَّى للترجيح؛ لذا سنشير إلى طرفٍ مِنْ هذه الأقوال، ثُمَّ أذكر حاصل هذه الأقوال، كالآتي: - قال يزيد بن هارون، وابن عُيَيْنَة، وشعبة: أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن معين: ثبتٌ في الحديث. وقال أيضًا: كان ثِقَةً، وكان حسن الحديث - أي: في سياقه للمتون -. وقال العجلي، وابن سعد: ثِقَةٌ. وقال ابن حبَّان: كان من أحسن الناس سياقًا للأخبار وأحفظهم لمتونها. وقال البخاري: مُحَمَّد بْن إِسْحَاق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فِيهَا أحد - وهذا دليلٌ على سعة مروياته -. وَقَال ابن البرقي: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه. واستشهد به البخاري في "الصحيح"، وروى له في "القراءة خلف الإمام" وغيره، وروى لَهُ مسلم في المتابعات، واحتج بِهِ الباقون. - وقال شعبة، وابن معين، وأبو زرعة: صدوقٌ في الحديث. وقال عليّ بن المدينيّ: صَدُوقٌ؛ وَالدَّلِيل على صدقه، أَنَّهُ مَا روى عَنْ أحد من الجلة إِلَّا وروى عَنْ رجل عَنْهُ فَهَذَا يدل على صدقه. وقال أحمد: حسنُ الحديث. وقال ابن عدي: وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد فِي أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، ورُبما أخطأ أو وهم فِي الشيء بعد الشيء كما يُخطئ غيره، ولم يتخلف عنه فِي الرواية عنه الثقات والأئمة، وَهو لا بأس به. وقال الذهبي في "الكاشف": كان صدوقًا من بُحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى تُسْتَنْكر، واختلف في الاحتجاج به، وحديثه حسنٌ، وقد صَحَّحَه جماعةٌ. وفي "المغني": أحدُ الْأَعْلَام صَدُوقٌ، قوي الحَدِيث، إِمَامٌ لا سِيَّمَا في السّير. وفي "تاريخ الإسلام": الَّذِي استقر عَلَيْهِ الأمر أن ابن إسحاق صالح الحديث، وأنه في المغازي أقوى مِنْهُ في الأحكام. وفي "تذكرة الحفاظ": أحد أوعية العلم، حَبْرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذاك المُتْقِن فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوقٌ في نفسه مرضي. وفي "الميزان": وهو صالح الحديث، ماله عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة، والأشعار المكذوبة. ثُمَّ توسَّع في ترجمته، فعرض عامة الأقوال فيها على اختلافها توثيقًا وتجريحًا، وردَّ على مَنْ كَذَّبه، أو نسبه إلى ما يقتضي رد حديثه مُطلقًا، أو شدة ضعفه، وفي نهاية عرضه للآراء، وما ذكره مِنْ الرُدود، قال: فالذي يظهر لي، أنَّ ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوقٌ، وما انفرد به ففيه نكارةٌ، فإنَّ في حفظه شيئاً، وقد احتج به الأئمة. وأمَّا في كتابه "السير" - الذي بَيَّضه بعد تأليفه للميزان بوقت قصير -، قال: وهذان الرجلان - يقصد ابن إسحاق، ومالك لما كان بينهما مما هو معروفٌ - كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثَّر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك، وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد مُنْكَرًا، هذا الذي عندي في حاله. وكلام الذهبي يُشير إلى اختياره تصحيح حديث ابن إسحاق في السير ونحوها، وتحسين حديثه في الأحكام، بشرط عدم الشذوذ. وقال ابن حجر: إمام المغازي، صدوقٌ، يُدَلِّس، ورُميَ بالتشيع، والقدر. - وقال ابن معين: ما أحب ان أحتج به في الفرائض. وقال مَرَّة أخرى: ليس بذاك، هو ضعيفٌ. وقال حمَّاد بن سلمة: لولا الاضطرار ما رويت عن ابن إسحاق شَيئًا. وقال أحمد: ليس بحجة. وقال أبو حاتم: ليس عندي في الحديث بالقوى، ضعيف الحديث، وهو أحب إلي من أفلح بن سعيد، يُكتب حديثه. وقال النَّسائيُّ: ليس بالقوي. وَقَال الدَّارَقُطنِيّ: اختلف الأئمة فيه وليس بحجة إنما يُعتبر به. - وقال الشافعي: مَنْ أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيالٌ على ابن إسحاق. وسُئل الزهري عن مرويات ابن إسحاق في المغازي والسير، فقال: هذا أعلم النَّاس بها. وقال أيضًا: مَنْ أراد المغازي فعليه بابن إسحاق. وأخرج البيهقي عن أبي العبَّاس الدغوليّ، قال: ابن إسحاق إمامٌ في المغازي، صدوقٌ في الرواية. - وقال الإمام أحمد: كثير التدليس جدًا، فكان أحسن حديثه عندي ما قال: أخبرني وسمعت. وقال ابْن أَبِي فديك: رَأَيْت ابن إِسْحَاق كثير التدليس، فإذا قَالَ: حدّثني، وأخبرني، فهو ثِقَةٌ. وقال ابن حبَّان: إِنَّمَا أُتِي مَا أُتِي لِأَنَّهُ كَانَ يُدَلس على الضُّعَفَاء، فَوَقع الْمَنَاكِير فِي رِوَايَته من قبل أُولَئِكَ، فَأَمَّا إِذا بَيَّن السماع فِيمَا يرويهِ فَهُوَ ثَبْتٌ يُحْتَج به. ووصفه بالتدليس الذهبي وغيره، وعدَّه العلائي وابن حجر في الطبقة الرابعة مِنْ المدلِّسين - التي اتفق العلماء على أنَّه لا يُحْتجُّ بحديثهم إلا بما صَرَّحوا فيه بالسماع لغلبة تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجهولين -؛ وعليه يكون المُعْتمد رَدُّ ما دلَّسه ابن إسحاق وإن لم يقدح في عدالته. (¬١) - فالحاصل: أنَّه "صدوقٌ، حسن الحديث، يُدلِّس، فلا يُحْتجُّ بروايته إلا ما صرَّح فيه بالسماع، مع تجنب ما شَذَّ به، أو وهم فيه، ولكنَّه يُقَدَّم في المغازي والسيرة عند الترجيح لإمامته فيهما.