أكْثر ولا أصحّ ممَّا أسند ابن الحنفية. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، عَالِمٌ"، وأخرج له الجماعة. (¬١) ٦) عليُّ بن أبي طالب ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٩). ثانيًا: - الوجه الثاني: يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أبو بكر أحمد بن علي الهَمَذاني في "حديثه عن شيوخه" (١٩) - بترقيم المكتبة الشاملة، والكتاب مخطوط نُشِر ضمن برنامجها - من طريق عبد الرحمن بن سعد بن سعيد، عن عمه يحيى بن سعيد الأنصاري، به. وأخرجه الدارقطني - معلّقًا - في "العلل" (١٤/ ٣٢٩/ مسألة ٣٦٧٣). ب دراسة إسناد الوجه الثاني: ١) عبد الرحمن بن سعد بن سعيد: لم أقف له - بعد البحث - على ترجمة. ٢) يحيى بن سعيد الأنصاري: "ثقةٌ، ثبتٌ، حافظٌ، فقيهٌ"، تقدّم في الحديث رقم (١٧). ٣) سعيد بن المُسيّب: أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أنّ مُرْسلاته أصحّ المراسيل. (¬٢) ٤) عائشة بنت أبي بكر الصِدِّيق: "أم المؤمنين، وزوجة النَّبي ﷺ "، تَقَدَّمت في الحديث رقم (٥). ثالثًا: - النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، واختُلف عليه من وجهين: الوجه الأول: يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي بن أبي طالب. الوجه الثاني: يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ كِلا الوجهيْن غير محفوظيْن عن يحيى بن سعيد؛ للقرائن الآتية: ١) الوجه الأول انفرد به فرج بن فضالة، عن يحيى، ولم يُتابعه عليه أحدٌ من أصحابِ يحيى، وقد صرَّح غير واحدٍ من أهل العلم أنَّه ينفرد عن يحيى بمناكير لا يُتابعه عليْها أحد - كما سبق في ترجمته -. ومثلُهُ كذلك الوجه الثاني الذي انفرد به عبد الرَّحمن بن سعد بن سعيد، وهو "مجهول الحال". (¬٣) ٢) أنَّ ما ذَكَرْتُهُ هو ما صَرَّح به الإمام الدَّارقطني في "العلل"، فقد سُئِل عن هذا الحديث، فبيَّن الخلاف فيه على يحيى بن سعيد بالوجهيْن، ثم قال: وكلاهما غيرُ محفوظ. (¬١) رابعًا: - الحكم على الحديث: من خلال ما سبق يتضح أنّ الحديث "مُنْكَرٌ"؛ لأجل فرج بن فضالة، روايته عن يحيى بن سعيد الأنصاري مُنكرة، وقد انفرد به عنه، ولم يتابعه عليه فيه أحد من أصحاب يحيى؛ لذا تتابع العلماء على ذكر هذا الحديث في مناكيره، وحَكَم عليه البعض بالبطلان، وأقوالهم كالآتي: - قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ غَيْرَ الفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، وَالفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ وَكِيعٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ. (¬٢) - وقال ابن حزم: وفرج بن فضالة متروك؛ تركه يحيى، وعبد الرحمن. (¬٣) قلتُ: وهذا تشدد من ابن حزم، وما ذكرتُهُ في ترجمة ابن فضالة كافٍ لإثبات ذلك. - وقال البرقاني في "سؤالاته للدارقطني": وسألتُه عن الفرج بن فضالة، فقال: ضعيف. قلت: فحديثه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن علي، عن علي، عن النبي ﷺ: "إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة"؟ قال: هذا باطل. قلت: من جهة الفرج؟ قال: نعم. قلت: يُخَرَّج هذا الحديث؟ قال: لا. (¬٤) ونقل كلامه الخطيب في "تاريخه"، والمزي في زياداته في "تحفة الأشراف"، والذهبي في "الميزان". (¬٥) - وقال البخاري في "التاريخ الكبير": فَرَج بن فَضالَة، عن يَحيى بن سَعِيد، مُنكَرُ الحديثِ. (¬٦) - وأسند ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": عن عمرو بن علي، قال: كان عبد الرحمن ابن مهدي لا يحدِّث عن فرج بن فضالة، ويقول: حدَّث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة مُنكرة. وقال أبو حاتم: حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا. (¬٧) - ونقل الخطيب عن الإمام أحمد، أنَّه قال: حديثه عَنْ يحيى بْن سعيد مُضْطَرِبٌ. (¬٨) وأسند الخطيب البغدادي، عن مسلم بن الحجَّاج، قال: فرج بن فضالة، عَنْ يحيى بن سعيد مُنكر الحديث. وأسند أيضًا، عن زكريَّا بْن يحيى الساجي، قَالَ: الفرجُ بن فضالة ضعيف الحديث، روى عَنْ يحيى أحاديث مناكير. وأسند إلى الدَّارَقُطْنِيَّ، قَالَ: فرجُ بْن فضالة ضعيف الحديث، يَروي عَنْ يحيى بن سعيد أحاديث لا يُتابع عليها. (¬١) - وقال العلائي: إن كانت رواية محمد بن عمرو بن علي - التي عند الترمذي -: محفوظةٌ فهي مرسلة؛ لأن محمد بن عمرو لم يدرك جدَّه، وإن كانت الثانية فمحمد بن علي هو ابن الحنفية، وذلك مُرْسلٌ أيضًا؛ لأنَّ يحيى بن سعيد الأنصاري لم يُدركه، والحديث ضعيف أيضًا من جهة فرج بن فضالة. (¬٢) - والحديث عَدَّهُ ابن رجب في "شرح العلل" من مناكير الفرج، عن يحيى بن سعيد. (¬٣) - وضعّفه العراقي، والمُنذري (¬٤)، والألباني، وقال في "ضعيف الترغيب والترهيب": ضعيفٌ جدًّا (¬٥). شواهد للحديث: وللحديث شواهد لمجموعه لكنها ضعيفة - هذا باعتبار ما وَقَفْتُ عليْه، وما وصلتُ إليه بالبحث (¬٦) -، لكن للحديث شواهد لبعضه، منها: ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٥٥٩٠) ك/الأشربة، ب/ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسميه بغير اسمه، بسنده من حديث أَبِي عَامِرٍ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ الْفَقِيرُ لِحَاجَتِهِ فَيَقُولُونَ ارْجِعُوا إلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعِلْمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». (¬٧) خامسًا: - النظر في كلام المصنف ﷺ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَروِ هذا الحديث عن يحيى، إلا فَرَجُ بن فَضَالة. قلتُ: مِمَّا سبق يتضح صحة ما قاله المُصَنِّفُ ﵁. ووافقه عليه الإمام الترمذي ﵀، فقال: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه من حديث علي بن أبي طالب إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا رواه عن يحيى غير الفرج بن فضالة. وأسند الخطيب البغدادي في "تاريخه" إلى الدَّارقطني، أنَّه قال: ويَروي فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد أحاديث لا يُتابَع عليْها. (¬٨) * * * [٧٠/ ٤٧٠]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ (¬١)، قَالَ: نا أَبُو تَوْبَةَ، قَالَ: نا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ (¬٢)، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (¬٣)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كُنْتَ فِي حُثَالَةٍ (¬٤) مِنَ النَّاسِ؟ - وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ -». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَبْرًا صَبْرًا، خَالِقُوا النَّاسَ بأَخْلاقِهِمْ، وخَالِفُوهُمْ في أَعْمَالِهِم». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عَنْ أبي ذَرٍّ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: أَبُو تَوْبَةَ. هذا الحديث مداره على أبي توْبة الرَّبيع بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو توبة، عن يَزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي ذر ﵁. الوجه الثاني: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن ثوْبان ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: - الوجه الأول: أبو توبة، عن يَزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي ذر جُنْدَب بن عبد الله ﵁. أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٥٤٦٤) - ومن طريقه البيهقي في "الزهد الكبير" (١٩٢) -، مِنْ طريقيْن، عن عثمان بن سعيد الدَّارميّ عن أبي توبة الرَّبيع بن نافع، به (¬٥). - وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخيْن، ولم يخرِّجاه. وتعقَّبه الذهبي في "التلخيص"، فقال: يزيد بن ربيعة (¬١) لم يُخرِّجوا له، قال النسائي، وغيره: متروكٌ. ب دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) يزيد بن ربيعة، أبو كامل الرَّحَبِيُّ، الدمشقي، الصنعانيُّ - صنعاء دمشق -. روى عن: أبي الأشعث الصنعاني، وأبي أسماء الرَّحْبيّ، وربيعة بن يزيد، وآخرين. روى عنه: أبو توبة الرَّبيع بن نافع، والوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، وآخرون. حاله: قال البخاري: حديثه مناكير. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، مُنكر الحديث، واهي الحديث، وفي روايته عن أبي الأشعث، عن ثَوْبان تخليط كثير. وقال ابن حبَّان: كان شيْخًا صدُوقًا، إلا أنه اختلط في آخر عمره، فكان يَرْوي أشياء مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم. وقال أبو مُسْهِر: كان قديمًا غير متهم فيما يُنكَر عليه أنَّه أدرك أبا الأشعث، لكني أخشى عليه سوء الحفظ والوهم. وقال ابن عدي: وأبو مُسهر أَعْلَمُ به، لأنه مِنْ بَلَدِهِ، ولا أعرف له شيئًا مُنكرًا قد جاوز الحدّ فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به في الشاميين. - وقال دُحيم: ليس بشيء، وأُنْك ِرُ أحاديثه عن أبي الأشعث. وقال السَّعدي: أحاديثه أباطيل، أخاف أن تكون موْضُوعة. وقال العقيلي، والنسائي، والدَّارقطني: متروك الحديث (¬٢). - فالحاصل: أنَّه "متروك الحديث"، وأنَّ روايته عن أبي الأشعث مناكير، وفيها تخليط كثير. ٤) شَرَاحيل بن آدة - بالمد وتخفيف الدال -، أبو الأشعث، الصَّنْعانيُّ، وقيل اسمه: شَراحيل بن شُرَحبيل بن كُلَيْب بن آدة، ويُقال: شَرَاحيل بن كُليب بن آدة، قال المزي: والأول أشهر. روى عن: أبي عثمان النَّهْديّ، وشدَّاد بن أوْس، وعُبادة بن الصَّامت، وآخرين. روى عنه: يزيد بن ربيعة الرَّحَبي، وعبد الله بن زيد الجَرْميّ، ومسلم بن يسار المكي، وآخرون. حاله: قال العجلي، وابن عبد البر، والذهبي، وابن حجر: "ثِقَةٌ". وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "مشاهير علماء الأمصار": كان مُتْقِنًا. وأخرج له البخاري في "الأدب المُفرد"، ومسلم، والأربعة. (¬٣) ٥) عبد الرَّحمن بن ملٍّ - بلامٍ ثقيلة، والميم مثلثة بالضم والفتح والكسر (¬١) - بن عمرو بن عدي بن وَهْب بن ربيعة بن سعد، أبو عثمان النَّهدي، الكوفي. روى عن: أبي ذر الغفاري، وعمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب ﵃، وآخرين. روى عنه: أبو الأشعث الصَّنْعانيّ، وأيُّوب السَّخْتِياني، وثابت البُنانيّ، وغيرهم. حاله: أدرك الجاهليّة، وأسلمَ على عهد النبي ﷺ، وصَدَّقَ به، ولم يَلْقَه. وقال ابن سعد، وابن المديني، والعِجْلي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي: "ثِقَةٌ". وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: كان ثِقَةً إمامًا ثَبْتًا. وقال ابن حجر: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، عَابِدٌ. روى له الجماعة. وقال علي بن المديني: لم يسمع من أبي ذر (¬٢). ٦) أبو ذر جُنْدُب بن عبد الله بن جُنادة الغِفاري: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٢). ثانيًا: - الوجه الثاني: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن ثَوْبان موْلى رسول الله ﷺ. أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه البزار في "مسنده" (٤١٦٥)، عن شيخه إبراهيم بن سعيد الجوهري، والعُقيلي في "الضعفاء الكبير" (٤/ ٣٧٦) - في ترجمة يزيد بن ربيعة -، عن شيخه محمد بن أحمد بن الوليد. كلاهما (الجوهري، ومحمد بن أحمد بن الوليد)، عن أبي توْبة الرَّبيع بن نافع، به. وذكره الذهبي معلّقًا عن ابي توبة، بسنده، في "الميزان" (٤/ ٤٢٢). - وقال البزار - كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" (٣٣٢٤) - وقد ذكر مع هذا الحديث متونًا أخرى بهذا الإسناد أيضًا: قد رُوي بعضه من وجوه، وبعضه لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. - وقال العقيلي: هذا يُروى بغير هذا الإسناد، وخلاف هذا اللفظ من طريقٍ صالحٍ. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (إسناد البزار): ١) إبراهيم بن سعيد الجوهري: "ثِقَةٌ، حَافِظٌ، تُكُلِّم فيه بلا حجة". (¬٣) ٢) أبو توبة، وما بعده إلى التابعي: تقدّم دراستهم في الوجه الأول. ٣) ثَوْبَان مولى رسول الله ﷺ: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٦٧). ثالثًا: - النظر في الخلاف في هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنّ هذا الحديث مداره على أبي توبة الرَّبيع بن نافع، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن أبي ذر ﵁. الوجه الثاني: أبو توبة، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن ثوبان ﵁. وقد رواه عن أبي توبة بالوجه الأول اثنان من الثقات، وهما: أحمد بن خُليد - كما في رواية الطبراني -، وتابعه عثمان بن سعيد الدارمي - كما في رواية الحاكم -. ورواه عن أبي توبة بالوجه الثاني اثنان أيضًا من الثقات، وهما: إبراهيم بن سعيد الجوهري - كما في رواية البزار -، وتابعه محمد بن أحمد بن الوليد - كما في رواية العقيلي -. والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ كلا الوجهين غير محفوظين، والحمل فيهما على يزيد بن ربيعة الرَّحَبي: قال فيه النسائي، وغيره "متروك الحديث"، بل وصرّح البخاري، ودُحيم، وأبو حاتم؛ بأنّ روايته عن أبي الأشعث الصَّنْعاني مُنكرة، وفيها تخليط كثير. والظاهر أنه لم يضبط هذا الحديث؛ لاضطرابه فيه: فرواه مرَّةً من حديث أبي ذر، ومرَّةً من حديث ثوْبان. وكوْن أبي توبة قد انفرد برواية هذا الحديث عنه، لا يضره، لكوْنه "ثِقَةٌ حُجَّةٌ" - كما سبق -، وقد رواه بعض الثقات عنه بالوجه الأول، وبعض الثقات عنه بالوجه الثاني، مع تساوي الطرفين، مما يدل على أنَّه حفِظه عن شيخه يزيد بن ربيعة، على الوجهين، وعليه فمدار ضَعْفِه على يزيد بن ربيعة - والله أعلم -. رابعًا: - الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني - بالوجه الأول -، وبإسناد البزار - بالوجه الثاني - "ضعيفٌ جِدًا"؛ لكون مداره على يزيد بن ربيعة "متروك الحديث"، وروايته عن أبي الأشعث مُنكرة، وفيها تخليط كثير. وإسناد الطبراني فيه علّة أُخرى، وهي: الانقطاع بين النّهدي، وأبي ذر، فقد قال علي بن المديني: لم يسمع أبو عثمان النّهدي من أبي ذر - كما سبق في دراسة الإسناد -. والحديث ذكره الهيثمي من حديث أبي ذر، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه يزيد بن ربيعة، وهو متروكٌ، ثم ذكره من حديث ثَوْبَان، وقال: رواه البزار، وفيه يزيد، وهو متروكٌ. (¬١) وقال الألباني: ضعيفُ جدًّا. (¬٢) شواهد للحديث: أشار الإمام العقيلي ﵀ عقب إخراجه لهذا الحديث إلى وجود شواهد له، فقال: "هذا الحديث يُروى بغير هذا الإسناد، وخلاف هذا اللفظ من طريقٍ صالحٍ". - ومِمَّا ثَبَتَ من الأحاديث الصحيحة التي تشهد لهذا الحديث بالمعنى، ما أخرجه أحمد في "مسنده" بسندٍ صحيحٍ، من حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "إِذَا مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا" وَشَبَّكَ يُونُسُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، يَصِفُ ذَاكَ، قَالَ: قُلْتُ : مَا أَصْنَعُ عِنْدَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "اتَّقِ اللَّهَ ﷿، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ". (¬١) وأصل هذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (¬٢)، مختصرًا (¬٣)، ومعلقًا بصيغة الجزم (¬٤). - وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" بسندٍ صحيحٍ، من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ"، قَالَ: وَذَاكَ مَا هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "ذَاكَ إِذَا مَرِجَتْ أَمَانَاتُهُمْ وعهودهم، وصاروا هَكَذَا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَكَيْفَ بِي يا رسول الله؟ قال: "تعلم مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَتَعْمَلُ بِخَاصَّةِ نفسك، وتدع عوام الناس". (¬٥) وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" تحت ك/الفتن، بابًا بعنوان/إذا بقي في حثالةٍ من الناس. (¬٦) وقال الحافظ ابن حجر: هذه الترجمة لفظُ حديثٍ أخرجه الطبري، وصحَّحَه ابن حبَّان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، وذكر الحديث، ثم قال: قال ابن بطال: أشار البخاري إلى هذا الحديث، ولم يخرّجه؛ لأن العلاء ليس من شرطه فأدخل معناه في حديث حذيفة - يقصد الحديث الذي أخرجه البخاري في الباب -. (¬٧) خامسًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد، تفرَّدَ به: أبو توْبة. قلتُ: مِمَّا سبق يَتَّضِحُ لنا صحة ما قاله الإمام الطبراني ﵁. * * * [٧١/ ٤٧١]- وَبِهِ (¬١): عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، وَمَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ أَعْطَى الذُّلَّ مِنْ نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ، فَلَيْسَ مِنَّا». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ إلا بهذا الإسناد (¬٢)، تَفَرَّدَ به: يَزِيدُ بن رَبِيعَةَ. أولًا: - تخريج الحديث: • هذا الحديث لم أقف عليه بهذا الإسناد إلا عند الطبراني - برواية الباب -. وذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (٤٩٣٠) بهذا الإسناد، والمتن، وذكره كذلك في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٤٨)، وعزاه إلى الطبراني، وكذلك المنذري في "الترغيب" (٢٥٠٣) من حديث أبي ذرّ، وقال: رواه الطبراني. وذكره السيوطي في "اللآلئ" (٢/ ٣١٧): بإسناده، ومتنه، دون جزئه الثالث "وَمَنْ أَعْطَى الذُّلَّ … "، وعزاه إلى الطبراني في "الأوسط". ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو توبة الرَّبيع بن نافع: "ثِقَةٌ حُجَّةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٣) يزيد بن ربيعة، أبو كامل الرَّحَبِيُّ: "متروك الحديث"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٠). ٤) شَرَاحيل بن آدة، أبو الأشعث، الصَّنْعانيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٠). ٥) عبد الرَّحمن بن ملٍّ، أبو عثمان النَّهدي: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، عَابِدٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٧٠). ٦) أبو ذر جُنْدُب بن عبد الله بن جُنادة الغِفاري: "صحابيٌّ جليلٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٢). ثالثًا: - الحكم على الحديث: مما سبق يتبيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضعيفٌ جدًّا"؛ لأجل يزيد بن ربيعة "متروك الحديث"، وروايته عن أبي الأشعث مُنْكرةٌ، وفيها تخليطٌ كثيرٌ، ولم يُتَابع عليه. والإسناد فيه انقطاعٌ بين أبي عثمان النَّهْدي، وأبي ذر، قال علي بن المديني: لم يسمع أبو عثمان النَّهدي من أبي ذر - كما سبق في ترجمته -. - وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه: يزيد بن ربيعة، وهو متروكٌ. (¬٣) وذكره المنذري بصيغة التمريض، فقال: وروى عن أبي ذر، فذكره. وهذا يدل عنده على ضعف الحديث، وعدم تطرق احتمال التحسين إليه، لإهماله بيان ما في سنده - كما نصّ على منهجه هذا في مقدمة كتابه -. وقال الألباني: ضعيفٌ جدًّا. (¬٤) شواهد للحديث: - وللحديث شواهد من حديث حذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وأنس بن مالك ﵃، لكنّ الحديث لا يثبت بشيءٍ منها، لأنها تدور ما بين الموضوع، وشديد الضَّعف، وكلاهما لا يصح الاعتبار به. (¬١) - وأمَّا جملة "مَنْ لم يَهْتَم بالمُسْلِمِيْن فَلَيْسَ مِنْهُم"، فلها شاهدٌ من حديث حذيفة بن اليمان، أنَّ رَسُولُ ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُصْبِحْ وَيُمْسِ نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ ولإِمَامِهِ ولِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ". والحديث أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٤٧٣)، وفي "الصغير" (٩٠٧) - ومن طريقه الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٢٥٢) -، من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الرَّبيع بن أنس، عن أبي العالية، عن حذيفة ﵁، فذكره. وقال الطبراني: لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن حُذَيْفَةَ إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: عبدُ اللَّهِ بن أبي جَعْفَرٍ. وقال الهيثمي: فيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، ضعَّفه محمد بن حُميد، ووثَّقَهُ أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبَّان. (¬٢) قلتُ: وقال الحافظ في "التقريب": صدوقٌ يُخْطئ. (¬٣) وقال الألباني: ضعيفٌ. (¬٤) فهذا من أَمثل الشواهد لهذه الجملة. - قلتُ: ويُغني عن هذا الحديث جميع الشواهد من الآيات القرآنية، وما صحّ من الأحاديث النبوية، التي تحذّر المسلمين من الرُّكون إلى الدّنيا، والاغترار بها، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ (¬٥) وعن ابن مسعود، أنّ النبي ﷺ، قال: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا". أخرجه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح. (¬٦) وكتاب الرقاق من "الصحيحين" خير شاهدٍ على هذا. وكذلك الشواهد الكثيرة من الكتاب والسنة، التي تدعو المؤمنين إلى التحابّ والتراحم ومراعاة الأخوَّة الإيمانية فيما بينهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (¬١)، وقال ﷺ: "تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى" (¬٢)، وغير ذلك من الأدلَّة. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرَّدَ به: يزيد بن ربيعة. قلتُ: هكذا قال المصنف كما في الأصل من "الأوسط"، والذي في "مجمع البحرين" أنَّ الطبراني قال: لا يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد. (¬٣) فلا أدري! هل ما في الأصل تصحيف من الناسخ أم لا؟! وعلى كل حال: فقوْله: "لا يُروى إلا بهذا الإسناد" غير مُسلَّم له فيه، إذ أنَّ للحديث شواهد أخرى عن غير أبي ذر، وقد سبق الإشارة إليها. وأمَّا قوله: " لا يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد" - كما في "مجمع البحرين" - فإنَّه يُسَلَّم له في ذلك، كما هو ظاهر في التخريج. وكذلك تفرَّد به يزيد بن ربيعة، فلم يتابعه أحدٌ عليه - والله أعلم -. * * * [٧٢/ ٤٧٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ [النَّصِيبيُّ] (¬١)، قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الأَزْهَرِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (¬٢)، قَالَ: «جَوْدَةُ الْخَطِّ». * لَمْ يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا عَمْرُو بن الأزهر. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٥٣٢)، من طريق المصنف، بسنده، ومتنه. • والحاكم في "المستدرك" (٣٦٩٥)، من طريق أبي هَمَّام بن أبي بَدْر، عن يحيى بن سعيد القطَّان، به. وقال الحاكم: هذه زيادة عن ابن عبَّاس في قوله ﷾، غريبةٌ في هذا الحديث (يعني قوله "جوْدة الخَطِّ"). ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) مُوسى بن أيوب بن عيسى، النَّصيبيُّ، أبو عمران الأنطاكي. روى عن: يحيى بن سعيد القطَّان، وأبيه أيوب بن عيسى، وبقية بن الوليد، وآخرين. روى عنه: أحمد بن خُليد، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وآخرون. حاله: قال العجلي، والذهبي، وابن حجر في "الفتح": ثِقَةٌ. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال أبو حاتم، وابن حجر في "التقريب": صدوقٌ. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (¬٣) ٣) يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ (¬٤) القطَّان، التميميُّ، أبو سعيد البصريُّ، الأحول. روى عن: عمرو بن الأزهر، والسفيانين، وشُعبة بن الحجاج، وآخرين. روى عنه: موسى بن أيوب، والسفيانان، وشُعبة، وخلقٌ سِواهم. حاله: قال العِجْلي: ثِقَةٌ، نقي الحديث، وكان لا يُحدِّث إلا عن ثقة. (¬١) وقال الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت في البصرة. وقال أيضًا: يحيى القطان أثبت من هؤلاء - يعني: وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وآخرون -. وقال أيضًا: ما رأينا مثل يحيى بن سعيد في هذا الشأن - يعني: في الحديث -، وهو كان صاحب هذا الشأن، وما رأينا مثله. وقال أبو حاتم: حافظ ثقة. وقال أبو زرعة: من الثقات الحُفَّاظ. وقال ابن المديني: ما رأيتُ أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد القطَّان، ولم أر أحدًا أثبت منه. والأقوال فيه كثيرة في كتب الرجال، وأختم بكلام الحافظ ابن حجر في "التقريب": ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قدوةٌ. (¬٢) ٤) عمرو بن الأزهر، أبو سعيد، الحَدَّاد: "كذَّاب يضع الحديث"، تَقَدَّمت ترجمته في الحديث رقم (٦٤). ٥) عبد الله بن عون بن أَرْطَبان المُزَنيُّ، أبو عون البصريُّ. روى عن: عامر الشّعبي، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وآخرين. روى عنه: عمرو بن الأزهر، وشُعبة بن الحجّاج، ويحيى بن سعيد القطَّان، وآخرون. حاله: قال ابن المبارك: ما رأيتُ أحدًا أفضل من ابن عون. وقال شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا، يقول فيه: أظنه قد سمعت؛ أحبّ إلي من أن أسمع من غيره من ثقة. وقال ابن سعد، وأبو حاتم، والعجلي: ثقةٌ. وزاد العجلي: رجلٌ صالح. وقال النسائي: ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقال عثمان بن أبي شيبة: ثِقَةٌ صحيح الكتاب. وقال ابن حجر: ثِقًةٌ ثَبْتٌ، فَاضِلٌ. وفضائله ومناقبه كثيرة جدًا، روى له الجماعة. (¬٣) ٦) عامر بن شَراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل، الشَّعبي، أبو عَمْرُو الكُوفي. روى عن: عبد الله بن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك ﵃، وآخرين. روى عنه: عبد الله بن عون، وسُلَيمان الأعمش، ومنصور بن المُعتمر، وآخرون. حاله: أَسْند ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، والخطيب في "تاريخه"، إلى الشعبي، قال: ما كَتَبْتُ سَوْداء في بَيْضاء قط، ولا حَدَّثني رجلٌ بحديث فأحببتُ أن يعيده عليّ، ولا حدَّثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته. - وأسند البخاري في "التاريخ الكبير"، والخطيب في "تاريخه"، عن ابن عُيينة، قال: كَانَ فِي الناس ثلاثة بعد أصحاب النَّبيِّ ﷺ: ابْن عَبّاس ﵁ فِي زمانه، والشَّعبيّ فِي زمانه، والثَّوري فِي زمانه. - وقال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة. وقال يحيى بن معين، قال: إذا حدَّث الشَّعبي عن رجلٍ فسمَّاه؛ فهو ثقةٌ يُحتجُّ بحديثه. وقال ابن حجر: ثقةٌ، فقيهٌ، مشهورٌ، فاضلٌ. وروى له الجماعة. - وأسند الخطيب في "تاريخه"، عن مكحول، وأبي مجلز، قالا: ما رأيتُ أحدًا أفقه من الشَّعبي. - وقال العجلي: مُرْسَلُ الشعبي صحيح، لا يكاد يُرسل إلا صحيحًا. وقال أبو داود: مُرْسَل الشَّعبي أحبُّ إليَّ من مُرسل النَّخعي. (¬١) ٧) عبد الله بن عبَّاس ﵁: صحابيٌّ جليل، من المُكثرين، تقدَّم في الحديث رقم (٥١). ثالثًا: - الحكم على الحديث: - مما سبق يتضح أنَّ الحديث بهذا الإسناد "موضوع"؛ لأجل عمرو بن الأزهر، قال يحيى بن معين، والدَّارقطني، والذهبي: كذَّاب. وقال أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث. وقال ابن حبَّان: كان يضع الحديث على الثقات، ويأتي بالموضوعات عن الأثبات - كما سبق في الترجمة -. - وذكره الذهبي في "الميزان" (¬٢) في ترجمة عمرو بن الأزهر. وقال ابن حجر: ويُرْوى عن ابن عبَّاس: جودة الخط، وليس بثابت. (¬٣) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (¬٤)، وسكت عنه، وليس بحسن، ففيه ما نرى. طرق أُخرى للحديث، بلفظ آخر: • اخرج الإمام أحمد في "مسنده" (١٩٩٢)، عن يحيى بن سعيد القطَّان، والقطيعي في "جزء الألف دينار" (٢٧١)، عن محمد بن يونس، عن أبي عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلد، والنَّحَّاس، بسنده من طريق محمد بن بندار - كما في "تفسير القرطبي" (١٦/ ١٧٩) - ثلاثتهم (القطَّان، والضحَّاك، ومحمد بن بندار)، عن سفيان الثوري، قال: حدثنا صَفْوان بن سُلَيم، عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن، عن ابن عبَّاس - قال سفيان: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ: "أو أثارةٍ من عِلمٍ"، قال: "الخط". وعزاه السيوطي في "الدُّر المنثور": إلى ابن المُنذر، وابن أبي حاتم، وابن مَرْدويه. (¬٥) وذكره الهيثمي في "المجمع"، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح. (¬٦) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": إسناده صحيح. (¬٧) - وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢٦٩)، وفي "الكبير" (١٠٧٢٥)، بسندٍ فيه ضَعف، من طريق سعيد بن أبي أيُّوب، عن صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عبَّاس، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْخَطِّ؟ فَقَالَ: «هُوَ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ». • بينما أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٩٣)، عن بشر بن آدم، قال: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ - الضحَّاك بن مخلد -، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - موقوفًا -، قال: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، قَالَ: «خَطٌّ كَانَ يَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الأَرْضِ». قال ابن العربي: ولم يصح. (¬١) قلت: في سنده "بشر بن آدم بن يزيد البصري"؛ قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوقٌ فيه لِينٌ. (¬٢) - وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣٦٩٤)، من طريق محمد بن المنكدر العبدي، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - موقوفًا -، فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، قَالَ: «هُوَ الْخَطُّ». وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخيْن، ولم يُخرّجاه، وقد أُسند عن الثوري من وجهٍ غير معتمد. ووافقه الذهبي في "التلخيص". قلتُ: وهو كما قال، إلا في قوله "وقد أُسند عن الثوري من وجهٍ غير معتمد"؛ فيُتَعَقَّب عليه برواية أحمد السَّالفة الذِّكر، وقد رواها أحمد، عن يحيى بن سعيد القطَّان، عن سُفيان الثَّوري؛ فهل بعد هذا من وجهٍ معتمد؟ وإن يكن فأين هو؟!. وعزاه السيوطي في "الدُّر" إلى الفريابي، وعبد بن حُميد، وابن مردويه، والخطيب. قلتُ: ولعلَّ الوجه المرفوع عن سُفيان هو الراجح، فقد رواه عنه، به، ثلاثةٌ من الرواة الثقات. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لَمْ يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عَوْنٍ إلا عَمْرُو بن الأزهر. قلتُ: مما سبق في التخريج يتضح سلامة ما قاله المصنف ﵁ وصحته، وأنَّه بالفعل لم يروه عن ابن عون إلا عمرو بن الأزهر، ولم يُتابع عليه. والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" - كما سبق -، من هذا الوجه، واستغرب فيه لفظة "جودة"، وهذا فيه إشارةٌ ضمنيَّةٌ إلى تفرُّد راويه بها. والحديث قد رُوِيَ من وجهٍ آخر صحيح، عن ابن عبَّاس - كما سبق - بدون هذه الزيادة. خامسًا: - التعليق على الحديث: - قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (¬٣)، ﴿قُلْ﴾ أَيْ: لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَابِدِينَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾؛ أَيْ: أَرْشِدُونِي إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَقَلُّوا بِخَلْقِهِ مِنَ الْأَرْضِ، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ أَيْ: وَلَا شِرْكَ لَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنِ المُلْك والتصرّف كله إلا الله ﷾، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَتُشْرِكُونَ بِهِ؟ مَنْ أَرْشَدَكُمْ إِلَى هَذَا؟ مَنْ دَعَاكُمْ إِلَيْهِ؟ أَهْوَ أَمَرَكُمْ بِهِ؟ أَمْ هُوَ شَيْءٌ اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أَيْ: هَاتُوا كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاء يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَيْ: دَلِيلٍ بَيِّن عَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ الَّذِي سَلَكْتُمُوهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَيْ: لَا دَلِيلَ لَكُمْ نَقْلِيًّا وَلَا عَقْلِيًّا عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَرَأَ آخَرُونَ: "أَوْ أثَرَة مِنْ عِلْمٍ"؛ أَيْ: أَوْ عِلْمٍ صَحِيحٍ يَأْثُرُونَهُ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَوْ أحد يأثُر علما. وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَوْ بَيِّنَةٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَوْ أثَرَة مِنْ عِلْمٍ" قَالَ: "الْخَطُّ". وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: أَوْ بَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾ شَيْءٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ أَيْضًا: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي الْخَطَّ. وقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ خَاصَّةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ﵀ وَأَكْرَمَهُ، وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ. (¬١) - وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": قَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ "أَوْ أَثَارَةٌ" بِالْأَلِفِ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ "أَوْ أَثَرَةٌ" بِمَعْنَى أَوْ خَاصَّةٌ مِنْ عِلْمٍ أُوتِيتُمُوهُ وَأُوثِرْتُمْ بِهِ عَلَى غَيْرِكُمْ. قُلْتُ: وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَة. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: "أَوْ أَثَرَةٌ مِنْ عِلْمٍ" قَالَ: أَثَرَةٌ شَيْءٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ. - قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: "أوْ" خَاصَّةٌ مِنْ عِلْمٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق أبي سَلمَة، عَن ابن عَبَّاسٍ، قَالَ: خَطٌّ كَانَتْ تَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الْأَرْضِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنِ ابن عَبَّاسٍ: جَوْدَةُ الْخَطِّ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَحَمَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْخَطَّ هُنَا عَلَى الْمَكْتُوبِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي تَجْوِيدِ الْخَطِّ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَمِدُونَهُ فَالْأَمْرُ فِيهِ لَيْسَ هُوَ لإباحته. (¬٢) وقال أيضًا: وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرُوهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: الْبَقِيَّةُ وَأَصْلُهُ أَثَرْتُ الشَّيْءَ أُثِيرُهُ إِثَارَةً كَأَنَّهَا بَقِيَّةٌ تُسْتَخْرَجُ فَتُثَارُ، الثَّانِي: مِنَ الْأَثَرِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ، الثَّالِثُ: مِنَ الْأَثَرِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ. (¬٣) * * * [٧٣/ ٤٧٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: نا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ: أَيْنَ حَالُنَا مِنْ حَالِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّه! وَاللَّهِ لَوْ نُشِرُوا مِنَ (¬١) الْقُبُورِ مَا عَرَفُوكُمْ إِلا أَنْ يَجِدُوكُمْ قِيَامًا تُصَلُّونَ». * لَمْ يَرْوِ هذا الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بن بُسْرٍ إلا يَزِيدُ بن خُمَيْرٍ، تَفَرَّدَ به: صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "مسند الشاميين" (٩٩٦) - ومن طريقه الخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (١٧٩٩) -، قال: حدثنا أحمد بن خُليد، به. • وأخرجه ابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (١٢٢٩) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٢٧/ ١٥٧ - ١٥٨) -، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٨٠)، وابن بطة في "الإبانة الكُبرى" (٧١٧). كلهم من طرقٍ، عن صفوان بن عمرو، به. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُليد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) أبو اليمان الحَكَم بن نافع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣٢). ٣) صَفْوان بن عمرو بن هَرم السَّكْسَكيُّ: "ثِقَةٌ ثَبْتٌ"، تَقَدَّمت ترجمته في الحديث رقم (٤٠). ٤) يزيد بن خُمير بن يزيد الرَّحَبي، الهَمْداني، أبو عُمر الشاميُّ، الحِمْصي. روى عن: عبد الله بن بُسر، وأبي أُمامة صُدَي بن عجلان، وأبي هريرة، وآخرين. روى عنه: صفوان بن عمرو، وشُعبة بن الحجَّاج، والضَّحَّاك بن حمزة، وآخرون. حاله: قال شُعبة، ويحيى بن معين، والنِّسائي، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحَّه، ورفع أمره. وقال النّسائي: ليس به بأسٌ. وقال الذهبي: وثَّقوه. - وقال أحمد: كان كيسًا، وحديثه حسن. وقال أيضًا: صالح الحديث. وقال أبو حاتم، وابن حجر: صدوقٌ. قلتُ: ومن وثقه؛ فيهم شُعبة، وقد روى عنه، فهو أدرى بحاله. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ". (¬٢) ٥) عبد الله بن بُسر (¬١) بن أبي بسر المازني، أبو بسر، وقيل: أبو صفوان، له ولأبويه صُحبة. روى عن: النبي ﷺ، وأخته الصَّمَاء. وروى عنه: يزيد بن خُمير، وخالد بن مَعْدان، وحريز بن عثمان، وآخرون. قال الذهبي في "السير": له أحاديث قليلة، وصُحبة يسيرة، ولأخويه وأبيهم صُحبة. (¬٢) ثالثًا: - الحكم على الحديث: مما سبق يتضح أنَّ الأثر بهذا الإسناد "صحيحٌ". رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁: قال المصنف ﵁: لَمْ يَرْوِه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ إِلَّا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ، تَفَرَّدَ بِهِ: صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو. قلتُ: مما سبق في التخريج يتضح صحة ما قاله المصنف ﵁. خامسًا: - التعليق على الحديث: - ذكر الإمام ابن بطة في "الإبانة الكبرى" جملةً من الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ، وفيها إعلامه ﷺ لأمته ركوب طريق الأمم قبلهم، وتحذيره إياهم ذلك، ثم قال: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَاقِلًا أَمْعَنَ النَّظَرَ الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ لَعَلِمَ أَنَّ أُمُورَ النَّاسِ تَمْضِي كُلُّهَا عَلَى سُنَنِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَطَرِيقَتِهِمْ، وَعَلَى سُنَّةِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَعَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَا طَبَقَةٌ مِنَ النَّاسِ وَمَا صِنْفٌ مِنْهُمْ إِلَّا وَهُمْ فِي سَائِرِ أُمُورِهِمْ مُخَالِفُونَ لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ مُضَاهُونَ فِيمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ وَالْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَهُمْ، فَإِنْ صَرَفَ بَصَرَهُ إِلَى السَّلْطَنَةِ وَأَهْلِهَا وَحَاشِيَتِهَا، وَمَنْ لَاذَ بِهَا مِنْ حُكَّامِهِمْ وَعُمَّالِهِمْ؛ وَجَدَ الْأَمْرَ كُلَّهُ فِيهِمْ بِالضِّدِّ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ، وَنُصِّبُوا لَهُ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ وَزِيِّهِمْ، وَلِبَاسِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ النَّاسِ بَعْدَهُمْ مِنَ التُّجَّارِ وَالسُّوقَةِ، وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَطَالِبِيهَا مِنَ الزُّرَّاعِ وَالصُّنَّاعِ وَالْأُجَرَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. وَمَتَى فَكَّرْتَ فِي ذَلِكَ وَجَدْتَ الْأَمْرَ كَمَا أَخْبَرْتُكَ فِي الْمَصَائِبِ وَالْأَفْرَاحِ، وَفِي الزِّيِّ وَاللِّبَاسِ وَالْآنِيَةِ وَالْأَبْنِيَةِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْخُدَّامِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْوَلَائِمِ وَالْأَعْرَاسِ وَالْمَجَالِسِ وَالْفُرُشِ وَالْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَكُلِّ ذَلِكَ فَيَجْرِي خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالضِّدِّ مِمَّا أُمِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَنُدِبَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى وَمَلَكَ وَاقْتَنَى وَاسْتَأْجَرَ وَزَرَعَ وَزَارَعَ، فَمَنْ طَلَبَ السَّلَامَةَ لِدِينِهِ فِي وَقْتِنَا هَذَا مَعَ النَّاسِ عُدِمَهَا، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْتَمِسَ مَعِيشَةً عَلَى حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقْدَهَا، وَكَثُرَ خُصَمَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ وَمُخَالِفُوهُ وَمُبْغِضُوهُ فِيهَا، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَمَا أَشَدَّ تَعَذُّرَ السَّلَامَةِ فِي الدِّينِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَطُرُقَاتِ الْحَقِّ خَالِيَةٌ مِقْفِرَةٌ مُوحِشَةٌ قَدْ عُدِمَ سَالِكُوهَا وَانْدَفَنَتْ مَحَاجُّهَا، وَتَهَدَّمَتْ صَوَايَاهَا وَأَعْلَامُهَا، وَفُقِدَ أَدْلَاؤُهَا وَهُدَاتُهَا، قَدْ وَقَفَتْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى فِجَاجِهَا وَسُبُلِهَا تُتَخَطَّفُ النَّاسُ عَنْهَا، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَيْسَ يَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ وَيُهِمُّهُ إِلَّا رَجُلٌ عَاقِلٌ مُمَيِّزٌ، قَدْ أَدَّبَهُ الْعِلْمُ وَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ بِالْإِيمَانِ. ثم ذكر جملة من الآثار الواردة عن الصحابة، ومن بعدهم تدل على ما ذكره في تغير الناس، وبُعْدهم عن