أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ». قال الدَّارقطني: قال لنا ابنُ صَاعِدٍ: وَمَا قَال لنَا في هذا الإِسْنَادِ أَحَدٌ عن ابن عَبَّاس إِلَّا العَابدي. وقد نقله عنه كلاً من الإمام النووي (¬١)، والحافظ ابن حجر (¬٢)، فقالا: ثُمَّ نَقَلَ - أي الدَّارقطني - عَنْ ابْنِ صَاعِدٍ: أَنَّ الْعَابِدِيَّ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ أَرْسَلَهُ. ولم يَتَعقَّباه بشيء. وقال الدَّارقطني أيضًا: تَفَرَّد بِهِ عبد الله بن عِمْرَان، عَن ابْن عُيَيْنَة، عن عَمرو بن مُسْلِم. (¬٣) ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن عَمْرو بن مُسلم، الخَلَّال: "ثِقَةٌ"، تَقدَّم في الحديث رقم (٧٥). ٢) عَبد اللَّهِ بن عِمْران العَابِديُّ: "ثِقَةٌ"، وقال ابن حبَّان: يُخطئ، ويُخالف، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٧). ٣) سُفْيَان بن عُيَيْنَة: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ حَافِظٌ إمامٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٨). ٤) عَمْرو بن مُسْلم الجَنَديُّ اليَمَانيُّ. روى عن: طاووس بن كيسان، وعكرمة مولى ابن عباس. روى عنه: سفيان بن عُيَيْنَة، ومَعْمَر بن راشِد، وعبد الملك بن جُرَيْج، وآخرون. حاله: قال ابن معين: لا بأس به. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: صدوقٌ، ضَعَّفَه أحمد. وقال في "الميزان": صالح الحديث. - وقال ابن المديني: ذكره يحيى القطَّان، فحرك يده، وقال ما أرى هشام بن حُجَيْر إلا أمثل منه. وقال ابن معين: ليس بالقوي. وقال أيضًا: هشام بن حُجَيْر أَحَبّ إلى منه. وقال أحمد: ضعيفٌ وقال أيضًا: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: لَيْسَ له حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا فَأَذْكُرُهُ. وقال الساجي: صَدوقٌ يَهِمُ. وقال ابن خِراش، وابن حَزم: ليس بشيء. وقال ابن حجر في "التقريب": صدوقٌ له أوهام. (¬١) فالحاصل: أنه "صدوقٌ يَهِمُ"، فَيُقبل مِنْ حديثه ما تُوبِع عليه، ولا يُحتج به عند الانفراد. ٥) عِكْرِمَة القُرَشيُّ الهَاشِميُّ، أبو عبد الله المَدَنيُّ، مولى عَبْد الله بن عبَّاس. روى عن: مولاه عبد الله بن عبَّاس، وعَبْد اللَّهِ بن عُمَر، وأبي هُرَيْرة ﵃، وآخرين. روى عنه: عَمْرو بن مُسْلم، وأيوب السَّخْتِياني، وحُمَيْدٌ الطَويل، وآخرون. حاله: قال البخاري: لَيْسَ أحدٌ مِن أصحابنا إلا احتج بعِكرِمَة. وقال العِجْلي: ثِقَةٌ وَهُوَ بَرِيء مِمَّا يَرْميه النَّاس بِهِ من الحرورية. وقال أيوب السخْتياني: لو لم يكن عندي ثقةٌ لم أكتب عنه. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ، يُحْتَج بحديثه إذا روى عنه الثقات، والذى أنكر عليه يحيى الأنصاري ومالك فلسبب رأيه. وقدَّمه أبو حاتم على أصحاب ابن عبَّاس، وقال: عِكْرمة أَعْلاهم، وأصحاب ابن عبَّاس عِيال على عِكْرمة في التفسير. وقال ابن حبَّان: كَانَ عِكْرِمَة مِنْ عُلَمَاء النَّاس في زَمَانه بِالْقُرْآنِ وَالْفِقْه، وحَمَل أهل الْعلم عنه الحَدِيث وَالفِقه فِي الأقاليم كُلِهَا وَمَا أعلم أحدًا ذَمَّه بِشَيءٍ إِلَّا بِدُعَابة كَانَت فِيهِ. (¬٢) وقال في "المشاهير": من أهل الحفظ والإتقان والملازمين للورع في السر والإعلان. وقال النسائي: ثِقَةٌ. والأقوال فيه كثيرة، وهي مبسوطة في كتب التراجم، وأطال ابن حجر ترجمته في "التهذيب"، وأبدع وأجاد في الجواب عما رُمى به في "هدي الساري" (¬٣). ثم لخَّص حاله في "التقريب"، فقال: "ثقةٌ ثبتٌ عالمٌ بالتفسير، لم يَثْبت تكذيبُه عن ابن عُمر، ولا تَثْبُت عنه بِدْعةٌ. (¬٤) ٦) عبد الله بن عبَّاس بن عبد المُطَلب: صحابيٌّ جَليلٌ مُكْثرٌ، تقدَّم في الحديث رقم (٥١). ثانياً: - الوجه الثاني: سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ (مُرْسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: أشار إلى هذا الوجه كلاً من ابن صاعدٍ، والدَّارقطني، ونقل كلامهما الإمام النووي، والحافظ ابن حجر، فقالا: ثُمَّ نَقَلَ - أي الدَّارقطني - عَنْ ابْنِ صَاعِدٍ: أَنَّ الْعَابِدِيَّ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ أَرْسَلَهُ. ولم يَتَعقَّباه بشيءٍ - وسبق في تخريج الوجه الأول الإشارة إلى ذلك -. قلتُ: ولم أقف بعد البحث على من أخرج هذا الوجه مُرْسلاً. ب دراسة إسناد الوجه الثاني: سبقت دراسة إسناده في الوجه الأول. ثالثاً: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على ابن عُيَيْنَة، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (مُتصلاً). الوجه الثاني: سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ (مُرْسلاً). ومن خلال ما سبق، يَتَبَيَّن أنَّ الوجه الأول المتصل قد انفرد بروايته عبد الله بن عِمْران العَابدي، عن سُفْيان بن عُيَيْنَة، بسنده متصلاً، قاله ابن صاعد، والدَّارقطني، ونقله عنهما النوويُّ، وابنُ حجر، ولم يتعقبهما بشيءٍ؛ والعابدي يُخالف ويُخْطِئ كما قال ابن حبَّان. وقد خالفه غيره، فرواه عن ابن عُيَيْنَة، بسنده مُرْسلاً. قلتُ: ولعلَّ الظاهر من كلام الأئمة يشير إلى ترجيح الوجه الثاني - المرسل -، والله أعلم. وللحديث جملة من المتابعات والشواهد - سيأتي ذكرها إن شاء الله ﷿، وهذه مِنْ القرائن القوية التي تدل على رُجْحَان الوجه المتصل، والله أعلم. وعلى كل حال فمدار الوجهين على عَمرو بن مُسْلم، وهو "صدوق يَهِم"، لا يُحْتج بحديثه إلا إذا تُوبع. رابعًا: الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث من وجهه الأول: إسنادَه ضعيفٌ؛ لأجل عَمرو بن مُسْلم، "صدوق يهم"، فلا يحتج بحديثه إلا إذا تُوبع. ب الحكم على الحديث من وجهه الثاني: إسنادَه ضعيفٌ أيضًا؛ لإرساله، ولأجل عَمرو بن مُسْلم، "صدوق يهم"، فلا يحتج بحديثه إلا إذا تُوبع. ت مُتَابعات للحديث: والحديث قد روى عن ابن عبَّاس من طُرقٍ أُخرى يَصحُّ الحديث بمجموعها، وهى كالآتي: • أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧٤٥٩) - ومن طريقه أبو يَعْلَى في "مسنده" (٢٥٢٢)، والطبراني في "الكبير" (١٢٠٩٠) -، وأحمد في "مسنده" (٢٣١٨)، والطحاوي في "شرح مُشْكِل الآثار" (١٣٤٨)، كلهم من طريق حَجَّاج بن أَرْطاة - من أصح الأوجه عنه (¬١) -، عن الحَكَم بن عُتَيبة، عن مِقْسَم، عن ابْنِ عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ وَطِئَ حُبْلَى». قال الهيثمي: رواه أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. (¬٢) قلتُ: والحَجَّاج ليس بمُدَلس فقط، بل وقال فيه الحافظ ابن حجر أيضًا: صدوق كثير الخطأ والتدليس. (¬٣) وصِدْقه مَحْمول على عدالته في نفسه، وكثرة خطأه محمول على ضبطه، كما دلَّ على ذلك مجموع أقوال أهل العلم فيه، وهى مبسوطة في ترجمته (¬٤). • وأخرجه النَّسائي في "الكُبْرى" (٦١٩٦) ك/البُيُوع، ب/بَيْعُ الْمَغَانِمِ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ، وفي "الصغرى" (٤٦٤٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٤١٤، ٢٤٩١)، وابن الجارود في "المنتقى" (٧٣٢)، والطبراني في "الأوسط" (٦٩٨١)، وفي "الكبير" (١١٠٦٧، ١١١٤٦)، والدَّارقطني في "سننه" (٣٠٥١)، والحاكم في "المستدرك" (٢٣٣٦، ٢٦١١، ٢٦١٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٨٣٠٣، ١٨٣٠٤)، كلهم من طريقين، عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس، قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَبَالَى أَنْ يُوطَأْنَ حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ … الحديث مُطَولاً" واللفظ للنسائي، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والباقون بنحوه. وصَحَّحَه الحاكم، ووافقه الذهبي. ث شواهد للحديث: وللحديث عِدَّة شواهدٍ عن جماعة من الصحابة، من أمثلها: • ما أخرجه الإمام مسلمٌ في "صحيحه"، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ أَتَى بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا»، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟» (¬٥) قال الإمام النوويُّ (¬٦): "الْمُجِحُّ": بِمِيم مَضْمُومَة ثمَّ جِيم مَكْسُورَة ثمَّ حَاءٍ مُهْمَلَة وهي الحَامِل التي قَرُبَتْ وِلَادَتُهَا. و"الفسطاط": بَيْت الشَّعْر. وقوله: "يُلِمُّ بها": أي يطأها، وكانت حَامِلًا مَسْبِيَّة لا يَحِلُّ جِمَاعُهَا حَتَّى تَضع. وَأَمَّا قوله ﷺ "كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟ كيف يَسْتَخْدِمُهُ وهو لا يَحِلُّ له؟ ": فمعناه: أنه قد تتأخَّر ولادتُها سِتَّة أشْهر حَيث يُحْتَمَلُ كَونُ الوَلَدِ مِنْ هَذَا السَّابِي، وَيُ حْتَمَلُ أنَّه كان مِمَّن قبله؛ فعلى تقدير كونِه من السَّابِي