القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني

نسخة واحدة · نسخة واحدة · ٠ موازيًا في كتب أخرى
النسخ
every copy of this hadith
فلانمقبول التعيينفلانمرجّح غير مقطوعفلانغير معيَّن: الاسم كما في النصفلاناستثناء المالك، قيد المراجعة
القسم الثاني من المعجم الأوسط للطبراني
المدوَّنة · هذه النسخة وحدها
الإسناد 1:أحمد بن خليد عن عُبَيْد بْن جناد عن إسماعيل بن عياش عن حميد ابن مالك اللخمي (¬١ عن إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي (¬٢ليس من الرواة: ٣٨/ ٤٣٨
الإسناد 2:أبيه

يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. * لم يَرْوِ هذا الحديث عن حُمَيْدِ بن مالكٍ إلا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. هذا الحديث مَدَاره على إبراهيم بن جرير بن عبد الله، واختلف عليه مِنْ وجهين: الوجه الأول: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليّ، عن أبيه ﵁. الوجه الثاني: إبراهيم بن جرير بن عبد الله، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير البَجَليِّ ﵁. وتفصيل ذلك كالآتي: أولاً:- الوجه الأول: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليّ، عن أبيه ﵁ (مُرْسلًا). أ تخريج الوجه الأول: • أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٣٨) - وهي رواية الباب -، قال: حدَّثنا أحمد بن خُليد، نا عُبيد بن جَنَّاد؛ وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٨٨)، مِنْ طريق عَبد الْوَهَّابِ بن الضَّحَّاكِ؛ كلاهما عن إسماعيل بن عَيَّاش، قال: حدَّثَنا حُمَيْدُ بن مالكٍ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن جرير بن عَبد اللَّه، عن أَبِيهِ، سَأَلْنَاهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَامَ فَهَرَقَ الْمَاءَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَى بِنَا صَلاةَ الْعَصْرِ، فَقِيلَ لَهُ أَتَمْسَحُ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، قَالَ هَلْ كَانَ إِسْلامِي إِلا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. واللفظ لابن عدي. • والطبراني في "الكبير" (٢٣٩٤)، وفي "الأوسط" (٣٦١٧)، مِنْ طريق حفص بن سُلَيْمَانَ، عن قَيْسِ بن مُسْلِمٍ، عن إبراهيم بن جَرِيرِ بن عَبْدِ الله، بنحوه. قلتُ: وفيه حفص بن سليمان - صاحب عاصم - "متروك الحديث، مع إمامته في القراءة". (¬٣) • والطبراني في "الكبير" (٢٣٩٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٥٢١)، مِنْ طريق أَبَان بن عَبْدِ اللهِ البَجَلِيّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْغَيْضَةَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَأَتَاهُ جَرِيرٌ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَاسْتَنْجَى، وَمَسَحَ يَدَهُ بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى خُفَّيْهِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ قَالَ: «إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». قَدَمَيْكَ ب دراسة إسناد الوجه الأول (بإسناد الطبراني): ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عُبَيْد بن جَنَّاد الكِلابيّ الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٣) إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشِ بنِ سُلَيْمٍ العَنْسِيُّ، أَبُو عُتْبَةَ الحِمْصِيُّ. روى عن: حُميد بن مالك، وسفيان الثوري، وسليمان الأعمش، وآخرين. روى عنه: عُبَيد بن جَنَّاد الحلبي، وهشام بن عَمَّار، وعبد الله بن المبارك، وابن معين، وآخرون. حاله: قال يزيد بن هارون: ما رأيت شامياً ولا عراقياً أحفظ منه. وقال ابن معين: ليس به بأس. _ وقال النَّسائي: ضَعيفٌ. وقال أبو حاتم: ليِّنٌ، يُكتب حديثه، لا أعلم أحداً كفَّ عنه إلا أبو إسحاق الفَزَاريّ. _ وقال ابن معين: إذا حدَّث عن الشَّامِيِّينَ عن صَفْوَان وجريرٍ فحديثه صَحِيحٌ، وإذا حدَّث عن العراقيّين والمدنيين خَلَطَهُ ما شِئْتَ. وقال أحمد: في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز بعض الشيء، وروايته عن أهل الشام كأنه أثبت وأصح، وإذا حدَّث عن غير الشاميين أتى بالمناكير. وقال البخاري: ما روى عن الشاميين فهو أصح. وقال أبو زرعة: صدوقٌ، إلا أنَّه غلط في حديث الحجازيين والعراقيين. وقال النَّسائي أيضاً: صالحٌ في حديث أهل الشام. وقال ابن عدي: يُكتب حديثه، ويُحتج به في حديث الشاميين خاصة. _ وقال الذهبي في "المغني": صَدُوقٌ في حديث أهل الشَّام، مُضْطَربٌ جداً في حديث أهل الحجاز. وفي "الديوان": ضعيفٌ في غير الشاميين. وفي "السير": حَدِيْثُه عَنِ الحِجَازِيّينَ وَالعِرَاقِيّينَ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَحَدِيْثُهُ عَنِ الشَّامِيّينَ صَالِحٌ مِنْ قبِيْلِ الحَسَنِ، وَيُحْتَجُّ بِهِ إِنْ لَمْ يَعَارضْهُ أَقوَى مِنْهُ. وقال ابن حجر: صدوقٌ في روايته عن أهل بلده، مُخَلِّطٌ في غيرهم. (¬١) والحاصل: أنَّه "صَدُوقٌ في روايته عن الشاميين، مُخَلِّطٌ في غيرهم". (¬٢) ٤) حُمَيْدِ بْنِ مَالِكٍ بن سُحَيْم، اللَّخْمِيِّ، الكوفيُّ. روى عن: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليِّ، ومكحول، روى عنه: إسماعيل بن عَيَّاش، ومُعاوية بن حفص، والربيع بن حُميد، والمسيّب بن شريك، وآخرون. حاله: قال ابن معين: ضعيفٌ، لم يُحَدِّث عنه إلا إسماعيل بن عَيَّاش. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: ضَعيفُ الحديث. وزاد أبو زرعة: ليس بالقوي. فالحاصل: أنَّه "ضَعيفُ الحديث". (¬١) ٥) إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ. روى عن: أبيه جرير بن عَبد الله، وقيس بن أَبي حازم، وابن أخيه أبي زرعة بن عَمْرو، وآخرين. روى عنه: حُميد بن مالك اللَّخْميُّ، وأبان بن عبد الله بن جرير، وشريك بن عبد الله النَّخعيُّ، وآخرون. حاله: ذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة. وقال الذهبي، وابن حجر: صدوقٌ. - وقال ابنُ سَعْدٍ، وإبراهيم الحربي: وُلِدَ بعد مَوْتِ أبيه. وقال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، وابن أبي حاتم: لم يسمع مِنْ أبيه شيئًا. وقال ابن عدي: في بعض رواياته يقول: حَدَّثني أبي، ولم يُضَعَّف في نفسه، إنَّما قيل: لم يسمع من أبيه شيئا. قلتُ: وذكر البخاري الحديث الذي يقول فيه: حدَّثني أبي، وبَيَّن أنَّ في سنده دَاوُدُ بن عَبد الجبار، وأنَّه مُنكر الحديثِ. لذا قال ابن حجر: لم يَسْمع مِنْ أبيه، وقد روى عنه بالعنعنة، وجاءت رواية بصريح التَّحديث لكنَّ الذنب لغيره. فالحاصل: أنَّه "صدوقٌ، لم يَسْمع مِنْ أبيه". (¬٢) ٦) جَريرُ بن عَبْد اللَّهِ أَبُو عمرو البَجَليُّ، الأحْمَسيُّ، اليمنيُّ. روى عن: النَّبِيّ ﷺ، وعن عُمَر بن الخطاب، ومعاوية بن أَبي سفيان ﵃. روى عنه: أنس بن مالك ﵁، وعامر بن شراحيل الشَّعْبيُّ، وقيس بن أبي حازم، وآخرون. أسلم جرير في السنة التي تُوفي فيها النَّبيُّ ﷺ. وكان حسن الصورة، وقال عمر بن الخطاب ﵁: جرير يوسف هذه الأمة، وهو سيد قومه. وعن جَرِيرِ بن عَبْدِ اللَّهِ، قال: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلا ضَحِكَ. (¬٣) ودعا له النَّبيُّ ﷺ، فقال: «اللهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». (¬٤) (¬٥) ثانياً:- الوجه الثاني: إبراهيم بن جرير، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير البَجَليِّ (مُتَّصلًا). أ تخريج الوجه الثاني: • أخرجه أحمد في "مسنده" (١٩٢٢٣)، عن أسود بن عامر؛ والطبراني في "الكبير" (٢٢٩٣)، مِنْ طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّانيّ؛ ثلاثتهم، عن شَرِيك بن عبد الله النَّخَعي، عن إبراهيمَ بن جَرِيرٍ، عن قَيس بن أبي حازم، عن جَرِيرٍ، قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. ب دراسة إسناد الوجه الثاني (بإسناد الإمام أحمد): ١) الأسود بن عامر الشَّاميّ: "ثِقَةٌ". (¬١) ٢) شريك بن عبد الله النَّخعيّ: "ضَعيفٌ، يُعتبر به"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٠). ٣) قيس بن أبي حازم البَجَليّ: "ثِقَةٌ، مُخَضْرم". (¬٢) ت متابعات للوجه الثاني: • أخرج ابن الأعرابي في "معجمه" (٢٣١٩)، مِنْ طريق سُفيان الثوري - مِنْ أصح الأوجه عنه (¬٣) -، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْسِ بن أبي حازم، عن جَرِيرٍ، قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ، فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأَنَّ جَرِيرًا أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. ثالثًا:- النظر في الخلاف على هذا الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث مَدَاره على إبراهيم بن جرير بن عبد الله، واختلف عليه مِنْ وجهين: الوجه الأول: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البَجَليّ، عن أبيه ﵁. الوجه الثاني: إبراهيم بن جرير بن عبد الله، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير البَجَليِّ ﵁. والذي يَظهر - والله أعلم - أنَّ الوجه الثاني هو الأشبه والأقرب للصواب؛ للقرائن الآتية: ١) الوجه الأول لا يخلو كل طريق مِنْه مِنْ ضَعفٍ في إسناده. ٢) وأمَّا الوجه الثاني، وإنْ كان مَداره على شريك بن عبد الله النَّخعيّ، وهو "ضَعيفٌ"، لكنَّه تابعه إسماعيل بن أبي خالد، فرواه عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله ﵁، فَدَلَّ ذلك على أنَّه حفظه. ٣) اتفق أهل العلم - كما سبق في دراسة الإسناد - على أنَّ إبراهيم بن جرير لم يَسْمع مِنْ أبيه. ٤) بالإضافة إلى أنَّ الإمام الدَّارقطني ﵀ قد ساق الخلاف في هذا الحديث على إبراهيم بن جرير بن عبد الله بالوجهين، وقال: وحديث شريك - أي بالوجه المتصل - هو الأشبه، والله أعلم. (¬٤) رابعًا:- الحكم على الحديث: أ الحكم على الحديث بإسناد الطبراني: مِمَّا سبق يَتَبَيَّنُ أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ فيه: حُميد بن مالك بن سُحيم الكوفي "ضَعيفُ الحديث، ورواه عنه إسماعيل بن عَيَّاش "مُضْطَربٌ في روايته عن غير الشَّاميين"، وهذه مِنْها. وإبراهيم بن جرير الراجح أنَّه لم يَسْمع مِنْ أبيه بالاتفاق - كما سبق -. ب الحكم على الحديث مِنْ وجهه الراجح: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث مِنْ وجهه الراجح "ضَعيفٌ"؛ فَمَدَاره على شريك النَّخعيّ "ضَعيفٌ يُعتبر به". مُتَابَعَاتٌ للحديث: • والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٨٧)، ك/الصلاة، ب/الصلاة في الخِفَاف، ومُسْلمٌ في "صحيحه" (٢٧٢)، ك/الطهارة، ب/المسح على الخفين، وغيرهما، مِنْ طُرُقٍ عن الأَعْمَشِ، قال: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ - النَّخعيّ -، يُحَدِّثُ عن هَمَّامِ بن الحَارِثِ، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأَنَّ إِسْلامَ جَرِيرٍ، كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. شواهد للحديث: • أخرج البخاري، ومُسلمٌ في "صحيحيهما"، عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. (¬١) واللفظ لمسلم، في إحدى روايته. • وأخرج الإمام البخاري في "صحيحه"، مِنْ طريق أبي سَلَمَة بن عبد الرَّحْمَنِ، عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، عن سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ عُمَرَ ﵁ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. (¬٢) • وأخرج البخاري في "صحيحه"، عن جَعْفَرِ بن عَمْرِو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ. (¬٣) • وأخرج الإمام مُسْلمٌ في "صحيحه" عن حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: «ادْنُهْ». فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ، فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. (¬٤) وقال الترمذي: وفي البَابِ عن عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَبِلَالٍ، وأبي أَيُّوب، وَسَلْمَان، وبُرَيْدَةَ، وأَنَسٍ، وسَهْلِ بن سَعْدٍ، ويَعْلَى بن مُرَّةَ، وعُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، وأُسَامَةَ بن شَرِيكٍ، وأبي أُمَامَةِ، وجَابِرٍ، وأُسَامَةَ بن زَيْدٍ ﵃. (¬٥) وقال البوصيري: وفي الباب مِمَّا لم يذكره التِّرْمِذِيُّ: عن أبي بَكْرَةَ، وصَفْوَانَ بن عَسَّالٍ، وأبي مُوسَى، وعَوْفِ بن مالك، وخُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ، وقَيْسِ بن سَعْدِ بن عُبَادَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ. (¬١) وقال أبو بكر بن المنذر: ورُوِّينَا عن الحَسَنِ البصريّ، أنَّهُ قال: حدَّثني سَبْعُونَ من أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. (¬٢) وقال ابن عبد البر: رَوى عن النبي ﷺ المَسْحَ على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة، واستفاض وتواتر. (¬٣) وقال ابن حجر: صَرَّح جَمْعٌ مِنْ الحفاظ بأنَّ المسح على الخفين متواترٌ، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة. (¬٤) وقال المُنَاوي: وقد بلغت أحاديث المسح التواتر، حتى قال الكمال بن الهمام: قال أبو حنيفة ﵁: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار، وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين؛ لأنَّ الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر. (¬٥) لذا عدَّه السيوطي، والكتاني في الأحاديث المتواترة. (¬٦) وعليه فالحديث بمتابعاته، وشواهده يرتقي إلى "الصحيح لغيره"، والله أعلم. خامساً:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لم يَرْوِ هذا الحديث عن حُمَيْدِ بن مالكٍ إلا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. قلتُ: ومِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ حكم الإمام بالتَّفرد صحيحٌ، ولم أقف على ما يدفعه، وهو تَفَرُّدٌ نسبيٌّ. خامسًا:- التعليق على الحديث: قال الترمذي: هذا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ، لأنَّ بعض مَنْ أنكر المسح على الخُفَّيْنِ تأوَّلَ أنَّ مَسْحَ النَّبِيِّ ﷺ كان قبل نُزُولِ المائدة، وذكر جَرِيرٌ في حديثه أَنَّهُ رأى النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ بَعْدَ نُزُولِها. (¬٧) وقال النووي: أجمع من يُعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها؛ وإنَّما أنكرته الشيعة، والخوارج، ولا يُعتد بخلافهم، وقد روي عن مالك روايات فيه، والمشهور مِنْ مذهبه كمذهب الجماهير، وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة، قال الحسن البصري حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين. وقال: وقولهم: "كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأَنَّ إِسْلامَ جَرِيرٍ، كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ" معناه: أن الله ﷿ قال في سورة المائدة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (¬١)، فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة، لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية المائدة، فلمَّا كان إسلامه متأخرًا، علمنا أنَّ حديثه يُعْمَلُ به، وهو مُبَيِّنٌ أنَّ المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة مُخَصِّصَة للآية، وروينا في "سنن" البيهقي، عن إبراهيم بن أدهم، قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير، والله أعلم. (¬٢) وقال ابن كثير: وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعية المسح على الخفين قولًا منه، وفعلًا، وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مُسْتَنَد، بل بجهلٍ وضلالٍ، فقد ثبت عن جمع مِنْ الصحابة، والتابعين، وأئمة السلف، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليلٌ صحيحٌ في نفس الأمر، ولله الحمد. (¬٣) * * * [٣٩/ ٤٣٩]- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ، قَالَ: نا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ، قَالَ: نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ (¬١)، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ، قَالَ: أَقْرَأَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْقُرْآنَ، فَأَهْدَيْتُ إِلَيْهِ قَوْسًا، فَغَدَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ تَقَلَّدَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَقَلَّدْهَا مِنْ جَهَنَّمَ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رُبَّمَا حَضَرْنَا طَعَامَهُمْ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ. فَقَالَ: «أَمَّا مَا عُمِلَ لَكَ فَإِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَهُ، فَإِنَّمَا تَأْكُلُهُ بِخَلاقِكَ (¬٢)، وَأَمَّا مَا عُمِلَ لِغَيْرِكَ، فَحَضَرْتَهُ فَأَكَلْتَ مِنْهُ، فَلا بَأْسَ بِهِ». * لا يُرْوَى هذا الحديث عن الطُّفَيْلِ بن عَمْرٍو إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. أولاً:- تخريج الحديث: • أخرجه سعيد بن منصور في "التفسير مِنْ سننه" (١٠٩)؛ وحَنْبَل بن إسحاق في "جزئه التاسع مِنْ فوائد ابن سمّاك" (٤٢)، والبغوي في "معجم الصحابة" (١٣٧٠) - ومِنْ طريقه أبو العبَّاس المُسْتَغْفري في "فضائل القرآن" (١٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٥/ ٧) -، كلاهما (حنبل، والبغوي) عن داود بن عمرو الضبيّ؛ وأبو العبَّاس المُسْتَغْفري في "فضائل القرآن" (١٤) مِنْ طريق محمد بن عُبيد المُحاربي. ثلاثتهم، عن إسماعيل بن عَيَّاشٍ، عن عبد رَبِّه بن سُلَيْمَان، عن الطُّفَيل بن عَمْرٍو، بنحوه. وقال أبو القاسم البغوي: والذي روى عنه إسماعيل بن عيَّاش هذا الحديث عبد ربه، واسمه ابن زيتون، أحسبه من أهل حمص، ولم يسمع من الطُّفَيْل بن عَمرو، وهو حديثٌ غَرِيْبٌ، وللطُّفَيْل رواية عن النبي ﷺ غير هذا. وقال ابن عساكر: والطُّفَيْل أحسبه سكن الشام، ابن زيتون من أهل بيت المقدس، وليس بحمصي. ثانيًا:- دراسة الإسناد: ١) أحمد بن خُلَيْد: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (١). ٢) عُبَيْد بن جَنَّاد الكِلابيّ الرَّقِّيُّ: "ثِقَةٌ"، تَقَدَّم في الحديث رقم (٢٦). ٣) إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشِ: "صَدُوقٌ في روايته عن الشاميين، مُخَلِّطٌ في غيرهم"، تَقَدَّم في الحديث (٣٨). ٤) عبد الله بن سُليمان بن عُمير. روى عن: الطُّفيل بن عَمرو الدَّوْسيّ ﵁. روى عنه: إسماعيل بن عيَّاش. حاله: لم أقف له على ترجمة؛ ولَعَلَّه هو: عَبْدِ رَبِّهِ بن سُلَيْمَانَ بن عُمَيْر بن زَيْتُون الدِّمَشْقِيّ، يروي عن: رجاء بن حيوة، وعَبْد اللَّهِ بن محيريز، وأم الدرداء، والطُّفيل، روى عَنهُ: إسماعيل بن عَيَّاش، ورجاء بن أَبي سلمة، والشاميون. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يَذْكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال الذهبي: مجهولٌ. وقال ابن حجر في "اللسان": وثَّقه ابن حبَّان. وفي "التقريب": مقبولٌ. (¬١) ٥) الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بن طَريف، الدَّوْسِيُّ الأَزْدِيُّ. روى عن: النَّبيّ ﷺ، وصعصعة بن ناجية البصري ﵁. روى عنه: عبد الله بن سُليمان بن عُمَيْر، وصالح بن كَيْسَان، وعبَّاد بن كَسيب، وآخرون. أسلم، وصدق النبي ﷺ بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه من أرض دوس، فلم يزل مقيمًا بها حتى هاجر رسول الله ﷺ، ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بخيبر بمن تبعه من قومه، فلم يزل مقيما مع رَسُول اللَّهِ ﷺ حتى قبض ﷺ، ثم كان مع المسلمين حتى قُتِلَ باليمامة شهيدًا. وكان سيدًا مُطاعًا مِنْ أشراف العرب. (¬٢) ثالثاً:- الحكم على الحديث: مِمَّا سبق يَتَبَيَّن أنَّ الحديث بإسناد الطبراني "ضَعيفٌ"؛ لأجل عبد الله بن سُليمان بن عُمير "مجهول الحال"، والانقطاع بينه وبين الطُّفيل بن عَمرو. قال البغوي - كما سبق في التخريج -: والذي روى عنه إسماعيل بن عيَّاش هذا الحديث عبد ربه، واسمه ابن زيتون، أحسبه من أهل حمص، ولم يسمع من الطُّفَيْل بن عَمرو، وهو حديثٌ غَرِيْبٌ. وقال الهيثمي: وفيه: عبد الله بن سليمان بن عُمَير، ولم أجد من ترجمه، ولا أظنه أدرك الطفيل. (¬٣) شواهد للحديث: أخرج ابن ماجة بسندٍ ضَعيفٍ، عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ، قال: عَلَّمْتُ رَجُلاً الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ"، فَرَدَدْتُهَا. (¬٤) وعليه فالحديث بشاهده يرتقي مِنْ "الضَعيفِ"، إلى "الحسن لغيره". رابعًا:- النظر في كلام المُصَنِّف ﵁ على الحديث: قال المُصَنِّف ﵁: لا يُرْوَى عن الطُّفَيْلِ بن عَمْرٍو إلا بهذا الإسناد، تَفَرَّدَ به: إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ. قلتُ: مِمَّا سبق في التخريج يَتَّضح صحة ما قاله المُصَنِّف ﵁. خامسًا:- التعليق على الحديث: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث؛ قال الخطابي: اختلف الناس في معنى هذا الحديث، وتأويله، فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره، فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه. وقالت طائفة: لا بأس به ما لم يشترط، وهو قول الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وأباح ذلك آخرون، وهو مذهب عطاء، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، واحتجوا بحديث سهل بن سعد قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». (¬١) وتأولوا حديث الباب على أنه أمرٌ كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه، ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النبي ﷺ إبطال أجره وتوعده عليه، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً. وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ الرجل المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب. وقال بعض العلماء: أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات: فإذا كان في المسلمين غيره مِمَّن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه، لأن فرض ذلك لا يتعين عليه، وإذا كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة، وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه. وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا رَقَيْتُ إِلا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ». (¬٢) قال الخطابي: وفيه بيان جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولو كان ذلك حراماً لأمرهم النبي ﷺ برد القطيع، فلمَّا صَوَّب فعلهم، وقال لهم: أحسنتم، ورضي الأجرة التي أخذوها لنفسه، فقال: اضربوا لي معكم بسهم، ثبت أنه مباحٌ، وأنَّ المذهب الذي ذهب إليه من جَمَعَ بين أخبار الإباحة والكراهة في جواز أخذ الأجرة على ما لا يتعين الفرض فيه على معلمه، ونفى جوازه على ما يتعين فيه التعليم مذهب سديدٌ. (¬١) وقال النووي بعد أن ذكر حديث الرقية: هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر، وأنها حلال لا كراهة فيها، وكذا الأجرة على تعليم القرآن، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وآخرين من السلف ومن بعدهم، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن، وأجازها في الرقية. (¬٢) وقال ابن حجر: وفي الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ، فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ، إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ». (¬٣) هذا الحديث استدل به الجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم، وأجازوه في الرقى كالدواء، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة التي في الحديث يأبى هذا التأويل؛ وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردودٌ، وبأنَّ الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب، وبأنَّ الأحاديث المذكورة أيضا ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارض الأحاديث الصحيحة. (¬٤) وذهب بعض أهل العلم على أنَّ الإباحة محمولة على أخذ الأجرة من بيت مال المسلمين، فهذا جائز، كما يُعطى الأئمة والمؤذنون والقضاة؛ والخلاف إنما هو فيما كان على وجه الارتزاق، فهذا جوّزه بعضهم، ومنعه آخرون، وقال بعضهم بجوازه مع الحاجة دون الغنى، وقال بعضهم بجوازه إذا دفع إليه من غير سؤال ولا استشراف نفس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإنما تنازع العلماء في جواز الاستئجار على تعليم القرآن والحديث والفقه على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما - وهو مذهب أبي حنيفة وغيره -: أنه لا يجوز الاستئجار على ذلك، والثانية- وهو قول الشافعي -: أنه يجوز الاستئجار، وفيها قول ثالث في مذهب أحمد: أنه يجوز مع الحاجة دون الغني، ويجوز أن يعطى هؤلاء من مال المسلمين على التعليم؛ كما

الموازيات في كتب أخرى
0 links, never merges
لم يُربط هذا الحديث بموازٍ في كتاب آخر بعد.