قال: "مَنْ أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ … "؟ قال أبي: هذا خطأٌ؛ إنما هو: العلاء ابن المسيَّب، عن يُونُسَ بن خَبَّاب، عن أبي سَعِيدٍ ﵁، مُرسَلاً، مَرْفُوعاً. (¬١) الوجه الرابع: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُس بن خَبَّاب، عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْريّ ﵁ (مَوْقُوفًا). وقال أبو حاتم: والناسُ يَضْطَرِبون فِي حَدِيثِ الْعَلاءِ بْنِ المسيَّب، ثُمَّ ذكر أوجه الخلاف فيه. قال ابن أبي حاتم: قلتُ لأبي: فأيُّهما الصَّحيحُ مِنْهُمَا؟ قال: هو مُضْطَرِبٌ، فأعدتُّ عليه، فلم يزدني على قوله: هو مُضطَرِبٌ. ثُمَّ قال: العلاءُ بن المسيَّب، عن يُونُسَ بن خَبَّاب، عن أبي سَعِيدٍ، مَوْقُوفاً مُرسَلاً أشبهُ. (¬٢) الوجه الخامس: العَلاء بن المسيَّب، عن أبيه، عن أبي هُرَيرة ﵁ (مرفوعًا). الوجه السادس: العَلاء بن المسيَّب، عن أَبِيهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (مَوْقُوفًا). قلتُ: ومِمَّا سبق يتبيَّن صعوبة الترجيح بين هذه الأوجه؛ لذا اختلفت فيها أقوال الأئمة، فأبو حاتم الرازي مَرَّة رَجَّحَ الوجه الأول، ومَرَّة رَجَّحَ الوجه الثالث، ومَرَّة رَجَّحَ الوجه الرابع، ووافقه أبو زرعة على ترجيح الوجه الأول، وحكم أبو حاتم أيضاً على الحديث مِنْ رواية العلاء بن المُسيَّب بالاضطراب، بل ولمَّا أعاد عليه ابنه عبد الرحمن السؤال ما زاده على قوله مُضطربٌ. قلتُ: ولعلَّ مراد أبي حاتم وأبي زرعة مِنْ تصحيحهم للوجه الأول، هو: شهرته عن خلف بن خليفة، لكثرة مَن رواه عنه، بخلاف الأوجه الأخرى، لذا قال ابن عدي: وهذا يُعرف بخلف بن خليفة، عن العلاء. (¬٣) والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني لعلَّه الأقرب إلى الصواب؛ لكون رواته أكثر وأثبت مِن رواة الأوجه الأخرى، ولعله الوجه الثالث أيضاً لثقة راويه، وإلا فهو مضطرب كما قال أبو حاتم. أمَّا الوجه الأول فَرَاويَتُه اختلط، ولم تتميز روايته. ثامنًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني ﵁: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني - بالوجه المرفوع - "منكرٌ"، لتفرد عبد الرَّزَّاق عن الثوري برفعه، ولم يُتابعه أحدٌ مِن أصحاب الثوري، مع مخالفته لما رواه غيره (موقوفًا). وقال الذهبي: عبد الرّزّاق راوية الإسلام، وهو صدوق في نفسه، وحديثه محتجٌ بِهِ في الصِّحاح، ولكن ما هُوَ مِمّن إذا تفرّد بشيء عُدّ صحيحًا غريبًا، بل إذا تفرّد بشيء عُدّ مُنْكَرًا. ب الحكم على الحديث مِن وجهه الراجح: على فرض أنَّ الأقرب للصواب هو الوجه الثاني، "فإسناده ضعيف"، في إسناده مبهم، ولو قلنا بالوجه الثالث فهو "ضعيفٌ" أيضاً؛ لإرساله كما قال أبو حاتم، ولو قلنا بالوجه الرابع فهو كسابقه "ضعيفٌ" لإرساله، وهو موقوفٌ أيضاً. ولو قلنا بالوجه الأول فهو "ضعيفٌ" أيضاً لاختلاط راويه، وعدم تميز روايته، هل رواه قبل أم بعد الاختلاط؟، والحديث مُتوقفٌ أيضاً على ثبوت سماع المُسيَّب بن رافع مِن أبي سعيد الخدري ﵁. وعلى كل حال فالإسناد مِن جميع وجوهه المحتملة "ضعيفٌ"؛ والحديث فيه عِلةٌ أخرى، وهى مخالفته لما أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ "، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَا ئِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». (¬١) ولمخالفته ما أجمع عليه علماء الأمة، قال الإمام النووي: وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا مرة واحدة بأصل الشرع وقد تجب زِيَادَة بِالنَّذْرِ. (¬٢) لذلك تتابع العلماء بالحكم عليه بالضعف والبطلان، كالآتي: - قال أبو حاتم: اضطراب الناس في حديث العلاء بن المسيب، فقال له ابنه: فأيها الصحيح منها؟ قال هو مضطرب، فأعاد عليه، فلم يزده على قوله: هو مضطرب. (¬٣) - وقال الدارقطني - بعد ذكره للأوجه المُختلف فيه على العلاء بن المُسيَّب -: وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ. (¬٤) - وقال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قُلْنَا رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ فَكَيْفَ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ. (¬٥) - وقال القرطبي: وقال بعض الناس: يجب الحج في كل خمسة أعوام مرة، ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي ﷺ، والحديث باطلٌ لا يصح، والإجماع صادٌ في وجوههم. (¬٦) وفي المقابل نجد بعض أهل العلم قد أخذوا بظاهر الإسناد وحكم على الحديث بالصحة، كالآتي: - فقد أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" - كما سبق في التخريج -، وبوَّب عليه ابن بلبان، فقال: ذِكْرُ الإِخبار عن إثبات الحرمان لمن وسَّعَ اللَّهُ عليه، ثُمَّ لم يَزُر البيت العَتِيق في كلِّ خَمْسَة أعوام مَرَّة. وقال محققه الشيخ/ شُعيب الأرنؤوط: حديثٌ صحيحٌ رجاله ثقات رجال الشَّيخين غير خلف بن خليْفَة، فمن رجال مُسلم، وقد اختلط قبل موته، ولكن تابعه سُفيان الثَّوري. - وقال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "خَمْسَة أَعْوَامٍ"، وَرِجَالُ الْجَمِيعِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. (¬١) - وقال الملا علي القاري (¬٢): رَوَاهُ أبو يَعْلِي في "مُسْنَدِهِ" وَابْنُ حِبَّانِ بِسَنَدٍ صَحِيْحٍ. وقال محققه الشيخ/ الحويني - حفظه الله ورعاه -: هذا حديثٌ حسنٌ إن شاء اللَّه … ثم تكلم على طُرقه … وقال في ختامه: لعل الحديث بمجمُوع هذه الطُّرق يصلُح لقيام الحُجَّة به. - وقال الشيخ/ الألباني - بعد أنْ ذكر الحديث مِن رواية أبي سعيد، وأبي هريرة -: إنَّ الحديثَ صحيحٌ قطعًا بمجموع طرقه. (¬٣) شواهد للحديث: - وللحديث شاهدٌ عن أبي هريرة ﵁، وقد رُوِىَ عنه مِنْ طريقين: الأول: مِن طريق صَدَقَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وذكر الحديث بنحوه. وهذا وَهْمٌ مِن صدقة بن يزيد، فلا يُعتبر به. (¬٤) والثاني: أخرجه الخطيب في "الموضح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٢٦٦)، من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عباد بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مَنْ أَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ ثُمَّ لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي ثَلاثِ سِنِينَ أَوْ خَمْسِ سِنِينَ لَمَحْرُومٌ ". قَالَ عَوْنٌ يَعْنِي فِي الْحَجِّ. والحديث مِن هذا الوجه "مُنكرٌ"، لا يُعتبر به أيضاً، فلا يفيد الحديثَ بشيءٍ. (¬٥) - وله شاهد عن خَبَّاب بن الأرت ﵁: رواه أبو يعلى - كما في "المطالب العالية" (٦/ ٢٩٠/١١٤٠) - مِنْ طريق المَسْعُودِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ خَبَّابِ بن الأرت ﵁، مرفوعًا بنحو رواية الباب، بلفظ: "خمس سنين". قال البوصيري: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ راوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَالرَّاوِي عَنْهُ ضَعِيفٌ. (¬١) ثم إنَّ المسعودي قد خالف العلاء بن المسيب الذي سبقت روايته عن يونس بن خَبَّاب، عن أبي سعيد مرفوعاً وموقوفاً، والحديث معروف بالعلاء بن المسيَّب. (¬٢) تاسعًا: - النظر في كلام المُصنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصنِّف ﵁: "لَمْ يَرْفَعْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ". قلتُ: ووافقه ابن عدي، فقال: وقد رُوي عن الثَّوْريّ، عن العلاء - أي مرفوعًا -، وهو غريبٌ. (¬٣) - ومِن خلال ما سبق يَتَبَيَّنُ صحة ما قاله المُصنِّف ﵁، فلم يرفعه عن الثوري إلا عبد الرَّزَّاق. سادسًا: - التعليق على الحديث: قال ابن الجوزي في مقدمة كتابه "مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن": فإني كنت أتوق إلى مكة قبل الحج؛ فداويت هذا الداء بالقصد، فزاد الشوق بعد الرجوع على الحد، وعلمت أن كثرة الترداد لا تزيد إلا شوقاً، كما أن لقيا المحبوب لا تزيد نار الوجد إلا وقداً، ثم إنِّي صادفت من هو أشوق مني؛ فشغلني ما رأيت من وجده عني؛ فاتفقنا في أصل الشوق، وافترقنا في قدر التوق، فلمَّا رأيت الزمان لا يواتي على المطلوب؛ فشرعت في التعلل بذكر المحبوب. (¬٤) وقال البيهقي: قال عليُّ بن المُنْذِرِ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كَانَ حَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَبِهِ يَأْخُذُ، وَيُحِبُّ لِلرَّجُلِ الْمُوسِرِ الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْحَجَّ إِلَى خَمْسِ سِنِينَ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَقِيلَ لَهُ: كَمْ حَجَجْتَ؟، قَالَ: مَا بَيْنَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ إِلَى ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. (¬٥) قال الإمام السبكي (¬٦): اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ مُسْتَطِيعٍ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ؛ إلَّا مَنْ شَذَّ، فَقَالَ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ مَرَّةً، وَمُتَعَلَّقُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ» حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ: رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ فَكَيْفَ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا. فَقَالَ: لِكُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا. فَقَالَ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (¬١). وقال القرطبي: ولا خلاف في فريضته، وهو أحد قواعد الإسلام، وليس يجب إلا مرة في العمر. وقال بعض الناس: يجب في كل خمسة أعوام مَرَّة، ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي ﷺ، والحديث باطل لا يصح، والإجماع صاد في وجوههم. (¬٢) وقال المناوي: وقد اتفقوا على أن هذا القول من الشذوذ بحيث لا يُعْبأ به. (¬٣) * * * [٨٧/ ٤٨٧]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْخَلالُ، قَالَ: نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ [الْعَدَنِيُّ] (¬١)، قَالَ: نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ. عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ (¬٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». قَالُوا: لَسْنَا نَعْنِي مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ: «فَأَبُوهَا إِذًا». هذا الحديث مداره على مُعْتَمِر بن سُليمان، واختلف عليه فيه مِن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن أنس بن مالك ﵁. الوجه الثاني: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁. الوجه الثالث: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطويل، عن الحسن (مرسلاً). وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: مُعْتَمِر بن سُلَيْمَان، عن حُمَيد الطَويل، عن أنس بن مالك ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١٠١) في المقدمة، ب/فضل أبي بكر الصديق، والطبراني في "الأوسط" (٤٨٧) - ومِن طريقه الضياء في "المختارة" (١٩٤١) -، وأبو طاهر المُخَلِّص في "المُخَلِّصِيَّات" (٥٥٩) - ومِن طريقه الضياء في "المختارة" (١٩٣٩) -، مِنْ طُرقٍ عن الحسين بن الحسن، عن المُعْتَمِر، به. • وأخرجه ابن ماجة في "سننه" (١٠١) في المقدمة، ب/ فضل أبي بكر الصديق ﵁، والترمذي في "سننه" (٣٨٩٠) ك/المناقب، ب/مِن فَضْل عائشة، والبزار في "مسنده" (٦٥٥٨)، وابن عساكر في "تاريخه" (٣٠/ ١٣٦)، والضياء في "المختارة" (١٩٤٠)، مِنْ طُرُقٍ عن أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّيُّ، عن المُعْتَمِر، به. وقال الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وقال البزار: لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ حُميد، عن أنس، إلا المُعْتَمِر بن سُليمان، ولم نسمعه إلا من أحمد بن عَبْدَة. (¬٣) وقال ابن عساكر: قال الدارقطني: غريب مِن حديث حُميدٍ عن أنس، تفرَّد به المُعْتَمِر. • وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٦٧٣٩)، مِن طريق مُحَمَّد بن عَبْد الأَعلى، قال: وَجَدْتُ عِنْدِي فِي كِتَابِ سَمِعْتُهُ مِنَ المُعْتَمِرِ بن سُلَيْمَان، عن حُمَيْدٍ، عن أنس ﵁، وذكر الحديث. وقال الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَبِهِ يُعْرَفُ. وتعقبه الذهبي، فقال: غريبٌ جدًا. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) الحُسَين بن الحَسَن بن حَرب أَبُو عَبْد اللَّه المَرْوَزي، نَزيل مكة، صاحب ابن المبارك. روى عن: مُعْتَمِر بن سُليمان، وعبد الله بن المبارك، وابن عُيَيْنَة، وآخرين. روى عنه: أحمد بن عَمرو الخَلَّال، والتِّرْمِذِيّ، وأبو حاتم الرَّازي، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم الرازي، وابن حجر: صدوقٌ. وقال مَسْلمة الأندلسي: كان ثقةً. وقال الذهبي في "الكاشف": ثقةٌ عالمٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (¬١) ٣) مُعْتَمِر بن سُلَيْمان بن طَرْخَان التَّيْمِيّ (¬٢)، أَبُو مُحَمَّد البَصْرِيّ. روى عن: حُمَيد الطويل، وأبيه سُلَيْمان، ومنصور بن المُعْتَمِر، وآخرين. روى عنه: الحسين بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي، وابن سعد، وابن حجر: ثقةٌ. وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوق. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال: كان متيقظاً. وقال ابن معين: مِن أعلم الناس بحديث أبيه. وقال الذهبي: إمامٌ حُجّةٌ. - وقال ابن خِراش: صدوقٌ يُخْطئ مِن حفظه، وإذا حَدَّث من كتابه فهو ثِقَةٌ. وتَعَقَّبَه الذهبي بقوله: هو ثقةٌ مطلقا. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، أعلم النَّاس بحديث أبيه". وروى له الجماعة. (¬٣) ٣) حُمَيْد بن أبي حُمَيْد الطويل: "ثِقَةٌ"، وأمَّا تدليسه فخاص بروايته عن أنس، لكنَّه قد عُرِفَ الواسطة بينهما، وهو إمَّا ثابتٌ أو قتادة، وكلاهما ثقةٌ، وعليه فلا يُتوقف في عنعنته عن أنس، أو غيره، إلا إذا ثبت ما يُنافي ذلك - والله أعلم -. تَقَدَّم تفصيل ذلك في الحديث رقم (٥٢). ٤) أنس بن مالك ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١٠). ثانياً: - الوجه الثاني: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁. أ تخريج الوجه الثاني: ورواه بهذا الوجه المُسَيَّبُ بن وَاضِحٍ، واضطرب فيه: - فَرُوى عنه مَرَّة بالوجه الأول: أخرجه أبو بكر الآجري في "الشريعة" (١٢٤٧)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابن أبي دَاوُد، قال: حَدَّثنا المُسَيِّبُ بن وَاضِحٍ، قال: حَدَّثنا المُعْتَمِر، عن حُمَيْدٍ، عن أنس. - وَرُوى عنه مَرَّة بالوجه الثاني: أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" (٧١٠٧)، وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٩٤)، مِن طريق أبي عَرُوبَةَ؛ وابن عدي في "الكامل" (٨/ ١٢٦)، قال: حَدَّثنا الحُسَيْنُ بن إِبْرَاهيم السَّكُونِيُّ؛ وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ١٣٢)، مِن طريق عَبْد الغَفَّار بن أحمد الحِمْصِيُّ. ثلاثتهم (أبو عَروبة، والسَّكُونيّ، وعبد الغفار) عن المُسَيَّب بن وَاضِحٍ، عن المُعْتَمِر، به. وقال ابن عدي: وزاد المُسَيَّب فِي هذا الحديث على مُعْتَمِر، حيث قال: عن حُمَيْد، عن الحَسَن، عن أنس بن مالك ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ، وإنما رواه مُعْتَمِر عن حُمَيدٍ، عن أنس، وليس بينهم الحسن. وقال الشيخ/ شُعيب الأرنؤوط في تعليقه على "صحيح ابن حبَّان": حديث صحيح. وذكر أقوال أهل العلم في تضعيف المُسَيَّب بن وَاضِح، ثُمَّ قال: وقد تُوبع، ومَنْ فوقه ثِقاتٌ من رجال الشيخين. قلتُ: والظاهر - والله أعلم - أنَّ الاضطراب فيه مِن المُسيَّب بن واضح، قال فيه أبو حاتم: صدوقٌ يُخطئ كثيراً. وقال ابن حبَّان: يُخطئ. (¬١) لذا أخرجه ابن عدي في ترجمته، وقال: وعامة ما خالف فيه الناس هو ما ذكرته لا يتعمده بل كان يُشبه عليه. (¬٢) ثالثاً: - الوجه الثالث: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطويل، عن الحسن (مرسلاً). • ذكره ابن أبي حاتم في "العلل"، والدارقطني في "العلل"، ولم يذكروا مَن رواه. قلتُ: ولم أقف عليه. رابعاً: النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سلف ذكره يتبيَّن أنَّ الحديث مداره على مُعْتَمِر بن سُليمان، واختلف عليه فيه مِن ثلاثة أوجه: الوجه الأول: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن أنس بن مالك ﵁. وقد رواه عن مُعْتَمِر بهذا الوجه ثلاثة مِن الثقات، والإسناد إليهم صحيحٌ. وهذا الوجه صَحَّحَه بعض أهل العلم باعتبار ظاهره: فقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ. وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وأخرجه الضياء في "المختارة". بينما حكم عليه بعض أهل العلم بأنَّه قد تَفرَّد به المُعْتَمِر بن سُليمان، فلم يُتابع عليه؛ فقال الترمذي: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وقال البزار: هَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ حُميد، عن أنس، إلا المُعْتَمِر. وقال الدَّارقطني: غريبٌ مِن حديث حُميدٍ عن أنس، تفرَّد به المُعْتَمِر. وقال الذهبي: غريبٌ جدًا. وسُئل أبو حاتم عنه، فقال: هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ، يُمْكِنُ أَنْ يكونَ: حُمَيد، عَنِ الحسن، عن النبيِّ ﷺ. (¬٣) قلتُ: فلعلَّ مُراد الترمذي بقوله: "حسنٌ صحيحٌ" أي المتن دون الإسناد، وقوله: "غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ" أي الإسناد دون المتن؛ فقد صَحَّ المتن بشواهد أخرى - كما سيأتي بيانه -، وبهذا يُجمع بين أقوال أهل العلم، فلا يتعارض قول الترمذي مع أقوالهم. وأمَّا الحاكم فمعروفٌ بتساهله؛ لذا تعقبه الذهبي، فقال: غريبٌ جداً. الوجه الثاني: مُعْتَمِر بن سُليمان، عن حُمَيد الطَويل، عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁. ورواه عن المُعْتَمِر بهذا الوجه المُسيَّب بن واضح، واضطرب فيه: فرواه بالوجه الأول، ومَرَّة بالوجه الثاني. وهذا الوجه صَحَّحَه بعض أهل العلم باعتبار ظاهره: فأخرجه ابن حبَّان في "صحيحه"، وقال محققه: صحيحٌ فيه المُسيَّب، وقد تُوبع. واعتبر المُحقق الفاضل الوجه الأول مُتَابِعٌ لهذا الوجه، وهذا خطأ ظاهر. بينما أخرجه ابن عدي في ترجمة المُسيَّب بن واضح، وعدَّه مِن مناكيره - كما سبق -. الوجه الثالث: مُعْتَمِر، عن حُمَيد الطويل، عن الحسن (مرسلاً). والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثالث هو الأشبه والأقرب للصواب؛ وذلك للقرائن الآتية: ١) أنَّ الوجه الأول عدَّه العلماء مِمَّا تفرَّد به مُعْتَمِر بن سُليمان، ولمَّا سُئل عنه أبو حاتم، قال: هذا حديثٌ مُنكر. وقال يحيى القطان: إذا حدَّثكم المُعْتَمِر بشيء فاعرضوه فإنَّه سيء الحفظ. (¬١)