(مُرْسلاً). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الوجه الأول انفرد بروايته عبد الله بن المُؤمَّل عن ابن أبي مُلَيْكة، وابن المُؤَمَّل "ضَعيفُ الحديث". وأمَّا الوجه الثاني فقد رواه ابنُ جُريجٍ وهو "ثِقَةٌ مُتْقِنٌ" وقد صرَّح بالتحديث، إلا أنَّ الإسناد إليه فيه مبهمٌ، فقد قال عبد الرَّزَّاق: عن بعض أصحابنا. قلتُ: لكنهم جماعة يقوي بعضهم بعضا. ٢) بالإضافة إلى أنَّ الموصول عدَّه ابن عدي والذهبي مِن مناكير ابن المُؤَمَّل. ثالثاً: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "مُنكرٌ"؛ لأجل عبد الله بن المُؤَمَّل "ضعيف الحديث"، وقد انفرد به؛ لذا عدَّه ابن عدي والذهبي مِنْ مناكيره، وقال ابن عدي: غير محفوظ. وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الكبير"، و"الأوسط"، وفيه عَبْدُ اللَّهِ بن المُؤَمَّل، وَثَّقَهُ ابن حِبَّان، وقال: يُخْطِئُ، وَوَثَّقَهُ ابن معين في رِوَايَةٍ، وَضَعَّفَهُ جماعة. (¬١) قلتُ: وابن حبَّان قد ذكره في "المجروحين" وضَعَّفه، وإنَّما ذكره في "الثقات" ظنًا منه أنَّه شخصٌ آخر غير صاحبنا، ولذا تعقبه الحافظ ابن حجر كما سبق في دراسة الإسناد، والله أعلم. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح (إسناد عبد الرَّزَّاق): والحديث بإسناد عبد الرَّزَّاق "ضعيفٌ"؛ لإرساله، ولإبهام الرواة عن ابن جُريج، ولكنهم جماعة. شواهد للحديث: وللحديث شواهدٌ، مِنْ أمثلها (¬٢): • ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٩٠١)، عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي السَّوَادِ، عَنْ ابْنِ سَابِطٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَاوَلَ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ الْمِفْتَاحَ مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ. قلتُ: وهذا مُرْسلٌ رجاله ثقاتٌ، وابن سابط هو: عبد الرحمن، وأبو السَّواد هو: عمرو بن عِمْران النهدي، وسُفيان: أظنه الثوري، والله أعلم. • وأخرج أبو الوليد الأزرقي في "أخبار مكة" (٣١٤) - ومن طريقه الواحدي في "التفسير" (٢/ ٧٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٨/ ٣٨٩) -، عن سَعِيد بن سالم، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجَاهِد في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (¬١) قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حِينَ قَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ وَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاحَ، وَقَالَ: «خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلا ظَالِمٌ». قلتُ: وهذا مُرسلٌ ضعيفٌ؛ فيه: سعيد بن سالم القَدَّاح قال الحافظ ابن حجر: "صدوقٌ يَهِمُ" (¬٢). وابن جُرَيْج يُدلس وقد عنعنه. وأمَّا مراسيل مُجاهد، فقال عنها يَحيى القَطّان: مُرسلات مُجاهد أحبُّ إليَّ مِن مُرسلات عَطاء بكَثِير. وبنحوه قال ابن المديني، وأبو داود. (¬٣) وهو إمام في القراءة والتفسير، حُجَّةٌ (¬٤) فروايته لهذا الحديث يقوى حال الحديث إذا سَلِمَ الإسناد إليه. إلا أنَّ هذا الشاهد عن مُجاهد لا يُقوي روايتنا من الوجه الراجح - عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة - أخشى - والله أعلم - أن يكون ابن جُريج سمعه من ابن أبي مُليكة عن مُجاهد، فرواه مَرَّة عن ابن أبي مُليكة مُرسلاً، ثُمَّ دلَّسه مَرَّة عن مُجاهد؛ فقد صرَّح بالسماع من ابن أبي مُليكة، ورواه بالعنعنة عن مُجاهد. (¬٥) تنبيه: ثَبَتَ في "الصحيح" أنَّ المفتاح كان مع عثمان بن طلحة، وأخذه منه النَّبيُّ ﷺ يوم الفتح: فأخرج الإمام مسلمٌ في "صحيحه" (١٣٢٩)، ك/الحج، ب/اسْتِحْبَاب دُخُولِ الكعبة للحَاجِّ وغيره والصَّلاة فيها والدُّعاء في نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، عن أيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى نَاقَةٍ لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَقَالَ: «ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ»، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللهِ، لَتُعْطِينِهِ أَوْ لَيَخْرُجَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِي، قَالَ: فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ. وفي بعض طرق الحديث أنَّ عُثمان بن طلحة كان فيمن دخل الكعبة يومها مع النَّبي ﷺ: - فأخرج البخاري في "صحيحه" (١٥٩٨)، ك/الحج، ب/إغلاق البَيْتِ ويُصَلِّي في أيِّ نواحي البَيْتِ شاء، عن ابن شِهَابٍ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيه، أَنَّهُ قال: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلجَ، فَلَقِيتُ بِلالا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ. - وأخرج الإمام مُسلمٌ في "صحيحه" (١٣٢٩)، ك/الحج، ب/اسْتِحْبَاب دُخُولِ الكعبة للحَاجِّ وغيره، والصَّلاة فيها والدُّعاء في نَوَاحِيهَا كُلِّهَا، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلالا، حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ - وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ - ثُمَّ صَلَّى. رابعاً: - النظر في كلام المصنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصنِّف ﵁: لم يَرْوِه عن ابن أبي مُلَيْكَة إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بن المُؤَمَّل، تَفَرَّدَ به: مَعْنُ. قلتُ: مِنْ خلال ما سبق في التخريج يتضح جلياً صحة كلام المُصنِّف ﵁. خامساً: - التعليق على الحديث: اشتهر في كتب التفسير أنَّ هذا الحديث هو سبب نزول قول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (¬١) قال أبو جعفر الطبري: اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية: فقال بعضهم: عني بها ولاة أمور المسلمين. وقال آخرون: الذي خوطب بذلك النبيّ ﷺ في مفتاح الكعبة، أمر برَدّها على عثمان بن طلحة. قال: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قولُ من قال: هو خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وَعظ به الرعية بقوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (¬٢) فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة. (¬٣) وقال ابن كثير (¬٤): وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح، ثم رده عليه. وهذا من