أَحَادِيث بواطيل لَا أصُول لَهَا يطول الْكتاب بذكرها. (¬٢) قلتُ: ومع ضعف هذا الش اهد وبطلانه - كما قال ابن حبَّان -، فهو أيضاً يُخالف رواية الباب في جزئه الأول، كما هو واضحٌ لمن تأمَّله، ولا يتفق معه إلا في جزئه الأخير في قوله: «أَجَلْ، وَأَنْتَ هُوَ يَا أَبَا بَكْرٍ»، وقد سبق بيان مخالفتها لما في الصحيح، وعليه فهذا الشاهد لا يُعْتبر به - والله أعلم -. بعض ما صَحَّ في فضائل سيدنا أبي بكر الصديق ﵁: وقد ثبت في سيدنا أبي بكرٍ الصديق ﵁ جملة كثيرة من الأحاديث الصحيحة، وبعضها مُخَرَّج في "الصحيحين"، ومنها ما يدل على أنَّ أبا بكر ﵁ يُدعى من أبواب الجنة كلها، لكن قال له النبيُّ ﷺ: "وأرجو أن تكون منهم"، وهذه الأحاديث فيها غنيةٌ عن الضعيف، منها: - ما أخرجه البخاري، ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». (¬٣) - ومِمَّا صحَّ في فضله ﵁، ما أخرجه الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ، قال: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلا سُدَّ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ». (¬٤) رابعاً: النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المُصنِّف ﵁: " لَمْ يَرْو هذا الحديث عن قَيْس بن سَعْدٍ إِلَّا رَبَاحُ بن أبَي مَعْرُوفٍ، ولا عن رَبَاحٍ إلَّا ابن أبي فُدَيْكٍ، تَفَرَّدَ به: أحمد بن محمد بن أبي بَكْرٍ السَّالِمِيُّ". (¬١) قلتُ: ووافقه ابن عَدي، فقال: لا يرويه بهذا الإسناد غير رَبَاحٍ. - ومن خلال ما سبق في التخريج يتضح أنَّ حلقة التفرد في هذا الحديث تقف عند محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك، وعليه فَيُسلَّم للمُصَنِّف ﵁ في قوله: لَمْ يَرْو هذا الحديث عن قَيْس بن سَعْدٍ إِلَّا رَبَاحُ بن أبَي مَعْرُوفٍ، ولا عن رَبَاحٍ إلَّا ابن أبي فُدَيْكٍ. - وأمَّا قوله: "تَفَرَّدَ به: أحمد بن محمد بن أبي بَكْرٍ السَّالِمِيُّ"؛ فلا يُسَلَّم له في ذلك، بل تابعه يَحْيى بن المُغِيرة القُرَشيّ، فرواه عن ابن أبي فُدَيك، بسنده، وهذه المُتَابعة أخرجها أبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٣١٦) بإسناد حَسَنٍ، إلى يَحْيى - كما سبق في التخريج -. خامساً: التعليق على الحديث: - قال الإمام أبو نُعيم: أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، السَّابق إلى التَّصْديق، المُلَقَّبُ بِالعتيق، المُؤيَّدُ من الله بِالتَّوفيق، صَاحِبُ النَّبيِّ ﷺ في الحضر والأسْفَار، ورفِيقُهُ الشَّفِيقُ في جميعِ الأطوار، وضَجِيعُهُ بعد الموتِ في الرَّوْضَةِ المحْفُوفة بالأنوارِ، المَخْصُوصُ في الذِّكر الحكيمِ بمفْخَر فاق به كافَّة الأخيارِ، وعامَّة الأبرارِ، وبقي له شرفُهُ على مُرُورِ الأعصار، ولم يَسْمُ إلى ذروته هِمَمُ أُولي الأيْدِ والأبْصَارِ، حيث يقول عَالِمُ الْأَسْرَارِ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (¬٢) إلى غير ذلك من الآيَاتِ والآثَارِ، وَمَشْهُورِ النُّصُوصِ الواردة فيه والأخبار التي غَدَتْ كالشَّمسِ في الانْتِشَارِ، وفَضَلَ كُلَّ مَن فَاضَلَ، وفاق كُلَّ مَنْ جَادَلَ وَنَاضَلَ، وَنَزَلَ فِيهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (¬٣) تَوَحَّدَ الصِّدِّيقُ في الأحْوَالِ بِالتَّحْقِيقِ، واختار الاخْتِيَارَ مِنَ اللهِ حين دَعَاهُ إِلَى الطَّرِيقِ، فَتَجَرَّدَ مِنَ الأَمْوَالِ والأعْرَاضِ، صَارَ للمِحَن هدفًا، وللبلاء غرضًا، وَزَهد فيما عَزَّ له جوهرًا كان