لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ (¬١)، ولا مُخْتَلِسٍ (¬٢)، ولا خَائِنٍ (¬٣) قَطْعٌ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن الزُّهْرِيِّ إلا يُونُسُ، ولا عن يُونُسَ إلا ابنُ وَهْبٍ، تَفَرَّدَ به: أبو مَعْمَرٍ. هذا الحديث مداره على يُونس بن يَزيد، واختُلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: يُونس بن يَزيد، عن الزُّهريِّ، عن أنس بن مالك ﵁. الوجه الثاني: يونس بن يَزيد، عن الزُّهْريِّ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: يُونس بن يَزيد، عن الزُّهْري، عن أنس بن مالكٍ ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" (٢٦١٢) بسنده مِنْ طريق الطبراني، عن أحمد بن القاسم، عن أبي مَعْمَر إسماعيل بن إبراهيم، قال: أملى عَليَّ عبد الله بن وهبٍ مِن حفظه، عن يونس بن يَزيد، به. والحديث ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (٣/ ٣٦٥) بإسناد الطبراني، ومتنه، وقوله، وعزاه إلى "الأوسط". • وأخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في "معجمه" (٩٥٣)، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (١٤٦٦)، والذهبي في "السير" (١٥/ ٤٨٨)، مِن عِدَّةِ طُرقٍ عن أحمد بن القاسم، به. وقال الذهبي: غَرِيبٌ جِدّاً، مع عدالة رُوَاته، فلا تَنْبَغِي الرِّواية إلا مِنْ كتاب، فإنِّي أَرَى ابنَ وَهْبٍ مع حِفْظه وَهِم فيه، وللمتن إسنادٌ غيرُ هذا. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن القاسم بن مُسَاوِر، الجَوهري: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠١). ٢) إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مَعْمَر بن الحسن الهُذَلي، أَبُو مَعْمَر القَطِيعِيّ الهَرَويّ. روى عن: عبد الله بن وهب، وابن عُيَيْنَة، وعبد الله بن المُبَارك، وآخرين. روى عنه: أحمد بن القاسم، والبخاري، ومسلم، والرّاَزيان، وآخرون. حاله: قال يحيى بن معين، وابن حجر: ثِقَةٌ مأمونٌ. وقال ابن سعد، وابن قانع: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال أبو حاتم: صدوقٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثِّقات". وقال الذهبي: ثَبْتٌ سُنِّيٌّ. (¬١) ٣) عَبد اللَّهِ بن وَهْب بن مُسْلم القُرَشيُّ، أبو مُحَمَّد المِصْرِي الفقيه. روى عن: يُونس بن يَزيد الأيليِّ، ومالك بن أنس، واللَّيث بن سعدٍ، وخلقٌ سواهم. روى عنه: إسماعيل بن إبراهيم، واللَّيث بن سعد، وعلي بن المديني، وخلقٌ. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، وابن سعد، وأبو زرعة، والنَّسائي، والخليلي: ثِقَةٌ. وقال أحمد: صحيحُ الحديثِ، يَفْصِل السَّمَاع مِن العرض، والحديثَ مِن الحديث، ما أَصَحَّ حَدِيثه وأَثْبَتَه. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديثِ صدوقٌ. وقال الذهبي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ حافظٌ عابدٌ. وروى له الجماعة. - وقال أبو زرعة: نظرتُ في نحو ثلاثين ألف حديثٍ مِن حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، لا أعلم أنِّي رأيتُ له حديثاً لا أصل له. وقال النَّسائي: ما أعلمه رَوَى عن الثقات حديثاً مُنْكراً. وقال ابن عدي: مِن أجلَّة النَّاس وثقاتهم، ولا أعلم له حديثاً مُنْكراً إذا حدث عنه ثقةٌ. - وقال ابن معين: ليس بذاك في ابن جُريج، كان يُستصغر. قال ابن رجب: لأنَّه سَمِعَ مِنه وهو صغير. وقال أحمد: في حديثه عن ابن جريج شيءٌ. قال أبو عوانة: صَدَقَ؛ لأنَّه يَأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره. - فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ ثَبْتٌ" في حديثه عن ابن جُريجٍ شيءٌ. (¬٢) ٤) يُونس بن يَزيد الأَيْليُّ، أبو يَزيد القُرَشِيُّ، مَولى مُعَاوية بن أَبي سُفْيَان. روى عن: الزُّهْري، ونافع مولى ابن عُمَر، وهشام بن عُرْوة، وآخرين. روى عنه: ابنُ وهبٍ، وابن المبارك، واللَّيث بن سعدٍ، وآخرون. حاله: قال العِجْليُّ، والنَّسائي: ثِقَةٌ. وقال ابن المبارك، وابن مهدي: كتابه صحيحٌ. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي في "الكاشف": أحد الأثبات. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، إلا أنَّ في روايته عن الزهري وهماً قليلاً، وفي غير الزهري خطأ. (¬٣) وروى له الجماعة. - وقال ابن المبارك: ما رأيتُ أحداً أَرْوَى للزهري مِنْ مَعْمَر، إلا أنَّ يونس أحفظ للمسند، لأنه كان يكتب. وقال يحيى بن معين: مَعْمَر ويُونس عالمان بحديث الزهري. وقال أيضاً: يُونس أسند عن الزهري. وقال أحمد ابن صالح: نحن لا نُقَدِّم في الزهري على يُونس أحداً. وقال أحمد: تَتَبَّعْتُ أحاديثَ يُونس عن الزهري فوجدتُ الحديث الواحد رُبَّمَا سَمِعَهُ مِن الزُّهْريِّ مِرَارًا، وكان الزُّهْري إذا قَدِمَ أيلة نَزَلَ على يُونس، وإذا سار إلى المدينة زامله يونس. وقال ابن حبَّان في "المشاهير": مِن مُتْقِني أصحاب الزهري. وقال المزي: صحب الزُّهْرِيّ ثنتي عشرة سنة، وقيل أربع عشرة سنة. وقال الذهبي في "السير": أكثر عن الزهري، وهو مِن رُفَعاء أصحابه. - وقال وكيعٌ: سيئ الحفظ. وقال: لقيتُ يُونس وذاكرته بأحاديث الزهري، وجهدت أن يُقِيم لي حديثاً فما أقامه. قال أحمد: سَمِعَ مِنْهُ وَكيعٌ ثلاثةَ أحاديث، ويونس كثير الخطأ عن الزهري، في حديثه مُنْكراتٌ عنه. قلتُ: أمَّا تضعيف وكيع له، فقد شَذَّ بقوله هذا كما قال الذهبي في "الميزان". وأمَّا كلام البعض في روايته عن الزهري، فمحمول على بعض الأحاديث التي انفرد بها، أو التي خالف فيها أقرانه، وهو مِمَّن يُحْتمل تفرُّده خاصة عن الزهري لطول ملازمته له، ولإتقانه وضبطه؛ وأمَّا المخالفة والغلط فهي لا تُساوي شيئاً بجانب ما روى، فقد أكثر عن الزهري كما سبق؛ لذا لم يتأخر الجمهور كابن معين، وابن المبارك، وابن حبَّان، والذهبي، وغيرهم، على ذكره في أصحاب الزهري والمُقَدَّمين فيه. وهذا هو ما ذهب إليه ابن حجر في "هدي الساري"، فقال: صاحب الزهري، وثَّقَه الجمهور مُطلقاً، وإنَّما ضَعَّفوا بعض روايته حيث يُخالف أقرانه أو يُحَدِّث مِن حفظه فإذا حَدَّث مِن كتابه فهو حجةٌ. وقال في "الفتح": كان مِن خواص الزهري المُلازمين له. (¬١) - فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ ثَبْتٌ، إمامٌ في الزهري وغيره" رُبَّما يُخالف إذا حَدَّث مِنْ حفظه، والله أعلم. (¬٢) ٥) محمد بن مُسْلم بن شهاب الزُّهْريُّ: "ثِقَةٌ، حافظٌ، مُتَّفَقٌ على جلالته، وإتقانه، لكنه مع ذلك يُرسل، ويُدلس؛ وتدليسه مقبولٌ، ومُحتملٌ ما لم يأت نافٍ لذلك"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ٦) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثانياً: - الوجه الثاني: يونس، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن أبيه. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢٥٩٢) ك/الحدود، ب/الخائن والمُنْتَهِب والمُخْتَلِس، قال: حدَّثنا محمَّد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمَّدُ بن عاصم بن جَعْفَر المِصْرِيُّ، قال: حدَّثنا المُفَضَّلُ بن فَضَالة، عن يُونُس بن يَزيد، عن ابن شِهَابٍ، عن إبراهيم ابن عبد الرَّحمن بن عوف، عن أبيه، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يقول: «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ». وأخرجه المزي في "تهذيب الكمال" (٢٥/ ٤٢٥)، بسنده مِن طريق المُفَضَّل بن فَضَالة، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد ابن ماجه): ١) محمد بن يحيى بن عبد الله الذُّهْلي: "ثِقَةٌ حافظٌ جليلٌ". (¬١) ٢) محمد بن عاصم بن جَعْفر المَعَافري: "ثِقَةٌ". (¬٢) ٣) المُفَضَّل بن فَضَالة بن عُبَيد المِصْري: "ثِقَةٌ فاضلٌ عَابدٌ". (¬٣) ٤) يُونس بن يزيد الأَيْلي: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ، إمامٌ" رُبَّما يُخالف إذا حدَّث مِن حفظه، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٥) محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري: "ثِقَةٌ، حافظٌ، مُتَّفَقٌ على جلالته، وإتقانه"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٦) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "ثِقَةٌ، ويُقال: له رُؤيَةٌ". (¬٤) ٧) عبد الرحمن بن عوف: "صحابيٌّ جليلٌ، وأحد العشرة". (¬٥) ثالثاً: - النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ هذا الحديث مداره على يُونس بن يزيد، واختُلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: يُونس بن يَزيد، عن الزُّهريِّ، عن أنس بن مالك ﵁. ولم يَروه عن يُونس بهذا الوجه إلا عبد الله بن وهب وقد حَدَّث به مِن حِفظه، كما سبق. الوجه الثاني: يونس بن يَزيد، عن الزُّهْريِّ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه ﵁. ولم يَروه عن يُونس بهذا الوجه إلا المُفَضَّل بن فَضَالة، وهو ثِقَةٌ كما سبق. والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية: أنَّ الوجه الأول قد رواه عبد الله بن وهبٍ عن يُونس بن يزيد، وابن وهبٍ مع إمامته وضبطه وإتقانه، لعلَّه قد وَهِمَ فيه لمَّا حدَّث به مِن حِفظه. وهذا هو ما ذهب إليه الإمام الذهبي ﵀، حيث أعلَّ الحديث برواية ابن وهب له مِن حِفْظه، فقال بعد أنْ أخرجه بسنده مِن طريق أحمد بن القاسم: غَرِيبٌ جِدّاً، مع عدالة رُوَاته، فلا تَنْبَغِي الرِّواية إلا مِنْ كتاب، فإنِّي أَرَى ابنَ وَهْبٍ مع حِفْظه وَهِم فيه، وللمتن إسنادٌ غيرُ هذا. (¬٦) قلتُ: وأهل الحديث قد يُعِلُّون بعض الأحاديث بعلة لا يُعِلون بها أحاديث أخرى، وهذا هو ظاهر كلام الإمام الذهبي ﵀. واستدل الذهبي على ذلك بقوله: وَللمَتْن إِسْنَادٌ غَيْرُ هَذَا. قلتُ: فالحديث قد أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤٩٨٤)، والدَّارقطني في "سننه" (٣٤١١)، كلاهما عن يُونُس بن عبد الأعلى، وابن حزم في "المحلى" (١١/ ٣٥٩ - ٣٦٠) مِن طريق سَحْنون، كلاهما (يونس، وسحنون) عن ابن وَهْبٍ، قال سَمِعْتُ ابن جُرَيْجٍ، يُحَدِّثُ عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابر، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَلا عَ لَى الْمُخْتَلِسِ وَلا عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ». فابن وهب لمَّا حدَّث بالحديث مِن حِفظه، كما في رواية الباب، عن يونس عن الزهري عن أنسٍ، وخالف فيه غيره حيث رواه المُفَضَّل بن فَضَالة عن يونس عن الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، وهو عند ابن وهبٍ مِن وجه آخر عن ابن جُريجٍ عن أبي الزبير عن جابر، استدل الإمام الذهبي بذلك على أنَّ ابن وهب لمَّا حدَّث بالحديث مِن حِفظه وَهِمَ فيه، والله أعلم. رابعاً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: وبناءً على كلام الإمام الذهبي فالحديث بإسناد الطبراني "شاذٌ"؛ لأجل ابن وهبٍ قد حَدَّث به مِن حفظه، مَعَ مُخالفته لما رواه غيره عن يونس بن يَزيد. بينما قال الحافظ ابن حجر: رِجَاله ثِقَاتٌ. (¬١) قلتُ: وليس هناك تعارضٌ بين كلام الحافظين الذهبي وابن حجر؛ فكلاهما أثبت ثقة رجاله، وظاهر كلام الحافظ ابن حجر أنَّه حكم عليه دون النَّظر في سلامة الحديث مِن الشذوذ والعلة، حيث قال: "رجاله ثقاتٌ"، ولم يقل "حديثٌ صحيحٌ، والفرق بينهما معلومٌ عند أهل هذا الفن، والله أعلم. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح بإسناد ابن ماجه: ومِن خلال ما سبق يَتبيَّن أنَّ الحديث بإسناد ابن ماجه عن عبد الرحمن بن عوفٍ "صحيحٌ لذاته". وقال البوصيري: هذا إسنادٌ صَحِيحٌ رِجَاله ثِقَاتٌ. وقال ابن حجر: رَوَاهُ ابن ماجه بإسنادٍ صَحِيحٍ. (¬٢) قلتُ: وحديث ابن ماجه يدلُ على أنَّ المُخْتَلس ليس عليه قَطْعٌ؛ أمَّا المُنْتَهِب والخائن فليس عليه قَطْعٌ أيضاً لما رواه أبو الزبير عن جابرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ ولا عَلَى الْمُخْتَلِسِ ولا عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ». (¬٣) وحديث جابر "صحيحٌ" بمجموع طرقه وشواهده. قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. وقال الشوكاني: وهذه الأحاديث يُقوي بعضها بعضا. وقال ابن حجر: حديثٌ قويٌ، ثُمَّ أخرج طُرُقَه، وقال: فَقَوِى الحديث (أي بمجموع طرقه)، وقد أجمعوا على العمل به إلا من شذَّ. (¬٤)