إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن مَعْمَرٍ، عن قتادة إلا ابنُ المبارك. هذا الحديث مَداره على مَعْمر، واختُلف عنه على وجهين: الوجه الأول: مَعْمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁. الوجه الثاني: مَعْمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: مَعْمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه عبد الله بن المُبارك - برواية يحيى بن محمد بن صاعد، عن الحسين بن الحسن المَرْوَزي، عن ابن المبارك - في "الزهد" (٤٨٨)، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، به. • وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦٢٣٤) عن محمد بن علي الصائغ، عن محمد بن مُقاتل المَرْوزي؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٨٨)، و"الاستذكار" (٢٧/ ٢١٦)، مِن طريق سويد بن نصر. كلاهما (محمد بن مقاتل، وسويد بن نصر) عن عبد الله بن المبارك، به. وقال يحيى بن صاعد: لا أعلمُ رَوَى هذا الحديث عن مَعْمَرٍ إلا ابن المُبَارك. وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن مَعْمَرٍ، عن قتادة إلا ابن المبارك. ب مُتابعات للوجه الأول: لقد تُوبع مَعْمر في هذا الحديث عن قتادة: • فأخرج البزار في "مسنده" (٧٢٧٨)، والطبراني في "مسند الشاميين" (٢٥٨٣)، كلاهما مِن طريقين عن سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن أنس، بنحوه. قلتُ: وسعيد، قال فيه ابن معين: عنده غرائب عن قتادة. وقال ابن نُمير: منكر الحديث، ليس بشيء، يروي عن قتادة المنكرات. وقال ابن حبَّان: رَدِيء الْحِفْظ فَاحش الْخَطَأ يَرْوِي عَن قَتَادَة مَالا يُتَابع عَلَيْهِ. (¬١) ت دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن زكريا بن علي بن الحسن، العَابِديُّ، المَكْيُّ. روى عن: الحُسَين بن الحَسَن المَرْوَزِيّ، والزبير بن بكار، وعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ فُلَيْحٍ الْمَكِّيُّ. روى عنه: أبو القاسم الطَّبراني، وعبد الباقي بن قانع، والعقيلي، وآخرون. حاله: ذكره المزي فيمَنْ روى عن الحُسين بن الحسن المَرْوَزي (¬١). ولم أقف له على ترجمة. فالحاصل: أنَّه "مجهول الحال". (¬٢) ٢) الحسين بن الْحَسَن بن حرب، أَبُو عَبْد اللَّه المَرْوَزِيّ، صاحب ابن المبارك. روى عن: عبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مَهْدي، وابن عُيَيْنة، وآخرين. روى عنه: أحمد بن زكريا العابدي، والتِّرْمِذِيّ، وابن ماجه، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، وابن حجر: صدوقٌ. وقال مسلمة بن القاسم، والذهبي: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". (¬٣) والحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ"؛ فأبو حاتم مُتشدد، ولعلَّ ابن حجر تبعه، ولم أقف فيه على جرحٍ. ٣) عَبد اللَّهِ بن المُبَارَك بن واضح الحنظليُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَرْوَزِيّ. روى عن: مَعْمَر بْن راشِد، وشعبة، والسفيانين، والنَّاس. روى عنه: الحسين المَرْوَزي، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي، والنَّاس. حاله: قال العِجْلي: ثِقَةٌ ثَبتٌ. وقال عبد الرحمن بن مهدي: الأئمة أربعة، وذكر منهم ابن المبارك. وقال أبو إسحاق الفَزَاريُّ: إمام المسلمين. وقال أبو حاتم، وابن المديني: ثقةٌ إمامٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيْهٌ عالمٌ جَوَّادٌ مُجاهدٌ جُمِعَت فيه خِصَال الخَيْر. وروى له الجماعة. (¬٤) ٤) مَعْمَر بن رَاشد: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ، له أوهامٌ مَعْروفةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٣). ٥) قتادة بن دِعَامة السَّدُوسيُّ: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَاضِلٌ، كان يُدَلِس، ويُرسل كثيراً". تَقَدَّم في (٧٥). ٦) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكثرٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (١٠). ثانياً: - الوجه الثاني: مَعْمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: رواه عن مَعْمر بهذا الوجه جماعة، كالآتي: • فأخرجه عبد الرَّزَّاق في "مصنَّفه" (٢١٨٣) - ومِنْ طريقه ابن الجعد في "مسنده" (٢٨٨٩/ ٢)، وأحمد في "مسنده" (١٢٦٤٥)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (١٢٨٨) -، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ، ثُمَّ صَلُّوا». • وأبو يعلى في "مسنده" (٣٦٠٢)، عن عُبيد الله بن عُمر القَواريري، عن يزيد بن زُرَيع، عن مَعْمَر، بنحوه. ب متابعات للوجه الثاني: لقد تُوبع مَعْمر في هذا الحديث عن الزهري؛ تابعه جماعة، كالآتي: • فأخرجه الحميدي في "مسنده" (١٢١٥)، وابن الجعد في "المسند" (٢٨٨٩/ ١)، وابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٧٩١٢)، وأحمد في "مسنده" (١٢٠٧٦) - ومِن طريقه أبو عوانة في "المُستخرَج" (١٢٢٠) -، والدارمي في "مسنده" (١٣١٨)، ومسلم في "صحيحه" (٥٥٧/ ١) ك/المساجد، ب/كراهة الصَّلَاة بِحَضْرة الطَّعام الذي يُرِيد أكْله في الحال، وابن ماجه في "سننه" (٩٣٣) ك/إقامة الصلاة، ب/إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَوُضِعَ الْعَشَاءُ، والترمذي في "سننه" (٣٥٣) ك/الصلاة، ب/ما جاء إذا حَضَر العَشَاءُ وَأقِيمَت الصَّلَاةُ فابدءُوا بِالعَشَاءِ، والبزار في "مسنده" (٦٢٧٤)، والنسائي في "الكبرى" (٩٢٨) ك/الصلاة، ب/العذر في ترك الجماعة، وفي "الصغرى" (٨٥٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٣٥٤٦ و ٣٥٤٧ و ٣٥٩٨)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٩٣٤ و ١٦٥١)، وأبو عوانة في "المُستخرَج" (١٢٨٦/ ١ - ٢)، والطحاوي في "شرح المشكل" (١٩٩٠)، وأبو سعيد ابن الأعرابي في "معجمه" (١٩٢٦)، وابن سمعون الواعظ في "أماليه" (١٩٥)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" (١/ ١٢٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٥٠٣٢)، وفي "المعرفة" (٥٦٥١)، والخطيب في "تاريخه" (٨/ ٦٧١)، والبغوي في "شرح السنة" (٨٠٠)، والذهبي في "معجم شيوخه" (١/ ٢٢٦). كلهم من طرقٍ عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك ﵁. وقال الترمذي: حَدِيثُ أَنَسٍ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكم: هَذِهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا. • وأخرجه البخاري - وغيره - في "صحيحه" (٦٧٢) ك/ الآذان، ب/ إذا حَضَر الطَّعام وأقيمت الصَّلاة، مِنْ طريق عُقيل بن خالد الأيليُّ، عن الزهري، عن أنس، بنحوه. • وأخرجه مسلم - وغيره - في "صحيحه" (٥٥٧/ ٢) ك/المساجد، ب/كراهة الصَّلَاة بِحَضْرة الطَّعام الذي يُرِيد أكْله في الحال، مِن طريق عمرو بن الحارث الأنصاري، عن الزهري، عن أنس، بنحوه. ت دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد عبد الرَّزَّاق): ١) مَعْمَر بن رَاشد: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ، له أوهامٌ مَعْروفةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨٣). ٢) محمد بن مُسْلم بن شهاب الزُّهْريُّ: "ثِقَةٌ حَافظٌ مُتَّفَقٌ على جلالته واتقانه وإمامته، لكنه يُرسل، ويُدَلِّس؛ إلا أنَّ مراسيله يُمكن قبولها والاحتجاج بها، وتدليسه مُحْتَمَلٌ ما لم يأت نافٍ لذلك"، تقدَّم في الحديث (١٠). ٣) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ، جليلٌ، مُكثرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثالثاً: - النظر في الخلاف على الحديث: مِمَّا سبق عرضه يتبيَّن لنا أنَّ هذا الحديث مَداره على مَعْمر، واختُلف عنه على وجهين: الوجه الأول: مَعْمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁. ولم يروه عنه بهذا الوجه إلا عبد الله بن المُبارك، كما قال ابن صاعدٍ، والطبرانيُّ؛ وتُوبع مَعْمَر على رواية هذا الوجه عن قتادة، تابعه سعيد بن بشير، لكنَّ هذه المُتابعة لا يُعْتبر بها، لضعف سعيدٍ، ولنكارة حديثه عن قتادة - قاله غير واحدٍ مِن أهل العلم، كما سبق -. الوجه الثاني: مَعْمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك ﵁. بينما رواه عنه بهذا الوجه اثنان مِن الثقات وهما: عبد الرَّزَّاق الصنعاني، ويزيد بن زُريع؛ وقد تُوبع مَعْمَر على روايته هذا الوجه عن الزهري، تابعه جماعة، منهم: سفيان ابن عُيَيْنَة أخرج روايته الإمام مسلمٌ وغيره، وعُقيل بن خالد أخرج روايته البخاري وغيره، وعمرو بن الحارث أخرج روايته مسلمٌ وغيره. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأقرب إلى الصواب؛ للقرائن الآتية: