حَتَّى نَأْخُذَ عَنْهُ، فَقَالَ: «مَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَقْرَبَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ». خامسًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن الأعمش، عن زَيْدِ بن وَهْبٍ إلا دَاهِرٌ الرَّازِيُّ. قلتُ: بل أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨٤٩٠)، مِنْ طريق عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاهِرٍ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْب، به، والله أعلم. خامسًا: - التعليق على الحديث: في الحديث فضيلة لابن مسعود جليلة لشهادة حذيفة له بأنه أشد الناس شبها برسول الله ﷺ في هذه الخصال، وفيه توقى حذيفة حيث قال: من حين يخرج إلى أن يرجع، فإنَّه اقتصر في الشهادة له بذلك على ما يمكنه مشاهدته، وإنما قال لا أدري ما يصنع في أهله؛ لأنه جوز أن يكون إذا خلا يكون في انبساطه لأهله يزيد أو ينقص عن هيئة رسول الله ﷺ في أهله، ولم يرد بذلك إثبات نقص في حق عبد الله ﵁. وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" من طريق زيد بن وهب، قال: سمعت ابن مسعود ﵁، قال: اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل. وسنده صحيح، ومثله لا يقال من قبل الرأي، فكأن ابن مسعود لأجل هذا كان يحرص على حسن الهدي. (¬١) وَمَا ورد فِي فضل ابْن مَسْعُود شَيْءٌ كثيرٌ جدًا، ويُزاد عليه بأنَّه عُني بتفقيه أهل الْكُوفَة، وتعليمهم الْقُرْآن من سَنَةِ بِنَاء الكُوفَة، إلى أَوَاخِر خلَافَة عُثْمَان ﵁، عناية لا مزِيد عَلَيْهَا، إِلَى أَن امْتَلَأت الكُوفَة بالقراء، وَالْفُقَهَاء الْمُحدثين، بِحَيْثُ أبلغ بعض ثِقَات أهل الْعلم عدد من تفقه عَلَيْهِ، وَعَلَى أَصْحَابه، نَحْو أَرْبَعَة آلَاف عَالم، حَتَّى إِن عَلّي بن أبي طَالب كرم الله وَجهه، لما انْتقل إِلَى الْكُوفَة سُرَّ من كَثْرَة فقهائها، وَقَالَ: رحم الله ابْن أم عبد، قد مَلأ هَذِه الْقرْيَة علما. وَفِي لفظ: أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، سُرُج هَذِه الْقرْيَة. (¬٢) * * * [١٣٠/ ٥٣٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ مِهْرَانَ أَبُو خَالِدٍ الْخَبَّازُ (¬١)، قَالَ: نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ (¬٢)، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: إِنَّ أُمَّكُمْ قَدْ جَاءَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَإِنَّهَا زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدُّنْيَا، وَزَوْجَتُهُ فِي الآخِرَةِ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي حَصِينٍ إلا أبو بَكْرِ بن عَيَّاشٍ. أولاً: - تخريج الحديث: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٩/برقم ١٠٠) - ومِنْ طريقه المزي في "التهذيب" (١٤/ ٥٣٣) -، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُسَاوِرٍ الْجَوْهَرِيُّ، به، دون قوله: إِنَّ أُمَّكُمْ قَدْ جَاءَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ. • وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٧١٠٠) ك/الفتن، ب/الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، مِنْ طريق يَحْيَى بن آدَمَ؛ والترمذي في "سننه" (٣٨٨٩) ك/المناقب، ب/مِنْ فَضْلِ عَائِشَةَ ﵂، والحاكم في "المستدرك" (٦٧١٨)، مِنْ طريق عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ؛ وأبو عُروبة الحَرَّاني في "أحاديثه" (٣١)، قال: حدَّثنا محمد بن العلاء؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٣/ ٤٥٩)، مِنْ طريق أحمد بن عبد الله بن يُونس. أربعتهم (يحيى، وابن مهدي، ومحمد بن العلاء، وأحمد بن عبد الله) عن أبي بَكْرِ بن عَيَّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الأَسَدِيُّ، قَالَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى البَصْرَةِ، بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنَا الكُوفَةَ، فَصَعِدَا المِنْبَرَ، فَكَانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ المِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ، وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ عَمَّارًا، يَقُولُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى البَصْرَةِ، وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ﵎ ابْتَلَاكُمْ، لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ». واللفظ للبخاري. وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. قلتُ: بل أخرجه البخاري. وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم. • وأخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٧٧٢) ك/المناقب، ب/فَضْلِ عَائِشَةَ ﵂، مِنْ طريق شعبة، وبرقم (٧١٠١) ك/الفتن، ب/الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، مِنْ طريق عبد الملك بن حميد بن أبى غنية، كلاهما (شعبة، وعبد الملك) عن الحكم بن عتيبة الكندي، قال: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ، عَمَّارًا، وَالحَسَنَ إِلَى الكُوفَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ، خَطَبَ عَمَّارٌ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا. واللفظ لشعبة. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) يَزيدُ بن مِهْرَان الأَسَدِيُّ، أَبُو خالد الخَبَّاز الكُوفيُّ. روى عن: أبي بكر بن عيَّاش، ويحيى بن يَمَان، ومحمد بن أسباط القرشيُّ، وآخرين. روى عنه: أحمد بن القاسم بن مُساور، وأبو حاتم الرَّازيّ، ومُطَيَّن، وآخرون. حاله: قال مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الحَضْرَميّ - مُطَيّنُ -، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم، وابن حجر: صدوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال: يُغْرِب. وقال ابن قانع: صالحٌ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (¬١) ٣) أَبُو بَكْر بنُ عَيَّاشِ الأَسَدِيُّ: "ثِقَةٌ عابدٌ، لمَّا كَبر ساء حفظه، وكتابه صحيحٌ"، تَقَدَّم في الحديث (٤٣). ٤) عُثْمَان بن عَاصِم بن حُصَيْن، ويُقال: عُثْمَان بْن عَاصِم بْن زَيْد، أَبُو حَصِين الأَسَدِيُّ الكُوفِيُّ. روى عن: عبد الله بن زياد، وسَمِع ابن عَبّاس، وسَعِيد بْن جُبَير، وشُرَيحًا، والشَّعبِيّ، وآخرين. روى عنه: أبو بكر بن عَيَّاش، وسَمِعَ منه الثَّورِيّ، وشُعبة، وابْن عُيَينَةَ، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأبو حاتم، والعِجْلِيُّ، ويعقوب بن شيبة، والنَّسائيُّ، وابن خراش: ثِقَةٌ. وزاد العِجْليُّ: وكان صاحب سُنَّةٍ. وقال ابن مهدي: لا ترى حافظًا يختلف على أبي حَصِين. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": مِنْ مُتْقِني الكوفيين. وقال الذهبي: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، صاحبُ سُنَّة. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، سُنِّيٌّ، رُبَّما دَلَّس. والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، سُنِّيٌّ". وقول ابن حجر: رُبَّما دلَّس، ليس له فيها سلفٌ. (¬٢) ٥) عَبدُ اللَّهِ بن زِيَاد، أَبُو مريم الأَسَديُّ الكوفيُّ. روى عن: الحسن بن علي بن أَبي طالب، وعبد الله بن مَسْعُود، وعمَّار بن ياسر ﵃. روى عنه: أشعث بن أبي الشعثاء، وشمر بن عطية، وأبو حَصِين عُثْمَان بن عاصم الأسديُّ، وآخرون. حاله: قال العِجْلِيُّ، والدَّارقطني، وابن حجر: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (¬٣) ٦) عمَّار بن ياسر العَنْسِيُّ، أَبُو اليقظان مولى بْني مخزوم، صاحب رسول اللَّهِ ﷺ، وأمه سُمَيَّه. روى عن: النبي ﷺ، وعن حذيفة بن اليمان ﵁. روى عنه: عبد الله بن زياد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وابن عبَّاس ﵃، وآخرون. أحدُ السَّابقين الأولين، والأَعْيَانِ البَدْرِيِّيْنَ. شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفّين سنة سبع وثمانين في ربيع وله ثلاث وتسعون سنة. وقال ابن حجر: وتواترت الأحاديث عن النَّبي ﷺ أنَّ عَمَّاراً تقتله الفئة الباغيةُ. (¬١)، وروى له الجماعة. (¬٢) ثالثًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ "صحيحٌ لذاته"، والحديث أخرجه البخاري - كما سبق -. رابعاً: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي حَصِينٍ إلا أبو بَكْرِ بن عَيَّاشٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامسًا: - التعليق على الحديث: قال الحافظ ابن حجر: قوله في الحديث: "لتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا" قيل: الضمير لعليٍّ، لأنه الذي كان عمار يدعو إليه، والذي يظهر أنه لله ﷿، والمرادُ بإتباع الله اتباعُ حكمه الشرعي في طاعة الإمام، وعدم الخروج عليه، ولعله أشار إلى قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (¬٣) فإنه أمرٌ حقيقيٌّ خُوطِبَ به أزواج النبي ﷺ، ولهذا كانت أم سلمة تقول: لا يحركني ظهر بعير حتى ألقى النبي ﷺ، والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير، وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس، وأخذ القصاص من قتلة عثمان، وكان رأي عليٍّ الاجتماعَ على الطاعة، وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه. (¬٤) وقال: ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع عليّ، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام، ولا أن تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة، فكان ذلك يعد من إنصاف عمَّار وشدة ورعه وتحريه قول الحق، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن أبي يزيد المديني قال: قال عمار بن ياسر لعائشة، لما فرغوا من الجمل: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم يشير إلى قوله تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، فقالت أبو اليقظان؟ قال: نعم، قالت: والله إنك ما علمتُ لقوال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك. (¬٥) * * * [١٣١/ ٥٣١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: نا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: