أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى (¬٢)، فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ (¬٣) مِنْ بَعْدِهِ، يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقِبٍ، أَوْ أُرْقِبَ رُقْبَى (¬٤) فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعُمْرَى». * هكذا رَوَاهُ حَفْصُ بن مَيْسَرَةَ، عن ابن الزُّبَيْرِ. هذا الحديث مَدَاره على عروة بن الزبير، واختلف عنه: الوجه الأول: هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ ﵁ (موصولًا). الوجه الثاني: هشام بن عروة، عن أبيه (مرسلاً). الوجه الثالث: الزُّهري، عن عروة، عن جابر بن عبد الله ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً: - الوجه الأول: هِشَام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ (موصولًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٣٦٣)، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن نَيْزَك، وبرقم (٣٦٥)، قال: حدَّثنا أحمد بن مَنِيعٍ، والبزار في "مسنده" (٢١٨٤)، قال: حدَّثنا إبراهيم بن سَعِيدٍ، ثلاثتهم عن الرَّبِيع بن نَافِعٍ، قال: حدَّثنا حفص بن مَيْسَرَةَ، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عبد الله بن الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ». وهذا لفظ الترمذي، ولفظه عند البزار: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لأَهْلِهَا». وقال الترمذي في الموضع الأول: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: رَوَى بَعْضُهُمْ، عن الزُّهْرِيِّ، هذا الحديث عن عُرْوَةَ، وأبي سَلَمَةَ، عن جَابِرٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ. وقال في الموضع الثاني: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عن هذا الحديث، فقال: هو عندي حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَّتَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ حَسَنًا. وقال البزار: لا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن ابن الزُّبَيْرِ غَيْرُ حَفْصِ بن مَيْسَرَةَ، وَغَيْرُ حَفْصٍ يَرْوِيهِ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. • والنَّسائي في "الكبرى" (٦٥٣٩) ك/العمرى، وفي "الصغرى" (٣٧٤٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٤/ ٢١٢/برقم ١٤٨٣٩)، مِنْ طريق عَمْرو بن أبي سَلَمَة، عن حفص بن ميسرة، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ، يَرِثُهَا مِنْ عَقِبِهِ مَنْ وَرِثَهُ». واللفظ للنَّسائي، وعند الطبراني: «العُمْرَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُعْمِرَهَا، وَالرُّقْبَى لِمَنْ أُرْقِبَهَا؛ سَبِيلُهَا سَبِيلُ المِيرَاثِ». ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن إبراهيم بن فيل - باسم الحيوان المعروف -، أبو الحسن الأَسديُّ الأَنْطَاكيُّ. روى عن: أبي توبة الربيع بن نافع، وأحمد بن أبي شعيب الحرانيّ، ودُحَيْم، وغيرهم. روى عنه: أبو القاسم الطبراني، والنسائي، وأبو عوانة الإسفرائيني، وغيرهم. حاله: قال النسائي: لا بأس به، وذكر من عفته وثقته. وقال محمد بن صالح: صالحٌ. وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال ابن عساكر: ثِقَةٌ، حَدَّث بأنطاكية سنة أربعة وثمانين ومائتين. وقال الذهبي: صاحب حديث. وقال ابن حجر: صدوقٌ. توفي بأنطاكية سنة أربعة وثمانين ومائتين. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (¬١) ٢) أبو توبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) حَفْصُ بن مَيْسَرة العُقَيْلِيُّ، أبو عُمَر الصَنْعَانِيُّ، سكن عسقلان. روى عن: هشام بن عُروة، وصُدَيْق بن موسى، وزيد بن أسلم، وآخرين. روى عنه: الربيع بن نافع، والهيثم بن خارجة، ومَخْلد بن مالك، وآخرون. حاله: قال ابن معين، وأحمد، ويعقوب بن سُفيان: ثِقَةٌ. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالحُ الحديث. وقال أيضاً: يُكتب حديثه، ومحله الصدق، وفي حديثه بعض الأوهام. وقال ابن حبَّان: رُبَّما وَهِم. وقال الذهبي في "المغني": ثِقَةٌ حُجَّةٌ. وقال ابن حجر في "اللسان": ثَبْتٌ، وفي "التقريب": ثِقَةٌ، رُبَّما وَهِمَ. (¬٢) ٤) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، أَبُو الْمُنْذِرِ الْقُرَشِيُّ الأَسَدِيُّ الزُّبَيْرِيُّ الْمَدَنِيُّ. روى عن: أبيه عُرْوة، وعبد الله بن الزُّبير، والزُّهْري، وآخرين. روى عنه: حفص بن مَيْسرة، والسُّفْيَانان، ومالك بن أنس، وشُعبة، وابن عُيَينَة، وآخرون. حاله: قال ابن معين، والعِجْلي: ثِقَةٌ. وقال ابن سعد: ثِقَةٌ حجةٌ. وقال أبو حاتم: ثِقَةٌ إمامٌ في الحديث. وقال ابن حبَّان: كان حَافِظًا مُتْقِنًا فَاضلًا. وقال الدَّارقطني: ثِقَةٌ، والزُّهْرِيّ أحفظ منه. وقال الذهبي: حُجَّةٌ إمامٌ. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ فَقِيْهٌ، رُبَّمَا دَلَّس. وجعله في المرتبة الأولى مِنْ المدلسين. وروى له الجماعة. وَوُصِفَ بالاختلاط، لكن أجاب عن ذلك الذهبي والعلائي، وغيرهما كما هو مبسوطٌ في ترجمته؛ كما وُصِفَ بالتدليس أيضاً، وأجاب عنه كذلك الحافظ العلائي في "جامع التحصيل"، والمعلمي اليماني في "التنكيل"، حتى قال: والتحقيق أنَّه لم يُدلس قط، وسرد الأدلة على ذلك، مِمَّا يطول ذكره هنا، وكلامه جيد متين - فليُراجعه مَنْ شاء مشكوراً مأجوراً بإذن الله ﷿. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ، لم يصح وصفه بالاختلاط، والتدليس"، والله أعلم. (¬١) ٥) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام بن خُوَيْلد بن أَسد القُرَشِيُّ، أبو عبد الله المَدَنِيُّ. روى عن: أبيه الزُّبير (¬٢)، وأخيه عبد الله بن الزُّبير، وخالته أم المؤمنين عائشة، وآخرين. روى عنه: ابنه هِشام بن عُرْوة، ويَزيد بن رُمان، والزُّهري، وآخرون. حاله: قال العِجْلي: ثِقَة، وكان رجلاً صَالحاً، لم يدخل في شَيْءٍ من الفِتَن. وقال ابن عُيَيْنَة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: وذكر مِنْهم عروة. وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة أربعة: وذكر مِنْهم عُرْوة. وعن الزُّهْرِيّ، قال: كان عروة بحراً لا تُكَدِّره الدِّلاء. وقال الذهبي: كان ثَبْتًا حافظًا فقيهًا عالمًا بالسِّيرَةِ، وهو أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ المغازي. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ. وروى له الجماعة. (¬٣) ٦) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِي، أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو خُبَيْبٍ المدني، وأمه أسماء بنت أَبِي بَكْر. روى عن: النَّبيّ ﷺ، وأبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعليّ، وأبيه الزُّبير ﵃، وآخرين. روى عنه: أخوه عروة، وعبد اللَّه بْن أَبي ملكية، وعمرو بن دينار، وآخرون. أَوَّلُ مَوْلُودٍ في الإسلام بالمدينة. له صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ. وأحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة. ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قُتل في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين. ورَوَى لَهُ الْجَمَاعَة. (¬٤) ثانيًا: - الوجه الثاني: هشام بن عروة، عن أبيه (مرسلاً). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه عبد الرَّزَّاق في "المُصَنَّف" (١٦٨٨٨)، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، أَنَّهُ حُدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لَهُ يَرِثُهَا مِنْ عَقِبِهِ مَنْ وَرِثَهُ». • وأخرجه ابن أبي شيبة في "المُصَنَّف" (٢٢٦١٩)، عن وكيعٍ، قال: حدَّثنا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ». أ دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد عبد الرَّزَّاق): ١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ يُدلِّس ويُرسل" ولا يُتوقف في عنعنته عن عطاءٍ خاصةً لكثرة روايته عنه، تقدَّم في الحديث رقم (٥١). ٢) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٣) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ثالثًا: - الوجه الثالث: الزُّهري، عن عروة، عن جابر بن عبد الله ﵁. أ تخريج الوجه الثالث: • أخرجه أبو داود في "سننه" (٣٥٥١) ك/البيوع، ب/ في العُمْرَى، مِنْ طريق محمد بن شُعَيْبٍ، وأبو داود أيضًا برقم (٣٥٥٢) ك/البيوع، ب/ في العُمْرَى، والنسائي في "الكبرى" (٦٥٣٨)، وفي "الصغرى" (٣٧٤٢)، مِنْ طريق الوليد بن مسلم القرشي، والنسائي في "الكبرى" (٦٥٣٦) ك/العمرى، مِنْ طريق عُمر بن عبد الواحد بن قيس السلميّ، وبقيّة بن الوليد، والطحاوي في "شرح المُشْكِل" (٥٤٥٧)، مِنْ طريق بِشْرِ بن بكر البجليّ، خمستهم (محمد، والوليد، وعُمر، وبقية، وبشر) عن الْأَوْزَاعِيّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن جابرٍ بن عبد الله ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ، وَلِعَقِبِهِ يَرِثُهَا مَنْ يَرِثُهُ مِنْ عَقِبِهِ». وفي رواية الوليد: عن الزهري، عن عُروة وأبي سلمة معًا. وقال أَبُو دَاوُدَ: وهكذا رَوَاهُ اللَّيْثُ بن سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن جَابِرٍ. ب دراسة إسناد الوجه الثالث (بإسناد أبي داود مِنْ طريق محمد بن شُعيب): ١) مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، أبو سعيد الجزريُّ: "ثِقَةٌ". (¬١) ٢) مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ بن شابُور الدِّمَشْقيُّ: "ثِقَةٌ، صحيحُ الكتاب". (¬٢) ٣) الأَوْزَاعِيُّ عبد الرحمن بن عمرو: "ثِقَةٌ عَابِدٌ فَقِيهٌ"، مِنْ الطبقة الثانية في الزُّهري (¬٣)، تَقَدَّم في الحديث (٢٦). ٤) محمد بن مُسْلم بن شهاب الزُّهْريُّ: "ثقةٌ، حافظٌ، متفقٌ على جلالته، وإتقانه"، تقدَّ م في رقم (١٠). ٥) عُروة بن الزُّبير بن العَوَّام: "ثِقَةٌ فَقِيهٌ مشهورٌ"، تَقَدَّم في الوجه الأول. ٦) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). رابعًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مَدَاره على عروة بن الزبير، واختلف عنه مِنْ عِدَّة أوجهٍ: الوجه الأول: هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ ﵁ (موصولًا). الوجه الثاني: هشام بن عروة، عن أبيه (مرسلاً). الوجه الثالث: الزُّهري، عن عروة، عن جابر بن عبد الله ﵁. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثالث هو الأشبه، والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) أمَّا الوجه الأول فقد أعلَّه البخاري، فقال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عن هذا الحديث، فقال: هو عندي حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَّتَهُ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ حَسَنًا - كما سبق في التخريج -.