الخطيب: وإبراهيم بن مهدي: ضعيفٌ. وقال الذهبي: حديثه في الحمَّامات لا يثبُت. وقال الهيثمي: فيه إسماعيل بن عبد الرحمن وهو ضعيف. وقال الألباني: ضعيفٌ جدًا. (¬١) قلتُ: وتَتَابُع العلماء على ذكر هذا الحديث في ترجمته، يدل على أنَّه من مناكيره. رابعًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لا يُرْوَى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إبراهيم. قلتُ: مما سبق في التخريج يَتَبَيَّنُ أنّ هذا الحديث لا يُروى عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد - كما قال الطبراني - فيُسلّم له بذلك، لكن لم ينفرد به إبراهيم بن مَهدي: - فقد أخرجه الثعلبي في "تفسيره"، من طريق أبي هارون العطَّار - ولم أقف له على ترجمة -، ومشرق بن عبد الله الفقيه في "حديثه"، من طريق محمد بن الحسين السَّبِيْعِيّ، كلاهما عن أبي حفص الأبّار. - ولم أقف على أحدٍ تابع أبا حفص الأبَّار على روايته لهذا الحديث، وعليْه فيقف التفرّد عنده، وبه قال أبو نعيم: تفرّد به الأبّار عن إسماعيل. (¬٢) - وأطلق غير واحدٍ من أهل العلم تفرد إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي بهذا الحديث وأنه لم يُتابع عليه: فقال البخاري، والعقيلي - بعد ذكرهما لحديث الباب في ترجمته -: لا يُتابَع فيه. وقال البيهقي: تفرّد به إسماعيل الأوْدي. - وعلى هذا فصحيح عبارة الطبراني أن يُقال: لا يُروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرّد به: أبو حفص الأبّار، والحمل فيه على إسماعيل بن عبد الرحمن. * * * [٦٢/ ٤٦٢]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ، قَالَ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: وُقِّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن أَشْعَثَ إلا أبو خَالِدٍ. هذا الحديث مداره على أَشْعث بن سوَّار، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أَشْعث بن سوّار، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ مِنْ قوله. الوجه الثاني: أَشْعث بن سوَّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ مِنْ قوله. وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: الوجه الأول: أَشْعث بن سوّار، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا). أ تخريج الوجه الأول: - أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٦٢) - وهي رواية الباب، ولم أقف عليه إلا عنده -. - وأورده الزيْلعي في "نصب الراية" (١/ ٢٠٦/ برقم ٨٥٤) بإسناد الطبراني، ومتنه. ب دراسة إسناد الوجه الأول: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عُبيْد بن جَنّاد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٣) سُلَيْمَان بن حَيّان، أبو خالد الأَحْمَر، الأَزْديّ، الكُوفيُّ، الجَعْفَريُّ. روى عن: أشعث بن سوَّار، وشُعبة بن الحجّاج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرين. روى عنه: عُبيد بن جنّاد، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن سَلَّام البِيكَنْديّ، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وعلي بن المديني، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال العِجْلي: ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، صاحب سنة. وقال ابن معين أيضًا: ليس به بأسٌ، ثِقَةٌ ثِقَة. وقال وكيع بن الجرّاح: ثِقَةٌ، ولمّا سُئل عنه، قال: أبو خالد ممَّن يُسئل عنه؟! وقال ابن معين، والنسائي: ليس به بأسٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": من مُتْقنِي أهل الكوفة، وكان ثبْتًا. وقال أبو حاتم، وابن خِراش: صدوق. - وقال ابن معين أيضًا: صدوقٌ ليس بحجة. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، ما أعلم له غير ما ذكرتُ ممّا فيه كلامٌ، ويحتاج إلى بيان، وإنّما أُتيَ من سوء حفظه فَيَغْلط، ويُخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين. وفي "التقريب": صدوقٌ يُخطئ. وفي "تهذيب التهذيب"، عن أبي بكر البزّار، قال: ليس هو مِمَّن يلزم زيادته حجة لاتفاق أهل العلم أنَّه لم يكن حافظًا، وأنّه روى عن الأعمش وغيره أحاديث لم يُتابَع عليها. - قلتُ: أمَّا ابن معين؛ فوثَّقه مرَّة، وضَعّفه أخرى، ولم يُعلم المتأخر منهما، فيُقدَّم ما وافق الجمهور، ويُحمل تضعيفه بسبب حديث "إذا قرأ فانصتوا" - قاله د/بشّار في تعليقه على "التهذيب"، وفي "التحرير" -. وأما ابن عدي: فذَكر له جملةً من الأحاديث، منها ثلاثة أحاديث بَيَّن ابن عدي: أنَّها مِمَّا انفرد بها أبو خالد، وثلاثة أحاديث مِمَّا أخطأ فيها على غير الصواب، لكنَّه ذَكر منها حديثًا وقال: فلا أدري البَلاءُ من أبي خالد، أو من تلميذه يحيى؟ فإذا انضمّ إلى ذلك ما قاله ابن سعد: كثير الحديث، وما قاله الذهبي: مُكثر يَهِم كغيْره. عَلِمنا أنّ ما أخطأ فيه لا يُعد بشيء إلى جنب ما رَوَى، ومَنْ مِنَ الثقات لا يخطئ؟ مع الأخذ في الاعتبار أنّ ابن عدي قال في آخر ترجمته: ما أعلمُ له غير ما ذكرتُ ممَّا فيه كلام، ويحتاج فيه إلى بيان. لذا ذَكَره الذهبي في "الميزان"، ورَمَزَ له بـ"صح"، وهي تدل على أنَّ العمل فيه على تَوْثيقه، ثم قال: مُكثر، يَهِمُ كغيْره. وقال في غير "الميزان": أبو خالد محتجّ به في الكتب، ولكن ما هو في الثبت مثل يحيى القطّان. وأخرج له الجماعة، واحتجّ به مسلم في "صحيحه"، وأخرج له البخاري متابعة. فالحاصل: أنَّه "ثِقَةٌ - لكنَّ حديثه ليس في أعلى مراتب الصحة - وله بعض الأَوْهَام". (¬١) ٤) أَشْعث بن سَوَّار، الكِنْديّ، الكوفي، الأَخْرق - أي النجّار -، كان على قضاء الأَهْواز. روى عن: أبي الزّبيْر محمد بن مسلم المكي، وأبي إسحاق السَّبِيعي، والحسَن البصْري، وآخرين. روى عنه: سُليْمان بن حيَّان، وشُعبة بن الحجّاج، وهُشَيْم بن بَشِير، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وأحمد، والعِجْليُّ، والنسائيُّ، وأبو داود، والدّارقطنيُّ، وابن حجر: ضعيفٌ. وزاد العِجْليُّ: يُكتب حديثه. وقال أبو زرعة: ليّنٌ. وقال ابن حبَّان: فاحش الخطأ، كثير الوهم. وقال الدارقطني: يُعتبر به. وقال ابن عدي: يخالفونه في بعض حديثه، وفي الجملة يُكتب حديثه، ولم أجد لأشعث فيما يرْوِيه متنًا مُنكرًا، إنَّما يَخلط في الإسناد، ويُخالف. وقال الذهبي في "المغني": هو من الضعفاء الذين روى لهم مسلم متابعة. وقال في "السير": أحد العلماء على لينٍ فيه. - بينما قال ابن معين مَرَّة: ثِقَةٌ. وقال الذهبي في "الكاشف": صَدُوقٌ. قلتُ: وقولهما مخالف لقول جمهور أهل العلم، بالإضافة إلى أن الجرح فيه مَفسَّر، بل واختلف قولهما فيه، فمرَّةً ضعّفاه، ومرَّةً عدَّلاه، فيُقدَّم التضعيف فيه. فالحاصل: أنه "ضعيفٌ يُعتبر به". (¬٢) ٥) أبو الزُبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس: "ثِقَةٌ، يُدلِّس عن جابر خاصةً، فلا يُقبل من حديثه عن جابر إلا ما صرَّح فيه بسماعه منه، أو كان من رواية الليث بن سعد عنه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٤٧). ٦) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جَليلٌ"، من المكثرين، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). ثانيًا: - الوجه الثاني: أَشْعث بن سوَّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ (موقوفًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨٣٨٤)، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حِبَّان بن علي، عن أَشْعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، قال: وُقِّتَ للنفساء أربعون يومًا. ب متابعات للوجه الثاني: وهذا الوجه لم ينفرد بروايته أَشْعث، عن الحسن، بل له متابعات عن الحسن، من أمثلها: ١) ما أخرجه عبد الرزّاق في "المصنف" (١٢٠١)، والدارمي في "سننه" (٩٩٠)، وابن الجارود في "المنتقى" (١١٨)، كلهم من طريق سفيان الثوري، عن يونس بن عُبيد بن دينار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: أنّه كان لا يَقْرَب النفساء أرْبعين يومًا. وقال الحسن: النّفساء خمسة وأربعون إلى خمسين، فما زاد فهي مُسْتحاضة. قلتُ: وهذا سنده صحيحٌ إلى الحسن. وقال د/عبد الله الجُديع: وهذا أصحّ طريقٍ عن الحسن. (¬١) ٢) وما أخرجه الدارمي في "سننه" (٩٩١)، عن جعفر بن عون، والطبراني في "الكبير" (٨٣٨٣) من طريق عنبسة بن سعيد الرازي، كلاهما عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن، به. قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. (¬٢) وقال ابن حجر: ضعيف الحديث. (¬٣) ت دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الطبراني في "الكبير"): ١) عبد الله بن أحمد بن حنبل: "ثِقَةٌ". (¬٤) ٢) أبو الربيع الزهراني، سليمان بن داود العَتَكي: "ثِقَةٌ، لم يَتَكَلَّم فيه أحد بحجة". (¬٥) ٣) حِبَّان بن علي العَنَزي الكوفي: "ضعيفٌ يُعتبر به". (¬٦) ٤) أَشْعث بن سوّار: "ضعيف يُعتبر به"، تَقَدَّم في الوجه الأول لهذا الحديث. ٥) الحسن بن يسار البصري: "ثِقَةٌ، فَقِيْهٌ، فَاضِلٌ، وَرِعٌ، كثير الإرسال، وعنعنته محمولة على الاتصال والسماع في روايته عمن صحّ له سماعه منه في الجملة، إلا في روايته عن سُمرة بن جُندب، فإنه يدلّس عنه"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٣١). وأما عن سماع الحسن مِنْ عُثْمَان بن أبي العاص، فالعل ماء فيه على قولين: الأول: نفاه المزي بصيغة التمريض في "تهذيب الكمال" (¬١)، ونفاه الحافظ ابن حجر بصيغة الجزم في "تهذيب التهذيب" (¬٢)، وكذلك قال في "التلخيص": الحسن، عن عثمان منقطع. (¬٣) وقال الحاكم: الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. (¬٤) ونقله كذلك الزيِلعي، عن المنذري. (¬٥) الثاني: بينما أثبته علي بن المديني، فقال في "العلل": سَمِع الحسن من عثمان بن عفان - وهو غلام - يخطب، ومن عثمان بن أبي العاص. (¬٦) قلتُ: وعندما تَتَبَّعتُ مَرْويات الحسن عنه، وجدتُ ما يدل على لقائه به، وسماعه منه في الجملة، فيقول: دخلتُ على عثمان بن أبي العاص، ورأيتُ عثمان، وقَدِمَ علينا عثمان، وأَشْرف علينا عثمان، ودُعيَ عثمان، .... وغير ذلك مما يدلّ على سماعه منه. وفي "العلل" للإمام أحمد: عن الحسن، قال: ما رأيتُ أفضل من عثمان بن أبي العاص. (¬٧) وفيه أيضًا: كنَّا ندخل على عثمان بن أبي العاص، وكان له بيْتٌ. (¬٨) فهذا كله يدلّ على سماعه منه، وقد ثبت عدم تدليس الحسن - إلا عن سَمْرَة بن جُنْدَب، كما سبق -، فلا يُتوقف في عنعنته عنه، والمُثبِت مُقدَّمٌ على النَّافي، ومَن عَلِم حُجة على مَن لمْ يعلم - والله أعلم -. ٦) عثمان بن أبي العاص: "صحابي شهير، استعمله النبي ﷺ على الطائف". (¬٩) ثالثًا: - النظر في الخلاف على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنّ الحديث مداره على أَشْعث بن سوَّار، واختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: أَشْعث بن سوّار، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا). الوجه الثاني: أَشْعث بن سوّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص (موقوفًا). والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: وجود مُتابعات للأشعث بن سَوَّار على الوجه الثاني، فقد تابعه غير واحد، منهم: يونس بن عُبيْد، وإسماعيل بن مسلم المكي، والإسناد إلى الحسن من طريق يُونس بن عُبيد صحيحٌ، فَدَلَّ ذلك على أنّ أَشْعث قد وَهِم وأخطأ في رواية الحديث بالوجه الأول، وأنه قد حَفِظ الحديث وضبطه بالوجه الثاني. رابعًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني في "الأوسط": مِمَّا سبق يتضح أنّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعِيْفٌ"؛ لأجل أَشْعث بن سوّار "ضعيفٌ"، وقد انفرد به، ولم يتابعه أحد على هذا الوجه، بالإضافة إلى اضطرابه في هذا الحديث فرواه مرّة عن أبي الزبير، عن جابر، ومرَّة عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص. قلتُ: والأَشْعث لم يضبط، ولم يحفظ أحاديث أبي الزبير جيدًا، فقد قال زُهير: رأيتُ أَشْعث بن سوّار عند أبي الزبير قائمًا دونه الناس، وأبو الزبير يُحدّث، فيقول أشعث: كيف قال؟ وأيّ شيءٍ قال؟. (¬١) وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه أَشْعث بن سوّار، وثّقه ابن معين، واختُلف في الاحتجاج به. (¬٢) قلتُ: وسبق بيان أقوال أهل العلم فيه، وتَبَيَّن أنَّ الجمهور على تضعيفه. ب الحكم على الحديث مِنْ الوجه الراجح (بإسناد الطبراني في "المعجم الكبير"): ومِمَّا سبق يتضح أنّ الحديث من طريق أَشْعث بن سوّار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، "إسناده ضعيفٌ"؛ لأجل أَشْعث بن سوّار، وحِبَّان بن عليّ العَنَزيّ، وكلاهما "ضعيفٌ، يُعتبر به". مُتابعات للحديث: وأشعث بن سَوَّار تابعه غير واحد - كما سبق في التخريج -، منهم: يونس بن عُبيد - وإسناده صحيح -، وعليه فالأثر عن عثمان بن أبي العاص يرتقي بمتابعاته من "الضعيف"، إلى "الصحيح لغيره". - قلتُ: والحديث أَعَلَّه غير واحدٍ (¬٣) بعدم سماع الحسن من عثمان بن أبي العاص، وقد سبق أن ثبت سماعه منه، أثبته علي بن المديني صراحةً، وأحمد والبخاري إشارةً، فلا وجه لإعلال الحديث به، فالأثر "صحيحٌ" بمتابعاته، ومجموع طُرُقه. - فالحديث صحَّ عن عثمان بن أبي العاص، من قوله، وقد رُوي عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ، لكنه لم يصح، فإسناده واهٍ، وقد خُولف راويه، فلا يُعتبر به. (¬٤) شواهد للحديث مرفوعة إلى النَّبي ﷺ: وللحديث عِدَّة شواهد مرفوعة إلى النبي ﷺ، يُعتبر بها، من أمثلها: • حديث أم سلمة ﵂: - أخرجه أحمد، من طريق عَلِيِّ بن عَبْدِ الأَعْلَى، عن أبي سَهْلٍ، عن مُسَّةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: "كَانَتِ النُّفَسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وُجُوهِنَا الْوَرْسَ (¬١) مِنَ الْكَلَفِ (¬٢) " (¬٣). - وأخرجه أبو داود في "سننه"، مِنْ طريق يُونُسَ بن نَافِعٍ، عن كَثِيرِ بن زِيَادٍ، قال: حدَّثَتْنِي الأَزْدِيَّةُ، قالت: حَجَجْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سَمُرَةَ بن جُنْدُب يَأْمُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلاةَ المَحِيضِ، فَقَالَتْ: لا يَقْضِينَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْعُدُ في النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلاةِ النِّفَاسِ. (¬٤) قلتُ: وسنده ضعيفٌ؛ لأجل مُسَّة الأزدية، ومدار الحديث عليها، وهي "مجهولة الحال". (¬٥) وأما الرواية الثانية، ففيها: " كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقْعُدُ في النِّفَاسِ "، فَلَعَلَّه وَهْم مِنْ يونس بن نافع، فقد نصّوا على أنه يُخطئ (¬٦)، وإلا فقد قال ابن القطّان: المراد بنسائه هنا بناته، وقريباته، وسُرِّيته مارية، فإن أزواجه ما منهن من كانت نفساء أيام كونها معه إلا خديجة، وقد ماتت قبل الهجرة. (¬٧) وقال الزيلعي في "نصب الراية": قال ابن تيمية في "المنتقى": معنى الحديث، أي: كانت النفساء تُؤمر أن تقعد أربعين يومًا. قال: إذ لا يمكن أن تتفق عادة نساء عصرٍ في نفاسٍ، ولا حيض. (¬٨) أقوال أهل العلم على حديث أم سلمة: - قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مُسَّ الأزدية، عن أم سلمة، وقال محمد بن إسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثِقَةٌ، وأبو سهل ثِقَةٌ. وصَحَّحَ إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الخطابي: حديث مُسَّة أَثنى عليه محمد بن إسماعيل. وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام": أحاديث هذا الباب كلها معلولة، وأحسنها حديث مُسَّة الأزدية. وأعَلَّه كذلك ابن القطّان في "الوهم والإيهام" بـ "مُسة". وقال البيهقي: وقد روى فيها أحاديث مرفوعة كلها - سوى ما ذكرناه - ضعيفة. وقال صاحب "عون المعبود": مُسَّة أَثنى على حديثها البخاري، والحديث صحح الحاكم إسناده، وأقل أحواله أن يكون حسنًا. وقال صاحب "تحفة الأحْوَذي": الظاهر أنّ هذا الحديث حسنٌ صالح الاحتجاج، وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة تؤيِّده. وصحَّح إسناده النووي في "المجموع"، وقال: قول جماعة من مصنفي الفقهاء أنَّ هذا الحديث ضعيف، مردود عليْهم، وله شاهد، والحديث جيد، وإنما ذَكرتُ هذا لئلا يُغترّ به. وقال الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" - بعد نقله كلام النووي -: والراجح عندي أنه حديثٌ حَسَن. وحسَّنه أيضًا في "صحيح أبي داود" بشواهده. وحسّنه أيضًا بشواهده الدكتور/عبد الله الجُديع في رسالته "كشف الالتباس عن أحكام النفاس". (¬١) قلتُ: ومجموع هذه الأقوال يدلّ على أنّ مَنْ ضعّفه، إنما ضعّفه لأجل "مُسَّة الأزدية"، ومَنْ حسَّنه، أو صحَّحه، إنما بشواهده، فلا تعارض بينهما، وعلى كل حال فحديث أمّ سَلَمة "إسناده ضعيف"، لكنه يُعتبر به. وعليه فيبقى حديث أمّ سلمة على ضَعْفه، حتى يَثْبُت ما يُقوِّيه. - ولعلّ الأثر السابق عن عثمان بن أبي العاص، بالإضافة إلى أنّ العمل على هذا الحديث عند جمهور أهل العلم - كما سيأتي في التعليق على الحديث - يُقَوِّي حديث أمّ سلمة إلى "الحسن لغيره"، والله أعلم. (¬٢) خامسًا: - النظر في كلام المصنف ﵁ على الحديث: قال المصنف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن أَشْعث إلا أبو خالد. قلتُ: من خلال ما سبق يتبيّن - بعد البحث - أنّ الحديث بهذا الطريق - من حديث جابر -، لمْ يَرْوه عن أَشْعث، إلا أبو خالد، وعلى هذا فيُسلّم للمصنف ﵁ في ذلك. وقد رواه عن أَشْعث، حِبَّانُ بن علي العَنَزيُّ - كما عند المصنف في "الكبير" - لكنَّه رواه بوجهٍ آخر غير الوجه الذي رواه به أبو خالد، فرواه عن أَشْعث، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص - موقوفًا -. وهذا يدلّ على أنّ كلام الطبراني مُقَيَّدٌ بالوجه المذكور، وليس مطلقًا - والله أعلم -. سادسًا: - التعليق على الحديث: - قال الترمذي: وقد أَجْمَعَ أهلُ العلم مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ، والتَّابِعِينَ، ومَنْ بعدهم على أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلاة أربعين يَوْمًا، إلا أَنْ ترى الطُّهْرَ قبل ذلك، فإِنَّها تغتسلُ وتُصَلِّي، فإذا رأت الدَّمَ بعد الأربعين فإِنَّ أكثرَ أهل العلم قالوا: لا تَدَعُ الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفُقَهَاءِ، وبه يقول سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. ويُرْوَى عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّه قال: تَدَعُ الصلاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إذا لم تَرَ الطُّهْرَ. ويُرْوَى عن عطاءِ بن أبي رَبَاحٍ، والشَّعْبِيِّ سِتِّينَ يَوْمًا. (¬١) ونُوزع الترمذي في نَقْله للإجماع (¬٢)، وفيما نَقَله عن الشافعي، بل وتعجّب منه النووي، وذَكَر أنّ المعروف في المذهب ستين يومًا. (¬٣) - وقال البغوي: أمّا أكثره، فأربعون يومًا عند أكثر أهل العلم، قَالُوا: تَدَعُ الصَّلاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتسِلَ وَتُصَلِّيَ، فَإِنْ زَادَ على الأربعين، فلا تَدَعُ الصَّلاةَ، رُوِيَ هذا عن عُمَرَ، وابن عَبَّاسٍ، وأنسٍ، وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ، وحكاه أبو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عن الشَّافِعِيِّ. (¬٤) - وذهب ابن قُدامة إلى أنّ أكثر مدة للنفاس أربعون يومًا، ونَقَل هذا عن جماعة من الصحابة، وذكر حديث أمّ سلمة، ثم قال: وهذا قول مَن سَمَّيْنا من الصحابة، ولمْ نَعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا، وقد حكاه الترمذي إجماعًا، ونحوه حكى أبو عُبيْد … ثُمَّ قال: فَإِنْ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ على أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَصَادَفَ عَادَةَ الحَيْضِ، فهو حَيْضٌ، وإن لم يُصَادِفْ عَادَةً، فهو اسْتِحَاضَةٌ. قال أحمدُ: إذا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فإن كان في أيَّام حَيْضِهَا الذي تَقْعُدُهُ أَمْسَكَتْ عَنْ الصلاة، ولَمْ يَأْتِهَا زَوْجُهَا، وإِنْ لم يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ كانت بِمَنْزِلَةِ المُسْتَحَاضَةِ، يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي إنْ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ، وَلَا تَقْضِي. (¬٥) * * * [٦٣/ ٤٦٣]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا مُحمد (¬١) بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: نا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِيهِ. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُدَارَاةُ (¬٢) النَّاسِ صَدَقَةٌ». * لم يَرْوِ هذا الحديث عن يُوسُفَ بن محمدٍ إلا محمد (¬٣) بن عِيسَى. هذا الحديث مداره على محمد بن المنكدر، واختُلف عليه من وجهين: الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ». الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». وتفصيل ذلك كالآتي: أولًا: - الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ». أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٨/ ٤٨٥)، وأبو طاهر السِّلَفي في "الجزء الخامس من المشيخة البغدادية" (٢٥)، من طريق عبد الرحمن بن عُبيد الله الحلبي، عن يوسف بن محمد بن المُنْكدر، عن أبيه، به. والحديث ذَكَره ابن عدي في ترجمة يوسف بن محمد بن المُنْكدر، ونقل عن ابن حمَّاد، أنّه قال: يوسف بن محمد متروك الحديث، أَظُنُّه ذكره عن النسائي، وقد تَفَرَّد به عُمر بن الحسن بن نصر، عن عبد الرحمن الحلبي، وليوسف بن محمد غير هذه الأحاديث التي ذَكّرتها، وأرجو أنه لا بأس به. ا. هـ. • وأخرجه أبو زرعة الدِّمشقي في "الفوائد المعللة" (١٠٥) - بترقيم الشاملة -، وابن أبي الدنيا في "مُداراة الناس" (٣) - ومن طريقه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٢٣٩٦)، وابن الجوزي في "العلل" (١٢١٥/ ١)، وابن السمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (١/ ١٤٥) -، وأبو عَروبة الحسين بن محمد في "حديثه" (٢٢) - بترقيم الشاملة -، - ومن طريقه ابن السّني في "عمل اليوم والليلة" (٣٢٦)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٢) -، وابن أبي حاتم في "العلل" (مسألة/ ٢٣٥٩)، وابن الأعرابي في "مُعجمه" (٩١٦)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٤٧١)، وفي "روْضة العقلاء" (ص/٧٣)، والطبراني في "مكارم الأخلاق" (١٤١)، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ٤٨٧)، وأبو الشيخ الأصبهاني في "الأمثال" (١٣٠)، وفي "طبقات المحدِّثين بأصبهان" (٧٥٢)، وأبو نعيْم في "الحلية" (٨/ ٢٤٦)، والخليلي في "الإرشاد" (٥٠)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩١)، والبيهقي في "الشعب" (٨٤٤٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/ ٣١٠، ٥٨/ ٢٠١). كلهم من طرقٍ، عن المُسيِّب بن واضِح، عن يوسف بن أَسْبَاط، عن سفيان الثوري، عن ابن المُنْكدر، به. قلتُ: والحديث بهذا الوجه عن سفيان الثوري باطل لا أصل له. - قال أبو زرعة الدِّمشقي: ليس هذا المحفوظ، وهو مُعْضَلٌ غَلِيْظٌ. ثم قال: نا محمد بن خازم الرَّملي - ثقة حافظ -، ثنا يوسف بن أسباط، عن رجلٍ، عن محمد بن المُنْكدر يرفعه، القلب إلى هذا أسْكن. - وقال أبو حاتم الرّازي: هذا حديثٌ باطل لا أصل له، ويوسف بن أَسْباط دفن كُتُبَه. - وقال ابن عدي: هذا الحديث يُعْرف بالمسيّب بن واضح، عن يوسف، عن سفيان، بهذا الإسناد، وقد سَرَقه منه جماعةٌ من الضعفاء، رَوَوْه عن يوسف، ولا يَرْويه غير يوسف عن الثوري، ويوسف هذا: هو عندي من أهل الصدق، إلا أنّه لمَّا عَدِمَ كُتُبه كان يحمل على حفظه، فيغلط، ويُشتبه عليه، ولا يتعمّد الكذب، ثم نقل قول البخاري: يوسف دفن كتبه، فكان لا يجيء حديثه بعد كما ينبغي. وقال صدقة: دَفَنَ يوسف كتبه، فكان بَعْدُ تنقلب عليه فلا يجيء به كما ينبغي، فاضطرب في حديثه. ا. هـ. - وقال أبو نعيم: تفرَّد به يوسف بن أسباط، عن الثوري. - وقال الخليلي: غريبٌ؛ تفرّد به يوسف بن أسباط، عن الثوري، وإذا رُويَ عن ابن المُنْكدر حديثٌ منْكر؛ فيكون الحَمْلُ على مَنْ يَرْوي عنه من الضعفاء، وقيل: إنّ هذا الحديث اشتبه عليْه، وإنّما هو: سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن رُبعي، عن حذيفة، أنّ النبي ﷺ، قال: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". (¬١) - وقال الدارقطني: ورواه الثوري، وهو غريبٌ من حديثه عنه، تفرّد به يوسف بن أسباط عنه. - وقال ابن الجوْزي: هذا حديثٌ لا يصحّ عن رسول الله ﷺ، وإنّما يُعْرف بالمسيّب بن واضح. (¬٢) قلتُ: فاتَفَقَتْ كلمتهم على إنكاره من حديث الثوري، وأنَّه قد تفرّد به عنه يوسف بن أسباط، فأَتَى عن الثوري بما لمْ يأتِ به أحدٌ من أصحابه، وأنّ الحديث معروفٌ بالمُسَيِّب بن واضح، وقد سرقه جماعةُ من الضعفاء، فرووْهُ عن يوسف - وسيأتي في الفقرة القادمة إن شاء الله ﷿. • وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٨٧)، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٩)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٦٠٠)، وابن الجوزي في "العلل" (١٢١٥/ ٢). كلهم من طريق الحُسين (¬٣) بن عبد الرحمن بن عبَّاد الفَزاري - المعروف بالاحتياطي -، عن يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المُنْكدر، به. وقال ابن عديّ: الحديث حديث المسيّب بن واضح، سرقه منه الاحتياطي هذا، وغيره، والحسين هذا يسرق الحديث عن الثقات، وله من الحديث غير ما ذَكَرتُ، وحديثه لا يشبه حديث أهل الصدق. • وأَوْرده الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٠٢) - في ترجمة عبد الله بن خُبَيق الأنطاكي -، وقال: روى عبد الله بن خُبَيق، عن يوسف بن أسباط، عن الثوري، عن ابن المُنْكدر، عن جابر، مرفوعًا: "مُداراة الناس صدقة"، وقال: قال الطبراني: لم يَرْوه عن الثوري إلا يوسف، تفرّد به: ابن خُبَيق. قلتُ: ولم يتفرّد به ابن خُبَيق، بل الحديث مشهورٌ من رواية المُسيّب بن واضح - كما سبق -، وقد قال ابن عدي: وسرقه منه جماعةٌ من الضعفاء، فَرَوَوْه عن يوسف بن أسباط، وعبد الله بن خُبَيْق هذا لم أقف فيه على جرحٍ أو تعديل فهو "مجهول الحال"، فَلَعَلَّه سرقه مِنْ المسيب بن واضح. قلتُ: وعليه فالحديث باطل، لم يصح، ولم يثبت من حديث الثوري، والله أعلم. • وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٤٦١)، من طريق أبي الأَخْيَل خالد بن عمرو الحمصي، ثنا سفيان ابن عيينة، عن محمد بن المُنْكدر، به. وقال ابن عدي: وخالد بن عمرو هذا، روى أحاديث مُنكرة عن ثقات الناس، ونقل عن جعفر الفريابي، قال: لم أكتب عنه؛ لأنه كان يكذب … ثم قال: وكنّا في شغل عن حديث الثوري، عن ابن المُنْكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ: "مداراة الناس صدقة"، يرويه عنه يوسف بن أسباط، حتى جاءنا أبو الأَخيَل فحدَّث به عن ابن عيينة! قلتُ - والله أعلم -: وهذا الكلام مِنْ ابن عدي يدل على استنكاره الشديد جدًا لهذا الحديث عن ابن عيينة، فيقول: "كنّا في شغل عن حديث الثوري"؛ أي: كنّا في إعراضٍ واستنكارٍ عن هذا الحديث من رواية الثوري - فلمْ يأتِ به أحدٌ من أصحابه عنه -، ثم يقول متعجّبًا أشد التعجب؛ "حتى جاءنا أبو الأَخْيل فحدَّث به عن ابن عيينة! " فمَن أبو الأَخْيل هذا حتى ينفرد عن مثل الجبل الأشم ابن عيينة؟! - وكلام ابن عدي هذا نقله ابن الجوزي في "العلل"، وزاد: قال ابراهيم الحربي: هذا حديثٌ كذب. - وقال الدارقطني: غريبٌ من حديث ابن عيينة، تفرّد به خالد بن عمرو، عنه. - قلتُ - والله أعلم -: وعليه فالحديث لم يصح، ولم يثبت أيضًا من حديث ابن عيينة. • وأخرجه محمد بن خلف بن حيَّان في "أخبار القضاة" (٣/ ٥١٩)، من طريق حمَّاد بن الوليد الأزدي الكوفي، عن عبد الله بن شُبْرُمة الكوفيّ، عن محمد بن المُنْكدر، به. قلتُ: وهذه متابعة لا تصلح للاحتجاج، ففي سندها حمَّاد بن الوليد وهو "متروك، ساقط، متهم" (¬١)، بالإضافة إلى اضطرابه في هذا الحديث فرواه بالوجهين، فدلَّ على عدم ضبطه، وخطئه، ووهمه فيه. (¬٢) ب متابعات للوجه الأول: وقد توبع محمد بن المُنْكدر على رواية هذا الحديث بالوجه الأول: • فأخرج البيهقي في "الشعب" (٨٤٧٥) من طريق مالك بن دينار، ومعروف بن علي، عن الحسن البصري، عن مُحارب بن دِثار، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: لمَّا نَزَلَتْ سُورَة بَراءة، قَالَ: "بُعِثْتُ بِمُدَارَاة النَّاس". وقال البيهقي: غريبٌ بهذا الإسناد، و قد رَوَيْناه من وجهٍ آخر عن جابر، و في كِلا الإسناديْن ضَعفٌ. (¬١) ت دراسة إسناد الوجه الأول (إسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) محمد بن عيسى الطَبَّاع: "ثِقَةٌ، ثَبْتٌ، فَقِيْهٌ حَافِظٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٨). ٣) يوسف بن محمد بن المُنْكَدِر، القُرَشيُّ، التَّيْميُّ، أخو عُمر، والمُنْكدر ابنيْ محمد بن المُنْكدر. روى عن: أبيه محمد بن المُنْكدر. روى عنه: محمد بن عيسى الطبَّاع، وعبد الله بن جعفر الرَّقيُّ، وعُبيْد بن جَنَّاد الحَلَبيُّ، وآخرون. حاله: قال أبو زرعة: صالحٌ، وهو أقل روايةً من أخيه المنكدر. - وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يُكتب حديثه. وقال ابن عدي: لا أعرفُ له غير ما ذكرتُهُ من الأحاديث، وأرجو أنّه لا بأس به. وقال الدارقطني، وأبو داود، والذهبي، وابن حجر: ضعيف. - وقال النسائي، وأبو الفتح الأزدي، وأبو بِشر الدُّولابي: متروك. وقال النسائي أيضًا: ليس بثقة. وقال ابن حبَّان: يَروي عن أبيه ما ليس من حديثه من المناكير التي لا يشك عوام أصحاب الحديث أنّها مقلوبة، وكان شيخًا صالحًا ممّن غَلَب عليه الصلاح حتى غفل عن الحفظ والاتقان، فكان يأتي بالشيء على التوهّم، فبَطُل الاحتجاج به على الأحوال كلها، وذكر بعض مناكيره. (¬٢) قلتُ: وقوْل أبي زرعة: محمولٌ على الصلاح في العبادة، يدلّ عليْه كلام ابن حبَّان. وأمَّا قول النسائي، وغيره بأنه "متروك"، فيُجاب عنه بقول أبي حاتم: يُكتب حديثه. وبقول ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به. فالحاصل: أنه "ضعيفٌ" وهو قوْل الجمهور فلا يُحتج به إذا انفرد، بل يُعدُّ من مناكيره. ٤) محمد بن المُنْكدر: "ثِقَةٌ، فَاضِلٌ"، تَقَدّم في الحديث رقم (٣٠). ٥) جابر بن عبد الله ﵁: "صحابيٌّ جليلٌ، مُكْثِرٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). ثانيًا: - الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " كُلُّ معروفٍ صدقة ". أ تخريج الوجه الثاني: الحديث رواه عن محمد بن المُنْكدر، بهذا الوجه جماعة، وهم كالآتي: • فأخرجه البخاري في "صحيحه" (٦٠٢١) ك/الأدب، ب/كل معروفٍ صدقة، وفي "الأدب المفرد" (٢٢٤)، وابن حبَّان في "صحيحه" (٣٣٧٩)، والطبراني في "الصغير" (٦٧٣)، وابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" (١٠)، وفي "قضاء الحوائج" (١٠)، والبغوي في "شرح السنة" (١٦٤٢). كلهم من طرق، عن أبي غسَّان محمد بن مُطرّف، عن محمد بن المُنكدر، عن جابر، بلفظه. • وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١٨١٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٥٤٣٢)، وعَبْدُ بن حُميد في "المسند" - كما في المنتخب" (١٠٨٣) -، وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (٩)، و"اصطناع المعروف" (٩)، وأبو بكر الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٨٣)، والدارقطني في "السنن" (٢٨٩٥)، والحاكم في "المستدرك" (٢٣١١)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٨٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢١١٣٢)، وفي "الشعب" (٣٤٩٦)، وفي "الآداب" (١٤٧)، والبغوي في "شرح السنة" (١٦٤٦). كلهم من طرقٍ، عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن محمد بن المُنْكدر، عن جابرٍ، البعض بلفظه، والبعض مُطوَّلًا. وقال الحاكم: إسناده صحيح، ولم يخرّجاه. وتعقَّبه الذهبي فقال: فيه عبد الحميد، ضعَّفوه. (¬١) • وأخرجه أحمد في "مسنده" (١٤٧٠٩ و ١٤٨٧٧)، وعبْدُ بن حُميْد في "مسنده" - كما في المنتخب (١٠٩٠) -، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٠٤)، وابن أبي الدنيا في "اصطناع المعروف" (٢٥)، والترمذي في "سننه" (١٩٧٠) ك/البر والصلة، ب/ما جاء في طلاقة الوجه، وحُسْن البِشر، وأبو عبد الله المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٨٨١)، والطبراني في "الأوسط" (٩٠٤٤)، وفي "مكارم الأخلاق" (١٩)، وأبو نُعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ١٥٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٠)، والبغوي في "شرح السنة" (١٦٤٢/ ٢). كلهم من طرقٍ، عن المُنْكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال رسول الله ﷺ: " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِه " هذا لفظ أحمد، والباقون به إلا في أحرُفٍ يسيرة، ما عدا أبا نعيم، والقضاعي فبلفظ: " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ" فقط. وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي ذر، وهو حديثٌ حسنٌ صحيح. وقال البغوي: هذا حديثٌ حسنٌ. قلتُ: والمنكدر بن محمد بن المُنْكدر "ليّنُ الحديث". (¬٢) • وأخرجه أبو القاسم تمَّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروْض البسَّام" (١٢٧٩) -، مِنْ طريق موسى بن داود الضَّبِيّ، نا سعد بن الصَّلْت (¬٣) - مولى جرير بن عبد الله البَجَليّ -، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر، قال رسول الله ﷺ: " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمَا وَقَى بِهِ الْمَرْءُ عِرْضَهُ صدقةٌ ". • وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (٨)، وأبو يَعلى في "مسنده" (٢٠٤٠)، والطبراني في "الأوْسط" (٦٨٩٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٢١١٣٣)، وفي "الشعب" (٣٤٩٥ و ١٠٧١٣)، وفي "الآداب" (١٤٨). كلهم من طرقٍ، عن مِسْوَر بن الصَّلْت (¬١) - مِنْ أصحّ الأوْجه عنه (¬٢) -، عن محمد بن المُنْكدر، به، مُطوَّلًا. ب دراسة إسناد الوجه الثاني: الحديث بهذا الوجه أخرجه البخاري في "صحيحه"، وهذا كافٍ لإثبات صحة إسناد هذا الوجه. ثالثًا: - النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مداره على محمد بن المُنْكدر، وقد اختُلف عليه فيه من وجهين: الوجه الأول: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ: "مُدَارَاةُ النَّاس صَدَقَةٌ". الوجه الثاني: محمد بن المُنْكدر، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ: "كَلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". والذي يظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) ضعف إسناد الوجه الأول، ففيه يوسف بن محمد بن المنكدر "ضعيفٌ"، وقال فيه ابن حبّان: يروي عن أبيه ما ليس من حديثه من المناكير التي لا يشك عوام أصحاب الحديث أنها مقلوبة. وهذا بخلاف الوجه الثاني، فقد رواه أبو غسَّان محمد بن مُطرّف، وهو "ثِقَةٌ". (¬٣) ٢) وأمَّا المتابعات للوجه الأول فكلها واهية، لا تصلح للاعتبار - كما سبق بيانه ونقله عن أهل العلم -. وهذا بخلاف الوجه الثاني، فأبو غسَّان قد تابعه سَعْد بن الصَّلت، وعبد الحميد الهلالي، وغيرهما. ٣) إخراج البخاري للوجه الثاني في "صحيحه"؛ ولعلَّ صنيع البخاري ﵀ في "صحيحه" يشير إلى عدم ثبوت الحديث بالوجه الأول "مداراة الناس صدقة" - بهذا اللفظ - حيث بَوَّبَ في "صحيحه" في ك/ الأدب بابًا بعنوان "المداراة مع الناس"، ولم يخرِّج فيه حديث جابر الذي معنا بالوجه الأول، وإنَّما خرَّج حديث عائشة "بِئس أخو العشيرة" - وسيأتي إن شاء الله ﷿، ولم يصنع هنا كما يفعل على عادته أن يُترجم للباب بجزءٍ من الحديث ويذكره معلّقًا، فيقول مثلًا: ب/قول النبي ﷺ كذا، بل قال: ب/المداراة مع الناس، ثم قال: ويُذكر عن أبي الدرداء: «إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ». ولو صحَّ حديث جابر بلفظ الوجه الأول، ولو من وجهٍ ضعيف لكان ذِكرُهُ أوْلى - كما هي عادته - وعدم فعله يدلُّ على ترجيح الوجه الثاني، وهذا من بديع وحسن صنيع الإمام البخاري ﵀. رابعًا: - الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني (بالوجه الأول): من خلال ما سبق يتبين أنَّ الحديث بإسناد الطبرانيّ بلفظ "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ"، "مُنْكرٌ"؛ لأجل يوسف بن محمد بن المنكدر "ضعيف" يَروي عن أبيه ما ليس من حديثه من المناكير التي لا يشك عوام أصحاب الحديث أنها مقلوبة - كما قال ابن حبَّان -، ولم يتابعه أحدٌ على هذا الحديث من وجهٍ يَثبُت، بل كل المتابعات له واهية لا تصلح للاعتبار، مع مخالفته لِمَا رواه الثقات عن محمد بن المُنْكدر. - وقال الهيثمي: رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه يوسف بن محمد بن المنكدر، وهو متروكٌ، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. (¬١) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": رواه الطبراني في "الأوسط"، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعَّفوه، وأخرجه ابن أبي عاصم في "آداب الحكماء" بسندٍ أحسن منه. (¬٢) قال الألباني في "الضعيفة": كأنه - أي الحافظ ابن حجر - يعني - أي بقوْله: أخرجه ابن أبي عاصم بسندٍ أحسن منه - السند الذي هو من رواية المُسيِّب بن واضح، لأنه أشهر أسانيده، وقد عَرِفْتَ أنَّ أبا حاتم أبطله، وإن كان يعني غيره، فلا فائدة منه أيضًا، لِمَا تقدَّم عن ابن عدي، أنَّه سرقه من المُسيِّب جماعة من الضعفاء، والمسيِّب ضعَّفوه، قال أبو حاتم: صدوقٌ يخطئ كثيرًا، وضعَّفه الدارقطني. (¬٣) قلتُ: ويؤيد كلام الشيخ الألباني، أنَّ أبا نُعيم قد أخرج هذا الحديث في "الحلية" (¬٤)، بسنده من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن المسيِّب بن واضح. - والحديث ذكره السيوطي، وعزاه إلى الطبراني، وابن حبان، والبيهقي، ورمز له بالصحة. (¬٥) وتعقبه المناوي في "فيض القدير"، فقال: هذا الحديث له طرق عديدة، لكنّ حديث جابر أعدَلَها - كما قال العلائي -، لذا اقتصر عليه المصنف - السيوطي - ومع ذلك ففيه يوسف بن أسباط - ونقل تضعيف أهل العلم له -، ويوسف بن محمد بن المُنْكدر - ونقل أقوال أهل العلم فيه -. (¬٦) - وضعَّفه الألباني في "ضعيف الجامع"، وقال في "السلسلة الضعيفة": "ضعيفٌ جدًا". (¬٧) - وضعَّفه الحويني في "النافلة"، وقال: وجملة القول: أنَّ الحديث ضعيف لمْ يُروَ من وجهٍ مُعتمد. (¬٨) شواهد للحديث: - والحديث بلفظ "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ" لم أقف له على شواهد صحيحة بهذا اللفظ، وما وقفتُ عليه أسانيدها إما أنْ يكون فيها متروك، أو متهم، أو وضَّاع (¬١)، وأمْثل ما وَقفتُ عليه هو حديث المقدام بن مَعْدي كرب: أخرجه تمّام بن محمد في "فوائده" - كما في "الروض البسام" (١١٠٣) -، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ١٠٦)، من طريق بقية بن الوليد، عن بَحير بن سَعد، عن خالد بن مَعْدان، عن المقدام بن مَعْدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ: "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ". قلتُ: وفيه بقية بن الوليد يدلّس تدليس التسوية، ولم يصرّح بالتحديث. وقال ابن الجوزي: وروى عن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، قال إبراهيم الحربي: وهو حديثٌ كذب. (¬٢) - والحديث يشهد له بالمعنى ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث عائشة ﵂، أنَّه استأذن على النبي ﷺ رجل، فقال: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ، أَوِ بئس أَخُو العَشِيرَةِ». فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ في القول؟ قَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ منزلة عند الله مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَّعَهُ النَّاسُ، اتِّقَاءَ فُحْشِهِ». (¬٣) قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والنكتة في إيراده هنا - أي في باب مداراة الناس - التلميح إلى ما وقع في بعض الطرق بلفظ المداراة، وهو عند الحارث بن أبي أسامة، من حديث صَفْوان بن عَسَّال (¬٤)، نحو حديث عائشة، وفيه: "فقال: إنه منافق أُداريه عن نِفاقه، وأخشى أن يُفسد على غيره". (¬٥) ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح (بالوجه الثاني): مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بالوجه الثاني "صَحيحٌ"، لأخرج البخاري له، وهذا كافٍ لثبوت صحته. وفي الباب عن حذيْفة بن اليمان ﵁، أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي مالك الأشجعي، عن رِبْعِيّ بن حِراش، عن حُذيْفة، عن النبي ﷺ، قال: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ". (¬٦)