يُصَلِّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: … ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وفي بعض الروايات: ثُمَّ تَلا ابْنُ عُمَرَ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وسُئل أبو حاتم عن حديث الباب - حديث عامر بن ربيعة -، وعن حديث ابن عُمر هذا، فقال: إنَّ حَدِيث ابن عُمَرَ أصَحُّ من حَدِيث أَبِي الربيع السَّمَّان. (¬٥) وهذا هو ما أشار إليه البيهقيُّ - بعد أن ضَعف الحديث برواية الب اب، وبشواهده -، فقال: وصَحَّ عن عَبْدِ المَلِكِ بن أبي سُلَيْمَانَ العَرْزَمِيِّ، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ بن الخَطَّابِ أنَّ الآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ في التَّطَوُّعِ خاصَّةً حيث تَوَجَّهَ بِكَ بَعِيرُكَ. (¬٦) • هذا والحديث حسَّنَه الشيخ/أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "سنن الترمذي"، فقال - بعد أن خَرَّج الحديث -: وبذلك يظهر أنَّ الحديث معروفٌ مِنْ غير حديث أشعث، ولعَلَّ الترمذي لم يَطَّلِع على رواية عَمرو بن قيس، وأشعث السَّمَّان إنَّما تُكُلِّم فيه مِنْ قبل حفظه، وهو صدوقٌ، والحديث حسن الإسناد؛ لأنَّ عاصم بن عُبيد الله ضَعَّفوه مِنْ قبل حفظه، وقد روى عنه مالك، وشعبة مع تشدُّدهما في الرجال، ثُمَّ خَرَّج الحديث عن جابر بن عبد الله، وضَعَّفه، وقال: فَعُلم مِنْه أنَّ للواقعة أصلاً مَعْروفاً. قلتُ: وهذا الكلام لا يخلو مِنْ نظر - كما لا يخفى، وهو واضحٌ مِنْ خلال ما سبق بيانه -: فالمُتابع لأشعث بن سعيد هو: عُمر بن قيس المكيّ المعروف بِسَنْدل، وهو "متروك الحديث"، وليس هو عَمرو بن قيس الملائيّ "الثقة"، كما ظن الشيخ/شاكر ﵀، وأشعث السَّمَّان ليس بصدوقٍ، بل هو "متروك الحديث" - كما سبق بيانه في دراسة الإسناد -. لذا تراجع الشيخ/شاكر ﵀ عن تحسينه، وذهب إلى تضعيفه، فقال في تعليقه على "تفسير الطبري": وقد ذهبت في شرحي للترمذي إلى تحسين إسناده، ولكني أستدرك الآن، وأرى أنَّه حديثٌ ضَعيفٌ. وقال: والأشعث بن سعيد "ضَعيفٌ جدًا". (¬١) والحديث حسَّنه أيضًا الشيخ/الألباني ﵀ بمتابعاته، وبمجموع شواهده: فظن أنَّ المُتابع لأشعث بن سعيد هو عَمرو بن قيس "الثقة"، والصواب - كما سبق - أنَّه: عُمر بن قيس المكيّ "المتروك". وقال: وبالجملة فالحديث بهذا الشاهد مع طرقه الثلاث عن عطاء يرقى إلى درجة الحسن إن شاء الله. قلتُ: وسبق أنْ ذكرت طُرق الحديث وشواهده، وبَيَّنتُ أنَّ الحديث ليس له طريق صحيحٌ يصلح للاعتبار، إلا رواية عبد الملك بن أبي سُليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله، لكنَّها مُخالفةٌ لما أخرجه مُسْلمٌ في "صحيحه" مِنْ طُرُقٍ عن عبد الملك بن أبي سُليمان - كما سبق تفصيله -. وعليه فيبقى الحديث على ضَعفه، وهو ما ذهب إليه أبو حاتم، والعقيلي، وأبو داود الطيالسي، والدَّارقطني، والبيهقي - كما سبق بيانه -، وضَعَّفه كذلك ابن حزم (¬٢)، والنووي (¬٣). رابعًا: - النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّفُ ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن عاصم بن عُبَيْدِ اللَّهِ إلا أبو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ. وافقه على ذلك الترمذي، فقال - كما سبق في التخريج -: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نعرفهُ إلا مِنْ حديث أَشْعَثَ السَّمَّانِ عن عَاصِمِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ. وقال العقيلي - بعد أن أخرج الحديث في ترجمة أشعث -: وله غيرُ حديثٍ مِنْ هذا النَّحْوِ لا يُتَابَعُ على شيءٍ مِنْهَا. قلتُ: بل تابعه عُمر بن قيس المكي المعروف بِسَنْدل، وهو "متروك الحديث"، أخرج روايته أبو داود الطيالسي، إن كان ذلك محفوظاً عنه - كما سبق بيانه في التخريج، والحكم على الحديث -. خامسًا: - التعليق على الحديث: قال الإمام الترمذي: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلَّى في الغَيْمِ لغير القبلة ثُمَّ اسْتَبَانَ له بعد ما صَلَّى أنَّه صَلَّى لغير القِبْلَةِ فإنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، وبه يقول الثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبَارَكِ، وأحمد، وإسحاقُ. (¬٤) * * * [٦١/ ٤٦١]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ (¬١)، قَالَ: نا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ (¬٢)، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَوْدِيُّ (¬٣)، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ. عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ صُنِعَتْ لَهُ النُّورَةُ (¬٤)، وَدَخَلَ الْحَمَّامَ (¬٥)، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، فَلَمَّا دَخَلَهُ وَوَجَدَ حَرَّهُ، وغَمَّهُ، قَالَ: أَوِّهْ (¬٦) مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، أَوِّهْ، أَوِّهْ، قَبْلَ أَنْ لا يَنْفَعَ أَوِّهْ». * لا يُرْوَى هذا الحديثُ عن أبي مُوسَى إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إبراهيمُ بن مَهْدِيٍّ. أولًا: - تخريج الحديث: • أخرجه المصنف ﵁ في "الأوائل" (١٢)، عن أحمد بن خُليد، به. (¬٧) وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، ولم أقف عليه - على حد بحثي - في "الكبير". (¬٨) • وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (١/ ٦٠) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٧) -، قال: حدثنا علي بن أحمد بن علي المِصِّيصي، ثنا أحمد بن خُليد، به. وقال أبو نعيم: تَفَرَّد به الأبَّار، عن إسماعيل. • وأخرجه مَسْلمة بن قاسم في "زوائده على مصنف ابن أبي شيبة" (٣٦٠٣٢)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٣٦٢)، وابن أبي عاصم في "الأوائل" (١٣٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٦٨، ١/ ٨٤)، وابن السنيّ في "عمل اليوم والليلة" (٣١٧)، وابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٦٣) - ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٥٦٦) -، والبيهقي في "الشعب" (٧٧٧٨) - ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٧) -، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٢٧٨)، وابن العديم في "تاريخ حلب" (٣/ ١٠٣٩). كلهم من طرقٍ عن إبراهيم بن مهدي، بسنده، البعض بنحوه، والبعض مختصرًا. • وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١٤)، من طريق أبي هارون العَطَّار؛ ومشرق بن عبد الله الفقيه في "حديثه" (٢٣) - مخطوط نُشِر ضمن جوامع الكَلِم، وعزاه إليه الألباني في "الضعيفة" (٢٧٠٤) -، من طريق محمد بن الحسين بن صالح السّبيعي، كلاهما (العطّار، والسّبيعيّ)، عن أبي حفص الأبّار، به. ثانيًا: - دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) إبراهيم بن مَهْدي، المِصّيصي، بَغْدَاديُّ الأصل، سَكَن المِصِّيصة، ويُقال له: الطرسوسي. روى عن: عُمر بن عبد الرحمن أبي حفص الأبَّار، وحمَّاد بن زيد، وسفيان بن عُيَينة، وآخرين. روى عنه: أحمد بن خُليد، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرَّازي، وآخرون. حاله: قال أبو حاتم، وابن قانع، وابن يونس: ثِقَةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وارتضاه الإمام أحمد، فكان يُحَدِّث عنه. وروى عنه أبو داود - وهو لا يُحدّث إلا عن ثقة -. وقال الحافظ في "التقريب": مقبول. - وقال ابن مَعين: كان رجلًا مسلمًا، فقيل له: أهو ثقة؟ فقال: ما أراه يكذب. وقال مَرَّةً - كما أسنده عنه العقيلي -: جاء بمناكير. وقال العقيلي: حَدَّث بمناكير - وذكر حديث الباب في ترجمته (¬١) -. وقال الأزدي: له عن علي بن مُسْهر أحاديث لا يُتابع عليها. فالحاصل: أنه "ثِقَةٌ، له مناكير". (¬٢) ٣) عُمر بن عبد الرحمن بن قيْس، الكوفي، أبو حفص الأبَّار، نزيل بغداد. روى عن: إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي، وسُليمان الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرين. روى عنه: إبراهيم بن مهدي، وعثمان بن أبي شيبة، ويحيى بن معين، وآخرون. حاله: قال ابن سعد، وابن معين، وابن شاهين، وابن أبي شيبة، والدّارقطني، والذهبي: ثِقَةٌ. وقال أحمد، والنسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال في "المشاهير": من متقني الكوفيِّين. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حجر: صدوقٌ. والحاصل: أنه "ثِقَةٌ"؛ فوَثَّقه جمعٌ، ولم يُعْلم فيه جرحٌ. (¬١) ٤) إسماعيل بن عبد الرحمن، الكوفي، الأَوْديّ، ويُقال له: المَكيُّ. روى عن: أبي بُرْدة عامر بن عبد الله بن قيْس، والحسن البصري. روى عنه: عُمر بن عبد الرحمن أبو حفص الأبَّار. حاله: قال البخاري: فيه نظر، وذكر حديث الباب في ترجمته، وقال: لا يُتابَع عليه. وقال العقيلي: لا يُتابع عليه، ولا يُعْرف إلا به. وقال ابن عدي: يُعرف بحديث الحمّامات، وقد ذكرنا له بإسناده حديثًا آخر، ولا أعرف له غيرهما. وقال الأزدي: مُنْكَر الحديث. وقال الذهبي: تُكُلّم فيه، حديثه في الحمَّامات لا يَثْبَت. وقال ابن معين: شَيْخٌ، والذي يسبق إلى قلبي أنّ إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي الذي يروي عنه أبو حفص الأبّار هو الأوْدي. وذكره ابن حبّان في "الثقات". (¬٢) فالحاصل: أنه "فيه نظر". له حديثان، انفرد بأحدهما، فهذا يدل على شدة ضعفه - والله أعلم -.