قَدَّمَ أَهْلَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن زكريا، العَابِديُّ: "مجهول الحال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩٦). ٢) سَعيد بن عَبْد الرَّحْمَنِ المَخْزومي: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩٩). ٣) بِشْر بن السَّرِيُّ البَصْرِيّ: "ثِقَةٌ مُتْقنٌ"، وقال ابن عدي: له غَرَائِبُ مِن الحديث عن الثَّوْريّ وَمِسْعَر وغيرهما، وهو حَسَنُ الحديث مِمَّنْ يُكْتَب حَدِيثُهُ، ويقع فِي أحاديثه مِنَ النُّكرة، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٤) سُفيان الثوري: "ثِقَةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٦). ٥) حبيب بن أَبي ثابت، أبو يحيى الكوفي. روى عن: عطاء بن أَبي رباح، وسَعِيد بن جبير، وعبد اللَّه بْن عُمَر ﵃، وآخرين. روى عنه: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وعطاء بن أَبي رباح، وآخرون. حاله: قال العجلي: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ في الحديث. وقال ابن معين، والنَّسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أبو حاتم: صدوقٌ ثقةٌ. وقال ابن حبَّان: من خيار الكوفيين ومُتْقِنيهم على تدليس فيه. وقال العقيلي: له عن عطاء أحاديث لا يتابع عليها، ونقل ذلك عن القطَّان. روى له الجماعة. ووصفه ابن حبَّان، وابن خزيمة، والبيهقي بالتدليس، وذكره العلائي وغيره ضمن أسماء المدلسين، وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة مِن مراتب المدلسين، وقال: يُكْثر مِنْ التدليس. والحاصل: ما قاله الحافظ ابن حجر: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس. (¬١) ٦) عطاء بن أبي رَبَاح: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ فَاضلٌ كثير الإرسال"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٧). ٧) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب ﵃: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانياً: - الوجه الثاني: الثوري، عن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن الحَسَن العُرَنِيِّ، عن ابن عَبَّاس. أ تخريج الوجه الثاني: ورواه عن سُفْيان بهذا الوجه جماعة، كالآتي: • فأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢٨٩٠)، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ (¬٢) بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ (¬٣) مِنْ جَمْعٍ (¬٤)، فَجَعَلَ يَلْطَحُ (¬٥) أَفْخَاذَنَا وَيَقُولُ: «أُبَيْنِيَّ (¬٦)، لا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». • وأخرجه الحُميدي في "مُسْنده" (٤٧٠)، عن سُفيان الثوري، ومِسْعَر، كلاهما عن سلمة، بنحوه. • وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (١٣٧٥٥) - ومِن طريقه ابن ماجه في "سننه" (٣٠٢٥) ك/الحج، ب/مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ جَمْعٍ لِرَمْيِ الْجِمَارِ -، وأحمد في "مسنده" (٢٠٨٢، ٢٠٨٩)، كلاهما عن وكيع بن الجرَّاح، عن سُفيان، به، بلفظ الطيالسي، وعند أبي بكرٍ بنحوه. • وأحمد في "مسنده" (٢٨٤١)، عن روح بن عُبادة القيسيّ، عن الثوري، بلفظ الطيالسي، وفيه زيادة. • وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣١٩٢)، والبغوي في "شرح السنة" (١٩٤٢)، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، به، وبلفظ الطيالسي، وفيه زيادة. • أبو داود في "سننه" (١٩٤٠) ك/الحج، ب/التَّعْجِيل مِنْ جَمْعٍ - ومِن طريقه البغوي في "شرح السنة" (١٩٤٣) -، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣٩٨٠)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٨٦٩)، عن محمد بن كثير العَبْديّ، عن الثوري، بلفظ الطيالسي. وقال أبو داود: اللَّطْح: الضَّرْبُ اللَّيِّنُ. • والنَّسائي في "السنن الكبرى" (٤٠٥٦) ك/الحج، ب/النَّهْي عن رَمْي جَمْرَة العَقَبة قبل طُلُوع الشَّمس، وفي "الصغرى" (٣٠٦٤) - ومِن طريقه الطحاوي في "شرح المشكل" (٣٥٠٢) -، مِن طريق سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن الثوري، به. • والطحاوي في "شرح المُشْكل" (٣٥٠٠)، وفي "شرح معاني الآثار" (٣٩٨١)، وفي "أحكام القرآن" (١٤٤٩)، والطبراني في "الكبير" (١٢٦٩٩)، مِن طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين، عن الثوري، به. • والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣٩٧٩)، وفي "أحكام القرآن" (١٤٤٨)، عن يحيى بن عيسى النَّهْشليّ، عن الثوري، به. • والطحاوي في "شرح المعاني" (٣٩٨٣)، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخْلد النَّبيل، عن الثوري، به. • وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٩٥٦٤)، مِن طريق عبد الرزاق الصنَّعانيّ، عن الثوري، به. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي): ١) عبد الرحمن بن مهدي: "ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارفٌ بالرجال والحديث". (¬١) قال ابن معين، وابن المديني، وأحمد: عبد الرحمن بن مَهْدي مِن أثبت أصحاب سُفْيان الثوري. (¬٢) ٢) سُفْيان الثوري: "ثِقَةٌ حافظٌ فَقِيهٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٦). ٣) سلمةُ بن كُهَيل الحضرميُّ: "ثِقَةٌ". (¬٣) ٤) الحسنُ بن عبد الله العُرَنِيُّ: "ثِقَةٌ، أرسل عن ابن عبَّاس". (¬٤) ٥) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب ﵃: "صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سلف يتبيَّن أنَّ الحديث مَداره على سُفْيان الثوري، واختلف عنه مِن وجهين: الوجه الأول: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁. وهذا الوجه لم يَروه عن سُفْيان إلا بِشْر بن السَّرِي؛ وهو وإنْ كان ثقةً، إلا أنَّ ابن عدي قد تكلم في روايته عن الثوري، بما يقتضي نكارة روايته عنه خاصة عند المخالفة، والانفراد، كما سبق. الوجه الثاني: سُفْيَان الثوري، عن سَلَمَة بن كُهَيْل، عن الحَسَن العُرَنِيِّ، عن ابن عَبَّاس ﵁. بينما رواه عن سُفْيان بهذا الوجه جماعة، خاصة وفيهم: وكيع بن الجرَّاح، وعبد الرحمن بن مهدي، والفضل بن دُكين، وهؤلاء مِنْ أثبت النَّاس في سُفْيان الثوري (¬١)، فكيف إذا انضم إليهم غيرهم؟! وعليه فالذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو المحفوظ عن سُفْيان الثوري؛ للقرائن الآتية: ١) الأكثرية، والأحفظية: فرواة الوجه الثاني أكثر عددًا، وأعلى حفظًا وضبطًا مِنْ رواة الوجه الأول. ٢) إخراج ابن حبَّان لهذا الوجه في "صحيحه". ٣) ترجيح الأئمة لهذا الوجه: قال الإمام أبو موسى محمد بن عُمر المديني: هذا الحديث محفوظ من حديث الثوري، رواه محمد بن كثير وأبو نعيم وغيرهما عنه - أي بالوجه الثاني -. (¬٢) رابعاً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِن خلال ما سبق يتبيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "شاذٌ"؛ لأجل بِشْر بن السُّرِيّ "ثقةٌ"، لكنَّه انفَرَد به عن الثوري بالوجه الأول، مع مخالفته لما رواه الثقات مِن أصحاب سُفْيان الثوري - كما سبق -. تنبيه: الحديث وإنْ كان غير محفوظ برواية الثوري؛ لكنَّه قد ثبت عن حبيب بن أبي ثابت مِن غير طريق الثوري: فأخرجه أبو داود في "سننه" (١٩٤١) ك/الحج، ب/التَّعْجِيل مِنْ جَمْعٍ، مِن طريق حَمْزَة بن حَبِيب بن عُمارة الزَّيَّاتُ؛ وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٨) مِن طريق حَمَّاد بن شُعَيب؛ كلاهما (حمزة، وحمَّاد) عن حَبِيب بن أبي ثابت، عن عَطَاء، عن ابن عبَّاس، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ يَعْنِي: لا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». • بل وصح أيضاً مِن طُرقٍ أُخرى عن عطاءٍ: - فأخرجه الإمام مُسلمٌ في "صحيحه" (١٢٩٣/ ٣) ك/الحج، ب/ اسْتِحْباب تَقْديم دَفْع الضَّعَفَة مِنَ النِّسَاء وغيرهنَّ مِنْ مُزْدَلِفَة إلى مِنًى في أواخر اللَّيل قبل زحمة النَّاس، مِن طريق سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرو بن دِينار، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ». (¬٣) • وصح كذلك مِن طُرُقٍ أخرى عن ابن عبَّاس: • فأخرجه البخاري في "صحيحه" (١٦٧٨) ك/الحج، ب/مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَة أهله بِلَيْل، وبرقم (١٨٥٦) ك/ الحج، ب/حج الصبيان، ومسلم في "صحيحه" (١٢٩٣/ ١ - ٢) ك/الحج، ب/اسْتِحْباب تَقْديم دَفْع الضَّعَفَة مِنَ النِّسَاء وغيرهنَّ مِنْ مُزْدَلِفَة إلى مِنًى في أواخر اللَّيل قبل زحمة النَّاس، وغيرهما مِن طُرقٍ عن عُبَيْد اللَّهِ بن أبي يَزِيد، عن ابن عَبَّاس، بنحو رواية الباب. (¬١) ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح: ومِن خلال ما سبق يتضح أنَّ الحديث مِن وجهه الراجح "ضعيف"، فيه انقطاع؛ لأجل الحسن بن عبد الله العُرَني لم يسمع مِن ابن عبَّاس ﵁. إلا أنَّ الحديث بجزئه الأول - في قُدوم الضعفة مِن المزدلفة إلى مِنى بليلٍ - له مِن المتابعات والشواهد في "الصحيحين"، وغيرهما، وقد سبق ذكرها، فيرتقي إلى "الصحيح لغيره". وأمَّا الحديث بجزئه الثاني فله عِدَّة مُتابعات، مِن أمثلها: • ما أخرجه الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، وَقَالَ: «لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». (¬٢) وقال الترمذي: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يَتَقَدَّمَ الضَّعَفَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ يَصِيرُونَ إِلَى مِنًى. وقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ لَا يَرْمُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَرَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي أَنْ يَرْمُوا بِلَيْلٍ، وَالعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ لَا يَرْمُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. • وكذلك ما أخرجه أبو داود مِن طريق حبيب بن أبي ثابتٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس، كما سبق. • وكل طريق مِن الطرق السابقة لا يخلو كل واحد منها من الضعف، قال ابن حجر (¬٣): وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا ومن ثم صححه الترمذي وابن حبَّان. ثُمَّ قال: ويُحمل الأمر في هذا الحديث على الندب. قلتُ: وذلك لما صحَّ عن أسماء بنت أبي بكرٍ أنها كانت ترجم قبل طلوع الشمس، وتبين أنَّ رسول الله ﷺ أذن بذلك. (¬٤)